Полный текст (344 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الحال أن يتجسس، ويقدم على الكشف والبحث؛ حذارًا من فوات ما لا يستدرك، وكذلك لو عرف ذلك غير المحتسب من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار. قال ابن النحاس: قلت: والأمر مداره على التقوى.
والوجه الثاني: ما قصر عن هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه، ولا كشف الأستار عنه".
وقال ابن مفلح في (الآداب الشرعية): نص أحمد فيمن رأى إناء يرى أن فيه مسكرًا، نص أنه يدعه، يعني: أنه لا يفتشه، ترجم عليه الخلال: ما يكره أن يفتش إذا استراب به، وقطع القاضي في (المعتمد) أنه لا يجوز إنكار المنكر إذا ظن وقوعه، وحكى عن بعضهم أنه يجب، واختار ابن المنذر وغيره من الأئمة أن الميت إذا نيح عليه يعذب إذا لم يوص بتركه، وكان من عادة أهله النوح، وهذا معنى اختيار الشيخ فخر الدين في (التلخيص).
قال الشيخ مجد الدين في (شرح الهداية)، وهو أصح الأقوال: لأنه متى غلب على ظنه فعلهم له، ولم يوص بتركه مع القدرة، فقد رضي به، فصار كتارك النهي عن المنكر مع القدرة، فقد جعل ظن وقوع المنكر بمنزلة المنكر الموجود في وجوب الإنكار، والمشهور عندنا في هذه الحال: أنه لا يعذب.
وذكر القاضي أبو يعلى في (الأحكام السلطانية): إن غلب على الظن استسرار قوم بالمعصية؛ لأمارة دلت، وآثار ظهرت، فإن كان في انتهاك حرمة يفوت استدراكها مثل: أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلًا خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزني بها جاز أن يتجسس، ويقدم على البحث والكشف، وهذا في المحتسب دون غيره.
стр. 142
الشرط الرابع: يشترط في المنكر أن يكون معلومًا بغير اجتهاد: قال الإمام النووي في (شرح مسلم): العلماءُ إنما ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه: فلا إنكار فيه؛ لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثير من المحققين، أو أكثرهم، وعلى المذهب الآخر المصيب واحد، والمخطئ غير متعين لنا، والإثم مرفوع عنه؛ لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب، مندوب إلى فعله برفق، فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه إخلال بسنة، أو وقوع في خلاف آخر.
وذكر الماوردي في كتاب (الأحكام السلطانية) خلافًا بين العلماء في أن من قلده السلطان الحسبة هل له أن يحمل الناس على مذهبه فيما اختلف فيه الفقهاء إذا كان المحتسب من أهل الاجتهاد، أم ليس له أن يغير ما كان على مذهب غيره؟ والأصح أنه لا يغير؛ لما ذكرناه، ولم يزل الخلاف في الفروع بين الصحابة والتابعين، فمن بعدهم ﵃ أجمعين- ولا ينكر محتسب ولا غيره على غيره، وكذلك قالوا: ليس للمفتي، ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصًّا، أو إجماعًا، أو قياسًا جليًّا.
وقال الحافظ ابن رجب في (جامع علوم والحكم) في شرح حديث: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره)) قال: والمنكر الذي يجب إنكاره: ما كان مجمعًا عليه، فأما المختلف فيه: فمن أصحابنا من قال: لا يجب إنكاره على من فعله مجتهدًا، أو مقلدًا لمجتهد تقليدًا سائغًا.
واستثنى القاضي في (الأحكام السلطانية) ما ضعف فيه الخلاف، وإن كان ذريعة إلى محظور متفق عليه، كربا النقد، فالخلاف فيه ضعيف، وهو ذريعة إلى ربا النسا المتفق على تحريمه، وكنكاح المتعة؛ فإنه ذريعة إلى الزنا.
стр. 143
وذكر عن إسحاق بن شقلا أنه ذكر أن المتعة هي الزنا صراحة. عن ابن بطة قال: لا يفسخ نكاح حكم به قاض إن كان قد تأول فيه تأويلًا إلا أن يكون قضى لرجل بعقد متعة، أو طلق ثلاثًا في لفظ واحد، وحكم بمراجعة من غير زوج، فحكمه مردود، وعلى فاعله العقوبة والنكال.
والمنصوص عن أحمد: الإنكار على اللاعب بالشطرنج، وتأوله القاضي على من لعب بها بغير اجتهاد، أو تقليد سائغ، وفيه نظر؛ فإن النصوص عنه: أنه يحد شارب النبيذ المختلف فيه، وإقامة الحد أبلغ مراتب الإنكار مع أنه لا يفسق عنده بذلك، فدل على أنه ينكر كل مختلف فيه ضعف الخلاف؛ لدلالة السنة على تحريمه، ولا يخرج فاعل متأول عن العدالة بذلك، وكذلك نص أحمد على الإنكار على من لا يتم صلاته، ولا يقيم صلبه في الركوع والسجود، مع وجود الاختلاف في وجوب ذلك.
هذه هي أقوال الفقهاء في هذا الشرط من شروط المنكر، وهو ألا ينكر المختلف فيه، وللإمام ابن القيم ﵀ رأي وجيه في هذه المسألة، فقد قال في كتابه (إعلام الموقعين): خطأ من يقول: لا إنكار في مسائل الخلاف. قال: قولهم: إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى، أو العمل، أما الأول: فإذا كان القول يخالف سنة، أو إجماعًا شائعًا وجب إنكاره اتفاقًا، وإن لم يكن كذلك، فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله.
وأما العمل: فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار، وكيف يقول فقيه: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتابًا أو سنة، وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء، وأما إذا لم يكن في المسألة سنة، ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مسار، لم تنكر على من عمل بها مجتهدًا، أو مقلدًا،
стр. 144
وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم.
والصواب: ما عليه الأئمة، أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا، مثل: حديث صحيح لا معارض له من جنسه، فيسوغ فيها -إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به يسوغ فيها- الاجتهاد؛ لتعارض الأدلة، أو لخفاء الأدلة فيها، وليس في قول العالم: إن هذه المسألة قطعية أو يقينية، ولا يسوغ فيها الاجتهاد، ليس في قوله هذا طعن على من خالفها، ولا نسبة له إلى تعمد خلاف الصواب.
والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف، وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها كثيرة، مثل: كون الحامل تعتد بوضع الحمل، وإن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول، وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج، وإن لم ينزل، وأن ربا الفضل حرام، وأن المتعة حرام، وأن النبيذ المسكر حرام، وأن المسلم لا يقتل بكافر، وأن المسح على الخفين جائز حضرًا وسفرًا، وأن السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق، وأن رفع اليدين عند الركوع، والرفع منه سنة، وأن الشفعة ثابتة في الأرض والعقار، وأن الوقف صحيح لازم، وأن دية الأصابع سواء، وأن يد السارق تقطع في ثلاثة دراهم، وأن الخاتم من حديد يجوز أن يكون صداقًا، وأن التيمم إلى الكوعين بضربة واحدة جائز، وأن صيام الولي عن الميت يجزئ عنه.
وأن الحاج يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، وأن المحرم له استدامة الطيب دون ابتدائه، وأن السنة أن يسلم في الصلاة عن يمينه وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأن خيار المجلس ثابت في البيع، وأن
стр. 145
المصراة يرد معها عوض اللبن صاعًا من تمر، وأن صلاة الكسوف بركوعين في كل ركعة، وأن القضاء جائز بشاهد ويمين، إلى أضعاف أضعاف ذلك من المسائل.
ولهذا صرح الأئمة بنقض حكم من حكم بخلاف كثير من هذه المسائل، من غير طعن منهم على من قال بها. وعلى كل حال، فلا عذر عند الله يوم القيامة لمن بلغه ما في المسألة من هذا الباب، وغيره من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها إذا نبذها وراء ظهره، وقلد من نهاه عن تقليده، وقال له: لا يحل لك أن تقول بقولي إذا خالف السنة، وإذا صح الحديث فلا تعبأ بقولي.
