← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وهكذا نرى كيف كان الشريف عون يعامل العُلماء الكبار وأصحاب الفتيا، وأعيان الرجال فيأمر بنفيهم وإبعادهم. يقول الأستاذ السباعي: ويذكر هؤلاء أن عونا غدا أشد وطأة على الأهالي بعد قضية المضابط وأنه بعد أن انتقم من أصحابها اشتط في معاملاته مع غيرهم مما كان له أسوأ الأثر (٣٥٤). ويعلق الأستاذ السباعي على غرابة أطوار الشريف عون فيقول: ويبدو أن الشريف عونا كان بغض النظر عن موضوع المضبطة غريب الأطوار، متناقض الأعمال، يقدس بعض معاصريه فيه غزارته العلمية ومحبته للخير العام، وتبسطه في مجالسة الخاصة، وتودده للمسالمين، وينعون عليه في الوقت نفسه تبذله بين ندمائه وقسوته في معاملة الحجاج، وإمعانه في عقوبة مخالفيه، واصطناعته "الخزناوية" الذين كانوا يضطهدون عامة الشعب (٣٥٥). ويوضح الأستاذ السباعي الخزناوية فيقول: الخزناوية: فرقة اتخذها الشريف عون كحرس خاص لخدمته، والاستعانة بهم على تنفيذ أوامره، فكانوا يتسلطون على الأهالي ويستغلون نفوذهم

стр. 1017

في اضطهاد من يضطهدونه، أو يطعمون في أمواله فكان لا يجرأ أحد على الشكوى منهم. ويعلق بعض المنتقدين بمرارة على أعمال الخزناوية ويقول: إنه كان يختارهم من طبقات العامة، ويجيز لهم من النفوذ ما يستطعون به إذلال الخاصة نكاية بهم (٣٥٦). أقول: ويبدو أن هؤلاء الخزناوية قد استبدوا في معاملة الناس استبدادا شديدا بدليل ما رواه السباعي عنهم بعد وفاة الشريف عون فقال: ولما تولى الأمر علي باشا أمر باعتقال الخزناوية، وصادر أموالهم وممتلكاتهم لقاء تسديد ما اغتصبوا من أموال الناس (٣٥٧). المجذوب علي بوّ: عمد الشريف عون إلى رجل من المجاذيب اسمه علي بوّ كان يذرع الشوارع بجسمه العاري فجعله من جلسائه بعد أن أمر بتنظيفه وإلباسه الأثواب الفخمة التي تؤهله لصدور المجالس، واتخذ هذا المجذوب أنيسًا، وأمر علية القوم وعظماءهم بتقبيل يده، وأحلَّه مكان الصدارة منهم، وكان إذا خرج في موكبه أجلس هذا المجذوب عن يمينه في عربته الخاصة، وأمر الناس بالوقوف لأداء التحية له على نحو ما يفعلون لدى مرور الموكب الأميري (٣٥٨).

стр. 1018

قصر علي بوّ: هذا وقد شيد الشريف عون لهذا المجذوب قصرا منيفا في محلة القشاشية قرب المسجد الحرام بعد أن أجبر أصحاب الدور في المنطقة على إخلاء بيوتهم التي تم هدمها ثم بنى القضر مكانها (٣٥٩). أقول: لقد أدركت هذا القصر في مكة في الخمسينات وكان مقرا لإدارة البرق والبريد العامة، وكاني علي بو صاحب القصر يعيش في مكة ويمشي بين الناس، ولكنه فيما يبدو أنه كان به مَسٌّ من لوثة عقلية هادئة، وكانت عائلة البَوّ هي التي تؤجِّر القصر الجميل. وقد أزيل هذا القصر وأدخلت أرضه في التوسعة السعودية الأولى للمسجد الحرام. يقول الأستاذ السباعي: وعمد الشريف عون إلى قطعة أرض أمام القصر مكتظة بالبيوت فحكم على أصحابها بإخلائها ونقدهم ثمنها، ثم أمر بهدمها ليجعل منها حديقة يمتع المجذوب بصره فيها، ويبالغ بعضهم فيقول: إن عونا أراد أن يتوسع في الهدم حتى ينتهي إلى الغزة ليجعل المسافة بين قصر الإمارة وقصر المجذوب خالية لا يعترضها عند النظرة شئ بين القصرين وهي مسافة لا تقل عن ثلاثمائة متر (٣٦٠). وقد ظلت هذه القطعة من الأرض خالية طوال أيام الشريف عون ثم أجَّرها ورثته بعده لمن أقاموا عليها دكاكين وبيوتا من الصفيح، وظلت

стр. 1019

كذلك إلى عهد الحكومة السعودية حيث ألزمت الورثة من آل عون بتخطيطها وبناء دكاكين وشوارع فيها، وقد دخل اليوم بعضها في مشروع توسعة المسجد الحرام (٣٦١). أقول: وقد اشترى المرحوم الشيخ عبد العزيز كعكى الأرض التي أمام قصر البو في القشاشية، وأنشأ فيها عمارة حديثة تقوم على دكاكين. وتعلوها مكاتب، وقد اتخذ منها الدكتور محمد الخاشقجي ﵀ مقرا لماكينة الكهرباء الضخمة التي استوردها إلى مكة والتى أنار بها شارع القشاشية، كما اتخذ منها مقرا للتصوير الشعاعى وهي أول ماكينة تصوير شعاعى ترد إلى مكة (٣٦٢). أورد الأستاذ السباعى رواية تقول: إن هدم البيوت التي أمام قصر علي بَوّ إنما كان بأمر من السلطان عبد الحميد لإِنشاء نزل للحجاج بمكة، وإن النقود أرسلت من السلطان لهذا الغرض (٣٦٣). أقول: لو كان هذا الأمر صحيحا لما سمحت الحكومة العثمانية لورثة الشريف باستغلال الأرض وتأجيرها على الآخرين، ولهذا فالأرجح أن الشريف عون إنما قام بنزع ملكية هذه البيوت لإِنشاء الحديقة عليها لهذا المجذوب الذي كان يعتقد فيه الولاية والصلاح فقد تنبأ مرة بنبوءة

стр. 1020

عند عون وصحت هذه النبوءة فاعتقد فيه الولاية (٣٦٤) ولله في خلقه شئون. ويعلق الأستاذ السباعي على تصرفات الشريف عون بأنها نوع من الشذوذ الذي يصيب بعض العظماء بينما يرى البعض الآخر أن دهاء الشريف عون حمله على اصطناع هذا المجذوب الذي أخضعَ له العظماء وسادةَ الناس. وهناك رأي يقول: إن عونا إنما لجأ إلى هذه التصرفات ليوهم السلطان عبد الحميد أنه رجل ساذج فيبقيه في إمارة مكة، كما أن البعض الآخر يرى في هذه التصرفات دليلا على السذاجة والغفلة (٣٦٥). أقول: أيًّا كان الرأي في تصرفات الشريف عون فإن الأمر الهام بالنسبة للناس أنه كان حاكمًا عليهم، يأمر فيطاع، وقد عانى الناس من هذه التصرفات ما عانوا مما اضطر أولي الحل والعقد في مكة المكرمة إلى كتابة مضبطة للسلطان يذكرون فيها معاناة الناس، ولست أشك أن هذه المضبطة كانت تهدف إلى تخليص الناس من حكم الشريف عون بدليل أن السلطان اهتم بما جاء فيها وأرسل لجنة للتحقيق في محتوياتها. فيل الشريف عون: ذكر الأستاذ أحمد السباعي في "تاريخ مكة" نقلا عن إفادة الأنام للشيخ عبد الله غازي ما يلي: وأهدى أحد عظماء الهند للشريف عون فيلا فكان الفيل ينطلق

