← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8496

الحسبة - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (344 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الدرس: ١٢ المحتسب عليه (٣) .

стр. 212

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني عشر (المحتسب عليه (٣)) مكانة المرأة في المجتمع الإسلامي إن الحمد الله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: من خصائص النظام الاجتماعي الإسلامي تحديده مركز المرأة في المجتمع تحديدًا دقيقًا واضحًا صريحًا مفصلًا، حتى لا تدخل الأهواء في هذه المسألة الخطيرة جدًّا، وحتى تتحقق للمجتمع طهارته، ونظافته، وعفته، واستقامته، وتنشأ فيه الأجيال القوية الأمينة، فيبقى المجتمع على صلاحه واستقامته، ويسعد أفراده. وقد تناول القرآن الكريم بآيات كثيرة شئون المرأة، وتحديد مركزها الاجتماعي، وما لها وما عليها، وكذلك فعلت السنة النبوية، ولا شك أن معالجة موضوع المرأة في القرآن بآيات كثيرة، وفي السنة بأحاديث كثيرة، يدل دلالة قاطعة على أهمية هذا الموضوع، وعظيم عناية الإسلام به. والواقع أن حالة المرأة في المجتمع، ومدى ما لها وما عليها من الحقوق والواجبات، ونوع الضوابط التي تحكم سلوكها، كل ذلك كان ولا يزال من أعظم المؤثرات في سير المجتمع، وفي مدى صلاحه وفساده، ولهذا كله فقد أولى الإسلام مسألة المرأة كل ما تستحق من عناية وتوضيح حتى تستبين الأمور، ويعرف الناس المسلك السديد في معالجة هذه المسألة على الوجه الصحيح. من المفيد أن نذكر شيئًا عن مركز المرأة في المجتمع العربي الجاهلي قبل الإسلام لنرى مدى الإصلاح العظيم الذي جاء به الإسلام في هذا الموضوع، ثم نعرف المعايب والأخطاء والأباطيل التي كان عليها الناس قبل الإسلام في مسألة المرأة حتى لا يقع المجتمع الإسلامي فيها.

стр. 213

وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية"؛ لأنه إذا لم نعرف قبائح الجاهلية لم نتوقها، وربما خالطناها أو وقعنا فيها، والمجتمعات غير العربية قبل الإسلام أو التي لم تهتدِ بهديه بعد بزوغ شمسه لم تكن أحسن حالًا من المجتمعات العربية الجاهلية، ونذكر فيما يلي بعض الأوضاع التي كانت عليها المرأة في المجتمعات الجاهلية العربية وغير العربية: أولًا: كان العرب قبل الإسلام ينظرون إلى المرأة نظرة احتقار وامتهان، ويحزنون لولادة الأنثى، وقد بين القرآن الكريم هذه الحالة النفسية التي كانت تنتابهم؛ فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل: ٥٨، ٥٩)، حتى آل الأمر ببعضهم إلى وأد البنات، وهن على قيد الحياة قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: ٨، ٩). ثانيًا: ما كانت المرأة ترث؛ لأن الإرث عند عرب الجاهلية كان محصورًا في الرجال. ثالثًا: كانت كثيرًا ما تخضع للتعسف والظلم، فإذا مات الرجل وترك زوجة وأولادًا من غيرها فللابن الحق في تزويجها، ولو كانت كارهة كما كان له أن يمنعها من التزوج، وللزوج أن يطلقها ما شاء من الطلقات، ويراجعها قبل أن تنتهي عدتها، وهكذا يجعلها كالمعلقة، لا هي مطلقة فتذهب إلى حال سبيلها، ولا هي بالزوجة التي تتمتع بحقوق الزوجية. رابعًا: ولم يكن الناس في الجاهلية الأخرى أحسن حالًا من عرب الجاهلية؛ فقد وقع الاختلاف في أوربا حول المرأة من جهة مساواتها مع الرجل في تلقي الدين،

стр. 214

والقيام بالعبادة، واستحقاق الجنة في الآخرة، حتى إن بعض المجامع الكنسية في روما قررت أنها حيوان نجس لا روح له، ولا خلود. وفي القانون الروماني للزوج الحق في الزواج مع السيادة أن يبيع زوجته، وأن يأخذ ما يكون عندها من أموال، وما كانت هناك قيود على الآداب العامة تلتزم بها المرأة، بل كان التحلل عن هذه القيود هو الشائع في المجتمعات الجاهلية العربية منها وغير العربية. وقد أشار القرآن الكريم إلى شيء من هذا التحلل؛ حيث قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣)، ومن معاني ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: خروج المرأة مكشوفة الرأس والصدر والعنق تخالط الرجال وهي بهذه الحالة، وتتغنج في مشيتها بينهم، هكذا ذكر أهل التفسير بصدد هذه الآية الكريمة. أما مركز المرأة في المجتمع الإسلامي فإنه يعرف بمعرفة الحقوق التي جعلها لها الإسلام، والواجبات التي فرضها عليها، والوظيفة التي اختصت بها، والآداب التي تلتزم بها. أما عن حقوق المرأة فالقاعدة في حقوق المرأة أنها فيها كالرجل، إلا فيما يختلفان فيه من استعداد، وكفاية، وقدرة هي مناط هذه الحقوق، وبشرط ألا تعارض هذه الحقوق ما عليها من واجبات، وعلى هذه القاعدة تتمتع المرأة في الإسلام بالحقوق التالية: أولًا: تتمتع بحق الحياة؛ لأنها نفس معصومة كالرجل، ولهذا حرم الإسلام وأد البنات، وأوجب القصاص في قتلهن عمدًا كما هو الحكم بالنسبة للرجل.

стр. 215

ثانيًا: هي أهل للتكريم لأنها إنسان، والله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: ٧٠). ثالثًا: لها حق اكتساب الأموال بالطرق المشروعة؛ لأن لها ذمة صالحة لاكتساب الحقوق المالية وغير المالية؛ فهي في هذا الحق كالرجل، ومن أسباب اكتساب الأموال الميراث، وقد أثبته الشرع الإسلامي لها بعد أن حرمها الجاهليون منه، قال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (النساء: ٧)، ولها حق التصرف بأموالها كما تشاء دون حاجة إلى إذن أحد ما دامت عاقلة رشيدة. رابعًا: لها حق المهر في عقد النكاح كما قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: ٤)، ولها حق النفقة على الزوج قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: ٢٣٣)، وحق النفقة على أولادها باعتبارها أمًّا. خامسًا: لها حق الحضانة على أولادها الصغار إذا وقعت الفرقة بينها وبين زوجها. سادسًا: لها حق تعلم العلوم النافعة لها بالكيفية المناسبة لطبيعتها، وبشرط الالتزام التام بالآداب الإسلامية اللازمة لها، وأعظم ما ينفعها تعلم شريعة الإسلام، وما فيها من حلال وحرام. أما العلوم الدنيوية فهي مباحة، فإذا شاءت المرأة أن تتعلم منها شيئًا فلا بأس، ولكن بالشرط الذي قدمناه، وهو الالتزام بالآداب، وبالكيفية المناسبة لها، والمحافظة على عفتها، كما ينبغي أن تتعلم ما يلائم طبيعتها، ويقوي اختصاصها الفطري في تربية الأولاد ورعاية البيت، فتتعلم فنون الخياطة، والطبخ، وأصول تربية الولد، ونحو ذلك، فإذا أرادت المزيد من المعرفة فلا بأس بشرط ألا تؤثر

стр. 216

في قيامها بواجباتها المطلوبة منها كزوجة أو أم، وبشرط أن يكون التعلم بالكيفية المشروعة، فلا اختلاط بالشباب بحجة التعلم، ولا تنكشف أمام الرجال بحجة التعلم، وهكذا، وأمثاله لا يباح ولا يجوز، ولو بحجة طلب العلم. أما عن واجبات المرأة في الإسلام فالقاعدة أيضًا في الواجبات كالقاعدة في الحقوق؛ فهي فيها كالرجل إلا فيما يختلفان فيه مما هو مناط التكليف، وأساس هذه القاعدة أنها إنسان، ولها أهلية وجوب، أي صلاحية اكتساب الحقوق وتحمل الواجبات، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (النساء: ١)، فالنساء كالرجال مطالبات بتقوى الله، أي بطاعة أوامره، واجتناب نواهيه، ويترتب على هذه القاعدة ما يأتي: أولًا: أن المرأة كالرجل مخاطبة بالتكاليف الشرعية في باب الاعتقاد، والعبادات، والمعاملات، إلا بما تقتضيه طبيعتها كما هو معروف، أو بسبب عدم قدرتها على هذا الواجب، كالجهاد يكلف به الرجل لا المرأة، إلا إذا رغبت المرأة في الخروج مع المجاهدين، وإذا خرجت قامت بما تقدر عليه من أمور الجهاد كمداواة الجرحى، وإعداد الطعام، ونحو ذلك. وقد ورد في القرآن الكريم أن النساء المؤمنات بايعن الرسول الكريم ﷺ كما بايعه الرجال قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الممتحنة: ١٢)، وهذه البيعة تدل على أن النساء مكلفات بما كلف به الرجال من أمور الدين.