وحتى لو لم يقل له ذلك، كان هذا هو الواجب عليه وجوبًا لا فسحة له فيه، وحتى لو قال له خلاف ذلك لم يسعه إلا اتباع الحجة، ولو لم يكن له في هذا الباب شيء من الأحاديث والآثار البتة، فإن المؤمن يعلم بالاضطرار أن رسول الله ﷺ لم يكن يعلم أصحابه هذه الحيل، ولا يدلهم عليها، ولو بلغه عن أحد فعل شيئًا منها؛ لأنكر عليه، ولم يكن أحد من أصحابه يفتي بها، ولا يعلمها، وذلك مما يقطع به كل من له أدنى اطلاع على أحوال القوم، وسيرتهم، وفتاويهم، وهذا القدر لا يحتاج إلى دليل أكثر من معرفة حقيقة الدين الذي بعث الله به رسوله الأمين ﷺ .
وقد لخص الدكتور عبد الكريم زيدان في كتاب (أصول الدعوة) كلام ابن القيم هذا فقال في اشتراط عدم الخلاف: يشترط في المنكر أن يكون مما اتفق الفقهاء على اعتباره منكرًا؛ حتى لا يحتج المحتسب عليه بأن ما يفعله جائز على رأي بعض الفقهاء، وإن كان غير جائز على رأي المحتسب.
стр. 146
ولكن إذا كان المنكر مما اختلف الفقهاء فيه، فهل يمنع ذلك الاختلاف من الاحتساب فيه بدون قيد ولا شرط؟ الواقع، أن الخلاف إما أن يكون سائغًا، وإما ألا يكون سائغًا، ولكل حكمه:
أما الخلاف السائغ: فإنه يمنع من الاحتساب على رأي بعض الفقهاء، وقال آخرون: يجوز للمحتسب أن ينكر على فاعل المنكر المختلف فيه، بشرط أن يكون المحتسب مجتهدًا.
وأما الخلاف غير السائغ: وهو الخلاف الشاذ أو الباطل الذي لا يعتد به؛ لعدم قيامه على أي دليل مقبول، كالذي يخالف صريح القرآن، أو السنة الصحيحة المتواترة، أو المشهورة، أو إجماع الأمة، أو ما علم من الدين بالضرورة، فمثل هذا الخلاف لا قيمة له، ولا يمنع المحتسب من الإنكار والاحتساب.
شمولية المحتسب فيه
شمولية المحتسب فيه للدين كله:
قال الإمام الماوردي في كتابه (الأحكام السلطانية): إذا استقر ما وصفناه من موضوع الحسبة، فهي تشتمل على فصلين:
أحدهما: أمر بالمعروف.
والثاني: نهي عن المنكر.
فأما الأمر بالمعروف: فينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يتعلق بحقوق الله تعالى.
стр. 147
والثاني: ما يتعلق بحقوق الآدميين.
والثالث: ما يكون مشتركًا بينهما.
ثم تكلم عن كل واحد من هذه الثلاث، وقال: "وأما النهي عن المنكر: فينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان من حقوق الله تعالى.
والثاني: ما كان من حقوق الآدميين.
والثالث: ما كان مشتركًا بين الحقين.
فأما النهي عنها في حقوق الله تعالى فعلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما تعلق بالعبادات.
والثاني: ما تعلق بالمحظورات.
والثالث: ما تعلق بالمعاملات".
ثم قال: "وأما ما تعلق بالمحظورات فهو أن يمنع الناس من مواقف الريب ومظان التهمة؛ لقول النبي ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))، وأما المعاملات المنكرة كالزنا والبيوع الفاسدة، وما منع الشرع منه مع تراضي المتعاقدين به، إذا كان متفقًا على حظره، فعلى والي الحسبة إنكاره، والمنع منه، والزجر عليه، وأمره في التأديب مختلف بحسب الأحوال، وشدة الحظر. ثم تكلم الفقهاء في أنواع المعاملات على كثرتها، واختلافها، وأماكنها، ومحالها، وأطالوا في ذلك طولًا نعجز عن الإتيان عليه في درس واحد".
لكن الدكتور عبد الكريم زيدان قد أوجز الكلام في شمولية المحتسب فيه فقال: "الشرط الجوهري في موضوع الحسبة أن يكون منكرًا في الشريعة
стр. 148
الإسلامية، وحيث إن من صفات الشريعة الشمول بمعنى: أن لها حكما في كل شيء بلا استثناء، فإن موضوع الحسبة يصير واسعًا جدًّا بحيث يشمل جميع تصرفات وأفعال الإنسان، ولا يخرج من ذلك إلا ما لا تتوافر فيه شروط الاحتساب، ولا يدخل في ولاية المحتسب.
وقد أشار الفقهاء إلى هذه السعة، فالفقيه ابن الإخوة يقول: والمحتسب من نصبه الإمام، أو نائبه للنظر في أحوال الرعية، والكشف عن أمورهم، ومصالحهم، وابتياعاتهم، ومأكولاتهم، ومشروبهم، وملبوسهم، ومساكنهم، وطرقهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر".
ويقول ابن خلدون وهو يتكلم عن المحتسب، ويبحث عن المنكرات، ويعزر ويؤدب على قدرها، ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة مثل: المنع من المضايقات في الطرقات، ومنع الحمالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل، والحكم على أهل المباني المتعينة في للسقوط بهدمها، وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة ... إلى آخره".
ثم أجمل القول، وضرب الأمثلة على اتساع موضوع الحسبة، فقال:
أولًا: الحسبة في الاعتقادات: تجري الحسبة في أمور العقيدة، فمن أظهر عقيدة باطلة، أو أظهر ما يناقض العقيدة الإسلامية الصحيحة، أو دعا الناس إليها، أو حرف النصوص، أو ابتدع في الدين بدعة لا أصل لها منع من ذلك، وجرت الحسبة عليه؛ لأن التقول على الله ودينه بالباطل لا يجوز، ويناقض العقيدة الإسلامية التي من أصولها: الانقياد، والخضوع لله رب العالمين، ولشرعه قال الله ﵎: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ٣٣).
стр. 149
ويدخل في ذلك رواية الأحاديث المقطوع ببطلانها وكذبها، فإن النبي ﷺ قال: ((إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار))، فلا تجوز رواية الأحاديث المقطوع ببطلانها وكذبها إلا لبيان بطلانها وكذبها، ويدخل في ذلك أيضًا تفسير كتاب الله بالباطل من القول، كتفسير الباطنية الذي لا تحتمل النصوص ولا اللغة ولا الشرع ولا المنقول عن السلف الصالح، فلا يجوز لأحد أن يقول في كتاب الله ما لا يحتمله.
ثانيًا: الحسبة في العبادات: مثل: ترك صلاة الجمع من قبل أهل قرية أو بلد مع توافر شرط إقامتها، وترك الأذان، أو الزيادة فيه بما لم يأت به الشرع، فلو اتفق أهل بلد وجبت عليهم الجمعة على تركها، وجب على المحتسب أمرهم بها، وحثهم على إقامتها، وكذلك لو تركوا الأذان؛ فإن النبي ﷺ جعل الأذان علامة الإسلام، وكان إذا أراد أن يغزو قوم بات خارج البلد حتى يصبح، فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإلا أغار عليهم.
كذلك يجب على المُحتسب أن ينكر الزيادات التي يزيدها بعض المؤذنين في أذانهم مما لم يأت في السنة، فكلمات الأذان معروفة ومعدودة، مفتتحة بالتكبير، ومختتمة به، وبين ذلك الشهادتان، والدعوة إلى الصلاة والفلاح، فمن البدع في الأذان: الصلاة على النبي ﷺ قبل الأذان وبعده، وقراءة القرآن قبل الأذان وقبل الإقامة، وما يسمونه: بالابتهالات، كل هذا من البدع في العبادة التي يجب على المحتسب أن ينهى عنها.
