Полный текст (344 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فالواجب على الآباء ألا يهملوا الحسبة على الأبناء، فإن لهم في ذلك الخير الكثير، وهذا من حق الأبناء على الآباء، فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: ((ما نحل والد ولده من نحل أو فضل من أدب حسن))، وقال ﵊: ((لأن يؤدب الرجل ولده خير له من أن يتصدق بصاع)).
ولا يعتقدن الأب وهو يربي أولاده على الفضيلة والأخلاق التي جاء بها الإسلام أن ذلك تطوعًا وتفضلًا منه، بل هو فرض على الأبوين يسألان عن ذلك يوم القيامة، فقد قال ﵊: ((كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راعٍ، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله، وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسئولة عن رعيتها)).
ولذا قال الفقهاء: إن الأب له أن يكره ولده الصغير على تعلم القرآن، والأدب، والعلم؛ لأن ذلك فرض على الوالدين، ولكن الأبوين لا يملكان حق الإكراه، والتعزير على الولد بعد بلوغه، فإن الولد البالغ يصير بمنزلة الأجنبي، كما قال ابن عابدين: أما الكبير فكالأجنبي، وقال بعضهم: إن لهما -أي: الأبوين- حق تأديبه حتى بعد بلوغه.
فعلى الآباء أن يهتموا بالحسبة على أبنائهم قيامًا لهم بالواجب الذي نيط بأعناقهم نحوهم.
أما الحسبة على الوالدين: فهي أدق ما يكون في حسبة المحتسب مع أقاربه، فالأمر في ذلك يحتاج إلى كثير من الحيطة والحذر؛ لأن طبيعة النصيحة إذا أتت من الصغير للكبير يكون التغلب في الغالب صعبًا بعكس إذا كانت من الكبير إلى
стр. 177
الصغير؛ فإنه غالبًا يحصل التقبل، ومن هنا وجب على الولد الذي يريد أن يحتسب على والديه بأمرهما بالمعروف، ونهيهما عن المنكر أن يستخدم أقصى ما يمكن من الحكمة، واللين، والتلطف، والإقناع بالتي هي أحسن، بعيدًا عن الزجر، والتقريع، فقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: ٢٣).
وقد بلغ من حق الأبوين على ولدهما أنه لا يقتص منهما إذا قتلاه، فقد قال ﵊: ((لا يقاد الوالد لولد))، ولذا قال بعض الفقهاء: إن الولد ليس له أن يباشر إقامة الحد على أبويه.
وقال الغزالي بعد تعرضه للحسبة على الآباء: "فإذا لم يجز له إيذاؤه بعقوبة هي حق على جناية سابقة، فلا يجوز له إيذاؤه بعقوبة هي منع من جناية مستقبلية متوقعة، بل أولى"، يعني: أولى ألا يكون ذلك.
ونُقل عن العلامة ابن عابدين أن الرجل ينهى أبويه إذا رآهما يرتكبان المنكر مرة واحدة، فإن انتهيا وإلا فيسكت إن ساءهما ذلك، ويسأل الله أن يهديهما، ويغفر لهما ذنبيهما.
أما الأستاذ عبد القادر عودة ﵀ فهو يرى أنه ينبغي للولد أن يغير المنكر الذي يرتكبه والده دون أن ينال منهما، فهو يقول: فأما الوالدان فليس للولد عليهما إلا التعريف -يعني: بالمنكر- ثم النهي بالوعظ والنصح، وليس له أن يعنفهما أو يهددهما، أو يضربهما، ولكن له على رأي أن يغير ما يأتيان من المنكر بحيث لا يمس شخصيتهما، كأن يريق خمرهما، أو يرد ما جاء في بيتهما من مال مغصوب، أو مسروق لأصحابه.
стр. 178
أما الحسبة على الزوجة: فالله ﵎ قال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (النساء: ٣٤)، وإن القوامة التي ورد ذكرها في الآية لا تعني بحالة أن تكون محكومة خاضعة للزوج، دون أن ينالها منه توجيه ونصح، فيما يصون به عليها دينها، وإيمانها، ويهذب أخلاقها وفق ذلك، فإن قوامة الزوج لم تكن في يوم من الأيام مقصور على تحمل النفقة، وإدارة شئون البيت.
ولذا يقول الإمام ابن كثير ﵀ في تفسير كلمة ﴿قَوَّامُونَ﴾ يقول: "الرجل قيم على المرأة أي: هو رئيسها وكبيرها، والحاكم، ومؤدبها إذا اعوجت".
أما الجصاص فيقول: " ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ يعني: قيامهم عليهن بالتأديب، والتدبير، والحفظ، والصيانة".
ومن المعلوم أن لكل رجل المعرفة بأهله، والاطلاع على عيوبهم ومزاياهم، ثم القدرة على إصلاحهم، وما خوله الشرع حق تقويمهم مما ليس لغيره، وبذلك يتعين على الرجل إصلاح أهله في كثير من الأمور التي لا يتمكن غيره من الوقوف عليها، ولا من إصلاحها، وللرجل أن يستخدم حق تأديب زوجته مقيدًا بحدود وضوابط لا يتجاوزها بحال، وهذه القيود والضوابط على النحو التالي:
أولًا: للرجل تعزير زوجته عند بعض الفقهاء إذا أبت أن تجيب حين يدعوها إلى فراشه من غير حرج، أو تكون عصته، وغالبته، واستكبرت عليه فتخاصمه، وتشتمه، أو تأخذ بلحيته، أو تمزق ثيابه، أو تترك الزينة والتجمل مع أمره
стр. 179
واستطاعتها، أو تعطي من بيته شيئًا بلا إذن، وما إلى ذلك، أو إذا أتت بما لا تقره الأخلاق الإسلامية، كأن تشتم أحدًا، أو تكشف وجهها لغير محرم، أو تكلم أجنبيًّا بغير حجاب، أو تخرج من البيت بغير إذنه، وما شابه ذلك.
ثانيًا: ليس له تعزيرها إذا طلبت نفقتها أو كسوتها، وألحت في ذلك؛ لأن لصاحب الحق يد الملازمة، ولسان التقاضي.
ثالثًا: ويجوز للزوج التعزير وهو يحتسب على زوجته؛ لوقوعها فيما يوجب الحسبة؛ بارتكابها لبعض المنكرات التي ليس فيها حد، أما ما قررت فيها الشريعة حدًّا، فلا يصح فيها التعزير، بل ينفذ الحد، لأن إقامة الحد ليست من شأن أحد من العامة، بل هي من اختصاص الحكام.
يقول العلامة الكاشاني: إذا ارتكبت الزوجة معصية سوى النشوز ليس فيه حد مقدر، فالزوج يؤدبها تعزيرًا لها؛ لأن للزوج أن يعزر زوجته إذا جاءت بما يوجب ذلك، لكن ما حدود هذا التعزير الذي هو دون الحد؟ إن حدوده تتمثل فيما عبر عنه الرسول ﷺ بقوله: ((ضربًا غير مبرح))، وقد فسر ابن عباس ﵄ الضرب غير المبرح بالسواك، وشبهه، يضربها به.
وفي رواية أخرى: ((ضربًا لا يكسر عظمًا))، وقال قتادة: غير مبرح أي: غير شائن. وليس للزوج أن يبالغ في تعزير زوجته، فإن تعد في ذلك عرض نفسه للتعزير، هو وقد جاء في (تنوير الأبصار): إن ادعت المرأة على زوجها ضربا فاحشًا، وثبت ذلك عليه يعزر.
أما فيما يتعلق بحسبة الزوجة على الزوج: فمعلوم أن الزوجة تابعة، وهي من الزوج على حد تعبير الغزالي كالولد من الوالد، فهي تذكر زوجها إذا ارتكب
стр. 180
المنكر عن جهل، وترشده إلى حكم الشرع، ولها أن تعظه، وليس لها ما وراء ذلك من السب، والتقريع، أو الضرب.
فإذا قام المحتسب بالحسبة على أهل بيته انتقل بعد ذلك إلى الحسبة خارج البيت، وأول ما تجب الحسبة فيه: شعائر الإسلام من الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج.
فإذا كانت شعائر الإسلام، وتطبيق منهجه بين المسلمين هي مهمة المحتسب وغاية أهدافه، فإنه يأتي في مقدمة ذلك اهتمامه بأركان الإسلام الخمسة، وأولها وأهمها: الصلاة، والصلاة هي أعرف المعروف من الأعمال، ومن أولى وأهم ما يأمر به المحتسب، ويقوم به، بل هي رأس كل أمر ونهي، يؤمر بإقامتها، وينهى عن تركها، والتكاسل عن أدائها، فهي كما وصفها الرسول ﷺ عمود الإسلام، والصلاة أهم من كل شيء؛ فإنها عماد الدين وأساسه، وقاعدته، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى عماله، ويقول: "إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع".
