← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إِلغَاء رُسُوم الحَجّ حينما تم توحيد الملكة العربية السعودية كانت الدولة تعانى من صعوبات مالية عظيمة وخاصة في سنوات الأزمة الاقتصادية العالمية في الثلاثينات الميلادية وكانت واردات الدولة تتمثل في الرسوم الجمركية ثم رسوم الحج وهو مبلغ خمسة جنيهات ذهبية تتقاضاها الدولة على كل حاج باعتبارها رسم المحجر الصحى، وكان من أجلِّ أمانى الملك عبد العزيز ﵀ أن يلغى هذه الرسوم المفروضة على الحجاج لأن ضميره لم يكن مطمئنا لها - وطالما أفضى بأمنيته تلك إلى وزير ماليته عبد الله السليمان، ولكن عبد الله السليمان لم يكن باستطاعته المجازفة بإلغاء مورد يعتبر المورد الثاني من موارد الدولة إذ ذاك وهي في حاجة إلى المزيد من المال، وحينما ظهر الزيت لأول مرة في شرق المملكة راود جلالته الأمل في أن يكون هذا الزيت سببا في الغاء هذه الرسوم يعوض الله به الدولة ما تفقده منها، ولقد كان من أعز أمانى عبد الله السليمان أن يحقق لجلالة الملك عبد العزيز هذا الحلم العظيم، وحينما توصل الشيخ عبد الله السليمان مع شركة أرامكو إلى اتفاق المشاركة الذى يسمح للدولة بمشاركة شركة أرامكو أرباحها أسوة بما فعلته فنزويلا في اتفاقياتها سارع بالكتابة إلى جلالة الملك عبد العزيز يزف إليه بشرى التوصل إلى هذه الاتفاقية ومن ثم يستطيع جلالته إلغاء رسوم الحج وتحقيق الأمنية الغالية التي كان يتمناها فبادر جلالة الملك عبد العزيز بإلغاء رسوم الحج وأعلن هذا الإلغاء في حينه، وكان لهذا الإلغاء رنة فرح كبرى في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وللتاريخ فان إتفاقية المشاركة هذه تعتبر أول اتفاقية من نوعها في المنطقة بالنسبة للدول المنتجة للنفط في ذلك الزمان وكان ذلك عام ١٩٥٠ ميلادية الموافق لعام ١٣٧٠ للهجرة.

стр. 107

إنجَازات عَبْد الله السُّليمان إذا أردنا تقييم رجل من الناس فلا بد أن ننظر في إنجازاته وما قام به من عمل نافع في حياة قومه وأثر هذا العمل في نهضة البلاد وتقدمها فإذا تلمسنا هذه الآثار النافعة في تاريخ عبد الله السليمان وجدناها بارزة في إنجازاته سواء أكانت هذه الإِنجازات وهو في مركز القوة والسلطان وزيرا يأمر فيطاع أو رجلا عاديا تخلّى عن المنصب والنفوذ وأصبح واحدا من الناس لا يتميز عنهم إلا بما وهبه الله من صفات، كما هو شأن الخاصة من الناس، ولسنا هنا في مجال إنجازات عبد الله السليمان كوزير للمالية فلسنا نترجم هنا للتاريخ وزيرًا ورجل دولة بقدرما نترجم لعبد الله السليمان كشخصية عامة ظهرت في حياة الناس فأثرت بأعمالها في هذه الحياة ولهذا فإننا سنترك الجانب الرسمى الحكومى من تاريخ عبد الله السليمان ونتحدث عن الجانب الشخصى الذى هو هدف الترجمة فنجلو منه ما يظهر الصورة الحقيقية للرجل بعيدا عن المنصب والسلطان. إِنشَاء الفَنادق كانت المملكة في العقود الأولى من تاريخها تعانى من نقص في كل مظاهر الحضارة والتمدين فالحياة كانت تتخذ شكلا بسيطا في النصف الأول من هذا القرن الهجرى ولقد كان القادمون إلى البلاد يفتقرون إلى فندق ينزلون فيه فلا يجدون من ذلك شيئا في أى مدينة من مدن المملكة وكان هذا يظهر بصورة جلية في مواسم الحج حينما يؤم البلاد أعداد ضخمة من الحجاج الموسرين والذين يرغبون أن يجدوا الفندق الملائم في مكة وجدة والمدينة المنورة ومشاعر الحج، كما أن الدولة نفسها كانت تفتقر إلى ذلك بالرغم من بيوت الضيافة التي خصصتهما

стр. 108

لضيوفها وكان زعيم مصر الاقتصادى الكبير محمد طلعت حرب باشا قد أسس شركة مصر للملاحة كما أسس شركة مصر للسياحة وحضر إلى الحجاز لأداء فريضة الحج واتصلت أسبابه بأسباب الشيخ عبد الله السليمان رحمهما الله فأبدى رغبته في إيجاد فنادق لحجاج مصر في كل من جدة ومكة لينزل بها الحجاج المصريون وقام فعلا باستئجار منزل الحاج يوسف زينل على رضا - أمام فندق جدة بلاس - ليكون فندق مصر في جدة ولكن المشكلة كانت في إيجاد فندق في مكة يضم الأعداد الكبيرة من الحجاج التي تفد للحج والتى تستقر جميعها في مكة قبيل أيام الحج وبعد أداء المناسك وهنا انبرى الشيخ عبد الله فتكفل ببناء الفندق على حساب وزارة المالية وأفردت للفندق قطعة أرض في شارع أجياد أمام مبنى وزارة المالية وقامت الوزارة فعلا بتشييد الفندق الضخم المكون من عدة طوابق وبهذا تم تأسيس أول فندق حديث في مكة المكرمة وأطلق عليه اسم فندق بنك مصر وقد تم تأجيره على شركة مصر للسياحة وكان الفندق يضم المئات من الحجاج المصريين وغيرهم في كل عام، هذا الفندق باعته وزارة المالية فيما بعد على الشيخ صدقة وسراج كعكى ولا يزال يدار كفندق حتى اليوم، الواقع أن عبد الله السليمان لم يكتف بهذا وإنما شجع كذلك الشيخ عطا إلياس على إنشاء فنادق التيسير في مكة وجدة والمدينة المنورة ومنى وكان هذا التشجيع نواة لانطلاق الحركة الفندقية في البلاد ولكن عبد الله السليمان بطموحه لم يرض عن الفنادق المذكورة فقام هو شخصيا بإنشاء الفنادق الخاصة به في جدة وهي فندق الكندرة وفندق البساتين ثم فندق قصر الكندرة ثم فندق قصر جدة الذى تم بناؤه بعد ترك الوزارة واستقدم لهذه الفنادق المديرين المتخصصين وأجهزة الإدارة والخدمة الكاملة حتى أصبحت هذه الفنادق هي أولى فنادق الدرجة الأولى في المملكة واعترف بها على المستوى الدولى للفنادق وهو بهذا العمل الجرئ قد

стр. 109

أدى لبلاده خدمة من أجل الخدمات لأنه سد حاجة البلاد من الفنادق كما أسبغ عليها مظهرا حضاريا كانت في أشد الحاجة إليه، قد يقول البعض ولكنه أفاد شخصيا من هذا العمل ربحا ماديا ودخلا مثمرا ونقول أنه ليس من الضرورى أن يكون العمل النافع مجردا من المنفعة والربح فما أكثر الأعمال المربحة والمثمرة ماديا! ولكن العمل إنما يقاس بنفعه للبلاد والعباد فإِذا كان يحقق هذا النفع ويعود على صاحبه بالربح فهو عمل طيب مشكور لا مراء في ذلك ولا جدال، ولا ينتقص منه إلا حاقد أو كسلان .. المسْتشفى اللبْناني وكما كانت البلاد تعانى من نقص الفنادق كانت تعانى كذلك من قلة المستشفيات ولعل الكثيرين لا يعلمون أن مدينة جدة بل كل المدن الكبيرة في المملكة لم يكن فيها سوى مستشفى واحد هو المستشفى العام - مستشفى حكومى واحد في كل مدينة - ومن المعلوم أن المستشفى العام الحكومى هو غير المستشفى الخاص سواء في تجهيزاته أو خدماته، وحينما قدم إلى جدة بعض الأطباء اللبنانيين ولديهم فكرة افتتاح مستشفى خاص في جدة لم يجدوا من يحقق طلبتهم سوى الشيخ عبد الله السليمان فهل يعلم القراء ماذا فعل عبد الله السليمان لإخراج الفكرة إلى حيز الوجود، لقد شجعهم في البداية على افتتاح المستشفى وافتتح فعلا ولكن في مبنى قديم متهالك فلم يلبث الشيخ عبد الله السليمان أن أخلى فندق الكندرة في جدة - بعد استكمال بناء فنادقه الأخرى وحوله إلى مستشفى فانتقلت إليه إدارة المستشفى اللبنانى وقام الشيخ عبد الله السليمان ببناء جناح جديد في المستشفى وهكذا قام أول مستشفى خاص في مدينة جدة بل في المملكة بتشجيع كريم من الشيخ عبد الله السليمان ﵀ وبمثل هذه الأعمال تقاس همم الرجال ..