ومثل: المخالف لهيئات العبادة، كالجهر في صلاة الإسرار، والإسرار في صلاة الجهر، أو الزيادة في الصلاة، أو عدم الطمأنينة فيها، وكالإفطار في رمضان، وكالامتناع عن إخراج الزكاة، فإن هذا كله داخل في موضوع الحسبة.
стр. 150
كما أن الحسبة تدخل في المعاملات مثل: عقد العقود المحرمة، وأكل أموال الناس بالباطل بالربا وغيره، والرشوة؛ فإن هذه العقود محرمة، يجب على المحتسب أن ينكرها على أهلها، وأن يحول بينهم وبينها.
كذلك يدخل في الحسبة الغش في الصناعات، والبياعات؛ فإن النبي ﷺ قد دخل السوق، وأنكر على من غش الطعام، ففي الحديث المشهور عن أبي هريرة ﵁: ((أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا، فقال ﷺ : ما هذا يا صاحب الطعام؟! فقال: أصابته السماء يا رسول الله. فقال ﷺ : أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، مَن غشنا فليس منا)).
والواقع أن الغش يكون في أشياء كثيرة جدًّا، فيكون مثلًا: في البيوع بكتمان العيوب، وتدليس السلع، فلا يحل لمسلم أن يبيع سلعة يعلم بها عيبًا إلا بينها للمشتري، فإن فعل بارك الله له ولصاحبه، وإن كتم محقت بركة بيعه، فقد قال ﵊: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)).
وقد قال جرير بن عبد الله ﵁: "بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم، وذات يوم أرسل غلامًا له يشتري له فرسًا، فاشترى الغلام الفرس بثلاثمائة درهم، فلما جاء الغلام بالفرس سأله: بكم اشتريته؟ قال: بثلاثمائة درهم. فقال: أتعرف صاحبه؟ قال: نعم. قال: دلني عليه. فقام جرير بن عبد الله وأتى البائع فقال: أبعت فرسك هذا؟ قال: نعم. قال: بعته بثلاثمائة درهم؟ قال: نعم. قال: لا؛ إن فرسك يستحق أكثر من هذا، أتبيعه بأربعمائة أتبيعه بخمسمائة، فما يزال يريده حتى رفع الثمن من ثلاثمائة إلى ثمانمائة درهم، ثم قال: بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم".
стр. 151
فالغشُّ يكون في البيوع بكتمان العيوب، وتدليس السلع مثل: أن يكون ظاهر المبيع خيرًا من باطنه، وهذا كما يفعله كثير من الناس، يجعلون الأعلى دائمًا خير ما في الصندوق، وأما الأسفل فهو أردأ بكثير من الأعلى، ويدخل في الصناعات مثل: الذين يصفون المطعومات، والملبوسات، فيجب نهي هؤلاء عن الغش الذي يرتكبونه في مصنوعاتهم أو بياعاتهم.
كما أن الحِسبة تدخل فيما يتعلق بالطرق والدروب، مثل: بناء الدكان، ووضع الاسطوانات، وورث الأشجار، ووضع الأخشاب، والسلع، والأطعمة في الطرقات، وذبح الحيوانات في الطريق، وتلويث الأرض بالدماء، وطرح القمامة في الدروب والأزقة، وإلقاء قشور البطيخ فيها، ورشها بالماء بحيث يخشى منها الزلق، ونحو ذلك مما فيه ضرر بالناس، فعلى المحتسب أن يمنع ذلك كله، وأن يحتسب فيه؛ لأن فيه ضررًا، وهو ممنوع في الشريعة، وإذا وقع الضرر وجب رفعه.
كذلك تدخل الحسبة في الحرف والصناعات، وقد ذكر فقهاء جميع الحرف والصناعات، وبينوا كيفية الاحتساب فيها، والأصول الجامعة في الاحتساب فيها هي:
أولًا: من حيث المكان: فيجب أن يكون مكان الحرفة أو الصنعة لا ضرر فيه على الآخرين، فلا يكون مكان الخباز في سوق الأقمشة مثلًا، وأن يكون المكان بذاته صالحًا لمباشرة المهنة أو الصنعة، وصلاحه من جهة نظافته، وسعته، وتهويته.
ثانيًا: من حيث أدوات الحرفة أو الصنعة: يجب أن تكون صالحة للاستعمال، وقد وضع الفقهاء -رحمهم الله تعالى- مقاييس لصلاح كل أداة، كأنهم هم أصحاب تلك الصنائع والحرف، فالإمام الشيزري يقول: "ينبغي أن يكون مقلى الزلابية من
стр. 152
النحاس الأحمر الجيد"، ثم يبين كيفية إعداده للاستعمال فيقول: "ويحرق فيه النخالة، ثم يدلكه بورق السلق إذا برد، ثم يعاد إلى النار ويجعل فيه قليل من عسل، ويوقد عليه حتى يحترق العسل، ثم يجلي بعد ذلك أو يجلى بعد ذلك بمدقوق الخزف، ثم يغسل ويستعمل، فإنه ينقى من وسخه وزنجاره".
ثالثًا: إذا كانت أدوات الحرفة مقاييس للوزن أو الكيل أو الزرع وجب التأكد من سلامة هذه المقاييس وصحتها.
رابعًا: من جهة المصنوع أو المبيع: يجب أن يكون خاليًا من الغش والتدليس، فلا تخلط الحنطة بالتراب، ولا يخلط الطحين بغيره من المواد الرديئة، وأن توضع العلامات المميزة لكل نوع إذا اتحد الجنس.
خامسًا: من جهة من يباشر الصنعة والحرفة: يجب أن يلاحظ المحتسب أهليتهم، وقد ذكرنا من قبل قيام المحتسب امتحان الكحال، وهو طبيب العيون، وهكذا قالوا في امتحان أصحاب الحرف الأخرى.
كذلك الأخلاق والفضيلة تدخل في موضوع الحسبة، فينبغي للمحتسب أن يلاحظ ويحتسب فيما يتعلق بالأخلاق والآداب، والفضيلة، فيمنع ما يناقض الأخلاق الفاضلة والآداب الإسلامية، مثل: الخلوة بالأجنبية، والتطلع على الجيران من السطوح والنوافذ، وجلوس الرجال في الطرقات والنساء، وأماكن خروجهن، أو تجمعهن، أو التحرش بهن، ومثل التكشف بالطرقات بإظهار العورات، وما لا يحل كشفه وإظهاره، ومنع من عرف بالفجور من معاملة النساء، قال أبو يعلى الحنبلي: "وإذا كان من أهل الأسواق من يختص بمعاملة النساء راعى المحتسب سيرته وأمانته، فإذا تحققها منه أقره على معاملتهن، وإن ظهرت منه الريبة، وبان عليه الفجور منعه من معاملتهن، وأدبه على التعرض لهن.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 153
الدرس: ٩ المحتسب فيه (٢) .
стр. 154
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع
(المحتسب فيه (٢))
قاعدة في تغيير المنكر
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
إنما يطلب الاحتساب إذا كان من ورائه تحصيل مصلحة، أو دفع مفسدة، فإذا كان ما يترتب عليه فوات معروف أكبر، أو حصول منكر أكبر، لم يكن هذا الاحتساب مطلوبًا شرعًا، وإن كان المحتسب عليه قد ترك واجبًا، أو فعل محرمًا؛ لأن على المحتسب أن يتقي الله تعالى في عباده، وليس عليه هداهم، وليس من تقوى الله أن يتسبب باحتسابه في فوات معروف أكبر، أو حصول منكر أكبر؛ لأنّ الشرع إنما أوجب الحسبة؛ لقمع الفساد، وتحصيل الصلاح.
فإذا كان ما يترتب على الاحتساب مقدارًا من الفساد أكبر من الفساد القائم، أو يفوت من الصلاح مقدارًا أكبر من الصلاح الفائت، لم يكن هنا الاحتساب مما أمر به الشرع.
