Полный текст (344 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
والمواساة، أو على من يتوقع منه نصرة وجاه في المستقبل خيفة ألا يحصل له الجاه؛ ففي هذه الصور الأربع لا يسقط الوجوب في الإنكار، فإن كل ما يفوت فيها من إنكار زيادات امتنعت، ولا تسمى ضررًا إلا مجازًا.
وقال الدكتور السيد نوح: "شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتلخص في: التكليف، والقدرة، والسلامة من الضرر ولو ظن بأن يغلب على ظنه أنه لا يُصيبه الضرر لا يحتمل في نفسه أو ماله أو أهله أو ولده أو جماعته؛ فإن غلب على ظنه أنه سيتعرض لما لا يطيق من البلاء سقط الوجوب".
فإذا اختلت هذه الشروط جميعها أو بعض منها فقط سقط الوجوب، وأصبح الحب دائرًا بين الاستحباب أو الكراهة أو الحرمة؛ فيكون مستحبًّا في الحالات التالية:
أولًا: أن يَغْلب على ظَنِّه عَدَمُ الفائدة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحينئذ يُستحب له أن يأمر وينهى؛ ليَبْقَى صوتُ الشَّرع مَسْمُوعًا معلنًا، يُذَكِّر النّاس بأنه قائم حي لم يمت، وأنه للظالمين بالمرصاد، وعسى أن يأتي اليوم الذي تتحقق فيه فائدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثانيًا: أن يكون المنكر قد انتهى أو متوقعًا؛ فيُستحب له أن يعظ، وأن يذكر بالله وبآلائه، ويُخَوِّف من حسابه، وشديد عذابه، ويَدعو لطاعته سبحانه، ويطمع في رحمته، وأنّه يَقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات.
ثالثًا: أنْ يَتوقّع مَكروهًا يُمكنه احتماله في نفسه أو ماله، وحينئذ يُستحب له أن يأمر أو ينهي، وأن يَصْبِرَ لتتوطد أركان الحق، ويُعَتَزّ بأهله.
стр. 247
ويكون مكروهًا في الحالتين التاليتين:
أولًا: أن يترتب على الأمر والنهي منكر آخر مماثل، وحينئذ يكره له أن يقوم بذلك خشية أن تكثر المنكرات وتتضاعف.
ثانيًا: أن يُنْكِر أشياء يَمْنَعُها مذهبه، وتُجيزها بعض المذاهب الإسلامية الأخرى، ومَحَلُّ ذلك إذا كان كل مذهب يعتمد الدليل فيما رأى، دون التقليد الأعمى، ودون الاعتماد على الهوى.
ويكون حرامًا في الحالات التالية:
أولًا: أن يترتب على الأمر والنهي فتنة بالأمة، أو فساد أكبر وحينئذ يحرم الأمر والنهي.
ثانيًا: أن يترتب عليه ضررًا يفيد غيره من أهله أو جيرانه في أنفسهم أو حرماتهم، وحينئذ يحرم الأمر والنهي.
ثالثًا: أن يترتب عليه ضرر يصيب بنفسه، ولا يطيق احتماله؛ فقد جاء في الحديث: ((لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟! قال: يتعرض من البلاء لِمَا لا يُطيقه)).
وقال الفضيل بن عياض ﵁: "إنّ قَومًا أمروا ونهوا، فكفروا، قيل له: كيف كفروا؟ قال: ابتلوا فلم يصبروا".
الاحتساب في الوقت الحاضر:
يمكن لولي الأمر المُسلم في الوقت الحاضر أن ينظم شئون الحسبة، على النحو الذي يحقق المقصود من الاحتساب، وأن يتخذ ما يلزم لذلك؛ فله أن يفتح
стр. 248
المدارس لتخريج المحتسبين الأكفّاء، كما أنّ له أن يُنَظِّمَ شئون الحسبة بين المُحتسبين، فيعين لأمور المساجد محتسبين، وللأسواق محتسبين، ولمنكرات الطرق محتسبين، وهكذا.
كما له أن يُرْسِلَ بعضهم إلى القرى والأرياف؛ لتعليم الناس أمور دينهم؛ لأنّ الغَالِب عَليهم الجَهل، أما إذا لم يقم ولي الأمر بما ذكرنا وجب على المسلمين القيام بمهمة الاحتساب، وتهيئة المُحتسبين والإنفاق عليهم، على أن يقوموا بالاحتساب في حدود الوعظ والإرشاد، والتذكير فقط دون استعمال العُنف؛ لئلّا يُؤدي ذلك العُنف إلى الفوضى والفتنة، مما يجعل المغرضين يستغلون ذلك، ويتقولون بالباطل على الحسبة والمحتسبين، وتقليب ولاة الأمر عليهم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 249
الدرس: ١٤ علاقة الحسبة بالقضاء والمظالم .
стр. 250
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع عشر
(علاقة الحسبة بالقضاء والمظالم)
المقارنة بين ولاية الحسبة وولاية القضاء وولاية المظالم من حيث النشأة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
علاقة الحسبة بالقضاء والمظالم:
ولاية الحسبة، وولاية القضاء، وولاية المظالم، هذه الولايات الثلاث في أي حكومة إسلامية هي بالرغم مما قد يوجد بينها من اختلاف في الاختصاصات والسلطات مكملة لبعضها؛ لا سيما في الجانب القضائي، وهذا مما جعل الكثير ممن كتب في النظم الإسلامية ومنذ القدم يعرض لها جميعًا عندما يتكلم عن واحدة منها، ولِذلك كانتْ الحَاجَةُ داعية إلى المقارنة بين الولايات الثلاث؛ تمييزًا لكل ولاية، وبيانًا لاختصاصاتها، والموافقة بينها وبين غيرها من الولايات.
فإنّ بَعضَ الكُتّاب والمؤلفين الذين كتبوا عن الحسبة لم يكن مفهوم الحسبة واضحًا في أذهانهم، فخلط بين اختصاصاتها واختصاصات كل من القضاء والمظالم؛ فبَعْضُهم يَضُمّها للقضاء ويجعلها جزءًا منه، وبعضهم يضمها للمظالم والبعضُ الآخر يراها فرعًا من فروع الشرطة، إلى غير ذلك من المفاهيم التي تَنِمُّ عن عدم الإحاطة بالدور العظيم والفعال والشمولي الذي يؤديه المُحْتَسِبُ داخل البنية الاجتماعية الإسلامية.
وكَمِثَالٍ على هذا الفَهم نرى أنّ من هؤلاء الكُتّاب الذين لم يُنزلوا الحِسْبَة منزلتها، بل حصر معناها في جانب ضيق من مجالاتها الواسعة، وهو الأستاذ صبحي الصالح حيث يقول عن الحسبة: "ومن صور القضاء في الإسلام الحسبة".
كذلك شاكر مصطفى فهو يقول عندما كان يتحدث عن القضاء في العصر العباسي: "ولا تُستَكْمَلُ صورة القضاء العباسي إلّا بثلاث مؤسسات أخرى تتعلق به، وهي: الشهود، والحسبة، والمظالم".
стр. 251
أما أحمد شلبي فيقول: "تشعبت مؤسسات النظم القضائية، إلى أنواع، هي: الشرطة، الحسبة، والنظر في المظالم، والإفتاء، والقضاء".
وقال البُسْتَانِيُّ في دَائِرة مَعَارفه بعد أن عرّف الحِسْبة: "ولهذا قيل: القضاء باب من أبواب الحسبة". فهو على نقيض من سبقه حيث جعل القضاء جزءًا من الحسبة.
والحَقيقَةُ أنّ والي الحِسْبة يُمارسُ بعضَ الوَاجِبَات القَضَائيّة لا سيما تلك التي يحتاج البت فيها إلى السرعة، والتي لا يدخلها الإنكار والتجَاحُد، ومع ذلك فهي ليست جزءًا من القضاء؛ بحيث لا يتم إتمام العمل القضائي إلا بوجود المحتسب أو إشرافه، وكذلك ليست العكس، ولكن مع ذلك لا يمكن أن نقول: إنه ليس هناك علاقة بين ولاية القضاء وولاية المظالم.
فالماوردي يقول: "إنّ الحِسْبَة واسِطَةٌ بين أحكام القضاء، وأحكام المَظَالِم". ثم يقول: "فإن الناظر في الحسبة له من سلاطة السلطة، واستطالة الحماة، بما يتعلق بالمنكرات ما ليس للقُضاة إلّا أنّ الحِسْبة موضوعة للرّهبة؛ فلا يكون خروج المحتسب إليها -أي: الرهبة- بالسلاطة والغلظة تجوزًا فيها، ولا فرق. والقضاء موضوع للمناصفة فيكون القاضي بالأناة والوقار أحق، وخروجه إلى سلاطة الحسبة تجوز وخرق".
وبحث الولايات الثلاثة من حيث النشأة والاختصاصات والصلاحيات يعطينا فكرة عن تلك العلاقة في نقاط الاتفاق والافتراق فيما بينها.
أما المُقَارَنَةُ من حيث النشأة:
فالحِسْبَةُ في الإسلام على الراجح من أقوال العلماء نشأت وبدأ العمل على تطبيقها مُنذ نُزول أوّل نَصٍّ شرعي، يدعو إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن
стр. 252
المنكر، وبمعنى أوضح: كانت نَشْأَتُها منذ أول قيام الدولة الإسلامية في المدينة النبوية، على يد النبي ﷺ .
أما القَضَاءُ؛ فالقَضَاءُ في سَائِر الأُمم قديم؛ قدم حضارة الإنسان، وإن لم يَكن بما أصبح عليه في العصور المُتأخرة كعلم وفن له أصوله وقواعده؛ إذ كان القَضَاءُ يَقُوم على الأعراف السائدة في القبيلة أو المُجتمع، مع ما قد يُوجد من قواعد نادرة تَضَعُها السُّلطات أو الحكام، وفي بعض الأحيان تنعدم فيها السلطة القضائية، أو القضاء كوظيفة عامة، ويحل محله القضاء الفردي الخاص الذي يعتمد على القوة.