ولشرفها فقد فرضت كل الشرائع على رسول الله ﷺ في الأرض، وفرضت الصلاة في السماء ليلة المعراج، ولم يبعث بها رسول من الملائكة ليبلغها لرسول الله محمد ﷺ كما هو شأن غيرها من فرائض الإسلام، وهي المخصوصة بالذكر في كتاب الله بعد تعميم كما في قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ (العنكبوت: ٤٥).
وهي المقرونة بالصبر، والزكاة، والجهاد في مواضع من كتاب الله مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (البقرة: ٤٥) ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: ٨٣)، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢، ١٦٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣).
стр. 181
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأمرها أعظم من أن يحاط به، فاعتناء ولاة الأمر بها يجب أن يكون فوق اعتنائهم بجميع الأعمال، ولا شك أن من أولويات ما يجب الاحتساب فيه في شأن الصلاة أن يبين المحتسب للناس أحكام الصلاة، ويسعى إلى تعليمهم؛ ذلك لأن الكثير من الناس يجهل أمورًا من أحكام الصلاة ليست قليلة، وليكن أول ما يعلم الناس كيفية التطهر، وما يتعلق به من أحكام.
وليكن هذا التعليم عمليًّا ما أمكن حتى يفهم الناس، ويرسخ ذلك في أذهانهم، ويلحق بذلك أن يعلم الناس أحكام التيمم، والمسح على الخفين، ثم يقوم المحتسب بتعليم الناس بقية أحكام الصلاة بنفسه، أو بحذف الجهات التعليمية؛ لتقوم هي بذلك وتطبق كيفية أدائها؛ حتى يؤديها المسلم كما أمر النبي ﷺ بقوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، فإن قيامه بكل ذلك يعتبر مقدما على أمرهم بإقامة الصلاة، إذ كيف تأمر جاهلًا بالقيام بعمل لا يحسن أداءه.
فإذا رأى المحتسب مصليًا يخالف هيئة الصلاة الشرعية بزيادة، أو نقص، أو تحريف، أو عدم إتمام ركوعها وسجودها، وكل أحكامها أرشده إلى الصواب، ويحتسب على من يصلي بغير اعتدال، ولا خشوع، ولا طمأنينة، ويقول له: ((صلِّ، فإنك لم تصلِّ))؛ لما ثبت من احتسابه وتعليمه ﷺ لأعرابي صلى فخفف الصلاة، ولم يستكمل ركوعها وسجودها؛ فقال له النبي ﷺ : ((صلِّ، فإنك لم تصلِّ))، وعليه أن يأخذ بالحكمة واللين أثناء تعليمه وأمره ونهيه، ولا سيما إذا خاف أن يغضب عليه المصلي المنصوح، فإن عليه أن يلين كلامه، أو يحتال بحيلة تصلح الأمر.
стр. 182
كما روي من احتساب الفقيه أبي عبد الله الخوارزمي حين رأى رجلًا في المسجد يخفف الصلاة، فلما فرغ الرجل من صلاته، ذهب به إلى البيت، وطبخ له شيئا من الحلوى، وقدمها إليه، وقال له: أكنت مريضا؟ فقال الرجل: لا، س فقال: إني ظننت أنك كنت مريضًا حيث خففت الصلاة. فقام الرجل، وتاب ورجع عما كان يصنع.
وعلى المحتسب وهو يحتسب فيما يتعلق بأحكام الصلاة أن يلاحظ أن الأمور الفرعية المختلف فيها بين الفقهاء، ولا سيما في مندوبات الصلاة، وسننها بأن ذلك لا يلزمه في أن يأمر بها على سبيل الإلزام، وإن كان عليه أن يبين الرأي الصحيح فيها، ومثال ذلك: كما أورده الماوردي القنوت، إذا خالف فيه رأي المحتسب، فلا اعتراض في مثل ذلك بأمر ولا نهي ملزم، وكذلك الطهارة مثلًا إذا فعلها المحتسب عليه على وجه سائغ يخالف فيه رأي المحتسب، كاقتصاره على مسح أقل الرأس.
ويتقدم المحتسب إلى جيران كل مسجد يحثهم، ويأمرهم بالمواظبة على صلاة الجماعة عند الأذان؛ لإظهار معالم الدين، وإشهار شعائر الإسلام، فإن على كل مسلم إظهار أركان الإسلام؛ لأن صلاة الجماعة في المساجد، وإقامة الأذان فيها للصلوات، يعتبر من شعائر الإسلام الظاهرة التي فرق بها رسول الله ﷺ بين دار الإسلام، ودار الشرك.
فإذا اجتمع أهل محلة على تعطيل الجماعة في مساجدهم، وترك الأذان في أوقات صلواتهم، كان المحتسب مندوبًا إلى أمرهم بالأذان والجماعة في الصلوات. وصلاة الجماعة واجبة على المسلم الذكر، العاقل، البالغ، القادر؛ لأن النصوص جاءت توضح ذلك الوجوب، ومنها: قول الله ﵎:
стр. 183
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ وهذا دليل على أن الجماعة فرض على الأعيان إذ لم يسقطها عن الطائفة الثانية بفعل الأولى، وهذا في حالة الحرب والخوف، فكيف بحال السلم والأمن؟!.
ومن الأدلة في السنة: ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم)). وهذا كما يقول أهل العلم من أشد ما ورد في بيان الجرم، وكبيرة من تخلف عن الجماعة، والأدلة في وجوب الجماعة كثيرة نكتفي بالدليلين السابقين.
ومن مهمات الصلاة: الصلاة يوم الجمعة، الذي هو في الأيام بمنزلة الأعياد من الأعوام، وفيه الساعة المخصوصة بالدعاء المجاب التي ما صادفها عبد إلا ظفر بالطلب، فعلى المحتسب أن يأمر بابتداره في البواكر للفوز فيه بقربات البدايات الأخاير، فإنه اليوم الذي لم تطلع الشمس على مثله، وفيه فضل هذا الدين على أهل الكتاب من قبلنا، فهو واسطة عقد الأيام السبعة، ولاشتماله على مجموع فضلها سمي: يوم الجمعة، فلينادهم بالاجتماع إليها.
وليراقبهم عند أوقات الأذان في الأسواق التي هي معركة الشيطان، فمن شغل عنها بتثمير مكسبه، أو لهى عنها بالإقبال على اللهو ولعبه. فإن على المحتسب أن يؤدبه بالعصا التي تضع من قدره، وتذيقه وبال أمره، ولا يمنعه من ذلك شيبة الشيبة، ولا هيئة ذي هيئة، فإنما هلك الذين قبلنا أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.
стр. 184
فالله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الجمعة: ٩)، والجمعة واجبة على كل مسلم، بالغ، عاقل، ذكر، حر، مستوطن، فلا تجب على الصغير، ولا المجنون، ولا المرأة، ولا العبد المملوك، ولا على المسافر. وتارك الجمعة من غير عذر يأثم إثمًا عظيمًا، ويكفي في الزجر عن ترك الجمعة، قول النبي ﷺ : ((لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين)).
وإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة وجب على المحتسب أن يمنع الناس عن الصلاة في الحوانيت، والدكاكين، والدور، وينهى عن ذلك، فإن لم ينتهوا كان له أن يؤدب، ويمنع الناس من البيع، والشراء بعد النداء؛ لأن ذلك حرام على كل من وجب عليه شهودها، دون من لا تجب عليه، أما بعد الفراغ منها فالبيع حلال.
وإذا كان المحتسب يبذل جل اهتمامه عند احتسابه في العبادات في الحث على الصلاة، وإقامتها على اعتبار أنها الصلة المستمرة بين العبد وربه في كل يوم خمس مرات، وهي أساس أعماله، وأول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، فإن على المحتسب أن يعطي من جهده للعبادات الأخرى ما تستحق.
ومنها: الزكاة؛ إذ لا ينبغي أن يقتصر اهتمامه على أمر من أمور الإسلام دون بقية ما يجب عليه تجاه غيره؛ وذلك لشمولية مهمته. والزكاة حق الله ﵎ في المال، وقد يشح بها الإنسان؛ لحبه المال، كما قال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (الفجر: ٢٠)، من أجل هذا يأتي دور المحتسب:
أولًا: في تبيين حكم الإسلام فيما يتعلق بوجوب الزكاة، وأن حق في المال لا بد من إخراجه.
стр. 185
وثانيًا: لمحاسبة، بل ومعاقبة من يتهاون عن ذلك.