стр. 110

عَبْد الله السُّليمان وَالملك عَبْد العزيز كان الشيخ عبد الله السليمان يسكن في جدة في بيوت صغيرة في محلة الكندرة في موضع فنادق الكندرة الحالية قبل بناء هذه الفنادق وكان بمعية جلالة الملك عبد العزيز في السيارة أصيل يوم فمر موكب جلالته أمام هذه البيوت فسأله جلالته أين يسكن؟ فأشار إلى هذه البيوت الصغيرة فقال جلالته كيف ترضى وتطمئن للسكن في هذه الدور الصغيرة فقال إننى مكتف بها يا طويل العمر وأثناء هذه الرحلة مر الموكب من طريق المدينة فرأى جلالة الملك عبد العزيز قصرًا مشيدًا في طريق المدينة المنورة فسأل لمن هذا القصر؟ ففيل: إنه للشيخ محمد رضا ولم يكن من جلالته إلا أن طلب من الشيخ محمد رضا أن يتنازل عن القصر بأثاثه لعبد الله السليمان ولم يجد الشيخ محمد عبد الله رضا بدا من إجابة الطلب واستدعى جلالته عبد الله السليمان وقال له: هذا القصر أصبح لك فانتقل إليه ولكن عبد الله السليمان قال لجلالته إن سمو الأمير فيصل لا بيت له في جدة وهو أحق بهذا القصر منى أما أنا فيكفينى ما أنعم به من رضاء جلالتكم وهكذا يثبت الشيخ عبد الله السليمان بأدبه العالى أنه رجل الدولة يؤثر جانب المليك وأبنائه على نفسه، ولم تكن هذه هي الأولى من عبد الله السليمان، فحينما ولى العرش جلالة الملك سعود كانت الحاجة تدعو إلى وجود صاحب السمو الملكى فيصل بجانب أخيه الملك سعود في جدة وكان الملك سعود قد بنى قصورا له في جدة ولم يكن لفيصل سوى البيت الذى أشرنا إليه آنفا والمخصص لسكنه وأسرته، وذهب عبد الله السليمان إلى فيصل في مكة يقول له لا بد من بقائك بجانب أخيك في جدة قال ولكن لا يوجد لى مكتب في جدة وكانت السيدة نورة الخريجى حرم الشيخ عبد الله السليمان وأم ابنه خالد قد شيدت فيلا جميلة في جدة وأتمت تأثيثها فلم يكن من

стр. 111

عبد الله السليمان إلا أن قال له هذا بيت أم خالد بين يديك فاستعمله مكتبا لك ولم يقبل سموه بذلك فأرسل الشيخ عبد الله السليمان السيدة نورة إلى سموه ترجوه أن يقبل المنزل وهكذا كان. هذه الالتفاتات العالية من الشيخ عبد الله السليمان تدل على علو همته ونبل شخصيته ولو كان غيره في مكانه لفرح بمنحة الملك واستأثر بالقصر كما استأثرت زوجه بقصرها ولكن الرجل كان يتصرف بروح رجل الدولة وأحد بناتها ومؤسسيها ﵀. الاسْتقالَة بعد وفاة جلالة الملك عبد العزيز ﵀ وولاية الملك سعود للعرش تقدم الشيخ عبد الله السليمان إلى جلالة الملك سعود باستقالته من منصبه ولكن الملك (سعود) أصر عليه بالبقاء واستمر الشيخ عبد الله السليمان في منصبه فترة من الزمن ولكنه رأى بثاقب نظره أن الظروف تتغير وأن الدولة الجديدة قد تحتاج إلى نمط جديد من الرجال - لكل زمان دولة ورجال - وهكذا لم يمض طويل وقت حتى رأى عبد الله السليمان نفسه مضطرًا للتخلى عن المنصب الذى احتفظ به طيلة عهد الملك عبد العزيز والذى امتد نحوا من خمسين عاما أو تزيد فتقدم من جديد إلى جلالة الملك سعود بالاستقالة وراجيا بإِلحاح إعفاءه من العمل بعد أن كبرت سنه وضعفت صحته وهكذا أجيب إلى طلبه وصدر بلاغ من الديوان الملكى بقبول هذه الاستقالة مع كلمة تقدير طيبة لجهود الرجل في بناء الدولة وتفانيه في الإخلاص وهكذا بدأ لوزارة المالية عهد جديد كان مختلفا عن العهد الماضى القديم. حينما كانت أمور وزارة المالية إنما تدبر بأمر رجل واحد وقد يكون ذلك العهد يفتقر إلى التنظيم، على أى حال كان يتميز بالنفوذ العظيم لهذا الرجل الذى كان إخلاصه للدولة وللمليك واضح المعالم بارز السمات.

стр. 112

مَصْنع الإسْمَنت لم يقبع عبد الله السليمان بعد تركه الوزارة في منزله ليأسى على ما فاته من سلطان أو لينعم بما تجمع له من ثروات طيلة الخمسين عاما التي قضاها في خدمة الملك عبد العزيز وإنما نظر بثاقب بصيرته إلى ما تحتاجه البلاد من مشروعت وما تنتظر من مستقبل عظيم فقام بتأسيس أول مصنع للأسمنت في المملكة في مدينة جدة أكبر ميناء في البلاد، وكانت مدينة جدة قد بدأت تنمو وتمتد بعد إزالة السور الذى كان يحيط بالمدينة وبعد وصول الماء إليها، كان هذا السور يمتد في الناحية الشمالية أمام ميدان البيعة من عمارة النشار حاليا إلى عمارة الشيخ أحمد موصلى المتخذة كفندق وفيه باب اسمه باب جديد ويمتد شرقا من أمام عمارة باخشب إلى باب مكة وكان هناك باب يسمى باب مكة ويمتد غربا من موضع فندق قصر البحر الأحمر إلى موضع عمارة الشيخ سلمان الحمد في ميدان الملك عبد العزيز، وتمتد جنوبا من موضع البنك العربى مارًا بامتداد شارع الملك عبد العزيز إلى مقبرة الأسد وفيه باب اسمه باب شريف، وكل العمران الذى حدث بعد ذلك هو حديث بعد إزالة السور وهو يساوى مئات أضعاف مساحة المدينة القديمة نقول رأى عبد الله السليمان إن المدينة ستنطلق وتنمو وتمتد، وأنه لا بد من إيجاد مصنع للأسمنت يسد حاجة البلاد وكان قد حصل على امتياز ببناء مصنع الأسمنت، هذا - لعل ذلك في أواخر عهد الملك عبد العزيز - فقام بإبراز الفكرة إلى حيز الوجود وأسَّسَ شركة الأسمنت السعودية في جدة التي باشرت في بناء أول مصنع للأسمنت في المملكة حيث قام ولا يزال يقوم بسد كثير من حاجة البلاد إلى هذه المادة الهامة للإِعمار، وهكذا ساهم عبد الله السليمان بعمله هذا في تعمير البلاد وتطوير وسائل الإِعمار فيها.

стр. 113

توزيع الأراضي وتأجيرهَا وعلى ذكر الإعمار - أود أن أذكر أن عبد الله السليمان ﵀ ساعد على تعمير مدينة جدة بطريقة عملية فقد قام بتوزيع الأراضى في شارع الكندرة وهو الشارع الممتد من مقبرة حواء إلى ميدان المطار القديم - فبنى في هذه الأراضى آل الخريجى والمعلم محمد بن لادن ﵀ والشيخ محمد السليمان التركى وغيرهم كما وزع أراضى أخرى من موضع عمارة الشيخ أحمد موصلى أمام قصر جدة إلى باب مكة وقد قام بالبناء فيها كل من الشيخ أحمد موصلى والمرحوم محمد باخشب والشيخ محمد سرور الصبان، وغيرهم وكانت الأراضى في منطفة البغدادية شمال جدة محجوزة لشركة عقارية تقدمت إلى الدولة بفكرة تعمير الأرض وبيعها بالتقسيط ولكنها لم تفعل شيئا طيلة سنوات، فأشار عبد الله السليمان على البلدية بتأجيرها بأجور رمزية على الراغبين ثم بيعها عليهم. وهكذا انطلقت حركة البناء بعد أن أصبحت الأرض ميسورة وأخذت الأيدى تتداولها بأسعار زهيدة وهكذا انتشر العمران وامتد، وأصبحت مدينة جدة تتميز في ذاك الوقت عن سائر مدن المملكة بأن العمران الذى امتد فيها هو عمران أهلى وليس عمرانا حكوميا كما هو الشأن في بعض المدن الأخرى الذى بدأ العمران الحكومى فيها أولا ثم جاء التعمير الأهلى وهكذا أثبت عبد الله السليمان أنه رجل دولة يعمل لمصلحة البلاد وإعمارها بكل وسيلة يراها مؤدية لذلك، ولم نر أنَّه استأثر لنفسه أو لذويه بشئ من هذه الأراضى التي يسرَّ الحصول عليها للناس تيسيرا لا مزيد عليه.

стр. 114

عَبْد الله السُّليمَان وجَامِعة الملك عَبْد العَزيز ويأبى عبد الله السليمان إلا أن يختم حياته بعمل من أعظم الأعمال بهبته السخية العظيمة لجامعة الملك عبد العزيز فلقد كانت له مزرعة في شرق مطار جدة وبنى حولها أربعة قصور، مساحة أرض كل قصر أربعون ألف متر، وبنى فيها فيلا كبيرة لابنته السيدة أسماء عبد الله السليمان كما ألحقت بكل قصر ملاحق كثيرة وقد انقطع الماء عن المزرعة بسبب نضوب العين التي اشتراها - وهي عين فرج يسر - والتى كانت تمد المزرعة بالماء فبقيت هذه القصور غير مسكونه رِدْحًا من الزمن ثم ظهرت فكرة الدعوة إلى إنشاء جامعة الملك عبد العزيز في مدينة جدة وبدأت اللجنة التأسيسية في جمع التبرعات للجامعة وكان الشيخ عبد الله السليمان ﵀ مريضا فبعث إلى أعضاء الجامعة يدعوهم للاجتماع به وفاجأهم بتقديم القصور الأربعة مع ملحقاتها والفيلا هدية منه للجامعة وأردف ذلك بما يحتاجونه من الأرض التي بلغت نحوا من ستمائة ألف متر وهكذا أخرج عبد الله السليمان ﵀ فكرة الجامعة من طور الخيال إلى عالم الحقيقة والواقع وللتاريخ فإن المرحوم محمد باخشب باشا كان أول من تبرَّع بمبلغ سخى للجامعة واقترح إطلاق اسم جلالة الملك عبد العزيز عليها وكان المبلغ الذى سمّاه لتبرعه هو مليون ريال وكان هذا المبلغ في ذلك الزمان يعتبر ثروة عظيمة وبينما كانت التبرعات تتراوح بين الألف وعشرات الألوف وأعظم المتبرعين لم يزد تبرعهم عن مائتى ألف أو ما حولها كان تبرع محمد باخشب ﵀ مليونًا كاملا من الريالات، وهذا التبرع الضخم الذى دفع الكثيرين فما بعد إلى التبرع مع هبة الشيخ عبد الله السليمان العظيمة الضخمة هما اللذان أسرعا بإخراج الجامعة إلى عالم الحقيقة والواقع كما ذكرنا، بقى أن نقول إنه إذا كان تبرع باخشب بمليون ريال

стр. 115

فإن قيمة تبرع الشيخ عبد الله السليمان في وقتها كان يزيد عن العشرة ملايين ريال فالقصور الأربعة والفيلا كانت تتراوح تكلفتها دون قيمة الأرض المقامة عليها - نحوا من أربعة إلى خمسة ملايين من الريالات، وحينما نقرر هذا الرقم فإننا نقوله من واقع نعرفه أكثر مما يعرفه الغير لأن كاتب هذه السطور هو الذى تولى الإشراف على بناء هذه القصور وملحقاتها للشيخ عبد الله السليمان ﵀ أما الأرض فقدر ثمنها في ذلك الوقت بنحو من ستة ملايين من الريالات وهي في الوقت الحاضر تساوى بضع مئات من ملايين الريالات إن لم تصل إلى أكثر من ذلك. وهكذا ختم الشيخ عبد الله السليمان حياته بهذه الهبة العظيمة التي هي من أعظم الحسنات الجارية وأجلِّها إذ وهب قصوره للعلم فأصبحت هذه القصور تمثل كليات الجامعة الفتية جامعة الملك عبد العزيز وأخذت الجامعة تُعِدُّ مخططات توسعها على الأرض الكبيرة التي وهبها لها الرجل العظيم وهكذا أراد الله تعالى لعبد الله السليمان أن يختم حياته بأجل الأعمال وأعظمها إذ هيأ بهبته السخية هذه بيوتا للعلم جزاه الله خير الجزاء وأحسن ثوابه في جنات الخلود. وَفَاة عَبْد الله السُّليمان هذا وكانت وفاة عبد الله السليمان ﵀ عام ١٣٨٥ هـ بعد مرض طويل استقدم له بعض كبار الأطباء من انجلترا وبعد أن أجريت له استعدادات الجراحة وجد أن الداء قد استشرى وتمكّن فلم يجد فيه علاج فغادر هذه الحياة وقد وصل فيها إلى ذروة المجد والسلطان كلما وهب من ثروته ما نسأل الله تعالى أن يكون له عوضا في دار البقاء ﵀ وأحسن مثوبته فلقد كان من أعظم الرجال.

стр. 116

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

стр. 117

عَبْد الله مُحمَّد الصَّغير متوسط القامة لا بالطويل ولا بالقصير، حنطى اللون واسع العينين يضع على عينيه نظارة ذهبية، عظيم الأنف، خفيف شعر اللحية والعارضين حتى لتظنه أجرد يرتدى الجبة والعمامة الحجازية فيه سمت ووقار، ذلكم هو الشيخ عبد الله محمد الصغير أحد رجالات مدينة جدة وأعيانها البارزين. لم أتمكن من تحديد تاريخ ميلاده، وأرجح أنه توفى في العقد السادس من هذا القرن الهجرى الذى نقترب من نهايته. كان الشيخ عبد الله محمد الصغير نمطا فريدا من الرجال وقد هيأ نفسه لخدمة الناس والسعى في مصالحهم، ولم يكن حينما عرفته ذا مال ولكنه كان يملك القدرة على أصحاب الأموال، قدرة منبعها الحب ومبعثها الثقة والتقدير، وقد كان كما عرفت في مطلع حياته تاجرا من أوساط التجار ولكنه ما لبث أن ترك التجارة واكتفى بما يصل إليه من غلة البيت الذى يسكن جزءا منه ويؤجر الجزء الآخر، ومن بيت ثان يؤجره للغير وكان ليس له ولد وإنما يعيش هو وزوجه السيدة مصباح بنت محمد سعيد جاسر ثم ما لبثا أن تبنيا ابن أخيها على جاسر الذى ولد لأخيها بجزائر جاوه ثم أرسل إليها بعد وفاة والده هناك.

стр. 118

عرفت الشيخ عبد الله محمد الصغير في الفترة ما بين الأربعينات إلى أواخر الخمسينات إذ كانت تربط زوجه صلة قربى بعائلتنا وكما علمت فإنها زفت إليه من منزل أسرتنا في جدة عرفت الرجل في هذه الفترة وقد وهب نفسه لخدمة الناس ورأيته يدخل إلى مكاتب التجار من أصدقائه ومحبيه فيقول لأحدهم بلهجة الأمر هات جنيها أو جنيهين أو عشرة فيؤديها له في الحال دون أن يسأله عن وجهة صرفها ودون أن يفصح هو عن ذلك يحافظ بها على أسرار الناس، يستر عوراتهم ويقضى حوائجهم ويؤدونها له راضين وهم يعلمون أنها أنما توضع في موضعها الصحيح لأنها إنما تؤدى عن يد الثقة الأمين، وكان له مجلس في مدخل داره التي هدمت وأدخلت في الشارع الجديد شارع الذهب صباح كل يوم فيفد إليه أصحاب الحاجات ويسرون إليه بشؤونهم فإذا كان الضحى انطلق إلى داخل المدينه يزور أصدقاءه في مكاتبهم ومتاجرهم والكل يحتفى به ويوسع له ويسارع إلى طلبه عن رضى وارتياح، وأصبح الرجل مقصدا لأصحاب الحاجات يهرعون إليه في حوائجهم فلا يتردد لحظة في الاستجابة وما أسرع ما يكون قضاء هذه الحاجات على يديه لا وهبه الله من حب القادرين وما حبب إليهم من الاستجابة لكل ما يطلب دون تردد أو سؤال. وسعى به الساعون إلى الدولة في فترة حرجة فأمر بمغادرة البلاد وهاجر إلى مصر واشتركت مدينة جدة كلها في توديع الرجل الكريم منهم من ودعه في بيته ومنهم من ودعه في الميناء والخاصة من أصدقائه وهم كثيرون استقلوا الزوارق إلى الباخرة وبقوا معه فيها حتى أوشكت على الرحيل وأصبحت زوجه محل عناية أصدقائه فكانوا يترددون عليها ويتفقدون شؤونها تقديرا لزوجها ووفاء له في محنته وسعى الكثيرون من تجار مدينة جدة ووجهائها في إظهار الحقيقه لأولى الأمر، وإبطال الفرية المدسوسة. وما هي إلا أشهر قليلة حتى أصدر جلالة المغفور له الملك عبد العزيز أمره بالسماح له بالعودة إلى البلاد وكان قد قضى هذه الفترة

стр. 119

ضيفا كريما بمنزل آل باناجه بالعباسية بالقاهرة وكان يوم عودته يوما مشهودا اشتركت مدينة جدة كلها في استقباله من الباخرة وعلى الميناء وضاق منزله بالزائرين الذين توافدوا عليه ليل نهار يهنئونه بسلامة الأياب ويهنئون أنفسهم بعودته إليهم. " عين الوزيرية " وكانت مدينة جده تعانى من نقص شديد في الماء وكان كبار أهلها يفكرون في الوسيلة أو الوسائل التي يمكنهم بها توفير الماء اللازم لمدينتهم وقد بذلت في هذا الصدد مساع كثيرة من ضمنها إصلاح العين الوزيرية التي عنيت حكومة السلطان عبد الحميد الثاني بإيصالها إلى جدة في عام ١٣٠٤ هـ والتى كانت تتوقف وتملح حينما تشح الأمطار، وكانت إذ ذاك متوقفة من سنوات طويلة فتم إصلاح مجاريها وبذلك تدفق منها الماء مرة أخرى وكان الشيخ عبد الله محمد الصغير أحد الساعين في إنجاز هذا المشروع فأسندت إليه إدارة هذه العين ولكنها ما لبثت أن توقفت فيما بعد إلى أن أكرم الله مدينة جدة بالمأثرة الكبرى لجلالة الملك عبد العزيز ﵀ وهي إجراء العين العزيزية التي كانت من أكبر عوامل نمو مدينة جدة واتساعها وذلك في أول المحرم ١٣٦٥ هـ. نقول: إن الشيخ عبد الله الصغير اختير لإِدارة العين الوزيرية بعد إصلاحها، لما يتمتع به من سمعة عاطرة في مجال الخدمة العامة للشعب، وهكذا وجد الشيخ عبد الله الصغير في هذا المشروع مجالا يكرس فيه وقته للعناية بأهم مرفق في حياة المدينة التي أحبته وأحبها حتى توفاه الله، ولقد أصيب فجأة بالشلل النصفى وقضى أيامه الأخيرة التي لم تطل كثيرا وهو يعانى من هذه العلة الفادحة حتى اختاره الله تعالى إلى جواره فكان يوم وفاته يوما مشهودا شاركت فيه مدينة جدة كلها في تشييعه إلى مثواه الأخير وكانوا يعزون أنفسهم فيه كما يعزون ذويه، فقد كان فقيد الجميع تغمده الله بواسع رحمته وأحسن مثوبته في دار الخلد إنه على ما يشاء قدير.

стр. 120

عبد الله عريف

стр. 121

الأُسْتَاذ عَبْد الله عَريف أسود شديد السمرة، أسود العينين أقرب إلى الطول منه إلى القصر كان معتدل الجسم في شبابه ولكنه ثقل بعد أن اكتهل فأصبح جسيما، يرتدى العباءة العربية والعقال ويضع نظارة على عينيه بصورة دائمة. ولد عبد الله عريف بمكه المكرمة عام ١٣٣٦ هـ وتلقى تعليمه الابتدائى بها ثم ابتعث إلى القاهرة وتخرج من دار العلوم بمصر، وكان خلال سنوات ابتعاثه على صلة مستمرة بمعالى المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان الذى كان يشجعه كما كان يفعل مع الكثيرين من الطلاب المبتعثين، وبعد عودته إلى مكة المكرمة عمل فترة من الوقت بديوان التفتيش بوزارة المالية، وفى عام ١٣٦٥ هـ أسندت إليه رئاسة تحرير جريدة البلاد السعودية - صوت الحجاز سابقا - بعد أن عادت إلى الصدور بعد احتجابها مع بقية الصحف طيلة سنوات الحرب العالمية القانية ولم يكن عبد الله عريف غريبا عن دنيا الصحافة والكتابة فقد كان يكتب في جريدة صوت الحجاز كما كان يكتب في جريدة أم القرى، وفى صوت الحجاز جرت بينه وبين الأديب المُجيد الأستاذ حمزة شحاتة مناقشات طويلة عن الفن وعلاقته بالأدب، ولقد ذكرت من قبل أن أغلب من عرفت من الكتاب والشعراء كانت لهم بدايات حسنة تنبئ عن الأصالة وعبد الله عريف كان واحدا من هؤلاء

стр. 122

الكتاب، فقد لفتت كتابته الأنظار وهو ما يزال طالبا في دار العلوم بالقاهرة إلى أن استوى كاتبا كبيرا يرأس تحرير أول جريدة يومية في المملكة وهي جريدة البلاد السعودية، التي تحولت في عهده إلى جريدة يومية بعد أن كانت تصدر باسمها الأول صوت الحجاز - أسبوعية - كما زادت صفحاتها ولقد ظل عبد الله عريف رئيسا لتحرير جريدة البلاد فترة طويلة امتدت إلى ما يقرب من عشرة أعوام من عام ١٣٦٥ هـ إلى عام ١٣٧٥ هـ وعرف فيها ككاتب يعالج الشؤون العامة بأسلوب رزين وكان ناقدا بطالب بالإصلاح شأنه شأن من يتصدى للكتابة اليومية في الصحف وخاصة فيما يتعلق بالأمور التى تتصل بحياة الناس اليومية في المجالات العامة وخلال رئاسته لتحرير جريدة البلاد أصدر كتابه المسمى "رجل وعمل" وهو ترجمة لحياة الشيخ محمد سرور الصبان وأعماله .. ولقد اضطر عبد الله عريف إلى ترك العمل في جريدة البلاد السعودية بعد أن ظل حليف القلم طيلة سنوات عشر وبعد أن كان اسمه يصافح القراء كل صباح، ولعل بعض ما كتب كان السبب في إقصائه عن العمل الذى أحبه وعرفه الناس منه وليس هذا هو المهم في حياة عبد الله عريف ولكن المفاجأة التي كانت تنتظره والتى كانت الاختبار الحقيقى الذى تعرض له هي عمله في أمانة العاصمة في مكة المكرمة. أَمين العاصِمَة قالوا: - كان صاحب السمو الملكى الأمير فيصل - جلالة المغفور له الملك فيصل فيما بعد - على علم بما يكتبه عبد الله عريف كما كان يتابع أهم ما يكتب في الصحف باعتباره المرجع الأعلى في البلاد، كان في ذلك الوقت هو النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء كما كان ولى العهد، وذلك من منتصف الستينات إلى منتصف السبعينات - فلما أقصى عن العمل في جريدة البلاد وخلت بعد ذلك

стр. 123

بفترة وظيفة أمانة العاصمة في مكة المكرمة استدعاه جلالة الملك فيصل - كان يومها رئيسا للوزراء ووليا للعهد - وقال له إنني قد عينتك أمينا للعاصمة في مكة المكرمة وأريد منك أن تحول الأقوال التي كنت تنادى بها إلى إعمال فمجالك اليوم ليس في القول وإنما في العمل ولديك الفرصة لتترجم الإصلاحات التي كنت تدعو إليها إلى عمل ملموس، قالوا: وقال عبد الله عريف، إنني إذا لقيت من سموك العون فإنى فاعل ذلك بإذن الله، وقد انطلق عبد الله عريف أمينا للعاصمة بتأييد قوى من ولى الأمر معتمدا على جهده الشخصى في إعداد المشروعات التي يرى أنها لازمة للمدينة المقدسة مجندا لذلك كل ما يقع تحت يده من خبرات الخبراء وجهد العاملين فكان يعد المشروع ويذهب به إلى جلالة الملك فيصل شارحا أهميته ومطالبا برصد المال اللازم له فإذا أخذ الموافقة عليه انطلق في تنفيذه في غير تردد ولا إحجام متخطيا كل العقبات متغلبا على كل الصعاب، وللحقيقة فان عبد الله عريف كمكى كان متيما بحب بلده - أم القرى - وكان يرى ككاتب ومثقف أن مكة المكرمة هي أم المدائن، فهى مهبط الوحى، ومقر البيت الحرام، ومهد الرسالة وإليها يتجه الناس من كل أقطار الأرض خمس مرات كل يوم وإليها تحج مئات الألوف كل عام وإن مدينة هذا شأنها يجب أن تكون آية في النظافة والتنظيم وقدوة فيما يجب أن يتوفر في أى مدينة كبيرة مثلها، وبهذا الحب العميق، وبهذا الوعى الذكى وبذلك التأييد القوى استطاع عبد الله عريف أن يحول القول إلى عمل، وأن ينحى القلم جانبا ليعمل بكلتا يديه وبعقله وكل قوته في بناء مكة المكرمة مدينة حديثة نظيفة فشقت الشوارع بل وفلقت الجبال لتكون طريقا ممهدا للناس وأصلحت حوافيها وزينت وانتشرت الإضاءة في كل شوارع مكة المكرمة التي امتدت وتضخمت فأصبحت تمتد من ناحية الشرق حتى تجاوزت منى وابتلعتها ومشت من ورائها عشرات

стр. 124

الكيلومترات فكان حيُّ العزيزية وحوض البقر، وامتدت من جنوبها حتى شملت شارع المنصور والحفاير وحيُّ النزهة وامتدت شمالا فاتصل حى الشهداء بها الذى أصبح يطلق عليه الزاهر، وقامت نواطح السحاب في مكة المكرمة طبقات تعلوها طبقات كل هذا مع الحرص على توفير كافة الخدمات التي صاحبت هذا النمو من شوارع عريضة، ومن إضاءة كافية، ورصف للطوار وتشجير للشوارع وامتدت يد الإصلاح إلى ضواحى مكة فكان القادم إلى الحديبية على بعد بضع عشرة كيلومترات يجد مدخل مكة المكرمة هناك مضاء يمتد الشجر على جانبيه وكأنه يشير إلى ما سيجده القادم في مكة نفسها من جمال وتنظيم، بل أن عبد الله عريف سعى لتجميل مدينة بحرة وهي في منتصف الطريق بين جدة ومكة باعتبارها تابعة لمكة المكرمة، ولم تقتصر جهود عبد الله عريف على ذلك ولكنه سعى إلى إيجاد المسالخ الحديثة في مكة ومنى كما أنه كان يجند كل إمكانات أمانة العاصمة لنظافة منى والمشاعر المقدسة في مواسم الحج وكان دائم التفكير والتخطيط لكل ما يراه لازما لتجميل المدينة المقدسة وتحسين مرافقها وإظهارها بالمظهر اللائق بمكانتها الدينية والتاريخية ونستطيع أن نقول أن عبد الله عريف قد نجح فيما هدف إليه فتغير وجه مكة المكرمة في عهد رئاسته لأمانة العاصمة المقدسة تغيرا ملموسا يلمسه كل زائر وكل مقيم. وكانت النظافة أهم المرافق التي حرص عليها عبد الله عريف فقد كان يمر بنفسه على الشوارع وخاصة الشوارع النائية ليرى حال النظافة فيها ويحاسب المسؤولين عنها فاستطاعت مكة بهذا أن تحافظ على نظافة شوارعها وطرقها في الوقت الذى كانت تشكو فيه مدن كثيرة أخرى من تردى أعمال النظافة فيها وللحق فإن العمل في تحسين مكة المكرمة لم يكن وقفا على أمانة العاصمة وحدها وإنما كان يشترك في ذاك بحكم مركز المدينة المقدسة جهات كثيرة فالدولة نفسها كانت ترعى مشروع توسعة

стр. 125

الحرم المكى الشريف وهو أضخم مشروع من نوعه في التاريخ للمسجد الحرام شمل مشعرى الصفا والمروة، كما أن الدولة وخاصة بعد تأليف الوزارات المختصة تكفلت بشتى المشاريع التي تعتبر ضرورية للمدينة المقدسة والتى ساعدت في تحسينها وإكمال مرافقها كمشاريع مياه عين زبيدة والعزيزية التي كانت إدارة مستقلة ثم أصبحت تابعه لوزارة الزراعة والمياه، ومشاريع الحج سواء ما يتعلق منها بمنى وعرفات والمزدلفة أو ما يتعلق بمكة المكرمة والتى تألفت لها لجان خاصة ترعاها الدولة ويضطلع بها سمو أمير منطقة مكة المكرمة وسمو وزير الداخلية ووزارة الحج واللجان المتفرعة عن هذه الجهات كلها ومشاريع الكبارى والطرق في منى وعرفات وطرق الحج والتى امتدت إلى مكة المكرمة فشملت مداخلها وبعض شوارعها الرئيسية، نعم إن الدولة بكامل أجهزتها كانت ولا تزال مجندة في تحسين مرافق المدينة المقدسة وما يتبعها من مشاعر الحج فمن العدل أن نذكر هذه الجهود كلها إلى جانب جهود أمانة العاصمة، ولعل من حظ عبد الله عريف أن عهد رئاسته لأمانة العاصمة شهد كل هذه المشاريع وكل هذه الإنجازات ولا شك أنه أمين للعاصمة محظوظ ولا شك أيضا أنه كان يستحق هذا الحظ الطيب لأنه لم يركن إلى الحظ فينام متكلا على أعمال غيره وإنما ساهم بكل قوته في تجميل المدينة وتحسينها وكان منسجما مع كل إصلاح يطرأ ومع كل مشروع ينفذ كما كان يحافظ على مكتسبات هذا النجاح بالسهر الدائم والعمل الدؤوب. تقدير الدَولة وحين تأسست أول وزارة للبلديات في المملكة وأرادت أن تكافئ القائمين على بلديات المدن تقديرا لأعمالهم كان عبد الله عريف أمين العاصمة المقدسة هو

стр. 126

الوحيد بين رؤساء البلديات الذى استحق تقدير الدولة فقلد وساما منحه له جلالة الملك خالد بتوصية من صاحب السمو وزير الشؤون البلدية والقروية تقديرا لجهوده في خدمة المدينة المقدسة وتحسين مرافقها والمحافظة على نظافتها ومرافقها. تكريم الموَاطنين ويطيب لى هنا أن أذكر كلمة وردت في إحدى مقالات عبد الله عريف عن نفسه وعما يطمح إليه وأن علق عليها. أذكر أنه قال مرة في إحدى مقالاته يخاطب نفسه ما معناه "من أنت يا بائع الفحم حتى تضع نفسك بجانب هذه الأسماء الكبيرة الشهيرة" وهو يشير بهذا إلى أنه نشأ في أسرة متواضعة كان يعمل بعض أفرادها في تجارة الفحم، ولكنه كان منذ نشأته طموحا إلى المجد يرنو ببصره إلى الأعمال العظيمة الكبيرة التي كانت تسند دائما إلى كبار الرجال وأقول إن عبد الله عريف استطاع أن يخرج من محيط أسرته التواضع ليكون أولا كاتبا كبيرا يرأس تحرير أول وأكبر جريدة يوميه طيلة عشر سنوات ثم استطاع أن يصل ليكون أنجح أمين للعاصمة المقدسة شهدت المدينة في عهده من التوسع والازدهار ما لم تشهده في عهد أمين آخر ممن سبقوه من ذوى الأسماء الكبيرة الذين هيأت لهم مراكز أسرهم أن يتبوأوا هذا المنصب، نعم استطاع عبد الله أولا بعلمه وثانيا بجهوده وإخلاصه أن يضع اسمه إلى جانب هذه الأسماء الكبيرة بل وأن يتفوق عليها وهكذا فإن الطموح إذا ما صاحبه العلم والعمل كان من أكبر أسباب النجاح، ولقد سعد مواطنو مكة المكرمة بتقدير الدولة لأمين عاصمتهم فسارعوا إلى الدعوة لإقامة حفل تكريمى له بهذه المناسبة وساهم الجميع فيه متبرعين بالمال الكثير، فلم يكن من عبد الله عريف إلا أن استجاب لهذه

стр. 127

العواطف الزاخرة من المواطنين ولكنه فاجأ المجتمعين بطلب إحالة هذه الأموال التي تجمعت إلى مشروع خيرى نافع للبلد المقدس وساهم هو فيه بمبلغ مائة الف ريال وقد أحيلت هذه المبالغ جميعها إلى احدى الجمعيات الخيرية بمكة لتصرف في أعمال البر للمدينة المقدسة ومساعدة المحتاجين للعون من سكانها، وهكذا أبى حب عبد الله عريف لبلده إلا أن يظهر في كل مناسبة من المناسبات. وفاته هذا ولقد فوجئ الناس بوفاة عبد الله عريف ﵀ في أواخر رمضان من عام ١٣٩٧ هـ فلقد كان يقضى بأسرته بعضا من هذا الشهر في مدينة الطائف فحضر إلى مكة في نهاية الشهر معتمرا وبعد أن أدى نسك العمرة وصلى الفجر ذهب إلى بيته ليخلد إلى شئ من الراحة ولكنه وجد بعد ذلك في سريره وقد أسلم الروح، تغمده الله برحمته الواسعة، فلقد كان رجلا مخلصا محبا لوطنه كل الحب ولقد كانت لوفاته رنة أسى في جميع الأوساط لما عرف عنه من جليل الأعمال، أسبغ الله عليه شآبيب رحمته وأحسن جزاءه في جنات الخلد إنه سميع مجيب.

стр. 128

الحاج عبد الله علي رضا

стр. 129

الحاج عَبْد الله عَلي رضَا قصير القامة ممتلئ الجسم واسع العينين أبيض اللون أشيب اللحية والعارضين كان يرتدى الجبة والعمامة الحجازية، وظل محتفظا بهما إلى آخر حياته ولكنه كان يرتدى العباءة والعقال المقصب حينما يذهب للقاء جلالة المغفور له الملك عبد العزيز ولذلك قصة رواها لي ابنه معالى الأخ الشيخ محمد عبد الله رضا قال كان والدى يوما في مجلس جلالة الملك عبد العزيز فأهداه جلالته عقالا مقصبا فكان بعدها يرتدى العباءة ويضع هذا العقال المقصب كلما ذهب للقاء جلالته. ولد الحاج عبد الله علي رضا في الربع الأخير من القرن الثالث عشر الهجرى وقد أدركته في أواخر عهد الملك الشريف الحسين وهو قائممقام جدة - محافظ المدينة كما هو الاصطلاح حاليا - وقد استطاع هذا الرجل أن يحتفظ بمنصبه هذا في العهد العثمانى ثم في العهد الهاشمى ثم في العهد السعودى، ولعل مما يجدر ذكره أن الحاج عبد الله علي رضا هو الذى تولى تسليم مدينة جدة إلى السلطان عبد العزيز حينما اتفق على تسليمها صلحا فقد سافر الملك على بن الحسين من جدة بالباخرة وفى اليوم الثانى بدأ تسليم المدينة للسلطان عبد العزيز - جلالة الملك فيما بعد - وقد رأيت الحاج عبد الله علي رضا يذهب بسيارته إلى مقر الملك عبد العزيز في الكندرة ويعود ومعه كبار رجال الملك عبد العزيز الذين عهد إليهم

стр. 130

بالدخول إليها قبل جلالته، وهكذا استمر الحاج عبد الله في الذهاب والأوبة إلى أن عاد مع الملك عبد العزيز في سيارة واحدة ودخلا من باب مكة حيث نزل جلالته في بيت نصيف وتقبل البيعة من الناس، هذا ولقد كان الملك عبد العزيز يؤثر الحاج عبد الله على رضا بمودته وإكرامه فلم يُعَيِّنْ أميرًا لمدينة جدة طيلة حياة الحاج عبد الله على رضا وكان أول أمير لها هو الأمير عبد العزيز بن معمر ﵀ وذلك بعد وفاة الحاج عبد الله علي رضا، ولم يكن يتقاضى مرتبا على عمله كقائممقام وإنما كان يخدم المنصب بصورة شرفية دون مرتب فلقد كان واسع الثراء، وكان هو وأخوه الأكبر الحاج زينل قد قاما بتأسيس بيتهم التجارى في جدة كام ١٢٨٤ هـ قم قاما بتأسيس فرع لهم في مدينة بومباى بالهند، وحينما انقسمت الهند إلى دولتين بعد الاستقلال انتقل بيتهم التجارى إلى مدينة كراتشى مع ميلاد دولة باكستان. إن ما لفت نظرى في تاريخ الحاج عبد الله على رضا ليست قدرته على الاحتفاظ بمنصبه كحاكم إدارى لمدينة جدة خلال ثلاثة عهود سياسية مختلفة فحسب، وإنما محاولاته الأولى لاستخلاص الأعمال التجارية من أيدى الأجانب الذين كانوا يسيطرون عليها، فلقد كانت هناك بيوت تجارية أجنبية كثيرة في مدينة جدة: إنجليزية، وفرنسية، وهولندية، وإيطالية، وكانت هذه البيوت تتولى وكالة البواخر المختلفة التي ترد إلى مدينة جدة وكان الحاج عبد الله على رضا من أوائل التجار الوطنيين الذين فكروا وعملوا لاستخلاص بعض هذه التواكيل من أيدى هؤلاء الأجانب مفتتحا بذلك وكالته التجارية للبواخر وهو أمر كان يعتبر في ذلك الزمان عملا عظيما بلا مراء. ولعله من المستحسن أن نذكر الآن طرفا عن ماضى التجارة وأحوالها في الحجاز خلال العهد الهاشمى وأوائل العهد السعودى.

стр. 131

كان العمل التجارى يعتمد بصورة تكاد أن تكون كلية على الاستيراد وكانت الهند هي المصدر الأعظم للاستيراد فلقد كانت الهند تصدر كل شئ إلى جدة سواء من الحبوب أو الأقمشة الشعبية أو الأحذية وأوانى الطعام وما إليها وكانت البواخر الشراعية خلال أواخر العهد العثمانى في أوائل القرن الرابع عشر الهجرى هي واسطة هذا الاستيراد وكان كثير من التجار يملكون هذه البواخر أو قسما منها، كان يشترك تاجران أو أكثر في ملكية باخرة واحدة وكان هناك ربابنة وطنيون للبواخر وما زال بعضهم يمارس هذا العمل مثل آل سلامة والرقبان وخلافهم، ولم تكن هناك بنوك تجارية لتحويل النقود بواسطتها وإنما كانت ترسل صرًّا في هذه البواخر الشراعية إلى البيوت التجارية في الهند وكان التجار يعمدون إلى تقسيم المبالغ المرسلة في عدة بواخر حتى إذا غرقت باخرة لم يفقد التاجر إلا جزءا من ماله المرسل إلى الهند وكانت هذه البواخر الشراعية تسافر في مواعيد معينة وتعود كذلك في مواعيد معينة متجنبة أوقات الفيضانات واضطراب البحر ولقد علمت أن هذه البواخر الشراعية كانت تجلب حاجة الحجاز من الأقوات والبضائع كما تجلب حاجة مصر منها وذلك قبل شق قناة السويس فكانت هذه البواخر الشراعية بمثابة مخازن عائمة تبقى في البحر وينزل منها إلى ميناء جدة ما تحتاجه البلاد ويبقى الباقى في هذه البواخر لتصديره إلى مصر التي كانت تستورد كثيرا من البضائع التي تحتاج إليها بواسطة التجار الحجازيين وعن طريق هذه البواخر التي تصدر هذه البضائع إلى ميناء السويس والقصير، وبعد شق قناة السويس انتهت حاجة مصر إلى الاستيراد عن طريق ميناء جدة، وأصبحت تستورد ما تحتاج إليه سواء من الغرب أو الشرق عن طريق قناة السويس. أقول وقد أدركت البواخر الشراعية وهي تسير بين ميناء جدة وميناء الحديدة في اليمن، حيث تستورد الغلال من ميناء الحديدة أو جيزان كما كان استيراد

стр. 132

الشعير والتمر يتم من ميناء البصرة في العراق، هذا وقد انتهت الحاجة إلى هذه البواخر الشراعية بعد توفر البواخر التجارية الكبيرة، وتعاظم كميات البضائع التي تحتاج إليها البلاد، وكانت هناك بيوت تجارية معينة في مدينة بومباى بالهند هي بيوت الحاج عبد الله بهائى وهو هندى مسلم. كما كانت هناك بيوت تجارية حجازية هي بيت الحاج عبد الله على رضا وبيت الحاج سليم الخنجى ولقد كانت الطريقة أن ترسل هذه البيوت التجارية برقيات إلى عملائها من التجار في جدة بأسعار البضائع حينما يتعين تاريخ سفر إحدى البواخر الكبيرة إلى جدة ويرتبط التجار بالشراء لترد بضائعهم في وقت واحد وعلى باخرة واحدة وكان وكلاء البواخر يعمدون إلى التبليغ عن وصولها وسفرها بواسطة المنادى - حينما كانت مدينة جدة محصورة داخل أسوارها وكان المنادى يطوف في شوارع جدة وأسواقها ينادى ويقول على سبيل المثال - بابور بوسطة إنجليزى اسمه جهانكير أن شاء الله بكره حضوره هنا، كل من عنده صرَّه أو أمانة يراجع في الحال الوكيل الحاج عبد الله علي رضا وهكذا على البواخر الأخرى موضحا اسم الباخرة وموعد وصولها واسم الوكيل. ولقد ظلت التجارة محصورة مع الهند تقريبا ولم يتم الانفتاح بصورة عامة إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وبانتهائها بدأت النهضة التجارية العظيمة في البلاد وأصبح الاستيراد والتزاحم مفتوحا للجميع، وبدأت البيوت التجارية السعودية تمارس نشاطها الواسع الذى قضى على النفوذ التجارى للبيوت الأجنبية بل وأنهى وجودها تماما ولعله من الطريف أن نذكر هنا أنواعا من التجارة انتهت تماما فلم يعد هناك من يمارسها. كانت هناك تجارة الماء، وكانت لمدينة جدة صهاريج كبيرة لحفظ مياه الأمطار، وكانت هذه الصهاريج تبنى في طريق السيول خارج المدينة، ومن أشهر

стр. 133

هذه الصهاريج صهريج المشاط، وصهريج باناجه، وحفرة حميد الشيخ فإذا جاءت الأمطار وامتلأت هذه الصهاريج تغلق فوهاتها ويبقى الماء محفوظا فيها إلى حين الحاجة إليه بعد انتهاء موسم الأمطار فتفتح هذه الصهاريج ويباع الماء للجمهور، وكانت أغلب بيوت جدة القديمة مزودة بهذه الصهاريج لحفظ الماء الذى ينحدر من السطوح بواسطة مواسير من القماش إلى الصهريج في أسفل المنزل، وكان البعض يملأ هذه الصهاريج بشراء الماء في موسم الأمطار وتخزينه فيها إلى حين الحاجة إليه، وكما كانت هناك تجارة للماء، كانت هناك تجارة السمن يوم كان اعتماد الناس على السمن الطبيعى وهناك مثل مشهور متداول وهو من لا يشترى السمن في الثور ثور والمعنى أن السمن يكثر في فصل الربيع في برج الثور فكان الناس يقبلون فيه على الشراء لحاجة بيوتهم أو لتجارتهم، ومثل ذلك ينطبق على الفحم قبل دخول الكهرباء والغاز إلى البلاد فكانت هناك مواسم معينة يكثر فيها الفحم ويقوم بعض تجاره بشرائه وتخزينه لبيعه بأثمان أعلى حين الحاجة إليه. ونعود بعد هذا الاستطراد الطويل عن ماضى التجارة إلى كبير تجار جدة الحاج عبد الله على رضا لنقول إنه كان يعيش بين الناس وكأنه فرد منهم لا يشعرهم بهيمنة الحاكم ولا بسلطان الحكم، أذكر أن الحاج عبد الله على رضا حينما كبر ابنه البكر محمد - معالى الشيخ محمد عبد الله رضا وزير التجارة الأسبق - أراد أن يزوجه ويفتتح له بيتا تجاريا خاصا باسمه وكان المنزل الذى يسكنه آل الجمجوم تعود ملكيته إلى زوجة الحاج زينل فطلب الحاج عبد الله من الشيخ محمد صالح جمجوم إخلاء المنزل لهذا الغرض فامتنع الشيخ محمد صالح عن ذلك قائلا أننا نسكن هذا البيت من عشرات السنين وفيه محلنا التجارى وعوائلنا الكثيرة ولا نجد بيتا آخر يسعنا فنحن أحوج إليه منكم، لم يلجأ الحاج عبد الله إلى

стр. 134

سلطته كحاكم، ولا إلى صلته الشخصية بجلالة الملك أو سمو النائب العام، وإنما ذهب إلى كبير تجار جدة الشيخ عبد الرحمن باناجه ﵀ وشكا إليه الأمر وطلب منه أن يفصل فيه باعتبار أن القضية هي بين تاجرين يحتكمان إلى كبير بينهم، وبهذا الأدب العالى كان يتصرف هؤلاء الرجال الكبار، وكان الحاج عبد الله يستقبل الناس في بيته التجارى ويقرأ معروضاتهم ويشرح عليها بخط يده ويحيلها إلى الجهات المختصة في بساطة ويسر وكان يخلط نفسه بزملائه من التجار فيزورهم ويزورونه وكان يعتبر نفسه مسؤولا عن المدينة التي يمثل الدولة فيها فيعنى بأمور أهلها ما وسعته العناية وأنى لأذكر له حادثة واحدة تدل على كبر نفسه ونبل خصاله. في أوائل الخمسينات وحينما قامت فتنة ابن رفادة الذى وصل إلى مدينة الوجه عن طريق السويس مع مجموعة من المسلحين بادر المغفور له الملك عبد العزيز بالقضاء على هذه الفتنة في مهدها بصورة سريعة وكانت العلاقات بين البيت السعودى والبيت الهاشمي الذى كان يمثله الملك عبد الله بن الحسين لم تتحسن بعد. أقول: في ذلك الوقت بالذات كانت مجموعة من شباب جدة قاموا بتأسيس أول ناد أدبى في جدة، وكانت الاجتماعات تتم في هذا النادى حتى قبل الحصول على الترخيص الرسمى بافتتاحه من الدولة وكانت أغراض النادى ثقافية واجتماعية، وكانت تلقى فيه المحاضرات والقصائد، وكان هذا النادى يعقد بمنزل المرحوم عبد العزيز جميل ثم بمنزل المرحوم الشيخ صالح إسلام وكان من أعضاء النادى الأستاذ حسن عواد والأستاذ حمزة شحاتة والمرحوم أحمد لارى، والشيخ حسن أبو الحمايل والأستاذ يونس سلامه وغيرهم وكان كاتب هذه السطور أصغر أعضاء النادى على الإطلاق. ويبدو أنه نقل إلى الحكومة بعض أخبار هذا النادى بصورة مبالغ فيها في الوقت الذى كانت فيه الحوادث التي ذكرناها آنفا ويبدو أن جلالة المغفور له

стр. 135

الملك عبد العزيز أراد اتخاذ إجراء بالنسبة لهذا النادى وغيره من الناس، ولكنه آثر إرجاء النصح والإنذار قبل أى إجراء وعقد لهذا الأمر اجتماع كبير في مبنى وزارة المالية بمكة سبقه تبليغ كثير من الناس بواسطة الشرطة ضرورة حضور هذا الاجتماع. وإنى لأذكر أنه عين لنا موعدا للحضور في الخزنة - المبنى الذى كانت تشغله قائممقامية جدة وهو أمام ميدان البيعة حاليا وقد أزيل المبنى لقدمه - فحضرنا وقابلنا المرحوم الشيخ على طه رضوان الذى كان معاونًا لقائممقام جدة وقال لنا جميعا إن السيارات ستأخذكم إلى مكة فتقابلون الحاج عبد الله علي رضا في منزله بزقاق الحفرة بالشبيكة، وقد أكد المرحوم على طه عليَّ بصورة خاصة أن أذهب إلى هناك فذهبنا، وكنا مجموعة مختلفة من الناس تجمع بين فئات كثيرة فهناك التجار وأساتذة المدارس والشباب وأرباب الحرف المختلفة، وحينما وصلنا إلى مكة تناولنا طعام الغداء في منزل الحاج عبد الله وقبل الذهاب إلى الاجتماع استدعانى وقال لى اسمع ما أقوله لك إذا انتهى جلالة الملك من خطابه تحضر إليَّ لأقدمك إليه قلت لماذا، قال: هذا ما ستعرفه بعد ولكن احرص أن تكون قريبا منى وتحضر لأقدمك لجلالة الملك وبالفعل ذهبت إليه بعد انتهاء خطاب الملك عبد العزيز ﵀ فأخذنى بيدى وكنت صغير السن صغير الحجم، ولعلى كنت أصغر من حضر الاجتماع، وقال لجلالة الملك عبد العزيز بالحرف الواحد هذا هو محمد على مغربى يا جلالة الملك - ولقد كان جلالته في قامته الفارعة وجسمه الملئ وكنت أقف أمامه في حجمى الضئيل كطفل صغير ﵀. ولقد علمت بعدها أن سبب تقديمى لجلالته من قبل الحاج عبد الله على رضا أنه أراد إقناع جلالة الملك عبد العزيز بأن ما نمى إليه عن النادى الأدبى أو عن شباب جدة لا صحة له، وأراد أن يرانى جلالة الملك عبد العزيز شخصيا ليرى أن من كان في سنى الباكر لا يمكن أن يصدر عنه ما يسئ إلى الدولة، وأن ما أخبر به جلالته مبالغ فيه.

стр. 136

كما علمت أنه تعمد أن يدعى إلى حضور الاجتماع هذه المجموعة المختلفة من الناس حتى لا يعرف المقصودون بالدعوة أو يرتاع أهلوهم، هذا التصرف من رجل كالحاج عبد الله على رضا يدل على الشجاعة لأنه وهو يمثل الحكومة لم يقف موقفا سلبيا إزاء المدينة التي يمثل الدولة فيها وإنما حاول جهده الدفاع عن أهلها بحق شارحا لوليِّ الأمر ما يعرفه في أمانة وشجاعة. هذا ومن الحق أن أذكر أن بيت آل زينل في الهند الذى أسسه صاحب الترجمة مع أخيه كان إلى جانب عمله التجارى يقوم بعمل إنسانى نبيل فكثيرا ما أرسل الحاج عبد الله والحاج زينل المرضى إلى الهند لعلاجهم أو إجراء العمليات لهم على نفقتهم ممن لا تتوفر لهم فرص العلاج ف البلاد في ذلك الزمان. وفى عام ١٣٥٢ هـ مرض الحاج عبد الله على رضا مرضا طويلا في مدينة الطائف وكان يصيف بها فكان جلالة الملك عبد العزيز يزوره في الدار التي ينزل فيها بالمثناة ويكرر له الزيارة وقد قدم المرحوم الحاج محمد على زينل ابن أخيه خصيصا لزيارته من الهند واستقدم معه الطبيب المصرى الشهير محمد عرفان بك ولكن المنية عاجلته فتوفى بمدينة الطائف في صيف عام ١٣٥٢ هـ وحضر الصلاة عليه المغفور له الملك عبد العزيز ودفن بمقبرة ابن العباس تغمده الله برحمته الواسعة فلقد كان من عظماء الرجال.

стр. 137

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

стр. 138

محمد حسن عواد

стр. 139

مُحَمَّد حَسَن عَوَّاد متوسط القامة معتدل الجسم أبيض اللون تشوب بياضه حمرة، له عينان واسعتان ملونتان، أجرد اللحية والعارضين، ولد بمدينة جدة عام ١٣٢٠ هجرية وتلقى تعليمه بمدرسة الفلاح وبعد تخرجه منها عين أستاذا فيها، كان يرتدى الكوفية الحجازية والشال وبعد تركه العمل في مدرسة الفلاح كما يأتى بيانه أصبح يرتدى الجبة والعمامة الحجازية لفترة قصيرة وبعد انتقاله للعمل في الحكومة ارتدى العباءة العربية والعقال واستمر على ذلك إلى آخر حياته وقد ظهر تفوق العواد وبدت إشارات نجابته منذ أن كان تلميذا بالفلاح إلى أن استوى أستاذا بارزا فيها، وقد أدركته في أوائل الأربعينات وهو من أبرز مدرِّسى الفلاح ومن أحبِّ الأساتذة إلى التلاميذ وهو في ريعان شبابه وأوج فتوته، ومما تجدر الإشارة إليه أن العواد ﵀ كان أستاذا لكثير من أدباء جدة الذين ظهرت أسماؤهم فيما بعد مثل الأساتذة حمزة شحاتة، وأحمد قنديل، رحمهما الله والأستاذ محمود عارف وعباس حلوانى ومحمد على باحيدرة وخلافهم من أدباء جدة البارزين، ولست في حاجة لأن أقول أنني كنت من تلامذته في مدرسة الفلاح ووجدت من حسن رعايته وتشجيعه ما كان له أعظم الأثر في نفسى فلقد كان أول من شجعنى على الكتابة إذ كان يدرِّس لنا مادة الإنشاء - وهو الاسم الذى كان يطلق على مادة

стр. 140

اللغة العربية في ذاك الوقت أن صح هذا التعبير، ولعل الكثيرين لا يعرفون أن أول مؤلفات العواد كان في شرح هذه المادة واسمه (الإكليل الذهبى في تعليم الإنشاء العربى) وقد أهدانى نسخة منه تشجيعا لى على تجويد ما أكتب وكان لهذه الجائزة اأثرها الكبير في نفسى وأنا تلميذ صغير في المرحلة الابتدائية، وللعواد ﵀ مؤلف آخر أو على الأصح مشاركة في مؤلف صغير اسمه معارضات يا ليل الصب، ذلك أن العواد نظم قصيدة يعارض بها قصيدة الحصرى الشهيرة: يا ليل الصب متى غده … أقيام الساعة موعده وشجع أصدقاءه من الأدباء على نظم معارضات لهذه القصيدة وجمعت هذه المعارضات في كتيب صغير وطبعت تحت اسم معارضات ياليل الصب وأذكر أنه كان من ضمن المشاركين فيها الأساتذة محمود عارف وهو شاعر غنى عن التعريف، وله دواوين مطبوعة ومحمد على باحيدرة وعباس حلوانى (١) وغيرهم من الأدباء من تلاميذ العواد وأصدقائه وكان لهؤلاء الأدباء منتدى صغير يجتمعون فيه مساء كل يوم للسمر والمحادثة ولكنه لم يكن منتدى أدبيا على أي حال. بَريد الحِجَاز وحينما وقعت الحرب الهاشمية السعودية وتولى الملك على بن الحسين عرش الحجاز صدرت في مدينة جدة جريدة بريد الحجاز أصدرها الشيخ محمد صالح نصيف ﵀، وكان العواد أبرز كتابها لأنه كان أبرز الأدباء في ذلك العهد وأننى أنقل هنا ما كتبته عن بريد الحجاز في الحلقة الخاصة بالمرحوم الشيخ محمد صالح نصيف مما له صلة بالأستاذ محمد حسن عواد ما يلى:

стр. 141

"وقد وجدت عن بريد الحجاز والأستاذ محمد حسن عواد في كتاب "ابتسامات الأيام في انتصارات الإمام" ما يستحق الاقتباس وهذا الكتاب هو ديوان يضم قصائد شاعر نجد الكبير الشيخ محمد عبد الله بن بليهد من عام ١٣٣٧ إلى ١٣٧٠ هجرية ومعظم قصائد هذا الديوان في الوقائع التاريخية التي خاضها جلالة المغفور له الملك عبد العزيز وأنجاله الكرام جلالة الملك سعود وجلالة الملك فيصل رحمهما الله والكتاب مهدى إلى صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله الفيصل، وكيل نائب جلالة ملك المملكة العربية السعودية "هذه كانت وظيفة سموه الرسمية حين طبع الكتاب" أقول جاء في هذا الكتاب في الصفحة ٨٦ عن بريد الحجاز والأستاذ محمد حسن عواد ما نصه وقلت: وأنا في مكة مع الإمام عبد العزيز وقد وردت قصيدة لرجل من أهل جدة يقال له حسن عواد وجعل توقيعه تحت قصيدته الأخطل الأصغر فرددت على ذلك الشاعر وقلت القول اللطيف في رد على شويعر الشريف الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده فقد ورد في بريد الحجاز الخارج من جدة من بلد الشريف على بن الحسين قصيدة لمن سمى نفسه الأخطل الأصغر فقلت وهذا خليفة الأخطل النصراني فقال في قصيدته في رجب ١٣٤٣ هجرية وهذا مطلع قصيدته على الخفيف: حدثيهم عن بأسنا يا حراب … وأذقهم نكالنا يا عذاب وأمطريهم قذائفا يا مناطيد … كأنَّ الدخان منها سحاب إلى أن قال: أيها المصلحون في الشرق مهلا … أين إصلاحكم وأين الصَّواب؟ إلى آخرها وهي ثمانية وعشرون بيتا فقلت مجيبا له:

стр. 142

ما أصبتم وما لديكم صواب … بعد ما نُصَّ في البريد كتاب وانتبهنا لقولكم حين قلتم … حدثيهم عن بأسنا يا حراب إن هرمتم على الحروب فإنَّا … كلما طالت الحروب شباب والقصيدة في خمسة وخمسين بيتا ومنها في وصف الأسلاك الشائكة التي كانت تحيط بمدينة جدة خلال فترة الحصار. إن ظننتم بأن سلككم اليوم … عن رحى الحرب والمنون حجاب فارقبوها من الكثيب سراعا … طالعات كأنهن الهضاب ومنها في وصف ما كان يعانيه الحجاج من فقدان الأمن: كم أخذتم من الحجيج فلوسا … طالما أزعج الحجيج النهاب كم عشت فيهم اللصوص وأمست … عندكم ما على اللصوص عقاب انتهى نص ما نقلناه عن كتاب ابتسامات الأيام والغرض من هذا النقل هو الإشارة إلى الناحية التاريخية في الموضوع لأنَّ هذا العهد قد انقضى والحمد لله بكل ما كان فيه واستعاضت البلاد عنه أمنا شاملا ووحدة كاملة ورخاء عظيمًا وهكذا نرى أن الشعر السياسي كان وسيلة من وسائل الإعلام في ذلك العهد وكان يمثله شاعران من أكبر شعراء المملكة أحدهما الأستاذ الشيخ محمد حسن عواد من أكبر شعراء الحجاز والثاني الشيخ محمد بن عبد الله بن بليهد من شعراء نجد ومؤرخيها ومن أعلم الناس بالمواقع والآثار في الجزيرة العربية وله مؤلف عظيم في هذا الباب رحمهما الله. خَوَاطر مُصَرّحة في عام ١٣٤٥ هـ أصدر العواد كتاب "خواطر مصرحة" وهذا الكتاب

стр. 143

أحدث ضجة عظيمة في وقته لأنه كان صريحا في معالجته للأمور التي تناولها بل نستطيع أن نقول أنه كان جريئا بصورة غير مألوفة ولقد تعرض العواد بإصدار هذا الكتاب لمشاكل كثيرة فقد عينت الحكومة لجنة للتحقيق معه فيما ورد في كتابه هذا (١) وخاصة في مهاجمته للعلماء التقليد بين الذين هزأ بهم فأكثر الهزء وكلفهم كما كلف نفسه شططا وفقد العواد بهذا الكتاب مكانته الممتازة كأستاذ ملحوظ في مدرسة الفلاح بجدة وهي أهم مدرسة في المدينة وانتقل للعمل في المدرسة الحكومية الابتدائية التي كانت شبيهة بالفلاح ولكن لم تكن لها مكانتها ولم يطل به الأمر في المدرسة الابتدائية فانتقل للعمل في مكة في شعبة الطبع والنشر ثم انتقل إلى جدة ليعمل رئيسا لكتاب المحكمة التجارية التي كان يرأسها الشيخ سليمان قابل ﵀ وهو بهذا الانتقال أصبح يعمل في غير مجاله الصحيح وهو مجال العلم والتعليم والأدب والفكر ثم انتقل أخيرا إلى مكة المكرمة ليعمل محققا بالقسم العدلي في إدارة الأمن العام بالحميدية وبانتقاله إلى مكة أمكنه المساهمة في تحرير جريدة صوت الحجاز حين ظهورها لأول مرة فقد كان أحد رؤساء التحرير الثلاثة الذين أطلق عليهم اسم (نخبة من الشبان) وهم الأساتذة عبد الوهاب آشي ومحمد حسن فقي مد الله في حياتها والأستاذ محمد حسن عواد ﵀، وكانت الجريدة تصدر أسبوعية وكان كل رئيس تحرير يكتب افتتاحية أحد أعدادها ولم يستمر العمل في رئاسة تحرير الجريدة بهذا الأسلوب إلا فترة من الزمن ثم عين لها رئيس تحرير مسؤول وقبل أن نستطرد في ذكر الأعمال التي تقلدها الأستاذ العواد لابد أن نقف بعض الوقت عند كتاب "خواطر مصرحة".

стр. 144

لقد قلت في حلقة سابقة أننا نستطيع أن نؤرخ لظهور الأدب الحديث في الحجاز بظهور كتابي أدب الحجاز والمعرض اللذين أصدرها المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان وهما مجموعة مقالات وقصائد لأدباء الحجاز في ذلك العهد وقد شارك فيهما الأستاذ عواد ﵀ مشاركة واضحة وكذلك بظهور كتاب "خواطر مصرحة" للأستاذ محمد حسن عواد وهو كتاب مستقل بذاته وجميع هذه الكتب ظهرت في النصف الأول من الأربعينات وفي أوائل العهد السعودي عام ١٣٤٥ هـ ولقد كان الأدب والشعر في هذه البلاد في حالة ركود تام والأدباء الذين ظهرت بعض آثارهم من قبل كانوا أدباء تقليديين أن صح هذا التعبير فالنثر تضيع معانيه بين ثنايا السجع، والشعر تغلب عليه المحسنات البديعية التي تحفل بالمبالغات والاستحالات، والجو الأدبي يخيم عليه الركود والانحلال في هذا الوقت بدأ شباب مكة وجدة ممن تعلموا في مدارس الفلاح خاصة يفتحون عيونهم على ما تحفل به الصحف المصرية من نثر وشعر وما تنتجه المطابع العربية من ثمرات القرائح والأفكار لأدباء العرب في مصر وسوريا ولبنان بل وفي المهجر فقد كانت هناك الرابطة القلمية ولها مجلة تصدر في نيويورك وكانت تنشر آثار الأدباء السوريين واللبنانيين المهاجرين في أمريكا كما تطبع مؤلفاتهم ومن أبرزهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي وغيرهم. وكانت هذه الصحف وتلك الكتب بما تحتوي عليه من أفكار وما تضمه من آثار تجد صدى عظيما في نفوس الشباب المتعطش للعلم والراغب في تجديد الحياة في جميع مجالاتها، فلما أتيح لهؤلاء الفتية من المتعلمين أن يعبروا عن رغباتهم وأفكارهم كان هذا التعبير ممثلا أولا في الكتابين اللذين أصدرهما المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان وهما كتاب "أدب الحجاز والمعرض" وفي كتاب الأستاذ محمد حسن عواد "خواطر مصرحة" الذي هو موضوع هذه الحلقة، لهذا كان كتاب العواد في

стр. 145

حينه بما حواه من أفكار جريئة مفاجأة لكل من قرأه لا في داخل البلاد وإنما في خارجها ولقد اعتبره الدارسون بداية للتجديد في الأدب الحجازي واستشهد به عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين ﵀، كما أشار إليه الكاتب العربي الكبير محب الدين الخطيب حينما ذكر أن موجة التجديد وصلت إلى الحجاز ولكنها بدأت من الشارع الخامس في نيويورك إشارة إلى ما يحفل به كتاب العواد من النشر الفني على طريقة أدباء المهجر في ذلك الزمان. وما أذكره عن "خواطر مصرحة" أنني اشتريت نسخة منه وأنا طالب مدرسة الفلاح أول ظهوره وأبصر الشيخ عمر حفني ﵀ وكيل المدرسة النسخة في يدي فسألني عنها فقلت أنها "خواطر مصرحة" قال وهل تريد أن تقرأه؟ قلت: نعم قال: لا تقرأه قلت ولكنه لأستاذنا العواد قال: ولو، أنه كتاب سيئ، ولكن هذا النهي لم يزدني الا إصرارا على قراءة الكتاب والاحتفاظ به ولا يزال عندي حتى اليوم، كما أذكر أن أستاذنا الشيخ حسين مطر مدير مدرسة الفلاح ﵀ ألقى كلمة في الطلاب بعد صلاة الظهر حين ذاك قال فيها ما معناه أن محمد حسن عواد كان تاجا على رأس المدرسة ولكنه بعد أن أصدر كتاب "خواطر مصرحة" فقد مكانته فيها، ولست في حاجة لأن أقول أن كل هذا العداء لم يزد العواد إلا إصرارا على موقفه وتصلبا في آرائه. فقد كان عنيدا لا يتراجع ولو وقف الجميع ضده، والواقع أننا لو أردنا تقييم الكتاب بمحتواه بعيدًا عن الظروف التي شرحناها لوجدنا أنه عبارة عن مجموعة مقالات تدعو إلى الإصلاح وإلى التجديد في كل شيء ولكن بعضها ينتهج أسلوبا جارحا في التعبير وخاصة في تلك المقالة التي يوجهها إلى العُلماء وكان من الممكن التعبير عن هذه الأفكار بأسلوب أكثر هدوءا وأقل اندفاعًا، ولكن الكتاب كما قلنا كان مفاجأة مذهلة للناس فاستحق أن يدخل التاريخ إيذانا بابتداء حركة التجديد في الأدب
следующие страницы →