والأصل في ذلك ما رواه الشيخان، وغيرهما من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: ((يا عائشة، لولا قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون)).
وقد أخرج الإمام البخاري رحمه هذا الحديث في مواضع من كتابه أولها: كتاب العلم، في باب: من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقع في أشد منه.
وقد قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح هذه الترجمة: "وفي الحديث معنى ما ترجم له؛ لأن قريشًا كانت تعظم أمر الكعبة جدًّا، فخشي ﷺ أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غير بناءها؛ لينفرد بالفخر عليهم في ذلك،
стр. 155
ويستفاد منه: ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه إنكار ترك المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم، ولو كان مفضولًا، ما لم يكن محرمًا.
ومن المواضع التي أخرج البخاري ﵀ هذا الحديث فيها، كتاب الحج، باب: فضل مكة وبنيانها.
وقد تكلم الحافظ ابن حجر ﵀ أيضًا على فوائد هذا الحديث وقال: "وفي حديث بناء الكعبة من الفوائد غير ما تقدم ما ترجم عليه المصنف في العلم، وهو ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر عنه فهم بعض الناس، فيقع في أشد منه، قال: والمراد بالاختيار في عبارته: المستحب.
وفي الحديث: اجتناب ولي الأمر ما يتسرع الناس إلى إنكاره، وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا، وتألف قلوبهم بما لا يترك فيه أمر واجب، وفيه تقديم الأهم فالأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بدئ بدفع المفسدة، وأن المفسدة إذا أمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة".
ويقول الإمام النووي ﵀ في شرح هذا الحديث أيضًا في (شرح مسلم): "وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام، منها: إذا تعارضت المصالح، أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذر الجمع بين فعل المصلحة، وترك المفسدة بدئ بالأهم؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم ﷺ مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه، وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريبًا؛ وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة، فيرون تغييرها عظيمًا، فتركها ﷺ ".
стр. 156
وقد أطال كل من ابن القيم ﵀ شيخه ابن تيمية ﵀ في بيان هذه القاعدة؛ فقال ابن القيم في (إعلام الموقعين) بناء الشريعة على مصالح العباد في المعاش والمعاد، قال ﵀: "هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة، وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم، ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها.
فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح.
فهي بها الحياة، والغذاء، والدواء، والنور، والشفاء، والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا، وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله خراب الدنيا، وطي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله ﷺ هي عمود العالم، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخر".
ثم قال ﵀ بعد هذه المقدمة: "ونحن نذكر تفصيل ما أجملناه -بحول الله تعالى وتوفيقه ومعونته- بأمثلة صحيحة، المثال الأول: أن النبي ﷺ شرع لأمته
стр. 157
إيجاب إنكار المنكر؛ ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه، ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر، وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة -رضوان الله عليهم- رسول الله ﷺ في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم. فقال: ((لا، ما أقاموا الصلاة)). وقال ﷺ : ((من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر، ولا ينزعن يدًا من طاعته)).
ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على المنكر، فطلب إزالته؛ فتولد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله ﷺ يرى بمكة أكبر المنكرات، ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة، وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك؛ لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر. ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد؛ لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد.
فإنكار المنكر أربع درجات:
الأولى: أن يزول ويخلفه ضده.
الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته.
الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.
الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه.
стр. 158
فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة. فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة، إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله، كسباق الخيل، ونحو ذلك.
وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب، أو سماع مكاء وتصدية، فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرًا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلا لهم عن ذلك. وكما إذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المجون ونحوها، وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر، فدعه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع.
قال ﵀: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه ونور ضريحه- يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر؛ لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس، وسبي الذرية، وأخذ الأموال فدعهم".
أما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد قرر هذه القاعدة في أكثر من موضع، فقال ﵀ في باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: "إذا كان الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات، والمستحبات، فالواجبات والمستحبات لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة؛ إذ بهذا يعثت الرسل، ونزلت الكتب، والله لا يحب الفساد، بل كل ما أمر الله به فهو صلاح، وقد أثنى الله تعالى على الصلاح والمصلحين: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (العنكبوت: ٧)، وذم المفسدين في غير موضع.
стр. 159
فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم تكن مما أمر الله به، وإن كان قد ترك واجب، وفعل محرم؛ إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباده، وليس عليه هداهم، وهذا معنى قول ربنا -سبحانه-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: ١٠٥)، والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضلال.
وذلك يكون تارة بالقلب، وتارة باللسان، وتارة باليد، فأما القلب فيجب بكل حال؛ إذ لا ضرر في فعله، ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن، كما قال النبي ﷺ : ((وذلك أضعف الإيمان)). وقال: ((ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)).
وقيل لابن مسعود: "من ميت الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا". وهذا هو المفتون الموصوف في حديث حذيفة بن اليمان، وهنا يغلط فريقان من الناس، فريق يترك ما يجب من الأمر والنهي تأويلًا لهذه الآية، كما قال أبو بكر الصديق ﵁ في خطبته: "إنكم تقرءون هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: ١٠٥). وإنكم تضعونها في غير موضعها، وإني سمعت النبي ﷺ يقول: ((إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه)) ".
والفريق الثاني من يريد أن يأمر وينهى، إما بلسانه، وإما بيده مطلقًا من غير فقه، وحلم، وصبر، ونظر فيما يصلح من ذلك، وما لا يصلح، وما يقدر عليه وما لا يقدر، كما في حديث أبي ثعلبة الخشني قال: سألت رسول الله ﷺ عن
стр. 160
هذه الآية فقال: ((بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرًا لا يدان لك به، فعليك بنفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائك أيامًا الصبر فيهن على مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن كأجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله)).
فيأتي بالأمر والنهي معتقدًا أنه مطيع في ذلك لله ورسوله ﷺ وهو معتد في حدوده كما انتصب كثير من أهل البدع والأهواء، كالخوارج، والمعتزلة، والرافضة، وغيرهم ممن غلط فيما أتاهم من الأمر، والنهي، والجهاد على ذلك، وكان فساده أعظم من صلاحه. ولهذا أمر النبي ﷺ بالصبر على جور الأئمة، ونهى عن قتالهم ما أقاموا الصلاة، وقال: ((أدوا إليهم حقوقهم وسلوا الله حقوقكم)).
ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمة، وترك القتال في الفتنة، وأما أهل الأهواء كالمعتزلة فيرون القتال للأئمة من أصول دينهم، ويجعل المعتزل أصول دينهم خمسة: التوحيد الذي هو سلب الصفات، والعدل الذي هو التكذيب بالقدر، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي منه قتال الأئمة".
قال ﵀: "وقد تكلمت على قتال الأئمة في غير هذا الموضع، وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة، فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها، فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي، وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة، ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرّمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر.
стр. 161
وعلى هذا، إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر، بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعًا، أو يتركوهما جميعا لم يجز أن يؤمروا بمعروف، ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر، فإن كان المعروف أكثر أمر به، وإن استلزم ما هو دونهم من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله، وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نهى عنه.
وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرًا بمنكر، وسعيًا في معصية الله ورسوله، وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما، ولم ينه عنهما، فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي، حيث كان المعروف والمنكر متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة، وأما من جهة النوع: فيؤمر بالمعروف مطلقًا، وينهى عن المنكر مطلقًا، وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها، وينهى عن منكرها، ويحمد محمودها، ويذم مذمومها، بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه، أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر منه، أو فوات معروف أرجح منه.
وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق، فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية، وإذا تركها كان عاصيًا، فترك الأمر الواجب معصية، وفعل ما نهي عنه من الأمر معصية، وهذا باب واسع، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن هذا الباب: إقرار النبي ﷺ لعبد الله بن أبي، وأمثاله من أئمة النفاق والفجور؛ لما لهم من أعوان، فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك
стр. 162
بغضب قومه وحميتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمدًا يقتل أصحابه؛ ولهذا لما خاطب الناس في قصة الإفك بما خاطبهم به، واعتذر منه، وقال له سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه، حمي له سعد بن عبادة مع حسن إيمانه".
وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قاعدة تدافع أو تعارض الحسنات والسيئات فقال ﵀ في موضع آخر: "إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح، وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين، وشر الشرين، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، فقد أمر الله تعالى، ورسوله ﷺ بأفعال واجبة ومستحبة.
وإن كان الواجب مستحبًّا وزيادة، ونهى عن أفعال محرمة أو مكروهة، والدين هو طاعة الله، وطاعة رسوله، وهو الدين والتقوى، والبر والعمل الصالح، والشرعة والمنهاج، وإن كان بين هذه الأسماء فروق، وكذلك حمد أفعالًا هي الحسنات، ووعد عليها، وذم أفعالًا هي السيئات، وأوعد عليها، وقيد الأمور بالقدرة والاستطاعة، والوسع، والطاقة، فقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: ١٦)، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: ٢٨٦)، وقال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (الطلاق: ٧).
وكل من الآيتين، وإن كانت عام: فسبب الأولى: المحاسبة على ما في النفوس، وهو من جنس أعمال القلوب. وسبب الثانية: إعطاء الواجب. وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ (النساء: ٨٤) وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: ١٨٥) وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (النساء: ٢٨)، وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (المائدة: ٦).
стр. 163
وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: ٧٨)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (البقرة: ٢٨٠)، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: ٩٧)، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (التوبة: ٩١).
وقد ذكر في الصيام، والإحرام، والطهارة، والصلاة، والجهاد من هذا أنواعًا، وقال في المنهيات: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾، وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة: ١٧٣)، وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النحل: ١١٥)، وقال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ (الأحزاب: ٥)، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ (البقرة: ٢٢٠).
وقال في المتعارض: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (البقرة: ٢١٩)، وقال سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢١٦)، وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (البقرة: ٢٣٩).
وقال -سبحانه-: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (النساء: ١٠٢).
стр. 164
وقال -سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (العنكبوت: ٨) ".
فنقول: إذا ثبت أن الحسنات لها منافع، وإن كانت واجبة، كان في تركها مضار، والسيئات فيها مضار، وفي المكروه بعض حسنات، فالتعارض إما بين حسنتين لا يمكن الجمع بينهما، فتقدم أحسنهما بتفويت المرجوح، وإما بين سيئتين لا يمكن الخلو منهما، فيدفع أسوأهما باحتمال أدناهما، وإما بين حسنة وسيئة لا يمكن التفريق بينهما، بل فعل الحسنة مستلزم لوقوع السيئة، وترك السيئة مستلزم لترك الحسنة، فيرجح الأرجح من منفعة الحسنة، ومضرة السيئة.
فالأول: كالواجب والمستحب، وكفرض العين، وفرض الكفاية، مثل: تقديم قضاء الدين المطالب به على صدقة التطوع.
والثاني: كتقديم نفقة الأهل على نفقة الجهاد الذي لم يتعين، وتقديم نفقة الوالدين عليه، كما في الحديث الصحيح: ((أنه قيل: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على مواقيتها. قلت: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله)).
وتقديم الجهاد على الحج كما في الكتاب والسنة متعين على متعين، ومستحب على مستحب، وتقديم قراءة القرآن على الذكر إذا استويا في عمل القلب واللسان، وتقديم الصلاة عليهما إذا شاركتهما في عمل القلب، وإلّا فقد يترجح الذكر بالفهم، والوجل على القراءة التي لا تجاوز الحناجر، وهذا باب واسع.
والثالث: كتقديم المرأة المهاجرة لسفر الهجرة بلا محرم على بقائها بدار الحرب، كما فعلت أم كلثوم التي أنزل الله فيها آي الامتحان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ (الممتحنة: ١٠)، وكتقديم قتل النفس على
стр. 165
الكر، كما قال تعالى: ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾ فتقتل النفوس التي تحصل بها الفتنة عن الإيمان؛ لأن ضرر الكفر أعظم من ضرر قتل النفس، وكتقديم قطع السارق، ورجم الزاني، وجلد الشارب على مضرة السرقة، والزنا، والشرب، وكذلك سائر العقوبات المأمور بها، فإنما أمر بها مع أنها في الأصل سيئة، وفيها ضرر؛ لدفع ما هو أعظم ضررًا منها، وهي جرائمها؛ إذ لا يمكن دفع ذلك الفساد الكبير إلا بهذا الفساد الصغير.
وأما الرّابع: فمثل أكل الميتة عند المخمصة، فإن الأكل حسنة واجبة لا يمكن إلا بهذه السيئة، ومصلحتها راجحة، وعكسه الدواء الخبيث، فإن مضرته راجحة على مصلحته من منفعة العلاج؛ لقيام غيره مقامه، ولأنّ البرء لا يتيقن به، وكذلك شرب الخمر للدواء، فتبين أن السيئة تحتمل في موضعين دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها، وتحصل بما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها، والحسنة تترك في موضعين: إذا كانت مفوتة لما هو أحسن منها، أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة، هذا فيما يتعلق بالموازنات الدينية.
أما سقوط الواجب لمضرة في الدنيا، وإباحة المحرم لحاجة في الدنيا، كسقوط الصيام لأجل السفر، وسقوط محذورات الإحرام وأركان الصلاة لأجل المرد، فهذا باب آخر يدخل في سعة الدين، ورفع الحرج الذي قد تختلف فيه الشرائع، بخلاف الباب الأول؛ فإن جنسه مما لا يمكن اختلاف الشرائع فيه، وإن اختلفت في أعيانه، بل ذلك ثابت بالعقل، كما يقال: ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين، وشر الشرين.
فإذا ازدحم واجبان لا يُمكن جمعهما، فقدم أوكدهما، لم يكن الآخر في هذه الحال واجبة، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة. وكذلك
стр. 166
إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما، لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرمًا في الحقيقة، وإن سمي ذلك ترك واجب، وسمي هذا فعل محرم، باعتبار الإطلاق لم يضر.
ويقال في مثل: هذا ترك الواجب لعذر، وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو للضرورة، أو لدفع ما هو أحرم، وهذا كما يقال لمن نام عن صلاة أو نسيها: إنه صلاها في غير الوقت المطلق قضاء. وهذا، وقد قال النبي ﷺ : ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها، لا كفارة لها إلا ذلك)).
وهذا باب التعارض باب واسع جدًّا، لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة، فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة، فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وجب الاشتباه والتلازم، فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب، وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى سيئات فيرجحون الجانب الآخر، وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين، قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة والمضرة، أو يتبين لهم فلا يجدون من يعينهم؛ لكون الأهواء قارنت الآراء.
فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل، وقد يكون الواجب في بعضها العفو عند الأمر والنهي في بعض الأشياء، لا التحليل والإسقاط، مثل: أن يكون في أمره بطاعة فعلًا لمعصية أكبر منها؛ فيترك الأمر بها دفعًا لوقوع تلك المعصية. مثل: أن ترفع مذنبًا إلى ذي سلطان ظالم، فيعتدي عليه في العقوبة، ما يكون أعظم ضررًا من ذنبه. ومثل: أن يكون في نهيه عن بعض المنكرات تركًا لمعروف هو أعظم منفعة من ترك المنكرات، فيسكت عن النهي خوفًا أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر.
стр. 167
فالعالم تارة يأمر، وتارة ينهى، وتارة يبيح، وتارة يسكت عن الأمر، أو النهي، أو الإباحة، كالأمر بالصلاح الخالص أو الراجح، أو النهي عن الفساد الخالص أو الراجح، وعند التعارض يرجح الراجح بحسب الإمكان، فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن، إما لجهله، وإما لظلمه، ولا يمكن إزالة جهله وظلمه، فربما كان الأصلح الكف، والإمساك عن أمره ونهيه، كما قيل: إن من المسائل مسائل جوابها السكوت، كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء، والنهي عن أشياء حتى على الإسلام، وظهر.
