← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الأمر الملكي بتعيينه عضوا في هيئة التمييز التي تشكلت عام ١٣٦١ هـ برئاسة الشيخ محمد بن مانع وصدر الأمر بحل هيئة التمييز بعد ثلاث سنوات من تشكيلها، وشرعت الحكومة في تعيين أعضاء هذه الهيئة في الوظائف الحكومية الأخرى، ورأى الشيخ حسن المشاط أن الفرصة قد حانت للتخلص من الوظائف الحكومية فحزم أمره وسافر إلى السودان ومصر وسوريا ولبنان وطرابلس ثم عاد إلى مصر مرة أخرى ليعود منها إلى مكة المكرمة. ولكن الوظائف الحكومية التي كان يهرب منها، لم تكن لتهرب منه فعين في عام ١٣٦٥ هـ وكيلا لرئيس المحكمة الشرعية الكبرى بمكة المكرمة والتي كان يرأسها السيد زكي البرزنجي، وبقي في هذا العمل عامين، ثم عين عضوا رسميا في المحكمة الشرعية بمكة، وكل هذه الوظائف لم تمنعه من مواصلة التدريس في المدرسة الصولتية، يقول الشيخ حسن المشاط: ولم يمنعني ذلك من مواصلة التدريس بالصولتية صباحا أيام الصيف، وبعد الظهر إذا خرجت من الوظيفة أيام الشتاء. وفي عام ١٣٧٢ هـ صدر أمر جلالة الملك سعود بتعيينه عضوا في مجلس الشورى، فكان سروره عظيما إذ ظن في ذلك الخلاص من وظائف القضاء، ولكن الفرحة لم تتم فقد طالب الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ رئيس القضاة بعودته إلى القضاء لأن المجال القضائي في حاجة إلى خبراته، كتب سماحة الشيخ رئيس القضاة بذلك إلى ولي الأمر فصدر الأمر بإعادته إلى القضاء فعيِّن على غير رغبة منه معاونا الرئيس المحكمة الشرعية الكبرى.

стр. 982

يقول الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان: كان الشيخ حسن المشاط ﵀ يحلم بالتخلص من القضاء، وتحت إلحاحه الشديدة جاءت الموافقة على طلب استقالته منه في العاشر من شهر شوال عام ١٣٧٥ هـ فسعد بها، وانقطع للعلم وطلابه، وقد عبَّر عن مشاعره في التخلص من القضاء بقوله: وكان يوم قبول استقالتي من العمل الحكومي الذي حمدت الله عليه أسعد يوم طلعت عليه الشمس (٣٢٢). أقول: إن كره الشيخ حسن المشاط لوظائف القضاء ليس غريبا على من كان في مثل طباعه، فقد وهب نفسه للعلم والتعليم، ولقد سبق الشيخ المشاط إلى العزوف عن المناصب وعن وظائف القضاء خاصة الكثير من أئمة الفقهاء فقد عرض الخليفة هارون الرشيد على الإمام الشافعي القضاء في أيِّ مكان يريد، أو الولاية لأيِّ قطر يختار، ولكن الشافعي استأذن الرشيد في أن يتفرغ للعلم، وأن يعود إلى مكة ليعيش بين أهله من قريش ولنشر ما تعلَّمه بين الناس فأذن له الرشيد (٣٢٣). وعرض الخليفة المنصور على فقيه مصر الإمام الليث بن سعد ولاية مصر فاعتذر قائلا: يا أمير المؤمنين إني أضْعَف من ذلك، إني رجل من الموالي، وأدرك المنصور زهده في المناصب فقال ما بك من ضعف معي،

стр. 983

ولكن ضعفت نيّتك في العمل عن ذلك لي، ثم أردف لقد أعجبتني، أكثر الله في الرعية من أمثالك (٣٢٤). أما الإمام أبو حنيفة فقد لقى العذاب إصراره على رفض منصب القضاء، عرض عليه الأمويون منصب القاضي فرفضه فسجنوه، وعذَّبوه في السجن، وعرض عليه العباسيون منصب قاضي القضاة، فأبي وتمسَّك بالتفرغ للعلم، قالوا له: إنه قد حصل من العلم ما يجعله في غني فردَّ عليهم قائلا: من ظن أنه يستغني عن العلم فليبك على نفسه (٣٢٥). وسأل أحد الخلفاء العباسيين أبا حنيفة عن أسباب رفضه لولاية القضاء أو أن يكون مفتيا للدولة، يرجع إليه القضاء فيما يصعب عليهم القضاء فيه فقال أبو حنيفة يجيب الخليفة: والله ما أنا بمأمون الرضا، فكيف أكون مأمون الغضب، ولو اتجه الحكم عليك ثم هدَّدتني أن تغرقني في الفرات أو الحكم عليك لاخترت أن أغرق، ثم قال أبو حنيفة ثم إن تلك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك فلا أصلح لذلك. وأمر الخليفة بحبسه وبضربه بالسياط حتى يقبل منصب قاضي قضاة بغداد ولكنه أصرَّ على الرفض فسجن وعُذِّب وضرب بالسياط ولكنه أصر على رفض المنصب وأخرج من السجن وهو يعاني سكرات الموت، فلم يستطع الجلوس بعدها للناس (٣٢٦).

стр. 984

والحديث في هذا الباب طويل، والذي أريد أن أخلص إليه أن الشيخ حسن المشاط حينما يرغب عن مناصب القضاء، إنما كان يقتدي بأئمة الفقهاء من قبله. حكم قضائي عجيب: يقول الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان: كان له - الشيخ حسن المشاط - في القضاء مواقف واجتهادات ولعل أبرزها حكمه في القضية رقم ٣٢٨ عام ١٣٦٨ هـ بالمحكمة الشرعية الكبرى بمكة وخلاصة هذه القضية كما أوردها الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان كما يلي: طلَّق رجل زوجته وهي حامل منه باعترافه، وكان يؤدي لها نفقة الحمل حتى أتَّمت سنةً من حملها ولم تلد فارتاب الزوج في انغشاش الحمل وقطع عنها النفقة، وكانت المرأة متأكّدة من أن جنينها في بطنها فردت كل من تقدم للزواج منها، وبعد خمس سنين وتسعة أشهر وضعت الزوجة ولدًا، فأنكره الزوج، وأقام الدعوى ضد زوجته السابقة، وكان القاضي الذي ينظر في هذه القضية هو الشيخ حسن المشاط، فأصدر حكمه بإثبات نسب الولد إلى الزوج، ولكن الزوج لم يقتنع بالحكم فاعترض عليه ورفع شكواه إلى جلالة الملك عبد العزيز ﵀ فأمر جلالته بتأليف لجنة من العُلماء برئاسة الشيخ محمد بن مانع للنظر في هذه القضية، وكان غالب أعضاء هذه اللجنة يخالفونه الرأي وكان هو مقتنعة بصحة حكمه ومصرًّا عليه، ورفع الأمر إلى جلالة الملك عبد العزيز فأحال القضية إلى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية في ذلك الزمان لدراستها وإبداء الرأي الفصل فيها.