وحتى لا يتداخل عمل المحتسب مع عمل عامل الصدقة الذي له الحق في المطالبة بأدائها، وله الحق في تعزير ممتنع عن إخراجها، فالزكاة -كما علمنا- حق المال، وهذا الجابي مندوب من قبل بيت مال المسلمين لأخذها، ولأن الزكاة في الإسلام صنفان على وجوه العموم، وذلك بالنسبة لتصنيف الأموال، فالأموال قسمان: أموال ظاهرة، وأموال خفية:
فالظاهرة هي ما لا يمكن إخفاؤه مثل: الزروع، والثمار، والمواشي.
وأما الخفية: فهي ما يمكن إخفاؤه كالذهب، والفضة، وما يقوم مقامهما.
وما هو من اختصاص المحتسب من هذين القسمين هو الأموال الخفية، فإن هذه الأموال لا تدخل في مهام عامل الصدقات، وإنما يتولى ذلك المحتسب، وإذا امتنع قوم من أداء الزكاة إلى الإمام العادل جحودًا لها؛ كانوا بالجحود مرتدين، يجري عليهم حكم أهل الردة، ولو امتنعوا من أدائها مع الاعتراف بوجوهها كانوا من بغاة المسلمين، يقاتلون على المنع منها، كما فعل خليفة رسول الله ﷺ أبو بكر ﵁.
كما أن على المحتسب، وهو يتابع إقامة المسلمين لشرع ربهم، ويحملهم على تطبيق ذلك، فإن له ما يتعلق بصيام شهر رمضان صورة حسبية، عليه أن يمارس احتسابهم من خلالها، ومن أول هذه الصور: أن يقوم باستغلال الوسائل الإعلامية مسموعة، أو مرئي، أو مكتوبة؛ ليبين للناس فضل الصوم، ويحثهم على تأدية هذا الركن، وليكن استغلاله لوسائل الإعلام المتاحة دائمًا لهذا وغيره.
стр. 186
ثم يكون من صور احتسابه: أن يحث الناس على ترائي الهلال؛ امتثالًا لقول النبي ﷺ : ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)).
كذلك على المحتسب أن يقوم بالحسبة من أجل الحج، متى علم أن فلانًا من الناس قد تحققت في حقه الاستطاعة، وتوافرت شروط الوجوب، فعليه أن يأمره بالمبادرة إلى الحج؛ لأن النبي ﷺ أمر بالمبادر فقال: ((من أراد الحج فليتعجل؛ فقد يمرض المريض، وتضل الدابة، وتعرض الحاجة)).
كذلك من المُحتسب عليهم: العاملون في المساجد من المؤذنين، والأئمة: إن ما يمثله الإمام والمؤذن بعملهما في قيادة الناس، ودعوتهم إلى خالقهم لأمر هام يستوجب أن يولي عناية فائقة في اختيارهما أولًا، ثم الإشراف عليهما من قبل الجهات المعنية بعملهما ثانيًا؛ لأن في ذلك صلاحًا للأمة بكاملها، فالإمام والمؤذن إذا أردك عظم مسؤوليتهما، وتفهماها وعملا بوحي من ذلك كانت الثمرة كبيرة، والمردود طيبًا.
من أجل ذلك كان الاهتمام بهما من قبل ولاة أمر المسلمين قديمًا وحديثًا لا ينقطع، وضمن ذلك النطاق الشمولي لعمل المحتسب في الماضي على وجه خاص، كان المحتسب هو المسئول عن متابعة عمليهما، وكان يقوم باختيارهما، وإجازة عملهما على وفق شروط حددت لذلك مسبقًا.
ومن صور احتساب المحتسب على الأئمة: أن ينبه الأئمة الذين يطيلون الصلاة بألا يفعلوا ذلك، يقول الماوردي: "ومن يطيل الصلاة حتى يعجز عنها الضعفاء،
стр. 187
وينقطع بها ذووا الحاجات، أنكر ذلك عليه المحتسب، كما أنكره رسول الله ﷺ على معاذ بن جبل ﵁ وكما يحتسب المحتسب على الأئمة الذين يطيلون الصلاة.
كذلك يحتسب على الخطباء الذين يطيلون الخطبة، فإن النبي ﷺ أمر بتقصير الخطبة، فقال: ((إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة)).
وعلى المحتسب ألا يغفل عن العناية التامة بنظافة المساجد، وتوفر كل لوازمها من إنارة، وفرش، وأدوات تنظيف، ونحو ذلك، فإن الله ﵎ قال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (التوبة: ١٨)، والعمارة قسمان: عمارة حسية، وعمارة معنوية.
ثم تمتد الحِسبة لتصل إلى أسواق المسلمين، ويحتسب المحتسب على جميع البائعين، والحرفيين، والمهنيين. وقد أطال الفقهاء في وصف الحسبة على كل ذي حرفة من الحرف، ولكننا نقتصر بذكر أمثلة على وجه الإيجاز، فمن الحسبة: الحسبة على الفرانين، والخبازين، فينبغي أن يأمر المحتسب الخبازين والفرانين برفع سقائف أفرانهم، وأن يجعلوا في سقوفها منافذ واسعة للدخان، ويأمرهم بكنس بيت النار في كل تعميرة، وغسل الآنية وتنظيفها، وأن يتخذ لها أبراشًا، وينهاهم عما يغشون به الخبز، ويأمرهم ألا يخبزوه حتى يختمر.
стр. 188
كذلك يأخذ المحتسب على فرانين الخبز البيوت لعظم حاجة الناس إليهم، ويأمرهم بإصلاح المداخل وتنظيف بلاط الفرن في كل ساعة؛ لئلا يلصق في أسفل الخبز منه شيء، ويجعل بين يديه غلام يعلم به أخباز الناس؛ لئلا يختلط عليه أطباق العجين، ولا يعرف بعضها من بعض، ويطعمهم الحرام.
وأما الجزارون: فيمنعهم المحتسب من الذبح على أبواب حوانيتهم، فإنهم يلوثون الطريق بالدم والروث، وهذا منكر يجب المنع منه، فإن ذلك تضييقًا للطريق، وإضرارًا بالناس؛ بسبب رش الدماء، بل من حقه أن يذبح في المذبح، كذلك يمنعهم من إخراج توالي اللحم من الحوانيت، بل يجب أن تكون في الحوانيت، وأن يحفظها مما يضرها، ويأمرهم أن يفردوا لحوم المعز عن لحوم الضأن، ولا يخلط بعضها ببعض، ولا يخلط شحوم المعز بشحوم الضأن، وإذا وقع عند أحدهم بهيمة مريضة أو متغيرة اللون منعه من بيعها مع اللحم الذي على حانوته، بل يأمره ببيعها خارجًا عنه، فإذا شك المحتسب في الحيوان هل هي مذبوحة أو ميتة اختبره، فإن ظهر أنه حي أجازه، وإلا منعه.
كذلك الحسبة على اللبانين: يعتبر على اللبانين تغطية أوانيهم، وأن يكون المكان مبلطًا، والأغطية جددًا، فإن الذبيب يحب مكان اللبن، وكذلك المحلب يكون في فمه ليفة نظيفة؛ حتى تمنع الوسخ، ويلزمهم في كل يوم بغسل المواعين بالليف
стр. 189
الجديد والماء النظيف؛ لئلا يسرع إليها الفساد في زمن الحر، ولا يعمل فوق وظيفته؛ لئلا يبور عنده وتحمض، ولا يستعمل إلا اللبن الحليب الدسم بخيره، ولا يكون مقشوطًا؛ فإنه لا طعم فيه، وقد راح دسمه، وكذلك اللبن المشوب بالماء، لا يجوز بيعه أصلًا.
كذلك ينبغي أن يحتسب على البزازين الذين يبيعون الأقمشة والثياب، فينبغي ألا يتجر في البز إلا من عرف أحكام البيع، وعقود المعاملات، وما يحل منها وما يحرم عليه، وإلا وقع في الشبهات، وارتكب المحظورات، وينهاهم عن الغش، وعن بيع الأخ على بيع أخيه، والسوم على سومه، وألا يبيع حاضر لبادٍ، وألا يبيع إلى أجل مجهول، أو سلعة على شرط المستقبل المجهول، وينبغي للتاجر أن يظهر جميع عيوب السلع خفيها وجليها، ولا يكتم منها شيئًا، فذلك واجب عليه. وينبغي أن يذكرهم بحرمة الغش، وقول النبي ﷺ : ((مَن غشنا فليس منا)).
كذلك يحتسب على القطانين الذين يبيعون القطن، فلا يخلطوا جديد القطن بقديمه، ولا أحمره بأبيضه، وينبغي أن يندف القطن ندفًا مكررًا حتى تطير منه القشرة السوداء، أو الحب المكسر؛ لأنه إذا بقي فيه الحب ظهر في وزنه، وإذا طرحه في جبة أو لحاف فغسلت ودقت قرضت الجبة، وأضر بملابس الناس، ومنهم من يندف القطن الرديء الأحمر، ويجعله في أسفل المكبة، ثم يعمل فوقه القطن الأبيض النقي فلا يظهر إلا عند غسله، وينهاهم أن يجلسوا النسوان على
стр. 190
أبواب حوانيتهم لانتظار فراغهم، ولا يضعون القطن بعد فراغه في المواضع النادية، فإن ذلك يزيد في وزنه، فإذا جف نقص، وهذا تدليس، فيمنعهم من جميع ذلك.
