← Адаб

Адаб · id 8501

الأدب وفنونه - دراسة ونقد

عز الدين إسماعيل

Полный текст (182 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

هذا النوع. مثال ذلك قصة "روبنسون كروزو"١، فالأشياء فيها تتحدث، والشخصيات تلتقي وتفترق، ولكنها ليس لها عمود فقري بنائي واضح، أو وحدة عضوية, وليس من الضروري لكاتب في هذه الحالة أن يعرف كل تفصيلات القصة قبل أن يبدأ كتابتها، بل يكفي أن يكوّن في ذهنه معرفة عامة بالطريق الذي ستتبعه القصة. أما في الصورة البنائية العضوية فإن القصة مهما امتلأت بالحوادث الجزئية المنفصلة الممتعة فإنها تتبع "تصميمًا" عامًّا معقولًا. وفي خلال هذا التصميم تقوم كل حادثة تفصيلية بدور حيوي واضح, فهناك شيء أكثر من مجرد الفكرة العامة عن مسار القصة. فالخطة كلها لا بد أن تعد بصورة مفصلة، وأن تنظم الشخصيات والحوادث بحيث تشغل أماكنها المناسبة، وأن تؤدي كل الخطوط إلى النهاية. وينبغي أن يكون واضحًا أن الصورة البنائية تختلف من نوع قصصي إلى آخر؛ فالصورة البنائية التي تتمثل في الرواية لا يمكن أن تصلح لبناء قصة قصيرة, والصورة البنائية الأولى التي سبق ذكرها هي أنسب صورة للرواية، في حين أنها لا تصلح للقصة القصيرة. والصورة الثانية تصلح للقصة دون القصة القصيرة؛ لأن القصة القصيرة بحكم طبيعتها تتطلب صورًا بنائية خاصة. وأبسط صورة لبناء القصة -وهي الصورة المألوفة بصفة عامة- هي تلك التي تتمثل بين طرفي الصراع، وهما الهدف والنتيجة. فإذا كان "أ" يهدف إلى الزواج من "ب" برغم منافسة "ج" وممانعة "د" فإنه إما أن ينجح أو يخفق, ونجاحه هو النتيجة. وهو في سبيله إليها سيصادف حوادث مفاجئة كثيرة تقربه من النجاح حينًا ومن الإخفاق حينًا، وهذه الحوادث المفاجئة يمكن أن تقع فوق الخط المستقيم وأسفله، ذلك الخط الذي يمتد بين طرفين هما الهدف والنتيجة، والذي يخترقه خط الحركة في القصة عدة مرات في اجتيازه من مفاجأة نجاح إلى مفاجأة إخفاق، حتى يتصل أخيرًا بالخط المستقيم عند نهايته أو أسفله، تبعًا للهدف الأخير أو فقدان الهدف الرئيسي من حركة القصة٢. والشكل الآتي يوضح هذه الصورة:

стр. 107

وينقسم هذا الخط عادة إلى عدة مراحل، فيبدأ بالمقدمة التي قد تشغل فصلا أو أكثر من أول القصة، وفيها نعرف الأشياء اللازمة لفهم ما سيأتي. ثم تبدأ "الواقعة الأولى" وتبدأ معها عملية البناء. ثم تأتي بعد ذلك "الحوادث المفاجئة" وهي تفقد قيمتها الفنية إذا لم تأت منطقية في موضعها. وينمو "الصراع" مع نمو "الحركة" في القصة حتى نصل إلى أقوى الحوادث إثارة وهي عادة تتمثل في أشد المواقف تعقيدًا في عملية البناء، أي: فيما يسمى بذروة التعقيد. ثم تبدأ الأشياء في مرحلة "التنوير denouement"، وهذه المرحلة تفتح طرقًا مختلفة إلى نهاية القصة. وهي في القصص ذات "النهاية السعيدة" تزيل العراقيل التي تعوق الوصول إلى الهدف الرئيسي، وعندئذ تظل في حاجة لرؤية كيف يتم ذلك في الواقع. أما في قصص "المآسي" فإن مرحلة التنوير تشمل مواجهة عقبة على الأقل هي غاية في الصعوبة للوصول إلى الهدف الرئيسي. وهنا يجب أن نعرف ما سيحدث للناس الذين صادفهم سوء الحظ. وفي تطور القصة من مرحلة التنوير إلى نهايتها الحقيقية "وهي المرحلة التي تعرف فنيا بالكارثة catastrophe" يتمثل "القرار الحاسم resolution" وهي مرحلة تحتاج إلى مهارة؛ لأنه في هذا الموضوع -أكثر من أي موضوع آخر- غالبًا ما يفقد القارئ تشوقه بسهولة. هذه هي الصورة البسيطة لبناء هذه القصة، وهناك بطبيعة الحال صور أخرى معقدة لا تحصى. ٤- الشخصية: إن الأشخاص يشغلون جزءًا كبيرًا من حياتنا إذا نحن قدرنا ألوان التفاعل التي تتم بيننا وبينهم، والتي تثير كثيرًا من المشاعر، وألوانًا من العطف، وتولد الفكرة أثر الفكرة. والقصة معرض لأشخاص جدد، يقابلهم القارئ ليعرفهم، ويتفهم دورهم، أو يحدد موقفهم "وطبيعي أنه من الصعب أن نجد بين أنفسنا وشخصية من الشخصيات التي لم نعرفها ولم نفهمها نوعًا من التعاطف. ومن هنا كانت أهمية التشخيص characterization في القصة، فقبل أن يستطيع الكاتب أن يجعل قارئه يتعاطف وجدانيا مع الشخصية، يجب أن تكون هذه الشخصية حية، فالقارئ يريد أن يراها وهي تتحرك، وأن يسمعها وهي تتكلم، يريد أن يتمكن من أن يراها رأي العين"١. وكما رأينا أن هناك نوعًا من القصة يعرف بقصة الحادثة, فإن هناك أيضًا "قصة الشخصية" في الأولى تتمثل الوقائع events وفي الأخرى المواقف attitudes. في الأولى يكون الاهتمام بالحادثة أولا ثم تختار الشخصيات المناسبة، وفي الأخرى يكون العكس.

стр. 108

على أن الشخصيات ذاتها في القصة نوعان: نوع يمكن أن نسميه "الشخصية الجاهزة flat character" أو المسطحة، وهي الشخصية المكتملة التي تظهر في القصة -حين تظهر- دون أن يحدث في تكوينها أي تغير، وإنما يحدث التغير في علاقاتها بالشخصيات الأخرى فحسب, أما تصرفاتها فلها دائمًا طابع واحد. والنوع الثاني يمكن أن نسميه "الشخصية النامية round character"، وهي الشخصية التي يتم تكوينها بتمام القصة، فتتطور من موقف إلى آخر، ويظهر لها في كل موقف تصرف جديد يكشف لنا عن جانب جديد منها, والذوق الحديث يفضل النوع الثاني من الشخصية١. ومن القصص التي تهتم بالشخصية نوع يسمى "البيكارسك Picaresque"، وقد ازدهر في القرن السادس عشر، وفيه يتناول الكاتب شخصية أساسية خلال سلسلة متتابعة من المشاهد، كما يقدم مجموعة كبيرة من الشخصيات. ومن خلالها يقدم الكاتب نوعًا من المعلومات، كما يرسم صورة للمجتمع. والفرق بين هذا النوع من القصة وبين الرواية هو أن البيكارسك واقعية، في حين أن الرواية تحكي عادة مغامرات خيالية. وأوضح مثال لهذا النوع في أدبنا هو قصة "الأرض" للكاتب عبد الرحمن الشرقاوي، فليس فيها حادثة ولكن مجموعة من الوقائع التي ارتبطت بالشخصيات ذاتها. والشخصيات نفسها شخصيات جاهزة نتعرف عليها منذ أن نقابلها، ولا يكاد موقفها في الغالب يتغير، وهي في خلال القصة تمر بنا في مشاهد مختلفة تؤكد ذاتها، وقد تكرر نفسها، ولكنها مشاهد واقعية حية، ومن خلالها رسم الكاتب صورة للمجتمع الريفي. على أن انقسام القصة إلى قصة حادثة وقصة شخصية لا يتمثل بهذه الحدة، وكل ما في الأمر أن كاتبًا يولي الشخصية اهتمامًا أكبر، وآخر يهتم بالحادثة، ولكن القصة ذاتها لا يمكن أن تخلو خلوا تاما سواء من الشخصية أو الحادثة. وهناك من يعادل في الأهمية بين الشخصية والحادثة، فيعطي هذه من العناية ما يعطيه تلك, وبذلك يظهر نوع جديد من القصة "يسمى Old morality" هي القصة التي تجمع بين طابعي القصة السردية, والقصة التشخيصية٢. ٥- الزمان والمكان: كل حادثة تقع لا بد أن تقع في مكان معين وزمان بذاته, وهي لذلك ترتبط بظروف وعادات ومبادئ خاصة بالزمان ولمكان اللذين وقعت فيهما. والارتباط بكل

стр. 109

ذلك ضروري لحيوية القصة؛ لأنه يمثل البطانة النفسية للقصة. ويسمى هذا العنصر "setting"، ويقوم بالدور الذي تقوم به المناظر على المسرح بوصفها شيئًا مرئيًّا يساعد على فهم الحالة النفسية للقصة أو الشخصية، فهو هنا يقوم بنفس الدور الذي تقوم به الموسيقى المصاحبة للمسرحية أو القصة السينمائية. وأخيرًا يصبح التصوير مهمًّا أحيانًا، حتى إنه يكاد يقوم بدور الممثل في القصة، أي: تكون له قوة درامية١. وهناك نوع من القصة يسمى "قصة الحقبة"، وهي قصة لا تحاول أن تطلعنا على الحقيقة الإنسانية التي تصدق في كل عصر، بل تكتفي بمجتمع في مرحلة انتقال، وبالشخصيات التي لا تكون حقيقية إلا بمقدار تمثيلها لذلك المجتمع٢. وقصة "أنا الشعب" التي سندرسها في نهاية هذا الفصل تمثل هذا النوع. ٦- الفكرة: يتساءل القارئ المتوسط عن "الإطار" في القصة، وهو يعني بذلك عادة "ماذا حدث؟ "، ولكن عندما نحلل القصة لا يكون لهذا السؤال من الأهمية ما يكون لسؤالنا: لماذا حدث؟ صحيح أن نهاية كل قصة تعطي نوعًا من النتيجة، فهناك شيء "يحدث" حقا, ولكن أسباب هذه النتيجة أكثر أهمية من الحوادث الواقعة ذاتها، فخلف الحوادث يقع المعنى. وهذا المعنى يقبله القارئ أو يرفضه، معتمدًا على ما إذا كان المؤلف قد كان قادرًا على إقناعه بأن النتيجة تتفق سواء مع خبرته بالحياة أو مع الحياة كما يصورها المؤلف٣. فالقصة إذن إنما تحدث لتقول شيئًا, لتقرر فكرة، فالفكرة هي الأساس الذي يقوم عليه البناء الفني للقصة. "والموضوع الذي تبنى عليه القصة لا يكون دائمًا إيجابيا في أثره، فمع أنه يجب أن يقرر -بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- حقيقة عن الحياة أو السلوك الإنساني فإنه غير مطالب بأن يحل مشكلة. وقد بين كاتب القصة القصيرة الروسي العظيم "تشيكوف"٤ ذات مرة لصديق شاب أن هناك فرقًا بين حل المشكلة ووضعها وضعًا صحيحًا، فيكفي الفنان -كما قال- أن يصور مشكلته تصويرًا صحيحًا"٥.