стр. 985

وقد أيَّد مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم رأي القاضي الشيخ حسن المشاط في ثبوت نسب الولد إلى أبيه، وقد أثبت الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان حيثيات الحكم التي وردت من مفتي الديار السعودية ونوجزها هنا فيما يلي: إن مسألة مدة الحمل هي موضوع اختلاف بين العُلماء ولم يحصل إجماع على تحديد مدة معينة لأدنى الحمْل وأقصاه، وقد ثبت أن مدة الحمل لدى بعض النساء سنتان وبعضها أربع سنوات، كما ثبت وجود حالات حمل استمرت ثلاث سنين وخمس سنين وسبع سنين، وقد احتج كثيرٌ من العُلماء في تلك القضايا بالحالات التي ثبتت لدى العُلماء في زمانها وعلى هذا فلا يجوز تحديد مدة الحمل بأجل معين، والأصح هو عدم التحديد لأن المرأة التي تتجاوز مدة الحمل الطبيعي وهو تسع شهور إلى عامين مثلا أو إلى ثلاث يجوز أن يركد الجنين في بطنها إلى أكثر من ذلك، ويقول سماحة مفتي الديار السعودية في ختام حكمه: ولم نجد في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله ﷺ لتحديد أكثر مدة الحمل بأربع سنين حجة بل الكتاب والسنة يشهدان بنقيض ذلك، فإنهما قد أُطْلِقا ولم يحدِّدا أكثر مدة الحمل فمن حدَّد أكثر مدته فقد قصد إلى تقييد ما أطلقه الله تعالى ورسوله ﷺ بغير حجة شرعية تصلح لتقييد ذلك المطلق. ونكتفي بما اجترأناه من حيثيات الحكم في هذه القضية العجيبة، خشية الإطالة والإملال، ومن أراد الاستزادة فليرجع إليها مفصلة

стр. 986

في كتاب "الجواهر الثمينة" (٣٢٧) بتحقيق الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان. وهكذا نرى الشيخ حسن المشاط يصرُّ على رأي تبيَّن له صوابه فيصدر حكمه فيه مستندًا إلى الأدلة الشرعية فيعيد للمرأة المطلقة الصابرة كرامتها، ويثبت نسب الولد إلى أبيه المنكر لبنوته. مؤلفات الشيخ حسن المشاط: أورد الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان ثبتًا بأسماء مؤلفات الشيخ حسق المشاط وعرَّف كل كتاب من مؤلفاته تعريفًا وافيًا ونحن نثبت أسماء هذه المؤلفات مع تعريف موجز عنها: (١) كتاب "الجواهر الثمينة في أدلة عالم المدينة في علم أصول الفقه" وهو أول كتب الشيخ حسن المشاط ﵀ تأليفًا وآخرها طبعًا، فقد تم تأليف الكتاب عام ١٣٤١ هـ وطبع طبعته الأولى على نفقة ابنه الشيخ أحمد المشاط في عام ١٤٠٦ هـ بتحقيق العلامة الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان، ومن هذا الكتاب استقينا المعلومات الخاصة بترجمته من المقدمة التي كتبها الدكتور عبد الوهاب لهذا الكتاب أما موضوع الكتاب فهو بَحْثُ وعرض أدلة الاجتهاد والاستنباط عند إمام دار الهجرة مالك بن أنس - رضي الله تعالى عنه - ومما يجدر ذكره أن الشيخ حسن المشاط قد درس مذهب الإمام مالك وكان من المتمكنين فيه.

стр. 987

(٢) "إنارة الدجى في مغازي خير الورى ﷺ "، تم تأليف الكتاب عام ١٣٦٠ هـ وطبع طبعته الثالثة بجدة في مطبعة الأصفهاني عام ١٣٩٦ هـ وهو يتعلق بغزوات الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وقد أثبت فيه الشيخ حسن المشاط أشهر ما أُلِّف في المغازي. (٣) "رفع الأستار"، عن محيا مخدرات طلعة الأنوار في علم آثار النبي المختار، تم تأليف الكتاب عام ١٣٤٩ هـ وطبع هذا الكتاب طبعته السادسة عام ١٣٩٨ هـ، وموضوع الكتاب علم مصطلح الحديث. (٤) "التقريرات السنية في شرح المنظومة البيقونية"، تم تأليف هذا الكتاب عام ١٣٥٠ هـ وطبع طبعته الحادية عشرة في مطبعة البنوي بجدة عام ١٣٩٢ هـ وهو كذلك في مصطلح علم الحديث. (٥) "التحفة السنية في أحوال الورثة الأربعينية في علم الفرائض"، تم تأليف الكتاب في عام ١٣٤٦ هـ وهو رسالة مختصرة تقع في وريقات لا تتجاوز أصابع اليد والغرض منها تقريب علم الميراث للمبتدئين، وافتراض الحالات المختلفة للوارثين وحصصهم، وقد طبعت عشرات الطبعات لينتفع بها الناس. (٦) "إسعاف أهل الإيمان بوظائف شهر رمضان"، تم تأليف الكتاب عام ١٣٥٥ هـ، وطبع طبعته الرابعة بمطابع البنوي بجدة عام ١٣٩٢ هـ، وقد جمع فيها مجموعة من الأحاديث الصحيحة في موضوع الصيام وشرحها شرحًا وافيًا. (٧) "إسعاف أهل الإسلام بوظائف الحج إلى بيت الله الحرام"،

стр. 988

تم تأليف الكتاب عام ١٣٧٩ هـ وطبع طبعته الثالثة بمطابع البنوي بجدة عام ١٣٩٧ هـ، وهو يتعلق بشعيرة الحج وقد أثبت المؤلف أحكامها على المذاهب الأربعة لينتفع بها كافة المسلمين. (٨) "أربعون حديثًا في الترغيب والترهيب، مع تعليقات مفيدة عليها"، وقد اختار المؤلف الأحاديث الصحيحة مع شرح ما يستفاد من هذه الأحاديث الشريفة. يقول الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان: هذا الكتاب هو آخر ما اشتغل به المؤلف ﵀ وقد طبع بمطابع البنوي بجدة عام ١٣٩٨ هـ. (٩) "نصائح دينية ووصايا هامة"، تم تأليف هذه الرسالة وهي تقع في أربع وستين صفحة من القطع الصغير عام ١٣٩٨ هـ وخلال عام واحد طبعت طبعات كثيرة وكانت طبعتها التاسعة عام ١٣٩٩ هـ بمطابع شركة الطبع والنشر، وهذه الرسالة تحتوي على مجموعة من النصائح الهامة والأذكار النبوية التي تقال بعد الصلوات المكتوبة، وفي الصباح والمساء. (١٠) "بغية المسترشدين بترجمة الأئمة المجتهدين"، تم تأليف الكتاب عام ١٣٨٣ هـ وقد قام المؤلف بتأليف هذا الكتاب بناءًا على طلب ورده من أندونسيا - من تلميذه الشيخ محمد زين الدين الأمفتاني مؤسس مدارس النهضة الوطنية بأندونسيا، والتي انتشرت في أنحاء أندونسيا كما ذكرنا آنفًا وهي تحتوى على التَّراجم الوافية لأئمة المذاهب الأربعة الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ﵏ وقد قامت جمعية نهضة الوطن بطبع الكتاب في أندونسيا ونشره بها.

стр. 989

(١١) "حكم الشريعة المحمدية في تعليم المسلمين أولادهم بالمدارس الأجنبية"، تم تأليف هذا الكتاب في عام ١٣٧٣ هـ وطبع طبعته الأولى بمطابع المدني بمصر عام ١٣٨٥ هـ، والكتاب عبارة عن رسالة صغيرة تقع في أربعين صفحة أراد المؤلف أن يبين فيها مخاطر تعليم أبناء المسلمين في المدارس الأجنبية وخاصة تلك المدارس التي تنتسب إلى الإرساليات الدينية، والتي تتبع المذهب العلماني فتبعد الدروس الدينية عن مناهجها. وأود أن أذكر بمناسبة هذه الرسالة تجربة مررت بها بالنسبة لتعليم أولادي، وكانت فكرة إلحاق الأولاد بالمدارس الأجنبية قد انتشرت في البلاد وكان هذا قبل أكثر من ثلث قرن، كنت في مصر فنصح لي بعضهم بإلحاق ابني بمدرسة أجنبية في مصر الجديدة وقابلت مدير المدرسة، وبعد أن عرفت منه شروط الالتحاق ومتطلباته، قلت له: إن ابني صغير السن، وأنا حريص على أن يتعلم لغته ودينه فقال لي: إنني أحترم الرجل الذي يحترم لغته ودينه، ولكن نظام مدرستنا لا يسمح بذلك .. فانصرفت عن المدرسة، ثم نصح لي الناصحون بإلحاق أبنائي بمدارس فكتوريا بالمعادي، وأثنوا عليها ثناءًا عاطرًا، وألحقت ابني وبنتي بها لعام واحد، في القسم الداخلي وتركت والدتهم في مصر زمنا للإشراف عليهم والاطمئنان إلى شئونهم، ولكني لم أكن مطمئن القلب إلى صحة تصرفي وجاء الحاج محمد علي زينل رضا - رحمة الله - إلى جدة وتفضل بزيارتي في مكتبي، كنت أضع صورة ابني وبنتي في المكتب، وكان يعرفهما، وبما فطر عليه من التواضع والمودة سألني عنهما، وحينما علم أنهما في كلية فكتوريا نظر إليَّ باستنكار وقال معاتبًا: أنت تفعل هذا ونحن نعلق