كذلك تمتد الحسبة لتشمل الأطباء، وكل الذين يتعلقون بمهنة الطب، والدواء. فالطب علم نظري وعملي أباحت الشريعة تعلمه؛ لما فيه من حفظ الصحة، ودفع العلل والأمراض على هذه البنية الشريفة، وقد قال النبي ﷺ : ((ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء)).
وتعلم الطب من فروض الكفاية، فعلى المسلمين أن يهتموا بتعلم الطب؛ حتى لا يحتاجون إلى غيرهم، وعلى المحتسبين أن يحتسبوا على الأطباء، وبأن ينهوهم عن أن يتعاملوا بالطب دون علم، أو أن يصفوا سمًّا للمريض، أو أن يصفوا دواء يسقط الجنين، أو يمنع الحمل، أو غير ذلك من المنكرات التي يقع فيها الأطباء.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 191
الدرس: ١١ المحتسب عليه (٢) .
стр. 192
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي عشر
(المحتسب عليه (٢))
ولاة الأمر، وحدود طاعتهم، ومنزلتهم في الإسلام
إن الحمد الله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
خلق الله الإنسان واستخلفه في الأرض ليقوم بعمارة الأرض، ويسعى خلال فترة هذه الخلافة لتحقيق الغاية الكبرى وراء خلقه، ألا وهي عبادة الله تعالى كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦).
وهذه الخلافة وإقامة أي مجتمع إنساني في الأرض تقتضي وجود سلطة تنظم حياة الناس ومعاشهم، وتحل مشاكلهم، والإسلام قد أولى قيام هذه السلطة اهتمامًا كبيرًا، بل وجعل طاعة من يقوم بهذه السلطة من طاعته وطاعة رسوله ﷺ طالما ظل يطبق منهج الله في أرضه وبين خلقه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩)، فمن هو ولي الأمر الواجبة طاعته والذي تبذل له النصيحة؟ إن ولي الأمر معنًى يشمل أصحاب الكلمة والنفوذ من الرئاسات الدينية، والإدارية، والتنفيذية، وأهل العقد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأولي الأمر في الآية أصحاب الأمر وذووه، وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة، وأهل العلم والكلام، فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء، والأمراء، فإذا صلحوا صلح الناس، كما قال أبو بكر ﵁ للأحمسية التي سألته: ما بقاؤنا على هذا الأمر -يعني: من الصواب والخير-؟ قال: "ما استقامت لكم أئمتكم"، ويدخل فيهم الملوك، والمشائخ، وأهل الديوان، وكل من كان متبوعًا، فإنه من أولي الأمر، لكن إذا أطلق ولي الأمر في المجتمع فهو ينصرف إلى الحاكم الخليفة، أو
стр. 193
الملك، أو رئيس الدولة أي: صاحب الولاية العامة أيًّا كانت تسميته، وطبيعي أن الذي سيقوم بهذه الولاية على الناس بشر مثلهم يصيب ويخطئ، ويحتاج لما يحتاجون إليه، ويأتي في مقدمة ما يحتاجه المتولي لأمور الناس في ولايته النصيحة حتى تستقيم أموره على العدل".
ولهذا نجد الكثير من النصوص الشرعية التي تحث على تقديم النصح والمشورة، وإقامة صرح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المسلمين حكامًا ومحكومين، والتي تشكل النصيحة جزءًا من هذا المبدأ الإسلامي العظيم، ومن هذه النصوص التي تحث على ذلك قول النبي ﷺ : ((الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)).
ولو رجعنا وتفحصنا الأمر لوجدنا أن الحاكم المسلم الذي يخاف الله ويطبق شرعه لا ينتظر حتى تبذل له النصيحة مع احتمال أنها لا تبذل من كثير من الناس لخوف، أو مداهنة، أو لضعف في النفوس يهون من أمر النصيحة وبذلها، بل يذهب هو ويعمل على الحصول عليها من أهلها، وهذا ما سار عليه الخلفاء الراشدون، ومن نهج نهجهم ممن جاء بعدهم، بل ويجعلها مثل ذلك الحاكم معيارًا لتقويمه.
فهذا الصديق أبو بكر ﵁ وأرضاه- يقول في أول خطبة له بعد تولية الخلافة: "أما بعد؛ فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم؛ فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، وأطيعوني ما أطعت الله ورسوله؛ فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم". فهو يأمر الناس بتقويمه والاحتساب عليه في قوله: "أيها الناس إني متبع ولست بمبتدع؛ فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني".
وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يقوم خطيبًا فيقول: "رحم الله امرأ أهدى إلينا مساوئنا".
стр. 194
ومن هنا ندرك حرص الحكام المسلمين على تلقي النصيحة من أفراد رعيتهم، وهم يعتبرون ذلك تقويمًا لعملهم، ومدى التزامهم بتطبيق شرع الله، بل يستعينون بهذا النصح والحسبة عليهم في القيام بمهام مسئولياتهم تجاه ما استرعاهم الله من أمر الرعية الذين يسوسونهم ويقودونهم إلى الله .
ومن هنا جاءت النصوص مستفيضة بوجوب طاعة ولي الأمر ما لم يأمر بمعصية، ومن أظهر هذه الأدلة ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك))، ومعنى الأثرة: استئثار السلطان باختصاصات من أمور الدنيا.
يقول الإمام النووي ﵀ في شرح هذا الحديث: "أي اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم، بل ولا يلتفت لأصل أو نسب الحاكم، ولا يكون ذلك مانعًا لعدم الطاعة، فقد أمرنا رسول الله ﷺ بالسمع والطاعة وإن تأمر علينا غير نسيب ما دام يطبق فينا شرع الله ويقيم حدوده، فقد روى الإمام مسلم ﵀ عن عبادة بن الصامت ﵁ عن أبي ذر ﵁ قال: ((إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا حبشيًّا مجدع الأطراف))، كما أنه لا يقدح في ولي الأمر أن يكون أقل علمًا من غيره، فجمهور الفقهاء قالوا: تجوز إمامة المفضول، وصحة بيعته؛ لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار، وليست معتبرة في شروط الاستحقاق".
إذًا فلا بد من وجود الإمارة والولاية؛ لأنه سبب للم شمل المسلمين، ولو تولاها فاجر، فاجتماع القدرة في الحاكم والصلاح في الدين من الصفات التي قد لا تجتمع لكل الناس، ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة".
وقد سئل الإمام أحمد ﵀ عن الرجلين يكونان في الغزو أحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف مع أيهما يغزى؟ فقال: "أما الفاجر القوي فقوته
стр. 195
للمسلمين وفجره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين فيغزى مع القوي الفاجر". وقد قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر))، وكان ﷺ يحث على الانضواء تحت لواء الأمراء حتى ولو رأى المسلم من أميره ما يكره، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية)).
وعلى هذا فلا يحل للمسلم أن يخلع بيعة أميره ويخرج من الطاعة إلا أن يرى كفرًا بواحًا معه عليه من الله برهان، كما جاء في الحديث عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: ((دعانا رسول الله ﷺ فبايعنا، وفيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان)).
وقد جاء في شرح هذا الحديث عند النووي ﵀ أنه قال: "أي لا تنازعوا ولاة الأمور ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحق حيثما كنتم".
حكم بذل النصيحة لولاة الأمر
إن ما يتحمله الإمام والراعي من مسئوليات وأعباء في رعاية شئون الأمة تجعله دائمًا بحاجة إلى النصح، والتذكرة، والأمر، والنهي؛ فإن النبي ﷺ قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))، وقال ﷺ : ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه)).
والحاكم بغض النظر عن رتبته ووظيفته أخ للمسلم في الإسلام، ولا شك أن تلك الأخوة قائمة بين الحاكم والمحكوم، والقيام بحقوقها من أحدهما للآخر
стр. 196
واجب في كل زمان ومكان، ومن حقوقها بذل النصيحة من كل منهما للآخر لا سيما من المحكوم للحاكم لشدة حاجته إليها ومردودها الطيب على الجميع.
ومن الأدلة على وجوب تقديم النصيحة للحاكم والأمير ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله رضي لكم ثلاثًا، وكره لكم ثلاثًا؛ رضي لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تنصحوا لمن ولاه الله أمركم، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، ولا تفرقوا)).