стр. 110

وحين نبحث عن مصدر إعجابنا بقصة قرأناها سنجد أن فكرتها كان لها أثر في هذا الإعجاب. ولكن هل نحن نقرأ العمل الفني لفكرته فحسب!! إن القصة صورة للحياة، ونحن نعرف الحياة معرفة جيدة وننتظر من القصة دائمًا أن تكون صادقة، حية، مقنعة، كالحياة الواقعة. ولكن القصة تمتاز بأن لها صورة فنية خاصة، فالكاتب يقدم إلينا قصة -وقصة بالذات- حين يقدم إلينا فكرة. وهنا تحدث مفارقات غريبة، فقد تكون القصة ناجحة من حيث الإطار الفني, ولكنها تنطوي على فكرة لا تروقنا. وهناك أيضًا قصص ممتلئة بالحياة، ومع ذلك تفقد الشكل الفني. وأوضح مثال لذلك قصة تولستوي١ الشهيرة "الحرب والسلام"، فنحن نعجب بها برغم افتقارها إلى الوضوح الشكلي. يقول عنها "لبوك": "إن عمل القصاص أن يخلق الحياة، والحياة هنا قد خلقت بلا جدال، والذي ينقص هو الرضا الناتج عن الصورة السوية المتماسكة. وكان من الخير وجودها، هذا كل ما في الأمر، ولكننا قد حصلنا على قصة رائعة بدونها"٢. ومعنى هذا أن مصدر إعجابنا لا يمكن دائمًا أن يحدد بقاعدة؛ لأننا في كل قصة ينكشف لنا شيء جديد, ولكن المؤكد أن القصة -ككل عمل فني- لا يتحدد لها شكل حتى تتحقق فيها فكرة الكاتب, فتحقق الفكرة يفترض بالضرورة وجود شكل. لتكن فكرة الكاتب في موضوع كموضوع الخيانة الزوجية مثلا أن الزوج هو المسئول عن خيانة زوجته إياه. فهو لكي يحقق هذه الفكرة يبني قصته على النحو الذي يحققها, فإذا نحن أعجبنا بفكرة القصة فإننا نكون في الوقت نفسه قد أعجبنا بالصورة التي أديت فيها هذه الفكرة, وأي خلل في هذه الصورة سيكون له أثره في الفكرة. وبعبارة أخرى فإن فكرة أي قصة تتحقق بتحقق القصة ذاتها. وكما أن هناك أنواعًا من القصة تعنى عناية خاصة بالحادثة أو بالشخصية، فهناك القصة التي تهتم اهتمامًا أكبر بالفكرة، ويقل الاهتمام فيها بالتشخيص وبالسرد. ومعنى هذا أن الشخصيات تتصرف وفقًا لفكرة الكاتب لا تبعًا لتكوينها الخاص, وبذلك قد تكون تصرفاتها منطقية، ولكنها برغم ذلك لا تكون مؤثرة؛ لأنها فقدت حريتها أمام التوجيه الخاص الذي يوجهها به المؤلف، ففي قصة الفكرة يغلب الجانب المنطقي جانب الضرورة، ويقل جانب الحرية، ولا تتساوى أهمية المنطقية والتلقائية، أو لنقل: الضرورة والحرية، إلا في نوع خاص من القصة يسمى "القصة الدرامية"، ففيها تتصرف

стр. 111

الشخصيات تصرفات منطقية أو التصرفات الضرورية، ولكنها في الوقت نفسه تصدر عن الشخصيات ذاتها وهي في كامل حريتها، لا مسيرة كما يريد الكاتب، وقصة "مرتفعات وذرنج" للكاتبة "إميلي برونتيه"١ أوضح مثال لهذا النوع. هذه هي عناصر الفن القصصي، والدور الذي يقوم به كل عنصر في أنواع القصة المختلفة، التي تهتم بعنصر أكثر من اهتمامها بغيره. على أن الأنواع القصصية الرئيسية يفرق بينها عادة بفروق فنية أخرى. وهذه الأنواع في: الرواية، القصة، القصة القصيرة، الأقصوصة٢. والرواية Romance هي أكبر الأنواع القصصية من حيث الحجم، وهي ترتبط بالنزعة الرومانتيكية ونزعة الفرار escapism من الواقع، وتصوير البطولة الخيالية. وفيها تكون الأهمية للوقائع، حتى إن "سانتسبري" يميز الرواية بأنها قصة الواقعة، عن القصة Novel التي هي قصة الشخصية والدافع٣.

стр. 112

القصة القصيرة: وقد تحدثنا فيما مضى عن القصة كثيرًا. أما القصة القصيرة فقد قال عنها أعظم كتابها الأمريكيين "إدجار ألان بو"١: "إن القصة القصيرة بحق تختلف بصفة أساسية عن القصة بوحدة الانطباع Imperssion. ويمكن أن نلاحظ بهذه المناسبة أن القصة القصيرة غالبًا ما تحقق الوحدات الثلاث التي عرفتها المسرحية الفرنسية الكلاسيكية، فهي تمثل حدثًا واحدًا يقع في وقت واحد. وتتناول القصة القصيرة شخصية مفردة أو حادثة مفردة أو عاطفة، أو مجموعة من العواطف التي أثارها موقف مفرد"٢. وفي هذه العبارة إيجاز لطبيعة القصة القصيرة لا إيجاز بعده، ولم يفت "بو" أن يتحدث عن حجم القصة القصيرة، فقد حدد ذلك بمقياس زمني حين قرر أنها "تتطلب

стр. 113

من نصف ساعة إلى ساعة أو ساعتين لقراءتها قراءة دقيقة"١. وجميع النقاد يتفقون على المبادئ الأساسية التي وضعها "بو" للقصة القصيرة، ولكننا قد نجد من يختلف في مسألة التحديد الزمني، فمنهم من يحدد مدة قراءتها بين ربع ساعة وثلثها. وفي تعريف "هـ. ج. ولز" لها ذهب إلى أنها تقرأ في أقل من ساعة٢. وربما كان التحديد الزمني يتأثر بمدى سرعة القراءة؛ ولذلك كان من الأفضل تحديدها في المكان. يقول "موزلي": "إنني أوافق على أن الإنسان لا يستطيع أن يحدد بدقة طول القصة القصيرة، ولكنني أعتقد أن الغالب أن أي قصة تقع في أقل من ٥٠٠ كلمة من الأفضل أن تسمى Sketch، وأن أي قصة تقع في أكثر من ١٠٠٠٠ كلمة من الأفضل أن توصف بأنها قصيصة Novelette، وعندي أن القصة القصيرة بحق ينبغي أن تتراوح في الطول بين ١٥٠٠ و١٠٠٠٠ كلمة"٣. ومهما يكن من أمر فليس هذا التحديد غاية في ذاته، ولكنه مهم لما يترتب عليه؛ لأن الحيز الضيق يؤثر في اختيار الموضوع, وطريقة السرد، وبناء الحادثة، والصياغة اللفظية، وكذلك في الصورة العامة للعمل الأدبي. وهنا لا يلتبس تلخيص الرواية الطويلة في صفحات قليلة بالقصة القصيرة، والفرق بينهما هو الفرق بين الموضوع الحي المعروض في صورة عضوية متفاعلة الأجزاء متكاملة العناصر، والموضوع الجامد الذي يغلب عليه طابع التجريد والتلخيص. فالقصة القصيرة من الممكن أن تجتاز بالقارئ فترة زمنية طويلة، كما تصنع الرواية، ولكن يحدث الفرق هنا في طريقة العرض. فالتفصيلات والجزئيات التي تملأ كل يوم وكل ساعة في تلك الفترة الزمنية لا حاجة لكاتب القصة القصيرة بها، بل إنه يجتاز كل شيء لينتقل مباشرة من لمسة من لمساته للموضوع إلى أخرى، مجتازًا بذلك من الزمن فترة قد تطول وقد تقصر. فطريقة العلاج ترتبط ارتباطًا حيًّا بالموضوع، وهذا -من جهة أخرى- فرق جوهري بين القصة القصيرة والطويلة. فلينتقل كاتب القصة القصيرة في الزمن كيف شاء، وليجتز الشهور والسنين، ولكن الذي يجعل عمله قصة قصيرة -برغم ذلك- هو الوحدة الزمنية التي تتمثل في القصة. فلا بد في القصة القصيرة من هذه الوحدة الزمنية التي ترتبط بين لمساته المتباعدة في الزمان. وهذا طبيعي إذا عرفنا أن القصة القصيرة في عمومها لا تتجاوز الفكرة الواحدة، فحسب كاتب القصة القصيرة الناجحة أن يصور هذه الفكرة أو تلك في

стр. 114

قصته، لا مجموعة من الأفكار، مهما يكن بينها من ارتباط، كما هو الشأن في القصة الطويلة١. وما يقال عن الزمان يقال عن الشخصيات، فالقصة القصيرة تفضل أقل عدد ممكن من الشخصيات، خلافًا للقصة والرواية، حيث يكثر الأشخاص. فليس في القصة القصيرة فرصة لرسم هذا العدد الكبير من الشخصيات؛ لضيق الحيز من جهة، ولأن القصة ذاتها لم تنشأ لتحليل عدد كبير من الشخصيات من جهة أخرى؛ ومع ذلك فمن الممكن أن تكثر الشخصيات في القصة القصيرة، ولكنها لا بد أن تكون في مجموعها وحدة، أي أن يجمعها غرض واحد، تمامًا كما تحدث "بو" عن العواطف الكثيرة التي قد تتضمنها القصة القصيرة، على أن تكون قد أثارها موقف واحد. كل هذا يجعل صفة "التركيز" أساسية في القصة القصيرة، فهي أساسية في الموضوع، وفي الحادثة وطريقة سردها، أو في الموقف وطريقة تصويره، أي: في لغتها. ويبلغ التركيز حد أنه لا تستخدم لفظة واحدة يمكن الاستغناء عنها، أو يمكن أن يستبدل بها غيرها، فكل لفظة تكون موحية، ويكون لها دورها، تمامًا كما هو الشأن في الشعر. أما الرواية فهي في رأيي الصورة الأدبية النثرية التي تطورت عن الملحمة القديمة, وقد كان ظهورها مرتبطًا في أوروبا -كما يذهب "كتل Kettle"- بالنظام الإقطاعي الذي ساد العصور الوسطى، فالرواية كانت الأدب الأرستقراطي غير الواقعي للنظام الإقطاعي. وهي لم تكن واقعية بمعنى أن الهدف منها لم يكن لمساعدة الناس مساعدة إيجابية في حل المشكلات المتعلقة بأمور الحياة، ولكن للانتقال بهم إلى عالم مثالي مختلف عن عالمهم هو أجمل منه وأحسن. وكان أرستقراطيًّا لأن الاتجاهات التي عبر عنها، والتي أوصى بها، كانت -على وجه التحديد- الاتجاهات التي ترغب الطبقة الحاكمة في تشجيعها لكي يظل وضعها المكتسب مستمرًّا إلى الأبد. وأما القصة فقد كان ظهورها -في رأي من الآراء- رد فعل لرواية العصور الوسطى وما بعدها في القرنين السادس عشر والسابع عشر من روايات، وفي رأي آخر نتيجة لظهور شعب قارئ والحاجة إلى ما يقرأ من مادة أدبية. وقد احتلت القصة في القرن الثامن عشر في إنجلترا مكان المسرحية الشعرية. "وقد كانت القصة أنجح في تصوير الشخصية -وهي تعمل وتتحرك- من المسرحية. ثم إن العقول التي كان من الممكن أن تجتذبها المسرحية في العصور الأخرى اجتذبها القصص"٢. وقد يقال: إن القصة ظهرت بظهور طبقة البرجوازية التجارية القوية التي تمثل الطبقة الوسطى. وهذه

стр. 115

الأسباب تصور جزءًا من الحقيقة، ولكن "كتل" يربط بينهما وبين الثورة الإنجليزية، تلك الثورة التي لم تكتفِ بأن تطور علاقات الناس الاجتماعية، بل امتدت إلى تطوير نظرتهم إلى الحياة وفلسفتهم وفنهم. وأما القصة القصيرة فهي حديثة العهد في الظهور، وربما أصبحت في القرن العشرين أكثر الأنواع الأدبية رواجًا. وقد ساعد على ذلك طبيعتها والعوامل الخارجية. أما من حيث طبيعتها فقد أغرت كثيرًا من الشبان بكتابتها، برغم أنها في الحقيقة أصعب أنواع القصص؛ ولذلك يخفق ٧٠% على الأقل في كتابتها. وأما من حيث العوامل الخارجية فقد تميز عصرنا بالآلية والسرعة، وظهرت مئات الصحف والمجلات التي تحتاج كل يوم لمئات القصص. وهي بحكم الحيز والناحية الاقتصادية تفضل القصة القصيرة. والإذاعة كذلك -لأنها بحكم عامل الزمن لا تستطيع أن تمنح المتحدث أكثر من ربع ساعة- قد ساعدت على رواج القصة القصيرة. والناس أنفسهم قد أخذتهم السرعة، فهم في كل مظاهر حياتهم ميالون إلى التخفف والبساطة, وكان هذا طابعهم فيما يختارون للقراءة، فوجدوا في القصة القصيرة ما ينشدون. ثم لا ننسى عامل القلق الذي يسود الإنسانية، والذي لا يتيح للناس الحالة النفسية اللازمة لقراءة قصة طويلة أو رواية تحتاج إلى استرخاء ذهني ونفسي, أمدًا بعيدًا، كما كان الشأن في القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوروبا، يوم كانت الرواية تطول وتطول إلى أن تملأ المجلدات, ويجلس إليها القارئ يقطع بقراءتها ليالي فصل الشتاء الطويلة. ومن الصعب أن نجد تحديدًا نهائيًّا لمنهج القصة القصيرة، برغم اتفاقنا على مجموعة من الأصول والظواهر العامة التي تبرز في هذا الفن. فبرغم الإطار الضيق نسبيا الذي تتحرك فيه القصة القصيرة، ما زال هناك تنوع ملحوظ في المناهج التي يتبعها كتاب هذا الفن. وكل من هؤلاء الكتاب إنما يصدر عن تصور خاص لعوامل التأثير في القصة القصيرة وفي الهدف منها، فهم -بعبارة أخرى- يختلفون في المنهج من حيث الغاية, والوسيلة. المؤكد أن غاية الجميع هي أن يبدعوا عملا فنيا، فهم في ذلك متفقون لا محالة، وإنما يقصد بالغاية هنا الغاية التي يحققها كل منهم بالنسبة لقارئه. فمن الكتاب من يحرص على أن يقول للقارئ كل شيء تفصيلا، وألا يترك للقارئ شيئًا يستكشفه بنفسه، أو يترك له فرصة استنباط شيء وراء المواقف ووراء الكلمات.

стр. 116

وهذا النمط من الكتاب يعنى في الغالب بعنصر الحادثة في القصة التي يكتبها, ومن ثم يركز الكاتب كل عنايته في سرد المواقف والعناية بالأسلوب, وقصص محمود تيمور القصيرة تمثل هذا النمط أحسن تمثيل. ومن الكتاب من يؤثر التركيز على الشخصية، يرسمها في أناة ودقة، ويجعلها المحور الذي تدور حوله كل الأحداث المتعلقة به، ومن ثم لا يرد من المواقف والأحداث في القصة إلا ما يجلو الشخصية، بغض النظر عن تناسق هذه المواقف بعضها مع بعض، أي: بغض النظر عن كون هذه المواقف تمثل في مجموعها -أو لا تمثل- حكاية متماسكة. ثم هناك القصة القصيرة ذات الطابع الرومانتيكي. وفي هذا النمط يركز الكاتب على عواطف الشخصية أو الشخصيات التي يصورها، وكثيرًا ما نجد الكاتب في هذه الحالة يرتاد الموضوعات التي تتيح له مستوًى عاليًا من العاطفة، وكثيرًا ما يكون الموضوع ذا طابع مأساوي. وقريب من هذا النمط القصة القصيرة ذات الطابع الشعري. وفيها تختفي الحادثة تمامًا أو تكاد، فهي لا تتضمن سلسلة متصلة من المواقف، وهي كذلك لا تعنى برسم الشخصية، وإنما تتكون من انبثاقات عاطفية شتى، نابعة من موقف شعوري بعينه يلحّ على الكاتب, ويضغط على نفسه كما هو الشأن في القصيدة. ثم هناك القصة القصيرة التي تهتم بالفكرة، وهي نوعان: رمزية، وأسطورية. وفي هذا النمط يستغل الكاتب الرموز الشعبية والأساطير الجاهزة في أن يضمنها وجهة نظر خاصة أو فكرة خاصة، وفي هذه الحالة لا يأخذ الكاتب من الرمز أو الأسطورة إلا الإطار العام. ثم هناك كذلك القصة القصيرة الكاريكاتورية، وفيها يهتم الكاتب بالموقف والشخصية معًا، ولكنه يرسمها بطريقة الكاريكاتير، فيجرد الشخصية والموقف من العناصر العادية، ولا يلتفت فيها إلا إلى البارز المميز ذي الدلالة الخاصة فيجسمه, ويضخمه لكي يلفت النظر إليه، تمامًا كما يصنع رسام الكاريكاتير١.

стр. 117

وليس هذا إحصاء لمناهج القصة القصيرة، وإنما شئنا هنا أن نقدم مجموعة من المناهج البارزة الشائعة. وما يزال كتاب القصة القصيرة يطلون علينا بين الحين والآخر بكشوفهم الجديدة في هذا الميدان، فيزيدون هذا الفن ثراء وتنوعًا، ويعملون -بطريقة غير مباشرة- على تطوير هذا الفن. وقد عرفنا أن هناك نوعًا من القصص لا هو بالقصير ولا هو بالطويل ولكن بين بين، وهو ما أطلقنا عليه اسم القصيصة، تصغيرًا لاسم القصة. وهذا النوع غير ذائع نسبيًّا، فقليلون من يكتبونه أصلًا، والذين يكتبونه لا يتخذون منه نوعًا مميزًا لنتاجهم الفني. ومن أبرز من عالجوا هذا النوع في أدبنا القصصي يحيى حقي. وكما يقل بين الكتاب إنتاج هذا النوع يقل كذلك النوع الآخر الذي سميناه بالأقصوصة، أي: القصة الأقصر من القصيرة، وأغلب ما يدور هذا النوع الأخير حول مشهد صغير أو فكرة جزئية أو مجرد الفكاهة أو اللمسة النفسية. قصة أنا الشعب "دراسة تطبيقية": هذه هي الخطوط العامة لنظرية "فن القصص"، وواضح أن المجال لا يتسع هنا لدراسة تطبيقية تمثل كل تلك الأنواع والأنماط، ومن ثم فإننا نكتفي بنموذج لدراسة إحدى القصص. أما القصة فهي قصة "أنا الشعب"، وأما مؤلفها فهو الكاتب المشهور الأستاذ محمد فريد أبو حديد. وهو مشهور في أكثر من ميدان ولكن ربما كانت شهرته الأدبية راجعة أولًا إلى نتاجه الأدبي القصصي الممتاز، سواء منه التاريخي وغير التاريخي. والحادثة في هذه القصة حادثة بسيطة، وإن كانت قد أخذت شكلًا معقدًا نوعًا ما؛ لكثرة ما تداخل فيها من المواقف الجزئية التي قد يكون لها أهميتها في بعض الأحيان، ولكنها كانت كذلك في أحيان أخرى لا يكاد يكون لها أثر ملحوظ في سياق الحادثة. ومن ذلك مثلًا محاولة "سيد" أن يحصل على شهادة البكالوريا، فنلاحظ أنه صرف جزءًا كبيرًا في التفكير في هذا الموضوع، كما أنه شغل جزءًا من سياق القصة بمحاولته الحصول على البكالوريا ونجاخه أخيرًا في الحصول عليها. وإذا بحثنا عن المبرر لكل هذا في الحادثة, وجدنا المسألة أبسط من ذلك بكثير، فالقصة في ذاتها لا تفيد شيئًا من هذه المحاولة أكثر من أن تضيف شخصية جديدة هي شخصية "عبد الحميد عباس" صديق سيد القديم، فمحاولته الحصول على البكالوريا تدعوه إلى البحث عن هذا الصديق الذي أصبح مدرسًا ليستعين به في دراسته. ومنذ هذه اللحظة تبدأ أطراف خيوط جديدة لقصة صغيرة تسير جنبا إلى جنب مع القصة الأساسية، وهي قصة علاقة بين عبد الحميد هذا ومنيرة أخت سيد. وقد رأينا في آخر

стр. 118

الأمر إلى أين انتهت هذه العلاقة، فقد اقترن عبد الحميد بمنيرة. وسواء وقفنا عند الحادثة التي صدرت عنها هذه القصة وهي الحصول على البكالوريا أو عند هذه القصة ذاتها، فإننا لا نكاد نجد لها أي دور خطير في سياق القصة ذاتها. بعبارة أخرى: ماذا يربط هذه المحاولة وهذه القصة بالحادثة الكبيرة في القصة الرئيسية؟ أي رباط يربط هذه الأشياء بالحادثة؟ وإلا فما دورها وما أهميتها؟ ومن أجل ذلك تضخمت القصة. على أن الحادثة الأصلية ذاتها بسيطة كل البساطة، فهي قصة شاب من أسرة كبيرة فقدت عائلها، وكان هذا الشاب ما يزال في مقتبل عمره لم يحصل على البكالوريا بعد. وهو يحس بأن عليه مسئولية ضخمة وهو ما يزال في هذه السن الصغيرة: مسئولية الأسرة ومسئولية نفسه، وربما كان يحس كذلك بمسئوليات أخرى إزاء أشخاص كان يصاحبهم على مضض, وهو يلاقي في صداقته لهم شيئًا من العنت، ولكنه يحاول أن يفرض شخصيته على هؤلاء الأصدقاء. ويظل من هؤلاء شخصان سيكون لهما دورهما في القصة فيما بعد، أحدهما "مصطفى عجوة" والآخر "حمادة الأصفر". ويبدأ الفتى نوعًا من الجهاد في الحياة, يحاول الكتابة في بعض الصحف لأنه كان يظن أنه أديب بارع، ولكن محاولته الأولى لم تأت بنتيجة. ثم ينتقل من هذه المحاولة إلى محاولة أخرى هي احتراف التمثيل، يغريه بذلك أصدقاؤه أنفسهم، ولكنه لا يستمر في هذه الحرفة طويلا؛ لأنه لا يحب أن يقف هو في الدور الذي يصفع فيه حتى وإن كان هذا تمثيلا وليس حقيقة. فهو إذن فتى متمرد منذ اللحظة الأولى، وربما كان لتمرده هذا أثر كبير في إخفاقه المتلاحق في الحياة، فهو كما أخفق في الكتابة إلى الصحف، وكما أخفق في احتراف التمثيل كذلك، لم تستمر وظيفته الجديدة التي ظفر بها في محلج "السيد أحمد جلال" كثيرًا. كان بين السيد جلال هذا وبين والد سيد صداقة قديمة هي التي كانت سببًا في أن يلحق الفتى بمحلجه. وعندئذ تبدأ علاقة بين الفتى وبين "منى" بنة السيد جلال, وهنا تبدأ قصة مستقلة إلى حد ما هي قصة هذه العلاقة بين "سيد" و"منى". وهي علاقة ستصادف كثيرًا من العقبات، ويتكلف سيد في سبيلها كثيرًا من المشقات، ولكنها ستنتهي آخر الأمر نهايتها الطبيعية، فيقترن سيد بمنى. على أي حال لا يستمر سيد كثيرًا في محلج السيد جلال, ولم يكن هذا إلا لأن صديقه القديم مصطفى عجوة الذي كان يوقع به في كل مناسبة لدى السيد جلال قد نجح أخيرًا في أن يوغر صدر سيد عليه، وإذا به ينجح في أن يحمله على فصله من العمل. ويخرج الفتى لا يدري سببًا لما حدث، ويتعمد مقابلة السيد جلال فيما بعد، وتنتهي المقابلة بينهما بتحدٍّ صارخ؛ ذلك أن الفتى كان يحس أنه لا يقل شيئًا عن السيد

стр. 119

جلال، وأنه يستطيع أن يكون ندًّا له، برغم الغنى الذي يتمتع به السيد جلال، وضيق الحال الذي يعاني منه سيد. فلم تكن المسألة أمامه مسألة ثروة أو غنى، ولكنها مسألة حق في الحياة وكرامة إنسانية. وعلى هذا الأساس تحدى ولي نعمته، وإن كان يحس بأن هذا التحدي قد قطع أمله في الحصول على منى. ثم يمضي إلى التفكير في نفسه وفي الحياة وفي الناس. وتستمر فترة انطواء يعاني فيها شيئًا كثيرًا من الألم، ويحس الفقدان إحساسًا قويًّا، ففي هذه اللحظة اتضح له أنه فقد كل شيء وأنه كان مخطئًا يوم تخلف عن المدرسة. وهو ينظر الآن فيجد زملاءه قد ظفروا بالشهادات العالية, وأصبحوا أشخاصًا لهم مكانتهم في المجتمع، وفي وسعهم أن يقوموا بأعباء الحياة. وعندئذ يفكر في العودة إلى المدرسة، والحصول على شهادة البكالوريا، ولكنه كان يعرف تمامًا أن هذه العملية لن تكون لها قيمة كبيرة؛ لأن حصوله على البكالوريا يقتضي منه أن يتم تعليمه العالي. وهذا بدوره يحتاج منه إلى مال كثير فضلا عن حاجة عائلته وحاجة أخته منيرة, التي كانت على وشك أن تحصل بدورها على شهادة البكالوريا. ومع كل هذا ذهب إلى صديقه عبد الحميد عباس المدرس ليجد فيه عونًا له على التقدم للبكالوريا والتحضير لها. وهو ينجح في الحصول على هذه الشهادة، ولكنه كما كان متوقعًا، لا يكاد يفيد منها شيئًا، بل جاءت فائدته من ناحية أخرى وفي ميدان آخر هو ميدان التجارة. فهو منذ أن تحدى السيد جلال عوّل على أن يبدأ مثله تاجرًا بسيطًا حتى يصير يومًا ما منافسًا له في ميدان التجارة، ويقف معه على قدم المساواة. ويحمل الفتى موازينه وعشرين جنيهًا كان قد ادخرها في أثناء عمله بالمحلج، ويمضي نحو الريف إلى السوق ليبتاع وليمارس التجارة. وهو في طريقه إلى السوق يقابل صديقه القديم حمادة الأصفر, وحمادة شخصية لها دور كبير في القصة، يبدأ منذ هذه اللحظة. وكانت لحمادة هذا خبرة بالتجارة -تجارة القطن بخاصة- تفوق ما يعرفه سيد. ويتفق الاثنان معًا، ويكون من هذه الشركة مكسب كبير لهما معًا. وتستمر هذه الشركة بعض الوقت وإن كان سيد يتحملها على كره منه, فقد كان حمادة هذا كريهًا بغيضًا له. وينجح سيد في أن يجمع بعض المال من هذه التجارة الصغيرة ليشتري صفقة أكبر يبيعها إلى السيد جلال ويربح فيها ربحًا كبيرًا، يكتشف بعده بفضل حمادة أنه كان من الممكن أن يخرج منها بربح أكثر. وهكذا كادت العلاقة بين سيد والسيد جلال تعود مرة أخرى إلى مجاريها الطبيعية, ولكن حدث ما جعل هذه العلاقة تمضي في توترها حين جاء موسم

стр. 120

الانتخابات، فقد حاول السيد جلال أن يستميل بعض الأشخاص إليه؛ ليقوموا بالدعاية له ضد منافسه محمد باشا خلف. والحق أن السيد قد حاول في هذه المناسبة أن يقف موقفًا كبيرًا ضد تلك التزييفات التي كانت تتم في عمليات الانتخابات، التي كانت الإدارة نفسها تتعهدها؛ ولذلك نجده ينضم إلى المرشح الشعبي السيد العجمي، ويحاول أن يقوم له بالدعاية الكافية. ويدعو إلى إقامة سرادق لهذه الدعوى ينتهي بالإخفاق؛ لأن رجال السيد جلال متضامنين مع رجال الشرطة قد تدخلوا وهدموا السرادق، وشتتوا من حولهم. وتخفق المحاولة، وينتصر السيد جلال، بعد أن يتنازل العجمي ومحمد خلف ولكن السيد سيستدعى إلى المركز، وهناك يلقى معاملة سيئة من رجال الشرطة، ويسجن بعض الوقت، حتى يتدخل السيد جلال في الأمر، ويطلب الإفراج عنه. ويتبين بعد ذلك أن عبد الحميد عباس هو الذي سعى هذا المسعى لدى السيد جلال. ويخرج سيد من السجن ولكنه لا يستطيع أن يعمل شيئًا، فيفتح له صديقه عبد الحميد بابًا جديدًا يستطيع أن يستغل فيه موهبته الكتابية، فيعرض عليه أن يعمل محررًا في جريدة "بريد الأحرار" التي يصدرها صديقه مختار. ويقبل سيد العرض الجديد، ويجد في هذا الميدان فرصة جديدة للانتقام من هؤلاء الأشخاص الذين هم أساس الفساد، كما يجد فرصة للحملة على الأوضاع الاجتماعية الفاسدة في ميدان الصحافة. وينتقل سيد إلى مصر ليقوم بمهمته الجديدة، فيبدأ في الجريدة مصححًا للبروفات، وينتقل بعد ذلك إلى الكتابة. وهو في هذه المرحلة يتعرف على الشيخ مصطفى، التاجر الصغير الذي يفتح له بيته، فيتعرف فيه على ابنته فطومة. وتبدأ فطومة تشغل حيزًا من تفكيره وإن كان لا يتعدى الفترات التي يوجد فيها في البيت، ولكنها على كل حال لم تستطع أن تمحو من خياله صورة منى. وتبدأ مقالاته النزالية التي يحمل فيها على بعض الشخصيات الكبيرة حملة سافرة ولكنها حملة شديدة، ويكون هذا سببًا في أن يجزل له السيد علي مختار العطاء، ولكنه كان سببًا أيضًا في أن يذهب به أكثر من مرة إلى نيابة الصحافة. وهو يفلت في المرة الأولى, ولكنه ينتهي في المرة الثانية إلى أن يودع السجن بعض الوقت. ويعتريه شيء من المرض في أثناء السجن، وينتقل إلى المستشفى، ثم يعود ليفرج عنه بعد قليل. ويمضي ليجد القاهرة تتنفس أنفاسًا مكتومة بعد حريق امتد في أطرافها، فهو يشم الدخان في كل شارع وفي كل مكان، وفي هذه الأثناء تكون أسرته قد جاءت إلى القاهرة بعد أن أخبرها حمادة الأصفر، الذي أصبح ثريًّا بعد صفقة كبيرة عقدها مع محمد خلف.

стр. 121

وهذه الصفقة جاءت بعد مساومات كثيرة بين حمادة هذا ومحمد خلف؛ نتيجة لأن محمد خلف كان قد أصبح متصرفًا في شئون السيد جلال، الذي لقي حتفه فجأة وترك وراءه أسرة تتناولها الألسن كما تتناول سمعته، التي وجد الكثيرون سبيلًا إلى الطعن فيها عندما عرفوا أنه كانت تربطه بالسيدة التركية علاقة زواج ولكنه زواج عرفي. وقد حاول حمادة الأصفر -لصلته بها- أن يستغل الموقف، وأن يعرض عقد الزواج على خلف هذا لقاء مبلغ كبير من المال, ولكنه لم يصنع؛ لأن صديقه السيد استطاع أن يقنعه بمائة جنيه فحسب، ويأخذ منه هذه الوثيقة التي كانت تكفي لأن ينتقل نصف ميراث السيد جلال إلى ابنه من تلك السيدة. أصبح حمادة ثريا بعد أن ظفر بعشرة آلاف جنيه من السيد خلف في فترة كان التلاعب فيها بتجارة القطن كافيًا لأن يرفع أمثاله من الحضيض إلى تلك الصورة التي بلغها. وهو في إقامته في القاهرة تنشأ بينه وبين فطومة بنة الشيخ مصطفى علاقة مودة, ولكن فطومة هذه لا تعيره اهتمامًا؛ لأنها وجدت من هو أكثر منه غنى وجاهًا في البيئات الخاصة التي لا يغشاها إلا الشخصيات الكبيرة من مثل محمد باشا خلف ومن مثل الست هدى. وتنتهي القصة بأن يعود سيد بعد كل هذا إلى منى, ويفض ما بين الأسرة البائسة ومحمد خلف الذي كان يريد أن يحصل على كل الثروة عن طريق زواج ابنه محمود من منى. وينجح سيد آخر الأمر في أن يكشف لمنى عن حقيقة شعوره نحوها، وأن يفض ما بين أسرتها ومحمد خلف من علاقة ومن نزاع، وينتهي الأمر بأن يقترن بمنى. وإلى هنا تكون حوادث القصة الرئيسية قد انتهت، فهي كما قلت قصة بسيطة في تكوينها لا تعدو أن تكون قصة لفتى متمرد، يشق طريقه بيده ويلاقي في سبيل ذلك الصعوبات التي قد تصل أحيانًا به إلى السجن، ولكنه مؤمن بقوته ومؤمن بحقه، ولذلك تنتهي فترة جهاده بأن يظفر آخر الأمر بما كانت تهدف إليه نفسه منذ اللحظة الأولى. ولكن هل كان كل همّ الكاتب أن يقص علينا هذه القصة؟ ماذا كان يريد من وراء كل هذا؟ هل يكفيه أن يصور لنا جهاد هذه الشخصية التي عادت آخر الأمر إلى البداية التي بدأت منها, فإذا بنا نجد السيد مديرًا للمحلج في آخر القصة بعد أن رأيناه وزانًا بالمحلج في أول القصة؟ هل كل القصة تجري وراء تصوير هذا الصراع الذي جعل وزان المحلج في يوم من الأيام مديرًا له؟ لو كانت القصة تسعى إلى ذلك لكانت أبعد شيء عن المضمون الذي يبدو أن الكاتب كان يسعى إليه من وراء كل هذه الحوادث. وعبارة "أنا الشعب" لا تتحقق في أن يرتفع وزان المحلج يومًا ما إلى مدير لهذا المحلج،

стр. 122

فمن السهل جدا أن ينقلب هذا الوزان مديرًا وتبقى الأزمة هي هي، وتبقى المشكلة قائمة، ويظل الشعب هو نفس الشعب، بكل أوضاعه وكل أفكاره وتقاليده، أو لنقل: يبقى هذا الشعب كما هو دون أن يحس بشيء من ذلك الوعي الذي أحس به فرد من الأفراد فجأة، يرتقي إلى إدارة محلج بعد أن كان موظفًا صغيرًا فيه. بعبارة أخرى: ليست هذه القصة قصة شعب, ولكنها قصة فرد من هذا الشعب وليست فيها أي رمزية حتى نأخذ صورة هذا الوعي التي تمثلت لنا في شخصية سيد على أنها رمز لوعي أكبر وأكثر امتدادًا هو الوعي الشعبي، وعي الجماهير التي تحس بواقعها المرير, فتحاول جاهدة التخلص منه وإن لاقت في ذلك أكبر العناء حتى تصل آخر الأمر إلى ما تريد. وليست هناك شخصية أخرى تسير في الخط نفسه، فحمادة الأصفر الذي بقي معنا حتى اللحظة الأخيرة في القصة لم يزد على أن أصبح ثريا, وإن كان لا يزال هو حمادة الأصفر البغيض إلى النفس، الكريه الجبان الخبيث الذي ينطوي على نفس منحطة. قد يكون في صداقته وعطفه على سيد شيء من اعتبار أخلاقي، ولكن هذه المسألة لا تغير من واقع حياته شيئًا، فهو على استعداد دائمًا لأن يقف في وجه صديقه هذا لقاء خمسة جنيهات "أيام الانتخابات". إذن فلم يكن حمادة ممثلا للوعي الشعبي، بل لم يكن فيه أقل قدر من هذا الوعي. وكذلك كان مصطفى عجوة، فقد كان ذنبًا من أذناب السيد جلال، هو والشيخ القرش وأمثالهما ممن يعيشون على فتات موائد السادة، ويقنعون بتلك الحياة المهينة لقاء ما يحصلون عليه من دراهم، حتى عبد الحميد عباس الذي كان على درجة من التعليم، والذي كان هو نفسه يعمل بالتدريس، لم يكن فيه الوعي الكافي، وإذا بمهمته في القصة تقتصر على أن يكون رجلا يمد يد المساعدة أحيانًا لأسرة صديقه, حتى إذا بحثنا عن الدوافع لهذا لم نجد ذلك؛ نتيجة لأنه يريد أن يساعد شخصًا مجاهدًا هو سيد وأن يدفع به إلى أمام، ويحمل عنه عبء القيام بشئون الأسرة، ولكنه كان يصنع ذلك في الحقيقة؛ لأنه كانت له رغبة خاصة في هذه الأسرة وهي أن يقترن بمنيرة أخت سيد, فلم يكن يقوم بهذه المهمة الإنسانية إذن لوعي إنساني, بل لرغبة شخصية. أما الشخصيات الشعبية الصغيرة الأخرى، مثل شخصية الشيخ مصطفى، فقد رأيناها شخصية ضائعة تخفي عن الناس حقيقة أمرها، تلك الحقيقة التي تنفر منها كل نفس كريمة. كان الشيخ مصطفى يتجر في المخدرات، وكان هذا سببًا لأن تصل هذه المواد إلى يد ابنته "فطومة" تلك الفتاة الساذجة، وإلى كل الزوار الذين كانت تلاقيهم هذه الفتاة وتقدم إليهم شيئًا من هذه المادة لقاء أجر معين.

стр. 123

كل ذلك فتح نظرها على أشياء غريبة هي من لوازم المجتمع المنحلّ، من لوازم المجتمع الذي يعاني أشد المعاناة، ويحاول الفرار. حاول الكاتب في هذه القصة أن يمس مواطن الفساد المستشري في كل مكان، فامتد إلى جوانب مختلفة من الحياة؛ ليضع أصبعه على موطن الفساد في كل منها. فهو في أثناء سرده للحادثة يصور لنا الفساد في الإدارة الحكومية، ويصور لنا الفساد في نظم الحكم وما يتبعها من اعتبارات سياسية، كقيام الأحزاب وتناحرها على الحكم بكل وسيلة، وما تبع ذلك من انتخابات تزيف فيها الحقائق، وكيف أن هذا كله كان على حساب الشعب الجائع الفقير. ولم يكن سيد هو الشعب في الحقيقة، وإنما كان حمادة الأصفر هو ذلك الشعب الأصفر المريض المعتلّ الفقير الذي يعاني من كل هذا ولا يجد حرجًا في أن ينافق, وفي أن يكذب ليبلغ من وراء كل ذلك لقمة العيش. ولا يقف الفساد عند هذه النواحي, بل يمتد إلى الحياة الاجتماعية؛ حياة القصور وما يجري بداخلها من امتهان للكرامة الإنسانية، ومن مظاهر العبودية التي تذكر بالقرون الوسطى. وكذلك يحدثنا عن الفساد في مواطن أخرى؛ في السجن وفي المستشفى وفي غيرهما من الأماكن التي امتدت إليها حوادث القصة. إذن فقد كانت القصة تتحرك إلى الأمام فتتطور, وتتكون شيئًا فشيئًا، وفي أثناء سياقها يقف الكاتب وقفات يلقي من خلالها الأضواء على تلك الجوانب الفاسدة في حياة الناس وفي المجتمع. بدا هذا منذ اللحظة الأولى واستمر حتى آخر القصة. والحق أننا لم نكن نشعر في جزء كبير من القصة بأن تصوير هذا الفساد أمر مقصود إليه قصدًا مباشرًا، ولكننا نلمحه من بعيد فنفهمه بطريق غير مباشر؛ ولذلك نجح الجزء الأول أو الجزء الأكبر من القصة في أداء هذه المهمة. ولكننا عدنا لنتصور ما صنعه المؤلف في هذا الجزء الناجح بعد أن قرأنا نهاية القصة، فالحقيقة أن هذه النهاية التي ربط فيها المؤلف بين أحداث القصة، أو لنقل بعبارة أصح: بين المواقف المختلفة التي صور فيها فساد الحياة في أثناء سرده للقصة, حين ربط بينها وبين تلك النهاية التي تحققت فيها الثورة المصرية التي نعرفها جميعًا والتي عاصرناها ونعاصرها. وكل ذلك جعلنا نعود لنتصور أن المؤلف لم يصور لنا الحياة الفاسدة تصويرًا عرضيًّا في خلال سرده للقصة، وإنما يخيل للإنسان أنه كان يتعمد الامتداد بحوادث القصة إلى كل مكان؛ حتى يستطيع أن يضع أصبعه على جانب الفساد فيه. وأبرز مثال لذلك حين أصيب سيد بالحمى وهو في السجن, فقد مرض سيد لا لشيء إلا لينتقل إلى المستشفى, وفي انتقاله إلى المستشفى فرصة ولا شك يستطيع الكاتب فيها أن يلمس الحياة في ذلك المكان. وكثير من هذه الجوانب كان

стр. 124

موفقًا؛ لأنه صور فيه الفساد بطريقة غير مباشرة، كان يجعل الموقف جزءًا حيًّا من بنية الحادثة، ويجعله في الوقت نفسه ضرورة منطقية ونفسية معًا، ففي الوقت الذي تستمر فيه أحداث القصة في تطورها الطبيعي يقع القارئ على صور صادقة لتلك الجوانب الفاسدة في حياة المجتمع. وكل هذا يجعلنا ننتهي إلى تصور المهمة التي كان الكاتب يهدف إليها من كتابة هذه القصة، فالهدف واضح، وهو لا يصل إلى أن يكون فكرة أو مجرد وجهة نظر، بل هو أقرب إلى دراسة موضوعية لحياة المجتمع المصري قبل قيام الثورة في ٢٣ يوليو. وقد اعتدنا في الأعمال الفنية التي هي من هذا النوع ألا تقتصر على الماضي بل ربما كانت مهمتها الأصلية هي الامتداد إلى المستقبل، هي شق الطريق وتمهيده للحياة المستقبلية. وقصتنا لم تبرح الماضي، ولم تجاوزه إلى الحاضر، فهي لا تصور لنا شيئًا من واقعنا بعد قيام الثورة، فضلا عن أن تحدثنا عن المستقبل المأمول لحياة المجتمع المصري بعد قيام الثورة. ثم إن ارتباط القصة بالحادثة التاريخية هنا جعلها تجمع بين نوعين من الكتابة القصصية، فهي في جزء كبير منها لا ترتبط أي ارتباط بالتاريخ، ثم هي في جزء آخر على صلة وثيقة بأحداث تاريخية مشهورة معروفة. وهذا معناه أنها ليست تاريخية صرفًا، وليست كذلك قصة ابتداعية بحتًا، بل هي مزيج من اللونين. وهذا الخلط يفقد القصة شيئًا من قيمتها الفنية؛ لأن القارئ يريد أن يعيش في جو واحد، فإما أن يعيش في جو تاريخي على طول الخط، وإما أن يعيش في الجو الذي يخلقه له القصاص في قصته؛ ولذلك يحس كثير ممن يقرءون هذه القصة -أنا الشعب- أن نهايتها لم تكن موفقة؛ لأنها نهاية قصة من نوع آخر؛ نهاية قصة يصور فيها الكاتب حياة الشعب ودبيب الوعي الرشيد في أبنائه، وتطور هذا الوعي إلى حد أن تصل الحركة الشعبية إلى مواجهة الصورة القائمة للحياة، فتثور عليها وينتهي الموقف بانتصارها. هذه قصة أخرى صور منها أبو حديد جزأين، صور منها جوانب الحياة الفاسدة، وصور منها -أو لنقل: سرد منها- قيام الثورة. أما الحلقات التي بين هذه الحياة الفاسدة وبين قيام الثورة فمفقودة. وهي في الحقيقة أهم جزء في القصة؛ لأنها هي القصة ذاتها. فالقصة قصة تطور لوعي اجتماعي، وكان ينبغي أن تعيش القصة مع هذا الوعي الذي يبدأ نتيجة لفساد الحياة، ثم يتطور وينمو وينتشر في الجماهير المختلفة حتى ينتهي بها إلى الثورة. هذا ما كان ينبغي أن يتمثل في قصة تعالج حياة شعب يثور على أوضاع قديمة وتنبعث فيه نهضة جديدة. ولكن قصتنا التي أراد لها المؤلف أن تتحدث باسم الشعب لم تكن في الواقع قصة هذا الشعب؛ ولذلك تقف أهمية هذه القصة كما قلنا

стр. 125

عند مجرد تصوير جزء من حياة المجتمع المصري في وقت من الأوقات، ولكنه في الماضي. والعمل الفني حين يستهدف غاية اجتماعية لا يقف لتصوير الماضي وحده، ولكنه يأخذ على عاتقه شق الطريق أمام الشعوب إلى المستقبل. وقصة "أنا الشعب" لم تقم بشيء من هذه المهمة إلا تصوير الحياة في الماضي, وهي بذلك تمثل النوع الذي سميناه "القصة العصرية" أي: التي تصور حياة مجتمع في فترة خاصة تعد مرحلة تطور في حياته, ولكن هذه القصة لم تصور نشأة الوعي وتطوره في جماعات الشعب حتى تنتهي إلى ثورتها. وكان من الممكن أن يقرن الكاتب قصة الحب التي حكاها بين سيد ومنى بقصة هذا الشعب، على أن تسير القصتان جنبًا إلى جنب في خطين نفسيين متوازيين ومتكاملين في الوقت نفسه. ولكي يبدو أن الكاتب لم ينجح في أن يكتب قصة كفاح الشعب كما لم ينجح في أن يكتب قصة حب تسير متوازية ومتكاملة معها, كان سيد زهير بطل القصتين, وكان طبيعيا في هذا الحال أن يكون الدور الذي تقوم به شخصية هذا البطل، سواء في قصة الكفاح أو في قصة الحب، دورًا يحمل طابعًا واحدًا، بمعنى أنه ليس طبيعيا أن يكون له دور إيجابي ينزع إلى التجديد في أساليب الحياة، وهدم التقاليد، وبناء مجتمع سليم من الآفات, وأن تكون شخصيته في الوقت نفسه تحمل طابع السلبية, وتعيش في نطاق القيود والتقاليد, ويدل دورها دلالة واضحة على أن هذه الشخصية تفتقد الثورة في كامنها, فهي إذن شخصية ثائرة وشخصية غير ثائرة. وكان نتيجة لذلك أن محاولة الكاتب في هذه القصة لربط القصتين، قصة الحب وقصة الكفاح، قد ضاعت سدى؛ لأن قصة الكفاح كان بطلها يمثل اتجاهًا خاصًّا، ونزعة ثورية متميزة، وكان بطل قصة الحب -وهو نفس البطل- يمثل اتجاهًا معاكسًا. وهذا هو السبب في أن القصتين لم تندمجا الاندماج الحيوي الذي كان من الممكن أن يتم لو كان الكاتب رسم شخصية البطل منذ اللحظة الأولى رسمًا كافيًا، واتخذ له خطًّا واحدًا يتمثل في كل موقف، سواء ارتبط هذا الموقف بقصة الكفاح أو بقصة الحب. ومن العجيب أن قصة الحب التي يمكن أن نتحدث عنها هنا لا تحمل إلينا في بابها جديدًا، فقد كان كل المعول في أهمية هذه القصة إذن على تصوير كفاح الشعب، وهو الشيء الذي لا نجد شاهدًا واحدًا عليه من القصة, وكأن حياة الفرد العاطفية شيء لا دخل له في حياته الاجتماعية العامة. وهذا الانقسام إذن جاء نتيجة لتصور الإنسان في حياته العاطفية مستقلا -نفسيا- استقلالا تاما عن جوانب الحياة الأخرى التي يشارك فيها. ولا يبدو هذا التصور مقبولا؛ فالإنسان يفكر بطريقة واحدة، ويتصرف نتيجة لوجهة نظره المتكاملة في الحياة وفي الناس.

стр. 126

وكان يلزم نتيجة لذلك أن تكون شخصية سيد في قصة الحب موازية ومكملة لشخصية سيد في قصة الكفاح. ولم يكن سيد بعد هذا -أو قبل هذا- شخصية شعبية بالمعنى الصحيح، فأسرته من الطبقة المتوسطة برغم أنها فقدت عائلها, وهو حين يطمع في الزواج من منى لا يكون ذلك طموحًا كبيرًا، ولا يكون تحقيقه هدمًا لفكرة الطبقات. فإذا كان قد انتهت قصة حبه بزواجه من منى, فليس معنى ذلك أن هناك عملية كفاح قد تمت للمقاربة بين طبقتين اجتماعيتين تختلفان من حين المستوى المادي والأدبي، فالحقيقة أن الأسرتين متقاربتان، وفي تحقيق هذا الزواج لا يبدو أي كفاح طبقي، ولا أي انتصار شعبي؛ ولذلك تقف قصة الحب في "أنا الشعب" بعيدة عن الكفاح الذي أراد إليه المؤلف، فقصة الحب لا تحمل أي نزعة ثورية، ولا تدل على تقدم في الوعي الاجتماعي، ولا على تحطيم الفروق بين الطبقات. وإذا أردنا أن نتصور النزعة السلبية والانطوائية في شخصية سيد كان علينا أن ننظر بخاصة في قصة الحب التي تخللت "أنا الشعب"، فهو في هذه القصة ينظر إلى الحياة نظرة تدل على شعوره بالضعف إزاء الحياة وإزاء المقادير. وفي أكثر من مرة يتصور الحياة كالدوامة الكبيرة، ويتصور نفسه ملقى فيها وهي تدور به كيفما شاءت، دون أن يعترض تيارها أو يشق لنفسه طريقًا خارجها "ص١٢٠" "ص١٨٨". وهو كذلك شخص خجول ينكمش في نفسه أمام حديث الفتاة فطومة الساذجة عندما تحكي له عن صلاتها بشهاب أفندي الموظف الذي كان ينزل في بيتهم قبله "ص٥١، ٢٥٢، ٢٨١، ٢٨٢". وهناك أكثر من موقف نستشف منه ذلك الجانب الضعيف في شخصية سيد زهير، وكل ذلك ينتهي بنا إلى الحكم على هذه الشخصية بأنها كانت منقسمة على ذاتها، أو لم تكن شخصية متكاملة في ثورتها وفي تقدميتها. ومع أن شخصية سيد زهير لم تكن شخصية شعبية بالمعنى الصحيح, فقد كانت الشخصيات الأخرى تحمل طابع الشعبية ولكنها تفتقد الثورة في كامنها. فحمادة الأصفر، ومصطفى عجوة، والشيخ القرش، والشيخ مصطفى، هذه النماذج الشعبية كانت أفقر النماذج للدلالة على دبيب الوعي في نفوس أبناء الشعب، بل لعلها كانت شخصيات ترمز فحسب إلى مواطن الفساد التي يعاني منها ذلك الشعب، ولكنها لم تكن تحمل في طيها أي نزعة إلى التغيير, وإلى الانطلاق من أوضاعها السيئة. وينجح المؤلف في أن يضفي عليها طابع الشعبية، لا ليستغلها فيما بعد لتكوين الوعي الشعبي وقيام الثورة، ولكنه يصورها فقط ليلقي من خلالها الأضواء على ما يسود هذا الشعب

стр. 127

من أسباب الفساد والانحلال، وقد يبدو لشخص كحمادة الأصفر دور كبير في هذه القصة, ويتضح ذلك من عناية الكاتب به في كل مرحلة من مراحل القصة. ولعله لم يقف لرسم شخصية من شخصيات القصة مثلما وقف لرسم شخصية حمادة هذا. وقد نجح في أن يخلق منه شخصية درامية ممتازة "ص٢٨٩، ٢٩٠"، ولكنه برغم نجاحه لم يستغل هذه الشخصية استغلالًا شعبيًّا، فقد جسم لنا فيها ما يسود هذا الشعب من نفاق ومن حياة بائسة, ومن جوع وفقر وسير بغير هدف وحياة بغير أمل، كأن الشعب كله هو حمادة هذا الذي يكسب لقمة العيش من أي طريق، ويعيش يومه لا يفكر في غده، ويقضي حياته تحت رحمة المقادير. وهذا يعد إضافة إلى تصوير حال الشعب قبل قيام الثورة, وكأن الأشخاص أنفسهم قد سخروا في القصة لكي يجسم فيها المؤلف مساوئ الحياة الماضية، فشخصياته سواء كانت من بين أفراد الطبقة الأرستقراطية أو من بين أفراد الطبقة الرأسمالية، أو كانت من بين أفراد طبقة الشعب، كانت وسيلة إلى هدف واحد، هو إلقاء الأضواء على مفاسد الحياة القديمة. ومن هذا يتبين لنا أن القصة من حيث حادثتها وفكرتها وشخصياتها تنتهي إلى هدف واحد، هو تصوير ماضي المجتمع المصري قبل قيام الثورة. يبقى أن ننظر في القصة من حيث بناؤها الفني، ومن حيث لغتها. ويبدو لكل من يقرأ القصة أن الكاتب كان قد وضع تصميم هذه القصة على أساس تصميم من تصميمات كثيرة مألوفة، وهو الربط بين كفاح شعبي وقصة حب. وقد رأينا أنه لم ينجح في أن يصنع تفصيلات هذا التصميم وأن يملأه بالأحداث اللازمة، وأن يحرك الشخصيات المناسبة، فكان تكوين القصة لا يعدو أن يكون حشدًا لأكبر قدر ممكن من المواقف التي يجد فيها الكاتب فرصة لأن يتحدث عن عيب من العيوب. وقد يكون في سياقها نوع من التسلسل المنطقي، ولكنها كثيرًا ما استعانت بعنصر المصادفة في إدخال أحداث جديدة تلزم لإبراز الناحية الثورية، ناحية الكفاح التي ركزها الكاتب في شخصية سيد. ثم إن تركيب الحوادث لم يكن مثيرًا إلى الحد الذي يجعل القارئ مشوقًا دائمًا لأن يستمر في القراءة وتتبع المواقف، ففي أكثر من مرة يحدث الانقطاع بين جزء من القصة وجزء آخر. وهذا يحدث عادة عندما يبحث الكاتب عن مجال جديد ينقل إليه السيد زهير ليبدأ حلقة جديدة من سلسلة كفاحه في الحياة, وأوضح انقطاع هو ذلك الذي تمثل في الخاتمة, وقد أحس الكاتب نفسه بأنها "تشبه خاتمة القصص الروائية". والرداءة هنا في الواقع تأتي من أن الخاتمة لا يربطها بالقصة رباط حيوي، ولكنها تأتي فجأة ودون أي اتصال بما سرد علينا في خلال القصة, بل نستطيع أن نقول: إن القصة

стр. 128

ذاتها كانت قد انتهت عند اقتران زهير بمنى، ولكن هناك قصة أخرى كما عرفنا هي قصة الكفاح التي كان من المفروض أن تسير جنبًا إلى جنب مع قصة الحب. وكأن هذه النهاية التي أحس المؤلف نفسه أنها نهاية رديئة هي النهاية التي كان من المفروض أن يضعها الكاتب لقصة الكفاح التي لم يكتبها؛ ولذلك كان وضع هذه النهاية غريبًا لأنه يرتبط بقصة لم نعرفها، وكل الذي عرفناه منها لا يعدو أن يكون بمثابة المقدمات التي يبني عليها الكاتب حوادث قصته. لقد كان تصميم هذه القصة إذن إلى جانب ما فيه من انقطاعات وانتقالات، يتضمن فجوة هائلة هي بمثابة جسم القصة. وهذا واضح بصفة خاصة حين نتتبع خيوط قصة الكفاح، فنجد كل خيوط السدى ممتدة أمامنا ولكن عبثًا نجد خيوط اللحمة, وكل ما في الأمر أنه امتد مع هذه الخيوط إلى غايتها، ثم وضع لها نهايتها وخيل إليه أنه في أثناء الطريق صنع نسيجًا طبيعيًّا، والحق أنه نسيج مفرغ. معنى ذلك كله أن تصميم هذه القصة ليس تصميمًا حيويًّا متماسكًا، كما أنه لا يقدم إلينا قصة مشوقة تربطنا إليها وتثيرنا، وتضطرنا إلى متابعة حوادثها حتى آخر لحظة، أو بعبارة أخرى ليس في هذه القصة الارتفاعات والانخفاضات النفسية التي يمر بها قارئ القصة الناجحة التصميم، التي تثير فيه التشوق والمتابعة حتى نهايتها، ولكنها أقرب إلى أن تكون موجة واحدة، ولكنها لا ترتفع عن السطح ارتفاعًا كبيرًا؛ ولذلك كانت الحادثة كما قلنا من قبل حادثة بسيطة. وهذا معنى قولنا: إنها حادثة بسيطة، فهي بسيطة من حيث التركيب، وبسيطة من حيث التطور. وإذن فقد فقدت عنصرًا مهمًّا هو ذلك العنصر الذي يثير التشوق في القارئ وهو عنصر التعقيد، فلم يتمثل هذا العنصر في أي موقف من المواقف على نحو يثير القارئ، بل كانت كل المواقف تقريبًا تبدو نهايتها وحلولها قبل أن يفرغ القارئ منها. وحين يتكشف للقارئ ما سينتهي إليه الموقف القصصي فإنه لا يجد دافعًا كبيرًا إلى متابعة السرد حتى يصل إلى ما سبق أن تكشف له. وميزة التعقيد هي أن تتركه دائمًا يحدس في النهاية التي يمكن أن ينتهي إليها الموقف, وبذلك يصبح القارئ جزءًا من صميم الموقف، يتحرك معه، ويتجاوب مع أشخاصه، ويرسم له النهاية التي يتصورها، أو يرسم له في نفسه أكثر من نهاية ثم ينتظر تحقق واحدة منها، وكم تكون دهشته عندما ينتهي الموقف على نحو لم يتوقعه على الإطلاق. هذا من شأنه أن يجدد نشاط القارئ، وأن يجعله دائمًا على اتصال بمواقف القصة وحوادثها، كما ينشئ بينه وبين شخصيات القصة المختلفين أنواعًا من العلاقات والتفاعلات.

стр. 129

ولعل الشخصية الوحيدة التي نجحت في أن تأسرنا إليها نوعًا ما -في هذه القصة- وتحظى بعطفنا عليها وتعاطفنا معها هي شخصية حمادة الأصفر، فقد كنا نلمسه عن قرب في كل موقف من مواقفه، وكان هذا سيضفي على الموقف شيئًا من الحيوية. إن الكاتب ينجح في أن يشركنا مع الشخصية في الموقف، حتى إذا ما ذهب حمادة من الميدان لم نجد بيننا وبين شخصية أخرى من الشخصيات أي نوع من التعاطف؛ ولذلك كنا -في أغلب الحالات- بعيدين بعدًا كبيرًا عن شخصيات القصة، وعما يدور في طواياها من أحاسيس ومشاعر. وهذا من جانبه قد باعد بيننا -أو ساعد على المباعدة بيننا- وبين القصة. وينبغي ألا تفوتنا الإشارة إلى المواقف الخطابية التي تخلَّلت هذه القصة، ففي أكثر من موقف -وبخاصة في بداية الفصول- كان الكاتب يقف وقفات طويلة يتحدث فيها حديثًا مستقلًّا عن الحياة وعن الأدب وعن غيرهما من الموضوعات التي تشغله شخصيا. بل أكثر من هذا، كثيرًا ما ينتهز الكاتب الفرصة في موقف من المواقف لكي يبدأ حملة من الحملات العنيفة بلهجة خطابية قوية على موطن من مواطن الفساد -مثلا- في العهد الماضي. وكذلك يقف موقفه الخطابي حين يحاول الدعوة إلى شيء, وكل هذه المواقف تبدو متميزة عن مواقف القصة. وإذا كان من حق الكاتب أن يبث في قصته أفكاره وخبراته, فإن ذلك لا يأتي على هذا النحو الخطابي، وإنما من الممكن أن يأتي على صورة أخرى فيتحقق في سياق الموقف وسياق القصة بصفة عامة، وإن كان تحققه -في هذه الحالة- تحققًا غير مباشر. ونجاح العمل الفني يرتبط ارتباطًا كبيرًا بأن يفضي إلى القارئ ما يريد الكاتب أن يقوله, أو يدعو إليه بطريق غير مباشر، أما الحديث المباشر، والدعوة الصريحة، والفكرة المستقلة في العمل الفني، فإنها لا تنجح ولا تعمل عملها في نفس القارئ الذي لا يرضى في كثير من الحالات أن يقف منه الكاتب موقف الناصح أو موقف الدليل، هذا من حيث بنية القصة والعوامل التي تشترك في حيوية هذه البنية وأهميتها. أما لغة القصة -وهي المظهر الحسي المباشر لهذه القصة- فلم تكن أغنى من البناء القصصي ذاته، قد يقال: إن لغة القصة كانت من البساطة والوضوح بحيث يستطيع كل قارئ أن يفهمها, وأن يتذوقها عن قرب. وهذا صحيح، ولكن مسألة الكتابة القصصية ليست مسألة لغة سهلة أو صعبة، بل العبرة بحيوية هذه القصة. وكيف تتحقق الحيوية إذن في لغة القصة؟

стр. 130

من المفروض أن الكاتب لا يتحدث في القصة بلسانه الشخصي بل يتحدث على لسان الشخصيات المختلفة التي نصادفها في القصة. وليست المسألة مجرد إجراء للحديث على ألسنتهم، فيكون من الضروري عندئذ أن يتحدث كل شخص بلغته الخاصة وبلهجته الخاصة، ولكن لا بد أن يصحب ذلك اعتبار للمستويات الفكرية، فكل شخصية لها مستواها الفكري، ولها ميدانها الذي يحدد نشاطها الفكري والوجداني؛ ولذلك يلزم أن يراعي الكاتب مستويات شخصياته الفكرية إلى جانب مراعاته للغة هذه الشخصيات ولهجاتها، فلا يجعل شخصية بسيطة تنطق بالحكمة وتتحدث حديث الخبير المجرب، أو تتحدث حديث المثقف أو العالم, وكذلك تأخذ كل شخصية طابعها العام المستقل الذي يميزها عن غيرها كل التمييز. واللغة هي الفاصل الكبير في هذه المشكلة، فعن طريقها تعرف الشخصية، وعن طريقها أيضًا يعرف مستواها الفكري. وكل من يقرأ قصة "أنا الشعب" يلاحظ أن شخصية الكاتب كانت تطغى في كثير من الأحوال على شخصيات القصة، فإذا به ينساها وينسى مميزاتها الخاصة ومستوياتها الفكرية والوجدانية، ويمضي يتحدث هو من خلالها حديثًا إن دل فإنما يدل على مستواه الفكري كما يدل على شخصيته الخاصة، ففي أكثر من مكان يحس القارئ بشخصية الكاتب بارزة أمامه، وكان هذا سببًا في أن ظهرت الشخصيات باهتة غير مميزة؛ لأنها كانت في أغلب الأحوال تستخدم لغة واحدة، وتفكر في مستوى واحد. ولا شك أن نتيجة ذلك كانت أوضح ما تكون في لغة الحوار، فلم يكن حوارًا حيًّا بالمعنى الدقيق؛ لأن الأشخاص لم يكونوا يتمتعون بحيوياتهم الخاصة، وإنما كانوا ينطقون -حين ينطقون- بلسان المؤلف ذاته، فتلاشت من وراء ذلك شخصياتهم أو كادت، وكأنما أصبحت هذه الشخصيات قوالب من الحجارة يحركها الكاتب كيف شاء. لم ينجح أسلوب الحوار إذن في هذه القصة؛ لأنه فضلا عن تقيده بالعربية الفصحى لم يكن يدل دلالة كافية على المستويات الفكرية للشخصيات المختلفة. هذا ما يختص بلغة الحوار، أما السرد فقد كان عاديا لا يكاد يقف عنده القارئ, ولكنه كان من الممكن أن يكون أكثر حرارة وتأثيرًا لو أنه ارتبط بالبناء القصصي ارتباطًا حيًّا. وربما كان ضعف تصميم هذا البناء له أثره في اللغة السردية, وكذلك الأمر فيما يختص باللغة التصويرية. وقد تكون هذه الناحية في القصة أنجح من الأسلوبين الحواري والسردي؛ لأنها كانت تتمتع -إلى حد كبير- بصور فيها كثير من الحيوية، وفيها كثير من الإثارة والتهيئة النفسية، ورسم الأجواء المختلفة لبعض المواقف.

стр. 131

هذه هي قصة "أنا الشعب" من حيث حادثتها وشخصياتها وهدفها، ثم من حيث بناؤها ولغتها. والمؤلف وحده هو الذي يستطيع أن يقول: إن هذا النقد خاطئ؛ لأننا نتطلب منه شيئًا لم يخطر له على بال، ونحاسبه على أشياء لم تثر اهتمامه قط. وعندئذ سيكون جوابنا: إن الكاتب قد كتب ما كتب، والناس يتلقون عمله الفني, كلٌّ بطريقته الخاصة؛ ومن ثم لا يغير من واقع الأمر أن يرى الكاتب نفسه رأيًا في عمل فني له خلاف ما يرى الآخرون.

стр. 132

الفصل الثالث: الفن المسرحي مدخل ... الفصل الثالث: الفن المسرحي كوّن الإنسان لنفسه منذ أقدم العصور معتقداته الدينية الخاصة، وقد كان سعيه وقد أوصله إلى هذه المعتقدات نتيجة لجهده الذي يبذله في محاولته تفهم نفسه وعالمه ومصيره المقدر له بلغة يستطيع هو أن يفهمها. وليست المعتقدات الدينية وحدها هي نتيجة ذلك السعي، فإنه حين ترقى هو والجماعة في الفهم والتفكير ظهرت في المجتمع عادات وتقاليد ومحرمات وقوانين خلقية، وقد كان كل ذلك نتيجة لمحاولة رسم الطريق الذي يهدي الفرد والجماعة إلى الاتجاه الصحيح، ويحميهم من قوى الشر والتخريب. فلما أن اطمأنّ الإنسان إلى طعامه ومأواه، واحتمى من أعدائه، راح يتفهم -مدفوعًا بنفس الغريزة- بعض الظواهر التي هي أقل إلحاحًا. وكانت الفنون الجميلة واحدة من هذه الظواهر؛ فمنذ ما يقرب من ثلاثة قرون أو يزيد كان الإنسان يسأل نفسه: ما الفن؟ وهو ما زال حتى اليوم يردد السؤال نفسه. حقًّا إن أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد كتب عن فن المسرح "الدراما" في كتابه فن الشعر "البويطقيا Poetics" دراسة شاملة، ولكن ليس هناك ما يدل على أن مشكلة طبيعة المسرحية وبنائها وهدفها قد حلت حلًّا كافيًا, وما يزال الكُتّاب -ولا يكاد يحصيهم العد- منذ أرسطو حتى اليوم يتناولون الموضوع بالدرس.

стр. 133

الحوار والصراع والحركة: ونحب هنا أن نبدأ من المكان الذي لم يعطه أرسطو عناية كافية، وهو "الحوار" وذلك أن المسرحية تشترك مع القصة في اشتمالها على الحادثة والشخصية والفكرة والتعبير، ولا يميزها تمييزًا واضحًا إلا طريقتها في استخدام أسلوب الحوار بصفة أساسية. وأقول بصفة أساسية، لأن القصة تستخدم هذا الأسلوب "أحيانًا" بجانب استخدامها الأسلوب السردي والأسلوب التصويري، في حين أن المسرحية لا تستخدم سوى ذلك الأسلوب، وسواء أكانت المسرحية ممثلة أم مقروءة فإن الحوار هو الأداة الوحيدة للتصوير. الحوار هو المظهر الحسي للمسرحية، والمظهر المعنوي لها هو "الصراع". "و"كلمة" "دراما" تعني صراعًا داخليًّا"١. وهذا لا يقل في جوهريته بالنسبة لفن المسرحية عن

стр. 134

الحوار، والصورة العامة التي يتمثل فيها الصراع هي صورة الصراع بين الخير والشر. وليست المشكلة دائمًا هي مشكلة الخير والشر المطلقين، ففي الحياة صور لا حصر لها لهذين المعنيين المطلقين، ولا تكاد تفرغ الحياة كل يوم من صورة هذا الصراع، سواء بين أشخاص وآخرين حول مبدأ، أو بين الشخص ونفسه حول فكرة أو نزعة. ومن ثَمَّ يرتبط المسرح بالحياة أشد الارتباط؛ لأنه يتصل اتصالًا مباشرًا بمشكلات الحياة التي تقع بين الناس, أو تتمثل في النفس الإنسانية. فالحوار والصراع إذن هما الخاصتان الفنيتان اللتان تميزان فن المسرحية. ولا بد أن يرتبط هذان العنصران بطبيعة الحال في العمل المسرحي، فلا يكفينا من الحوار أن يأخذ صورة سؤال وجواب بين شخص وآخر، ولكننا ننتظر في المسرحية الحوار الذي ينقلنا إلى الحياة؛ الحوار الذي يجعلنا نتمثل الأشخاص في أزماتهم وصراعهم كما نتمثل الأفكار؛ الحوار كما يقع في الحياة بين الناس. إن محاورات أفلاطون تصلح كل الصلاحية للقراء المنفردين الجالسين إلى دراساتهم أو في الحدائق تحت شجر الزيتون، ولكنها لا تصلح للجماهير؛ لأن الجماهير "حتى جماهير "المفكرين"" سوف يستغرقون في النوم أو يعودون إلى منازلهم إذا هم دعوا لمشاهدة ممثلين يلقون الأحاديث الطويلة الصعبة لسقراط١ أو ألسبياد Alcibiades, تلك الأحاديث التي لا يصل منها إلا ما كان قريبًا من المنطق أو الحق، والتي لا يمكن أن تمتع إلا العقل المتأمل المهيأ تهيئة كافية لاستقبالها. بعبارة أخرى فإن مادة محاورات أفلاطون تخلو خلوًّا كبيرًا من الحركة action والعاطفة emotion. وقد عرف كتاب المسرحيات الإغريق أن المتفرجين لا يستطيعون أن يستجيبوا مدة طويلة لشيء سوى الحركة والعاطفة٢. ومعنى هذا أن المسرحية لا يكفي فيها أن يوجد أشخاص، وأن يتحدث هؤلاء الأشخاص بعضهم إلى بعض، فإن الحديث وحده يدعو إلى الملل، وسرعان ما يتلهى عنه المتفرج، والذي يأسره إلى المتابعة اليقظة هو هذه الحركة التي يمثلها هؤلاء الأشخاص، والتي تموج بها خشبة المسرح، وتلك العاطفة التي توجّههم في حركتهم كما تتمثل في أحاديثهم. ومعنى هذا أن المسرحية لا يتم وضعها الفني الحقيقي إلا حين

стр. 135

تمثل على المسرح١؛ لأنها بذلك ستستفيد من وضعها على المسرح أن يشاهد المتفرج الحركة بعينه، ويحس بالعواطف التي توجهها، وهو بذلك ينتقل إلى أن يصبح كأنه واحد من أولئك الممثلين الذين يتحركون أمامه. هذه النظرية تحتم أن تكون هناك علاقة بين المسرحية وبين أداء الممثلين لها في المسرح وأمام المتفرجين؛ وهي نظرية لها قوتها ولا شك، ولعلها تكاد تكون قاعدة يعتمد عليها كل ناقد مسرحي. ولكننا نجد نظرية مقابلة تضع أساسًا آخر للنقد المسرحي يقول بها الناقد أشبنجارن J. E. Spingarn حين يقرر أن "كاتب الفن المسرحي لا يحاسب على أساس غير الأساس الذي يحاسب به أي فنان مبدع آخر، وهو: ما الشيء الذي حاول أن يعبر عنه، وكيف عبر عنه؟ "٢. وقد راح أشبنجارن يقتبس من أرسطو في كتابه "فن الشعر Poetics" عبارات يعزز بها نظريته، فنقل عنه قوله: "يمكننا أن نتأكد من أن قوة التراجيديا يمكن الإحساس بها بعيدًا عن التمثيل والممثلين". وكذلك "ينبغي أن يكون بناء الحوادث بحيث يجعل المستمع إلى القصة حين تروى -ودون مساعدة العين- يرتجف هلعًا، ويذوب شفقة لما هو واقع". وأخيرًا قوله: "إن التراجيديا -كالشعر الملحمي- يمكن أن تحدث أثرها بغير الحركة action، فمجرد القراءة يكشف عما بها من قوة"٣. وهنا يظهر التناقض، فنظرية تقول بلزوم المسرح والممثلين والمتفرجين حتى تأخذ المسرحية وضعها الفني الكامل، وحتى تنكشف قوتها الكاملة في خلال التمثيل والحركة التي يقوم بها الممثلون على المسرح، والتي تتمثل كذلك في أحاديثهم، ونظرية تقول بأن هذه العلاقة بين المسرحية وبين المسرح والممثلين والمتفرجين علاقة عرضية، وأن المسرحية مسرحية بغير هذه الأشياء، وأنها تستطيع أن تحدث أثرها الفني المنشود, دون الاعتماد على شيء سوى القراءة. وينتهي "كلارك" من هذا التعارض بأن الشخص العادي حين يذهب إلى المسرحية ويعجب مثلا بمسرحية "ماكبث" لشكسبير, فإنه في الحقيقة -حين نسأله عن سبب ارتياحه- قد وجد متعة لا في جمال لغة شكسبير, ولا في الآثار المسرحية ولكن في الموسيقى والرقص. ويقول:

стр. 136

"إن فنون الرقص "الباليه Ballet" والمسرحيات الصامتة Pantomime غالبًا ما قامت دون أي مساعدة من الشاعر المسرحي؛ لأنها لا تعتمد على الكلمة المنطوقة، وكذلك لا تعتمد -إلى حد كبير- على القصة، بل تعتمد على الميل الحسي إلى اللون والموسيقى وحركات الرجال والنساء الرشيقة في أزيائهم الجميلة المثيرة، هذا فضلا عن المنظر المسرحي؛ ففن المسرح يمكن أن يكون -حتى حين يخلو من المسرحية drama- غاية في ذاته تمامًا, كما يمكن أن تقوم المسرحية دون مساعدة المسرح"١. ونحن لا يعنينا هنا من مسألة العلاقة بين المسرحية والمسرح والممثلين والمتفرجين إلا ما يمكن أن يكون من أثر لهذه الثلاثة الأخيرة على المؤلف حين يختار مادته، وحين يعمل في هذه المادة، أو حين يحاول إخراجها فنيا في إطار مسرحي.

стр. 137

علاقة المسرحية بالمسرح: وقبل أن نمضي في بحث ذلك ينبغي الالتفات إلى بدهية تؤكد لنا ما بين المسرحية والمسرح من علاقة. فحين نسأل المؤلف -كما يريد أشبنجارن- ماذا صنع؟ ويقول: إنني صنعت مسرحية، فإنه يعني في هذه الحالة أنه لم يكتب قصة أو قصيدة أو ملحمة. بعبارة أخرى فإنه لم يعتبر فيما صنع الأصول الفنية العامة للقصة أو القصيدة أو الملحمة، بل قيد نفسه بأصول أخرى، أو لنقل: بإطار فني آخر هو الإطار المسرحي. وإذا نحن نظرنا إلى الإطار وجدنا اعتبارات خاصة بالمسرح ذاته لها أثرها في توجيه الكاتب, من ذلك الزمان وإمكانيات المكان، فالكاتب -في العصور الحديثة على الأقل- أصبح مقيدًا بسويعات محددة في المسرح لعرض مسرحيته لا يستطيع أن يتجاوزها. وهذا الزمن المحدد كان له أثره في بناء المسرحية ولا شك؛ لأنه يريد في خلال هذه المدة المحدودة أن يعرض أشياء كثيرة، وهذا الحد الزمني له أثره في أنه سيستبعد بعض الأشياء اعتمادًا على أن بنية المسرحية تستطيع أن تستغني عنها, وهذا معناه أن البنية لا بد أن تكون مركبة تركيبًا خاصًّا. ومن هنا وصلنا إلى وضع حد لفصول المسرحية، في الوقت الذي تركنا فيه فصول القصة مثلا دون تحديد. هناك المسرحية ذات الفصل الواحد، ولكن هذا النوع ليس ما نتحدث عنه هنا، كما أننا لا نعني القصة القصيرة، ولكن المسرحية التي نعنيها هي المسرحية ذات الفصول، وقد أصبح من المتواضع عليه ألا يقل عدد هذه الفصول عن ثلاثة١ وألا يزيد على خمسة، وفي حدود هذا العدد من الفصول ينسق المؤلف بناء مسرحيته، فإذا كانت ذات فصول ثلاثة فإنه يجعل الأول منها لعرض الشخصيات

стр. 138

والمشكلة، والثاني للأزمة، والثالث للحل والنهاية، وإذا كانت من فصول أربعة فإنه يعرض الشخصيات وبداية خيوط المشكلة في الأول، ثم يمضي بأطراف تلك الخيوط ينسج منها المشكلة كاملة في الثاني، ثم الثالث، فالرابع. وعلى كل حال, فإن هذا التقسيم الشكلي الواضح في الإطار المسرحي لم يفرضه -فيما يبدو لي- سوى تقيد المؤلف بزمن محدد. إن "شاعر الربابة" عندنا لم يحتج إلى أن يقص قصة أبي زيد الهلالي في فصول محددة العدد كهذه؛ لأن المتفرجين والمستمعين في المكان الذي يجتمعون فيه لا تحدهم حدود، وهم يستطيعون أن يسهروا معه حتى مطلع الفجر. فالارتباط إذن بزمن معين لعرض المسرحية على الجمهور في المسرح كان له أثره في توجيه البناء الفني للمسرحية ذاتها. وإذا لم ترتبط المسرحية بهذا الزمن المحدد لما كان هناك ما يدعو إلى تحديد هذه الفصول -كما ينتهي إلى ذلك كلارك- فما الذي ما يزال يقيد المؤلف المسرحي بهذه الحدود البنائية في مسرحية تقرأ, أو يستمتع بقراءتها؟ وكما كان لحدود المسرح الزمنية أثرها فكذلك كان لإمكاناته المكانية -من ناحية أخرى- أثرها في اختيار المواقف والأحداث. فخشبة المسرح لا تتسع مثلا لجيشين متحاربين، وعندئذ يضطر المؤلف المسرحي إلى إدارة المعركة خلف الأستار، ولا يظهر أمام الناس إلا ما يدل على النتيجة، وكذلك هناك أحداث ليس من السهل على الممثل أداؤها أمام المتفرجين، فأوديب مثلا لا يفقأ عينيه أمام المتفرجين، ولكنه يدخل إلى المسرح متخبطًا في مشيته, والدم يسيل من عينيه. فارتباط المسرحية بإطار فني خاص أثر من آثار ارتباط المؤلف المسرحي ذاته, هذه هي البدهية. وقد يضاف إلى ذلك أن تصور المؤلف للمسرح الذي ستمثل فيه المسرحية، وخصائص هذا المسرح بالذات، البنائية وغير البنائية، له أثر في دقائق التأليف ذاته. ولا شك أن المسرحية الإغريقية كانت أنسب مسرحية لشكل المسرح القديم الذي كان معدا في الهواء الطلق، والذي كان يتسع لعدد يتراوح بين ثلاثين وأربعين ألفًا. أما في العصور الحديثة فقد تغير شكل المسرحية تغيرًا جوهريًّا، وأصبح العرض المسرحي لا يشهده سوى ألف أو أقل قليلا. وهذه التغييرات المكانية لها اعتبارها عند المؤلف ذاته, فتصوره للمكان له اعتباره عندما يمضي في عملية بناء المسرحية. وهذا يؤكد مرة أخرى تلك البدهية السابقة. وقد كفانا عرض هذه البدهية مئونة بحث العلاقة بين المسرحية والمسرح ذاته.