стр. 990

عليك أكبر الآمال! .. ثم أردف: أعدهما ودع ابنك يتعلم حيث تعلمت. ولم أتردد فحينما انتهى العام الدراسي عادا إلى جدة، وذهبت إلى مدرسة الفلاح وقابلت المرحوم الشيخ عبد الوهاب النشار وهو من أساتذتي فيها وقلت له: إننى أخطأت في حق ابني وأريد أن أصلح هذا الخطأ، فأرجو أن تختار لي أستاذًا من أساتذة الفلاح ليكمل له ما ينقصه وليدرك ما فاته، وقد اختار ﵀ الأستاذ عبد الله معتوق، فكان يحضر يوميًّا إلى المنزل وكان مجاورًا لمدرسة الفلاح التي ألحقته بها، وأثمرت العناية ثمرها، فقد أدركت ما وقعت فيه من خطأ، أما ابنتي فقد تولى تعليمها المرحوم السيد عبد العزيز الدباغ وكان يتولى تعليم البنات الصغيرات قبل أن توجد مدرسة منظمة لتعليم البنات، وأراد الله تعالى أن يكون بدء تعليمها على يديه، ثم التحقت بأول مدرسة للبنات في جدة، أنشأتها السيدة نعيمة بركات، وهكذا كان .. أما أعجب ما مرَّ بي في موضوع المدارس الأجنبية فحادثة حدثني بها صديق عزيز قال: بعثت ابني إلى مدرسة إنجليزية في قُطْر عربي شقيق، وانتهى العام الدراسي وعاد إليَّ فذهبت بالأسرة لزيارة المدينة المنورة واصطحبت ابني للصلاة في المسجد ورأى الابن أغوات الحرم المدني الشريف فسألني قائلا: هل هؤلاء يا أبي هم الأنبياء؟ يقول الوالد: وصعقت وأنا أبصر جهل ابني بأبسط أمور دينه، وأدركت مقدار جنايتي عليه، وفي تلك اللحظة قررت أن يكون تعليمه في وطنه. وقلت له: كَلَّا يا بنيّ هؤلاء هم خدم المسجد الشريف، وخدم الحجرة النبوية الشريفة، أما الأنبياء فإن آخرهم هو رسول الله محمد ﷺ ، وقد توفي منذ أربعة عشر قرنًا، ولا نبي بعده، صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 991

يقول الصديق: وأدخلت ابني في مدرسة الفلاح التي تعلمت بها، واعتنيت بأمره عناية شديدة لإصلاح ما أفسدت من أمره، ومرَّ العام وذهبنا إلى المدينة المنورة واصطحبته لزيارة مآثرها، وذهبنا عصر يوم إلى جبل أُحد وقرأنا الفاتحة لشهدائها وفي مقدمتهم أسد الله وأسد رسوله سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، وكان يرافقنا في هذه الزيارة بعض الأصدقاء من شباب المدينة ومثقفيها، يقول الصديق: وسألني ابني عن مكان موقعة أُحد وأي جبل هو الجبل الذي وقف عليه الرماة؟ واستعنت بأصدقائي من أهل المدينة ليشرحوا الموقعة ومكانها، وكان ابنى يستمع في شوق ويناقش مناقشة العارف بأحداث الموقعة وتفاضيلها. يقول الصديق: فحمدت الله كثيرًا أنني استطعت خلال عام واحد أن أصل به إلى هذه المرحلة التي يهتم فيها بمعرفة التاريخ الإِسلامي وأحداثه كل هذا الاهتمام. أوردت هذه الذكريات ليتبين للقاريء أهمية هذه الرسالة الصغيرة التي ألَّفها المرحوم الشيخ حسن المشاط لينوِّر بها بصائر الآباء الذين اندفعوا إلى إرسال أولادهم وإلحاقهم بالمدارس الأجنبية في مصر ولبنان وهي إما مدارس تبشيرية مسيحية وإما مدارس علمانية، تتعمد إبعاد الأولاد عن معرفة عقيدتهم. ونحمد الله كثيرا أن تغير الحال، فانتشر التعليم وبثت المدارس والكليات والمعاهد بل والجامعات في أنحاء المملكة تستقبل الأولاد والبنات من سن الحضانة إلى الجامعات. (١٢) الحدود البهية في القواعد المنطقية، هذه الرسالة مخطوطة ولم تطبع

стр. 992

وهي تشتمل على أهم موضوعات علم المنطق التي يحتاج إليها المبتدئ وقد كتبت على طريقة الأسئلة ثم الإجابة، يقول الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان عنها: يتداولها طلاب العقيدة والأصول بالجامعات والمدارس الدينية. (١٣) تعليقات شريفة على لب الأصول في أصول الفقه، وهي خلاصة دراسته ومطالعاته عن الموضوعات الأصولية التي كان يدرسها في كتاب لبّ الأصول لشيخ الإسلام أبي زكريا يحيى الأنصاري. (١٤) الإرشاد بذكر بعض ما لي من الإجازة والإسناد، جمع فيه على عادة المحدثين مشائخه الذين تلقى العلم منهم وأجازوه بمروياتهم، وعرض الكتب التي درسها عليهم فأجازوه بها. يقول الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان: ولفضيلة الشيخ حسن محمد المشاط ﵀ من البحوث والدراسات والتعليقات والفتاوى في كثير من الأحداث العصرية الشئ الكثير الذي لو قدر الله التفرغ لجمعه وتنطمه وتبويبه لأتى في مجلد ضخم. والمتأمل في مؤلفات الشيخ حسن المشاط ﵀ يرى أنها كتب تعليمية يواصل بها عمله في تعليم أبناء المسلمين أمور دينهم يبدأ هذا التعليم في المدرسة الصولتية، وفي المسجد الحرام وينتهي إلى تسجيل هذا العلم في مؤلفات ورسائل يكمل بها ما بدأه في المدرسة والمسجد فجزاه الله خير الجزاء. ذكرياتي عن آل المشاط: عرفت الشيخ حسن المشاط كما عرفت والده الفاضل الشيخ

стр. 993

محمد المشاط وأبناءه منذ عشرات السنين، وأذكر أني رأيت الشيخ حسن المشاط ووالده الكريم لأول مرة في أوائل الأربعينات من القرن الرابع عشر الهجري، حينما حضرت أسرة المشاط إلى جدة خلال الحرب السعودية الهاشمية، كنت إذ ذاك في العاشرة من العمر واستقر بهم المقام في منزل بحارة اليمن في مدينة جدة، ولكن صلة آل المشاط بأسرتنا كانت صلة رحم قديمة فقد أصهر الشيخ حسين المشاط ﵀ إلى أسرتنا وتزوج بعمتي السيدة أسماء عبد الوهاب مغربي، وأنجبت منه ولدًا هو المرحوم محمد حسين المشاط، وبنتًا هي السيدة ملكة حسين المشاط، ثم افترق الزوجان وانتقلت عمتي إلى بيت أبيها الشيخ عبد الوهاب بغربي في مكة ومعها ابنها وبنتها، وشاء الله لهما أن يعيشا مع والدتهما الكريمة في بيت أبيها، وكانت من أرجح النساء عقلا، كما كانت تحظى بالرعاية والتكريم من كافة أفراد الأسرة وأحسنت هذه السيدة الكريمة تربية أولادها وحينما كبرت بنتها تقدم الشيخ محمد المشاط فخطبها لابنه الشاب حسن المشاط ابن عمها، وزُفَّتْ إليه في الرابعة عشر من بيت جدِّها وجدِّنا جميعًا الشيخ عبد الوهاب مغربي ﵀، وكانت خير زوجة وكان لها خير بَعْل، أما أخوها الشيخ محمد مشاط فقد بقي بجوار والدته الكريمة في بيت المغربي بحارة الباب بمكة، وفيه تزوج وأنجب إلى أن اختاره الله تعالى إلى جواره، واستمرت الصلة بين الأسرتين فقد تزوج الشيخ أحمد المشاط ابنة خاله الشيخ محمد المشاط، واحتضن ابنه عبد اللهادي المشاط بعد وفاة والده ﵀. أقول: رأيت الشيخ حسن المشاط ووالده في هجرتهم إلى جدة عام ١٣٤٣ هـ كما رأيت لأول مرة بقية أفراد الأسرة، وكان تردُّدهم