стр. 1021

في شوارع مكة يصحبه مروِّضه، وكان يصيِّف في الطائف إذا صيَّف الشريف عون (٣٦٦). وهذا الذي أوجزه السباعى في شأن الفيل حقيقته: أن هذا الفيل كان ينطلق في شوارع مكة ويتوقف أمام حوانيت الأغذية كالبر والشعير والدخن والأرز وما إلى ذلك فيلتهم ما شاء الله له أن يلتهم ولا يستطيع أصحاب هذه الحوانيت له دفعًا أو منعًا، ومن ذا الذي يستطيع أن يمنع فيل الشريف من أن يأكل ما يشاء. وكان من ضمن المؤاخذات التي أخذها علماء مكة على الشريف عون حكاية هذا الفيل الذي نال الناس من أذاه ما نالهم كما أخبرني بذلك الأستاذ حسين سراج بلسان والده الشيخ عبد الله سراج المعاصر للشريف عون .. والواقع أني أدركت الناس في مكة يتحدثون عن هذا الفيل كما يتحدثون عن بقرة الشريف عون، التي كانت تطوف بحوانيت تجار الأغذية فتلتهم محتويات الزنابيل ولا يستطع أصحاب هذه الحوانيت لها دفعًا أو منعًا، وقد أعجبتنى القصة التي كان يتناقلها الناس في مكة عن هذه البقرة واعتبرتها من القصص الشعبي الذي يستحق التسجيل، وكتبت عنها أقصوصة صغيرة نشرتها ضمن الأقاصيص الصغيرة التي نشرت في الطبعة الثانية من كتاب "البعث" (٣٦٧). وتتلخص هذه الأقصوصة في أن تجار الأغذية في مكة ضاقوا

стр. 1022

ذرعًا بأمر هذه البقرة فاجتمعوا وقرروا أن يذهبوا إلى الشريف عون يشكون أمرهم حتى يصدر أمره بمنع هذه البقرة من الطواف في الشوارع فيكفَّ أذاها عنهم. وتجمع خمسون من أصحاب الحوانيت لدى شيخ السوق وانطلق بهم الشيخ إلى قصر الشريف عون، ولكنهم أخذوا يتفلتون وهم في الطريق إلى القصر، فانصرف ما يقرب من نصف التجار في الطريق وحينما وصل شيخ السوق إلى قصر الشريف كان الباقون مع الشيخ عشرة أشخاص، وحينما صعد السلالم انصرف بعضهم، ولم يبق مع الرجل سوى رجلين آخرين، ولما وصل إلى مجلس الشريف ورأى شيخ السوق الشريف في صدر المجلس تسلل الرجلان الآخران فوجد شيخ السوق نفسه وحيدًا أمام الشريف، وحار الرجل في أمره، إن شكا باسم التجار فأين هم الشاكون؟ ومن نصبه زعيمًا عليهم، ومتحدثًا باسمهم؟ وهو يعرف ما سيواجهه به الشريف. وكان الرجل ذكيًّا واسع الحيلة فأكبَّ على يد الشريف يقبلها ويطلب منه باسم أهل السوق بقرة أخرى أو أكثر لأن هذه البقرة مباركة، فهي لا تقف أمام حانوت من الحوانيت إلا ويفتح الله على صاحبه فيبيع في ذلك اليوم أضعاف ما يبيعه عادة، ولقد عرف تجار السوق لهذه البقرة هذه المزية فأخذوا يتنافسون عليها، كل يريدها لحانوته أولا لتناله بركاتها .. والقصة كما كنت أتصورها قصة رمزية، تنعي على الناس اندفاعهم وحماستهم فيما يرون أنه حق لهم ثم تقاعسهم بعد أن تفتر

стр. 1023

موجة الحماس الأولى، وانصرافهم وإيثارهم للعافية، وتواكلهم بحيث يتركون زعيمهم وحيدًا في مواجهة الأحداث. كما ترمز من جهة أخرى إلى ذكاء شيخ السوق الذي انتقم منهم بطلب المزيد من البقر حتى ينالوا جزاء تقاعسهم وخذلانهم. وعلى أي حال فقد ظهر لي الآن أن هذه القصة الرمزية لها أصل تاريخي فيما أثبته مؤرخ مكة الشيخ عبد الله غازي ونقله عنه الأستاذ أحمد السباعي، ولا أستبعد حماس الناس في بقية القصة واندفاعهم للشكوى ثم تراجعهم خشية من عواقب إقدامهم على الشكوى من هذه البقرة أو هذا الفيل. الشريف عون يبيع حقوق الطوافية: وفي عام ١٣١٨ هـ قسّم الشريف عون طوافة بلاد مصر وجاوة والهند والمغرب، وبلاد الأناضول وغيرها أقساما تسابق المطوفون إلى شرائها وبذلك ألغى سؤال الحاج عن مطوفه وألزمه بتبعية المطوف الذي اشترى حقوق الطوافة للبلاد التي يتبعها ذلك الحاج (٣٦٨). يقول إبراهيم رفعت باشا صاحب كتاب "مرآة الحرمين" تعليقا على هذا التقسيم: تسابق المطوفون إلى شراء هذه الأقسام بأثمان باهظة ظنُّوها متناسبة مع أهمية المركز وثروة حجاجه، ولكن كثيرا منهم خسر في ذلك خسارة فادحة، إذ دفعوا في الأقسام أثمانا باهظة بلغت الخمسين جنيها وزادت، ولما حان الموسم لم يحصِّلوا مقدار ما دفعوا، ولكن قليلا

стр. 1024

منهم سعد جَدُّه فربح أرباحا عظيمة، وقد نشأت خسارة من خسر من علو ثمن الأقسام، ومن أنه كان سافر إلى بعض الجهات، وأنفق في رحلته تلك، وفي تلك الهدايا التي كان يأخذها لمريدي الحج النفقات الطائلة، ثم ظهر بعد ذلك أن كثيرا منهم لم يأت في القسم الذي اشتراه. ولما رأى بعض المطوفين أن حجاج قسمه فقراء وما يدفعونه بخس، اشتد عليهم وأغلظ لهم القول، وحصل من جراء ذلك تشاحن وتسابٌّ بين الفريقين .. وكانت العادة المتبعة قبل هذا التقسيم أنه يجبى من كل مطوف للشريف ريال عن كل حاج ينزل عنده، وبالضرورة يأخذ المطوف من الحاج أمثال هذه الضريبة، ولو كان في فقر مدقع، وإن كانت لديه شفقة تجاوز عنه، وحصَّل أضعافه من الموسرين، والشريف لا يقيل أيّ مطوف من الضريبة مهما قدَّم من الأعذار، فإما أن يدفع، وأما أن يزج به في غيابة السجن، وكذلك نولِّي بعض الظالمين بعضًا بما كانوا يكسبون (٣٦٩). ونقل الأستاذ السباعي في تاريخ مكة عن مرآة الحرمين أن جميل باشا جاء إلى مكة فأبطل تقسيم بلاد الجاوة، ثم عادت التقسيمات في عهد راتب باشا، ويقول: إن بعض الصحف الجاوية نشرت تنتقد أعمال عون وتتهم بعض موظفي قصره وتقول: (إن هذا البعض يعطي للأمير من الشاة أذنها وقد بنوا الدور والقصور) (٣٧٠).