ومن خطبته ﷺ بالخيف ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)).
قال أبو عثمان سعد بن إسماعيل الخيري: "فانصح للسلطان، وأكثر له من الدعاء بالصلاح والرشاد في القول والعمل، فإنه إن صلحوا صلح العباد لصلاحهم، وإياك أن تدعو عليهم فيزدادوا شرًّا، ويزداد البلاء بالمسلمين".
ويقول ابن عبد ربه في (العقد الفريد): "فنصح الإمام ولزوم طاعته فرض واجب، وأمر لازم، ولا يتم الإيمان إلا به، ولا يثبت الإسلام إلا عليه"، ولكن هل يكون بذل النصيحة دائمًا حكمه الندب أم أنه يأخذ مرتبة الوجوب في حالات معينة؟
والجو اب: أن النصيحة وبذلها يأخذ أشكالًا مختلفة بحسب مقتضيات الحال، فبينما نجد نصوصًا ظاهرها الندب والحث على بذل النصيحة، نجد نصوصًا أخرى تأمر ببذل النصيحة على سبيل الإلزام، وعلى حسب درجات القدرة، من تلك النصوص ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ أن مروان بن الحكم خطب قبل الصلاة في العيد؛ فقال له رجل: "إنما الخطبة بعد الصلاة؛ فقال مروان: ترك
стр. 197
ذلك يا أبا فلان؛ فقال له أبو سعيد الخدري: أما هذا فقد قضى ما عليه، قال لنا رسول الله ﷺ : ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).
وتزداد قيمة النصيحة ويعظم أجر بذلها عند من يخاف شره، ويخشى بطشه، وتكثر أخطاؤه وفجوره حتى تصل إلى أعلى مراتب الجهاد في سبيل الله كما قال ﷺ : ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)).
ومن هذا المنطلق كان المحتسب يقصد مجالس الأمراء والولاة، ويعظهم، ويطالبهم بالشفقة على الرعية، والإحسان إليهم، ويذكرهم بمسئوليتهم وعظمها من خلال إيراد بعض النصوص الشرعية التي تبين ذلك.
ومن صور احتساب العلماء على الأمراء: أنه جاء عن أحمد بن إبراهيم المقري قال: "كان أبو الحسن النوري رجلًا قليل الفضول لا يسأل عما لا يعنيه، ولا يفتش عما لا يحتاج إليه، وكان إذا رأى منكرًا غيره ولو كان فيه تلاحم، فنزل ذات يوم إلى مشرعة تعرف بمشرعة الفحامين يتطهر للصلاة إذ رأى زورقًا فيه ثلاثون دنًّا مكتوبا عليها بالقار: لُطْف، فقرأه، وأنكره؛ لأنه لا يعرف في التجارات ولا في البيوع شيئًا يعبر عنه بلطف؛ فقال الشيخ ﵁ للملاح: أي شيء في هذه الدنان؟ فقال: وأي شيء عليك؟! امض لشغلك، فلما سمع النوري ﵀ من الملاح هذا القول ازداد تعطشًا إلى معرفته؛ فقال له: أحب أن تخبرني أي شيء في هذه الدنان؟ فقال له الملاح: أنت والله صوفي فضولي، هذه خمر المعتضد بأمر الله يريد أن يتمم به مجلسه.
стр. 198
فقال النوري -رحمة الله عليه-: هذه خمر؟ قال: نعم، قال: أحب أن تعطيني ذلك المدرى، فاغتاظ الملاح عليه، وقال لغلامه: أعطه حتى أنظر الذي يصنع، فلما صارت في يده صعد إلى الزورق، فلم يزل يكسرها دنًّا دنًّا حتى أتى على آخرها إلا دنًّا واحدًا، والملاح يستغيث إلى أن ركب صاحب الخمر، وهو يومئذ موسى بن أفلح، فقبض على النوري، واستحضره إلى حضرة المعتضد، وكان المعتضد سيفه قبل كلامه، ولم يشك الناس أنه سيقتله، قال الشيخ أبو الحسن: فدخلت عليه وهو جالس على كرسي حديد، وبيده عامود يقلبه، فلما رآني قال: من أنت؟ قلت: محتسب، قال: من ولاك الحسبة؟ قلت: الذي ولاك الإمامة ولاني الحسبة يا أمير المؤمنين؛ قال: فأطرق إلى الأرض ساعة، ثم رفع رأسه إلي وقال: ما الذي حملك على ما صنعت؟ فقلت: شفقة مني عليك إذ بسطت يدي إلى صرف مكروه عنك فقصرت عنه، قال: فأطرق المعتضد مفكرًا في كلامه، ثم رفع رأسه وقال: كيف تخلص هذا الدن الواحد من بين جملة هذه الدنان؟ فقلت له: في تخليصه علة أخبر بها أمير المؤمنين إن أذن لي.
فقال: أخبرني، فقلت: يا أمير المؤمنين إني قدمت على الدنان بمطالبة الحق بذلك، وعم قلبي شاهد الإخلاص الحق وخوف المطالبة، فغابت هيبة الخلق عني، فأقدمت عليه بالحال الأول إلى أن صرت إلى هذا الدن فجزعت نفسي كثيرًا على أني قد أقدمت على مثلك فمنعت نفسي، ولو أقدمت عليه في الحال الأول ولو كانت ملء الدنيا دنانًا لكسرتها ولم أبال.
قال الشيخ أبو الحسن النوري -رحمة الله عليه-: فقال لي أمير المؤمنين المعتضد بأمر الله: اذهب فقد أطلقنا يدك غيِّر ما أحببت أن تغيره من المنكر، قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين أبغض التغيير لأني كنت أغير عن الله، وأنا الآن أغير
стр. 199
شرطيًّا؛ فقال المعتضد بأمر الله: ما حاجتك؟ قلت: تأمر بإخراجي سالمًا فأمر لي بذلك، وخرجت إلى البصرة فلبثت بها أكثر أيامي خوفًا من أن يسأل حاجة يسألها المعتضد فأقام بالبصرة إلى أن توفي المعتضد، ثم رجع إلى بغداد".
والمتدبر لمثل هذا الموقف يرى أن الذي يحتسب الأمر عند الله بنفس الروح التي احتسب بها هذا الرجل لا يهمه مكانة المحتسب عليه حتى ولو كان الحاكم أو الأمير؛ لأن الناس تجاه أوامر الشريعة سواسية لا فرق بين سوقي ولا حاكم، والمحتسب يقوم بواجبه تجاه الجميع، ومع الجميع.
وملحظ آخر: هو أن المسلم الذي تبلغه دعوة الحق سواء كان حاكمًا أو محكومًا لا يتوان في قبولها، ولذا نرى موقف الخليفة الذي ذُكِّر فتذكر، ونصح فاستفاد، لم يكن إلا أن زاد في صلاحية هذا المحتسب، وأطلق يده في تغيير كل منكر، ولا يسع المسلم الحق إلا أن يمتثل ويعمل بصدق وإخلاص إذا عرف الحق وذكر به.
ومن صور الحسبة أيضًا: هو التي تتمثل فيها جرأة المحتسب في تغيير المنكر، وعدم مداهنة المحتسب عليه لمنصب يرجوه، أو حظوة ينتظرها، كما تتمثل الغاية في التأثر والقبول من الحاكم ما ذكره ابن بسام المحتسب في كتاب (نهاية الرتبة) من أن أتابك سلطان دمشق طلب له محتسبًا، فذكر له رجل من أهل العلم فأمر بإحضاره، فلما بصر به قال: "إني وليتك أمر الحسبة على الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فقال هذا المحتسب: إن كان الأمر كذلك فقم عن هذه الطراحة وارفع هذا المسند الذي وراء ظهرك فإنه حرير، واخلع هذا الخاتم من إصبعك فإنه ذهب، فقد قال النبي ﷺ في الذهب والحرير: ((إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثها)) قال: فنهض السلطان عن
стр. 200
الطراحة، وأمر برفع المسند الذي كان يتكئ عليه، وخلع الخاتم من إصبعه، وقال: قد ضممت إليك النظر في أمور الشرطة، قيل: فما رأى الناس محتسبًا أهيب منه".
فهذه كانت سيرة العلماء وعاداتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقلة مبالاتهم بسطوة الملوك، لكنهم اتكلوا على فضل الله، وأن الله يحرسهم، ورضوا بحكم الله أن يرزقهم الشهادة، فلما أخلصوا لله النية أثر كلامهم في القلوب القاسية، وأزال قساوتها وأمالها.