стр. 994

على دار الأسرة أسرة المغربي في جدة كثيرًا، للزيارة ثم اجتمعت مع الشيخ محمد المشاط ﵀ وأولاده في المدينة في عام ١٣٥٣ هـ أو بعدها بعام، وكان الشيخ محمد المشاط رغم الفارق الكبير بيني وبينه في العمر فلقد كنت بالنسبة له كالحفيد أو الابن الأصغر، إلا أنّ الرجل فطر على التودد للناس، وإلانة جانبه لهم فكان يلقاني دائمًا بوجهه الطلق، ويغمرني بسماحة طبعه، وجميل تودُّده، وحينما انتقلت إلى مكة للعمل بها عام ١٣٥٥ هـ كان طريقى من سوق سويقة وكانت دكاكين آل المشاط بها، فإذا مررت بالدكان، وكان الشيخ محمد المشاط فيه يستجلسني، ويغمرني في هذه الجلسة القصيرة بما طبعت عليه نفسه الكريمة من التودد والمحبة، هذا بالنسبة للشيخ محمد المشاط، أما بالنسبة للشيخ حسن المشاط فلقد كنت أحمل له من المحبة والتقدير في نفسي الشئ الكثير، كنت أرى فيه صورة من أجمل الصور للعلماء الذين وهبوا أنفسهم للعلم ابتغاء مرضاة الله، وكانت تصل إليَّ أخبار عزوفه عن المناصب، ومجاهدته للبعد عن مناصب القضاء، كنت أعجب من رجل تسعى إليه الدنيا بالجاه والمال، فيبتعد عنها في إزْوِرَار، وكانت هذه الأحوال تذكِّرني بما قرأته عن علماء آثروا ما عند الله فانصرفوا للعلم، وابتعدوا عن زخارف الحياة. كنت كثير التردد على المدينة لزيارة المسجد النبوي الشريف ولكني ما ذهبت إليها مرة إلا ووجدت الشيخ حسن المشاط أمامي في المسجد بملابسه البيضاء، وطلعته المشرقة بنور العلم والتقوى، قلت له مرة: لقد أصبحنا نجتمع دائما في المدينة، فما حضرت إليها مرة وإلا ووجدتك فيها:

стр. 995

قال ﵀: إن شاء الله نجتمع في الجنة. قلت: أرجو الله تعالى أن يحقق ذلك. ومما أذكره عن لقاءاتي بالشيخ حسن المشاط في المدينة، أننا كنا جلوسا ننتظر صلاة الفجر في الروضة المشرفة في آخر أيام رمضان، فسمعنا صوت طلقة مدفع فرفع إليَّ الشيخ حسن ﵀ رأسه متسائلا؟ قلت: قد ثبت دخول العيد كل عام وأنتم بخير، وكان هذا على ما أذكر في عهد جلالة الملك سعود ﵀ قال: لا، أظنه مدفع الإمساك. قلت: لقد مضى وقت الإمساك ونحن في انتظار صلاة الفجر، وانطلق المدفع الثاني وتوالت الطلقات فأيقن أنه العيد، ورأيته ﵀ يتهيأ للخروج من المسجد فقلت له: أن تركت مكانك فلن تستطع الصلاة داخل المسجد. قال: لابد لي أن أخرج، أن مفتاح المنزل معي ولنا رفيق سيعود ليتهيأ لصلاة العيد ولا يجوز أن نعوقه عن ذلك، ثم أضاف قائلا: حاول أن تحتفظ لنا بالمكان وكان قد وضع فيه سجادة، قلت سأحاول ولكني متأكد، إنها محاولة فاشلة. فمن ذا الذى يستطع الاحتفاظ بمكان في الروضة الشريفة فجر يوم من أيام العيد إن لم يكن جالسًا فيه؟ وخرج الشيخ حسن المشاط ورفيقه ولم يستطع العودة إلى المكان، ولعله اضطر إلى الصلاة خارج المسجد، ولكن خلقه المفطور على الوفاء أبي عليه أن يترك رفيقه في المنزل محرومًا من أداء صلاة العيد ﵀. والمتأمل في أمر أسرة المشاط يرى أن الشيخ حسن المشاط

стр. 996

وقد نذره والده للحرم قد حقق الله نذره فكان الشيخ حسن المشاط خادمًا للعلم في المسجد الحرام طيلة حياته، وأراد الله به الهداية للطلبة الكثيرين خاصة من الأندونسيين الذين أتموا تعليمهم على يديه في مكة المكرمة، ثم عادوا إلى بلادهم فأسسَّوا فيها المدارس الإسلامية والكليات ونشروا العلم في ربوعها، ولقد كان طيلة حياته حفيًّا بهؤلاء الطلبة الذين يرسلهم آباؤهم إلى مكة المكرمة لتلقى العلم على يد علمائها، فيبدأون مع الشيخ حسن المشاط دراستهم الابتدائية حتى يصل معظمهم إلى الحد الذي يستطيع به الدخول في مجال طلب الرزق، فينخرطون في أعمالهم ليبدأ مع طائفة أخرى نفس البداية، ويبقى معه الراغبون في إكمال دراستهم يستزيدوا من العلم ما يمكّنهم من العودة إلى بلادهم ليعلّموا الناس، هكذا أراد الله تعالى للشيخ حسن المشاط أن يكون مصدر علم وهداية، ولا شك أن إخلاص الرجل في هذا السلك قد آتى بفضل الله تعالى أكلَه وأَثْمَرَ ثَمَرَه فبارك الله فيه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وإذا كان الشيخ حسن المشاط لم يَنَلْ من أعراض هذه الدنيا ما ناله غيره فقد أراد الله تعالى لابنه الشيخ أحمد المشاط أن يكون من رجال الأعمال الناجحين، وهكذا يختار الله تعالى لعباده ما يصلح لهم، وهو أعلم بهم، كلٌّ مسخر لما خلق له في هذه الحياة. وفاة الشيخ حسن المشاط: في الثالث والعشرين من شهر رمضان عام تسع وتسعين بعد الثلاثمائة والألف وبعد إتمام صلاة التراويح في المسجد الذي أنشأه الشيخ حسن المشاط بجوار منزله في محلة أم الدرج خارج مكة المكرمة، وكان قد أتم ختم القرآن في تلك الليلة مع مجموعة الحفظة من تلاميذه، أصيب

стр. 997

بمرض مفاجئ نقل على أثره إلى مستشفى الدكتور أحمد زاهر، وقد اتضح أن مرضه كان بسبب جلطة في الدماغ، وكان في الفترات التي يخف فيها ما يعانيه من آلام يتحدث كعادته في العلوم والعبادة، وإسداء النصائح لزوَّاره، كما كان دائما في حال صحته، وبَلَغ الكتاب أجَلَهُ ففاضت روحه إلى بارئها في السابع من شهر شوال عام ١٣٩٩ هـ ودفن في مقابر المعلاة، وفقدت مكة بموته عالمًا من علمائها الصالحين قرن العلم بالعمل فشيعت جنازته في موكب حافل اشترك فيه العُلماء والوجهاء والأعيان وكافة الطبقات، فلقد كان الرجل محبوبًا من الناس بصورة عامة ﵀. وحينما بلغ خبر وفاته إلى أندونسيا كان لذلك أعظم وقع في نفوس الناس هناك وأقيمت عليه صلاة الغائب في المساجد الكثيرة في تلك البلاد. رحم اللهُ الشيخ حسن المشاط وجزاه خير الجزاء. * * *