وفي ظروف أُخرى نَجِدُ أساس الأحكام هي المُعتقدات الدينية، وفي كثير من الشعوب يبرز شيخ القبيلة كحاكم وكقاضٍ يجمع في يديه كل السلطات في شئون قبيلته، وهذا ما كان عليه حال القضاء عند العرب في الجاهلية لا سيما البدو منهم.
أما في مَكّة فقد كانت الحالة القضائية فيها أكمل وأحسن، وسببُ ذلك أنّ مَكّة كانت أكثر البلدان العربية حضارة، وكان أهلها قد وزعوا الأعمال الإدارية في بلدهم على عشرة رجال كالحِجَابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء. وكان من هذه الأعمال ما يتعلق بالقضاء، وقد عهدوا به إلى أبي بكر في الجاهلية.
فلما جاء الإسلام أقرّ بعضَ التقاليد العربية القضائية، وأنكر البعضَ الآخر وعَدّلها بحيثُ تكون موافقة لروحه ومنهجه؛ فلقد تَولّى الرسولُ ﷺ القضاءَ بنفسه منذ أن وصل إلى المدينة، وبدأ يؤسس لقيام دولة الإسلام، ولعل من أول النصوص التي تبين لنا ذلك؛ قول الله ﵎: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (المائدة: ٤٩).
стр. 253
ومن أول الحوادث التي تبين أيضًا تولي الرسول ﷺ للقضاء ذلك الحلف الذي عقده المسلمون من المهاجرين والأنصار بينهم وبين الكفار من اليهود والمشركين من أهل المدينة، وقد جاء في هذا الحلف: "أنّه مَا كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو شجار، يخاف فسادُه؛ فإنّ مَرَدّه إلى الله وإلى محمد رسول الله ﷺ .
وكان الرسول ﷺ قاضيًا، كما كان للشريعة مُبلغًا في بداية تكون دولة الإسلام في المدينة، ولم يكن للمسلمين في المدينة قاضٍ سواه؛ إذ كانت الأمة لا تزال على بساطتها وضيق رُقْعَتِها، والوازعُ الدِّيني كان قويًّا، ومِنْ ثَمّ قَلّت المُنَازعات بين الناس، ولم يؤثر عنه ﷺ أنّه عيّن في بلد من البُلدان رجلًا اختص بالقضاء بين المسلمين دُون الرُّجوع له ﷺ ، بل كان يعهد بذلك إلى بعض الولاة ضمن أمور الولاية، وتارة يعهد إلى بعض أصحابه بالفصل في بعض الخصومات.
ومن أولئك الذين تُشير بعض المصادر إلى أنّ الرَّسُول ﷺ أسْنَدَ إليهم القَضَاء ضِمْنَ التّولية لهم عندما أرسلوا إلى بعض الأمصار لتعليم الناس علي بن أبي طالب ﵁؛ فقد روي عنه قوله: ((بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء، فقال ﷺ : إنّ اللهَ سَيهدي قَلبك، ويثبت لسانك؛ فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول؛ فإنّه أحرى أن يتبين لك القضاء، قال: فما زلتُ قاضيًا، أو ما شككت في قضاء بعد)).
وكذلك مُعاذ بن جبل ﵁ عندما أرسله النبي ﷺ إلى اليمن أيضًا، وقال له: ((كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: فبِسُنّة رسول الله، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي
стр. 254
ولا آلو، -أي: لا أُقَصِّر- فقال الرسول ﷺ : الحمدُ لله الذي وفق رسولَ رسولِ اللهِ لما يُرضي رسول الله)).
ومن الأصول والقواعد التي وضعها رسول الله ﷺ للقضاء قوله: ((البَيّنَةُ على من ادعى واليمين على من أنكر))، ((أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر)).
كذلك فقد كان من طرق الإثبات عنده ﷺ إضافة إلى البينة واليمين الواردة في الحديث: شهادة الشهود، والكتابة، والفراسة، والقرعة، وغيرها.
أما القضاءُ في عهد الخلفاء الراشدين ﵃ فقد أخذ نفس المسار تقريبًا، لا سيما في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ وقيل: إنه ﵁ أسند مهمة القضاء إلى عمر بن الخطاب، ودام هذا التكليف عامًا أو عامين، وهو لا يختلف إلى عمر أحدٌ إلى نادرًا، لما عرف عنه ﵁ مِنَ الشِّدّة في الحق، والحَزْمِ في الأمور، بيدَ أنّه مع ممارسته للقضاء لم يُلَقّب بلقب القَاضي خلال مدة التكليف.
أما في عهد عُمر بن الخطاب ﵁ فقد اتسعت الدولة الإسلامية وازداد عددُ المسلمين فيها؛ الأمر الذي جعل عمر بن الخطاب ﵁ يُولي عِنَايَته بشئونِ القَضاء، ومن أهم ما قام به: تعيين قضاة يختصون بالقضاء وحده، ويَنُيبون عن الخليفة في الفصل بين الناس؛ فولى أبا الدرداء ﵁ قاضيًا على المدينة إلى جانبه، وشُريحًا على الكوفة، وأبا موسى الأشعري على البصرة، وقيس بن أبي العاص على مصر. فكان ﵁ أول من عين قضاة مستقلين في البلاد الإسلامية وفوضهم فيه.
стр. 255
وهو ﵁ الذي سماه الرسول ﷺ الفاروق؛ لأنّ اللهَ فَرّق به بينَ الحَقّ والباطل، وسيرته ﵁ تاريخ حافل، وأعماله وتسييره لدفة الحُكم صارت دستورًا ونظامًا يقتفى، ومن ذلك: أنه كتب إلى قُضاته ما اعتبره الفقهاء وأهل الأصول القاعدة التي ينطلق منها القضاء في الإسلام، وأصّلُوا على تلك القاعدة أصولًا، واستخرجوا من تلك الأصول فروعًا.
ونص كتابه ﵁ إلى القضاء يقول: "أما بعد؛ فإن القضاء فريضة محكمة، وسُنّة متبعة، فافهم إذا أدى إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، ساوِ بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك؛ حتى لا يَطْمَعَ شَريفٌ في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البَيِّنَةُ على من ادعى، واليمينُ عَلَى من أنكر، والصُّلْحُ جَائِزٌ بين المسلمين، إلّا صُلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك، وهُديت فيه لرُشدك أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قويم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.
الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سُنّة، ثم اعرف الأمثال والأشباه، وقس الأمور بنظائرها، واجعل لمن ادعى حقًّا غائبًا، وبينة أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذت له بحق وإلّا استحللت القضية عليه، فإن ذلك أنفى للشك وأجلى للعماء، المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حد، أو مُجرب عليه شهادة زور، أو ضنين في نسب، وإياك والقلق والضجر والتأفف من الخصوم؛ فإنّ اسْتِقرار الحق في مواطن الحق يُعظم الله به الأجر ويحسن به الذكر، والسلام".
ولم يكن يتولى القضاء في عهد الخلفاء الرّاشدين إلا من توفرت فيه شروط؛ منها: أن يكون ذكرًا، بالغًا، مكتمل القوى العقلية، حرًّا، مسلمًا، غير متهم في دينه أو مروءته، سليم الحواس، واسع الإلمام بالفقه والشريعة.
стр. 256
وكان القضاء في عهد الخلفاء الراشدين مستقلًّا، مُحترم الجانب، وقد عَمَد الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُون إلى الاستشارة فيما يعرض عليه من خصومات، بعد أن يَعْرِضُوا ذلك على كتاب الله، وسُنّة رسوله ﷺ ؛ فإن لم يجدوا شيئًا سألوا المسلمين: هل قضى الرسول ﷺ بشيء من هذا؟ فإن أعيى الخليفة ذلك، استشار رءوس الناس وخيارهم، فإن أجمع رأيهم على شيء قضى به، وكُلُّ خَلِيفَةٍ يَنْظُر إلى قضاء من قبله، بعد أن يبحث عن ذلك في كتاب الله وسُنّة رسوله وقضائه ﷺ وعلى هذا سار القضاء في عهدهم -رضوان الله عليهم أجمعين.
أما القضاء في العهد الأموي؛ فقد اتسم بصفتين رئيسيتين:
الأولى: أن القاضي كان يحكم بما يوحيه إليه اجتهاده، إذ لم تكن المذاهب الأربعة التي تَقيد بها القضاة فيما بعد قد وجدت، فكان القاضي في هذا العصر يرجع للكتاب والسنة في الفصل في الخصومات.
وأما الصفة الثانية: فهي أن القضاء لم يكن متأثرًا بالسياسة؛ فقد كان القضاة مستقلين في أحكامهم، وكانوا مطلقي التصرف، وكلمتهم نافذة حتى على الولاة وعمال الخراج.
أما في العصر العباسي: فقدِ كانَ للقَضَاءِ خَصَائِصُ كثيرة منْهَا تَعدد الآراء في المسألة، بحسب تعدد المذاهب الفقهية التي حدثت في ذلك العصر،
стр. 257
ومنها تأثر القضاء بالسياسة؛ لأنّ الخُلَفاء العباسيين كانوا يريدون إضفاء الشرعية على بعض أعمالهم.
وهُناك أمر آخر قد تميز به القضاء في هذا العهد وهو: أنّ سُلْطَة القاضي قد اتسعت؛ فشملت الفصل في الدعاوى، والأوقاف، وتنصيب الأوصياء.
ومما تميز به القضاء في هذا العصر استحداث وظيفة "قاضي القضاة" وأول من لُقِّبَ به القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة؛ حيث منح سلطات واسعة فيما يتعلق بشئون القضاء والقضاة، وهذه الوظيفة تُشْبِهُ إلى حد ما وظيفة وزير العدل في عصرنا.