فالعالمُ في البيان والبلاغ كذلك، قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن، كما أخر الله سبحانه إنزال آيات، وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله ﷺ إلى بيانها.
ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء، وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل؛ لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم؛ فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجبًا في الأصل، والله تعالى أعلم".
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في (شرح رياض الصالحين) في باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهو يتكلم عن شروط التغيير: الشرط الثالث: ألا يزول المنكر إلى ما هو أعظم منه، فإن كان هذا المنكر لو نهينا عنه زال إلى ما هو أعظم منه؛ فإنه لا يجوز أن ننهى عنه؛ درءًا لكبرى المفسدتين بصغراهما؛ لأنه إذا تعارض عندنا مفسدتان، وكانت إحداهما أكبر من الأخرى، فإننا نتقي الكبرى بالصغرى.
مثال ذلك: لو أن رجلًا يشرب الدخان أمامك، فأردت أن تنهاه وتقيمه من المجلس، ولكنك تعرف أنك لو فعلت لذهب يجلس مع السكارى، ومعلوم أن
стр. 168
شرب الخمر أعظم من شرب الدخان، فهنا لا ننهاه، بل نعالجه بالتي هي أحسن؛ لئلا يؤول الأمر إلى ما هو أنكر وأعظم.
ويذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مر بقوم في الشام من التتار، ووجدهم يشربون الخمر، وكان معه صاحب له، فمر بهم شيخ الإسلام ولم ينههم، فقال له صاحبه: لماذا لم تنههم؟ قال: لو نهيناهم لذهبوا يهتكون أعراض المسلمين، وينهبون أموالهم، وهذا أعظم من شربهم الخمر، فتركهم مخافة أن يفعلوا ما هو أنكر وأعظم، وهذا لا شك أنه من فقهه ﵀.
فالمهم أنه يشترط لوجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ألا يتضمن ذلك ما هو أكبر ضررًا، وأعظم إثمًا، فإن تضمن ذلك، فإن الواجب دفع أعلى المفسدتين بأدناهما، ودفع أكبرهما بأصغرهما، وهذه قاعدة مشهورة معروفة عند العلماء.
لا يجوز الخروج على السلطان بالقوة وحمل السلاح، وإن ظهر منه شيء من الفسوق
وبناء على هذه القاعدة نستطيع أن نفهمه لماذا قال العلماء: لا يجوز الخروج على السلطان بالقوة وحمل السلاح، وإن ظهر منه شيء من الفسوق؟ لأن الغالب في هذا الخروج حصول مفاسد أعظم من مفسدة فسقه، وحيث كانت المفسدة أعظم لم يجز الاحتساب، كما أن الإمام لا يزال في دائرة الإسلام، ولم يخرج منه بفسقه، فيبقى له حق الطاعة على الرعية، ما لم يأمر بمعصية، فلا يستوجب الاحتساب عليه بالقوة، وحمل السلاح، وإحداث الفتنة، والاقتتال بين المسلمين.
ولذلك قال الإمام الطحاوي ﵀ في العقيدة التي نسبت إليه (العقيدة الطحاوية)، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة، قال ﵀: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا
стр. 169
من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة".
أورد الإمام ابن أبي العز ﵀ في (شرح العقيدة الطحاوية) من الكتاب والسنة ما يشهد لما نطق به الإمام الطحاوي، واعتقده أهل السنة في الصبر على أئمة الجور.
ثم قال ﵀ بعدما أورد تلك الأدلة: "وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا، فإنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات، ومضاعفة الأجور، فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار، والتوبة، وإصلاح العمل، فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (الشورى: ٣٠).
وقال تعالى ردًّا على أصحاب رسول الله ﷺ وقد تساءلوا بعدما أصابهم يوم أُحد ما أصابهم: ﴿أَنَّى هَذَا﴾ (آل عمران: ١٦٥)، كيف يصيبنا هذا الذي أصابنا، ونحن المسلمين أتباع الرسول ﷺ ، فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: ١٦٥)، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (النساء: ٧٩)، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأنعام: ١٢٩).
فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم، فليتركوا الظلم، فعن مالك بن دينار أنه جاء في بعض كتب الله: "أنا الله مالك الملك، قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، لكن توبوا أعطفهم عليكم".
هذه قاعدة مهمة جدًّا في تغيير المنكر يجب على المحتسب أن يعيها وأن ينتهي عندها، كما يجب على طلاب العلم أن يهتموا بها وبفهمها وفقهها وأن ينتفعوا بها.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 170
الدرس: ١٠ المحتسب عليه (١) .
стр. 171
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العاشر
(المحتسب عليه (١))
تعريف المحتسب عليه، وشروطه
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
قال الدكتور عبد الكريم زيدان في تعريف المحتسب عليه: "المحتسب عليه: هو كل إنسان يباشر أي فعل يجوز، أو يجب فيه الاحتساب، ويسمى: المحتسب عليه، أو المحتسب معه".
ويقول الدكتور علي حسن القرني: "المحتسب عليه: هو إنسان ترك معروفًا في الشرع، أو أتى منكرا محظورا في الشرع مكلفًا أو غير مكلف.
فهذا هو تعريف المحتسب عليه".
أما شروطه: فقد قال أبو حامد الغزالي ﵀: "وشرطه أن يكون بصفة يصير الفعل الممنوع منه في حقه منكرًا، وأقل ما يكفي في ذلك أن يكون إنسانًا، ولا يشترط كونه مكلفًا؛ إذ بينا أن الصبي لو شرب الخمر منع منه، واحتسب عليه، وإن كان قبل البلوغ. ولا يشترط كونه مميزًا؛ إذ بينا أن المجنون لو كان يزني بمجنونة، أو يأتي بهيمة منع منه. نعم، من الأفعال ما لا يكون منكرًا في حق المجنون، كترك الصلاة، والصوم، وغيره، ولكنا لسنا نلتفت إلى اختلاف التفاصيل، فإن ذلك أيضًا مما يختلف فيه المقيم، والمسافر، والمريض، والصحيح، وغرضنا: الإشارة إلى الصفة التي بها يتهيأ توجه أصل الإنكار عليه، لا ما بها يتهيأ للتفاصيل".
قال: "فإن قلت: فاكتفي بكونه حيوانًا، ولا تشترط كونه إنسانًا، فإن البهيمة لو كانت تفسد زرعًا لإنسان، لكنا نمنعها منه كما نمنع المجنون من الزنا، وإتيان البهيمة.
стр. 172
قال في جواب هذا الاعتراض: فاعلم أن تسمية ذلك حسبة لا وجه لها؛ إذ الحسبة عبارة عن المنع عن منكر لحق الله؛ صيانة للممنوع عن مقارفة المنكر، ومنع المجنون عن الزنا وإتيان البهيمة لحق الله، وكذا منع الصبي عن شرب الخمر، والإنسان إذا أتلف زرع غيره منع منه لحقين:
أحدهما: حق الله تعالى، فإن فعله معصية.
والثاني: حق المتلف عليه.
فهما علتان تنفصل إحداهما عن الأخرى، فلو قطع طرف غيره بإذنه، فقد وجدت المعصية، وسقط حق المجني عليه بإذنه، فتثبت الحسبة والمنع بإحدى العلتين، والبهيمة إذا أتلفت فقد عدمت المعصية، ولكن يثبت المنع بإحدى العلتين، ولكن فيه دقيقة، وهو أنا لسنا نقصد بإخراج البهيمة منع البهيمة، بل حفظ مال المسلم؛ إذ البهيمة لو أكلت ميتة، أو شربت من إناء فيه خمر، أو ماء مشوب بخمر، لم نمنعها منه، بل يجوز إطعام كلاب الصيد الجيف، والميتات، ولكن مال المسلم إذا تعرض للضياع، وقدرنا على حفظه بغير تعب، وجب علينا حفظًا للمال، بل لو وقعت جرة من علو، وتحتها قارورة لغيره، فتدفع الجرة لحفظ القارورة، لا لمنع الجرة من السقوط، فإنا لا نقصد منع الجرة وحراستها من أن تصير كاسرة للقارورة.