стр. 1025

هذا ما كتبه اللواء إبراهيم رفعت باشا عن تقسيم البلاد الإِسلامية إلى أقسام، وبيع حقوق الطوافة فيها لمن يشتري هذه الأقسام، ويسمى هذا البيع تقارير، وهذه التقارير تحدد جغرافية الأماكن التي يرد منها الحجاج ويكون الحجاج الواردون من هذه الأماكن حقًّا مقررًا لصاحب التقرير لا يشاركه فيه مشارك، حتى ولو ذكر الحاج أو رغب في النزول عند مطوف آخر، وكانت العادة المتبعة قبلًا أن يسأل الحجاج عند وصولهم إلى جدة عن أسماء المطوفين الذين يرغبون النزول لديهم، ويتسلم وكلاء المطوفين هؤلاء الحجاج ليقوموا بترحيلهم إلى مكة أو المدينة حسب رغبات الحجاج، فلما جاءت هذه التقارير أصبح حجاجها لا يُسألون وإنما يُحوَّلون إلى أصحاب التقارير، وإنما يكون السؤال للأماكن والبلاد التي لا تشملها هذه التقارير. نشأة الطوافة: ولقد مرت مهنة الطوافة بأطوار كثير ولا نجد بين أيدينا في كتب التاريخ ما يدل عليها. ويقول الأستاذ السباعي في "تاريخ مكة": إن السلطان قايتباي حج في عام ٨٨٤ هـ ولم يحج من ملوك الشراكسة غيره، وإن القاضي إبراهيم بن ظهيرة تقدم لتطويفه، وتلقينه الأدعية، ولم يذكر المؤرخون مطوفًا قبل القاضي كان يلقن الحجاج في مكة فيما قرأته من تواريخ مكة، كما يقول الأستاذ السباعي (٣٧١).

стр. 1026

أقول: إن الطوافة ليست هي تلقين الحاج الأدعية التي يتلوها في طوافه بالبيت فقط، فهذا مظهر من مظاهرها، ولكن مهنة الطوافة أوسع من ذلك كثيرًا، ولي في هذا الموضوع رأي قديم توصلت إليه بعد تفكير ولا بأس من إثباته هنا: لقد كانت مكة المكرمة منذ ظهر الإِسلام، ومنذ أن فرض الله فريضة الحج مكانًا تهوى إليه أفئدة المسلمين فيفدون إليه حاجين، ولما خَصَّ الله به البيت الحرام كان للإِقامة بمكة فضلها العظيم وثوابها الجزيل، فكان الحجاج يفدون إليها والبعض منهم يتخلف للإِقامة بها، كما كان البعض يستطيب الإِقامة فيها لطلب العلم، فلقد كانت مكة دائمًا منهلًا من مناهل العلم يفد إليها الناس من شتى أنحاء الأرض، ويحدثنا التاريخ عن حلقة عبد الله بن العباس - رضى الله عنه - في المسجد الحرام حيث يضرب إليه الناس آباط الإِبل يسألونه ويتفقهون على يديه، وجاءت بعد حلقة ابن العباس حلقات أخرى للعلماء في مكة والمدينة أمثال عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن المسيب وابن عطاء، وربيعة الرأي وغيرهم، ثم توالت الحلقات لأئمة الفقه والحديث عبر العصور، ولقد أدركت مكة في منتصف القرن الهجرى الرابع عشر وهي تستقبل طلبة العلم ص من جاوا وأفريقيا، ومن الهند، كان المسلمون يبعثون أبناءهم إلى مكة لتلقى العلم على يد علماء المسجد الحرام فيقضون الأعوام العديدة في طلب العلم، ثم يعودون إلى بلادهم لينشروا هذا العلم في أوطانهم، ولقد كانت المدرسة الصولتية في مكة تقوم بتعليم طلبة المسلمين الهنود في مكة ليعودوا إلى الهند فينشروا

стр. 1027

العلم في تلك الديار (٣٧٢). كانت مكة منذ القدم مكانًا يفد إليه الناس ويقيمون فيه كما ذكرنا، وكان القادم للحج إذا كان له قريب أو إنسان تربطه به معرفة أو سبب يسأل عن هذا القريب حين وصوله إلى مكة فينزل عنده، إن كانت الصلات التي تربطه به تستوجب هذا النزول أو على الأقل يستعين به وهو القادم من ديار بعيدة لقضاء حجه، وتسهيل أمره، فإذا كان المقيم في مكة على سبيل المثال مصريًّا فإن القادمين من بلده في مصر يسألون عنه حين وصولهم، وتتصل أسبابهم بأسبابه، يستعينون به في تجهيزهم للسفر إلى عرفات وأداء المناسك مثلا ثم في زيارتهم للمدينة المنورة، والمقيم يعرف من شئون البلد الذى يقيم فيه ما لا يعرفه الزائر، ولا غرابة أن يجتمع لهؤلاء المقيمين العدد الكبير من الوافدين من ديارهم في كل عام، فيكون هؤلاء المقيمون هم المرشدون لهؤلاء الوافدين والمعينون لهم على أداء مناسكهم. وهكذا بدأت مهنة الطوافة من الصداقة والمعرفة ثم تطورت إلى عمل تجاري تنافس فيه الناس فكان لا بد من أن يتدخل الحكام لتنظيمه فكان التنظيم أولًا هو بسؤال الحاج عن المطوف الذي يرغب الالتحاق به، ثم طرأت مسألة التقارير التي يمنحها الحكام للمطوفين أو يبيعها بعضهم كما فعل الشريف عون. وأذكر أنني كنت بمكة في الخمسينات من القرن الرابع عشر الهجري كنت أبحث في بداية تاريخ الطوافة ونشأتها واتصلت أسبابي

стр. 1028

بأسباب الصديق المرحوم الشيخ محمد جعفر لبنى (٣٧٣) وكان يشغل منصب رئيس قضايا المطوفين فسألته عن هذا التاريخ فقال لي: إن أقدم تقرير في الطوافة في مكة هو تقرير بيت صحرة، وهم من مطوفي إيران وإن هذا التقرير يعود إلى ستمائة عام، وقد حاولت الاطلاع على هذا التقرير فلم أتمكن فإذا صحَّ ما ذكره لي المرحوم الشيخ محمد لبنى وهو خبير في هذا الشأن فإن هذا التقرير يكون قد سبق التاريخ الذي ذكره الأستاذ السباعي بمائة وثلاثين عاما - والله أعلم -. على أي حال لقد مرت أعوام كان الناس في مكة والكثيرون منهم يعتمدون في حياتهم على الحجاج وكان المطوفون في مكة، ووكلاؤهم في جدة يشكلون الطبقة الثرية في البلاد التي تقتنى القصور، وتعيش حياة البذخ والترف، وكانوا يكتفون بعملهم في الطوافة فلا يعملون إلى جانبها عملا آخر لما تدرُّه عليهم من الأموال الكثيرة، كانوا يستقبلون الحجاج من جمادى الأولى، وكانت أول باخرة تفد بالحجاج من جاوة تنقل الفوج الأخير من حجاج السنة الفائتة فكان الحجاج يقضون في البلاد الشهور الطويلة، وكان الحجاج أثرياء، كانت الروبية الجاوية غالية الثمن فكان الجنيه الإِنجليزي الذهب بخمس روبيات جاوية وسبع روبيات هندية، وكان الحجاج يحضرون معهم الماس والذهب وكانوا ينفقون الأموال الكثيرة في الحجاز. ثم دارت الأيام الأيام دورتها فتبدل الحال غير الحال، فحلَّت

стр. 1029

الطائرات محل السفن، وأصبحت إقامة الحجاج في الحجاز محدودة، وكثر التوالد في البلاد الإِسلامية فعانت من الكثافة السكانية، ومن التضخم المالي ومن المشاكل الاقتصادية الكثيرة فلم تعد مهنة الطوافة تكفي أصحابها، ولهذا فإنهم قد اتخذوها مهنة مساعدة واتجه الكثيرون منهم وخاصة الجيل الجديد إلى الأخذ بأسباب الحياة الكثيرة فكان منهم الأطباء والمهندسون والعلماء ورجال الأعمال وأصحاب المراكز في الدولة وحسنا فعلوا فالتطور سنة الحياة. ولقد تطورت الطوافة من السؤال والتقارير فأصبحت الآن مؤسسات تضم الأجناس المختلفة ولها هيئات خاصة بها يقوم بها المطوفون أنفسهم، وتشرف وزارة الحج والأوقاف على هذه المؤسسات ويستمر التطور لمصلحة الحجاج ولمصلحة المطوفين إلى الأفضل بإذن الله. إبراهيم رفعت باشا يصف حكم الشريف عون: وصف إبراهيم رفعت باشا حكم الشريف عون في مكة في كتاب "مرآة الحرمين" في حجته عام ١٣١٨ هـ فقال: يلقب شريف مكة بسيد الجميع تمييزًا له عن بقية الأشراف، وهو الحاكم الذي لا ينازع في أمر، ولا يرد له قول، ينفى من شاء، ويحبس من شاء، ويعاقب من شاء، بيده عقد الأمور وحلها، وكل الحكام بمكة طوع إشارته من كبيرهم أحمد راتب باشا المشير إلى صغيرهم، فإن عارضه واحد منهم عزل في الحال، لأن الشريف له يد قوية في الدولة، فأيّ الأمور طلب أجيب إليه، بل غالب الشكايات منه ترد إليه ليفصل فيها بما شاء من شرع أو هوى لا معقب لحكمه فالويل كل الويل لمن شكا.

стр. 1030

ويعلق الباشا على ما كتب فيقول: نعم هذه اليد المستبدة تناسب حال الأعراب الأشرار الذين لا ترغمهم إلا القوة، ولا يقوّمهم إلا البطش بهم، ولكن لو ضمت إلى القوة العدالة لكبح الأشرار عن سيئاتهم، والتفَّ الناس حوله بأجسامهم وقلوبهم لأن للعدل من السلطان على النفوس ما ليس للقوة الغاشمة (٣٧٤) وهذا الوصف الذي ذكره صاحب "مرآة الحرمين" يلخص تاريخ الشريف عون الذي استمر يحكم مكة من ٩ ذي الحجة ١٢٩٩ هـ إلى جمادى الأولى ١٣٢٣ هـ دون معارض. ضرائب الشريف على الحجاج: ذكر إبراهيم رفعت باشا أن عدد الحجاج في عام ١٣١٨ هـ بلغ مائة وخمسين ألف حاج وعدَّد أنواع الضرائب فقال: إنه كان يؤخذ للشريف على كل رأس من الذبائح التي تباع على الحجاج خمسة قروش تؤخذ من البائع (٣٧٥) ويؤخذ على كل شقدف يباع في جدة ستة قروش ونصف مصرية - روبية - ويؤخذ من أجرة الجمل الذى يقل الحاج من جدة إلى مكة ريالان للشريف، وخمسة قروش عثمانية للحكومة، وريال آخر لوكيل المطوف بجدة ولمتعهد المطوف ضرائب ما أنزل الله بها من سلطان، كما كان يؤخذ للشريف على كل جمل يباع خمسون قرشا ويؤخذ للشريف على الجمل الواحد إلى عرفات ريال واحد، أما أجرة الجمل من مكة إلى المدينة فينبع فإن للشريف فيها اثنا عشر ريالا (٣٧٦) وقد أفاض

стр. 1031

صاحب كتاب "مرآة الحرمين" في هذا الأمر إفاضة كبيرة فليرجع إليها من رغب. كما ذكر الارتفاع المستمر في أجور الجمال للحجاج فقد كانت ٨٥٠ قرشا أجرة الجمل الواحد في سنة ١٣١٤ هـ فما زالت تزيد حتى وصلت إلى ٢٠٩٦ قرشا في سنة ١٣١٨ هـ (٣٧٧). إعانة السكة الحديدية الحجازية: وفي عام ١٣١٨ هـ أمر الشريف عون بجمع إعانة للسكة الحديدية وقدَّر على كل حاج ريالًا، فأخذ المطوفون يجمعونها ويورِّدونها للشريف، وقد حبس الحجاج بمكة سبعة أيام حتى يتم استحصال هذه الإِعانة الجبرية منهم، ولقد حاول بعض الحجاج التظلم من حبسهم عن السفر فذهب بعض حجاج المغاربة يشكون إلى الوالي فأرسل معهم مندوبا من قبله إلى الشريف ليسمح لهم بالخروج، فلما وصلوا إليه انقض عليهم - البارودية - (٣٧٨) ضربًا بالعصى فتشتتوا مذعورين، وحينما سمح للحجاج بالسفر من مكة أوقفوا في مكان ضيق مخصوص في الطريق لاستحصال ريال واحد للحكومة، واستعملوا كل غلظة وقساوة مع الحجاج، فدخلت الشقادق في بعضها وكاد الناس يكونون طبقات بعضها فوق بعض، وهناك تحطَّم كثير من الشقادف وسقط بعض الراكبين من عليها فتهشمت منهم العظام وبلغت فيهم الجراح (٣٧٩).

стр. 1032

ونكتفي بهذا القدر الذي أورده المؤرخون عن سيرة الشريف عون في مكة المكرمة والتي امتدت ما يقرب من ربع قرن، وقد أفضنا فيها لننقل للقارئ صورة من الحياة في مكة قبل ما يقرب من مائة عام، ليعرفوا شيئًا من تاريخ البلد الحرام في ذلك العصر السحيق، وليأخذوا العبرة، وليحمدوا الله تعالى على ما أَفاء عليهم من النعم الكثيرة، أمنًا شاملًا، ورخاءًا عظيمًا، وتطورًا فاق ما يتصوره الخيال. رئيس النظار يطلب إرسال عبد الرحمن سراج إلى مصر: ونعود بعد هذا الاستطراد الطويل إلى الشيخ عبد الرحمن سراج الذى تركناه يستقل سفينة شراعية ومعه ابنه الشاب عبد الله سراج إلى مصر هاربًا من بطش الشريف عون، فيصل إلى الشواطئ المصرية وهو مريض مدنف، وقابل الشيخ عبد الرحمن سراج حكمدار السويس وطلب منه أن يخبر رئيس النظار مصطفى فهمى باشا بوصوله إلى مصر، وطلب رئيس النظار إرسال الشيخ عبد الرحمن سراج إلى القاهرة فوصلها ضيفًا على رئيس النظار الذي كانت له معرفة سابقة به. أقول: مصطفى فهمي باشا رئيس وزراء مصر كان والد السيدة صفية زغلول أم المصريين وزوجة زعيم مصر العظيم الراحل سعد باشا زغلول. وفاة الشيخ عبد الرحمن سراج: ولكن حياة الشيخ عبد الرحمن سراج آذنت بانتهاء فقد اشتد عليه المرض، فقضي غريبًا عن وطنه، بعيدًا عن أهله وأحبابه، وكانت وفاته

стр. 1033

في سنة ١٣١٤ للهجرة في السادسة والستين من العمر بعد حياة حافلة كان فيها مثال العالم العامل الذي يجهر بالحق والذي لا تأخذه في الله لومة لائم، والذي يأنف الظلم على العباد والذي يرفض المناصب العظيمة في إباء واعتزاز، ويؤثر ما عند الله على ما عند الناس. * * *

стр. 1034

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة وبعض القرون الماضية

стр. 1035

الشيخ عبد الله عبد الرحمن سراج

стр. 1036

عَبْدُ اللهِ عَبْدُ الرَّحْمَن سراج متوسط القامة أقرب إلى الطول منه إلى القصر، مليء الجسم في غير إسراف، قمحى اللون، واسع العينين ثاقب النظرة، عظيم الأنف، وخط الشيب لحيته وعارضيه، تلمح في وجهه ملامح الذكاء والإِباء، يرتدي الجبة والعمامة الحجازية، وتتميز لفة العمامة بالميسم الذي تتميز به عمائم العلماء فلا ترى لها عَذَبَة ظاهرة كما هو شأن التجار والوجهاء، ولكنها متكورة اللفات شأن العلماء في سمتهم. ولد الشيخ عبد الله سراج في سنة ١٢٩٦ هـ بمكة وتلقى تعليمه فيها، فالتحق بالمدرسة الصولتية التي ابتدأت الدراسة فيها في سنة ١٢٩٠ هـ وتخرج منها (٣٨٠) كما تتلمذ على أعلام علماء مكة. فقد أدرك الشاب عبد الله سراج أباه وصاحَبَهُ حينما نفاه الشريف عون الرفيق من مكة، صاحبه إلى جدة أولا ثم سافر معه إلى مصر وبقي بجانب أبيه إلى حين وفاته في مصر سنة ١٣١٤ هـ، وكان عبد الله سراج في ذلك الحين فتى يقترب من العشرين من العمر، وكان والده كما وصفه صاحب كتاب "نشر النور والزهر": أوحد علماء هذا العصر وفقهائه وأدبائه وشعرائه، تفنن في علومه،

стр. 1037

وأجاد في منثوره ومنظومه، وتميز بالفضل على أقرانه، وزاحم بمنكبه صدور أهل زمانه إلخ .. نعم لقد تلقى عبد الله سراج من والده الكثير من العلم والمعرفة كما تلقى عنه دروسًا أخرى لا تقل أهمية عنها. الشيخ عبد الرحمن سراج يؤدب ابنه: كان الشريف عون الرفيق قد نفى كبار علماء مكة المكرمة وأصحاب الفتيا فيها، وكان أحد المنفيين هو الشيخ عبد الرحمن سراج الذي سافر معه ابنه عبد الله سراج فوصلوا إلى جدة ونزلوا في بيت شيخ دلالي الأسماك فيها وكان عبد الرحمن سراج مريضًا، ولم يكن معه من المال ما يصلح أحواله وأحوال ابنه، وفي المسكن البسيط الذى لجأ إليه في جدة زار الشيخ عبد الرحمن سراج رسول المعتمد البريطاني في جدة وعرض على الشيخ عبد الرحمن سراج رغبة الحكومة البريطانية إصدار فتوى بجواز أن يكون للمسلمين خليفتان في وقت واحد، فإذا أصدر الشيخ عبد الرحمن هذه الفتوى، فإن الحكومة البريطانية تنقله في بارجة حربية إنجليزية إلى الهند ليتولى منصب قاضى القضاة هناك. ونظر عبد الرحمن سراج إلى ابنه، كأنه يستطلع رأيه، ورأى الشاب عبد الله سراج أن الفرج قد جاء إلى أبيه في هذا العرض الذي يستردَّ به ما فقد من منصب وجاه، فقال لأبيه، إنه لا يرى بأسًا بإصدار هذه الفتوى؟ ولكن عبد الرحمن سراج نظر إلى ابنه نظرة صاعقة، وأهوى بيده على وجهه فلطمه على خده لطمة أليمة، والتفت إلى رسول المعتمد

стр. 1038

البريطاني يقول: ارجع لسيدك فأخبره أني لا أبيع ديني بدنياي (٣٨١). هذه اللطمة التي أهوى بها عبد الرحمن سراج على وجه ابنه الشاب كانت له درسًا من أعظم الدروس، ظل يهتدي به طول حياته، حتى أنه حدَّث ابنه البكر حسين سراج عنه بعد عشرات السنين. عبد الله سراج في مصر: سافر عبد الله مع أبيه الشيخ عبد الرحمن إلى مصر هاربيْن من بطش الشريف عون في سفينة شراعية دبر سفرهما فيها كبير جدة الأفندي عمر نصيف، ووصلا إلى مصر، وعلم بمقدم الشيخ عبد الرحمن سراج رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت مصطفى فهمى باشا فنزل الشيخ عبد الرحمن وابنه في ضيافة رئيس الوزراء .. وكان عبد الرحمن سراج مريضًا فلم تطل أيامه في مصر فتوفِّي هناك في سنة ١٣١٤ هـ، ووجد الشاب عبد الله سراج نفسه وحيدًا في مصر بعد وفاة أبيه فالتحق بالجامع الأزهر، يتلقى العلم على شيوخه الأجلاء، وحصل على شهادة العالمية من الأزهر. السفر إلى الهند: ولم تكن أحوال الشاب عبد الله سراج في مصر حسنة، فقد كان يشعر بالضيق بعد وفاة والده وبعد وفاة مضيفهم مصطفى فهمى باشا،

стр. 1039

ونفاذ ما لديه من المال القليل، حدَّث عن نفسه فقال: كنت أجلس يوما في أحد المقاهي القريبة من الجامع الأزهر، ومرَّ بي رجل هندي تنم عنه ملابسه وهيئته وأخذ يطيل النظر إليّ، ويتعمَّد المرور أمامي جيئة وذهوبًا، فدعوته إلى الجلوس معى بعد أن أدكت أن لديه ما سيفضي به إليّ، جلس الرجل وسألنى من أي البلاد أنت؟ فلما أخبرته خبري قال: إنه يعرف والدي، وإنه تتلمذ عليه في مكة المكرمة، ودعاني إلى السفر معه إلى الهند وزيَّن لي الأمر. يقول عبد الله سراج: ولما كنت غريبا في مصر، مبتعدًا عن وطنى في الحجاز قبلت الأمر، وسافرت مع الرجل إلى الهند، كنت أطوف بمدن الهند بترتيب من هذا الرجل، وجاء رمضان وصليت بالمسلمين هناك صلاة التراويح في شهر رمضان في مدينة حيدر آباد، وفي آخر ليلة من ليالي هذا الشهر الكريم تدفقت الهدايا للإِمام فبلغت قيمتها أربعين ألف روبية، وكان هذا المبلغ في ذلك الزمان ثروة طائلة. وعلم السيد عبد الله الزواوي مفتى الشافعية الذي نفاه الشريف عون مع أبي علم بمكاني في الهند، وكان هو قد هاجر إلي جاوة - أندونسيا - فأرسل إليّ يدعوني للقدوم إلى هناك وسافرت إلى جاوة ثم عدت منها مرة أخرى إلى الهند. أقول: كان المسلمون وما زالوا ينظرون إلى الأماكن المقدسة نظرة تقديس، وكانوا ينظرون إلى أهلها نظرة إكبار وإجلال، خاصة إذا كانوا من العلماء، فإذا حل المكى والمدني أرضًا أحلَّه أهلها بينهم محل التكريم

стр. 1040

والإِعزاز، يلتمسون فيهم القدوة الحسنة ويغدقون عليهم الهدايا العظيمة، وخاصة إذا كان القادم رجل علم وفضل، وكان حميد السيرة في أعماله وسلوكه، ولقد تعوَّد الناس في الحجاز كلما ضاقت بهم الحال، أو نبا بهم المقام أن يرحلوا إلى الديار الإِسلامية، يلتمسون فضل الله تعالى عليهم في هذه الرحلات، فيجنون منها أطيب الثمر، وأحسن الأثر. ولقد كان من عادة المطوفين خاصة إذا ما انتهى الحج وانقضت أيامه أن يرحلوا إلى البلاد التي يرد منها حجاجهم، توثيقًا لعلائقهم بالحجاج وبالراغبين في القدوم إلى الحج، وكانوا يصطحبون معهم الهدايا التي يحبها الحجاج لتقديمها إلى كبار الرجال، ويتلقون بدورهم الهدايا والألطاف، بل إن بعض المطوفين كان يصهر إلى أهل الديار فيتزوجون من نسائها، وكان الناس هناك يقبلون على تزويجهم راضين لأنهم من أهل البلاد المقدسة. ولكن النظرة إلى القادم من الحجاز ترتبط دائما بتصرفاته وحسن سلوكه، فإذا أخطأ كان خطؤه عظيمًا وكان حسابه على هذا الخطأ أعظم، ولهذا فإن الذين كانوا يرحلون إلى البلاد الإِسلامية ينظر إليهم كممثلين لبلادهم المقدسة والويل كل الويل لهم لو انحرفوا أو زلُّوا فإن السخط عليهم وعلى تصرفاتهم يكون عظيمًا، هكذا كان الحال في الماضي، حينما كانت البلاد الإِسلامية بلاد الخير والبركة، وحينما كان الحجاز يعتمد في حياته على الحج والحجاج، وقد دار الفلك دورته، وأصبح الحجاز بل أصبحت المملكة العربية السعودية مركز الثقل الاقتصادي في العالم الإِسلامي، وأصبحت الدولة تنفق على الحج ومرافقه آلاف الملايين من الريالات، فلم يَعُدْ أهل هذه البلاد بحاجة إلى السفر

стр. 1041

لاستقدام الحجاج، ولكنهم يسافرون للسياحة، والتجارة، والاستشفاء، وأصبح الحجاج يتسوقون من مدن الحجاز ما ينقص بلادهم من الأجهزة المختلفة والهدايا النفيسة، والأدوية المبذولة فسبحان مغير الأحوال، وحمدًا له تعالى على كل حال. عبد الله سراج في الآستانة: يقول عبد الله سراج، ولكني آثرت بعد ذلك السفر إلى استانبول عاصمة الخلافة العثمانية في ذلك الزمان رغبة منى في الالتحاق بإحدى المدارس هناك .. وسافر عبد الله سراج إلى استانبول واستقر بها وزار الشريف الحسين بن علي - ملك الحجاز فيما بعد - وكان يقيم بها في البشكطاش، فدعاني إلى الإِقامة في ضيافته الكريمة. يقول عبد الله سراج فانتقلت إلى دار الشريف الحسين بن علي وبقيت معه في الآستانة ثمانية عشر عاما، وكانت غرفتى في داره مجاورة لغرفة الأمير الشريف عبد الله بن الحسين - جلالة ملك المملكة الأردنية الهاشمية فيما بعد - وتوثقت صلة عبد الله سراج بالشريف الحسين بن علي كما توثقت صلته بابنه الأمير عبد الله بن الحسين، كما كان يتولى الإِمامة في منزل الشريف الحسين الذي تعمَّد إبقاءه في داره. وفي أثناء إقامته بالآستانة توثقت صلته برجال الدولة في عهد السلطان عبد الحميد فنال ثقتهم وأنعم عليه السلطان عبد الحميد بالوسام الحميدي. إعلان الدستور في تركيا: تطورت الأحداث في تركيا فقام الاتحاديون بإعلان الدستور

стр. 1042

في ٢٧ جمادى الثانية ١٣٢٦ هـ مع بقاء السلطان عبد الحميد على العرش (٣٨٢) ثم خُلع في نفس العام ورحل مع أسرته إلى سلانيك ثم أعيد إلى الآستانة فظل فيها أسيرا. إعلان الدستور بين الشريف والوالي: لما قام الاتحاديون بإعلان الدستور وعزل السلطان عبد الحميد أصدروا أوامرهم إلى الوالي التركي في الحجاز أحمد راتب باشا بإعلان الدستور في البلاد، ولكن راتب باشا تباطأ في الأمر وصرح لكبار الضباط بعدم التسرع في نشر الدستور، وأن يتم ذلك تدريجيًّا خشية من الفتن في الحجاز. ولكن أنصار الدستور من الضباط والجنود وبعض الأهالي لم يقتنعوا برأيه، ورأوا ضرورة التعجيل بإعلان الدستور وكان الأمير في الحجاز هو الشريف علي باشا بن عبد الله في مصيفه بالطائف، كتب أحمد راتب باشا إلى الشريف علي باشا يطلب منه الحضور إلى جدة لمساعدته في إخماد الفتنة التي يتوقعها حين إعلان الدستور. وكتب علي باشا إلى الوالي يوافق على رأيه في إرجاء إعلان الدستور، ولكنه لم يحضر إلى جدة لمساعدته على إخماد الفتنة .. واستطاع أنصار الدستور في جدة القبض على راتب باشا وإرساله إلى مكة أسيرًا في القلعة. ثم أعلنوا الدستور، ونادوا به في شوارع مكة وجدة والطائف.

стр. 1043

عزل راتب باشا: وعلم الاتحاديون في الآستانة بتباطئ راتب باشا في إعلان الدستور فصدر الأمر بعزله، وتولية كاظم باشا الذي وصل إلى مكة في رمضان من العام المذكور ١٣٢٦ هـ (٣٨٣). ثورة القبورى: لم تكن ثورة الاتحاديين على السلطان عبد الحميد وعزله عن الخلافة لتمرَّ دون أن تترك آثارها في نفوس الناس، خاصة لما عرف عن الاتحاديين أو على الأصح عن بعضهم من عدم الالتزام الكامل بأمور الدين، فكان الناس في شكٍّ من أمرهم، وقد قام بعض أنصار الاتحاديين في مكة بفرض ضريبة على دفن الموتى مقدارها خمسة ريالات، قالوا: إن هذه الضريبة ستصرف في إصلاح القبور. واستدعى لهذا الغرض شيخ القبوريين لإِبلاغه باستيفاء هذه الضريبة من أهل الموتى، ولكن شيخ القبوريين استنكر الأمر وخرج من دار الحكومة صائحًا فاجتمع إليه الناس، فأعلن الأمر إليهم في صورة استثارت مشاعرهم وكانوا - كما يقول الأستاذ السباعى - لم يتوطنوا بعد على مبادئ الدستوريين، ولم يقتنعوا بثورتهم على الخليفة وصاح صائحهم بالجهاد في سبيل الله. واستجاب الشباب من جميع الحارات، وخرجوا بأسلحتهم ينادون بالثورة على الأتراك، فاشتبكوا مع الجند في عدة مواقع من الأسواق، وقتل وجرح من الفريقين عدد غير كبير.

стр. 1044

ثم استطاع الأتراك بمساعدة بعض الأشراف إخماد الفتنة بعد ساعات من نشوبها. عزل علي باشا أمير مكة وتولية عبد الله بن محمد عون: وقد اتهم الأتراك الشريف علي باشا أمير مكة بتدبير هذه الفتنة ومساعدتها، وكانوا قد استاءوا من تباطئه في إعلان الدستور فأصدروا أمرهم بعزله في ٢٨ رمضان ١٣٢٦ هـ وتولية الشريف عبد الله بن محمد بن عون. وفاة عبد الله بن محمد بن عون وتولية الحسين بن علي: ولكن المنية عاجلت الشريف عبد الله قبل أن يصل إلى مكة فتوفي في ٣ شوال من عام ١٣٢٦ هـ بعد خمسة أيام من تعيينه وكان سقيمًا أنهكته الأمراض كما كان يقيم في الآستانة، فوجهت الولاية إلى الشريف الحسين بن علي - ملك الحجاز فيما بعد - ووافق الخليفة محمد رشاد الخامس على ذلك فتوجه الحسين وكان مقيمًا في الآستانة فوصل إلى مكة في ذي القعدة من عام ١٣٢٦ هـ (٣٨٤). عبد الله سراج يعود مع الحسين إلى مكة: وبعودة الشريف الحسين بن علي إلى مكة عاد إليها في معيته الشيخ عبد الله سراج، وقد عرفنا أنه كان مقيمًا بدار الشريف الحسين في الآستانة.

стр. 1045

وظائف عبد الله سراج في مكة: أسند الشريف الحسين إلى الشيخ عبد الله سراج وظيفة الإِفتاء التي كان يتولاها أبوه الشيخ عبد الرحمن سراج، وجَدُّهُ الشيخ عبد الله سراج الذي كان رئيسًا لعلماء مكة (٣٨٥)، فالرجل سليل أسرة علم وفتيا جيلا بعد جيل فلا غرابة أن يسند إليه الشريف الحسين بن علي هذا المنصب الجليل، وهو من أقرب الناس إليه كما أسلفنا. انتخاب عبد الله سراج عضوا في مجالس المبعوثان: جاء في "تاريخ مكة" للسباعي نقلا عن كتاب "إفادة الأنام" ما يلي: على أثر إعلان الدستور في الحجاز صدرت أوامر الاتحاديين بانتخاب مبعوث عن كل خمسين ألف شخص لتمثيل بلادهم في مجلس المبعوثان - مجلس الدستور - فانتخبت مكة المفتى الشيخ عبد الله سراج بصورة أقرب إلى التعيين منها إلى معنى الانتخاب. والشيخ عبد الله سراج يستقيل: وسافر المنتخب إلى السويس ثم ما لبث أن استعفى وبذلك عقد مجلس المبعوثان في ذلك العام، ولم يحضر مبعوث مكة (٣٨٦).

стр. 1046

وللقارئ أن يتساءل معي عن الأسباب التي دفعت الشيخ عبد الله سراج للاستعفاء من هذا المنصب العظيم ونستطيع تعليل هذا الاستعفاء بأنه كان بوحْي من الشريف الحسين بن علي الذي لم يكن راضيًا عن الاتحاديين والتى كشفت له إقامته الطويلة في تركيا دخائل أمورهم وما كانت تموج به عاصمة الخلافة من العناصر المختلفة وخاصة ما كان العرب يهيئون أنفسهم له من استقلال عن تركيا بعد أن ظهرت بوادر العنصرية لدى الأتراك ضد العرب. ويبدو أن الحسين آثر إظهار المسايرة للاتحاديين فأمر بانتخاب عضوين في العام التالي لمجلس المبعوثان هما ابنه الشريف عبد الله بن الحسين، والشيخ حسن عبد القادر الشيبى (٣٨٧). الشريف الحسين يعلن الثورة على الأتراك: استمر الشريف الحسين أميرًا على مكة من القعدة ١٣٢٦ هـ إلى ٩ شعبان ١٣٣٤ هـ، وكان طيلة مدة إمارته يهيئ نفسه للانقضاض على الاتحاديين، وكان لا يترك للوالي التركي فرصة للعمل فقد كانت مجالسه تفيض بالنشاط، وكان دائم الاتصال بطبقات الشعب والأهالي، كما كان يستقبل وفود البلاد العربية القادمين إلى الحج، ويطيل في حديثه عما يتوجسه من الاتحاديين. وقد ذكر الأستاذ السباعى في "تاريخ مكة" أن السنوات السبع

стр. 1047

من إمارته في مكة تعاقب فيها ستة ولاة من الأتراك هم: كاظم، وحازم، وفؤاد، وأحمد نديم، ووهيب، وغالب - مع حفظ الألقاب - (٣٨٨). وقد اغتنم الحسين فرصة اندلاع الحرب العالمية الأولى وانضمام الأتراك إلى الألمان في محاربة الإِنجليز والفرنسيين، فاتفق الحسين كما هو معلوم مع الإِنجليز وقام بإعلان الثورة عليهم في مكة في ١٩ شعبان ١٣٣٤ هـ. الشيخ عبد الله سراج يخطب معلنًا الثورة في المسجد الحرام: يقول الأستاذ حسين سراج: وبأمرٍ من الشريف الجسين قام الشيخ عبد الله سراج مفتي الأحناف في مكة بالخطابة في المسجد الحرام معلنا الثورة على الأتراك في الوقت الذي أطلق فيه الشريف الحسين الرصاصة الأولى من منزله معلنًا بدء الثورة. عبد الله سراج يشترك في احتلال قلعة أجياد: ويقول الأستاذ حسين سراج: بدأت ثورة الشريف الحسين باحتلال قلعة أجياد التي كانت بها مجموعة من الضباط والجنود والأتراك، وكان الشيخ عبد الله سراج يشترك في مهاجمة القلعة تشجيعًا للمهاجمين وهو بهذا يذكّرنا بما فعله والده الشيخ عبد الرحمن سراج الذي اشترك في التدريب العسكري

стр. 1048

الذي فرضته الدولة وحث الناس عليه (٣٨٩). الشريف عبد الله بن حسين يهاجم الأتراك في الطائف: يقول الأستاذ حسين سراج نقلًا عن والده الشيخ عبد الله سراج: كان الجيش التركي في الطائف قوامه ثلاثة آلاف جندي وكان الشريف الحسين يخشى أن يزحف الأتراك بجيشهم هذا على مكة فآثر أن يبادئهم بالهجوم، وأرسل ابنه الشريف عبد الله بن الحسين لمهاجمة الطائف. يقول الأستاذ حسين سراج نقلا عن والده: وكان الإِنجليز قد ألحُّوا على الشريف الحسين بمهاجمة الطائف وأبوا إمداده بالسلاح حتى يهاجم الطائف .. وكان الشريف عبد الله بن الحسين يخشى نتائج الهجوم على الطائف فأرسل الشريف الحسين الشيخ عبد الله سراج في أثره لصلاته الكبيرة بقبائل الطائف، ومن المعلوم أن أسرة الشيخ عبد الله سراج من أُسَر الطائف المعروفة، وكانت ولا تزال لهم بساتين شهار وأراضيها الشهيرة هناك. يقول الشيخ عبد الله سراج: إن الشريف عبد الله بن الحسين وجيشه منوا بهزيمة منكرة في الجولة الأولى، من هجومهم على الطائف وإن عدد القتلى منهم بلغ خمسمائة قتيل.

стр. 1049

ولكن الشريف عبد الله بن الحسين أعاد الكرَّة بعد أن جمع قبائل الطائف وأمدَّهم الشريف الحسين بالمدفعية التي يقودها القيسوني باشا فسلمت مدينة الطائف. يقول الأستاذ أمين سعيد في كتاب الثورة العربية: استسلمت الطائف عند منتصف ليل ٢٢ سبتمبر سنة ١٩١٦ م (٢٤ ذي القعدة ١٣٣٤ هـ) فقد جاء الوالي غالب باشا بنفسه مع ضباطه إلى المعسكر العربي خارج السور، وسلموا أنفسهم كما سلمت القوات التركية سلاحها للجيش العربي (٣٩٠). عبد الله سراج أول المبايعين: بالرغم من قيام الحسين بن علي بالثورة على الأتراك في ٩ شعبان ١٣٣٤ هـ إلا أن مبايعته بالملك لم تتم إلا في ٦ من محرم ١٣٣٥ هـ الموافق ٣ ديسمبر ١٩١٦ م، يقول الأستاذ أمين سعيد: ولم يشأ الشريف أن يعجل بالعمل مع أنه قبض فعلا على زمام الحجاز، ما خلا المدينة المنورة، بل ظل يوقع رسائله ومنشوراته باسم شريف مكة وأميرها، ويخاطب الدول بهذه الصفة حتى ختام أول موسم للحج في العهد الجديد، وزوال كل خطر عن الثورة، فجرت البيعة بالملك يوم الخميس ٦ محرم ١٣٣٥ هـ الموافق ٣ ديسمبر ١٩١٦ م، فجاء الحسين من القصر الملكي إلى مدرسته الخاصة الملاصقة للكعبة فدخلها يَحُفُّ به آله وذووه والعلماء والكبراء، ولما استقر بهم المقام سلم

стр. 1050

الشيخ عبد الله سراج مفتي الحنفية في مكة الشيخ عبد الله الخطيب كتاب البيعة فتلاه على الجماهير المحتشدة في الحرم، ثم قام الشيخ ابن سراج فبايع الحسين بالمُلك ولقّبه بملك البلاد العربية وتبعه الناس بالبيعة (٣٩١). قاضي القضاة ووكيل رئيس الوكلاء: وفي اليوم التالي أصدر الحسين أول مرسوم بتأليف أول وزارة وجَّهه إلى حضرة العالم الكامل الشيخ ابن سراج ووجه إليه منصب قاضي القضاة وعينه وكيلًا عن رئيس الوكلاء العظام، وكان رئيس الوكلاء هو الأمير علي بن الحسين - ملك الحجاز فيما بعد - وكان مشغولًا بالحرب: وهكذا نرى الشيخ عبد الله سراج يتبوّأ أعلى المناصب في أول حكومة تؤلف في العهد الهاشمي، ويوجه إليه أول مرسوم بتأليف الوزارة (٣٩٢). في عهد الملك علي: وحينما تنازل الملك الحسين بن علي عن العرش وبويع لابنه الملك علي بن الحسين كان الشيخ عبد الله سراج يشغل نفس المناصب التي يشغلها في عهد الحسين، فكان رئيسًا للوكلاء وقاضيًا للقضاة ومفتي الأحناف.

стр. 1051

الملك فؤاد يرنو إلى الخلافة: بعد إلغاء الأتراك للخلافة وعزل آخر الخلفاء العثمانيين السلطان محمد رشاد الخامس طمح الكثيرون بأبصارهم إلى الخلافة، فعمل الأمير عبد الله بن الحسين على البيعة لوالده الملك الحسين بن علي ملك الحجاز بالخلافة وتمت البيعة له في عمان يوم ١٢ مارس ١٩٢٤ هـ (٣٩٣)، وعاد إلى الحجاز وهو يحمل لقب الخلافة إلى جانب الملك. ولكن أيام الحسين في الملك وكذلك في الخلافة لم تطل فقد تنازل عن الملك يوم ٥ ربيع الأول ١٣٤٢ هـ حيث بويع لابنه الملك علي بن الحسين، وغادر هو جدة إلى العقبة، وقد رأى الملك فؤاد ملك مصر أن الفرصة قد سنحت له ليحظى هو بلقب الخليفة فدعى إلى عقد مؤتمر إسلامي في القاهرة، وقد دُعى الشيخ عمد الله سراج قاضى القضاة ومفتي الأحناف في الحجاز لحضور هذا المؤتمر ضمن من دعي إليه من أعلام الرجال في البلاد الإِسلامية. وأثناء إقامة عبد الله سراج في مصر تم الصلح بين الملك علي والسلطان عبد العزيز آل سعود - كان لقبه الرسمي في ذلك الوقت سلطان نجد وملحقاتها - تم الصلح بينهما على تسليم البلاد للسلطان عبد العزيز الذي أصبح لقبه الرسمي ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها .. فعرض الملك فؤاد على عبد الله سراج منصب قاضى القضاة في السودان كما أنعم عليه بوشاح النيل من الدرجة الأولى فاعتذر عن قبول المنصب.

стр. 1052

عبد الله سراج في الأردن: أرسل الأمير عبد الله بن الحسين أمير شرقي الأردن إلى عبد الله سراج يدعوه للحضور إلى الأردن ففعل. عبد الله سراج رئيسًا لوزراء الأردن: كان عبد الله سراج محل رعاية الأمير عبد الله بن الحسين وثقته فأسند إليه رئاسة الوزارة الأردنية عام ١٣٤٨ هـ وخلال رئاسته للوزارة جرى العمل على تأسيس المجلس التشريعي، وكان أهم إنجازات عبد الله سراج في رئاسة الوزارة الأردنية استصدار قانون منع بيع وتأجير الأراضي للأجانب، فقد كان اليهود يطمحون إلى شراء أو استئجار الأراضي في الأردن لاستيطان العائلات اليهودية بها، امتدادًا لمخططاتهم الرامية إلى الاستيلاء على الأراضي العربية رغبة في أن يشملها وعد بلفور المشئوم. فكان هذا القانون طعنة نافذة قضت على هذه المخططات. عبد الله سراج يطرد مدير مشروع روتنبرج: حدثنى الأستاذ حسين سراج قال: أثناء رئاسة والدي الشيخ عبد الله سراج للوزارة الأرنية حضر اليهودي المسمى كوهين مدير مشروع روتنبرج، كنت أتولى الترجمة بينه وبين الوالد، وبينما كان كوهين هذا ينتظر الإِذن بالدخول على والدي أخبرني أنه جاء بعرض مُغْرٍ للوالد فيه ثروة طائلة. يقول الأستاذ حسين سراج: حذَّرت كوهين هذا من غضب الوالد فقال لي إنك لا تزال صغيرًا .. فقلت له: إنك لا تزال قليل الأدب.

стр. 1053

وأذن الوالد لمدير مشروع روتنبرج بمقابلته، وما أتم هذا اليهودي كلامه حتى كان الوالد قد ضغط على الجرس، فحضر الحاجب فأمره الوالد أن يضع الأصفاد في يد مدير مشروع روتنبرج، ويسير به مخفورًا إلى أن يصل به إلى جسر اللنبي فيطرده خارج الأردن. إقالة عبد الله سراج: استمر عبد الله سراج في رئاسة الوزارة سنتان وأربع شهور، ثم أُقيلت وزارته. الملك عبد العزيز وعبد الله سراج: يقول الأستاذ حسين سراج: استدعى جلالة الملك عبد العزيز ﵀ عمي الشيخ محمد علي سراج وكان تولى القضاء في الطائف والظفير، كما كان عضوًا برئاسة القضاة، وكان قبل ذلك تولى الإِمامة والخطابة في المسجد الحرام في العهد العثماني (٣٩٤) استدعاه جلالة الملك عبد العزيز وأمره أن يكتب للوالد بأن جلالته يرحب به إن كان راغبًا في العودة إلى الحجاز، وإنه سيلقي من جلالته الإِكرام والتقدير. يقول الأستاذ حسين سراج: تلقى والدي هذه الدعوة الكريمة بالشكر والعرفان، وكتب إلى جلالة الملك عبد العزيز معبِّرًا عن تأثره البالغ بعطف جلالته وكرمه، ولكنه آثر البقاء في الأردن، فلم يتمكن من تلبية هذه الدعوة الكريمة.

стр. 1054

مرض عبد الله سراج ووفاته: أصيب الشيخ عبد الله سراج بالشلل، وبقي سبعة عشر عاما وهو يعاني من هذا الداء العضال، إلى أن توفاه الله تعالى في شهر رجب من عام ١٣٦٨ هـ الموافق لعام ١٩٤٨ م. عاش فقيرًا ومات فقيرًا: ورثاه الملك عبد الله بن الحسين في جريدة الأردن فقال عنه فيما قال: عاش فقيرًا، ومات فقيرًا دأب من شايع بني هاشم، وأمر بدفنه في المقابر الملكية بعمان. رحم الله الشيخ عبد الله سراج فلقد كانت حياته مثالًا للعصامية والكفاح، خرج من بلاده شابًّا وعاد إليها بعد أن صار رجلًا، وقد تزود من العلم في أسفاره واغترابه، وتبوأ أعلى المناصب في الحجاز والأردن، وتقلب به الزمان فكان ملتزما بأخلاقه ومبادئه، وعالق فقيرًا ومات فقيرًا كما وصفه الملك عبد الله بن الحسين، فلم تكن هذه المناصب العظيمة لتغير من أخلاقه أو تجلب له الثراء الحرام.

стр. 1055

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة وبعض القرون الماضية
следующие страницы →