وأما الآن فقد استولى على الناس حب الدنيا، ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل فكيف على الملوك والأكابر؟! والله المستعان على كل حال. وكانت من عادات السلف الحسبة على الولاة قاطعًا بإجماعهم على الاستغناء عن التفويض، فكل من أمر بالمعروف وإن كان المتولي راضيًا فذاك، وإن كان ساخطًا فسخطه عليه منكر، يجب الإنكار عليه، وكيف يحتاج إلى إذنه، ويدل على ذلك سنن السلف في الإنكار على الأئمة كما في قصة مروان وخطبته قبل الصلاة، فلقد فهم السلف من هذه العمومات دخول السلاطين تحتها، فكيف يحتاج إلى إذنهم؛ لأن الحسبة عبارة عن المنع من منكر بحق الله صيانة للممنوع عن مقارفة المنكر.
وعن سفيان الثوري قال: "حج المهدي في سنة ست وستين ومائة فرأيته يرمي جمرة العقبة والناس يحتاطون به يمينًا وشمالًا، يضربون الناس بالسياط، فوقفت فقلت: يا حسن الوجه، حدثنا أيمن بن نائل عن قدامة بن عبد الله قال: رأيت رسول الله ﷺ يرمي جمرة العقبة يوم النحر على جمل لا ضرب، ولا طرد، ولا جلد، ولا إليك، وهأنت يحيط الناس بين يديك يمينًا وشمالًا؛
стр. 201
فقال للرجل: من هذا؟ فقال: سفيان الثوري؛ فقال له: يا سفيان لو كان المنصور ما احتملك على هذا، فقلت له: لو أخبرك المنصور بما لقي لقصرت عن ما أنت عليه، قال: فقيل له: لم؟ قال لك: يا حسن الوجه، ولم يقل لك: يا أمير المؤمنين، قال: اطلبوه، فطلبوه فلم يجدوه فاختفى".
كيف يكون الإنكار على الحكام والأمراء ؟
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في تفسير حديث أبي سعيد الخدري: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره ... )) إلى آخره: "قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: آمر السلطان بالمعروف وأنهاه عن المنكر؟ قال: إن خفت أن يقتلك فلا، ثم عدت فقال لي مثل ذلك، وقال: إن كنت لا بد فاعلًا ففيما بينك وبينه. وقال طاوس: أتى رجل ابن عباس؛ فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره وأنهاه؟ قال: لا تكن له فتنة، قال: أفرأيت إن أمرني بمعصية الله؟ قال: ذلك الذي تريد فكن حينئذٍ رجلًا.
وقد ذكرنا حديث ابن مسعود الذي فيه: ((يخلف من بعدهم خلوف فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن)) قال: وهذا يدل على جهاد الأمراء باليد، وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود، وقال: هو خلاف الأحاديث التي أمر رسول الله ﵌ فيها بالصبر على جور الأئمة، وقد يجاب عن ذلك بأن التغيير باليد لا يستلزم القتال، وقد نص على ذلك أحمد أيضًا في رواية صالح؛ فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح، فحينئذٍ جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات مثل أن يريق خمورهم، أو يكسر آلات اللهو التي لهم، أو نحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على
стр. 202
ذلك، وكل ذلك جائز، وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه؛ فإن هذا أكثر ما يخشى منه أن يقتله الأمراء وحده.
وأما الخروج عليهم بالسيف فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين، نعم إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذى أهله أو جيرانه لم ينبغ له التعرض لهم حينئذ لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره، كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره، ومع هذا متى خاف منهم على نفسه السيف، أو السوط، أو الحبس، أو القيد، أو النفي، أو أخذ المال، أو نحو ذلك من الأذى سقط أمرهم ونهيهم، وقد نص الأئمة على ذلك منهم: مالك، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، قال أحمد: لا يتعرض إلى السلطان؛ فإن سيفه مسلول.
وقال ابن مفلح في (الآداب الشرعية): ولا ينكر أحد على سلطان إلا وعظًا له وتخويفًا، أو تحذيرًا من العاقبة في الدنيا والآخرة، فإنه يجب ويحرم بغير ذلك، ذكره القاضي وغيره، والمراد: ولم يخف منه بالتخويف والتحذير، وإلا سقط، وكان حكم ذلك لغيره، قال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله، وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك، ولا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم، ولا تخلعوا يدًا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر، وقال: هذا ليس بصواب، هذا خلاف الآثار. وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله يأمر بكف الدماء، وينكر الخروج إنكارًا شديدًا، وقال في رواية إسماعيل بن سعيد: الكف؛ لأنا نجد عن النبي ﷺ : ((ما صلوا فلا)) خلافًا للمتكلمين في جواز قتالهم كالبغاة.
стр. 203
قال القاضي: والفرق بينهما من جهة الظاهر والمعنى؛ أما الظاهر فإن الله تعالى أمر بقتال البغاة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: ٩).
وفي مسألتنا أمر بالكف عن الأئمة بالأخبار المذكورة. وأما المعنى فإن الخوارج يقاتلون بالإمام، وفي مسألتنا يحصل قتالهم بغير إمام، فلم يجز كما لم يجز الجهاد بغير إمام، وقال عبد الله بن المبارك:
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا ... منه بعروة وثقى لمن دانا
كم يدفع الله بالسلطان معضلة ... في ديننا رحمة منه ودنيانا
لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبًا لأقوانا
وقال عمرو بن العاص لابنه: "يا بني احفظ عني ما أوصيك به: إمام عدل خير من مطر وابل، وأسد حطوم خير من إمام ظلوم، وإمام ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم".
قال ابن الجوزي: الجائز من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع السلاطين التعريف والوعظ، فأما تخشين القول نحو: يا ظالم، يا من لا يخاف الله؛ فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرها إلى الغير لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه؛ فهو جائز عند جمهور العلماء، قال: والذي أراه المنع من ذلك؛ لأن المقصود إزالة المنكر، وحمل السلطان بالانبساط عليه على فعل المنكر أكثر من فعل المنكر الذي قصد إزالته.
стр. 204
قال الإمام أحمد ﵀: لا يتعرض للسلطان؛ فإن سيفه مسلول وعصاه، فأما ما جرى للسلف من التعرض لأمرائهم فإنهم كانوا يهابون العلماء، فإذا انبسطوا عليهم احتملوهم في الأغلب.
ولأحمد من حديث عطية السعدي قال: إذا استشرت السلطان تسلط عليه الشيطان، ووعظه الجوزي في سنة أربع وسبعين وخمسمائة بحضور الخليفة المستضيء بأمر الله، وقال: لو أني مثلت بين يدي السنة الشريفة لقلت: يا أمير المؤمنين قل لله سبحانه ما حاجتك إلي كما كان لك مع غناه عنك، إنه لم يجعل أحدًا فوقك فلا ترض أن يكون أحد أشكر له منك، فتصدق أمير المؤمنين بصدقات وأطلق محبوسيه.
ووعظ أيضًا في هذه السنة والخليفة حاضر قال: وبالغت في وعظ أمير المؤمنين، فمما حكيته له: أن الرشيد قال لشيبان: عظني؛ فقال: يا أمير المؤمنين لأن تصحب من يخوفك حتى تدرك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى تدرك الخوف. قال: فسر لي هذا، قال: من يقول لك: أنت مسئول عن الرعية فاتق الله أنصح لك ممن يقول لك: أنتم أهل بيت مغفور لكم، وأنتم قرابة نبيكم، فبكى الرشيد حتى رحمه من رآه. فقلت له في كلامي: يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، وأنا أقدم خوفي عليك على خوفي منك. ووعظ شبيب بن شيبة المنصور؛ فقال: إن الله لم يجعل فوقك أحدًا، فلا تجعل فوق شكرك شكرا.
وكذلك نص الإمام أبو حامد الغزالي على طرق وعظ الأمراء والسلاطين، وتذكيرهم بالله، والاحتساب عليهم؛ فقال ﵀: قد ذكرنا درجات
стр. 205
الأمر بالمعروف، وأن أوله التعريف، وثانيه الوعظ، وثالثه التخشين في القول، ورابعه المنع بالقهر في الحمل على الحق بالضرب والعقوبة، والجائز من جملة ذلك مع السلاطين الرتبتان الأوليان، وهما: التعريف، والوعظ، وأما المنع بالقهر فليس ذلك لآحاد الرعية مع السلطان؛ فإن ذلك يحرك الفتنة، ويهيج الشر، ويكون ما يتولد منه من المحذور أكثر، وأما التخشين في القول كقوله: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، وما يجري مجراه؛ فذلك إن كان يحرك فتنة يتعدى شرها إلى غيره لم يجز، وإن كان لا يخاف إلا على نفسه فهو جائز بل مندوب إليه، فلقد كان من عادة السلف التعرض للأخطاء، والتصريح بالإنكار من غير مبالاة بهلاك المهجة، والتعرض لأنواع العذاب، لعلمهم بأن ذلك شهادة، قال رسول الله ﷺ : ((خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ثم رجل قام إلى إمام فأمره ونهاه في ذات الله تعالى فقتله على ذلك))، وقال ﷺ : ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)).