стр. 139

المسرحية الفلسفية: على أن هناك نوعًا من الكتابة المسرحية ينزع نزعة فلسفية تأملية, وعندئذ يكون من الصعب فهم المسرحية ممثلة، ويكون من الأجدى قراءتها. وهذا هو النوع الذي يتفق ووجهة نظر أرسطو في أن المسرحية يمكن أن تقوم بغير تمثيل ولا ممثلين. وفي هذه الحال ما زال الحوار يلعب دورًا خطيرًا. إن المسرحية المقروءة تفقد القارئ فرصة مشاهدة الحادثة "تقع"، أي: الحركة, والحركة هي العنصر الثالث الجوهري في العمل المسرحي، وهو يتعاون مع العنصرين السابقين "الحوار والصراع" ولا يقل عنهما أهمية. ويمكن أن يقال: إننا حين نقرأ المسرحية إنما نستغني عن عنصر فني مهم هو الحركة. وهذا صحيح إلى حد ما؛ ذلك أن الحركة تتمثل في أذهاننا من خلال اللغة، ومن خلال الحوار، فالحركة على خشبة المسرح حركة عضوية وذهنية في وقت معًا, وهي في المسرحية المقروءة حركة ذهنية فحسب, وقد سبق شرح ذلك في عنصر "السرد" في الفصل السابق. ومعنى هذا أننا في المسرحية المقروءة نفتقد حيوية الحركة العضوية التي يقوم بها الممثلون ونستعيض عنها بحركة ذهنية تتمثل لنا من خلال الحوار المكتوب, وهذا يقتضي بالضرورة حيوية ذلك الحوار. والحيوية في الحوار تتحقق بما يصاحب الأداء من حركة عضوية، أو القراءة من حركة ذهنية، وكذلك حين يرتبط الحوار بالشخصيات فيدل عليها من حيث وضعها الاجتماعي، ومستواها الفكري والخلقي، ومثلها في الحياة. فالحوار قبل كل شيء لغة الأشخاص أنفسهم، أو هو لغة المؤلف التي كان من الممكن أن تتحدث بها الشخصيات بذاتها. ومن حديث الشخص نستطيع أن نعرف عنه كل شيء.

стр. 140

لغة المسرح بين الشعر والنثر: وهنا نكون قد وصلنا إلى مشكلة مهمة في حياة المسرح هي: بأي لغة تكتب المسرحية؟ ذلك أن المسرحية "التراجيديا بصفة خاصة" كانت تكتب شعرًا "والمسرح المصري قد عرف الشعر المسرحي في مسرحيات "شوقي" وما زال حتى اليوم يعرفه في مسرحيات "عزيز أباظة" وعبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد الصبور وغيرهم" وهي الآن تكتب في الغالب نثرًا. ولكن الناس الآن لا يتكلمون في حياتهم اللغة الفصيحة؛ ولذلك وجدت الدعوة إلى أن يكون الحوار باللغة التي يتكلمها الناس. وقد شغلت مشكلة الفصحى والعامية مواسم أدبية فيما سبق. ومنذ بضع سنوات أدلى إلي رائد "الحوار" في الأدب العربي الحديث الأستاذ "توفيق الحكيم" برأيه -وهو عندي الرأي الوجيه في هذا الإشكال- فقال: "إن كل قيد يقف أمام الفنان ويحول بينه وبين حرية التعبير وصحة الأداء يجب أن يحطمه دون أن يحفل بشيء أو أحد. فإذا شعر فنان بأن تعبيره لن يكون كاملًا ولا نابضًا ولا حيًّا، وأن أداءه لن يكون سليمًا ولا كاملًا إلا باستعمال أسلوب من الأساليب, فإنه يتحتم عليه أن يستخدم هذا الأسلوب. أما في المسرح فالأمر أكثر وجوبًا على المؤلف، فالقراءة قد تجعل من السهل على القارئ

стр. 141

أن يترجم لنفسه لغة الأبطال، ولكن المسرح لا يتيح للمشاهدة فرصة التأمل، بل هو يتلقى كلام الأبطال مباشرة من أفواههم، فكل تنافر بين مظهر الأبطال على المسرح واللغة التي ينطقونها يحدث في الحال شعورًا باختلال الصورة الفنية في الذهن؛ لذلك كانت الروايات المسرحية التي تمثل أشخاصًا أجانب في المكان، أو الروايات التاريخية أو الأسطورية التي تمثل أشخاصًا أجانب في الزمان، لا بأس في جعل لغتها فصحى أو شعرية لا علاقة لها بالواقع الذي يعيشه المشاهد. أما إذا شعر المشاهد أن الأشخاص يتفقون معه في الزمان والمكان فلا بد حتمًا عندئذ من أن يتكلموا اللغة التي تفرضها عليهم حياتهم الحقيقية الواقعية في الزمان والمكان"١. هذه العناصر الثلاثة "الحوار، الصراع، الحركة" هي العناصر الجوهرية التي تميز فن المسرحية عن غيره من الفنون الأدبية. ومن الواضح أن المسرحية تشترك مع القصة في أنها تستغلّ عناصر القصة من حادثة وشخصية وفكرة. والواقع أن كل مسرحية تشتمل على قصة, إنها قصة غير مسرودة ولكنها ممثلة كما تحدث في الواقع. و"وحدة الموضوع" التي يتحدث عنها النقاد ليست تعني عند أرسطو -أول من نادى بها في المسرحية- سوى وحدة القصة unity of action التي تصورها المسرحية.

стр. 142

الإطار المسرحي: ولكن برغم هذا الاشتراك فإن المسرحية تختلف عن القصة في استخدامها هذه العناصر؛ ذلك أن الإطار المسرحي الخاص يفرض على المؤلف المسرحي طريقة خاصة لبناء الحادثة وتكوينها. ويكفي أن نذكر هنا أن كاتب القصة يستطيع أحيانًا أن يستطرد، وقد يستهلك فصلا بكامله في هذا الاستطراد، دون أن يؤثر هذا على الحادثة الأساسية، بل قد يكون مفيدًا لها. أما المسرحية فهي "لا تسمح بالأشياء الجانبية التي ربما أبعدت ذهن المتفرج عن الحادثة الرئيسية. إن هناك مكانًا يسمح به للوقائع ذات الأهمية الثانوية بجانب تطور المواقف الدرامية أو فيه، ولكنها يجب دائمًا أن تشارك في حركة القصة، سواء بأن تزيد من التعريف بشخصية من الشخصيات، أو بأن تبعث دوافع جديدة للقرارات التي ستتخذها الشخصيات"١. وما يقال عن الحوادث الجانبية يقال عن الشخصيات الجانبية من حيث ضرورة ارتباطها بالحادثة الأساسية، وضرورة دورها في بناء هذه الحادثة. إن الإطار المسرحي إطار ضيق، وهو كذلك إطار محكم؛ ولذلك تصعب الكتابة المسرحية حتى إننا لنجد بجانب كل مائة كاتب قصة كاتبًا مسرحيًّا واحدًا. والحق أن

стр. 143

الكتابة المسرحية تحتاج إلى نضوج فني خاص يتحقق في مرحلة مزاولة الكتابة القصصية. وفي القصة يرسم الكاتب شخصياته بأن يصفها من الناحية الشكلية aspect physique كما يصفها من ناحيتها الأخلاقية aspect morale وهذا يساعد على تمثيل الشخصية وفهمها. أما في المسرحية فالشخصية أمامنا، ولا سبيل إلى رسمها عند الكاتب سوى أن يحركها وأن ينطقها، على أن تصدر عنها كل حركة وكل كلمة في كل موقف من المواقف بحيث تأتلف في رسم الشخصية مع غيرها من الحركات والكلمات, وأنا أسمي ذلك "وحدة الشخصية". وهذا لا يمنع نمو الشخصية مع نمو المسرحية، تمامًا كما يحدث في القصة. فالصعوبة في رسم الشخصية المسرحية تأتي من أن الكاتب مضطرّ لأن يحرك الشخصية أمامنا، وأن يخلق لها مجالات تتصرف فيها تصرفات خاصة، وأن يجري على لسانها الحديث في مناسبات معينة حتى نتعرفها، على أن يكون كل ذلك داخلًا في صميم المسرحية ذاتها. ولا تنس أن طريقة المؤلف المسرحي في رسم الشخصية هكذا تكون -حين تنجح- أكثر تأثيرًا من طريقة كاتب القصة، كما أنها تربط بيننا وبين الشخصية برباط قوي. أما الفكرة فإنها لازمة لكل مسرحية، في الوقت الذي لا تلزم فيه الفكرة في القصة إلا في القصة الدرامية. ومنذ اللحظة الأولى ظهرت المسرحية لتصور موقف الإنسان والطبيعة من الخير والشر. وقد تصور الصراع بين الإنسان والطبيعة، كما قد ترتبط بمشكلات الحياة اليومية, ومن هنا أمكن الحديث عن مسرحيات فكرية وأخرى اجتماعية. والمسرحية قد تستغل التاريخ كما تستغل الأسطورة، وقد تستقل عنهما. أما المسرحية الاجتماعية فهي قد تستغلهما أحيانًا لتلقي من خلالهما الأضواء على مشكلات الحياة الراهنة، أخذًا بفكرة أن التاريخ يعيد نفسه.

стр. 144

الأنواع المسرحية: والمسرحية تنقسم إلى: "كوميديا" و"تراجيديا" أو "ملهاة" و"مأساة". وقد كانت الملهاة تتميز بتناولها الشخصيات غير المهمة، واهتمامها بشئون الحياة العامة، وعلى العكس من ذلك المأساة، فهي تتناول الشخصيات العظيمة. بدأت بالآلهة عند الإغريق، ثم بأبطال من البشر هم في الحقيقة أنصاف آلهة، ثم صار الإنسان هو البطل، وبخاصة في عصر النهضة، حين كان يظن أن الإنسان مركز العالم ولكنه ظل الإنسان الممتاز، كشخصيات الملوك والأمراء. حتى إذا ما تزعزعت تلك العقيدة ذهبت معها فكرة البطولة، ولم تعد البطولة تستخدم إلا لتدل على الشخصية الرئيسية في المسرحية، كما تتناول الموضوعات العالمية البالغة الأهمية. أما في العصور الحديثة فيقوم التفريق بين الملهاة والمأساة على أساس من فكرة "النهاية السعيدة" ففي الملهاة تتحقق النهاية السعيدة، أما النهاية المميزة للمأساة فهي هزيمة البطل أو موته في العادة.

стр. 145

وحينما كانت المأساة ترتبط بالشخصيات ذات المكانة العالية أو الأهمية, ظهر نوع خاص أطلق عليه اسم "المأساة البرجوازية" أو مأساة الحياة العامة. وينبغي أن نذكر أن المأساة بمعناها الصحيح إنما تتمثل عند كتاب الإغريق بالذات مثل "سوفوكليس"١، حيث يصور صراع الإنسان في اختياره بين المقادير والدافع الأخلاقي، بعكس "يوربيد"٢ الذي كان متشائمًا يرى الحقيقة في جوهرها في الشر، ولا يرى قيمة للصراع، ولم يتحقق المعنى التراجيدي فيما بعد، وإن ظهرت مسرحيات كثيرة تصطنع الجدية والخطورة. وبعض النقاد يؤكدون أن المأساة لم تعد ممكنة؛ لأنها تتطلب إيمانًا بالإنسان ومستوًى مسلمًا به من القيم، كلاهما قد هدمه العلم. ومع ذلك فهم يرون أن المأساة تحتاج إلى شاعر عظيم, وربما ظهر. أما الملهاة فيمكن تقسيمها بسهولة إلى ثلاثة أنواع: ملهاة الأخلاق comedy of manners، والملهاة الرومانتيكية، والفارص farce. والأولى من شأنها أن تحمل على الأوضاع المألوفة في الحياة المعاصرة، كمسرحيات "برناردشو"٣. وكما أن هذا النوع قريب من القصة فكذلك الملهاة الرومانتيكية قريبة من الرواية، فهي تتناول جوانب من التجربة لا يألفها الناس كثيرًا وتعالجها معالجة أقرب إلى العطف عليها منها إلى أن تحمل عليها. وعند شكسبير يتمثل هذا النوع، وهو غير مزدهر في العصور الحديثة. أما الفارص فهي تقوم على الحركة المسلية، وفيها تهمل إثارة الحبكة ورسم الشخصية إهمالًا صريحًا. "ينظر إلى الفارص أحيانًا على أنها ملهاة منحطة، وأن الملهاة التي تقوم على رسم الشخصية هي الملهاة الراقية". وبجانب هذه الأنواع الرئيسية هناك أنواع مختلفة مختلطة أو غير محددة يجب أن تلاحظ. فهناك الملهاة الباكية "Tragi-Comedy" وهي مزيج من المأساة والملهاة، وهي نوع مسرحي ازدهر خلال السنين الأولى من القرن السابع عشر. وهي في أوج ازدهارها قد انقسمت إلى نوعين عامين: أما النوع الأول فقد كانت فيه القصة جادة، وهي تتحرك نحو نهاية مأساوية، حتى إذا كان المشهد أو المشهدان الأخيران من المسرحية إذا بالحوادث تنتهي إلى نهاية سعيدة أو كوميدية. أما النوع الثاني فيتمثل في المسرحية التي يمتزج
следующие страницы →