стр. 998

أَعْلامُ الحِجَاز في القرن الرَّابِع عَشَر للهِجْرة وبَعض القرون الماضية

стр. 999

الشَّيخ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد الله سَراج

стр. 1000

الشَّيخ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد الله سَراج ولد الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله سراج بمكة المكرمة في سنة ألف ومائتين وتسعة وأربعين، وحفظ القرآن المجيد، كثيرًا من الفنون، وتتلمذ على والده شيخ علماء مكة مفتي الأحناف الشيخ عبد الله سراج، كما تلقى العلم على يد مفتي مكة الشيخ جمال عبد الله، شيخ علماء مكة الذي تولى مشيختها بعد وفاة الشيخ عبد الله سراج والد الشيخ عبد الرحمن سراج (٣٢٨)، كما درس على السيد أحمد زينى دحلان مفتى الشافعية، شيخ علماء مكة المكرمة وصاحب التآليف الشهيرة، وعلى الشيخ رحمة الله الهندي ﵀ مؤسس المدرسة الصولتية (٣٢٩) وكان مجتهدًا في الطلب مجدا فيه، متميزا بين الأقران، فحصل على إجازات أقطاب العُلماء في زمانه، وأصبحت له حلقة في المسجد الحرام وتتلمذ عليه طلاب العلم وتخرج جماعة منهم على يديه. وتوجه شيخه وأستاذه جمال عبد الله مفتى الأحناف لزيارة مسجد رسول الله ﷺ فأنابه عنه في منصب الفتوى، فقام به أحسن قيام إلى أن عاد شيخه إلى البلد الحرام. مفتي الأحناف بمكة: ولما توفي الشيخ جمال عبد الله مفتي الأحناف ولي الشيخ

стр. 1001

عبد الرحمن سراج هذا المنصب، أسنده إليه الشريف عبد الله بن عون أمير مكة المكرمة (٣٣٠) فسلك فيه جادة الاستقامة كما يقول صاحب كتاب "نشر النور والزهر" (٣٣١)، ولم يعرف عنه أنه أخذ جعلا من أحد مدة توليته الإِفتاء، كان الشيخ عبد الرحمن سراج شديد النزاهة كثير التحرُّج والورع، فقد كان يرفض الهدايا التي تقدم إليه وهو في منصب الفتيا، كما عرف بتصلبه في أمر الدين، لا تأخذه في الله لومة لائم. اقتناء الكتب: وكان محبًّا للكتب وخاصة الكتب النفيسة النادرة يطلبها من مظانها، ويسعى في طلبها من الأقطار البعيدة وينسخ منها بخطه ما يرغب في الاحتفاظ به لمكتبته العامرة الزاخرة (٣٣٢). وعلى ذكر اقتناء الكتب أثبت هنا ما أتحفني به الصديق الأديب الأستاذ عبد العزيز الرفاعي عن اشتراك الشيخ عبد الرحمن سراج وجماعة من علماء مكة وأعيانها في طبع كتاب "خزانة الأدب" للبغدادي نقلًا عن الأستاذ عبد السلام هارون الذي قام بتحقيق هذا الكتاب ونظم فهارسه، وقدم له بمقدمة ضافية تحدث فيها عن تاريخ طبعات هذا الكتاب.

стр. 1002

يقول الأستاذ عبد السلام هارون: ومما هو جدير بالذكر ولا يعرفه الكثيرون أن نشر الطبعة الأولى - لخزانة الأدب - تطلَّب بذل مجهود كبير، واقتضى إسهامًا مصريًّا وعالميًّا كذلك، ففي ثبت خاتمة هذه الطبعة البولاقية تنويه بمن كان لهم الفضل في ذلك وهم سبعة رهط من العُلماء هم الشيوخ: عبد الرحمن سراج مفتي مكة في ذلك العهد - مفتي الأحناف -، وعبد الرحمن الميمني، وأحمد المشاط (٣٣٣)، وعبد الرحمن الشيبي (٣٣٤)، وحسين بن عبد الله الميمني، وأبو طالب الميمني، وعبد الله بن الشيخ محمد الباز الكتبى (٣٣٥)، نهضوا جميعا بتمويل هذه الطبعة بنسب تبتدئ بقيراط ونصف، وتعلو إلى ستة قراريط من ٢٤ قيراطا.

стр. 1003

ويعلق الأستاذ عبد العزيز الرفاعى على ما أخبره به الأستاذ عبد السلام هارون فيقول: وقد دلنى تأمل أسماء هؤلاء الشيوخ السبعة ولا أقول الرهط على أنها أسماء مكية وهي من عائلات معروفة في الأوساط المكية. ثم يقول: وقد أكبرت وجود هذا الوعي والحرص على نشر كتاب الخزانة وأن يكون متوفرًا في العصر العثماني الذي كان يغلب على القوم فيه أدب الصنعة والترصيع .. ثم يقول: ولكن ها نحن نجدهم يدفعون بدراهمهم القليلة في سبيل نشر كتاب كبير، بالغ التكلفة ويتوزعون نفقته بينهم قراريط. وأستطيع أن أستخلص مما ذكره الأستاذ عبد السلام هارون أن الطبعة الأولى من كتاب "خزانة الأدب" التي طبعت بمطبعة بولاق، تمت بمبادرة مكية في ذلك العهد السحيق لأن تمويل الكتاب شارك فيه سبعة رجال من مكة فيهم العُلماء والتجار الذين وردت أسماؤهم في الطبعة البولاقية، وقد كان في مقدمتهم الشيخ عبد الرحمن سراج صاحب هذه الترجمة. ولعل ما عرف به الشيخ عبد الرحمن سراج من تعلق بالكتب وطلب النفيس النادر منها واقتنائه لها ومشاركته في الأدب إلى جانب مكانته العلمية والدينية لعل لهذا كله أثره في مشاركته بالمال في إخراج "خزانة الأدب" للبغدادي مطبوعة بعد أن كانت مخطوطة. مشاركته في الأدب: ويذكر صاحب كتاب "نشر النور والزهر": أن الشيخ

стр. 1004

عبد الرحمن سراج جمع إلى جانب غزارة علمه بالفقه والأحكام مشاركته في الأدب، وأخبار أعيان الرجال من الأدباء والعلماء تعينه على ذلك ذاكرة قوية، وذكاء وقّاد. التدريب العسكري: جاء في كتاب "خلاصة الكلام في تاريخ أمراء البلد الحرام" ما يلي: في أول سنة ١٢٩٤ هـ استحسن الشريف عبد الله بن عون أن يتعلم أهل مكة الحركات العسكرية النظامية كيفية الرمى بالبنادق فصدر الأمر بذلك لأجل إرهاب الروس وإظهار الاستعداد لهم، فامتثل الناس لذلك، وأحضرت الحكومة لهم البنادق، وعينوا لهم المُعلمين من العساكر النظامية الوجودة بمكة، فتعلم كثير من الناس في أقرب زمن، وكان ذلك في أول سنة ١٢٩٤ هـ واستمر التعليم نحو أربعة أشهر ثم تركوا ذلك (٣٣٦). وجاء في "تاريخ مكة" للسباعي عن هذا الأمر ما يلى: وشوهدت العُلماء وطلبة العلم والأعيان، وأصحاب الحرف وأهل الحارات ينزلون إلى ساحة التعليم صفوفًا متراصة تتلقى تعاليم الجندية على أساتذتهم من الضباط الأتراك وذلك في سنة ١٢٩٢ هـ. ثم يقول: واشترك في التدريب العسكرى أولاد الشريف عبد الله وبنو عمومتهم برياسة عون باشا - الذى ولي إمارة مكة فيما بعد - واتخذ

стр. 1005

المدربون لباسًا خاصًّا قوامه قميص وبنطلون من قماش كانوا يسمونه (مُلًّا) وجعلوا العقال فوق العمامة البيضاء غطاءًا لرؤوسهم (٣٣٧). هذا ما أورده مؤرخو مكة المكرمة عن موضوع التدريب العسكري الذي جرى في مكة المكرمة، ولقد اهتم المؤرخون بإيراد هذه الحادثة وتدوينها لأن الدولة العثمانية تعودت أو عودت أهل الحجاز أن تعاملهم معاملة خاصة تعفيهم فيها عما تلزم به الأقاليم الأخرى التابعة للدولة العثمانية، ذلك أن نظرة حكام الأتراك إلى أهل الحجاز تتسم بكثير من العطف والرعاية، فكانت ترسل لهم الجرايات من الأرزاق والنقود، كما سمحت بإقامة التكايا والأربطة في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهذه التكايا خاصة كانت توفر حياة الكسل لساكنيها فهم يجدون فيها المأوى والمأكل دون مشقة أو عناء، فينصرفون إلى العبادة في زعمهم والدعاء للسلطان، والكثير منهم إنما استمرأ هذه الحياة الهينة اللينة الخالية من التكاليف، لهذا رأى المؤرخون في أمر التدريب العسكري في مكة في هذه الفترة أمرا يستحق التسجيل، والمتتبع لتاريخ الدولة العثمانية يعرف الأسباب الكامنة وراء هذا الأمر. فقد اشتبكت الدولة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني في حرب طاحنة مع الروس، بدأت هذه الحرب بعصيان الهرسك الذين كانوا تابعين للدولة العثمانية في بلاد الروم إيلي، وهم نصارى، فجهزت الدولة العثمانية جيشا لمحاربتهم، وكانت الدولة قادرة على إخماد هذه