وظَلّ القضاء في مختلف الدول الإسلامية التي قامت فيها يستمد روحه ومنهجه من الكتاب والسنة، واجتهاد الفقهاء إلى أن رزحت معظم البلاد الإسلامية في القرن الماضي تحت أنير الاستعمار الغربي البغيض؛ فكان من نتاج هذا الغزو الفكري والعسكري أن أورثوا في البلاد والتي حكَموها أنظمة قضائية وضعية، لا زالت غالبية الدول الإسلامية القَائِمَة اليوم للأسف تطبق هذه القوانين والأنظمة على شعوبها المسلمة؛ فنسأل الله أن يوفق الحكام في كل البلاد الإسلامية إلى أن يستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وأن يطبقوا أحكام ربهم بين شعوبهم.
أما عن نشأة المظالم في الإسلام: فولاية المظالم ولاية تحمل ملامح سياسية واضحة، تَمتزِجُ بها سَطوة السلطة بصفة القضاء، ولها من فضل الهَيْبَةِ وقُوّة اليَد ما ليس للقضاء في كف الخصوم عن التجاحد، وما للظلمة من التغالب والتجاذب، وهي بوضعها الخاص
стр. 258
ضمن النظم في الدولة الإسلامية مؤسسة دينية قضائية، ذات شأن خطير كما تُعَبِّرُ عنه كلمة مظالم، وتُبلور فيها وبشكل قوي معنى المكافحة؛ لأنها تتصدى بصفة خاصة لمقاومة ما يُمارس من الانحراف على صعيد رجال السلطة في الدولة من ذوي الجاه والحسب، وعلى المستويات العالية في إدارة الدولة.
وهي من حيث المبدأ عريقة في التاريخ يقول الماوردي: "كان ملوك الفُرسِ يرونها من قواعد الملك، وقوانين العدل، الذي لا يعم الصلاح إلا بمراعاته، ولا يتم التناصف إلا بمباشرته، وكانت قُريش في الجَاهِليّة حينَ كَثُر فيهم الزُّعماء، وانتشرت فيهم الرياسة، وشاهدوا من التَّجَاذُب والتَّغَالُب ما لم يكفهم عنه سلطان قاهر، عقدوا حلفًا على رد المظالم، وإنصاف المظلوم من الظالم؛ سُمّي ذَلك الحلف حلف الفضول، وقد حَضَره الرَّسُول ﷺ وهو ابن خمس وعشرين سنة قبل النبوة وقال فيه: ((لَقدْ شَهِدَّتُ في دارِ عبد الله بن جدعان حلف الفضول، ما لو دُعيت إليه لأجبت، وما أُحِبُّ أن لي به حمر النعم)).
وفي الإسلام قامت ولاية المظالم لا بشكلها ونظامها الذي عرف فيما بعد، ولكن بما يُناسب الأحوال والظروف في عهده ﷺ حيث لا ظُلم ولا تَظالم إلا في أندر الأحوال.
وكانت في عهده ﷺ في صورة عمل قضائي من نوع فريد، تجري ممارستها بالعدل، ولا يتميز كيانها بالزمان ولا بالمكان، ولا تتقيد بحدود القضاء العادي، ولا بمَسْطَرته.
ولَعَلّ من أبرز تلك المظالم التي فصل فيها النبي ﷺ تلك الحادثة التي وقعت بين الزبير بن العوام وأحد الأنصار في سقاة بينهما؛ حيث اشتكى وتَظلم الأنصاري من حبس الزبير الماء عن مزرعته؛ فلما وقف رسول الله ﷺ على المكان، وقدّر
стр. 259
الحق بما رآه قال: ((اسق أنت يا زبير، ثم الأنصاري)). فقال الأنصاري: إنه لابن عمتك يا رسول الله، يعني من أجل ذلك حكمت له، فغضب ﷺ من قوله وقال: ((يا زُبَير أجره -يعني: الماء- حتى يرجع إلى الجدار، ثم أرسل الماء إلى جارك)).
فقال: واستوعب -أي: استوعى- رسول الله ﷺ للزُّبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه، أي: أغضبه الأنصاري، وكان قد أشار عليهما قبل ذلك بأمر كان لهما فيهما سعة.
قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك يعني قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥) يقول الراوي: هو عروة بن الزبير، نظرت في قول الرسول ﷺ : ((ثم احبِس الماء حتى يرجع إلى الجدار؛ فكان ذلك إلى الكعبين)).
وعلى مِثْلِ ما كان عليه رَدُّ المَظَالِم في عهده ﷺ كان في عهد الخُلَفاء الراشدين، وظلت تتطور في عهد الخلفاء الراشدين إلى عهد الأمويين، عندها انتشر الظلم من بعض الناس لبعضهم، وغُمطت بعض الحقوق؛ حَتّى أصْبَح ذلك شبه مُعلن بين الناس، ولم تكن تكفيهم زواجر العظة والتمانع والتجاذب؛ عندها اقتضى الأمر قيام من يرد الحقوق، وينصف المغلوب ممن يتمتع بقوة السلطنة وهيبة القضاء ونصفته.
فكان أول من أفرد للظلامات يومًا يتصفح فيه قصص المتظلمين، من غير مباشرة للنظر عبد الملك بن مروان؛ فكان إذا وقف منها على مُشكل، أو احتاج فيها إلى حُكم منفذ، رَدّه إلى قاضيه أبي إدريس الأودي فنظر فيه، فكان أبو إدريس هو المباشر، وعبد الملك هو الآمر.
стр. 260
واستمر الحال على ذلك حتى جاء عهد عمر بن عبد العزيز ﵀ ورضي عنه- فكان قمةً في رَدِّ المَظَالِم إلى أهلها، وراعى السنة العادلة وأعادها، ورد مظالم بني أمية على أهلها، ثم جلس لها خلفاء بني العباس؛ وكان أوّل من جلس منهم هو المهدي، ثم الهادي، ثم هارون الرشيد، ثم المأمون؛ إلى أن كان آخر من جلس منهم المهتدي.
وعلى ذلك سارت الحكومات الإسلامية المختلفة في شتى بقاع الأرض، وقد يتولاها من هو دون رياسة الدولة فيمثلها، إلى أن تميزت فيما بعد ذلك بكيانها الخاص، وخُصِّصَت لها مَحْكَمة مُعَيّنة ونظم، حين أصبح هذا ضروريًّا، اقتضته ظروف كثرة المظالم وانتشار واستشراء استغلال السلطة والنفوذ، واستفحال الطغيان من الأقوياء على الحقوق العامة والخاصة.
وهذه الولاية تحمل اسمها ورسمها، في كثير من خصائصها في المملكة العربية السعودية، أما في بقية البلاد الإسلامية، فتحمل أسماء أخرى من أظهرها "محكمة النقض".
المقارنة بين ولاية الحسبة وولاية القضاء وولاية المظالم من حيث الاختصاص
أمّا من حَيثُ الاختصاصات: فتَحَدّثنا عن اختصاصات المُحتسب، وصلاحياته في درس سابق، ونَحنُ نُوجز صَلاحيات المُحتسب ونذكر بها باختصار؛ وهي: الاستدعاء والتهديد، التوبيخ والتبكيت، الهجر، التشهير، الغرامة المالية، الصلب، السجن، النفي، الضرب.
أما اختصاصات وصلاحيات ولاية القضاء: فولاية القضاء شأنُها شأن أي ولاية أخرى؛ ليست لها صلاحيات ثابتة، لا يُمكن أن يُزَادَ عليها ولا يُنقص منها؛ فهي تختلفُ باختلاف رأي من يقوم بتولية القاضي، وغالبًا ما كان خطاب
стр. 261
التولية سابقًا، ونظام القضاء حديثًا؛ هو الذي يحدد تلك الصلاحيات والاختصاصات, فقد يكون القاضي عام النظر، خاص العمل، بمعنى أن له أن يُمارس القضاء في كل المَشَاكل التي تُعرض عليه؛ لكن في حدود مدينة واحدة لا يَخْرُج سلطانه إلى غيرها. وقد يكون العكس خاص النظر عام العمل، بمعنى أن له أن ينظر ويقضي في مسائل خاصة ومعينة، كالطلاق والنكاح وما يتعلق بهما، لا في مدينة بعينها بل في سائر أنحاء الدولة.
أما إذا كانت ولاية القاضي عامة مطلقة التصرف في كل أمر؛ فنظره مشتمل على عشرة أحكام، كما قرره الماوردي ﵀ وهو أول وأدَقُّ من تعرض لتحْدِيدِ صَلاحيات القضاء والمظالم والحسبة، ولكل من كتب بعده فيما اطلعت عليه يكادون يكونون عالة عليه في هذا.
والأحكام العشرة التي ذكرها، والتي نعتبرها محددة لصلاحيات القضاء في الإسلام، لا سيما في الماضي هي:
فصل المنازعات، وقطع التشاجر والخصومات، إما صلحًا عن تراضي ويُراعى فيه الجواز، أو إجبارًا بحكم بات يعتبر فيه الوجوب.
ثانيًا: استيفاء الحقوق ممن مطل بها، وإيصالها إلى مُسْتَحِقّيها بعد ثبوت استحقاقها، بإقرار أو بينة، ورفع دعوى بذلك من صاحب الحكم.
ثالثًا: إثبات الولاية لمن كان ممنوع التصرف بجنون أو صغر، والحجر على من يرى الحجر عليه لسفه أو تفليس؛ حفظًا للأموال على مستحقيها، وتصحيحًا لأحكام العقود فيها.
رابعًا: النظر ف ي الأوقاف بحفظ أصولها، وتنمية فروعها، وصرفها في سبيلها.
خامسًا: تَنْفِيذ الوصايا على شروط الموصي؛ فيما أباحه الشرع.
стр. 262
سادسًا: تزويج الأيامى بالأكفّاء إذا عدمن الأولياء، ودُعين إلى النكاح.
سابعًا: إقامة الحدود على مستحقيها، فإن كان من حقوق الله تعالى تفرد باستيفائه من غير طالب بإقرار أو بينة، وإن كان من حقوق الآدميين كان موقوفًا على طلب مستحقه.
ثامنًا: النظر في المصالح العامة؛ من الكف عن التعدي في الطرقات والأفنية والأبنية، وسائر المصالح، وإن لم يستعدِ فيها مستعدٍ، خلافًا لأبي حنيفة.
تاسعًا: تَصَفُّح شهوده وأمنائه، واختيار النائبين عنه من خلفائه.