ونمنع المجنون من الزنا وإتيان البهيمة، وشرب الخمر، وكذا الصبي، لا صيانة للبهيمة المأتية، أو الخمر المشروب، بل صيانة للمجنون عن شرب الخمر، وتنزيها له من حيث إنه إنسان محترم.
فهذه لطائف دقيقة لا يتفطن لها إلا المحققون، فلا، ينبغي أن يغفل عنها، ثم فيما يجب تنزيه الصبي والمجنون عنه نظر؛ إذ قد يتردد في منعهما من لبس الحرير وغير
стр. 173
ذلك، فإن قلت: فكل من رأى بهائم قد استرسلت في زرع إنسان، فهل يجب عليه إخراجها، وكل من رأى مالًا لمسلم أشرف على الضياع، هل يجب عليه حفظه؟.
فإن قلت: إن ذلك واجب، فهذا تكليف شطط يؤدي إلى أن يصير الإنسان مسخرًا لغيره طول عمره، وإن قلتم: لا يجب، فلم يجب الاحتساب على من يغصب مال غيره، وليس له سوى مراعاة مال الغير.
فنقول: هذا بحث دقيق غامض، والقول الوجيز فيه: أن نقول: مهما قدر على حفظه من الضياع من غير أن يناله تعب في بدنه، أو خسران في ماله، أو نقصان جاهه وجب عليه ذلك، فذلك القدر واجب في حقوق المسلم، بل هو أقل درجات الحقوق، والأدلة الموجبة في حقوق المسلمين كثيرة، وهذا أقل درجاتها، وهو أولى بالإيجاب من رد السلام، فإن الأذى في هذا أكثر من الأذى في ترك رد السلام.
بل لا خلاف في أن مال الإنسان إذا كان يضيع بظلم ظالم، وكان عند الشهادة لو تكلم بها لرجع الحق إليه، وجب عليه ذلك، وعصى بكتمان الشهادة، ففي معنى ترك الشهادة ترك كل دفع لا ضرر على الدافع فيه، فأما إن كان عليه ضرر في مال أو جاه لم يلزمه السعي في ذلك، ولكن إذا كان لا يتعب بتنبيه صاحب الزرع من نوم أو بإعلامه يلزمه، فإهمال تعريفه وتنبيهه كإهمال تعريف القاضي بالشهادة، وذلك لا رخصة فيه، ولا يمكن أن يراعى فيه الأقل والأكثر؛ حتى يقال: إن كان لا يضيع من منفعته في مدة اشتغاله بإخراج البهائم إلا قدر درهم مثلًا، وصاحب الزرع يفوته مال كثير فيترجح جانبه؛ لأن الدرهم الذي له هو يستحق حفظه، كما يستحق صاحب الألف حفظ الألف، ولا سبيل للمصير إلا ذلك.
стр. 174
فأما إذا كان فوات المال بطريق هو معصية، كالغصب، أو قتل عبد مملوك للغير، فهذا يجب المنع منه، وإن كان فيه تعب ما؛ لأن المقصود حق الشرع، والغرض دفع المعصية، وعلى الإنسان أن يتعب نفسه في دفع المعاصي، كما عليه أن يتعب نفسه في ترك المعاصي، والمعاصي كلها في تركها تعب، وإنما الطاعة كلها ترجع إلى مخالفة النفس، وهي غاية التعب.
أنواع المحتسب عليهم
قلنا: إن المحتسب عليه هو كل إنسان يباشر ما تجري فيه الحسبة، وعلى هذا يمكن أن يكون محتسبًا عليه أي فرد في المجتمع بلا استثناء إذا ما صدر منه ما تجري فيه الحسبة، سواء كان إمامًا للمسلمين أو واحدًا من عموم الناس، لكن أول من تجب عليه الحسبة هم أقارب المحتسب؛ لأن أقارب المحتسب من زوجة، وأبوين، وأولاد هم مرآة المحتسب الذين يعكسون للناس صورته، وصورة أهله.
فيجب على المحتسب قبل أن يحتسب على الناس أن يحتسب على أهل بيته أولًا، فبذلك أمر الله تعالى رسوله ﷺ والمؤمنين، فقال الله تعالى للنبي ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه: ١٣٢)، وقال -سبحانه-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٩).
ولذلك روي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا أراد أن يأمر الناس، أو ينهاهم جمع أهل بيته، ثم قال: "إني خارج إلى الناس لآمرهم بكذا، أو أنهاهم عن كذا، فوالله لتكونن أول من تأتمرون، أو أول من تنتهون، وإلا فعلت بكم، وفعلت".
стр. 175
ومن الخطأ أن ينشغل المحتسب بالاحتساب على الناس خارج بيته، ويُهمل الحسبة في بيته وعلى أهله، هذا خطأ كبير. أول ما ينبغي على المحتسب أن يحتسب على أهل بيته أولًا من الأولاد والآباء والأزواج.
فأما الأولاد: فإن الحسبة معهم على ضربين:
أحدهما: الحسبة على الأولاد دون البلوغ.
والثاني: الحسبة على الأولاد البالغين.
فأما ما يتعلق بالأولاد دون سن البلوغ: فإن من الحسبة عليهم تعليمهم، وتربيتهم تربية دينية صحيحة، وإعدادهم الإعداد اللازم؛ ليكونوا عند بلوغهم شبابًا مستقيمًا على وفق ما تقتضيه الشريعة الإسلامية، وقد جاءت نصوص تحث على القيام بهذه الحسبة داخل البيت، فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: ٦).
والآية تبين مسئولية الأب عن أهله في الدنيا والآخرة، ولقد سجل الله ﵎ لنا مثل ً اأعلى في الحسبة على الأبناء في قصة لقمان ﵇ فقد رفع الله ذكره، وأعلى شأنه، وسمى سورة في القرآن باسمه سورة "لقمان"، وذكر فيها حسبته على ابنه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: ١٢، ١٣) الآيات.
стр. 176
فالواجب على الآباء ألا يهملوا الحسبة على الأبناء، فإن لهم في ذلك الخير الكثير، وهذا من حق الأبناء على الآباء، فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: ((ما نحل والد ولده من نحل أو فضل من أدب حسن))، وقال ﵊: ((لأن يؤدب الرجل ولده خير له من أن يتصدق بصاع)).
ولا يعتقدن الأب وهو يربي أولاده على الفضيلة والأخلاق التي جاء بها الإسلام أن ذلك تطوعًا وتفضلًا منه، بل هو فرض على الأبوين يسألان عن ذلك يوم القيامة، فقد قال ﵊: ((كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راعٍ، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله، وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسئولة عن رعيتها)).
ولذا قال الفقهاء: إن الأب له أن يكره ولده الصغير على تعلم القرآن، والأدب، والعلم؛ لأن ذلك فرض على الوالدين، ولكن الأبوين لا يملكان حق الإكراه، والتعزير على الولد بعد بلوغه، فإن الولد البالغ يصير بمنزلة الأجنبي، كما قال ابن عابدين: أما الكبير فكالأجنبي، وقال بعضهم: إن لهما -أي: الأبوين- حق تأديبه حتى بعد بلوغه.
فعلى الآباء أن يهتموا بالحسبة على أبنائهم قيامًا لهم بالواجب الذي نيط بأعناقهم نحوهم.