стр. 1006

الفتنة، ولكن الدول الأوربية تدخلت لمساعدة الهرسك، وكان تدخل الروس بصورة خاصة كبيرًا وواضحًا، حتى تحولت هذه المساعدة إلى حرب بين الدولة العثمانية وروسيا، وانضمت الدول المسيحية في أوربا إلى جانب الروس، مما اضطر الدولة العثمانية إلى حشد الجيوش الكثيرة وإنفاق الأموال الطائلة لمواجهة هذه الحرب التي تحولت إلى ما يشبه الحروب الصليبية. يقول صاحب كتاب "الفتوحات الإسلامية": فقدَّر الله بانهزام جيوش الإسلام، وأسر كثير منهم في بلونة، وذلك بسبب محاصرة العساكر الروسية لهم في ذلك البلد، وعدم إمكان وصول الميرة إليهم، لشدة البرد، وككرة الثلج، وممن أُسر من كبار عساكر الإِسلام الوزير عثمان باشا الغازى، قوماندان الجيش في بلونة، ثم أطلق مع كثير ممن أُسروا، وكان إطلاقهم بجد انعقاد الصلح، وتَمَلُّك الروس كثيرًا من المدائن العظام إلى أن وصلوا إلى قرب أدرنة (٣٣٨). أقول: البوسنة والهرسك من الولايات العثمانية في شبه جزيرة البلقان، وهي ما يطلق عليه في الوقت الحاضر يوغسلافيا، وكانت هذه الولايات تابعة للدولة العثماني، وهي تضم جاليات إسلامية إلى جانب الىسكان المسيحيين (٣٣٩).

стр. 1007

ويتضح مما كتبه صاحب كتاب "الفتوحات الإِسلامية" عن هذه الحرب، أن الدولة العثمانية حينما شعرت بخطورة والتحالف المسيحي في أوربا ضد الأقاليم التابعة لها، عمدت إلى استنفار الجيوش الإِسلامية من شتى أنحاء الخلافة، ويشمل هذا الاستنفار لأول مرة الحجاز، ومكة المكرمة بالذات، فكان التدريب على الجندية الذي ذكرنا ما أورده مؤرخوا مكة بشأنه. دور العُلماء في التدريب: ولقد كان لكبار العُلماء في مكة دور هام في هذا التدريب، فلقد كان صاحب الترجمة الشيخ عبد الرحمن سراج مفتى الأحناف وشيخ علماء مكة يخطب في المسجد الحرام، كما كان يفعل غيره من أصحاب الفتوى للمذاهب الأخرى، وكانوا يحضون الناس على الجهاد، ولم يكتف العُلماء الأجلاء بهذا وإنما انخرطوا بأنفسهم في سلك التدريب. أخبرني الأستاذ حسين سراج أنه عمن أبيه الشيخ عبد الله سراج: أن الشيخ عبد الرحمن سراج كان يخطب الناس في المسجد الحرام يحضُّهم على الجهاد، ويدعوهم إلى الخروج إلى ميدان التدريب وكان يعطى بنفسه القدوة العملية فيرتدي الزي الخاص بالتدريب العسكري والذي أوردنا وصفه آنفا، ثم يتدرب على الرمي، ويقف في صفوف المتدربين، كما يفعل غيره من أعيان الناس وأوساطهم، وهذا الذي فعله الشيخ عبد الرحمن سراج، وهو يتبوأ أكبر منصب دينى في مكة فقد كان مفتى الأحناف، والدولة العثمانية تسير في أحكامها على المذهب الحنفى، كان دافعا للناس جميعا إلى الاندفاع في الجهاد، والاستعداد له بالتدريب والتعليم.

стр. 1008

وللأسف فقد كانت نهاية هذه الحرب خسارة الدولة العثمانية فيها كما يقول السيد أحمد زيني دحلان وتملُّكُ روسيا كثيرًا من المدائن العظام إلى أن وصلوا إلى أقرب أدرنة، وختام الأمر أن بقية الدول توسطت في الصلح سنة خمس وتسعين، على أن يبقى تحت يد روسيا ما تملكوه من البلاد، وأن الدولة العلية تدفع لهم غرامة الحرب، وكان شيئًا كثيرًا، ويبقى للدولة أدرنة، وما يليها إلى دار السلطة العلية (٣٤٠). الشريف عون الرفيق ينفي أصحاب الفتيا في مكة: تولى الشريف عون الرفيق إمارة مكة المكرمة في التاسع من ذي الحجة عام ١٢٩٩ للهجرة (٣٤١)، وكان الشريف عون غريب الأطوار، وقد ضاق أهل مكة ذرعًا به وبتصرفاته الغريبة، مما اضطر أصحاب الفتيا في مكة إلى تنظيم مضبطة إلى السلطان عبد الحميد يشكون فيها الشريف عون، ويعدِّدون المآخذ التي يأخذونها عليه وقد وقعوا عليها بتوقيعاتهم وهم: الشيخ عبد الرحمن سراج مفتي الأحناف - وصاحب هذه الترجمة -، والشيخ محمد عابد بن حسين مفتي المالكية (٣٤٢)، والسيد إبراهيم نائب الحرم مفتي الحنابلة، والسيد عبد الله بن محمد الزواوي

стр. 1009

مفتي الشافعية (٣٤٣)، والسيد علوي السقاف شيخ السادة (٣٤٤) بمكة، فأمر الشريف عون بنفيهم من مكة، وآمر السلطان عبد الحميد بتأليف لجنة للتحقيق في أمر هذه المضبطة، وكانت هذه اللجنة برآسة المشير أحمد راتب باشا والي الحجاز. يقول الأستاذ حسين سراج رواية عن والده الشيخ عبد الله سراج الذي رافق والده الشيخ عبد الرحمن سراج إلى جدة: نزلنا في جدة في بيت شيخ السمَّاكة - لعله شيخ دلالي السمك - وكنا نسكن في غرفة حقيرة، وليس لدينا من المال ما يصلح أحوالنا، وزارنا في هذا المنزل الحقير الأفندي عمر نصيف كبير جدة، وأخبر والدي أن من الخير له أن يغادر الحجاز لأن الشريف عون قد أثَّر على اللجنة التي حضرت لتولي - التحقيق في أمر المضبطة، ووعد الأفندي نصيف بتدبير أمر سفرنا سرًّا من جدة. المعتمد البريطاني يعرض منصب قاضي القضاة في الهند: ويواصل الشيخ عبد الله سراج الحديث قائلا: بينما كنت ووالدي ننتظر في هذا المنزل الحقير تدبير أمر هروبنا من جدة خشيةً من بطش الشريف عون بالوالد، زارنا في هذا المنزل مندوب

стр. 1010

من المعتمد البريطاني في جدة. قال هذا المندوب للوالد: إن المعتمد البريطاني في جدة يعرض عليك باسم الحكومة البريطانية إصدار فتوى بجواز أن يكون للمسلمين خليفتان، فإذا أفتيت بهذا فإن بارجة حربية بريطانية تصل إلى جدة وتنقلك إلى الهند لتتولى منصب قاضي القضاة هناك. عبد الرحمن سراج يلطم ابنه على وجهه: التفت الشيخ عبد الرحمن سراج إلى ابنه الشاب عبد الله قبل أن يجيب رسول المعتمد البريطاني. يقول عبد الله سراج: قلت للوالد: إنه لا بأس بهذه الفتوى، فقد جاءنا الفرج للخلاص من هذا الكرب الذي نحن فيه. نظر الشيخ عبد الرحمن سراج إلى ابنه نظرة صاعقة ثم أهوى بيده على وجه ابنه فلطمه على خده لطمة أليمة. لن أبيع ديني بدنياي: والتفت إلى مندوب المعتمد البريطاني قائلا: قل لسيدك: إني لن أبيع ديني بدنياي. وعاد الرسول إلى المعتمد البريطاني يجرّ أذيال الخيبة ليبلغ سيده ما قاله عبد الرحمن سراج. أقول: كانت بريطانيا في ذلك الزمان تحكم دولًا كثيرة وبعض هذه الدول غالبية أهلها من المسلمين كمصر وفلسطين وماليزيا والبعض فيها مسلمون كثيرون كالهند، وكان المسلمون في الهند وفي مصر يدينون