عاشرًا: التسوية في الحكم بين القوي والضعيف، والعدل في القضاء بين المشروف والشريف.
حادي عشر: الفَصْلُ في الأحكام المُتعلقة بالزوجين؛ كفسخ النكاح، وثبوت الطلاق، والخُلْعِ والانْقِياد للزوج، والنشوذ.
ويمكن أن نَضُمّ إلى هذه النقاط ما جاء في كتاب عمر بن الخطاب ﵁ إلى قضاته، ونعتبر أكثر النقاط فيه بمثابة قواعد وحدود، لعمل وصلاحيات القاضي في كل زمان ومكان. ومن المعلوم أنه لم تكن لولاية القضاء في الماضي صلاحيات مفقطة مكتوبة، لا يحيد عنها إلّا ما يتضمنه خطاب التولية، إذا كان مكتوبًا.
أمّا وِلَايةُ القضاء في الحاضر؛ فَلَها كغَيْرِهَا من الولايات والمؤسسات الحكومية الأخرى أنظمة تحدد الصلاحيات لكل مسئول فيها بدقة؛ وهي تختلف باختلاف المصدر الذي يستمد منه القضاء بنوده ومواده؛ فهناك من الدول الإسلامية من يستمد بنود القضاء فيها من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ وإجماع
стр. 263
علماء الأمة، ومنها ما يستمد ذلك من قوانين وضعيه ما أنزل الله بها من سلطان، وضعت أول ما وضعت لشعوب وأمم كافرة؛ لا تؤمن بالله ورسوله ولا باليوم الآخر.
والقضاء في عصرنا وإن كان في مجمله لا زالت تمثله ولاية واحدة؛ هي وزارة العدل، إلّا أنه أخذت منه بعض الصلاحيات في مسائل محددة، وأُسندت إلى جهات وولايات أخرى؛ فعلى سبيلِ المِثَال لا الحصر: أُخذت المُنَازعات التجارية، وما يَتعَلّق بها من غش وغيره، وأسندت لوزارة التجارة، ومنازعات العمل والعمال أُعطيت لوزارة العمل والشئون الاجتماعية، وقضايا الجمارك وما يتعلق بها تفصل فيها وزارة المالية، ومحاكمة الموظفين شُكّلت لها محكمة خاصة عُرف في بعض الدول بالهيئة العامة للتأديب.
وهناك بعض القضايا كالمخدرات وغيرها شُكّلت لها لجان تفصل فيها، وتتبع وزارة الداخلية، وإن كان الحكم النهائي فيها يؤخذ عن طريق المحاكم الشرعية.
أما ولاية المظالم واختصاصاتها وصلاحياتها؛ فولايةُ المظالم ولاية تحمل المتخاصمين على التناصف بالرهبة، وتزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة؛ لذا لا يقومُ بها إلا من كان جليل القدر، عظيم الهيبة ظاهر الحكمة، عفيف النفس؛ بَيِّنَ التّقوى كثير الورع، صَادِقَ العَزِيمة؛ فهو يحتاج في منصبه هذا إلى سطوة الحماة، وتثبيت القضاء، وحزم الخلفاء، وكثيرًا ما قَامَ الخلفاء أنفسهم بهذا المنصب العظيم.
وكان مجلس القائمين بها مجلسًا مهيبًا حافلًا، فهو يضم إلى جانب والي المظالم عددًا من الحماة والأعوان والقضاة والفقهاء والأعلام؛ فهو ينظر في دعاوى
стр. 264
تعدي الولاة والحكام ونحوهم على أفراد الرعية، وفي تظلم الموظفين بنقص رواتبهم، أو غمط بعض حقوقهم أو تأخيرها، وفي شكاوى الاعتداء على الأموال العامة ونحو ذلك، كما أنّه يُتَابِعُ ما عجز عنه المُحتسب، وينفذ ما ضَعُف عن تنفيذه القاضي؛ لجاه المحكوم عليه أو سلطانه ومكانته.
ويُمكن تفصيل ذلك في نقاط كما جاءت عند أبي يعلى الفراء في كتابه (الأحكام السلطانية) حيثُ يحدد فيها ما يجب أن ينظره والي المظالم، وهو ما نُسَمّيه نحن هنا اختصاصات وصلاحيات ولايات المظالم، وفي ذكر هذه النقاط ما يغني عن الاستشهاد بأحوال المظالم اليوم، التي قد يكون ابتعدت عما كان لهذه الولاية في الماضي، ولم تأخذ بأكثره، والذي نأمل أن يوفق الله تعالى ولاة المسلمين اليوم إلى إعادة كل تلك الصلاحيات والاختصاصات، إلى هذه الولاية التي هي عنوان للعدل والمساواة والنَّصَفة.
أما تلك الصلاحيات والاختصاصات كما حددت فهي:
أولًا: النَّظَرُ في تَعَدِّي الولاة على الرعية؛ فيتصفحوا عن أحوالهم؛ ليقويهم إن أنصفوا، ويكفهم إنْ عَسَفوا، ويستبدل بهم إن لم ينصفوا.
ثانيًا: رَفْعُ أجور العمال فيما يجبونه من الأموال؛ فيرجع فيه القواعد والأصول الشرعية في دواوين الأئمة، فيحمل الناس عليها، وينظر في ما استزادوه؛ فإنْ رَفعوه إلى بيت مال المسلمين أمر برده، وإن أخذوه لأنفسهم استرجعه لأربابه، والنظر في تظلم المسترزقة -أي: الموظفين- من نقص أرزقاهم أو تأخرها، وإجحاف النظار بهم، فيرجع إلى ديوانه في فرض العطاء العادل، فيجريهم عليه، وينظر فيما نقصوه أو منعوه من قبل؛ فإن أخذه ولاة أمورهم استرجعه لهم، وإن لم يأخذوه قضاه من بيت المال.
стр. 265
ثالثًا: رَدُّ الغصوب، وهي ضربان:
أحدها: غصوب سلطانية قد تغلب عليها ولاة الجور، كالأملاك المقبوضة عن أربابها تعديًا على أهلها؛ فإن علم به والي المظالم عند تصفح الأمور، أمر برده قبل التظلم إليه؛ وإن لم يعلم فهو موقوف على تظلم أربابه.
الضرب الثاني من الغصوب: ما تغلب عليه ذوي الأيدي القوية، وتصرفوا فيه تصرف المالكين بالقهر والغلبة؛ فهو موقوف على تظلم أربابه.
رابعًا: مُشارفة الوقوف: وهي ضربان عامة وخاصة، فأما العامة فيبدأ بتصفحها وإن لم يكن فيها متظلم؛ ليجريها على سبلها، ويمضيها على شروط واقفيها. وأما الوقوف الخاصة فإن نظره فيها موقوف على تظلم أهلها عند التنازع فيها، لوقوفها على خصوم متعينين، فيُعلم عند التشاجر فيها على ما تثبت به الحقوق عند الحكام.
خامسًا: تنفيذ ما وقف من أحكام القُضاة لضعفهم عن إنفاذه، وعجزهم عن المحكوم عليه؛ لتَعَزّزه وقوة يده، أو لعلو قدره، وعظم خطره؛ فيكون ناظر المظالم أقوى يدًا وأنفذ أمرًا، فيُنَفِّذ الحُكْم على من توجه عليه بانتزاع ما فيه يده، أو بإلزامه الخروج مما في ذمته.
سادسًا: النظر فيما عجز عنه الناظر في الحسبة من المصالح العامة؛ كالمجاهرة بمنكر ضعف عن دفعه، والتعدي في طريق عجز عن منعه، والتحيف في حق لم يقدر على ردعه؛ فيأخذهم بحق الله تعالى في جميعه، ويأمرهم بحملهم على موجبه.
стр. 266
هذه هي أبرز ما كان ينظر فيه والي المظالم في النظم الإسلامية، التي قامت لمختلف الدول الإسلامية في الماضي، والتي لا تزال ينظر في بعضها اليوم، ولكن تحت مسميات أخرى كمحاكم النقض، أو التمييز، أو هيئة المظالم، كما عليه الحال في المملكة العربية السعودية اليوم.
وجه الشبه والفرق بين ولايات الحسبة والقضاء والمظالم
وجه الشبه والفرق بينها:
فيقول الماوردي ﵀: "اعلم أن الحسبة واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم؛ فأما ما بينها وبين القضاء، فهي موافقة لأحكام القضاء من وجهين، ومقصورة عنه من وجهين، وزائدة عليه من وجهين؛ فأما الوجهان في موافقتها لأحكام القضاء:
فأحدهما: جواز الاستعداء إليه، وسماعه دعوى المستعدي على المستعدى عليه في حقوق الآدميين، وليس هذا على عموم الدعاوى؛ وإنما يختص بثلاثة أنواع من الدعوى:
أحدها: أن يكون فيما يتعلق ببخس وتطفيف في كيل أو وزن.
والثاني: ما يتعلق بغش أو تدليس في مبيع أو ثمن.
والثالث: فيما يتعلق بمطل وتأخير لدين مستحق، مع القدرة على أدائه.
وإنما جاز نظره في هذه الأنواع الثلاثة من الدعاوى، دون ما عداها من سائر الدعاوى؛ لتعلقها بمنكر ظاهر، هو منصوب لإزالته، واختصاصها بمعروف بين هو مندوب إلى إقامته؛ لأنّ موضوع الحسبة إلزام الحقوق، والمعونة على استيفائها، وليس للناظر فيها أن يتجاوز ذلك إلى الحكم الناجز والفصل البات، فهذا أحد وجهي الموافقة.
стр. 267
والوجه الثاني: أنّ له إلزام المُدّعى عليه للخروج من الحق الذي عليه، وليس هذا على العموم في كل الحقوق، وإنما هو خاص في الحقوق التي جاز له سماع الدعوى فيها؛ وإذا وجبت باعتراف وإقرار مع تمكنه وإيثاره؛ فيُلزم المقر الموسر الخروج منها، ودفعها إلى مُسْتَحِقِّيها؛ لأنّ في تأخيره لها منكرًا هو منصوب لإزالته.