أما الحسبة على الوالدين: فهي أدق ما يكون في حسبة المحتسب مع أقاربه، فالأمر في ذلك يحتاج إلى كثير من الحيطة والحذر؛ لأن طبيعة النصيحة إذا أتت من الصغير للكبير يكون التغلب في الغالب صعبًا بعكس إذا كانت من الكبير إلى
стр. 177
الصغير؛ فإنه غالبًا يحصل التقبل، ومن هنا وجب على الولد الذي يريد أن يحتسب على والديه بأمرهما بالمعروف، ونهيهما عن المنكر أن يستخدم أقصى ما يمكن من الحكمة، واللين، والتلطف، والإقناع بالتي هي أحسن، بعيدًا عن الزجر، والتقريع، فقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: ٢٣).
وقد بلغ من حق الأبوين على ولدهما أنه لا يقتص منهما إذا قتلاه، فقد قال ﵊: ((لا يقاد الوالد لولد))، ولذا قال بعض الفقهاء: إن الولد ليس له أن يباشر إقامة الحد على أبويه.
وقال الغزالي بعد تعرضه للحسبة على الآباء: "فإذا لم يجز له إيذاؤه بعقوبة هي حق على جناية سابقة، فلا يجوز له إيذاؤه بعقوبة هي منع من جناية مستقبلية متوقعة، بل أولى"، يعني: أولى ألا يكون ذلك.
ونُقل عن العلامة ابن عابدين أن الرجل ينهى أبويه إذا رآهما يرتكبان المنكر مرة واحدة، فإن انتهيا وإلا فيسكت إن ساءهما ذلك، ويسأل الله أن يهديهما، ويغفر لهما ذنبيهما.
أما الأستاذ عبد القادر عودة ﵀ فهو يرى أنه ينبغي للولد أن يغير المنكر الذي يرتكبه والده دون أن ينال منهما، فهو يقول: فأما الوالدان فليس للولد عليهما إلا التعريف -يعني: بالمنكر- ثم النهي بالوعظ والنصح، وليس له أن يعنفهما أو يهددهما، أو يضربهما، ولكن له على رأي أن يغير ما يأتيان من المنكر بحيث لا يمس شخصيتهما، كأن يريق خمرهما، أو يرد ما جاء في بيتهما من مال مغصوب، أو مسروق لأصحابه.
стр. 178
أما الحسبة على الزوجة: فالله ﵎ قال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (النساء: ٣٤)، وإن القوامة التي ورد ذكرها في الآية لا تعني بحالة أن تكون محكومة خاضعة للزوج، دون أن ينالها منه توجيه ونصح، فيما يصون به عليها دينها، وإيمانها، ويهذب أخلاقها وفق ذلك، فإن قوامة الزوج لم تكن في يوم من الأيام مقصور على تحمل النفقة، وإدارة شئون البيت.
ولذا يقول الإمام ابن كثير ﵀ في تفسير كلمة ﴿قَوَّامُونَ﴾ يقول: "الرجل قيم على المرأة أي: هو رئيسها وكبيرها، والحاكم، ومؤدبها إذا اعوجت".
أما الجصاص فيقول: " ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ يعني: قيامهم عليهن بالتأديب، والتدبير، والحفظ، والصيانة".
ومن المعلوم أن لكل رجل المعرفة بأهله، والاطلاع على عيوبهم ومزاياهم، ثم القدرة على إصلاحهم، وما خوله الشرع حق تقويمهم مما ليس لغيره، وبذلك يتعين على الرجل إصلاح أهله في كثير من الأمور التي لا يتمكن غيره من الوقوف عليها، ولا من إصلاحها، وللرجل أن يستخدم حق تأديب زوجته مقيدًا بحدود وضوابط لا يتجاوزها بحال، وهذه القيود والضوابط على النحو التالي:
أولًا: للرجل تعزير زوجته عند بعض الفقهاء إذا أبت أن تجيب حين يدعوها إلى فراشه من غير حرج، أو تكون عصته، وغالبته، واستكبرت عليه فتخاصمه، وتشتمه، أو تأخذ بلحيته، أو تمزق ثيابه، أو تترك الزينة والتجمل مع أمره
стр. 179
واستطاعتها، أو تعطي من بيته شيئًا بلا إذن، وما إلى ذلك، أو إذا أتت بما لا تقره الأخلاق الإسلامية، كأن تشتم أحدًا، أو تكشف وجهها لغير محرم، أو تكلم أجنبيًّا بغير حجاب، أو تخرج من البيت بغير إذنه، وما شابه ذلك.
ثانيًا: ليس له تعزيرها إذا طلبت نفقتها أو كسوتها، وألحت في ذلك؛ لأن لصاحب الحق يد الملازمة، ولسان التقاضي.
ثالثًا: ويجوز للزوج التعزير وهو يحتسب على زوجته؛ لوقوعها فيما يوجب الحسبة؛ بارتكابها لبعض المنكرات التي ليس فيها حد، أما ما قررت فيها الشريعة حدًّا، فلا يصح فيها التعزير، بل ينفذ الحد، لأن إقامة الحد ليست من شأن أحد من العامة، بل هي من اختصاص الحكام.
يقول العلامة الكاشاني: إذا ارتكبت الزوجة معصية سوى النشوز ليس فيه حد مقدر، فالزوج يؤدبها تعزيرًا لها؛ لأن للزوج أن يعزر زوجته إذا جاءت بما يوجب ذلك، لكن ما حدود هذا التعزير الذي هو دون الحد؟ إن حدوده تتمثل فيما عبر عنه الرسول ﷺ بقوله: ((ضربًا غير مبرح))، وقد فسر ابن عباس ﵄ الضرب غير المبرح بالسواك، وشبهه، يضربها به.
وفي رواية أخرى: ((ضربًا لا يكسر عظمًا))، وقال قتادة: غير مبرح أي: غير شائن. وليس للزوج أن يبالغ في تعزير زوجته، فإن تعد في ذلك عرض نفسه للتعزير، هو وقد جاء في (تنوير الأبصار): إن ادعت المرأة على زوجها ضربا فاحشًا، وثبت ذلك عليه يعزر.
أما فيما يتعلق بحسبة الزوجة على الزوج: فمعلوم أن الزوجة تابعة، وهي من الزوج على حد تعبير الغزالي كالولد من الوالد، فهي تذكر زوجها إذا ارتكب
стр. 180
المنكر عن جهل، وترشده إلى حكم الشرع، ولها أن تعظه، وليس لها ما وراء ذلك من السب، والتقريع، أو الضرب.
فإذا قام المحتسب بالحسبة على أهل بيته انتقل بعد ذلك إلى الحسبة خارج البيت، وأول ما تجب الحسبة فيه: شعائر الإسلام من الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج.
فإذا كانت شعائر الإسلام، وتطبيق منهجه بين المسلمين هي مهمة المحتسب وغاية أهدافه، فإنه يأتي في مقدمة ذلك اهتمامه بأركان الإسلام الخمسة، وأولها وأهمها: الصلاة، والصلاة هي أعرف المعروف من الأعمال، ومن أولى وأهم ما يأمر به المحتسب، ويقوم به، بل هي رأس كل أمر ونهي، يؤمر بإقامتها، وينهى عن تركها، والتكاسل عن أدائها، فهي كما وصفها الرسول ﷺ عمود الإسلام، والصلاة أهم من كل شيء؛ فإنها عماد الدين وأساسه، وقاعدته، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى عماله، ويقول: "إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع".
ولشرفها فقد فرضت كل الشرائع على رسول الله ﷺ في الأرض، وفرضت الصلاة في السماء ليلة المعراج، ولم يبعث بها رسول من الملائكة ليبلغها لرسول الله محمد ﷺ كما هو شأن غيرها من فرائض الإسلام، وهي المخصوصة بالذكر في كتاب الله بعد تعميم كما في قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ (العنكبوت: ٤٥).
وهي المقرونة بالصبر، والزكاة، والجهاد في مواضع من كتاب الله مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (البقرة: ٤٥) ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: ٨٣)، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢، ١٦٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣).
следующие страницы →