ولما علم المتصلبون في الدين أن أفضل الكلام كلمة حق عند سلطان جائر، وأن صاحب ذلك إذا قتل فهو شهيد قدموا على ذلك مُوَطِّنين أنفسهم على الهلاك، ومحتملين أنواع العذاب، وصابرين عليه في ذات الله تعالى، ومحتسبين لما يبذلونه من مهجهم عند الله، وطريق وعظ السلاطين وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ما نقل عن علماء السلف. ونحن نحكي بعض ما وردنا عنهم ﵃ في ذلك؛ فمنها ما روي من إنكار أبي بكر الصديق ﵁ على أكابر قريش حين قصدوا رسول الله ﷺ بالسوء، وذلك ما روي عن عروة ﵁ قال: قلت لعبد الله بن عمرو: ما أكثر ما رأيت قريشًا نالت من رسول الله ﷺ فيما كانت تظهر من عداوته؟
стр. 206
فقال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحجر، فذكر رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، ولقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا.
فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفًا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول، قال: فعرفت ذلك في وجه رسول الله ﷺ ثم مضى فلما مر الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه ﵇ ثم مضى، فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها حتى وقف، ثم قال: ((أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح)).
قال: فأطرق القوم حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وطأة قبل ذلك ليرقوه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشدًا فوالله ما كنت جهولًا.
قال: فانصرف رسول الله ﷺ حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم؛ فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك إذ اطلع رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به، يقولون: أنت الذي تقول كذا أنت الذي تقول كذا لما كان قد بلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، قال: فيقول رسول الله ﷺ : ((نعم أنا الذي أقول ذلك)) قال: فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجامع ردائه، قال: وقام أبو بكر الصديق ﵁ يقول وهو يبكي: ويلكم أتقتلون رجلًا أن يقول: ربي الله، ثم انصرفوا عنه، وإن ذلك لأشد ما رأيت قريشًا بلغت منه ﷺ .
стр. 207
ومن حكاياتهم ﵃ ما روي عن الأوزاعي قال: بعث إلي أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين وأنا بالساحل، فأتيته، فلما وصلت إليه وسلمت عليه بالخلافة رد علي واستجلسني، ثم قال: ما الذي أبطأ بك عنا يا أوزاعي؟ قال: قلت: وما الذي تريده يا أمير المؤمنين؟ قال: أريد الأخذ عنكم والاقتباس منكم، قال: فقلت: فانظر يا أمير المؤمنين ألا تجهل شيئًا مما أقول لك، قال: وكيف أجهله وأنا أسألك عنه، وفيه وجهت إليك وأقدمتك له، قال: قلت: أخاف أن تسمعه ثم لا تعمل به، قال: فصاح بي الربيع وأهوى بيده إلى السيف فانتهره المنصور، وقال: هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة، فطابت نفسي وانبسطت في الكلام، فقلت: يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عطية بن بشر قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنها نعمة من الله سيقت إليه؛ فإن قبلها بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه ليزداد بها إثمًا، ويزداد الله بها سخطًا عليه)).
يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عطية بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيما وال مات غاشًّا لرعيته حرم الله عليه الجنة)) يا أمير المؤمنين من كره الحق فقد كره الله؛ فإن الله هو الحق المبين، إن الذي لين قلوب أمتكم لكم حين ولاكم أمورهم لقرابتكم من رسول الله ﷺ وقد كان بهم رءوفًا رحيمًا، مواسيًا لهم بنفسه في ذات يده، محمودًا عند الله وعند الناس، فحقيق بك أن تقوم له فيهم بالحق، وأن تكون بالقسط له فيهم قائمًا، ولعوراتهم ساترًا، لا تغلق عليك دونهم الأبواب، ولا تقيم دونهم الحجاب، تبتهج بالنعمة عندهم، وتبتئس بما أصابهم من سوء، يا أمير المؤمنين قد كنت في شغل شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت تملكهم أحمرهم وأسودهم، مسلمهم وكافرهم، وكل له عليك ن صيب من العدل، فكيف بك إذا انبعث
стр. 208
منهم فئام وراء فئام، وليس منهم أحد إلا وهو يشكو بلية أدخلتها عليه أو ظلامة سقتها إليه.
يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عروة بن رويم قال: كانت بيد رسول الله ﷺ جريدة يستاك بها، ويروع بها المنافقين، فأتاه جبرائيل ﵇ فقال: يا محمد ما هذه الجريدة التي كسرت بها قلوب أمتك، وملأت قلوبهم رعبًا، فكيف بمن شقق أستارهم، وسفك دماءهم، وخرب ديارهم، وأجلاهم عن بلادهم، وغيبهم الخوف منه؟ يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن زياد عن حارثة عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله ﷺ دعا إلى القصاص من نفسه في خدش خدشه أعرابيًّا لم يتعمده فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن الله لم يبعثك جبارًا، ولا متكبرًا، فدعا النبي ﷺ الأعرابي؛ فقال: ((اقتص مني)) فقال الأعرابي: قد أحللتك بأبي أنت وأمي وما كنت لأفعل ذلك أبدًا، ولو أتيت على نفسي، فدعا له بخير.
يا أمير المؤمنين رَضِّ نفسك لنفسك، وخذ لها الأمان من ربك، وارغب في جنة عرضها السموات والأرض التي يقول فيها رسول الله ﷺ : ((لقيد قوس أحدكم من الجنة خير له من الدنيا وما فيها)) ".
الطريقة المثلى لنصح الحاكم والأمير:
أولًا: يجب على من يحتسب على الأمير العلم بفقه الاحتساب على وجه العموم، وبحكم المسألة التي يحتسب فيها على وجه خاص؛ فإن ذلك من أولى الشروط التي ينبغي توافرها فيمن يعطي لنفسه القيام بهذا الدور في النصح للحكام، لا سيما إذا ما عرفنا حساسية الموقف وأهميته.
стр. 209
ثانيًا: الإخلاص، أي إخلاص النصيحة عند بذلها لله، وابتغاء ما عنده من الأجر والثواب، الذي وعد به من قام بهذا الفرض، وأدى هذا الواجب، وألا يكون هدف المحتسب من ذلك إبراز نفسه، أو الطمع في الحصول على مال أو شهرة، أو تعالٍ على الناس، ولكن يجب أن يكون هدفه إلزام المسلمين منهج الله، وكلمة التقوى، ومتى كانت نيته صحيحة وعمله خالصًا لله سدده الله ووفقه، وكان ذلك عونًا له على نفسه التي قد تغالب بعز العلم، وإذلال الغير بالجهل، فإذا كان هذا هو الباعث في نفسه فإنه يكون منكرًا أقبح من المنكر الذي يعترض عليه.
ثالثًا: اللين والرأفة؛ فإن الله ﵎ بعث موسى وهارون ﵉ إلى فرعون؛ فقال لهما: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: ٤٣، ٤٤)، فإذا كان هذا في شأن فرعون؛ فإن الحاكم المسلم مهما كانت مخالفته أولى بذلك من غيره.
رابعًا: أن تكون نصيحة الحاكم في السر، وفي حالة الانفراد به عند إبلاغه النصيحة، لا سيما عندما يحدث منه ما يوجب الاحتساب؛ فإن علماء الأمة عليهم أن يختاروا من بينهم من يرونه يصلح للقيام بإبلاغ النصيحة بالطريقة التي تحفظ على الحاكم وقاره وهيبته، ولنا في حديث رسول الله ﷺ الخير كله؛ حيث قال: ((من أراد أن ينصح السلطان بأمر فلا يُبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به؛ فإن قبل منه فذاك، وإلا فقد أدى الذي عليه)).
يقول ابن النحاس في هذا المعنى في كتابه (تنبيه الغافلين): "ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رءوس الأشهاد، بل يود لو كلمه سرًّا، ونصحه خفية من غير ثالث لهما، ويكره أن يقال عنه -أي: الحاكم- أو يحكي
стр. 210
ما اتفق له معه، وألا يشهر ذلك من العامة، فهذه كلها علامات تدل على سوء القصد والنية".
وأرى أن الاهتمام بهذه النقطة يكون أكثر من غيرها؛ لأنها أدعى كل النقاط التي ذكرناها لقبول النصيحة، ولأن إبلاغ النصيحة للحاكم ولغيره لا بد أن تظل لابسة ثوب النصيحة لا ثوب الفضيحة؛ لأنها متى أعلنت للناس خرجت من نصيحة وتحولت إلى فضيحة، فإذا لم يتيسر للناصح أن يخلو بالحاكم فعليه أن يلجأ إلى طرق أخرى، وفي حضور الطريقة السابقة من حيث السرية كأن يكتب له خطابًا ويسلمه بيده إن تيسر، وإلا حاول إرساله مع ثقة مع تحريضه -أي: ثقة- ألا يفتح الخطاب إلا بيد الحاكم، وبهذا يضمن المحتسب الناصح ألا يقع فيما يخالف.