وأما الوجهان في قصورها عن أحكام القضاء:
فأحدها: قصورها عن سماع عموم الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات، من الدعاوى في العقود والمعاملات، وسائر الحقوق والمطالبات، فلا يجوز أن ينتدب لسماع الدعوى لها، ولا أن يتعرض للحكم فيها، لا في كثير حقوق ولا في قليلها، من درهم فما دونه؛ إلا أن يرد ذلك إليه بنص صريح، يزيد على إطلاق الحسبة، فيجوز ويصير بهذه الزيادة جامعًا بين قضاء وحسبة، فيراعي فيه أن يكون من أهل الاجتهاد، وإن اقتصر به عن مطلق الحسبة؛ فالقضاة والحكام بالنظر في قليل ذلك وكثيره حق فهذا وجه.
والوجه الثاني: أنها مقصورة على الحقوق المُعْتَرف بها؛ فأما ما يتداخله التجاحد والتناكب، فلا يجوز له النظر فيه؛ لأنّ الحاكم فيها يقف على سماع بينة، وإحلاف يمين، ولا يجوز للمحتسب أن يسمع بينة على إثبات الحق، ولا أن يحلف يمينًا على نفي الحق، والقضاة والحكام بسماع البينة، وإحلاف الخصوم أحق.
وأما الوجهان في زيادتها على أحكام القضاء:
فأحدهما: أنه يجوز للناظر فيها أن يتعرض لتصفح ما يأمر به من المعروف، وينهى عنه من المنكر، وإن لم يحضره خَصمٌ مستعدٍ، وليس للقاضي أن يتعرض
стр. 268
لذلك إلا بحضور خصم يجوز له سماع الدعوى منه؛ فإنْ تعرض القاضي لذلك خرج عن منصب ولايته، وصار متجوزًا في قاعدة نظره.
والثاني: أن للنّاظر في الحِسبة من سلاطة السلطنة، واستطالة الحماة؛ فيما تعلق للمنكرات ما ليس للقضاة، لأن الحسبة موضوعة للرهبة، فلا يكون خروج المحتسب إليها بالسلاطة والغلطة، تجوزًا فيها ولا خرقًا والقضاء موضوع للمناصفة، هو بالأناة والوقار أحق؛ وخروجه عنهما إلى سلاطة الحسبة تجوز وخرق؛ لأن موضوع كل واحد من المنصبين مختلف، فالتجوز فيه خروج عن حده".
وأما ما بين الحِسْبة والمظالم فبينهما شبه مؤتلف، وفرق مختلف؛ فأما الشبه الجامع بينهما فمن وجهين:
أحدهما: أنّ مَوضوعهما مستقر على الرهبة المختصة بسلاطة السلطنة، وقوة الصرامة.
والثاني: جواز التعرض فيهما لأسباب المصالح، والتطلع إلى إنكار العدوان الظاهر.
وأما الفَرْقُ بينهما فمن وجهين:
أحدهما: أنّ النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة، والنظر في الحسبة موضوع لما رفه عنه قضاء القضاة، ولذلك كانت رتبة المظالم أعلى، ورتبة الحسبة أخفض، وجاز لولي المظالم أن يوقع إلى القضاة والمحتسب، ولم يجز للقاضي أن يوقع إلى والي المظالم.
وجاز له أن يوقع للمحتسب، ولم يجز للمحتسب أن يوقع إلى واحد منهما؛ فهذا الفرق الثاني: أنه يجوز لولي المظالم أن يحكم، ولا يجوز لوالي الحسبة أن يحكم.
وصلي الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 269
الدرس: ١٥ علاقة الحسبة بالنيابة العامة .
стр. 270
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس عشر
(علاقة الحسبة بالنيابة العامة)
التعريف بالنيابة العامة وتطورها
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
علاقة الحسبة بالنيابة العامة
قد استخدم كثير من البلاد بدائل للحسبة، وقد كثرت هذه البدائل، واختلفت حسب البلاد ونظمها، ونحن إذ نتكلم عن علاقة الحسبة بنظام من هذه النظم، وهو النيابة العامة نقول: إن الأصل في نظام الحسبة في الإسلام لم يكن في يوم من الأيام وقفًا على رعاية الجانب الاقتصادي وحسب، كما هو الحال مثلًا في الرقابة على الأسواق، وليس لحفظ التوازن بين السلطات التنفيذية والسلطات التشريعية؛ كما هو في نظام المفوض البرلماني السويدي، بل إن الأصل فيه صيانة حقوق الله تعالى، ورعاية حقوق ومصالح العباد، من أجل أن تسير الحياة داخل المجتمع الإسلامي وفق تعاليم الإسلام؛ فتأتمر بأمره وتنتهي بنهيه، وأن يكون الدين كله لله، وهذه غاية يصب فيها معين كل ولاية في الإسلام.
يقول الدكتور محمد إمام: "نعم قد تشترك بعض النظم في القديم والحديث بتغطية بعض المجلات التي يغطيها نظام الحسبة في المجتمع الإسلامي، كما هو الحال في القائم على أمن السوق في النظام البيزنطي، أو المُفوض البرلماني في النظام السويدي، والنُّظم التي أخذت عنه".
نعم ذلك صحيح جملة ولكن الدراسة التأصيلية لا تَنْظُر إلى المجالات فحسب، بل إلى الأصول والغايات، وهنا تَبْدُو الفَوارقُ كبيرة، ونقاطُ الالتقاط جدُّ يَسيرَة.
والمتتبع لمثل هذه النظم يعرف تمامًا أنّ الحِسبة لا ينحصر عملها في الجانب الاقتصادي، وما يتعلق بالأسواق وأهل التجارة، كما هو الحال عند مراقبي الأسواق في النظام البيزنطي، الذي يدعي البعض أن المسلمين اقتبسوا نظام الحسبة من هذا النظام.
стр. 271
فالحسبة أصلها واسمها وغايتها حماية حقوق الله، وتفقد حقوق العباد، وأسمى ما يهدف إليه من إقامة الحسبة في المجتمع هو إقامة شرع الله بين المسلمين، وحثهم على الالتزام بعراه، وأن تَكُونَ الحَاكِمِيَّةُ لله تعالى وحده، وهذه غَايةٌ عُظمى تقصر كل البدائل الأخرى عن الوصول إليها والوفاء بمُتَطلباتها، فالمحتسب يطبق شرع الله وسنة نبيه ﷺ بين خلقه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: ٦٢). ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: ٤٣).
التعريف بالنيابة العامة وتطورها:
النيابة العامة هي: "الجهاز المنوط به الدعوة الجنائية في تحريكها ورفعها ومباشرتها أمام القضاء".
وكما عَرَفْنَا من قبل من أنّ التَحْدَيد أو التعريف يُحدد الإطار والمفهوم العام لأي نظام مصطلح؛ فإنه يتضح لنا من هذا التعريف محدودية هذا النظام وانحصاره في جانب واحد من الجوانب التي يغطيها نظام الحسبة في الإسلام، وهو الجانب الجنائي القضائي، المتعلق بالدعوى من حيث رفعها ومتبعاتها.
مع أنّ نِظام الحسبة وفي هذا الجانب بالذات يزيد عليه عند رفعه للدعوى الحِسْبية أمام القضاء، في أنّ المُحْتَسِبَ مدع وشاهدٌ في الوقت نفسه.
أما النائبُ العام: فلا يتعدى دوره في كونه مدع فقط.
أما من حيث تطور نظام النيابة العامة؛ فتقول النظرية التقليدية: إن ميلاد النيابة العامة كان متأخرًا، وأنه من وحي فرنسي بحت، وقد حُدِّدت مع بداية القرن الرابع عشر الميلادي، وأنها قامت على أنقاض العصور الوسطى، وأوّلُ نَصٍّ تشريعيٍّ أشارَ إلى النيابة العامة، هو أم ر فيلب لويل، ال ذي صدر في الثالث
стр. 272
والعشرين من مارس سنة ألف وثلاثمائة وثلاثة من الميلاد، وكَلّف نواب الملك بمباشرة العمل القضائي، ومنعهم من التدخل في شئون الأفراد.
أما عن مراحل تطورها: فقد ذهبت هذه النظرية إلى أنه يجب مضي قرنين من الزمان لكي تصل النيابة العامة إلى تنظيمها المعروف الآن، مع ملاحظة أنها تكونت قبل القرن السادس عشر الميلادي، وكانت تضم أمام المدعي العام والمحامين وأمام المحاكم الأخرى محامي الملك ومدعي الملك، اللذين كانا وكيلي المدعي العام، وأمام محاكم الأشراف أحد المدعين فقط؛ إلّا أن النظرية الحديثة في أصل النيابة العامة أخذت على هذه النظرية أنها وقعت في خطأ مزدوج، عندما تتناول أصل النيابة العامة، وقالت: إنّها ساوت بين محامي الملك ومدعي الملك، رغم ما بينهما من اختلافات في النشأة وسبب الظهور في الاختصاصات، وكذلك القول بأنّ أصلَ مُدّعي الملك كان قضائيًّا، مع أنّ ذلك غير صحيح بل أصله مختلف.
وترى النظرية الحديثة أن ظهور النيابة العامة يرجع أولًا إلى نشأة محامي الملك في القرن الرابع عشر للميلاد، والذي تَمّ اختيارُه من بين المحاميين العاديين، واختَصّ بالاختصاصات القضائية، وعلى وجه الخصوص المدنية دون سواها.
أما مدعي الملك فقد ظهر قبل ذلك بكثير تحت أسماء أخرى بصفة رجل حكومة، إلا أنه في القرن الرابع عشر الميلادي، وبمُمَارَسَة الوَظَائِف المَالية المشرفين الملكيين، اكتسب الدور القضائي الذي مارسه بصفة أساسية في المجال الجنائي، والذي أضافه إلى دوره الحكومي.
стр. 273
وخلاصة القول: فإنّ المتفق عليه بإجماع آراء رجال الفقه القانوني أن النظام النيابة العامة من أصل فرنسي بحت أعطي الخصائص التي يتميز بها حاليًا في النظام الحديث منذ قانون التحقيق الجنائي الفرنسي لسنة ألف وثمانمائة وثمانية من الميلاد، والقوانين المعدلة له، والتي لم تتغير حتى الآن، وامتد بعد ذلك إلى مختلف النظم القانونية التي أخذت به.