стр. 1011

بالولاء للخليفة العثماني، ولابد أن بريطانيا أرادت بإغرائها الشيخ عبد الرحمن سراج وهو في محنته أن يفتي لها بجواز تنصيب خليفة ثان، لتختار خليفة يكون طوع إرادتها تنافس به الخليفة العثماني وتستصدر منه من الأحكام ما يوافق هواها، وكان الشيخ عبد الرحمن سراج مفتي الأحناف في مكة وهو منصب له أهميته العظمى خاصة وأن الدولة العثمانية تتبع المذهب الحنفي في الحكم، ولكن خاب ظنها فقد كان الشيخ عبد الرحمن سراج صخرة تتكسر على صلابتها رؤوس الطغاة. عمر نصيف يدبر للشيخ عبد الرحمن سراج أمر السفر: ويستطرد الشيخ عبد الله سراج فيقول: ووجد لنا الأفندي نصيف سفينة شراعية رحلنا بها من جدة هاربين إلى مصر. أخبار الشريف عون في تاريخ مكة: ولعل من الخير أن نورد هنا ما أورده مؤرخو مكة عن الشريف عون الرفيق وأحواله: جاء في "تاريخ مكة" لأحمد السباعي نقلًا عن كتاب "إفادة الأنام" للشيخ عبد الله" غازي ما يلي: في عام ١٣٠٤ هـ قبض الشريف عون على موسى البغدادي، وأمين ماصة لي، ومحمد السعدي فنفاهم إلى خارج البلاد (٣٤٥). أقول: كان موسى البغدادي أو الأفندي موسى كما كان يطلق

стр. 1012

عليه في جدة ثاني اثنين هما أكبر رجالات جدة في ذلك الزمان، أما الرجل الأول فهو الأفندي عمر نصيف جَدُّ أسرة نصيف الشهيرة، وموسى البغدادى هو الذي تنسب إليه محلة البغدادية في جدة، وكان واسع الثرء، عظيم النفوذ، وقد بنى البغدادي بيتا على البحر كان من أعظم بيوت جدة أكبرها (٣٤٦)، وكان الرجلان البغدادي ونصيف يتقاسمان النفوذ ويتنافسان تنافسا عظيما فيكيدان لبعضهما البعض، والتنافس بين الأقران قديمٌ قدم الزمان. ومن الروايات التي كان يتناقلها الناس في جدة والتي سمعتها من المعمِّرين فيها أن موسى أفندي البغدادي استطاع أن يكيد للأفندى عمر نصيف فيدخله السجن، وأن الأفندى نصيف رَدَّ هذا الكيد بمثله أو أنكى منه فاستطاع أن ينفي موسى أفندي البغدادي من جدة في سفينة شراعية إلى اليمن، كنت أظن أن هذه الرِّواية مبالغ فيها، إلى أن وجدت ما يشير إلى صحتها، أو صحة بعض ما ورد فيها من نفي الشريف عون لموسى البغدادي ومن معه، ولم تورد الرِّواية التي أوردها السباعي أسباب هذا النفي، وقد نقلها من كتاب "إفادة الأنام"، وهو كتاب مخطوط للشيخ عبد الله الغازي. ولكن ما أعرفه شخصيًّا أن الأفندى عمر نصيف كان رجلًا واسع الدهاء، وكان أريبًا، استطاع الجمع بين وكالة شريف مكة، وصداقة الوالي التركي، فكان وكيلًا دائمًا لأشراف مكة وأمرائها يرعى مصالحهم

стр. 1013

وينفذ أوامرهم، وكان في نفس الوقت على صلة حسنة بولاة الأتراك المقيمين في جدة، والذين كانوا عادة على خلاف وتنافر مع أمراء مكة من الأشراف لتضارب المصالح، والتنافس على الحكم، ولقد كان الوالي التركي في الحجاز المشير أحمد راتب باشا يقضى الصيف في مدينة جدة، وينزل في قصر الأفندي عمر نصيف، وكان هذا القصر بن الفخامة بحيث يستطيع راتب باشا أن يصعد إلى أعلى القصر وهو يمتطي صهوة الحصان، فلقد كانت سلام القصر مبنية بالشكل الذي يسمح بذلك (٣٤٧)، وانظر ما كتبناه عن قصر نصيف في كتاب "أعلام الحجاز" (٣٤٨). وإني لأتساءل الآن هل كان نفي الشريف عون لموسى أفندي بغدادي ومن معه بناءًا على شكوى من الأفندي عمر نصيف؟ وبتعبير آخر هل كان للأفندي عمر نصيف يد في هذا النفي؟ سيظل هذا السؤال قائما إلى أن يوجد لدينا أو لدى غيرنا ما يثبته أو ينفيه. ونعود بعد هذا التعاليق إلى "تاريخ مكة" لأحمد السباعى فنورد الحوادث التي ذكرها صاحبه عن الشريف عون الرفيق يقول السباعى: قبض الشريف عون على إبراهيم العجيمى، وعبد الله كردي إمام

стр. 1014

الشافعية، والشيخ أحمد بن الشيخ عبد الله، فقيه أحد (٣٤٩) الأئمة، والشيخ علي زين العابدين هندية ونفاهم كذلك. يقول الأستاذ السباعي: وقد ذكر أنهم كانوا يتصلون بالوالي التركي عثمان باشا فنهاهم عن ذلك حتى انتهوا، ثم ما لبثوا أن عاودوا الاتصال بالوالي الجديد على أثر وصوله، فعاقبهم بالنفي. وقد رفعت قضايا النفي إلى دار الخلافة فلم توافق عليها، وأباحت للمنفيين العودة إلى مكة فغادوا (٣٥٠)، وقد عزل الشريف عون الشيخ عبد الرحمن الشيبي من وظيفة السدانة، ونفاه إلى الهند، فظل فيها إلى أن مات وعين للسدانة غيره من آل الشيبي (٣٥١). ويستطرد الأستاذ السباعي بعد ذلك: فذكر حادثة الشيخ عبد الرحمن سراج وأصحاب الفتيا التي ذكرناها آنفا فيقول: وفي سنة ١٣١٤ هـ صدر أمر الشريف عون بإبعاد الشيخ عبد الرحمن سراج مفتي الأحناف والشيخ محمد عابد بن حسين مفتي المالكية، والسيد إبراهيم نائب الحرم، والسيد علوى سقاف شيخ السادة بمكة، والسيد عبد الله بن محمد الزواوي.

стр. 1015

ثم ذكر الأستاذ السباعي قصة المضابط التي وقعها هؤلاء العُلماء الأجلاء بتوقيعاتهم وبعثوا بها إلى السلطان عبد الحميد فأعادها إلى الشريف عون ليطلع عليها، فانتقم لنفسه من أصحابها وعاقب بعضهم بالسجن والبعض الآخر بالنفى. يقول السباعي: ويذكر بعضهم أن المضابط أعيدت إلى مكة تصحبها لجنة على رأسها أحمد راتب باشا للتحقيق في موضوعها، وأن عونا استطاع أن يكمسب وُدّ أحمد راتب باشا ويظفر بنتيجة التحقيق، وقد ظل راتب باشا في مكة على أثر ذلك يقوم بوظيفة الوالي بعد أن عزل جميل باشا. أقول: والرواية الثانية تؤيد ما نقلناه آنفا على لسان الشيخ عبد الله سراج (٣٥٢). ولقد انتهت النتيجة بهروب الشيخ عبد الرحمن سراج إلى مصر، وهروب الشيخ محمد عابد بن حسين مفتي المالكية إلى اليمن، أو نفيه إليها ثم رحل من اليمن إلى الخليج العربي متنقلا من إمارة إلى أخرى حتى استقر بمدينة دبي مدة طويلة ثم غلبه الحنين إلى مكة فعاد إليها متنكرا مع الحجاج، وبقى بها مختفيا إلى أن مات الشريف عون في عام ١٣١٣ هـ (٣٥٣)، أما السيد عبد الله الزواوي فقد هرب إلى جاوة واستقر بها.