стр. 217

ثانيًا: وترتب على مخاطبة المرأة بالتكاليف الشرعية أنها مجزية على عملها وقيامها بما قامت به، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (النساء: ١٢٤)، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (آل عمران: ١٩٥)، وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٩٧). ثالثًا: إن الخطابات في القرآن التي تخاطب المؤمنين وتكلفهم بالتكليفات الشرعية يدخل فيها النساء، إلا إذا قام الدليل على خلاف ذلك؛ فقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (النساء: ١٢٣)، هذه الآية تشمل الرجال والنساء. وقد يذكر القرآن الكريم النساء مع الرجال بما يخاطبهم به من تكليفات، أو فيما يمدحهم عليه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٣٥). رابعًا: على المرأة واجب الطاعة لزوجها بالمعروف، ووفائها بحقه عليها؛ فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: ((لو كنت آمرًا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)) فإذا أطاعته بالمعروف وأدت حقه عليها

стр. 218

كانت من النساء الفضليات، قال أبو هريرة ﵁: ((قيل: يا رسول الله أي النساء خير؟ قال: التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره)). وأخيرًا: المرأة مسئولة عن البيت وشئونه، ومؤتمنة عليه، فعليها القيام بهذه الأمانة، والخروج من عهدته: ((كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل في بيته راعٍ، وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسئولة عن رعيتها)). الوظيفة التي اختصت بها المرأة، والآداب التي يجب أن تلتزمها خلق الله كل مخلوق على نحو يمكنه من أداء الغرض الذي خلق من أجله، وقد خلق الله تعالى المرأة على نحو يمكنها أن تكون زوجة وأمًّا، وأودع فيها التطلع والحنين إلى ذلك، وقد وهبها الله تعالى القابلية والقدرة على تربية أولادها، والصبر عليهم في جو من حنان الأمومة الفطري فيها. فالوظيفة الأصلية التي اختصت بها المرأة هي: وظيفة الزوجة، والأم، وتربية الأولاد، وتنشئتهم النشأة الصالحة، وتربية الأولاد تكون في البيت لا في الطريق، وتحتاج إلى انصراف إلى أداء هذه الوظيفة، ووقت كافٍ لها، وقد وفر لها الإسلام ذلك، فقد رفع عنها مئونة العيش، والاكتساب بما فرضه على الزوج من واجب الإنفاق عليها وعلى أولادها، ومن ثم لم تعد لها حاجة للعمل خارج البيت؛ لأن العمل يقصد به الكسب وتحصيل الرزق، وقد كفيت ذلك لقاء انصرافها إلى عمل جليل هو تربية الأولاد في البيت، كما أن الإسلام رفع عنها إيجاب بعض ما فرضه على الرجل تحقيقًا لأغراض معينة، منها: توفير الوقت الكافي للانصراف إلى مهمتها.

стр. 219

فالقتال في سبيل الله ليس بواجب عليها وجوبه على الرجل، والصلاة في المساجد واجب على الرجال دون النساء، وصلاة الجمعة تجب على الرجل دون المرأة، فهذا وأمثاله يدل على أن الإسلام يرغب في بقاء الزوجة في بيتها وعدم الخروج منه إلا لحاجة أو سبب معقول لتنصرف إلى مهمتها الخطيرة: تربية الأولاد، وتهيئة المسكن المريح للزوج الذي يأوي إليه بعد تعبه خارجه، قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣). وليس المقصود بالقرار في البيوت عدم الخروج منه مطلقًا، ألا يرى أن المرأة تخرج للحج، وتخرج لأداء الصلاة في المساجد إذا شاءت، وتخرج لزيارة أهلها، وتخرج للعلاج، ونحوه، وإنما المقصود أن المرأة تقر في بيتها ولا تخرج بلا غرض مشروع ولا سبب معقول؛ لأن هذا هو المرغوب فيه في نظر الشرع. أما عن الآداب التي يجب على المرأة أن تلتزمها؛ فهناك جملة آداب وأخلاق يجب أن تلتزم بها المرأة لتسهم في بقاء طهارة المجتمع ونظافته مما يشينه، ولتبقى هي نفسها بعيدة عن مظنة التهم ومزالق الشيطان، ومن هذه الآداب ما يأتي: أولًا: لا يجوز للمرأة أن تخلو بأي رجل يحل له نكاحها حتى ولو كان قريبًا لها؛ كابن العم، أو ابن الخال، وهذا المنع كما هو واضح يسري على الرجل سريانه على المرأة، فلا يجوز لمسلم أن يخلو بامرأة يحل له نكاحها، وتعليل هذا المنع هو سد منافذ الشيطان؛ فإن الشيطان كما جاء في الحديث: ((يجري من ابن آدم مجرى الدم)) فيزين له الخطيئة، ويهيج فيه الشهوة. وقد جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ أنه قال: ((إياكم والخلوة بالنساء، والذي نفسي بيده ما خلا رجل بامرأة إلا ودخل الشيطان بينهما))، وفي حديث آخر قال ﷺ : ((لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم)).

стр. 220

ولا يقال: إن الثقافة عاصمة من الوقوع في الخطيئة فلا ضرر من الخلوة بالأجنبية؛ لأن المسألة مسألة ضعف النفس، وما فيها من شهوات وقابليات للاستجابة لغواية الشيطان، والمثقف والمثقفة كالجاهل والجاهلة في هذه المسائل، والواقع شاهد على صحة ما نقول. وأيضًا فإن الثقافة لا تقلع الشهوات، وإنما الذي يضعفها ولا يستأصلها تقوى الله، والخشية منه، وعمارة القلب بالإيمان، بدليل أن الحديث الشريف يخاطب المؤمنين أصحاب رسول الله ﷺ وهم خيار خلق الله بعد رسول الله، فكيف بغيرهم ممن عشش الشيطان في قلبه وباض وفرخ، وإن ملأ رأسه ببعض ما يسمى ثقافة وعلمًا. ومثل المنع من الخلوة منع المرأة من السفر وحدها بدون زوجها أو أحد محارمها؛ لأن الوحدة في ديار الغربة تفتح للشيطان منافذ للإغواء وللإيقاع في الخطيئة. ثانيًا: لزوم ابتعادها عن الاختلاط بالرجال خوف الفتنة، يدل على ذلك أن الإسلام في سبيل عدم الاختلاط بالرجال لم يفرض على المرأة صلاة الجمعة، ولم يوجب عليها صلاة الجماعة، ولا يستحب لها اتباع الجنائز، وإذا حضرت للصلاة في المسجد وجب عليها أن تقف مع النساء في الصف الأخير خلف الرجال، فإذا كان الأمر هكذا في بيوت الله فكيف يجوز الاختلاط في غير أماكن العبادة؟!. ومع هذا فإذا وجدت الضرورة والحاجة إلى مثل هذا الاختلاط جاز في حدود الأدب والاحتشام؛ كخروج المرأة مع المجاهدين تعد الطعام وتداوي الجرحى؛ فقد خرج الرسول ﷺ ومعه بعض نساء المسلمين للقتال، وقمن بمداواة

стр. 221

الجرحى، وسقي المقاتلين من المسلمين، بل وقد تضطر المرأة إلى القتال الفعلي مع المسلمين، كما حصل لبعضهن في موقعة أُحد، وهذا يستلزم الاختلاط، وكذلك قد تضطر المرأة إلى الخروج من بيتها لقضاء حاجتها، فتركب السيارة العامة، أو القطار، وتختلط بالرجال، فهذا ونحوه يجوز عند الحاجة بشرط الالتزام بالآداب الإسلامية في المشي واللباس والكلام. ثالثًا: إخفاء زينتها إلا ما ظهر منها؛ فقد جاء في القرآن الكريم في آداب النساء: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (النور: ٣١)، ف لا يجوز تعمد إظهار شيء من زينتها إلا ما ظهر منها بغير قصد، أو ما كان ظاهرًا لا يمكن إخفاؤه كالرداء والثياب، وهذه هي الزينة الظاهرة التي يجوز إبداؤها على رأي ابن مسعود ﵁ أو هي الكحل والخاتم على رأي ابن عباس ﵁ أو هي الوجه والكفان على رأي بعض العلماء. رابعًا: ويجب أن يكون لباس المرأة شرعيًّا، أي: وفق ما أمر به الشرع، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: ٣١)، والخمار ما يوضع على الرأس، فالآية الكريمة تأمر بإنزال الخمار إلى العنق والصدر لإخفائهما، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: ٥٩)، والجلباب هو الملاءة التي تغطي جسم المرأة وتلبسه فوق ثيابها، فلا يظهر منها شيء، وهو يشبه العباءة التي تستعملها بعض نسائنا اليوم، وكانت شائعة بالأمس. ومن الشروط الأخرى في لبس المرأة في حكم الإسلام: ألا يكون شفافًا ولا ضيقًا حتى لا يظهر أعضاء المرأة ولا يصفها؛ فقد جاء في الحديث الشريف: ((سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العنوهن فإنهن ملعونات)) فهن كاسيات بالاسم، عاريات أو

стр. 222

كالعاريات في الحقيقة والواقع، وهذا الحديث من أعلام النبوة؛ فقد وقع ما أخبر عنه النبي ﷺ . ومن شروط لباس المرأة الشرعي أيضًا: ألا يكون معطرًا إذا خرجت من بيتها، وألا يشبه لباس الرجال ولا زيهم، فقد لعن النبي ﷺ الرجل يلبس لباس المرأة، والمرأة تلبس لباس الرجل. وخلاصة القول في لباس المرأة الشرعي الذي تتحقق فيه الآداب الإسلامية في اللباس: أن يكون ساترًا لجميع بدنها، وألا يكون زينة في نفسه، ولا شفافًا، ولا ضيقًا يصف بدنها، ولا مطيبًا، ولا مشابهًا للباس الرجال، ولباس الكفار، وألا يكون ثوب شهرة. خامسًا: من آداب الإسلام في مشي المرأة وكلامها: ما أشار إليه القرآن الكريم في قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (النور: ٣١)، أي: لا تضرب المرأة برجليها ليسمع قعقعة خلخالها، فإذا فعلت ذلك بالتبرج والتعرض للرجال فهو حرام، والواقع أن هذا يدخل في باب سد الذرائع، وعلى هذا لا ينظر إلى القصد، وإنما ينظر إلى مآل الفعل، وعلى هذا ينبغي للمرأة ألا تفعله لئلا يثير ما لا ينبغي في الرجال بأن ينتبهوا إليه، وإلى مشيها، فيقعون في إثم النظر إليها أو الظن السيئ بها، ويقاس على ذلك المنع منع أي مشية فيها إثارة للفتنة، فينبغي أن تمشي المرأة مشية لا تغري الفساق وضعيفي الأخلاق، قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (الأحزاب: ٣٢). كانت هذه مقدمة عن المرأة ودورها الذي لا ينبغي أن يغيب عن كل ما له القدرة في الاحتساب في شأنها سواء كان من أقربائها أو من الغيورين المسلمين

стр. 223

على عفافها وطهرها؛ لأن في ذلك طهر للأمة، كيف لا وقد قوضت أمة بكاملها بسبب فتنة النساء؟! قال النبي ﷺ : ((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)). وحذر ﷺ من فتنة النساء، وبيّن أنها أشد فتنة على الرجال؛ فقال ﵊: ((ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)). ولهذا كانت المرأة ومنذ القدم يتخذها أعداء الدين من شياطين الإنس والجن مطية ولعبة يحققون بها أغراضهم الدنيئة، وذلك بنشر الرذيلة والفاحشة، والترويج لها وإعلانها، وفي ذلك الهلاك والدمار، كما قال ﵊: ((إذا ظهر الزنا والربا في قوم فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله))، وقال ﷺ : ((لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا)). وخوفًا من هذا كانت المرأة محط أنظار المحتسبين في الماضي والحاضر، وحتى نربط ماضي الاحتساب في هذا الجانب بحاضره نذكر بعض المنكرات التي كان يحتسب عليها فيها في الماضي، والتي هي بلا شك مواطن احتساب على المرأة في كل زمان ومكان. وعن الصور الحسبية عليها في الماضي يذكر لنا صاحب كتاب (نصاب الاحتساب) ﵀ أن من الاحتساب على المرأة منعها من السفر بدون محرم، ويقول: "وعبدها والأجنبي سواء في عدم جواز السفر معها، فحلًا كان أو مجبوبًا أو خصيًا، وإنما منعت المرأة من السفر وحدها لقول النبي ﷺ : ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسافة قصر إلا ومعها ذو محرم)) ".

стр. 224

ثم يقول صاحب (نصاب الاحتساب): "ويحتسب على الحرة بأن تمنع من كشف وجهها والكف والقدم فيما يقع عليها نظر الأجنبي، ويحتسب عليها ألا تزور قبرًا؛ فقد روى عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبيه قال: ((لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور)). ويحتسب على المرأة إذا خرجت من بيت زوجها بغير إذنه للحمّام -والحمّام قديمًا ليس هو الحمّام الذي يعرفه الناس اليوم داخل بيوتهم، الحمّام في قديم الزمان كان مكانًا عامًّا للاغتسال في المدن الكبيرة- أو خرجت غير مقنعة، وأما إذا خرجت للحمام بإذن زوجها مقنعة بعذر بأن كانت مريضة أو نفساء يباح لها. ويحتسب عليها عدم الركوب على السرج إلا بعذر؛ كالحج والعمرة والجهاد إذا كانت مستترة، ويحتسب عليهن بعدم الضرب بأرجلهن عند اتخاذ الخلاخل في أرجلهن؛ لأن مبنى حالهن على الستر، وفيه -أي: الخلخال- إظهار لزينتهن الواردة في قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. ويحتسب على الرجل والمرأة إذا كانا في خلوة، وكانا أجنبيين عن بعضهما، وإذا سمع والي الحسبة بامرأة عاهرة أو مغنية استتابها عن معصيتها؛ فإن تابت وإلا عزرها ونفاها من البلد، ويحتسب على المعتدات من النساء عن موت أو طلاق بائن أن يتجنبن الزينة؛ كالكحل، والحناء، والتحلي، والطيب، ولبس المطيب، والمصبوغ بالمعصفر، والزعفران، إلا إذا كان غسيلًا لا ينفض. ويحتسب على المرأة ألا تقص شعرها كالرجل، ذكر في (النوازل) في كتاب النكاح، وسئل أبو بكر الصديق ﵁ عن امرأة قطعت شعرها قال: عليها أن تستغفر الله وتتوب، ولا تعود إلى مثله. قيل: فإن فعلت ذلك بإذن زوجها؟ قال: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، قيل له: لم لا يجوز ذلك؟ قال: لأنها

стр. 225

شبهت نفسها بالرجال، وقد قال النبي ﷺ : ((لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال)). ولأن شعر رأس المرأة كاللحية بالنسبة للرجل، فكما أنه لا يجوز للرجل أن يقطع لحيته فكذلك لا يحل للمرأة أن تقطع شعرها، ويحتسب على النامصة والمتنمصة، والواصلة والمستوصلة، والواشرة والمستوشرة، والواشمة والمستوشمة؛ لأن الرسول ﷺ قد لعن من فعل ذلك. ويحتسب على المرأة المطلقة طلاقًا رجعيًّا أن تعتد في بيت زوجها، ولا تخرج إلى بيت أهلها كما يفعل غالبية النساء اللاتي يحصل لهن هذا الطلاق اليوم، ما إن يقول الرجل لامرأته: أنت طالق، حتى تركض ركضًا للخروج من بيته إلى بيت أهلها، وهذا مخالف لما أمر الله ﵎ به؛ حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (الطلاق: ١) ". وإلى جانب ما مر ذكره فإن مما يحتسب فيه على النساء اليوم منعهن من التبرج، وإظهار المفاتن، والتبختر في المشي، فقد قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، وقال النبي ﷺ : ((إذا استعطرت المرأة فمرت على القوم ليجدوا ريحها؛ فهي كذا وكذا))، وقال ﷺ : ((المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان)). ويحتسب على الذين تبتاع معهم المرأة اليوم في الأسواق، ويحذرهم المحتسب من أن يسلكوا معهن طرقا ملتوية تجر إلى الفاحشة، ويمنعهم من إيجاد أماكن للخلوة داخل محلاتهم، بل يكون المحل مفتوحًا وواضحًا لكل مارٍّ من الطريق بقدر الإمكان، كذلك يجب تحذير النساء وتنبيههن إلى الاهتمام بالحجاب، ولا سيما

стр. 226

أمام هؤلاء الباعة الأجانب، وعموم الرجال الأجانب، ويحتسب عليهن في ألا يمكثن في الوقوف طويلًا عند هؤلاء الباعة، وتجاذب الحديث معهم بما لا تدعو إليه الحاجة من الحديث. ومما ينبغي أن يلاحظه المحتسبون اليوم الشباب المتسكع في الطرقات والأسواق، وزجرهم عن القيام بالتعرض للنساء الأجنبيات، بإحداث نظر، أو غمز، أو لمز، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (النور: ٣٠). وقال ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: ((يا علي لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى وليست لك الآخرة))، وسئل ﷺ عن نظر الفجأة؛ فقال: ((اصرف بصرك))، وقال ﷺ : ((لأن يطعن في رأس رجل بمخيط من حديد خير من أن يمس امرأة لا تحل له)). كما ينبغي للمحتسب أن يحرص دائمًا بأن لا يحدث الاختلاط المنهي عنه شرعًا فيزجر ويحذر منه لئلا ينتشر في المصالح، والمصانع، والمستشفيات، والمحلات العامة، ومحلات التجارة، ويعمل أن يكون هناك مكان مخصص في وسائط النقل العامة. هذا وإذا كان لكل عصر ما يفرزه من المداخل والأسباب التي تغوى من خلالها المرأة، ويسلك بها طريق الانحراف عن منهج الله؛ فإن لهذا العصر الذي نعيشه النصيب الأوفر من ذلك، فقد أفرزت لنا الحضارة المعاصرة ما لا يمكن حصره، لكن ما أريد أن أركز عليه هنا هي تلك المنافذ التي فتحت على المرأة في مجتمعنا، ولم تكن تعرفها من قبل، والتي يجب أن يكون تركيز المحتسبين اليوم عليها أكثر، ومحاولة سدها حماية للفضيلة داخل المجتمع ودرءًا للرذيلة. من هذه المنافذ

стр. 227

عمل المرأة الذي يفضي إلى اختلاطها بالرجال في القطاعات الحكومية، أو المؤسسات الخاصة، فهذا المنفذ الخطر يجب غلقه ودعوة المرأة المسلمة، وبكل صدق وإخلاص، إلى أن تعود إلى مهمتها الأصلية في البيت، وهي تربية أولادها، والاهتمام بزوجها. ثانيًا: السفور وعدم الالتزام بالحجاب الشرعي. ثالثًا: السائقون والخدم، هذه الظاهرة قد كانت فردية إلى حد ما لكن لما كثرت في المجتمع حتى ابتلي بها كثير من بيوت المسلمين فإنها خرجت عندئذ من نطاق الفردية، وأصبحت ظاهرة اجتماعية خطيرة، وخطرها أول ما يكون على المرأة المسلمة، فكيف يتصور وجود رجل أجنبي مع امرأة لا تحل له داخل حيطان المنزل وعلى مدار اليوم، أو في سيارة تنتقل معه من مكان إلى مكان دون وجود المحرم، وما يكفي أن يكون هذا الرجل السائق أجنبيًّا، بل وفي حالات كثيرة يكون كافرًا كتابيًّا أو وثنيًّا، والنبي ﷺ قد حذر من هذا الاختلاط وهذه الخلوة؛ فقال: ((لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما))، فينبغي أن يكون هناك انضباط، وأن يكون هناك ابتعاد عن كل ما يؤدي إلى اختلاط المرأة بالرجال أو خلوتها بهن. ومن منافذ الشر التي أفسدت بل وأهلكت كثيرًا من النساء الخياطون، محلات الخياطة النسائية، هذه المحلات التي انتشرت مع الأسف في كل الأحياء والأسواق وفي القرى حتى أصبحت أكثر من البقالات، ولم تكن المشكلة في كثرتها فقط، بل المشكلة في أن ٩٧% منها من العاملين فيها هم رجال، والواقع أن الناس كانوا في غنى عنها، وإلى حد بعيد باعتبار أنه يوجد من يقوم بهذا العمل من بين بنات المسلمين ونسائهم، وقد تعلمه أكثرهن في المدارس ضمن منهج دراستهن، وحيث إن أكثر سلبيات هذه المحلات لم تظهر إلا بعد السماح

стр. 228

بها؛ فإن الجهات المسئولة في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبلدية والأمن عمدت إلى وضع ضوابط لعمل هذه المحلات، يجب الالتزام بهذه الضوابط حفاظًا على نسائنا. كذلك من منافذ الشر التي فتحت على النساء تلك المحلات التي عرفت بالكوافير، هذه التي تغير فيها خلقة المرأة، وتخرج فيها عن حد الحشمة، فتتنمص، وتزيل شعر وجهها، وتفلج أسنانها، وتفعل بصورتها ما نهاها الله ﵎ عنه. كل هذا من منافذ الشر التي فتحت على المرأة، ثم الأدهى والأمر أن الذي يزين النساء في تلك المحلات رجال لا نساء، فعلى الغيور على محارم أمته أن يقف وقفة جادة لإزالة هذه المنكرات، وعدم السماح بدخول النساء إليها، وبقدر حرص المحتسب على المرأة فإنه يجب أن يراقب وسائل أخرى شاعت وذاعت في المجتمع مؤخرًا، وهي الهاتف المحمول، أو النقال، أو الجوال؛ فإن هذا الهاتف قد صار يستعمل استعمالًا سيئًا، أفسد الأخلاق، وأضاع الشرف، وانتهكت بسببه الأعراض. فالمعاكسات الهاتفية كثيرة جدًّا يستغلها الشباب مع البنات والنساء على حد سواء، يتصلوا اتصالًا جزافيًّا غير مقصود بأي رقم فيفاجأ بامرأة ترد عليه، فإذا سألها وجاوبته استرسل في الكلام، واسترسل واستطرد حتى ينتهي الأمر في آخره إلى دعوتها للقاء، فإذا ما تم اللقاء المحرم ضاع معه الشرف، وانتهك معه العرض، وكان ما حرمه الله ﵎. كذلك من شر ما ابتليت به النساء في هذا الزمان تلك الصور الخليعة والفاتنة التي تصور بها النساء، وتحت شعارات الفن تارة، وباسم الحرية الشخصية تارة أخرى، كل هذه الصور سواء ما كان منها بالفيديو أو التلفاز أو بكاميرة

стр. 229

الهاتف الجوال، وغير ذلك، هذه الصور أيضًا من شر ما ابتليت به النساء، وابتلي به المجتمع؛ فيجب على المحتسب أن يحتسب على هؤلاء الرجال والنساء الذين يستخدمون هذه الصور ويعملون على ترويجها ونشرها، ومثل هذه الصور المجلات التي ابتليت بصور النساء العاريات دعوة إلى الفاحشة التي حرمها الله ﵎ والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النور: ١٩). كما أن على المحتسب أن يمنع الناس من مظان التهم ومواقف الريب؛ فقد قال ﵊: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))، فإذا رأى المحتسب رجلًا واقفًا مع امرأة في طريق سابل لم تظهر عليهما أمارة الريب لم يعترض عليهما بزجر ولا إنكار، لكن إن كان الطريق خاليًا أنكر؛ لأن خلو المكان ريبة، ولا يعمل في التأديب عليهما حذرًا من أن تكون ذات محرم له، وليقل له: إن كانت ذا محرم فصنها عن مواقف الريب، وإن كانت أجنبية فاتق الله تعالى في خلوة تؤدي بك إلى معصية الله. وعلى المحتسب أن يراقب الأماكن التي يتجمع فيها النسوان مثل أسواق الذهب، والمستشفيات، وعند الخياطين، وبعض أماكن التنزه والفنادق، وشواطئ البحار، وغيرها، فإذا رأى من الشباب أو غيرهم من الفساق من يقف في مواقف الريبة في هذه الأماكن انتهره وأدبه، ومنعه من الوقوف حفاظًا على العرض، وحفاظًا على الشرف، وحفاظًا على العفة، فما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا ظهرت فيهم الأمراض والأسقام التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 230

الدرس: ١٣ الاحتساب .

стр. 231

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث عشر (الاحتساب) معنى الاحتساب، ومراتبه إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسول هـ، أما بعد: الاحتساب معناه: عرّفنا الحسبة بأنها أمر بمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله؛ فنحن إذًا نريد بالاحتساب القيام فعلًا بالحسبة؛ كأن يقومَ المُحْتَسِبُ بفِعْلٍ مُعَيّن بكيفية معينة، أو يزيل منكرًا بيده؛ كأن يكسره أو يمزقه أو يتلفه، أو يدفع صاحب المنكر بيده، وبالقوة عما هو فيه. والاحتساب الكامل يتمُّ بإزالة المنكر تمامًا، ومحوه فعلًا، ولو بالقوة عند الاقتضاء من قَبَل المحتسب أو أعوانه، أو من قبل صاحب المنكر نفسه؛ بأن يأمره المحتسب بتكسير آلة المنكر فيطيع أمره، فإن عجز المحتسب عن التغيير باليد انتقل إلى الاحتساب بالقول، عن طريق الوعظ والإرشاد، والتخويف من الله تعالى. وقد يزول المنكر بهذا الطريق وقد لا يزول، ويبقى صاحب المنكر مصرًّا على منكره؛ فإذا عَجَزَ المُحْتَسِبُ عن الإنكار بالقول تَحَوّل إلى الإنكار بالقلب، بأن يكرهه بقلبه ويود لو استطاع تغييره. ودليل ما قلناه الحديثُ الشَّريف الذي هُو العمدة في هذا الموضوع، وهو قوله ﷺ : ((مَنْ رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). وبناء على ما تقدم تكون مراتب الاحتساب أو درجاته ثلاثة: المرتبة الأولى: تغييرُ المُنْكَرِ باليَدّ، أي: تَغْييره فعلًا، ولو باستعمال القوة واستعمال السلاح، والاستعانة بالأعوان؛ كما في دفع الصائل لتخليصه النفس البريئة من الموت، وتخليص العِرْضِ المَصُون من الهتك، ويدخل في نطاق التغيير باليد: ضرْبُ المحتَسب عليه، أو حبسه، أو دفعه لمنعه من مباشرة المنكر.

стр. 232

أما المرتبة الثانية؛ فهي: الاحتساب بالقول؛ والاحتسابُ بالقول على درجات: أولها التعرف، ثم التعريف، ثم النهي، ثم الوعظ والنصح، ثم السب والتعنيف، ثم التغيير باليد، ثم التهديد بالضرب، ثم إيقاع الضرب وتحقيقه، ثم شهر السلاح، ثم الاستظهار فيه بالأعوان وجمع الجنود. أما الدَّرَجَةُ الأولى؛ وهي: التَّعَرُّف: ونَعني طلبَ المَعْرِفَة بجريان المنكر، وذلك منهي عنه، وهو التجسس الذي ذكرناه سابقًا؛ فلا ينبغي أن يسترق السمع على دار غيره ليسمع صوت الأوتار، ولا أن يستنشق ليدرك رائحة الخمر، ولا أن يمس ما في ثوبه ليعرف شكل المزمار، ولا أن يستخبر من جيرانه ليخبروه بما يجري في داره. نعم لو أخبره عدلان ابتداءً من غير استخبار، بأنّ فلانًا يَشْرَبُ الخَمْرَ في داره، أو بأنّ في داره خمرًا أعده للشرب، فله إذ ذاك أن يدخل داره، ولا يلزم الاستئذان، ويكون تخطي ملكه بالدخول للتوصل إلى دفع المنكر، ككسر رأسه بالضرب للمنع مهما احتاج إليه، وإن أخبرَه عدلان أو عدل واحد. وبالجملة كل من تُقبل روايته لا شهادته ففي جواز الهجوم على داره بقولهم فيه نظر واحتمال، والأولى أن يمتنع لأنّ له حقًّا في ألا يتخطى داره بغير إذنه، ولا يسقط حق المسلم عما ثبت عليه حقه إلا بشاهدين. فهذا أولى مما يجعل مردًا فيه. وقد قيل: أنه كان نقش خاتم لقمان: "الستر لما عاينت أحسن من إذاعة ما ظننت". الدرجة الثانية: التعريف: فإنّ المُنكر قد يقدم عليه المقدم بجهله، وإذا عرف أنه مُنكر تركه؛ كالذي يُصَلِّي ولا يُحسنُ الركوع والسجود؛ فيُعَلّم أنّ ذلكَ لجَهْلِه بأنّ هذه ليستْ بصَلاة، ولو رَضِي بألّا يَكونَ مُصليًّا لترك أصل الصلاة؛ فيجبُ

стр. 233

تعريفه باللطف من غير عنف، وذلك لأنّ ضمن التعريف نسبة إلى الجهل والحُمق، والتجهيل إيذاء، وقَلّما يرضى الإنسان بأن ينسب إلى الجهل بالأمور لا سيما بالشرع. ولذلك ترى الذي يغلب عليه الغضب، كيف يغضب إذا نبه على الخطأ والجهل؟ وكيفَ يجتهد في مجاحدة الحق بعد معرفته؛ خيفة من أن تنكشف عورة جهله؟!. والطباع أحرص على ستر العورة الجهل منها على ستر العورة الحقيقية، لأنّ الجَهْلَ قُبح في صورة النفس، وسواد في وجهه، وصاحبه ملومٌ عليه، وقبحٌ السوءتين يرجعُ إلى صورة البدن، والنفس أشرف من البدن، وقُبْحُها أشَدُّ من قبح البدن، ثُمّ هو غَيرُ مَلومٍ عليه؛ لأنه خِلقة لم يدخل تحت اختياره حصونه، ولا في اختياره إزالته، وتَحسينه، والجهل قبح يمكن إزالته وتبديله بحسن العلم؛ فلذلك يَعْظُم تألم الإنسان بأمور جهله، ويعظم ابتهاجه في نفسه بعلمه، ثُمّ لذته عند ظهور جمال علمه لغيره. وإذا كانَ التَّعْرِيفُ كشفًا للعورة؛ مؤذيًا للقلب، فلا بد أن يعالج دفع آذاه بلطف الرِّفق؛ فنقول له: إنّ الإنسانَ لا يُولد عالمًا، ولقد كُنّا أيضًا جاهلين بأمور الصلاة، فعلمنا العُلماء، ولعل قريتك خالية عن أهل العلم أو عالمها مُقَصِّرٌ في شرح الصلاة وإيضاحِها؛ إنّما شرط الصلاة الطمأنينة في الركوع والسجود، وهكذا يتلطف به ليحصل التعريف من غير إيذاء؛ فإن إيذاء المسلم حرام محظور، كما أنّ تقريره على المُنكر محظور. وليس من العُقلاء من يغسل الدم بالدم أو بالبول، ومن اجْتَنَب محظور السكوت عن المنكر، واستبدل عنه محظور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه؛ فقد غسل الدّم بالبول، وأما إذا وقفت على خطأ في غير أمن الدين؛ فلا يَنْبَغي أن تَرُدّه

стр. 234

عليه؛ فإنه يَسْتفيد منك علمًا، ويَصِيرُ لك عدوًّا، إلّا إذا علمت أنه يغتنم العلم، وذلك عزيز جدًّا. الدرجة الثالثة: النَّهي بالوعظ والنصح والتخويف بالله تعالى: وذلك فيمن يُقدم على الأمر وهو عالم بكونه منكرًا، أو فيمن أصر عليه بعد أن عرف كونه منكرًا؛ كالذي يواظب على الشرب، أو على الظلم أو على اغتياب المُسلمين أو ما يجري مجراه؛ فينبغي أن يُوعظ، ويُخوف بالله تعالى، وتورد عليه الأخبار الواردة بالوعيد في ذلك، وتُحكى له سيرة السلف، وعبادة المُتَّقِين، وكل ذلك بشفقة ولطف من غير عنف وغضب. بل ينظر إليه نظر المترحم عليه، ويرى إقدامه على المعصية مصيبة على نفسه، إذ المسلمون كنفس واحدة. وها هنا آفة عظيمة ينبغي أن يتوقاها؛ فإنّها مُهْلِكة، وهي أنّ العالِمَ يَرَى عند التعريف عز نفسه بالعلم، وذُلّ غيره بالجهل، فرُبّما يَقْصِدُ بالتعريف الإذلال، وإظهار التمييز بشرف العلم، وإذلال صاحبه بالنسبة إلى خسة الجهل؛ فإنْ كان الباعثُ هذا؛ فهذا المنكر أقبح في نفسه من المنكر الذي يعترض عليه. ومثال هذا المُحتسب مثال من يخلص غيره من النار بإحراق نفسه، وهو غاية في الجهل، وهذه مَذَلَّةٌ عَظيمة وغائلة هائلة، وغرور بالشيطان يتدلى بحبله كل إنسان؛ إلّا من عرّفه الله عيوب نفسه، وفتح بصيرته بنور هدايته؛ فإن في الاحتكام على الغير لذة للنفس عظيمة من وجهين؛ أحدهما: من جهة إزالة العلم، والآخر: من جهة إزالة الاحتكام والسلطنة، وذلك يرجِعُ إلى الرِّياء وطلب الجاه، وهو الشهوة الخفية الداعية إلى الشرك الخفي، وله مَحكٌّ ومِعيار، ينبغي

стр. 235

أن يمتحن المحتسب نفسه، وهُو أنْ يَكُون امتناع ذلك الإنسان عن المُنكر بنفسه، أو باحتساب غيره أحب إليه من امتناعه باحتسابه. فإن كانت الحسبة شاقة عليه، ثقيلة على نفسه، وهو يود أن يكفى بغيره؛ فليحتسب فإن باعثه هو الدين، وإنْ كَانَ اتِّعَاظُ ذَلِك العاصي بوعظه، وانزجاره بزجره أحبّ إليه من اتعاظه بوعظ غيره؛ فما هو إلا متبع هوى نفسه، ومُتَوسِّلٌ إلى إظهار جاه نفسه، بواسطة حسبته، فليتقِ الله تعالى فيه، وليحتسب أولًا على نفسه. وإن هذا يقال له ما قيل لعيسى ﵇: "يا ابن مريم، عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس، وإلّا فاستحِ مني". وقيل لداود الطائي ﵀: "أرأيت رجلًا دخل على هؤلاء الأمراء، فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، فقال: أخاف عليه السوط، قال: إنه يقوى عليه، قال: أخاف عليه السيف، قال: إنه يقوى عليه، قال: أخاف عليه الداء الدفين وهو العجب". الدرجة الرابعة: السب والتعنيف بالقول الغليظ الخشن: وذَلِكَ يَعْدِلُ إليه عند العاجز عن المنع باللطف، وظهور مبادئ الإصرار والاستهزاء بالوعظ والنُّصح، وذلك مثل قول إبراهيم ﵇: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء: ٦٧). ولسنا نعني بالسّب والفُحش بما فيه نسبة إلى الزنا ومقدماته، ولا الكذب، بل أن يُخاطبه بما فيه مما لا يُعَدّ من جملة الفحش؛ كقوله: يا فاسق، يا أحمق، يا جاهل. ألا تَخاف الله. وقوله: يا غبي. وما يجري هذا المجرى؛ فإن كل فاسق فهو أحمق وجاهل، ولولا حمقه لما عصى الله تعالى، بل كل من ليس بكيس

стр. 236

فهو أحمق، والكيّسُ من شهد له رسول الله ﷺ ففي الحديث: أنّه ﷺ سُئِل عَن أكْيَسِ النّاسِ، قَالَ: ((أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك الأكياس)). ولِهَذه الرُّتبة أدَبَان: أحدهما: ألا يُقْدِم عليه إلا عند الضرورة والعجز عن اللطف. والثاني: ألّا يَنْطِق إلا بالصّدق، ولا يسترسل فيه، فيطلق لسانه الطويل بما لا يحتاج إليه، بل يقتصر على قدر الحاجة. فإنْ علم أن خطابه بهذه الكلمات الزاجرة ليست تزجره، فلا ينبغي أن يُطلقها بل يقتصر على إظهار الغضب والاستحقار له، والازدراء بما حله لأجل معصيته، وإنْ عَلِمَ أنه لو تكلم ضُرِب، ولو اكفهر وأظهر كراهة لوجهه أن يضرب لزمه، ولم يكف الإنكار بالقلب بل يلزمه أن يُقَطِّبَ وجهه ويظهر الإنكار له. الدرجة الخامسة: التّغيير باليد: وذلك ككسر الملاهي، وإراقة الخمر، وخلع الحرير من رأسه وعن بدنه، ومنعه من الجلوس عليه، ودفعه عن الجلوس على ماء الغير، وإخراجه من الدار مغصوبًا بالجر برجله، وإخراجه من المَسْجِدِ إذا كان جالسًا وهو جنب وما يجري مجراه، ويُتصور ذلك في بعض المعاصي دون بعض. فأما معاصي اللسان والقلب، فلا يقدم على مباشرة تغييرها، وكذلك كل معصية تَقْتَصِرُ على نفس العاصي وجوارحه الباطنة، وفي هذه الدرجة أدبان: أحدهما: ألّا يُبَاشر بيده التغيير، ما لم يعجز عن تكلفِ المُحتسب عليه ذلك؛ فإذا أمكنه أن يُكلفه المشي في الخروج عن الأرض المغصوبة والمسجد؛ فلا ينبغي أن يدفعه أو يجره، وإذا قدر على أن يكلفه إراقة الخمر وكسر الملاهي، وحَلّ دُروس

стр. 237

ثوب الحرير، فلا ينبغي أن يباشر ذلك بنفسه، فإنّ في الوقوف على حد الكسر نوع كسر؛ فإذا لم يتعاط بنفسه ذلك كفى الاجتهاد فيه، وتولاه من لا حجر عليه في فعله. الثاني: أنْ يَقْتَصِرَ في طريق التغيير على القدر المُحْتَاج إليه، وهو ألا يأخذ بلحيته في الإخراج، ولا برجله إذا قدر على جره بيده؛ فإنّ زِيَادة الأذى فيه، مُسْتَغنى عنه، وألّا يُمَزِّقَ ثوب الحرير بل يحل دروزه فقط، ولا يحرق الملاهي والصليب الذي أظهره النّصارى، بل يُبْطِلُ صلاحيتها للفساد بالكسر، وحَدُّ الكسر أن يصير إلى حالة تحتاج في استئناف إصلاحه إلى تعب يساوي تعب الاستئناف من الخشب ابتداءً. وفي إراقة الخمور يتوقى كسر الأواني إن وجد إليه سبيلًا، فإن لم يقدر عليها إلا بأن يرمي ظروفه بحجر؛ فله ذلك وسقطت قيمة الظرف، وبسبب الخمر إذا صار حائلًا بينه وبين الوصول إلى إراقة الخمر، ولو ستر الخمر بيده لكُنّا نقصد بدنه بالجرح والضرب؛ لنتوصل إلى إراقة الخمر، فإذًا لا تزيل حُرمة ملكه في الخروج على حرمة نفسه، ولو كان الخمر في قوارير ضيقة الرءوس، ولو اشتغل بإراقتها طال الزمان، وأدركه الفساق ومنعوه، فله كسرها، فهذا عذره، وإن كان لا يحظى فظفر الفساق به فمنعهم، ولكن كان يضيع في زمانه ويتعطل عن أشغاله؛ فله أن يكسرها فليس عليه أن يضيع منفعة بدنه وغرضه من أشغاله؛ لأجل ظرف الخمر، وحيثُ كانَتْ الإرَاقَةُ مُتأثرة بلا كسر؛ فكسره لزمه الضمان. الدرجة السادسة: التهديد والتخويف: كقوله: "دع عنك هذا"، أو "لأكسرن رأسك"، أو "لأضربن رقبتك"، أو "لآمرن بك" وما أشبهه. وهذا ينبغي أن يُقَدّم على تحقيق الظرف، إذا أمكن تقديمه. والأدبُ في هذه الرُّتبة ألّا يُهَدّده بوعيد لا

стр. 238

يجوز تحقيقه، كقوله: "لأنهبنّ دارك"، أو "لأضربن ولدك"، أو "لأسبين زوجتك"، وما يجري مجراه. بل ذلك إن قاله عن عزم فهو حرام؛ وإن قاله من غير عزم فهو كذب؛ نعم إذا تعرض لوعيده بالضرب والاستخفاف فله العزم عليه، إلى حد معلوم يقتضيه الحال، وله أن يزيد في الوعيد على ما هو في عزمه الباطل، إذا علم أن ذلك يقمعه ويردعه، وليس ذلك من الكذب المَحْظُور بل المبالغة بذلك معتادًا، وهو معنى مبالغة الرجل في الإصلاح بين شخصين، وتأليفه بين الدرتين، وذلك مما قد رخص فيه للحائض، وهذا في معناه، فإن القصد به إصلاح ذلك الشخص. الدرجة السابعة: مُباشرة الضّرب باليد والرِّجْل، وغير ذلك مما ليس فيه شهر سلاح: وذلك جائز للآحاد بشرط الضرورة والاقتصار على قدر الحاجة بالدفع؛ فإذا اندفع المُنْكَر فيَنْبَغي أن يَكُفّ، والقاضي قد يطلق من ثبت عليه الحق إلى الأداء بالحسب، فإن أصر المحبوس وعلم القاضي قدرته على أداء الحق، وكونه معاندًا فله أن يلزمه الأداء بالضرب على التدريب كما يحتاج إليه، وكذلك المُحْتَسِبْ يُراعي التدريج، فإن احتاج إلى شهر سلاح، وكان يقدر على دفع المنكر بشهر السلاح وبالجرح؛ فله أن يتعاطى ذلك ما لم تكن فتنة. كما لو قبض فاسق مثلًا على امرأة، أو كان يَضْرِبُ بمزمار معه، وبينه وبين المحتسب نهر حائل أو جدار مانع؛ فيأخذ قوسه ويقول له: خل عنها أو لأرمينك إن لم تخل عنها؛ فله أن يرمي، وينبغي ألا يقصد المقتل بل الساق والفخذ وما أشبهه، ويُراعي فيه التدريج، وكذلك يَسُلُّ سيفه ويقول: اترك هذا المنكر أو لأضربنك؛ فكل ذلك دفع للمنكر ودفعه واجب بكل ممكن، ولا فرقَ في ذلك بين ما يتعلق بخاص حق الله تعالى، وبين ما يتعلق بالآدميين.

стр. 239

فقه الاحتساب وللاحتساب فقه: ينبغي للمُحتسب أن يكون محيطًا به؛ حتى لا يقع في المنكر وهو يحاول أن يزيل المنكر. وفي فقه الاحتساب قال الدكتور عبد الكريم زيدان: "الغرض من الاحتساب إزالة المنكر من الأرض، وإيْجَادُ المَعْرُوف فعلًا". وإذا كان هذا هو الغرض من الاحتساب؛ فيَجِبُ الوصول إليه بأيسر طريق وأقصره، بشَرْطِ أن يكون مشروعًا، وأن ينظر إلى ما يؤول إليه حسابه من جهة ما يترتب عليه من زوال مفسدة المنكر، وحلول مصلحة المعروف مكانه، وفي ضوء ذلك يقدم أو يُحجم عن الاحتساب. ومما يعين على تفهم فقه الاحتساب بيان القواعد التالية: القاعدة الأولى: الإنكار القَلْبي: يجبُ أن يكون كاملًا ودائمًا، وبالنسبة لكل منكر، وفائدته بقاء القلب في حساسيته ضد المنكر، وبقاء عزمه على التغيير عند الإمكان، أمّا الإنكار القولي، أو الفعلي؛ فيكون حسب الاستطاعة، ودليل ذلك قول ربنا سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: ١٦)، وما جاء في الحديث الشريف الذي ذكرناه: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). ويُلَاحَظُ هُنا أنّ الثَّوابَ يَكُون كاملًا -إن شاء الله تعالى- إذا كان المحتسب ينكر المنكر بقلبه، ويكرهه كراهية تامة، ويفعل لإزالته بقدر استطاعته. القاعدة الثانية: إنما يطلب الاحتساب، إذا كان من ورائه تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة، فإذا كان ما يترتب عليه فوات معروف أكبر، أو حصول منكر أكبر، لم

стр. 240

يكن هذا الاحتساب مطلوبًا شرعًا، وإن كان المحتسب عليه قد ترك واجبًا، أو فعل محرمًا؛ لأن على المحتسب أن يتقي الله تعالى في عباده، وليس عليه هداهم، وليس من تقوى الله أن يتسبب باحتسابه في فوات معروف أكبر، أو حصول منكر أكبر؛ لأن الشرع إنما أوجب الحسبة لقمع الفساد وتحصيل الصلاح. فإذا كان ما يترتب على الاحتساب مقدارًا من الفساد أكبر من الفساد القائم، أو يفوتُ من الصَّلاح مقدارًا أكبر من الصلاح الفائت؛ لم يكن هنا الاحتساب مما أمر به الشرع. ولا شك أن ما قلناه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والظروف، وعلى المُحتسب أن يتبصر فيها، ويزن مَقَادير المعروف والمنكر، التي تنتج عن احتسابه، ثم يُقدم بعد ذلك على احتسابه أو يُحجم، وهذا كله بالنسبة الواقعة المعينة والشخص المُعين، أما بالنسبة للعموم فهو يأمر بالمعروف منكرًا، وينهي عن المنكر مطلقًا. ونذكر بأننا قد أفردنا هذه القاعدة بدرس مستقل، وهي قاعدة في تغيير المنكر، بعدما تحدثنا عن الركن الثاني من أركان الحسبة وهو المُحتسب فيه. القاعدة الثالثة: الأخْذُ بالرِّفق ما أمكن ذلك: ومستند هذه القاعدة ما يأتي: أولًا: قول النبي ﷺ : ((إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف)). ثانيًا: إنّ الإنسانَ بطبيعته، وما فُطِرَ عليه يقبل الأمر والنهي باللطف والرفق، ولين القول أكثر من قبوله عن طريق العنف، بل رُبَّمَا حمله العنف على الإصرار على المنكر، مراغمة للآمر وعنادًا له، ورُبّما دل على ما نقول قول الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩) مع أنه ﷺ لا يأمر إلا بالمعروف ولا ينطق إلا بالحق.

стр. 241

ثالثًا: إن الاحتساب المثمر هو الذي يجعل المحتسب عليه، قابلًا للاحتساب راضيًا به، مقتنعًا بضرورته ومضمونه؛ حتى يكون له من نفسه وازع يمنعه من العودة إلى المنكر، وهذا كله يُحتمل حصوله بقدر أكبر إذا كان الاحتساب بالرفق، وعدم الغضب والعنف، وبالمحاججة والمناقشة الهادئة المقنعة. فقد روى الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عن أبي أمامة ﵁: ((أنّ غلامًا شابًّا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، أتأذن لي في الزنا؟ فصاح الناس به، فقال النبي ﷺ : قربوه، ادن فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي ﷺ : أتحبه لأمك، فقال: لا، جعلني الله فداك. قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم. أتحبه لابنتك؟ قال: لا، جعلني الله فداك. قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم. أتحبه لأختك؟ حتى ذكر ﷺ العمة والخالة. والغلام يقول في كل واحدة: لا. جعلني الله فداك والنبي ﷺ يقول له: كذلك الناس لا يحبونه، فوضع رسول الله ﷺ يديه على صدره، وقال: اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصّن فرجه، فلم يكن شيء أبغض إليه من الزنا)). رابعًا: إنّ الاحْتِسَاب يجري على السلطان كما يجري على غيره، كما بينا ذلك. والسُّلطان بِحَاجة إلى التلطف معه، لما يُحِسُّ من نفسه من السلطة، ولأنه محتاج إلى الهيبة، وقد يتطاول عليه المغرضون بحجة الاحتساب، فمنعًا لذلك ومراعاة لما يحس هو من نفسه، كان الرفق معه في الاحتساب هو المطلوب. وبهذا أشار الفقهاء، وقد أفردنا الاحتساب على السُّلطان بدَرْسٍ مُسْتَقِلٍّ، ويُقاس على السلطان نوابه، وولاة الأمور. وقد يَدُلُّ على ما قلناه أو يؤديه أنّ اللهَ ﵎ أمر نبيه موسى ﵇ وأخاه هارون وقد أرسلهما إلى فرعون فقال لهما: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: ٤٣، ٤٤).

стр. 242

وما قلناه لا يعني أن الرِّفق هو الأسلوب الوحيد للاحتساب، أو أنه لا يجوز تركه في بعض الأحيان، وإنَّما يعني ما قلناه التأكيد على الرفق، والأخذ به كُلَّما أمكن ذلك، ولا يُستعاض عنه بغيره إلّا عند الحاجة أو الضرورة. فمن مَجَالات الرّفق اللازمة للمحتسب، إذا غلب على ظنه أن المحتسب عليه قام بالمنكر جهلًا منه بحُكْمِه أو استجابة لهوى عابر، أو لضعف في إرادته، كما أنّ الرِّفقَ يُلازِمُه الاحتساب بالتعريف بالحكم، أو بالوعظ والإرشاد، أو بالتّخويف من الله تعالى؛ فإذا لم ينفع الرفق تحول المُحتسب إلى الشدة، وكذلك إذا كان المنكر جسيمًا لا يمكن معه الانتظار أخذ المحتسب بالشدة الكافية لدفعه، ولا يعتبر ذلك خروجًا عن قاعدة الرفق؛ لأنّ من معاني الرفق الحرص على مصلحة المحتسب عليه، بإبعاده عن المنكر، وتخليصه من المعصية وما يترتب عليها من العقاب. متى يجب الاحتساب، ومتى يستحب، ومتى يكره، ومتى يحرم متى يجب الاحتساب؟ الاحتساب القَلبي واجب على كل مسلم في جميع الأحوال، إذا ما سَمِعَ بالمُنْكَرِ أو رآه كما قلنا، أما الاحتساب باليد أو بالقول؛ فهذا يجبُ بالقدرة على هذا النوع من الاحتساب، بشرط أن يأمن المُحتسب على نفسه من الأذى والضرر، كما يأمن على غيره من المُسلمين من الأذى والضرر. وتَعْلِيلُ ذلك أنّ الخَوفَ من لحوق الأذى والضرر، بمنزلة العجز الحسي، والعجز الحسي يفوت شرط القدرة، فلا يجبُ الاحتساب إلا أنه يجب هجران أصحاب المنكرات وعدم مُخالطتهم.

стр. 243

قال الإمام القرطبي ﵀ في (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم) في شرح حديث: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره)) قال ﵀: ولوجوب التغيير شرطان: أحدهما: العلم بكون ذلك الفعل منكرًا أو معروفًا. والثاني: القدرة على التغيير. فإذا كان كذلك تعين التغيير باليد، إنْ كَانَ ذلك المُنكر مما يحتاج في تغييره إلينا، مثلُ كَسْرِ أواني الخمر، وآلات اللهو كالمزامير ونحوها، وكمنع الظالم من الضرب والقتل وغير ذلك، فإنْ لَم يَقْدر بنفسه استعان بغيره؛ فإن خاف من ذلك ثوران فتنة، وإشهار سلاح تعينَ رَفْعُ ذلك، فإن لم يقدر بنفسه على ذلك، غير بالقول المرتجى نفعه، من لين أو إغلاظ حسبما يكون النفع، وقد يَبْلُغ بالرِّفْق والسياسة ما لا يبلغ بالسيف والرياسة. فإن خاف من القول القتل أو الأذى، غيّر بقلبه: ومعناه أن يكره ذلك الفعل بقلبه، ويعزم على أن لو قدر على التغيير لغيره، وهذا آخر خصلة من الخصال المتعينة على المؤمن في تغيير منكر، وهي المعبر عنها في الحديث بأنها أضعف الإيمان، أي: خِصالُ الإيمان، ولم يبق بعدها للمؤمن مرتبة أخرى في تغيير منكر، ولذلك قال في الرواية الأخرى: ليس وراء ذلك من الإيمان حَبّةُ خَرْدَل أي: لم يبق وراء هذه المرتبة رُتبة أخرى. وفيه دليل على أن من خاف على نفسه القتل أو الضرب، سقط عنه التغيير، وهو مذهب المحققين سلفًا وخلفًا، وذهبت طائفة من الغلاة إلى أنه لا يسقط وإن خاف ذلك.

стр. 244

وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في شرح الحديث: "إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك، أن يُؤذى أهله أو جيرانه، لم ينبغ له التَّعَرُّض لهم حينئذ؛ لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره، كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره: "ومع هذا متى خاف منهم على نفسه السيف أو السوط أو الحبس أو القيد أو النفي أو أخذ المال أو نحو ذلك من الأذى سقط أمرهم ونهيهم، وقد نص الأئمة على ذلك منهم مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم، قال أحمد: لا يَتَعَرَّضُ إلى السُّلْطَان؛ فإنّ سيفه مسلول". فإنْ خَاف السّبب أو سَمَاع الكَلام السّيئ لم يسقط عنه الإنكار بذلك نص عليه الإمام أحمد، وإن احتمل الأذى وقوي عليه؛ فهو أفضل. نص عليه أحمد أيضًا، وقيل له: أليس قد جاء عن النبي ﵌ أنه قال: ((ليس للمؤمن أن يُذِلَّ نفسه أن يُعَرِّضها للبلاء ما لا طاقة لها به)). قال: ليس هذا من ذلك. ويدل على ما قاله ما خرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث أبي سعيد ﵁ عن النّبي ﵌ قال: ((أفضلُ الجِهاد كلمةُ عدل عند سلطان جائر)). وأمّا حَديثُ ((لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه))، فإنَّما يَدُلّ على أنه إذا علم أنه لا يُطيق الأذى ولا يصبر عليه، فإنه لا يتعرض حينئذ للأمراء وهذا حق، وإنَّما الكلام فيمن علم من نفسه الصبر لذلك، قاله الأئمة كسفيان وأحمد والفضيل بن عياض وغيرهم. وقد رُوي عن أحمد ما يدل على الاكتفاء بالإنكار بالقلب، قال في رواية أبي داود: "نحن نرجو إن أنكر بقلبه فقد سلم، وإن أنكر بيده فهو أفضل، وهذا محمول على أنه يخاف".

стр. 245

وقال ابن النحاس ﵀ في (تنبيه الغافلين): فصل: أحوالٌ يسقط فيها الوجوب -أي: وجوب تغيير المنكر ويبقى الاستحباب- قال ﵀: "من عَلِمَ أنّه إذا أنكر المنكر بطل بإنكاره، ولكنه يضرب ضربًا مؤلمًا أو تنهب داره، أو يُخَرَّبُ بيته، أو تُسلب ثيابه، فمثل هذا يسقط عنه وجوب الإنكار، ويَبْقَى الاستحباب إذ لا بأس بأنْ يَفدي دينه بدنياه، ولكل نوع من الضرب أو النهب أو التخريب أو السلب حد في القلة؛ لا يلتفت إليه، وحد في الكثرة يتيقن من كونه مسقطًا للإيجاب، ووسط يقع في محل الاشتباه والاجتهاد، والأمر مداره التقوى والورع والأخذ بالأحوط، ويرجح جانب الدين ما أمكن. فإن عَلِمَ أنّه لا يُضرب ولا يُنهب ولا يُسلب، ولكن يوضع منديله أو عمامته في رقبته، ويُدار به في البلد أو يسود وجهه، ويُكشف رأسه، ويطاف به حافيًا ونحو ذلك؛ فهذا أيضًا مما يُرخص في السكوت، ويُسقط الوجوب؛ لأن المروءة مأمور بحفظها في الشرع، وهذا مؤلم للقلب عند أكثر الناس، ألمًا يزيد على ألم الضرب. قال الإمام الغزالي: "وقد دلت عمومات الآيات والأخبار على تأكيد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى عِظَمِ الخَطَر في السكوت عنهما؛ فلا يَسْقُط ذلك، إلّا بِفَوات ما عَظُم في الدِّين خَطَرُه والمال والنفس والمروءة، وقد ظَهَر في الشرع خطرها، وأما مزايا الجاه والحشمة ودرجات التجمل وطلب ثناء الخلق فكل ذلك لا خطر له، ولا يسقط به الوجوب". ومن ترك الإنكار على من هو خاص به، كأستاذه الذي يعلمه العلم خوفًا من امتناعه عن تعليمه، أو ترك الإنكار على طبيب يدخل عليه، ويَلْبَس الحرير خوفًا من أن يهجره، أو على السلطان المحسن إليه خوفًا أن ينقطع عنه الإحسان

стр. 246

والمواساة، أو على من يتوقع منه نصرة وجاه في المستقبل خيفة ألا يحصل له الجاه؛ ففي هذه الصور الأربع لا يسقط الوجوب في الإنكار، فإن كل ما يفوت فيها من إنكار زيادات امتنعت، ولا تسمى ضررًا إلا مجازًا. وقال الدكتور السيد نوح: "شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتلخص في: التكليف، والقدرة، والسلامة من الضرر ولو ظن بأن يغلب على ظنه أنه لا يُصيبه الضرر لا يحتمل في نفسه أو ماله أو أهله أو ولده أو جماعته؛ فإن غلب على ظنه أنه سيتعرض لما لا يطيق من البلاء سقط الوجوب". فإذا اختلت هذه الشروط جميعها أو بعض منها فقط سقط الوجوب، وأصبح الحب دائرًا بين الاستحباب أو الكراهة أو الحرمة؛ فيكون مستحبًّا في الحالات التالية: أولًا: أن يَغْلب على ظَنِّه عَدَمُ الفائدة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحينئذ يُستحب له أن يأمر وينهى؛ ليَبْقَى صوتُ الشَّرع مَسْمُوعًا معلنًا، يُذَكِّر النّاس بأنه قائم حي لم يمت، وأنه للظالمين بالمرصاد، وعسى أن يأتي اليوم الذي تتحقق فيه فائدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثانيًا: أن يكون المنكر قد انتهى أو متوقعًا؛ فيُستحب له أن يعظ، وأن يذكر بالله وبآلائه، ويُخَوِّف من حسابه، وشديد عذابه، ويَدعو لطاعته سبحانه، ويطمع في رحمته، وأنّه يَقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات. ثالثًا: أنْ يَتوقّع مَكروهًا يُمكنه احتماله في نفسه أو ماله، وحينئذ يُستحب له أن يأمر أو ينهي، وأن يَصْبِرَ لتتوطد أركان الحق، ويُعَتَزّ بأهله.

стр. 247

ويكون مكروهًا في الحالتين التاليتين: أولًا: أن يترتب على الأمر والنهي منكر آخر مماثل، وحينئذ يكره له أن يقوم بذلك خشية أن تكثر المنكرات وتتضاعف. ثانيًا: أن يُنْكِر أشياء يَمْنَعُها مذهبه، وتُجيزها بعض المذاهب الإسلامية الأخرى، ومَحَلُّ ذلك إذا كان كل مذهب يعتمد الدليل فيما رأى، دون التقليد الأعمى، ودون الاعتماد على الهوى. ويكون حرامًا في الحالات التالية: أولًا: أن يترتب على الأمر والنهي فتنة بالأمة، أو فساد أكبر وحينئذ يحرم الأمر والنهي. ثانيًا: أن يترتب عليه ضررًا يفيد غيره من أهله أو جيرانه في أنفسهم أو حرماتهم، وحينئذ يحرم الأمر والنهي. ثالثًا: أن يترتب عليه ضرر يصيب بنفسه، ولا يطيق احتماله؛ فقد جاء في الحديث: ((لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟! قال: يتعرض من البلاء لِمَا لا يُطيقه)). وقال الفضيل بن عياض ﵁: "إنّ قَومًا أمروا ونهوا، فكفروا، قيل له: كيف كفروا؟ قال: ابتلوا فلم يصبروا". الاحتساب في الوقت الحاضر: يمكن لولي الأمر المُسلم في الوقت الحاضر أن ينظم شئون الحسبة، على النحو الذي يحقق المقصود من الاحتساب، وأن يتخذ ما يلزم لذلك؛ فله أن يفتح

стр. 248

المدارس لتخريج المحتسبين الأكفّاء، كما أنّ له أن يُنَظِّمَ شئون الحسبة بين المُحتسبين، فيعين لأمور المساجد محتسبين، وللأسواق محتسبين، ولمنكرات الطرق محتسبين، وهكذا. كما له أن يُرْسِلَ بعضهم إلى القرى والأرياف؛ لتعليم الناس أمور دينهم؛ لأنّ الغَالِب عَليهم الجَهل، أما إذا لم يقم ولي الأمر بما ذكرنا وجب على المسلمين القيام بمهمة الاحتساب، وتهيئة المُحتسبين والإنفاق عليهم، على أن يقوموا بالاحتساب في حدود الوعظ والإرشاد، والتذكير فقط دون استعمال العُنف؛ لئلّا يُؤدي ذلك العُنف إلى الفوضى والفتنة، مما يجعل المغرضين يستغلون ذلك، ويتقولون بالباطل على الحسبة والمحتسبين، وتقليب ولاة الأمر عليهم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 249

الدرس: ١٤ علاقة الحسبة بالقضاء والمظالم .

стр. 250

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع عشر (علاقة الحسبة بالقضاء والمظالم) المقارنة بين ولاية الحسبة وولاية القضاء وولاية المظالم من حيث النشأة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: علاقة الحسبة بالقضاء والمظالم: ولاية الحسبة، وولاية القضاء، وولاية المظالم، هذه الولايات الثلاث في أي حكومة إسلامية هي بالرغم مما قد يوجد بينها من اختلاف في الاختصاصات والسلطات مكملة لبعضها؛ لا سيما في الجانب القضائي، وهذا مما جعل الكثير ممن كتب في النظم الإسلامية ومنذ القدم يعرض لها جميعًا عندما يتكلم عن واحدة منها، ولِذلك كانتْ الحَاجَةُ داعية إلى المقارنة بين الولايات الثلاث؛ تمييزًا لكل ولاية، وبيانًا لاختصاصاتها، والموافقة بينها وبين غيرها من الولايات. فإنّ بَعضَ الكُتّاب والمؤلفين الذين كتبوا عن الحسبة لم يكن مفهوم الحسبة واضحًا في أذهانهم، فخلط بين اختصاصاتها واختصاصات كل من القضاء والمظالم؛ فبَعْضُهم يَضُمّها للقضاء ويجعلها جزءًا منه، وبعضهم يضمها للمظالم والبعضُ الآخر يراها فرعًا من فروع الشرطة، إلى غير ذلك من المفاهيم التي تَنِمُّ عن عدم الإحاطة بالدور العظيم والفعال والشمولي الذي يؤديه المُحْتَسِبُ داخل البنية الاجتماعية الإسلامية. وكَمِثَالٍ على هذا الفَهم نرى أنّ من هؤلاء الكُتّاب الذين لم يُنزلوا الحِسْبَة منزلتها، بل حصر معناها في جانب ضيق من مجالاتها الواسعة، وهو الأستاذ صبحي الصالح حيث يقول عن الحسبة: "ومن صور القضاء في الإسلام الحسبة". كذلك شاكر مصطفى فهو يقول عندما كان يتحدث عن القضاء في العصر العباسي: "ولا تُستَكْمَلُ صورة القضاء العباسي إلّا بثلاث مؤسسات أخرى تتعلق به، وهي: الشهود، والحسبة، والمظالم".
следующие страницы →