المقارنة بين النيابة العامة والحسبة من حيث النشأة
ليس بالضّرورة إذا ما قَامت مُقارنة بين نظامين أن يكون بينهم تَشابه، فقد تحصل المقارنة حتى ولو لم يوجد ذلك التشابه، يقول الشاعر:
إذا قيل إن السيف أمضى من العصا ... ألم تر أن السيف ينقص قدره
ولكن قد يكون بين هذين النظامين من الصفات المشتركة، ما يدفع الدارس إلى دراسة تلك الصفات؛ لتبيين الحقيقة، ولمعرفة الفروق الجوهرية بينهما؛ فإنّ الأشياءَ لا تُعرف قيمتها الحقيقة إلا بالمقارنة، وعلى هذا فإننا إذ نقارن بين النظامي الحسبة والنيابة العامة لا نقرر أبدًا تَشابه النيابة العامة بمبدأ ونظام الحسبة الإسلامي الأصيل؛ فنظام الحِسْبَة نظامٌ رَبّانِيٌ جليل القدر، وواجب عظيمٌ على المسلمين أن يهتموا به، ويُطَبَِّقوه فيما بينهم، فهو أساسٌ عظيمٌ من أسس هذا الدين، ودعامة قوية من دعائم ترابط الأمة والحفاظ على مصلحها العامة والخاصة.
ويكفي أن الخيرية التي تسعى إليها كل أمة لا تتحقق إلا بالقيام بهذا النظام، وسريانه بين أفراد المجتمع، قال الله ﵎: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: ١١٠).
стр. 274
وعلى هذا؛ فإنّ نظام الحسبة بهذه الموصفات لا يمكن أن يتغير أو يتبدل بتغير الزمن وتبدل الأشخاص.
أما نظام النيابة العامة وغيره من النظم الوضعية المشابهة فإن فيها من التقصير والأخطاء بقدر قصور وأخطاء واضعيها، وفيها من كل ذلك ما يَجْعَلُها تتغير وتتبدل بمرور الزمن، وتَبَدُّل الأشخاص، ومُسَايرة الرغبات، والميل مع الأهواء.
إذا تبين ذلك، فنقول: الفرق بين الحسبة والنيابة العامة من حيث النشأة:
أولًا: فيما يتعلق بنشأة الحسبة وتطورها: فقد سبق الحديث عن ذلك في درسٍ مستقل، وعرفنا منه أنّ الحسبة نشأت منذ نزول أو نصٍّ شرعي يدعو الأمة إلى إقامة مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي: بِبداية انطلاق دعوة الإسلام، وبِقَدْر تَماسك المسلمين وتطبيقهم لهذا المبدأ العظيم فيما بينهم؛ يكونُ تَقَدُّمهم، وتكون خيرتهم وتماسك مجتمعهم، وبقدر تركهم لهذا المبدأ العظيم، وانصرافهم عنه ينالهم الضعف والتفكك في الدنيا، وينالهم العقاب واللعنة في الآخرة، قال الله ﵎: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: ١٦٥).
وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة: ٧٨، ٧٩).
إذا عُرف هذا، علمنا أن وجود هذا النِّظام الرباني العظيم لم يكن وليد عصرٍ من العصور، أو حَاجة أو مصلحة طارئة، بل هو نظام إلهي عظيم أنزله الله، وأمر به منذ أن وجدت الحياة على هذه الأرض، وأنّ كُلّ الرِّسَالات السماوية جاءت
стр. 275
لتحقيقه وتطبيقه بين الناس، وهو وإن اختلفت الأسماء حوله فالغاية والغرض من وجوده واحد، وهو إقامة العدل الشامل، وتسيير الحياة على وفق ما يرضي خالقنا وخالق كل شيء وكذلك لتسيير عبوديتنا لله على وفق هذا المنهج.
أما وجود الحسبة كنظام يُطَبّق ويَقُوم به الحاكم المُسلم؛ فقد وجد كما عرفنا من قبل أيضًا مُنذ قيام دولة الإسلام في المدنية النبوية، طبقه الرَّسُول ﷺ ومن جاء بعده من الخلفاء الراشدين، ثم طَبّقته المَمَالك والدول، التي قامت بعد ذلك إلى يومنا هذا، وإن كانت بعض بل كثير من الدول الإسلامية القائمة اليوم لا تطبقه، ولكنا نسأل الله أن يوفقهم لتطبيق حكم الله وشرعه على أرضه: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيز﴾ (إبراهيم: ٢٠).
أما نَشْأَةُ النِّيابة العامة: فقد عرفنا أن نظام النيابة العامة مر بمراحل عديدة حتى وصل إلى وضعه الحالي، وهو أيضًا قابلٌ للتّغير على حسب مقتضيات العصر، وتغيير البَشر وأهوائهم، وقد تطور هذا النظام من النِّظام التنقيبي الذي يرجع إلى عصر الرُّومان؛ حيثُ كان يطبق على العبيد والمجرمين الخطرين، ثم انتقل إلى القانون الكنسي في القرون الوسطي، ومنه إلى المحاكم الملكية في النظام الفرنسي القديم. ويعتبر هذا النظام بحق نواة النيابة العامة.
إلّا أنّ هُناك نظرياتٍ أُخرى حول أصل ونشأة هذا النظام، منها: ما يرفض إرجاع أصل النيابة العامة إلى النظام الروماني، ومنها ما يؤيده.
وأيًّا ما كان فقد كان هناك نظريتان حول أصل النيابة العامة، وهي: "النظرية الكلاسيكية والتقليدية" التي حددت ظهور النيابة العامة ببداية القرن الرابع عشر للميلاد، وذلك في عهد الملك فيلب لويل، وتقول
стр. 276
هذه النظرية: "إن النيابة العامة تطورت خلال قرنين من الزمان منذ القرن السادس عشر للميلاد، حتى وصلت إلى هذا التنظيم المعروف، بعد حدوث بعض التغيرات البسيطة الخاصة بالبوليس القضائي".
النظرية الثانية هي "النظرية الحديثة" في أصل النيابة العامة، ويذهب أنصار هذه النظرية إلى أن ظهور النيابة العامة يرجع أولًا إلى نشأة محامي الملك في القرن الرابع عشر، وأيًّا ما كانت الاختلاف بين النظريات؛ فإنه من المُتَّفَق عليه أنّ نظام النيابة العامة من أصل فرنسي كما تقدم، ومن المتفق عليه أيضًا: أنّ القَانُون المصري أخذ النيابة العامة نقلًا من التشريع الفرنسي.
كانت هذه إشارة إلى نشأة الحسبة ونشأة النيابة العامة، فما هي نتيجة المقارنة بينهما في النشأة؟
الجواب: قد تَبين لنا من استعراض نشأة الحسبة والنيابة العامة: بأنّ نظام الحسبة ذي أصول وقواعد ثابتة لا تتغير، ولا تتبدل بتقادم الزّمن؛ ولا باختلاف أهواء البشر وأقوالهم؛ لأنّه صَادِرٌ من لَدُن حكيم خبير، وأنّه أثناء تطوره لم يكن ليتغير، بل إنّ تطوره هو في اتساع الدائرة التي يُطَبّق فيها، نظرًا لازدياد أفراد المُجتمع الذي يُطبق بينهم، وكذلك في الوسائل والأساليب.
ثم تبين لنا أيضًا: بأنّ الحسبة قديمة جدًّا قدم الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- أما نظام النيابة العامة؛ فمع أنه نشأ وعرف من فترة ليست بالطويلة إلّا أنه مر بالمراحل وتم تعديله وتبديله، ولا زال يتغَيّرُ ويتبدل حسب حاجات ومقتضيات أحوال من وضعه ومن يُطَبّقُ بينه، ويكفيه منقصة عدم ثباته، وهذا من أوضح الأدلة على قصوره ونقصه تبعًا لقصور ونقص من وضعه، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ٨٢).
стр. 277
كما أنّ نِظَام النِّيابة العامة لا يُطَبّق بشكل متساوٍ على كل أفراد المجتمع؛ فهنالك من له حصانة دبلوماسية، وهنالك من له حصانة برلمانية، وهكذا يخرج عن سلطته وتطبيقه القوي، ويُطبق على الضعيف، بينما الحسبة تنسحب على الجميع حكامًا ومَحكومين ليس فيه استثناء؛ لأنّ الكُل هم عبيد لله، وهم أمام شرعه ومنهجه الذي فيه الحسبة سواسية كأسنان المشط.
ولا يستطيع أحدٌ مهما كانت منزلته أن يُعَدّل أو يُبدل شيئًا من أحكام الحسبة؛ فيُحِلَّ ما حرم الله، أو يُحرم ما أحل الله، وإذا فعل ذلك فلا طاعة عندئذ لمخلوق في معصية الخالق، كما صح بذلك الحديث عن النبي ﷺ . وهذا يبقى نظام الحسبة ثابتًا ثبات مصدره بينما غيره من أنظمة البشر تتحول وتتبدل تبعًا لأحوال واضعها، ونقصه وعوزه.
المقارنة بين النيابة العامة والحسبة من حيث الاختصاصات والسلطات
أما المُقارنة بين الحِسبة ونظام النيابة العامة من حيث الاختصاصات
مجمل القول فيها:
أنّ اختصاصات الحسبة تكاد تدخل في كل منحًى من مناحي الحياة تقريبًا؛ فهي تدور وجودًا وعدمًا مع ظُهور المنكر، واندثار المعروف، ومع هذا الإجمال؛ فلا بَأسَ أنْ نُفَصِّل بعض تلك الاختصاصات من خلال استعراضنا لهيكل الأنظمة القضائية الأخرى؛ كالقضاء والمظالم والشرطة وغيرها.