стр. 1016

وهكذا نرى كيف كان الشريف عون يعامل العُلماء الكبار وأصحاب الفتيا، وأعيان الرجال فيأمر بنفيهم وإبعادهم. يقول الأستاذ السباعي: ويذكر هؤلاء أن عونا غدا أشد وطأة على الأهالي بعد قضية المضابط وأنه بعد أن انتقم من أصحابها اشتط في معاملاته مع غيرهم مما كان له أسوأ الأثر (٣٥٤). ويعلق الأستاذ السباعي على غرابة أطوار الشريف عون فيقول: ويبدو أن الشريف عونا كان بغض النظر عن موضوع المضبطة غريب الأطوار، متناقض الأعمال، يقدس بعض معاصريه فيه غزارته العلمية ومحبته للخير العام، وتبسطه في مجالسة الخاصة، وتودده للمسالمين، وينعون عليه في الوقت نفسه تبذله بين ندمائه وقسوته في معاملة الحجاج، وإمعانه في عقوبة مخالفيه، واصطناعته "الخزناوية" الذين كانوا يضطهدون عامة الشعب (٣٥٥). ويوضح الأستاذ السباعي الخزناوية فيقول: الخزناوية: فرقة اتخذها الشريف عون كحرس خاص لخدمته، والاستعانة بهم على تنفيذ أوامره، فكانوا يتسلطون على الأهالي ويستغلون نفوذهم

стр. 1017

في اضطهاد من يضطهدونه، أو يطعمون في أمواله فكان لا يجرأ أحد على الشكوى منهم. ويعلق بعض المنتقدين بمرارة على أعمال الخزناوية ويقول: إنه كان يختارهم من طبقات العامة، ويجيز لهم من النفوذ ما يستطعون به إذلال الخاصة نكاية بهم (٣٥٦). أقول: ويبدو أن هؤلاء الخزناوية قد استبدوا في معاملة الناس استبدادا شديدا بدليل ما رواه السباعي عنهم بعد وفاة الشريف عون فقال: ولما تولى الأمر علي باشا أمر باعتقال الخزناوية، وصادر أموالهم وممتلكاتهم لقاء تسديد ما اغتصبوا من أموال الناس (٣٥٧). المجذوب علي بوّ: عمد الشريف عون إلى رجل من المجاذيب اسمه علي بوّ كان يذرع الشوارع بجسمه العاري فجعله من جلسائه بعد أن أمر بتنظيفه وإلباسه الأثواب الفخمة التي تؤهله لصدور المجالس، واتخذ هذا المجذوب أنيسًا، وأمر علية القوم وعظماءهم بتقبيل يده، وأحلَّه مكان الصدارة منهم، وكان إذا خرج في موكبه أجلس هذا المجذوب عن يمينه في عربته الخاصة، وأمر الناس بالوقوف لأداء التحية له على نحو ما يفعلون لدى مرور الموكب الأميري (٣٥٨).

стр. 1018

قصر علي بوّ: هذا وقد شيد الشريف عون لهذا المجذوب قصرا منيفا في محلة القشاشية قرب المسجد الحرام بعد أن أجبر أصحاب الدور في المنطقة على إخلاء بيوتهم التي تم هدمها ثم بنى القضر مكانها (٣٥٩). أقول: لقد أدركت هذا القصر في مكة في الخمسينات وكان مقرا لإدارة البرق والبريد العامة، وكاني علي بو صاحب القصر يعيش في مكة ويمشي بين الناس، ولكنه فيما يبدو أنه كان به مَسٌّ من لوثة عقلية هادئة، وكانت عائلة البَوّ هي التي تؤجِّر القصر الجميل. وقد أزيل هذا القصر وأدخلت أرضه في التوسعة السعودية الأولى للمسجد الحرام. يقول الأستاذ السباعي: وعمد الشريف عون إلى قطعة أرض أمام القصر مكتظة بالبيوت فحكم على أصحابها بإخلائها ونقدهم ثمنها، ثم أمر بهدمها ليجعل منها حديقة يمتع المجذوب بصره فيها، ويبالغ بعضهم فيقول: إن عونا أراد أن يتوسع في الهدم حتى ينتهي إلى الغزة ليجعل المسافة بين قصر الإمارة وقصر المجذوب خالية لا يعترضها عند النظرة شئ بين القصرين وهي مسافة لا تقل عن ثلاثمائة متر (٣٦٠). وقد ظلت هذه القطعة من الأرض خالية طوال أيام الشريف عون ثم أجَّرها ورثته بعده لمن أقاموا عليها دكاكين وبيوتا من الصفيح، وظلت

стр. 1019

كذلك إلى عهد الحكومة السعودية حيث ألزمت الورثة من آل عون بتخطيطها وبناء دكاكين وشوارع فيها، وقد دخل اليوم بعضها في مشروع توسعة المسجد الحرام (٣٦١). أقول: وقد اشترى المرحوم الشيخ عبد العزيز كعكى الأرض التي أمام قصر البو في القشاشية، وأنشأ فيها عمارة حديثة تقوم على دكاكين. وتعلوها مكاتب، وقد اتخذ منها الدكتور محمد الخاشقجي ﵀ مقرا لماكينة الكهرباء الضخمة التي استوردها إلى مكة والتى أنار بها شارع القشاشية، كما اتخذ منها مقرا للتصوير الشعاعى وهي أول ماكينة تصوير شعاعى ترد إلى مكة (٣٦٢). أورد الأستاذ السباعى رواية تقول: إن هدم البيوت التي أمام قصر علي بَوّ إنما كان بأمر من السلطان عبد الحميد لإِنشاء نزل للحجاج بمكة، وإن النقود أرسلت من السلطان لهذا الغرض (٣٦٣). أقول: لو كان هذا الأمر صحيحا لما سمحت الحكومة العثمانية لورثة الشريف باستغلال الأرض وتأجيرها على الآخرين، ولهذا فالأرجح أن الشريف عون إنما قام بنزع ملكية هذه البيوت لإِنشاء الحديقة عليها لهذا المجذوب الذي كان يعتقد فيه الولاية والصلاح فقد تنبأ مرة بنبوءة

стр. 1020

عند عون وصحت هذه النبوءة فاعتقد فيه الولاية (٣٦٤) ولله في خلقه شئون. ويعلق الأستاذ السباعي على تصرفات الشريف عون بأنها نوع من الشذوذ الذي يصيب بعض العظماء بينما يرى البعض الآخر أن دهاء الشريف عون حمله على اصطناع هذا المجذوب الذي أخضعَ له العظماء وسادةَ الناس. وهناك رأي يقول: إن عونا إنما لجأ إلى هذه التصرفات ليوهم السلطان عبد الحميد أنه رجل ساذج فيبقيه في إمارة مكة، كما أن البعض الآخر يرى في هذه التصرفات دليلا على السذاجة والغفلة (٣٦٥). أقول: أيًّا كان الرأي في تصرفات الشريف عون فإن الأمر الهام بالنسبة للناس أنه كان حاكمًا عليهم، يأمر فيطاع، وقد عانى الناس من هذه التصرفات ما عانوا مما اضطر أولي الحل والعقد في مكة المكرمة إلى كتابة مضبطة للسلطان يذكرون فيها معاناة الناس، ولست أشك أن هذه المضبطة كانت تهدف إلى تخليص الناس من حكم الشريف عون بدليل أن السلطان اهتم بما جاء فيها وأرسل لجنة للتحقيق في محتوياتها. فيل الشريف عون: ذكر الأستاذ أحمد السباعي في "تاريخ مكة" نقلا عن إفادة الأنام للشيخ عبد الله غازي ما يلي: وأهدى أحد عظماء الهند للشريف عون فيلا فكان الفيل ينطلق
следующие страницы →