← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الملك فؤاد يرنو إلى الخلافة: بعد إلغاء الأتراك للخلافة وعزل آخر الخلفاء العثمانيين السلطان محمد رشاد الخامس طمح الكثيرون بأبصارهم إلى الخلافة، فعمل الأمير عبد الله بن الحسين على البيعة لوالده الملك الحسين بن علي ملك الحجاز بالخلافة وتمت البيعة له في عمان يوم ١٢ مارس ١٩٢٤ هـ (٣٩٣)، وعاد إلى الحجاز وهو يحمل لقب الخلافة إلى جانب الملك. ولكن أيام الحسين في الملك وكذلك في الخلافة لم تطل فقد تنازل عن الملك يوم ٥ ربيع الأول ١٣٤٢ هـ حيث بويع لابنه الملك علي بن الحسين، وغادر هو جدة إلى العقبة، وقد رأى الملك فؤاد ملك مصر أن الفرصة قد سنحت له ليحظى هو بلقب الخليفة فدعى إلى عقد مؤتمر إسلامي في القاهرة، وقد دُعى الشيخ عمد الله سراج قاضى القضاة ومفتي الأحناف في الحجاز لحضور هذا المؤتمر ضمن من دعي إليه من أعلام الرجال في البلاد الإِسلامية. وأثناء إقامة عبد الله سراج في مصر تم الصلح بين الملك علي والسلطان عبد العزيز آل سعود - كان لقبه الرسمي في ذلك الوقت سلطان نجد وملحقاتها - تم الصلح بينهما على تسليم البلاد للسلطان عبد العزيز الذي أصبح لقبه الرسمي ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها .. فعرض الملك فؤاد على عبد الله سراج منصب قاضى القضاة في السودان كما أنعم عليه بوشاح النيل من الدرجة الأولى فاعتذر عن قبول المنصب.

стр. 1052

عبد الله سراج في الأردن: أرسل الأمير عبد الله بن الحسين أمير شرقي الأردن إلى عبد الله سراج يدعوه للحضور إلى الأردن ففعل. عبد الله سراج رئيسًا لوزراء الأردن: كان عبد الله سراج محل رعاية الأمير عبد الله بن الحسين وثقته فأسند إليه رئاسة الوزارة الأردنية عام ١٣٤٨ هـ وخلال رئاسته للوزارة جرى العمل على تأسيس المجلس التشريعي، وكان أهم إنجازات عبد الله سراج في رئاسة الوزارة الأردنية استصدار قانون منع بيع وتأجير الأراضي للأجانب، فقد كان اليهود يطمحون إلى شراء أو استئجار الأراضي في الأردن لاستيطان العائلات اليهودية بها، امتدادًا لمخططاتهم الرامية إلى الاستيلاء على الأراضي العربية رغبة في أن يشملها وعد بلفور المشئوم. فكان هذا القانون طعنة نافذة قضت على هذه المخططات. عبد الله سراج يطرد مدير مشروع روتنبرج: حدثنى الأستاذ حسين سراج قال: أثناء رئاسة والدي الشيخ عبد الله سراج للوزارة الأرنية حضر اليهودي المسمى كوهين مدير مشروع روتنبرج، كنت أتولى الترجمة بينه وبين الوالد، وبينما كان كوهين هذا ينتظر الإِذن بالدخول على والدي أخبرني أنه جاء بعرض مُغْرٍ للوالد فيه ثروة طائلة. يقول الأستاذ حسين سراج: حذَّرت كوهين هذا من غضب الوالد فقال لي إنك لا تزال صغيرًا .. فقلت له: إنك لا تزال قليل الأدب.

стр. 1053

وأذن الوالد لمدير مشروع روتنبرج بمقابلته، وما أتم هذا اليهودي كلامه حتى كان الوالد قد ضغط على الجرس، فحضر الحاجب فأمره الوالد أن يضع الأصفاد في يد مدير مشروع روتنبرج، ويسير به مخفورًا إلى أن يصل به إلى جسر اللنبي فيطرده خارج الأردن. إقالة عبد الله سراج: استمر عبد الله سراج في رئاسة الوزارة سنتان وأربع شهور، ثم أُقيلت وزارته. الملك عبد العزيز وعبد الله سراج: يقول الأستاذ حسين سراج: استدعى جلالة الملك عبد العزيز ﵀ عمي الشيخ محمد علي سراج وكان تولى القضاء في الطائف والظفير، كما كان عضوًا برئاسة القضاة، وكان قبل ذلك تولى الإِمامة والخطابة في المسجد الحرام في العهد العثماني (٣٩٤) استدعاه جلالة الملك عبد العزيز وأمره أن يكتب للوالد بأن جلالته يرحب به إن كان راغبًا في العودة إلى الحجاز، وإنه سيلقي من جلالته الإِكرام والتقدير. يقول الأستاذ حسين سراج: تلقى والدي هذه الدعوة الكريمة بالشكر والعرفان، وكتب إلى جلالة الملك عبد العزيز معبِّرًا عن تأثره البالغ بعطف جلالته وكرمه، ولكنه آثر البقاء في الأردن، فلم يتمكن من تلبية هذه الدعوة الكريمة.

стр. 1054

مرض عبد الله سراج ووفاته: أصيب الشيخ عبد الله سراج بالشلل، وبقي سبعة عشر عاما وهو يعاني من هذا الداء العضال، إلى أن توفاه الله تعالى في شهر رجب من عام ١٣٦٨ هـ الموافق لعام ١٩٤٨ م. عاش فقيرًا ومات فقيرًا: ورثاه الملك عبد الله بن الحسين في جريدة الأردن فقال عنه فيما قال: عاش فقيرًا، ومات فقيرًا دأب من شايع بني هاشم، وأمر بدفنه في المقابر الملكية بعمان. رحم الله الشيخ عبد الله سراج فلقد كانت حياته مثالًا للعصامية والكفاح، خرج من بلاده شابًّا وعاد إليها بعد أن صار رجلًا، وقد تزود من العلم في أسفاره واغترابه، وتبوأ أعلى المناصب في الحجاز والأردن، وتقلب به الزمان فكان ملتزما بأخلاقه ومبادئه، وعالق فقيرًا ومات فقيرًا كما وصفه الملك عبد الله بن الحسين، فلم تكن هذه المناصب العظيمة لتغير من أخلاقه أو تجلب له الثراء الحرام.

стр. 1055

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة وبعض القرون الماضية

стр. 1056

السيد علي عبد القادر حافظ

стр. 1057

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة وبعض القرون الماضية

стр. 1058

السيد عثمان عبد القادر حافظ

стр. 1059

عَليّ وعُثمان أبناء عَبْد القَادِر حَافِظ الشقيقان الأديبان، مؤسسا جريدة المدينة المنورة، ومؤسسا مدرسة الصحراء الخيرية بالمسيجيد، ارتبط اسماهما ارتباطا وثيقا فكانا يذكران معا، ويعملان معا،، واختلطت الروح بالروح فكان إخاؤهما فريدا، قلَّ أن يجود به الزمان، قال لي الأستاذ محمد علي حافظ، وهو ابن السيد علي حافظ: كان مكتبهما في غرفة واحدة، كان مكتبا واحدا للأخوين، وكان بالغرفة خزنة حديدية يحفظان بها نقودهما، كلاهما يودع في هذه الخزنة ما يصل إليه، ويأخذ ما يحتاج إليه دون حساب مفرد، وإذا اشتريا أرضا أو عقارا كان الشراء باسمهما معا، وسكنا في بيت واحد حتى ضاق البيت بما أكرمهما الله به من الولد، فتحول أحدهما إلى سكن آخر، ولكنهما كانا معا دائما في كل مكان. وكان صديقهما الشيخ محمود شويل - رحمه لله - يطلق عليهما: "الحافظان". هذه المقدمة أكتبها بين يدي هذه الترجمة لأنها أول ترجمة أكتبها لشخصين معا، وقد لا أكررها .. حينما توفي صديقنا السيد علي حافظ وأردت أن أترجم له في أعلام الحجاز كان تأسيس مدرسة الصحراء الخيرية بالمسيجيد من أبرز الأعمال التي جعلتني أسلكه في عداد الأعلام، ولم يكن بوسعي

стр. 1060

أن أتحدث عن مدرسة الصحراء الخيرية وتأسيسها دون أن أذكر عثمان حافظ شقيق علي الذي شاركه كل خطوة خطاها في تأسيس مدرسة الصحراء منذ كانت حلما لمع في ذهن الشقيقين إلى أن أصبحت منارة علم يتخرج منها أبناء الصحراء، وكان إصدار جريدة المدينة المنورة بالمدينة وما صاحبه من الجهد الدءوب من أعمال الأخوين معا، وربما كان لعثمان حافظ نصيب أكبر من الجهد في تأسيس مطبعة المدينة المنورة وإدارتها، فكان لا بد أن يوفي حقه، ويذكر سعيه وجهده وإلا كانت الترجمة ناقصة مبتورة .. لهذا كله قررت أن أترجم للأخوين معا فأقول: أما أولهما علي حافظ فقد صار إلى رحمة الله تعالى، وأما الثاني فهو مريض مدنف نسأل الله له الشفاء والعافية. علي حافظ ولد علي حافظ بالمدينة المنورة سنة ١٣٢٧ هـ - ١٩٠٧ م، وتعلم في مدارسها وانتظم في حلقات الدروس في المسجد النبوي الشريف يتلقى العلم على أيدي العلماء الأجلاء، مثل أبناء جيله، وكانت حلقات الدروس في المسجدين تمثل الدراسة العليا في علوم الدين واللغة والآداب في ذلك الزمان، وحصل على شهادة التدريس. عمل علي حافظ كاتبا بقسم المحاسبة في مديرية المالية بالمدينة المنورة، ثم كاتبا في المحكمة الشرعية، ثم رئيسا لكُتَّاب المحكمة الشرعية في المدينة المنورة .. ثم تولى مديرية فرع وزارة الزراعة بالمدينة المنورة، ثم اختير رئيسا لبلدية المدينة المنورة وظل بها حتى استقال في عام ١٣٨٣ هـ رغبة في التفرغ

стр. 1061

لأعماله الخاصة، والكتابة والتأليف (٣٩٥). أما أهم أعمال علي حافظ فهو تأسيسه مع أخيه عثمان مدرسة الصحراء الخيرية بالمسيجيد، وإصدارهما قبل ذلك جريدة المدينة المنورة مما سنفصّل فيه الحديث بعد .. مؤلفاته: صدرت للسيد علي حافظ المؤلفات الآتية: فصول من تاريخ المدينة المنورة، وقد طبع للمرة الثانية وترجم إلى اللغة الإِنجليزية كما أخبرني بذلك الأستاذ فاروق لقمان الكاتب والأديب المعروف. حقوق الإنسان في الإِسلام، وقد ترجم إلى اللغة الإِنجليزية وقُدِّم إلى مؤتمر الصحافة العالمي في طوكيو. نفحات من طيبة، وهي مجموعة شعرية. أضواء من تاريخ المدينة، تحت الطبع، وهي مجموعة أحاديث قدمها للإِذاعة السعودية. شارك بقلمه في كتابة المقالات والأبحاث في جريدة المدينة المنورة وفي غيرها من صحف المملكة العربية السعودية طيلة ما يقرب من خمسين عاما ويعمل أبناؤه على جمع هذه المقالات وتنسيقها وإخراجها

стр. 1062

مطبوعة في الوقت الحاضر (٣٩٦). عثمان حافظ وثانيهما عثمان حافظ، ولد بالمدينة المنورة عام ١٣٢٨ هـ، وتلقى دراسته الأولى في الكُتّاب وفي المدارس الأولية، ثم تلقى العلم علي أيدي العلماء الأجلاء في حلقات الدرس في المسجد النبوي الشريف، ونال شهادة التدريس من أستاذه الشيخ عبد القادر توفيق الشلبي الذى لازمه عدة سنوات (٣٩٧). عمل عثمان حافظ كاتبا في مديرية المعارف بالمدينة المنورة عام ١٣٤٥ هـ، ثم عين عضوا وسكرتيرا لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمدينة المنورة وفي عام ١٣٥٠ هـ اشتغل بالتدريس، فعمل مدرسا بالمدرسة الابتدائية بالمدينة المنورة، وكانت أكبر مدرسة حكومية بالمدينة. وفي عام ١٣٦٢ هـ عين معتمدا للمعارف بالمدينة المنورة، ثم انتقلت خدماته إلى وزارة المالية فعين مفتشا للشمال وفي عام ١٣٦٥ هـ عين مديرا لإِدارة الحج بالمدينة المنورة وبقي في هذا العمل

стр. 1063

عشرين عاما. وفي عام ١٣٨٦ هـ تولى رئاسة تحرير جريدة المدينة المنورة ومكث في رئاسة تحريرها أحد عشر عاما. مؤلفاته: ألف السيد عثمان حافظ كتاب: "تطور الصحافة في المملكة العربية السعودية" في جزءين كبيرين، خصص الجزء الأول للحديث عن الصحافة تحدث فيه عن أول صحيفة صدرت في العالم، وأول صحيفة صدرت في أوربا، وفي إنجلترا وفرنسا، ثم تحدث عن أول جريدة صدرت في البلاد العربية. ثم تحدث عن الصحافة في الحجاز في العهد العثماني، ثم في العهد الهاشمي، ثم في العهد السعودي ويعتبر هذا الكتاب من أهم ما ألف عن الصحافة والصحف في الحجاز، فاعتبره المختصون مرجعا تاريخيا، واحتفلت جامعة الملك عبد العزيز بالكتاب والمؤلف فدعته إلى إلقاء المحاضرات على الطلبة، كما أوصوا الطلاب بقراءة الكتاب والاستفادة بما حواه من معلومات، وهو يستحق ذلك بكل تأكيد. أما الجزء الثاني من كتاب "تطور الصحافة" فقد خصصه المؤلف لقصة جريدة المدينة المنورة منذ كانت حلما يلمع في ذهنه وذهن أخيه علي إلى أن أصبحت حقيقة ماثلة للعيان، وهو قصة الجهد الدءوب والعصامية التي تستهين بالصعاب، وهو من اجمل الكتب في عفويته الآسرة، وفي صراحته وبساطة أسلوبه. وسأعود للحديث عن هذا الجزء من الكتاب حين أتحدث عن جريدة المدينة المنورة بعد .. وللسيد عثمان حافظ كتب أربع تضم ما كتبه من مقالات خلال

стр. 1064

سنوات طويلة في جريدة المدينة المنورة وهذه الكتب هي على التوالي: صور وذكريات عن المدينة المنورة، أصدره النادي الأدبي بالمدينة سنة ١٤٠٣ هـ. صور وأفكار، إصدار شركة تهامة في سنة ١٤٠٤ هـ. صور وذكريات، طبع دار العلم للطباعة والنشر سنة ١٤٠٤ هـ. صور وذكريات، طبع دار العلم للطباعة والنشر سنة ١٤٠٥ هـ. ونعود الآن لنتحدث عن الأخوين علي وعثمان حافظ في أبرز أعمالهما، وهما: تأسيس مدرسة الصحراء الخيرية بالمسيجيد، وتأسيس جريدة المدينة المنورة وإصدارها. مدرسة الصحراء الخيرية بالمسيجيد: سألت الأستاذ محمد علي حافظ: ما الذي جعل السيدان علي وعثمان حافظ يفكران في إنشاء مدرسة الصحراء الخيرية؟ قال: كانا في رحلة بين المدينة المنورة وجدة، توقفا في المسيجيد كما يتوقف المسافرون في ذلك الزمان للاستراحة والتزود بالوقود، فقد كان الطريق صحراويًّا لم يعبَّدْ، ووَعْرًا لم يُذَلَّل، وحينما كانا يستريحان في المسيجيد رأيا أبناء البدو يشحذون .. يشحذون من الحجاج والمسافرين .. وفي تلك اللحظة قررا أن يعملا على تحويل هؤلاء الغلمان إلى تلاميذ ومتعلمين. هذه الإِجابة التي أجاب بها الأستاذ محمد علي حافظ على سؤالي ذكرتني بأول رحلة قمت بها إلى المدينة المنورة قبل أكثر من خمسين عاما .. وصلنا إلى رابغ وجلسنا نستريح بها ونتناول طعام الغداء، كان

стр. 1065

الجو قائظا شديد الحرارة، وجلست في المقهى أنتظر الطعام الذي أوصينا عليه ورأيت أمامي منظرًا لا أنساه .. كان هناك صَفٌّ طويل من الأطفال والغلمان والنساء يجلسون على التراب تحت الشمس الحارة ويشكِّلون صَفًّا طويلا دون حراك، وسألت لماذا يجلس هؤلاء الغلمان في الشمس هناك؟ وقال صاحب المقهى: في تفريق … وأشار إلى رجل هندي يلبس ملابس هندية يجلس أمامي في المقهى ومعه بعض الحجاج الهنود .. وفهمت أن هذا الرجل أو هؤلاء المجموعة من الرجال الهنود سيفرِّقون بعض النقود على هؤلاء الغلمان، فأمروا أن ينظموا أنفسهم في صف طويل لينال كل منهم ما تيسر من قروش وهللات .. وثارت نفسى للمنظر الأليم .. وشعرت بالذلة لا لهؤلاء الغلمان ولكن لنا جميعا لأننا رضينا بهذا الواقع المزري، ولم نفعل شيئا لتغييره. ألم يكن في وسع هذا المُحسن أن يجمع هؤلاء الغلمان في مكان ظليل بدلا من صهرهم تحت الشمس الحارة وفوق هذا التراب الحار؟ وقلت لنفسى: إن من حق هؤلاء الغلمان أن يذهبوا للمدرسة، وأن يجتمعوا بها بدلا من اجتماعهم لالتماس الصدقات .. واكتفيت بالألم وغادرت رابغ ولم أفعل شيئا. ولكن الأخوين عليا وعثمان عملا شيئا، وشيئا رائعا يذكر لهما بالفخر والثناء. المقهى يتحول إلى مدرسة: بدأت المدرسة بغرفة في مقهى المسيجيد، وبثلاثة عشر طالبًا

стр. 1066

من أبناء البادية، وتقع المسيجيد في قلب الصحراء وتبعد عن المدينة ثلاثة وثمانين كيلومترا، واستطاع المؤسِّسَانِ أن يجتذبوا للمدرسة أستاذًا من أكفأ أساتذة المدينة المنورة هو الشيخ سالم داغستاني الذي ضحى بمركزه المرموق في المدينة المنورة ليعمل في مدرسة في الصحراء تبدأ بغرفة في مقهى وبثلاثة عشر طالبًا، كما ضحت أسرته معه بالانتقال من بيوت المدينة المنورة وما تحفل به من حياة مطمئنة متحضِّرة إلى بيت في البادية بين أحضان الجبال في وسط الصحراء. وأصرَّ المؤسِّسَانِ أن تبدأ المدرسة بداية طيبة فقرروا أن تكون مدرسة ابتدائية تتبع نهج مدارس وزارة المعارف السعودية .. كانت العقبات عظيمة والمصاعب كبيرة .. كان السفر من المدينة إلى المسيجيد ومنها إلى المدينة فيه من المصاعب ما تنوء به الأجساد .. كان الطريق وعرًا، كثير الرمال والحُفَر، وكان في مواضع أخرى مليئًا بالحصى والأحجار، ولم تكن طرق المواصلات قد عرفت التعبيد بعد، وكان السفر على سيارات اللوري المكشوفة، فلم يكن علي ولا عثمان من أصحاب السيارات، ولا من أصحاب الثراء، كانا موظفين من أوساط الناس، وكانا يقومان برحلات متتابعة للمدرسة قبل التأسيس وبعده بهذه السيارات المكشوفة الصناديق، وكان يشاركهما مدير المدرسة الأستاذ سالم داغستاني متاعب الرحلات إلى أن استقرَّ به المقام فسكن بجوار المدرسة في المسيجيد، وقامت المدرسة على التبرعات القليلة من المؤسسين ومن أصدقائهما. الدولة تمنح المدرسة مبنى: وفي عام واحد ازداد عدد الطلاب فوصل إلى ثلاثة وأربعين طالبًا،

стр. 1067

وكان للحكومة في المسيجيد استراحة لكبار الزوار، فأمر وزير المالية الأسبق الشيخ عبد الله السليمان الحمدان بتخصيص هذا المبنى للمدرسة فانتقلت إليه. صبي المقهى: ويقصُّ الأستاذ علي حافظ ذكرياته عن الأيام الأولى بمدرسة الصحراء فيقول: كنت وأخي السيد عثمان حافظ في قهوة حمدان بالمسيجيد أثناء تفقدنا لمدرسة الصحراء، وأقبل علينا طفل في الثامنة أو التاسعة يقدم لنا صينية الشاي، ولمحنا في حديثه الذكاء والفطنة، فسألته: هل دخلت المدرسة؟ قال: لا. قلت: لِمَ لا تدخل المدرسة؟ قال: إذا دخلت المدرسة (مين يُأَكِّلْ أمي) كان حمدان يعمل بالمقهى لينفق على والدته وعلى نفسه. قال السيد علي: فقلنا له: كم يعطيك حمدان كل يوم؟ قال: نصف ريال. قلت له: إذا أعطيناك نصف ريال تدخل المدرسة؟ قال: أشاور أمي. وجاء الصبي في اليوم التالي ومعه أمه، ووجهت سؤالها إلى السيدين علي وعثمان حافظ: (ليش تبغوا تأخذوا الولد؟) قالا لها: لا نريد أن نأخذه، نريد أن ندخله المدرسة في الصباح

стр. 1068

يتعلم القرآن والكتابة ونعطيه كل يوم نصف ريال ويعود إليك بعد الظهر. قالت الأم: خذوه ما يخالف. يقول السيد علي حافظ: واتفقنا مع حمدان صاحب المقهى أن يدخل الصبي المدرسة صباحا ونعطيه ربع ريال، ويعمل في المقهى بعد الظهر ويعطيه ربع ريال فوافق ودخل الصبي المدرسة. مخصص يومي للطلاب: ويواصل السيد علي حافظ حديثه فيقول: ومن تلك اللحظة قررنا أن نعطي لكل طالب يعول والدته أو أحد أقربائه ربع ريال يوميًّا، وكل طالب يعول أهله ثلاثة قروش. ويقول السيد علي: وبعد دخول هذا الطالب للمدرسة وإعلاننا أننا سندفع ربع ريال اللطالب الذي يعول أهله، وثلاثة قروش للطالب الذي يعول أحد أقربائه، بدأ الطلبة يدخلون المدرسة، وأصبح عددهم يتزايد يوما بعد يوم، وضاق صندوق المدرسة عن دفع مخصصات الطلاب، ولم نستطع أن نتراجع عن قرارنا، وبلغ ما كنا نصرفه على الطلبة فقط من ٤٥٠ - ٥٠٠ ريال شهريًّا، والزيادة مستمرة كل شهر، ولم يكن للمدرسة وارد يتحمل هذه النفقات، وأصبح ما يصرف لمخصصات الطلبة يماثل ما يصرف على هيئة التدريس. يقول الأستاذ علي: ومن أين؟ التبرعات كانت بالريالات، وبعشرات الريالات إذا كثرت. جلالة الملك عبد العزيز يعين المدرسة: لجأ المؤسسان إلى جلالة الملك عبد العزيز ﵀ فكتبا

стр. 1069

إليه عن المدرسة وما صار إليه أمرها وقالا: إن انتساب الطلاب للمدرسة يتوقف على مساعدتهم في معيشتهم وطلبا منه تخصيص نصف ريال لكل طالب. وكانت استجابة الملك عبد العزيز لطلب المؤسسين سريعة فأصدر أمره على وزارة المالية بصرف نصف ريال لكل طالب من طلاب مدرسة الصحراء بالمسيجيد يوميًّا. يقول السيد علي حافظ: وهي أول مدرسة في المملكة يتقاضى طلابها معونات من الحكومة، وأول مدرسة تؤسس لتعليم أبناء البادية في الصحراء، ولم يسبق أن فتحت مدرسة في البادية على هذا المستوى (٣٩٨). مدرسة للبادية في ينبع: هذا ما ذكره الأستاذ علي حافظ .. ونذكر للتاريخ ما يلي: ذكر الأستاذ حمد الجاسر في كتابه "بلاد ينبع": أنه كان في ينبع سنة ١٣٥٤ هـ مدرسة مخصصة لأبناء البادية تقوم الحكومة بالإنفاق على طلبتها وإيوائهم وتعليمهم، وقد خُصِّص لهم مكان يسكنون ويتعلمون فيه، وكان طلاب هذه المدرسة يؤتى بهم من أبناء البادية كثيرا ما كانوا يهربون من المدرسة لعدم إِلْف أبناء البادية للاستقرار في المدن، ولكن الأمير حمود بن إبراهيم كان يولي هذه المدرسة الكثير من عنايته، وكان يستعمل الصرامة في قسر بعضهم على البقاء في هذه المدرسة وإرجاعه إليها إذا هرب منها.

стр. 1070

ويقول الأستاذ حمد الجاسر: ولقد أفادت هذه القسوة فكان من هذه المدرسة النواة الطيبة التي رغَّبَتْ أبناء البادية هناك في التعليم، وأوجدت منهم شبابا تقدم إلى التعلم في عهد مبكر وأصبح الآن يتولى أعمالا حكومية نافعة، منهم عيد بن سليمان، تولى إدارة مدرسة ينبع، وأخوه عودة بن سليمان، أول من تولى إدارة مدرسة المجمعة في نجد، وعائش بن حسين، أصبح مفتشا في وزارة المالية، وغيرهم من شباب جهينة النجباء. ويواصل الأستاذ حمد الجاسر حديثه عن هذه المدرسة فيقول: ومما يؤسف له أن المدرسة بعد نقل الأمير حمود من إمارة ينبع بدأ أمرها يضعف حتى زالت، هكذا كل عمل نافع يفقد مَنْ لَه أثَرٌ في إيجاده، لا يلبث أن يتلاشى مهما كان نافعًا (٣٩٩). ولقد أخبرت الأستاذ علي حافظ ﵀ عن هذه المدرسة، وكان لم يطلع على كتاب "بلاد ينبع" للشيخ حمد الجاسر فقدمته إليه، وفي رأيي أن وجود مدرسة في البادية قبل مدرسة الصحراء لا ينقص من قيمة العمل العظيم الذي قام به مؤسساها، وقد أراد الله لمدرستهما الدوام فاستمرت وتوسعت حتى تم تسليمها لوزارة المعارف بعد حوالي ستة عشر عامًا من تأسيسها كما سيأتي تفصيله فيما بعد .. مدرسة الصحراء تكبر: أصبحت مدرسة الصحراء منارة علم في قلب الصحراء يقول الأستاذ على حافظ:

стр. 1071

وأقبل البدو يُلحقون أبناءهم، ووصلت سمعتها إلى القرى المجاورة، فأقبل عليها الطلاب من رءوس الجبال وبطون الأودية، ومن بين الآكام والتلال، وجاءوا إليها من أماكن بعيدة من الفريش وبئر الروحاء، ومن رحقان ومن جبل الأحامدة، ومن الخيوف بوادي الصفراء، وصار الطلاب يؤلفون رفاقًا وجماعات، يقضون الأسبوع في الدراسة ويشتركون في تأمين حاجياتهم من دكاكين القرية، ويعودون في نهاية الأسبوع إلى أهليهم. أما أهل المسيجيد فإنهم يرتادون المدرسة نهارًا، ويأوون إلى أهليهم بعد الدراسة كثيرا ما كنا نراهم في مسجد المسيجيد ليلًا وهم كخلية النحل تجمعًا ودَويًّا، يذاكرون دروسهم على مصابيح الغاز البدائية التي يتصاعد دخانها المُسْوَدّ. وكبرت المدرسة، وزادت فصولها، وضاق عنها المبنى الذي منحه وزير المالية الأسبق الشيخ عبد الله السليمان لها فأضاف إليها المؤسسان دورًا ثانيًا، وقد اجتذبت المدرسة اهتمام الناس في الداخل والخارج وتبرعوا لها وبلغ الإقبال عليها إلى الحد الذي جعل مدير المدرسة يعتذر عن قبوال الطلاب الجدد لضيق المكان. يقول الأستاذ علي حافظ: ومع الزمن تكاثر عدد الطلاب في المدرسة حتى ضاقت بطلابها، وبعد أن كانت المدرسة تجري وراء الطلاب تدعوهم إليها، أصبحت ترفض قبول الطلبات للالتحاق بها كثيرًا ما كنا نتلقى بالمدينة خطابات من أولياء الطلبة يطلبون منا التوسط لدى الأستاذ سالم داغستاني مدير المدرسة لدخول أبنائهم، وكنا نعمل المستحيل ونهيئ

стр. 1072

الفرص لكل طالب يرغب في الالتحاق بالمدرسة، وكلما زاد فصل من الفصول عن العدد القانوني للفصل قُسِّم إلى فصلين أو ثلاثة أو أربعة فيكون فصل: أ، ب، ج وهكذا .. إلحاق الطلبة بالكليات العسكرية والسكة الحديد: كان الشيخ عبد الله السليمان الحمدان وزير المالية الأسبق ممن أولوا مدرسة الصحراء اهتمامهم، وكان يوالي المدرسة بالتشجيع المادي والأدبي، ولم يكن يمر بالمسيجيد إلا ويتوقف فيها لزيارة المدرسة وتتبع خطواتها، وقد ذكرنا قبل أنه منح المدرسة المبنى الذي كان لوزارة المالية في المسيجيد، وكان ﵀ يرى في أبناء المدرسة البذرة الطيبة للطلائع العربية الأصيلة، إذا أُحسن غرسها وتنميتها، وحينما تم تخرج الدفعة الأولى من الطلبة أمر ﵀ بابتعاث خمسة عشر طالبًا للمدرسة العسكرية. يقول الأستاذ علي حافظ: التحق بعضهم بالكلية الحربية والبعض الآخر بموسيقى الجيش، ثم طلب ﵀ سبعة عشر - طالبًا ابتعثهم إلى المنطقة الشرقية للعمل بمحطة السكة الحديدية، ونجحت البعثة التي أُرسلت إلى المنطقة الشرقية فطلبوا مجموعة أخرى فبعثت المدرسة إليهم ستة عشر طالبًا، ورأت إدارة السكة الحديد بالمنطقة الشرقية نجابة الطلاب فاختارت عددًا منهم ابتعثتهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية للتدريب على مختلف أعمال السكة الحديدية، وإدارة المحطات، وقيادة القطارات، والأعمال الحسابية، وعاد أفراد البعثة من أمريكا فتسلموا مراكز كبيرة في محطة السكة الحديدية. جني الثمار: كان الأستاذ عثمان حافظ ضمن الوفد الصحفي الذي رافق معالي

стр. 1073

الشيخ عبد الله السليمان للاحتفال بوصول أول قطار من قطارات السكة الحديدية من الظهران إلى الرياض في شهر محرم عام ١٣٧١ هـ. يقول الأستاذ عثمان حافظ: - كنت أجلس في هذا الحفل بجوار ممثل وزارة المالية بالمنطقة الشرقية الشيخ عبد الله بن عدوان - أحد وزراء المالية فيما بعد - وكنا جميعًا ننتظر وصول القاطرة الأولى من الظهران وقال لي الشيخ عبد الله مبشِّرًا: إن مدير محطة الرياض من مدرستكم، ومدير محطة الدمام من مدرستكم، ومدير محطة حرض من مدرستكم، وعددًا من مديري محطات السكة الحديدية من مدرستكم .. مدرسة الصحراء إلخ .. وبعد .. فهذه الثمار يانعة جنية، تحوَّل الأطفال الذين كانوا يشحذون إلى رجال عاملين مسئولين وتحول صبي القهوة الذي ذكرنا قصته قبل إلى رجل مسئول. يقول عنه الأستاذ عثمان حافظ: ونبغ هذا الطالب كما كنا نتوقع له، وكان ممن اخترناه لبعثة السكة الحديد بالمنطقة الشرقية، وممن ابتعثته الشركة إلى أمريكا للتدريب على أعمال السكك الحديدية وعاد بعد سنوات شابًّا مثقفًا يمتلئ حيوية ونشاطًا، وقد رأيناه مرافقًا للشيخ عبد الله السليمان في رحلة للمدينة المنورة، وكان يقوم بالترجمة بينه وبين بعض الأجانب. وقدمه لنا الوزير على أنه من طلاب مدرسة الصحراء وأثنى على أخلاقه وأخلاق زملائه. يقول الأستاذ عثمان: وعَرَفنا وذكَّرنا بما كان منا ومنه ومن والدته في قهوة حمدان، وكان اسمه فهد الحربي. إن أعظم مكافأة يتلقاها الإنسان في حياته أن يرى أحلام حياته

стр. 1074

وقد تحققت وأن البذرة التي بذرها وسقاها ورعاها قد أثمرت فتحولت إلى شجرة حافلة بالعطاء، ولقد أكرم الله الأخوين علي وعثمان حافظ فأبصرا البذرة التي بذراها في رمال الصحراء تتحول إلى شجرة كبيرة يانعة، وأبصرا الأطفال الذين كانوا يتجمعون للتَّسَوُّل، وقد أصبحوا رجالًا عاملين مسئولين، هذه هي المكافأة الدنيوية وفيها من رضا النفس وطمأنينة القلب، ما يملأ النفوس سعادة ونشوة، أما المكافأة الأخروية فإن الله قد تكفَّل بها للعاملين المخلصين ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. مدرسة الصحراء تُسلم إلى وزارة المعارف: استمر علي وعثمان حافظ يرعيان مدرسة الصحراء منذ أن كانت غرفة في مقهى المسيجيد إلى أن أصبحت صرحًا شامخًا في الصحراء ومنارة علم وضَّاءة، والمدرسة كما يعلم القارئ كالمزرعة تبدأ فصلًا واحدًا ثم تنمو فتكبر. فالتعليم الابتدائي يعقبه التعليم المتوسط ثم الثانوي ثم الأكاديمى، وقد استمر المؤسسان ستة عشر عامًا يرعيان مدرسة الصحراء ويشرفان على الشئون الكبيرة والصغيرة فيها حتى استوت قائمة على أصولها فسلماها إلى وزارة المعارف لتكون حلقة في سلسلة كبيرة من الحلقات من مدارس الصحراء، تشمل قرى وصحاري المملكة العربية السعودية الواسعة الأرجاء. ونختم الحديث عن مدرسة الصحراء بالبيانات التالية: تأسست مدرسة الصحراء في شوال ١٣٦٥ هـ، وسُلِّمت إلى وزارة المعارف في أول ربيع الثاني ١٣٨١ هـ.

стр. 1075

نال الشهادة الابتدائية منها منذ تأسيسها وحتى تسليمها للوزارة مائتان وثلاثون طالبا وانتسبوا جميعًا للمدارس الثانوية والمعاهد العلمية .. ونال الشهادة المتوسطة خلال هذه الفترة عشرة طلاب .. ونال شهادة التوجيهية خلال هذه الفترة خمسة طلاب .. ونال شهادة المعاهد العلمية خلال هذه الفترة مائتا طالب. عمل في وظائف الدولة نحو ثلاثمائة طالب من متخرجي مدرسة الصحراء في كثير من وظائف الدولة في المواصلات والمطارات، والمحاكم الشرعية وكتابة العدل ودوائر بيت المال. وبعد فهنيئًا للأخوين علي وعثمان حافظ بهذا العمل الطيب الذي وفقهما الله إليه وبارك لهما فيه، وجزاهما عنه خير الجزاء (٤٠٠). جريدة المدينة المنورة وتأسيسها: كان إصدار جريدة بالمدينة المنورة حلمًا يراود أذهان المثقفين وذوى الرأي في مدينة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وتركَّز هذا الحلم في ذهن الشاب عثمان حافظ الذي كان يعمل بالطباعة. كانت هناك مطبعة يدوية صغيرة تطبع أسماء من يرغبون طبع أسماءهم على أوراق الخاطبات وغلافاتها، كما تطبع بطاقات الدعوة للأفراح

стр. 1076

وما إليها، وكان عثمان حافظ أحد شخصين يملكان هذه المطبعة الصغيرة، والتي تحتل مكانًا لا يتجاوز ثلاثة أمتار في مثلها، وصدرت صحيفة صوت الحجاز بمكة، واشتد شوق المدينة وأهلها إلى إصدار صحيفة مماثلة تحمل اسم المدينة المنورة، وعقدت الاجتماعات والندوات لتحقيق هذا الحلم وإخراجه من حيِّز الخيال إلى عالم الحقيقة والواقع، وكان قطب الدائرة في هذه الاجتماعات والقاسم المشترك الأعظم فيها هو عثمان حافظ صاحب مطبعة باب الرحمة، وكان توفير المال اللازم لشراء المطبعة ومستلزماتها هو الصخرة التي تحطَّمت عليها الأحلام، وقَرَّر عثمان حافظ أن يقوم بإنجاز المشروع بالتعاون مع أخيه على حافظ، واستبعد الأخوان إشراك أي أحد معهما في هذا المشروع، فقد حذَّرهما والدهما من أحرف كلمة (الشوك) وقال لهما احذرا الشراكة والكفالة والوكالة. كان السيد على حافظ يملك بقالة حديثة في المدينة المنورة فباعها وضم إلى قيمتها ما كان يملكه من مال وسلمه إلى أخيه عثمان حافظ الذي جمع كل ما لديه من نقود كذلك، وعلم صديق الشابين الشيخ محمود شويل بما عزم عليه الأخوان فقدم إلى عثمان حافظ صرة من النقود تضم خمسا وخمسين جنيهًا ذهبًا وقال له استعن بها في المشروع وأصرَّ عليه أن يأخذها ولم يتسلم إيصالًا بها، وقد دفع عثمان بعد ذلك للشيخ محمود شويل هذا المبلغ مُقسَّطًا، كلما احتاج إلى جنيه أو جنيهين دفعها له حتى تم تسديد هذا القرض الحسن. سافر عثمان إلى مصر مزودًا بالتوصيات إلى الجهات التي يؤمل في مساعدتها له، واستقبله صديقه الطالب فهمى الحشاني الذي كان يدرس طب الأسنان في مصر، وكانت حصيلة النقود التي تجمعت لدى

стр. 1077

عثمان حافظ قد وضعت في حزام من الجلد يحتزم به نهارًا، ويضعه ليلًا تحت وسادته. وقد أصبح هذا الحزام حملًا ثقيلًا بعد أن نزع عثمان ملابسه العربية الفضفاضة وارتدى بدلة أفرنجية فلم يكن لهذا الحزام مكان في وسطه، وترك عثمان الحزام بما فيه من النقود في الغرفة التي ينزل بها مع صديقه الحشاني وغادر المنزل، وحينما عاد عثمان بحث عن الحزام فلم يقع له على أثر، ومادت الأرض أمامه ولكن لطف الله تعالى أدركه سريعًا. كانت المرأة صاحبة البنسيون الذي ينزل الشابان فيه أمينة، وقد أبصرت الحزام وهي تقوم بتنظيف الغرفة فاحتفظت به خشية أن يتعرض للضياع، وحينما سمعت أصواتهما وهما يناقشان الأمر أحضرت الحزام ولم يُمسّ بسوء، وأسرع عثمان حافظ بحزام النقود إلى قنصل المملكة العربية السعودية بمصر الشيخ فوزان السابق فسلَّمه الحزام أمانة في خزنة الشيخ يعود إليها كلما احتاج إلى شئ من مال. وبدأ البحث عن المطبعة العتيدة، وزار عثمان حافظ مطابع شركة مصر وكان يحمل خطاب توصية من المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان إلى طلعت باشا زعيم مصر الاقتصادي ومؤسس بنك مصر وشركاته، ولكن المطبعة التي أشار بها عليه مدير مطابع شبكة مصر كانت قيمتها أكبر كثيرًا مما يحمل من مال. وفي مصر وجد الشاب عثمان حافظ الأستاذ سيد إبراهيم الخطاط المصري والأديب المعروف وتوشَّجت الصلات بين الرجلين فذهبا إلى أمين عبد الرحمن صاحب مجلة الإسلام ومطبعتها، والرجل صاحب خبرة

стр. 1078

في المطابع وشئونها .. وقضى عثمان حافظ شهرًا بصحبة أمين عبد الرحمن يزوران المطابع وباعتها ووكلاءها، وأسفرت النتيجة عن أن شراء مطبعة جديدة يكلِّف الرجل عبئًا ماليًا لا يقدر عليه، وبدأ يفكر في شراء مطبعة مستعملة. ولكن إرادة الله أبت إلا أن تكون المطبعة جديدة .. رنَّ جرس الهاتف في مكتب أمين عبد الرحمن وسأله تاجر المطابع المسيحي، إن كان صديقه العربي قد اشترى مطبعة؟ وأردف لقد وصلت إلينا مجموعة من المطابع في الجمرك، وأنا في حاجة إلى النقود لإخراجها، فإن كان صاحبك يدفع القيمة نقدًا نخفِّض له في القيمة، وذهب الرجلان واشتريا المطبعة وكل ما يلزمها، واستعان عثمان حافظ بأخيه فأعانه بما يلزم من مال .. وإلى هنا فإن الأمر رغم ما اكتنفه من صعاب كثيرة فهو في حدود المعقول، ولكن الغير معقول هو ما فعله عثمان حافظ بعد شراء المطبعة. كان الأسطى محمد المصري مهندس المطابع بمحلات لوسكفتش يرغب في السفر إلى المدينة ليزور ويعتمر، وكان المعقول والطبيعي أن يسهل له عثمان حافظ هذه المهمة لتركيب المطبعة حين وصولها إلى المدينة المنورة، ولكن قلة ذات اليد كما يقول الأستاذ عثمان حالت بينه وبين تحقيق هذا المطلب المعقول. وقرر عثمان حافظ أن يتعلم كيفية تركيب المطبعة وإدارتها، وهو لا يفقه شيئًا في الهندسة ولا في المكانيكا، واتخذ نوتة وضع فيها رقما لكل قطعة في المطبعة، ووصف كيفية تركيبها، وأخذ يدرس هذه الأمور نهارًا في المطبعة وليلًا في النوتة، وكأنه تلميذ يقبل على امتحان ..

стр. 1079

واتَّسَخَتْ ملابس الأفندي عثمان بالزيت وهو يلازم عمال المطبعة فأحضر له أمين عبد الرحمن بدلة خضراء مثل بقية العمال، وارتدى البدلة الخضراء ودخل مطابع أمين عبد الرحمن يعمل بيديه، ويتعلم كيفية إدارة الماكينة ورصّ الصفحات، والتحبير والتلوين وما إلى ذلك .. وظن كان أنه بالأيام التي أنفقها في مطبعة أمين عبد الرحمن، وبالنوتة العتيدة قد أمسك بزمام المطبعة فأسلست قيادها له تركيبًا وإدارة وإنتاجًا. وعُبِّئت المطبعة في صناديق وطرود بلغت ثمانية عشر بين كبير وصغير، وأنفق كل ما بقى معه من نقود في شحن المطبعة إلى ينبع وسافر هو إلى جدة .. وكان قد تحصَّل على أمر من الشيخ حمد السليمان وكيل وزارة المالية الأسبق إلى الشيخ محمد سرور الصبان مدير المالية ليدبِّر له سيارة لوري تحمل المطبعة من ينبع إلى المدينة على أن يدفع هو قيمة البنزين. وحضر إلى مكة واستدان قيمة البنزين وملأ السيارة بالبراميل واتجه بها إلى ينبع. كان الزمان صيفًا وكانت الصحراء تلتهب بالحرارة، ولم يكن الطريق معبَّدًا، وعانى عثمان في رحلته هذه كثيرًا فلما أقبل على ينبع وجد عثمان جماعة من الغلمان يستقبلون السيارة ويقولون سيارة المطبعة .. وعلم أن المطبعة قد وصلت وأن خبر وصولها. قد عَمَّ ينبع وأهلها فسأل الصبية: هل وصلت المطبعة؟ قالوا: نعم ولكنها سقطت في البحر؟ وكاد السيد عثمان يسقط إعياءًا ولكنه تماسك وأسرع إلى ميناء ينبع .. كان الصندوق الكبير الذي يحمل الطمبور والأدوات الهامة للمطبعة ثقيلا لم يتحمله السنبوك الذي نقل عليه من الباخرة إلى الساحل، وحينما وصل هذا السنبوك كان هذا الصندوق من الثقل بحيث ناء به السنبوك فسقط في البحر.

стр. 1080

ووصل عثمان إلى الميناء فوجد ينبع كلها تشترك في إخراج صندوق المطبعة الذي كان قد هوى إلى البحر، ووجد على رأس الناس أمير ينبع الذي استعان به السيد محمد عمر سُبِيِهْ ووكل إليه استلام المطبعة من الباخرة، واندفع الناس بحماس شخصي، وبدافع من المروءة والنجدة لإخراج الصندوق العتيد من البحر، واشتركت ينبع كلها تحت إشراف أميرها في إخراج الصندوق الغريق حتى تم إنقاذه، وكان أهل ينبع من الكرم بحيث رفض الحُمَّال ورجال البحر الذين اشتركوا في إخراج الصندوق قبول أي أجر على العمل الذي أدُّوه بحماس وإخلاص منقطعي النظير. وتم تحميل المبطعة وبعض صناديقها في اللوري لتصل إلى مأمنها في المدينة المنورة، كان الطريق ما بين ينبع والمدينة شاقًّا كثير الرمال في بعض المواضع بحيث تغوص فيه عجلات السيارة فيضطر أصحابها إلى انتشالها، كثير الحصى والحفر في مواضع أخرى، وقبيل وصول السيارة إلى وادي الصفراء رأى السيد عثمان حافظ عددًا من أبناء البادية في تلك الرمضاء وأصرَّ على سائق السيارة أن يتوقف ليركبهم معه في السيارة المحملة بالمطبعة وبعض صناديقها، ورفض السائق الوقوف فالحمل ثقيل والطريق وعر، ولكن العاطفة تغلبت وتوقفت السيارة لتضيف إلى حملها الثقيل حملًا آخر من البشر، وحدث ما توقعه السائق .. غاصت السيارة في الرمال مرة بعد مرة، وكان الجميع يشتركون في عملية انتشالها وأخيرًا ناءت السيارة بحملها من الحديد والبشر فانكسرت الكرونة والبنيون. وترك الركاب السيارة وساروا في تلك الرمضاء على أقدامهم ثماني ساعات يستظلون فيها بأول شجرة حتى ولو كانت شجرة شوك إلى أن وصلوا إلى وادي الصفراء وانطرحوا تحت ظل شجرة من الأشجار

стр. 1081

يلتمسون شيئًا من الماء يبلون به ظمأً كادت منه أن تزهق الأرواح .. وأقبل شيخ الوادى ابن نصار فغمرهم بكرمه وأنزلهم في داره وهيأ لهم الطعام والماء والفاكهة والفراش، وبعد أن أقام لهم وليمة العشاء أحضر لهم الدواب - الحُمُر - لتنقلهم إلى المسيجيد، التي وصلوا إليها بعد شروق شمس اليوم التالي. وأخيرًا آن للسيارة - سيارة المطبعة أن تصلّح - وآن للسيد عثمان حافظ أن يعود إلى المدينة بعد غيبة شهور ثلاث، وآن له أن يستقبل المطبعة وقد وصلت إلى مأمنها في طيبة الطيبة بعد جهود وجهود (٤٠١). ونصل الآن إلى نقطة الصفر، إلى الوقت الذى وجب فيه أن يتحول هذا الكم الهائل من الحديد إلى آلة تطبع الكتب، ليقرأها الناس. لم يكن السيد عثمان حافظ مهندسًا ولا ميكانيكيًا، ولم تكن موارده وموارد أخيه علي المالية لتسمح لهما باستقدام مهندس لتركيب المطبعة في المدينة وتشغيلها فماذا يفعل؟ اتفق مع المهندس المصري الذي يعمل لدى البائع أن يقوم بتفكيك أجزاء المطبعة وتركيبها بحضوره، ثم يقوم السيد عثمان حافظ وحده تحت إشراف المهندس المصري بالتركيب مرة أخرى، واستغرقت العملية أربعة أيام، استعان فيها السيد عثمان حافظ بنوتة سجل فيها

стр. 1082

وصف كل قطعة ووضع لها رقمًا، وظن أنه بهذا قد وصل إلى ما يريد .. كان في المدينة مهندس يشرف على كهرباء الحرم اسمه شريف أفندي، واستعان به عثمان في تركيب المطبعة بعد وصولها إلى المدينة وقبل الرجل بعد تهيب وتردد وشاركه السيد عثمان بالنوتة العتيدة، وتعثرت عملية التركيب ولكنها تمت بعد جهد شديد .. وحينما وصل الأمر للتطبيق ظهرت المصاعب التي لم تكن في البال. رَصَّ السيد عثمان حافظ قوالب الصفحات التي يريد طباعتها كعمل تجريبي للمطبعة ووضع الورق، ودارت المطبعة وكان المفروض أن يتحرك الورق تلقائيًّا كلما طبع صفحة منه لتطبع الصفحة الثانية والثالثة، ولكن الورق التصق بالطنبور وحينما سُحِبَ باليد تمزَّق، وقضى عثمان حافظ وشريف أفندي قضيا أيامًا ثلاثة يحاولون فيها حَلَّ اللغز دون جدوى. وسافر عثمان حافظ إلى مكة ليرى كيف تدور المطابع ويدور معها الورق ويتحرك، سافر إلى مكة في سيارة صغيرة مخروقة الإطار ووصلت إلى جدة بعون من الله، وسافر من جدة إلى مكة بسيارة البريد، وفي الصباح كان أمام مطبعة أم القرى وهي تدور ورأى الورق يتحرك، كان هناك خيط من الدوبارة الرفيعة يأخذ الصفحة المطبوعة لتحلَّ محلها صفحة لم تطبع وهكذا .. وانكشف السر الذي لم يكن قد سجله في النوتة .. وعاد إلى المدينة بسيارة البريد، ووضع خيط الدوبارة وتحرك الورق بسلام (٤٠٢).

стр. 1083

هل انتهت التحديات؟ ليس بعد! كان الأستاذ عبد القدوس الأنصاري - يرحمه الله - قد تحصَّل على رخصة بإصدار مجلة المنهل في المدينة المنورة وصاحَبَ صدور هذه الرخصة وصول المطبعة إلى المدينة فاتفق مع الأخوين حافظ مُمَثَّلَيْن في شخص أحدهما عثمان على طبع مجلة المنهل بهذه الطبعة الحديثة .. كان السيد عثمان حتى هذا الوقت هو مدير المطبعة، وهو عامل الطبع والتحبير والقص والتغليف، كان هو كل شئ في المطبعة، ولا شئ سواه … بدأ عثمان بطبع العدد الأول من مجلة المنهل، وأنقل هنا ما كتبه عن هذه التجربة: بدأت العمل بأن جمعت ثمان صحائف من مواد مجلة المنهل ووضَّبْتُها على الطوق على ما هو بالمفكرة - النوتة - فكانت الصفحة الأولى توضع فتها الصفحة الثامنة، وعن يمينها الصفحة السادسة عشرة، ومن تحتها الصفحة التاسعة. يقول السيد عثمان: (وهذا شئ يمخول العقل، عقل المغامر الذي يعمل جزافا). وخرجت بروفة الملزمة الأولى للتصحيح فظهرت أغلاط كثيرة في التوضيب، كان يجب أن يكون رأس الصفحة الأولى في أعلى الطوق، والصفحة الثامنة التي تحتها يكون رأسها معكوسًا إلى أسفل، ولم يُرَاع هذا الترتيب أثناء التوضيب، وهكذا كانت معظم الصفحات مقلوبة ومشقلبة، وأصبحت أنْقُضُ بالليل ما صنعته في النهار، وبعد جهد وتعب وسهر وضياع وقت تَرتَّبت الصفحات، وبدأنا في الطبع، كنت

стр. 1084

لا أشتكي من هذه المتاعب أو السهر، بل أقدم عليها بنشاط وشوق، كنت أتظاهر بالشغل أمام الزوار، وأنا غارق في شبر من الماء، واستطاع عثمان حافظ أن يضبط ترتيب الصفحات، ولكنه وقع في مشكلة الحبر فله موازين دقيقة، لم يسجلها في النوتة. ودار الطبع فنزل الحبر بكميات زائدة جدًّا حتى طمس معظم الحروف، وصار الورق يلتصق بعضه ببعض، وخَفَّفَ الحبر حتى كادت الحروف لا ترى. وظهر العدد الأول من المنهل بعد أن أعدم منه السيد عثمان مائتي نسخة كانت سيئة الطبع، وتقبل عبد القدوس - يرحمه الله - الأمر على مضض تشجيعًا لصديقه عثمان وتقديرًا لظروفه، ولكنَّ العدد الثاني من المجلة لم يكن أحسن حظًّا من العدد الأول، فقرر عثمان مع أخيه علي أن يستقدما عاملًا متخصصًا من مكة، واتفقا مع عباس هلال سنبل على أن يكون معهما في دارهما بالمدينة، ويتولى شئون المطبعة بمرتب ثلاثين ريالًا شهريًّا. وأعطيت القوس باريها فتمَّ إخراج العدد الثالث من مجلة المنهل بصورة مشرفة رضي عنها الأستاذ عبد القدوس واستغرق العمل في توضيب العدد الثالث وطبعه خمسة أيام، وكان عثمان يقضي الشهر كله في التوضيب والطبع (٤٠٣). وأود أن أقف قليلًا بعد أن قصصت على القاريء قصة مطبعة

стр. 1085

المدينة المنورة منذ أن كانت حلمًا يراود خيال الأخوين علي وعثمان حافظ إلى أن أصبحت حقيقة لأقول: إنها قصة الكفاح والعصامية، قصة التصميم على بلوغ الغاية مهما كانت المصاعب والعقبات، قصة الحماس الذي يتحدَّى المشكلات التي تبدو مستحيلة، ثم يذللها الإيمان والعمل، يقول السيد عثمان في وصف تأسيس مطبعة المدينة: إن مثل هذه المواضيع تحتاج إلى اختصاص وعلم، ولكن قلة ذات اليد والاندفاع جعلنا نتحمل المتاعب والمسئوليات، ونخوض المعارك بلا سلاح، ولو أردنا أن نمد أرجلنا على لحافنا كما يقول المثل العامي لما تقدمنا خطوة في المشروع، ولأن إمكاناتنا المادية محدودة جدًّا جدًّا ونحن لا نملك إلا العزيمة والعقيدة، والتوكل على القادر المتعال (٤٠٤). هذه قصة المطبعة، مطبعة المدينة المنورة في إيجاز شديد، أما قصة الجريدة - جريدة المدينة المنورة - التي من أجلها جلبت المطبعة فهى قصة أخرى لو أردنا سردها أو حتى إيجازها لخرجنا بهذه الترحمة عن الحيز المقدر لها، وقد كفانا الأستاذ عثمان حافظ هذه المئونة بكتابه القيم الممتع الذي خصص الجزء الثاني منه لقصة المطبعة والجريدة معا فليعد إليه القارئ فهو من الكتب التي أود لشبابنا أن يستمتع بقراءتها ليرى كيف تذلِّل العزائم الصعاب، بل وتَليِّن الحديد .. هذا الكتاب هو كتاب "تطور الصحافة في المملكة العربية السعودية" الذي كثيرا ما أشرنا إليه قبل، وقبل أن أختم هذا الحديث فإني أود أن يعرف

стр. 1086

القاريء أن قصة صدور جريدة المدينة المنورة التي صدر العدد الأول منها في ٢٦ محرم ١٣٥٦ هـ والتطورات التي مرت بها إلى أن سلمت للمؤسسة الصحفية التي تحمل اسمها في ١/ ١١ / ١٣٨٣ هـ هي قصة الكفاح والعصامية، والإصرار على بلوغ الغاية المرسومة رغم المتاعب والصعاب. وقد فصَّل الأستاذ عثمان حافظ هذه القصة بصراحة تامة وتفصيل دقيق، فلقد كان إصدار جريدة المدينة المنورة حلمًا في أذهان المثقفين وذوي الرأي في طيبة الطيبة، وكان تحقيق هذا الحلم منوطًا بالأخوين على وعثمان حافظ وقد استطاعا تحقيقه ولكن التضحيات كانت كبيرة وجسيمة، كانا يضطران إلى بيع بعض ما يملكان في أواخر الشهور لتسديد رواتب العمال والموظفين .. وكان ثمن طوابع البريد يرهقهما إرهاقًا شديدًا، ولم يكن للجريدة وارد من الإعلانات أو الاشتراكات يكفى لتغطية النفقات، وجاء وقت فكَّر فيه الأخوان في إيقاف الجريدة عن الصدور بعد أن سُدَّدت في وجهيهما الأبواب، وذهبا إلى الشيخ محمد سرور الصبان مدير المالية العام في ذلك الزمان بمكة يستشيرانه في الأمر وأعانهما بخمسين جنيهًا ذهبيًا واستصدر لهما أمرًا من جلالة الملك عبد العزيز بمعونة شهرية قدرها خمسون ريالًا ثم زادت إلى مائة، ثم استموت في الزيادة حتى وصلت إلى ألف ريال، ولكن أمور الجريدة لم تستقم الا بعد أن قضى المؤسسان ما يقرب من أربعين عامًا في هذا الجهاد المرير. ومرة أخرى فإن جريدة المدينة المنورة هي قصة العصامية والكفاح فليقرأها الناس بقلم أحد أصحابها ففيها من المتعة ما يجعل هذه القراءة

стр. 1087

محببة لمن يقرأ، وفيها من الدرس ما يحتاج إليه الشباب ليشقوا طريقهم في الحياة. وأخيرًا فلقد ذكر الأستاذ عثمان حافظ أن ميلاد أول عدد من جريدة المدينة المنورة اقترن بميلاد الأستاذ محمد علي حافظ نجل أحد المؤسسين، وكأنَّما كان هذا الاقتران بشيرًا بما كان يخبئه الغيب في ستوره، فقد تولى محمد علي حافظ أمر جريدة المدينة المنورة وانتقل بها من المدينة المنورة إلى جدة، وأدخل من التطوير والتحسين عليها ما جعلها في مصاف الصحف اليومية الكبيرة في المملكة. وبعد أن سلمت جريدة المدينة المنورة إلى المؤسسة التي تحمل اسمها قام الأخوان هشام ومحمد علي حافظ بإصدار جريدة عرب نيوز في جدة، ثم بإصدار جريدة الشرق الأوسط من لندن، وتوالى إصدار الصحف والمجلات: المسلمون، سيدتي، المجلة، الرياضية، وأهم من هذا وذاك أن الأخوان هشام وعلي حافظ أقدما على طبع صحفهما في أماكن كثيرة باستخدام جهاز الفاكسميلي الحديث فكانت هذه الخطوة الجريئة حَدَثًا هامًّا كل قارات أوربا وآسيا وأمريكا وأفريقيا، وهكذا استطاع الأبناء إتمام مسيرة الآباء، وأصبح لأسرة حافظ هذا الصرح الصحفى الشامخ عبر القارات وأصبح قراء هذه الصحف يجدونها في كل مكان. وليس أسعد لقلوب الآباء من أن يروا الأبناء وقد ساروا في نفس الطريق فحققوا من النجاح ما لم يحققه الآباء. هنيئًا للأخوين علي وعثمان حافظ ما عملا، وما أنجزا، وهنيئًا لهما ما حقق أبناؤهما من أمجاد. * * *

стр. 1088

أعلامُ الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة وبَعض القرون الماضية

стр. 1089

فَرج يسر

стр. 1090

فَرَج يسر لم أعرف الرجل حتى أستطيع التعريف به، ولم أدرك زمانه، وإن كنت أدركت بعض آثاره، فدفعني هذا إلى تلمُّس أخباره، ولقد كان ما عرفت من أخباره لا يروي ظمأ الباحث المتشوق إلى تتبع آثاره الشخصية التي يرغب في تقديمها إلى الناس، ولكنَّ ما لا يدرك كله لا يترك جُلُّه، ولهذا فإنني أروي هذا القليل الذي استطعت جمعه من أخباره، على أمل أن أُضيف إليه ما قد يصل إليَّ من القراء الكرام، أو أجده في ثنايا الكتب التاريخية في مستقبل الأيام. قالوا: كان فرج يُسر من رجالات مدينة جدة في القرن الثالث عشر، وربما يكون قد أدرك السنوات الأولى من القرن الرابع عشر الهجري، وكان يملك أسطولًا من السفن الشراعية، تقطع البحر الأحمر ثم تخوض لجج المحيط الهندي لتعود محمّلة بما تحتاج إليه من البلاد من مختلف البضائع التي تشمل المأكول والملبوس وما بين هذا وذاك من أصناف، وكان أسطول فرج يُسر من السفن عظيمًا، قالوا: إنه احتفل بزواج ابنه فأوقد المصابيح في مائة سفينة حشدها في ميناء جدة، فكانت مظاهرة بحرية لم تشهدها المدينة في تاريخها الطويل. وسواء بلغ تعداد أسطول فرج يُسر هذا العدد أو يبلغ فإنه كان علمًا في مدينة جدة في زمانه، وكان عالي الهمة حسن التفكير. كانت السفن الشراعية تمخر عباب البحر في أوقات معيَّنة من العام، تسافر من ميناء جدة تحمل صُرر الذهب إلى بيوت التصدير في الهند، ثم تعود محمَّلة بما يحتاجه الحجاز كله بل وغير الحجاز من أنواع
следующие страницы →