فالفُقَهَاء الذين رَتّبوا الولايات الإسلامية على حسب أهميتها، وفي الأمور القضائية بالذات جعلوا الحسبة في المرتبة الثالثة بعد ولايتي "المظالم، والقضاء" وعلى هذا فقد اختصت ولاية الحسبة في الناحية القضائية بالذات خلافًا لاختصاصها الأخرى غير القضائية، بالنظر فيما
стр. 278
رفه عند القاضي -أي: في الأمور اليسيرية التي لا تحتاج إلى تجاحد وبينات وشهود- فإن هذه الأمور إلى المحتسب لا إلى القاضي.
فمن هذا اختص المحتسب بثلاثة أنواع من الدعاوى:
أحدها: ما يتعلق بتطفيف أو بخسٍ في كيل أو وزن.
والثاني: ما يَتعَلَّقُ بغشٍ أو تَدليسٍ في مبيعٍ أو ثمن.
والثالث: فيما يتعلق بمطْلٍ أو تأخيرٍ لدين مُستحق مع القدرة.
وإنما جاز نظره في هذه الدعاوى الثلاث دون غيرها لتعلقها بمنكر ظاهرٍ هو منصوب لإزالته، واختصاصها بمندوب هو مندوبٌ أو مكلفٌ بإزالته.
وعلى هذا كان له أن يُلزم من تثبت عليه هذه الحقوق المُتقدم ذكرها بالخروج منها، ودَفْعُها إلى مُستحقيها.
كما أن من اختصاصات المحتسب في هذا الجانب: أن يتعرض ما يأمر به من المعروف، وينهى عنه من المنكر؛ وإن لم يحضره خصمٌ مستعدٍ أي: مشتك.
ويختص أيضًا في هذا الجانب ويزيد فيه على غيره من الولايات القضائية بقوة السلطنة، وستارة الحماة، فيما يتعلق بالمنكرات وتغييرها.
وفي مخلصٍ مختصر عن اختصاصات المُحتسب نقول: إنّها تكون في حثِّ الناس وإلزامهم إقامة شعائر الدين وسننه، والمحافظة عليها، وفي تغيير كل منكر من المنكرات الأخلاقية السلوكية، داخل المجتمع الإسلامي، وفي مراقبة أهل الحرف والصناعات، ومنعهم من الغش والتجاوز، وفي بذل كل ما في الوسع لنصح الحكام والولاة؛ ففي استقامتهم استقامة للرعية. وقد قيل: "الناس على دين ملوكهم".
стр. 279
ويدخل في اختصاصاته أيضًا: مُحاربة كل البدع والمعتقدات، التي تعارض العقيدة الإسلامية، وكذلك الأفكار والمذاهب الفاسدة، الوافدة على المجتمع المسلم من خارجه.
أما اختصاصات النيابة العامة؛ فتتلخص فيما يلي:
أولًا: النِّيابَةُ العَامّة: هي الجِهَةُ الوحيدة في النظم الحكومية التي تأخذ بالدعوة، والتي تجمع بين الحق في تحريك الدعوة -أي: اتخاذ الخطوة الأولى فيها- وبين مُتابعة السِّير فيها حتى النهاية، وهي تُمَثّلُ الهيئة الاجتماعية في مُباشرتها لسلطاتها بشقيه، وباسمها تُباشر هذه السلطة وذلك بوصفها سلطة اتهام.
ثانيًا: وهي إلى جَانِب ذلك سلطة التحقيق الرئيسية في البلاد التي تأخذ بها، ولأعضائها أيضًا صفة مأمور الضبط القضائي؛ فضلًا عن أن لهم الرئاسة العامة الرئاسة على هؤلاء والإشراف عليهم.
ثالثًا: للنيابة العامة فضلًا عن ما تقدم اختصاصات أخرى تتمثل في:
١ - ترعى مصالح عديمي الأهلية وناقصيها، والغائبين والحمل المستكن.
٢ - وهي تُعتبر طرفًا منظمًا أما محكمة النّقد المَدنية فتُبدي آراءها في جميع الطُّعون بصفة استشارية، دون أن تعد خصمًا أصيل فيه.
٣ - لها أن تُشهر إفلاس التاجر.
٤ - لها مُباشرة الدعاوى التأديبية، التي تنص عليها قوانين مختلفة مثل الدعاوى التأديبية على المحامين.
٥ - ولها وظائف إدارية مختلفة؛ كالأشراف على الأعمال المتعلقة بنقوض المحاكم، ولها الإشراف على السجون، وغيرها من الأماكن التي تُنَفّذ فيها الأحكام الجنائية.
стр. 280
كما خوّل القانون النيابة العامة أن تتدخل اختياريًّا في الدعاوى الآتية:
١ - الدعاوى المتعلقة بالأوقاف الخيرية، والهيئات والوصايا المرصودة للبر.
٢ - دعاوى رد القضاة، وأعضاء نيابة العامة ومخاصمتهم.
٣ - الصُّلح الواقي من الإفلاس.
٤ - كل حالة أخرى يَنُصّ القانون على جواز التدخل فيها.
كما أنّ من اختصاصات رئيس النيابة العامة: إيقاع بعض العقوبات دون الرجوع إلى القضاء؛ ففي المادة ٣٢٥ مُكّرر من قانون الإجراءات الجنائية المصري المُضافة بالقانون ٢٨٠ لسنة ١٩٥٣ والمعدل بالقانون ١١٣٠ لسنة ١٩٥٧، والمعدلة بالقانون ١٧٠ لسنة ١٩٨١: "يَحِقُّ لرئيس النيابة العامة، أو وكيل النيابة العامة من الفئة الممتازة بالمحكمة التي من اختصاصها نظر الدعوى إصدار الأمر الجنائي في المخالفات والجنح، التي لا يوصي القانون الحكم فيها بالحبس أو الغرامة، التي لا يزيد حَدُّها الأعلى عن مائة جنية مصري، ولم يطلب فيها التضمينات وما يجب رده والمصاريف، ولا يَجُوز أن يُؤمر فيه بغير الغرامة التي لا تزيد عن مائة جنية مصري".
المقارنة بين نظام الحسبة ونظام النيابة العامة من حيث الصلاحيات والاختصاصات:
ونرى أنّ بين النظامين أوجه شبه في نقطتين هما:
أنّ كلًّا من النِّيابة العَامّة وولاية الحسبة، تَقُوم في الأساس على مُكافحة المنكرات، وحِمَاية النِّظام العام، وذلك بتوجيه الاتهام والتبليغ عن
стр. 281
الجرائم ومباشرتها أمام القضاء، وإنْ كَان المَيزانُ مُختلفًا؛ فإنّ ما تراه الحسبة مُنكرًا في بعض الأمور، لا تراه النيابة العامة مُنكرًا، وهنا لا يكون التشابه على الإطلاق.
النقطة الثانية: التقاء الحسبة مع نظام النيابة العامة في أن كلًّا منهما يَقُوم بالفَصْلِ في الدعاوى البسيطة؛ حيثُ أنّ المُحتسب يقوم بالفصل فيما رفه عنه القضاء، كدعاوي البخس والتطفيف في الميزان، وكذلك الدعاوى التي تتعلق بالغش والتدليس في المبيع والثمن، كما أنّ القَانُون المصري، وهو من القوانين التي تُطَبِّقُ نظام النيابة العامة أعطاها الحَقَّ في إصدار أوامر جنائية، بعقوبة الغرامة التي لا تتجاوز مائة جنية مصري بالنسبة لبعض الجرائم البسيطة، التي تستلزم سرعة الفصل، وذلك تخفيفًا على القضاء.
ما هي أوجه الاختلاف بين النظامين؟
مِمّا لا شَكّ فيه: أنّ الفرق بينهما يَظْهَرُ بأقل نظر، فهناك مُفارقات واختلافات كثيرة بين النظامين، سواء في الجوهر أو الشكل، وذلك راجع لاختلاف الحاصل في الأسس التي قام عليها كل منهما، وفي الأصل والمصدر؛ ثُمّ في الغاية والهدف.
فكما سبق وكررنا مراتٍِ أنّ نِظَامَ الحِسْبَة قائمٌ على مبدأ رباني عظيم، هو تطبيقٌ عمليٌّ لذلك المبدأ ألا وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومصدره من يعلم ما يصلح خلقه، ويصلح له. أما نظام النيابة العامة فمصدره البشر.
وعلى كل حال، فيمكن أن نجمل اختلافهما في الاختصاصات في النقاط التالية:
أولًا: كما أشرنا في أحدى نقاط التشابه، بأن كلًّا منهما يقوم بمكافحة المُنكرات؛ لكنْ مع تَشابُههما في ذلك؛ فإنّ بينهما أيضًا في هذه النُّقطة اختلافات جَوهريّة؛
стр. 282
فالمنكرات التي تنكرها الحسبة؛ هي نفسها المنكرات التي جاءت في الشريعة الإسلامية، بينما لم يكن هو نفسه ضابط المنكرات التي تتصدى لها النيابة العامة، وإن وافقت الحسبة في إنكار بعضها.
وإذا ما أرَدْنا أن نَعرف المُنكر حَقيقة هو: المُنكر في الشرع؛ والمقنن من البشر، الذي تتحكم فيه عدة نوازع، قد يجعل ما هو معروفًا في الشرع منكرًا، وما هو منكر معروفًا.
النقطة الثانية من الاختلافات: أنّ نظام النيابة العامة لا يتعلق بالمخالفات أو المنكرات التي تقع من المكلفين فقط، وهي ما يُسمى في الإسلام بالمعاصي؛ أمّا نِظَامُ الحِسْبَة في الإسلام؛ فهو يشمل المنكرات جميعًا، بهذا يكون مَجَالُه أوْسع حيثُ يتناول جميع المنكرات التي تقع من المكلفين وغيرهم.
النقطة الثالثة: الحسبة من حيث القيام بها هي الفروض التي يطالب بها كل مسلم على سبيل وجوب العيني أو الكفائي، وسواء وجدت ولاية الحِسْبَة أم لم توجد؛ فإنّ استمرارية وجوب الحِسبة قائمة على أساس ذلك، الوُجوب يُثاب من يقوم بها، ويُعاقب ويُؤاخذ المُجتمع التي لا تقوم فيه، بينما النِّيابَةُ العَامّة منوطة بقيام دولة تنظمها، ليقوم النائب العام بالدعوى العمومية، وسواء قامت بها الدولة أو لم تقم بها فإن ذلك من الأعمال التي الأصل فيها الإباحية. فسواء أقيمت أم لم تقم فما يتعلق بها حكم الوجوب أو المؤاخذة بخلاف ما رأينا في الحسبة.