خامسًا: مراعاة هيبة السلطان وجلال الحكم؛ لأن في ابتذال ذلك وعدم مراعاته مدعاة مؤكدة لعدم قبول النصيحة، وبالتالي قد تتخذ مدخلًا على السلطان ممن لهم مقاصد دنيئة، وهيبة السلطان هيبة للأمة، ولا ينبغي أن يتجاوز المحتسب الناصح المرتبتين الأولتين من مراتب إنكار المنكر مع الحاكم على الترتيب الذي ذكره الغزالي: التعريف والوعظ، فإذا ما اتبع المحتسب هذا النهج في تقديمه النصيحة للحاكم المسئول كان قد بذر بذرة طيبة بكلمة طيبة، فالكلمة الطيبة لها أثر عظيم في كسب القلوب، وأسرها، وفيها يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (إبراهيم: ٢٤، ٢٥).
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 211
الدرس: ١٢ المحتسب عليه (٣) .
стр. 212
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني عشر
(المحتسب عليه (٣))
مكانة المرأة في المجتمع الإسلامي
إن الحمد الله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
من خصائص النظام الاجتماعي الإسلامي تحديده مركز المرأة في المجتمع تحديدًا دقيقًا واضحًا صريحًا مفصلًا، حتى لا تدخل الأهواء في هذه المسألة الخطيرة جدًّا، وحتى تتحقق للمجتمع طهارته، ونظافته، وعفته، واستقامته، وتنشأ فيه الأجيال القوية الأمينة، فيبقى المجتمع على صلاحه واستقامته، ويسعد أفراده.
وقد تناول القرآن الكريم بآيات كثيرة شئون المرأة، وتحديد مركزها الاجتماعي، وما لها وما عليها، وكذلك فعلت السنة النبوية، ولا شك أن معالجة موضوع المرأة في القرآن بآيات كثيرة، وفي السنة بأحاديث كثيرة، يدل دلالة قاطعة على أهمية هذا الموضوع، وعظيم عناية الإسلام به.
والواقع أن حالة المرأة في المجتمع، ومدى ما لها وما عليها من الحقوق والواجبات، ونوع الضوابط التي تحكم سلوكها، كل ذلك كان ولا يزال من أعظم المؤثرات في سير المجتمع، وفي مدى صلاحه وفساده، ولهذا كله فقد أولى الإسلام مسألة المرأة كل ما تستحق من عناية وتوضيح حتى تستبين الأمور، ويعرف الناس المسلك السديد في معالجة هذه المسألة على الوجه الصحيح.
من المفيد أن نذكر شيئًا عن مركز المرأة في المجتمع العربي الجاهلي قبل الإسلام لنرى مدى الإصلاح العظيم الذي جاء به الإسلام في هذا الموضوع، ثم نعرف المعايب والأخطاء والأباطيل التي كان عليها الناس قبل الإسلام في مسألة المرأة حتى لا يقع المجتمع الإسلامي فيها.
стр. 213
وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية"؛ لأنه إذا لم نعرف قبائح الجاهلية لم نتوقها، وربما خالطناها أو وقعنا فيها، والمجتمعات غير العربية قبل الإسلام أو التي لم تهتدِ بهديه بعد بزوغ شمسه لم تكن أحسن حالًا من المجتمعات العربية الجاهلية، ونذكر فيما يلي بعض الأوضاع التي كانت عليها المرأة في المجتمعات الجاهلية العربية وغير العربية:
أولًا: كان العرب قبل الإسلام ينظرون إلى المرأة نظرة احتقار وامتهان، ويحزنون لولادة الأنثى، وقد بين القرآن الكريم هذه الحالة النفسية التي كانت تنتابهم؛ فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل: ٥٨، ٥٩)، حتى آل الأمر ببعضهم إلى وأد البنات، وهن على قيد الحياة قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: ٨، ٩).
ثانيًا: ما كانت المرأة ترث؛ لأن الإرث عند عرب الجاهلية كان محصورًا في الرجال.
ثالثًا: كانت كثيرًا ما تخضع للتعسف والظلم، فإذا مات الرجل وترك زوجة وأولادًا من غيرها فللابن الحق في تزويجها، ولو كانت كارهة كما كان له أن يمنعها من التزوج، وللزوج أن يطلقها ما شاء من الطلقات، ويراجعها قبل أن تنتهي عدتها، وهكذا يجعلها كالمعلقة، لا هي مطلقة فتذهب إلى حال سبيلها، ولا هي بالزوجة التي تتمتع بحقوق الزوجية.
رابعًا: ولم يكن الناس في الجاهلية الأخرى أحسن حالًا من عرب الجاهلية؛ فقد وقع الاختلاف في أوربا حول المرأة من جهة مساواتها مع الرجل في تلقي الدين،
стр. 214
والقيام بالعبادة، واستحقاق الجنة في الآخرة، حتى إن بعض المجامع الكنسية في روما قررت أنها حيوان نجس لا روح له، ولا خلود.
وفي القانون الروماني للزوج الحق في الزواج مع السيادة أن يبيع زوجته، وأن يأخذ ما يكون عندها من أموال، وما كانت هناك قيود على الآداب العامة تلتزم بها المرأة، بل كان التحلل عن هذه القيود هو الشائع في المجتمعات الجاهلية العربية منها وغير العربية.
وقد أشار القرآن الكريم إلى شيء من هذا التحلل؛ حيث قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣)، ومن معاني ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: خروج المرأة مكشوفة الرأس والصدر والعنق تخالط الرجال وهي بهذه الحالة، وتتغنج في مشيتها بينهم، هكذا ذكر أهل التفسير بصدد هذه الآية الكريمة.
أما مركز المرأة في المجتمع الإسلامي فإنه يعرف بمعرفة الحقوق التي جعلها لها الإسلام، والواجبات التي فرضها عليها، والوظيفة التي اختصت بها، والآداب التي تلتزم بها.
أما عن حقوق المرأة فالقاعدة في حقوق المرأة أنها فيها كالرجل، إلا فيما يختلفان فيه من استعداد، وكفاية، وقدرة هي مناط هذه الحقوق، وبشرط ألا تعارض هذه الحقوق ما عليها من واجبات، وعلى هذه القاعدة تتمتع المرأة في الإسلام بالحقوق التالية:
أولًا: تتمتع بحق الحياة؛ لأنها نفس معصومة كالرجل، ولهذا حرم الإسلام وأد البنات، وأوجب القصاص في قتلهن عمدًا كما هو الحكم بالنسبة للرجل.
стр. 215
ثانيًا: هي أهل للتكريم لأنها إنسان، والله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: ٧٠).
ثالثًا: لها حق اكتساب الأموال بالطرق المشروعة؛ لأن لها ذمة صالحة لاكتساب الحقوق المالية وغير المالية؛ فهي في هذا الحق كالرجل، ومن أسباب اكتساب الأموال الميراث، وقد أثبته الشرع الإسلامي لها بعد أن حرمها الجاهليون منه، قال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (النساء: ٧)، ولها حق التصرف بأموالها كما تشاء دون حاجة إلى إذن أحد ما دامت عاقلة رشيدة.
رابعًا: لها حق المهر في عقد النكاح كما قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: ٤)، ولها حق النفقة على الزوج قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: ٢٣٣)، وحق النفقة على أولادها باعتبارها أمًّا.
خامسًا: لها حق الحضانة على أولادها الصغار إذا وقعت الفرقة بينها وبين زوجها.
سادسًا: لها حق تعلم العلوم النافعة لها بالكيفية المناسبة لطبيعتها، وبشرط الالتزام التام بالآداب الإسلامية اللازمة لها، وأعظم ما ينفعها تعلم شريعة الإسلام، وما فيها من حلال وحرام.
أما العلوم الدنيوية فهي مباحة، فإذا شاءت المرأة أن تتعلم منها شيئًا فلا بأس، ولكن بالشرط الذي قدمناه، وهو الالتزام بالآداب، وبالكيفية المناسبة لها، والمحافظة على عفتها، كما ينبغي أن تتعلم ما يلائم طبيعتها، ويقوي اختصاصها الفطري في تربية الأولاد ورعاية البيت، فتتعلم فنون الخياطة، والطبخ، وأصول تربية الولد، ونحو ذلك، فإذا أرادت المزيد من المعرفة فلا بأس بشرط ألا تؤثر
следующие страницы →