النقطة الرابعة: كما رأينا فيما تَقَدّم أنّ الحِسبة في شموليتها واتساع نطاق اختصاصها؛ فإنّه ليسَ هُناك مستثنى في المجتمع ولا حصانة؛ فإن الناس داخل المجتمع الإسلامي يدخلون ضمن اختصاصاتها حُكامًا ومحكومين؛ والنصيحة بينهم قائمة، وهِي تمثل الحسبة بخلاف النيابة العامة، فإنها بعملها واختصاصاتها تقفُ عند حدودٍ بالنسبة
стр. 283
للحكام والبرلمانيين والدبلوماسيين؛ ففي تشريعها ما يُسمى بالحصانة؛ إما الدبلوماسية أو البرلمانية.
هذه هي المقارنة بين الحسبة والنيابة العامة من حيث الاختصاصات والصلاحيات؛ أما من حيث سلطات والي الحسبة، ورئيس النيابة العامة، فنقول: قد تقدم الكلام عن اختصاصات الحسبة، بأنّ لهذه الولاية ومن يُمثلها من قوة السلطنة والهيبة والرهبة، ما يردع المخالفين والمشتغلين بالمنكرات، التي تدخل ضمن دائرة عمل المحتسب؛ وما تِلْكَ القُوّة والهيبة إلّا لأنّ المُحْتَسب له من السلطات والصلاحيات التأديبية والعقابية ما يعينه على أداء مهمته.
ولهذا نرى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقرر ذلك فيقول: "إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية؛ فإن الله يذع بالسلطان ما لا يذع بالقرآن". ولذا جَعَل اللهُ وهو الشارع سبحانه لأحكام الدين في يد ولي الأمر أو الذي يفوضه بدوره والي الحسبة سلطات تعزيرية لا ترقى إلى الحدود؛ لإلزام المنحرفين الحق، وأطرهم عليه أطرًا.
وقد تكلمنا بالتفصيل عن الصلاحيات التأديبية التي هي للمحتسب الوالي، ولا مانع أن نعدد بعضها في النقاط التالية:
أولًا: الهَجْرُ: كأنْ يرى الوالي أن يهجر فاعل المعصية مدة محدودة، أو يأمر بعض أعوانه بمقاطعتهم؛ مثل أن يعثر على صاحب محلٍ تجاري قد اشتُهر بالغش، والتدليس والتطفيف.
ثانيًا: الضرب هو أن يضرب المذنب: بشرط أن لا يبلغ بذلك أربعين جلدة، وهو أقل حدٍّ في الإسلام، على رأي من رأى أن حد شارب الخمر أربعون وليس ثمانين. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يعلو بدرته من أرتكب منكرًا.
ثالثًا: النَّفْيُ هو: التّغريب عن الوطن؛ فإنّه يَجُوزُ لوالي الحسبة باستصدار أمرٍ من ولي الأمر؛ بنفي من لديه إجرام، ولم ينفع معه العقاب، أو يخشى من فتنته؛ حتى ولو لم يُعاقب كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ بنفي نصر بن حجاج الذي افتتنت به النساء في عهده؛ وكما فعل أبو بكر ﵁ بنفي أحد المخنثين، ونفى عمر من شرب الخمر إلى خيبر.
رابعًا: الحَبْسُ: ويَكُون ذلك في حالات مُعَيّنة حسب نوع الذنب الذي ارتكبه المُخالف، أو إذا تكرر منه فعل الذنب، ولم يستفد من النُّصح، وما هو قبل الحبس من درجات إنكار المنكر.
خامسًا: التشهير: والمقصود به إعلان ذنب المُذنب؛ ليكون جزاءً له، وردعًا لغيره مما يحاول إتيان فعله.
سادسًا: العقوبة المالية: وبها عزَّر رسول الله ﷺ عندما أباح سَلَبَ من يصطاد في حرم المدينة؛ لمن وجده وأمر بكسر دنان الخمر.
وهذه الصور التي تقدمت هي من أقصى العقوبات التي تدخل ضمن سلطات والي الحسبة، وهناك سلطات تأديبية أخرى أخف، وهي في العادة لا يحتاجُ المُحْتَسبُ فيها إلى إذن ولي الأمر ومنها:
أولًا: الإعْلَامُ: وصورته أن يقول المحتسب الوالي لفاعل المعصية: لقَدْ بلغني عنك أنك فعلت كذا وكذا، وذلك بقصد نهيه عن الوقوع في الذنب والمعصية مرة أخرى.
ثانيًا: الوَعْظُ: وصورته أن يعظ الوالي المذنب ويخوفه بعذاب الله، ويأمره بتقوى الله، ويُبين له حُرْمَة ما وقع فيه من الذنب، ويوضح له مَغَبّة عمله في الدنيا والآخرة.
ثالثًا: العِتَاب: التي تَشُوبه الحكمة، ولا يدخله التسرع والتشنج الذي قد يفسد ولا يصلح.
رابعًا: التَّهْدِيدُ والتّخويف: ويَلجأ إلى هذا الأسلوب هو نوع من سلطاته، عندما يُظهر المُذْنِبُ عَدَمَ المبالاة، والاكتراث بما يسمع من النصح؛ فعند إذن يهدده والى الحسبة بأنه إذا عاود فعل الذنب مرة أخرى؛ فسوف يعاقبه.
أما سلطات النائب العام: فإنّ المُلتمس لصلاحيات وسلطات النائب العام في كتب القانون والإجراءات الجنائية، لا يجد سوى بعض الصلاحيات في الناحية المالية، لا تتعدى في مُجْمَلِها مائة جنية، وقد سبقت الإشارة إليه في اختصاصات النيابة العامة، والإذن بإصدار الأوامر الجنائية في بعض الجنح. والتي تتلخص في:
- إهانة أو تهديد موظف عمومي، أو أحد رجال الضبط، أو أي إنسان مكلف بخدمة عمومية، أثناء تأدية وظيفته أو بسبب تأديتها، والجرح أو الضرب دون
стр. 284
سبق إصرار أو ترصد لم ينشأ عنه عاهة مستديمة، والذي يَحْتَاجُ في علاجه إلى فترة تقل عن عشرين يومًا، وكل سبب لا يشتمل على إسناد واقعة معينة، والحرق الناشبُ بإهمال، وما يتعلق بالسيارات وقواعد المرور.
والحكمة التي من أجلها أعطي الحق لوكلاء النائب العام في إصدار الأوامر الجنائية في الحدود، التي رسمها القانون هي سرعة الفصل في القضايا البسيطة الأهمية بعقوبة الغرامة التي لا تتجاوز مائة قرش مصري، وهي عقوبة يغلب أن يرتضيها المحكوم عليه.
فإذا عرفنا هذا نقول: على ضوء ما تقدم نلحظ الفرق الواضح بين السلطات التي تمنحها الشريعة الإسلامية لوالي الحسبة، وبين تلك التي يتمتع به النائب العام ونوابه؛ فَلم يَكُن هناك من تَشَابُه إلّا في أنّ كُلًّا مِنْهُما له الحق من الناحية القضائية في أن يُصْدِر بعض الأوامر الجنائية، في بعض المُخالفات البسيطة، وفي حدودٍ معينة تخفيفًا على القضاة في هذه المخالفات، التي تحتاج إلى البت فيها بسرعة.
لكن من الناحية الثانية: نجدُ أنّ بينهما في السلطات اختلافات كثيرة لا سيما في التعازير؛ فإن ما في يد والي الحسبة منها أكثر بكثير ما للنائب العام، فوالي الحسبة يُعزر بما يتَوافق وحال المذنب، وتَتدرج معه العقوبة بناءً على ذلك من الإعلام والوعظ والإعراض إلى التأنيب والضرب والغرامة المالية، والحبس والنفي من البلد، وهذه أشد بكثير من تلك التي يملكها النائب العام.
ونحن لمّا نُقَرّر هذه الصلاحيات والسلطات لوالي الحسبة؛ فإننا لا نَهْدِف إلّا أن نُثبت أن الشريعة الإسلامية التي نصت على هذه الصلاحيات، والتي أصّلها ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين, هي التي تعلم ما يُصلح الإنسان.
стр. 285
فهذه الصلاحيات جعلت في يدي والي الحسبة لتكون عونًا له على إصلاح ما اعوج من أمر الناس، إذ بدون وجود مثل هذه الصلاحيات؛ فلن يكون للجهود التي يَبْذُلها الثمرة المرجوة، لأن المخالفين والمجرمين الذين يعنيهم عمله لا يمكن أن ينسلوا عن إجرامهم ومجونهم؛ إلّا أن شعروا أنّ هُنَاك ما يردعهم، فكان وضع هذه الصلاحيات وغيرها في يد والي الحسبة، ومنحها له هو من باب السياسية الشرعية التي غايتها الصلاح والإصلاح.
وهنا يتبين لنا سعة صلاحية والي الحسبة، في المقارنة بينه وبين صلاحيات النائب العام.
وفي الختام في شأن هذه البدائل المُدّعاة والمزعومة عن الحسبة؛ فإنه مهما حاول المبطلون والناكبون عن صراط الله المستقيم، أن يوجدوا نظامًا يُضاهي أو يُقارب ما جاء من عند الله فلن يكون لهم ذلك، ولكنه التقليد الأعمى، وترك الأخذ بشريعة ربهم، هو الذي أغفلهم عن ما في تراثهم الإسلامي التليد، من أنظم حضارية الحسبة واحدة منها.
فهل لنا أن نعود إلى شرع ربنا، وأن نطبق حكم الله وأن نعود إلى ذلك النظام الجميل البديع نظام الحسبة، ألم نسمع قول الله ﵎: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: ٥٠).
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →