← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

"وقد وجدت عن بريد الحجاز والأستاذ محمد حسن عواد في كتاب "ابتسامات الأيام في انتصارات الإمام" ما يستحق الاقتباس وهذا الكتاب هو ديوان يضم قصائد شاعر نجد الكبير الشيخ محمد عبد الله بن بليهد من عام ١٣٣٧ إلى ١٣٧٠ هجرية ومعظم قصائد هذا الديوان في الوقائع التاريخية التي خاضها جلالة المغفور له الملك عبد العزيز وأنجاله الكرام جلالة الملك سعود وجلالة الملك فيصل رحمهما الله والكتاب مهدى إلى صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله الفيصل، وكيل نائب جلالة ملك المملكة العربية السعودية "هذه كانت وظيفة سموه الرسمية حين طبع الكتاب" أقول جاء في هذا الكتاب في الصفحة ٨٦ عن بريد الحجاز والأستاذ محمد حسن عواد ما نصه وقلت: وأنا في مكة مع الإمام عبد العزيز وقد وردت قصيدة لرجل من أهل جدة يقال له حسن عواد وجعل توقيعه تحت قصيدته الأخطل الأصغر فرددت على ذلك الشاعر وقلت القول اللطيف في رد على شويعر الشريف الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده فقد ورد في بريد الحجاز الخارج من جدة من بلد الشريف على بن الحسين قصيدة لمن سمى نفسه الأخطل الأصغر فقلت وهذا خليفة الأخطل النصراني فقال في قصيدته في رجب ١٣٤٣ هجرية وهذا مطلع قصيدته على الخفيف: حدثيهم عن بأسنا يا حراب … وأذقهم نكالنا يا عذاب وأمطريهم قذائفا يا مناطيد … كأنَّ الدخان منها سحاب إلى أن قال: أيها المصلحون في الشرق مهلا … أين إصلاحكم وأين الصَّواب؟ إلى آخرها وهي ثمانية وعشرون بيتا فقلت مجيبا له:

стр. 142

ما أصبتم وما لديكم صواب … بعد ما نُصَّ في البريد كتاب وانتبهنا لقولكم حين قلتم … حدثيهم عن بأسنا يا حراب إن هرمتم على الحروب فإنَّا … كلما طالت الحروب شباب والقصيدة في خمسة وخمسين بيتا ومنها في وصف الأسلاك الشائكة التي كانت تحيط بمدينة جدة خلال فترة الحصار. إن ظننتم بأن سلككم اليوم … عن رحى الحرب والمنون حجاب فارقبوها من الكثيب سراعا … طالعات كأنهن الهضاب ومنها في وصف ما كان يعانيه الحجاج من فقدان الأمن: كم أخذتم من الحجيج فلوسا … طالما أزعج الحجيج النهاب كم عشت فيهم اللصوص وأمست … عندكم ما على اللصوص عقاب انتهى نص ما نقلناه عن كتاب ابتسامات الأيام والغرض من هذا النقل هو الإشارة إلى الناحية التاريخية في الموضوع لأنَّ هذا العهد قد انقضى والحمد لله بكل ما كان فيه واستعاضت البلاد عنه أمنا شاملا ووحدة كاملة ورخاء عظيمًا وهكذا نرى أن الشعر السياسي كان وسيلة من وسائل الإعلام في ذلك العهد وكان يمثله شاعران من أكبر شعراء المملكة أحدهما الأستاذ الشيخ محمد حسن عواد من أكبر شعراء الحجاز والثاني الشيخ محمد بن عبد الله بن بليهد من شعراء نجد ومؤرخيها ومن أعلم الناس بالمواقع والآثار في الجزيرة العربية وله مؤلف عظيم في هذا الباب رحمهما الله. خَوَاطر مُصَرّحة في عام ١٣٤٥ هـ أصدر العواد كتاب "خواطر مصرحة" وهذا الكتاب

стр. 143

أحدث ضجة عظيمة في وقته لأنه كان صريحا في معالجته للأمور التي تناولها بل نستطيع أن نقول أنه كان جريئا بصورة غير مألوفة ولقد تعرض العواد بإصدار هذا الكتاب لمشاكل كثيرة فقد عينت الحكومة لجنة للتحقيق معه فيما ورد في كتابه هذا (١) وخاصة في مهاجمته للعلماء التقليد بين الذين هزأ بهم فأكثر الهزء وكلفهم كما كلف نفسه شططا وفقد العواد بهذا الكتاب مكانته الممتازة كأستاذ ملحوظ في مدرسة الفلاح بجدة وهي أهم مدرسة في المدينة وانتقل للعمل في المدرسة الحكومية الابتدائية التي كانت شبيهة بالفلاح ولكن لم تكن لها مكانتها ولم يطل به الأمر في المدرسة الابتدائية فانتقل للعمل في مكة في شعبة الطبع والنشر ثم انتقل إلى جدة ليعمل رئيسا لكتاب المحكمة التجارية التي كان يرأسها الشيخ سليمان قابل ﵀ وهو بهذا الانتقال أصبح يعمل في غير مجاله الصحيح وهو مجال العلم والتعليم والأدب والفكر ثم انتقل أخيرا إلى مكة المكرمة ليعمل محققا بالقسم العدلي في إدارة الأمن العام بالحميدية وبانتقاله إلى مكة أمكنه المساهمة في تحرير جريدة صوت الحجاز حين ظهورها لأول مرة فقد كان أحد رؤساء التحرير الثلاثة الذين أطلق عليهم اسم (نخبة من الشبان) وهم الأساتذة عبد الوهاب آشي ومحمد حسن فقي مد الله في حياتها والأستاذ محمد حسن عواد ﵀، وكانت الجريدة تصدر أسبوعية وكان كل رئيس تحرير يكتب افتتاحية أحد أعدادها ولم يستمر العمل في رئاسة تحرير الجريدة بهذا الأسلوب إلا فترة من الزمن ثم عين لها رئيس تحرير مسؤول وقبل أن نستطرد في ذكر الأعمال التي تقلدها الأستاذ العواد لابد أن نقف بعض الوقت عند كتاب "خواطر مصرحة".

стр. 144

لقد قلت في حلقة سابقة أننا نستطيع أن نؤرخ لظهور الأدب الحديث في الحجاز بظهور كتابي أدب الحجاز والمعرض اللذين أصدرها المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان وهما مجموعة مقالات وقصائد لأدباء الحجاز في ذلك العهد وقد شارك فيهما الأستاذ عواد ﵀ مشاركة واضحة وكذلك بظهور كتاب "خواطر مصرحة" للأستاذ محمد حسن عواد وهو كتاب مستقل بذاته وجميع هذه الكتب ظهرت في النصف الأول من الأربعينات وفي أوائل العهد السعودي عام ١٣٤٥ هـ ولقد كان الأدب والشعر في هذه البلاد في حالة ركود تام والأدباء الذين ظهرت بعض آثارهم من قبل كانوا أدباء تقليديين أن صح هذا التعبير فالنثر تضيع معانيه بين ثنايا السجع، والشعر تغلب عليه المحسنات البديعية التي تحفل بالمبالغات والاستحالات، والجو الأدبي يخيم عليه الركود والانحلال في هذا الوقت بدأ شباب مكة وجدة ممن تعلموا في مدارس الفلاح خاصة يفتحون عيونهم على ما تحفل به الصحف المصرية من نثر وشعر وما تنتجه المطابع العربية من ثمرات القرائح والأفكار لأدباء العرب في مصر وسوريا ولبنان بل وفي المهجر فقد كانت هناك الرابطة القلمية ولها مجلة تصدر في نيويورك وكانت تنشر آثار الأدباء السوريين واللبنانيين المهاجرين في أمريكا كما تطبع مؤلفاتهم ومن أبرزهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي وغيرهم. وكانت هذه الصحف وتلك الكتب بما تحتوي عليه من أفكار وما تضمه من آثار تجد صدى عظيما في نفوس الشباب المتعطش للعلم والراغب في تجديد الحياة في جميع مجالاتها، فلما أتيح لهؤلاء الفتية من المتعلمين أن يعبروا عن رغباتهم وأفكارهم كان هذا التعبير ممثلا أولا في الكتابين اللذين أصدرهما المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان وهما كتاب "أدب الحجاز والمعرض" وفي كتاب الأستاذ محمد حسن عواد "خواطر مصرحة" الذي هو موضوع هذه الحلقة، لهذا كان كتاب العواد في

стр. 145

حينه بما حواه من أفكار جريئة مفاجأة لكل من قرأه لا في داخل البلاد وإنما في خارجها ولقد اعتبره الدارسون بداية للتجديد في الأدب الحجازي واستشهد به عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين ﵀، كما أشار إليه الكاتب العربي الكبير محب الدين الخطيب حينما ذكر أن موجة التجديد وصلت إلى الحجاز ولكنها بدأت من الشارع الخامس في نيويورك إشارة إلى ما يحفل به كتاب العواد من النشر الفني على طريقة أدباء المهجر في ذلك الزمان. وما أذكره عن "خواطر مصرحة" أنني اشتريت نسخة منه وأنا طالب مدرسة الفلاح أول ظهوره وأبصر الشيخ عمر حفني ﵀ وكيل المدرسة النسخة في يدي فسألني عنها فقلت أنها "خواطر مصرحة" قال وهل تريد أن تقرأه؟ قلت: نعم قال: لا تقرأه قلت ولكنه لأستاذنا العواد قال: ولو، أنه كتاب سيئ، ولكن هذا النهي لم يزدني الا إصرارا على قراءة الكتاب والاحتفاظ به ولا يزال عندي حتى اليوم، كما أذكر أن أستاذنا الشيخ حسين مطر مدير مدرسة الفلاح ﵀ ألقى كلمة في الطلاب بعد صلاة الظهر حين ذاك قال فيها ما معناه أن محمد حسن عواد كان تاجا على رأس المدرسة ولكنه بعد أن أصدر كتاب "خواطر مصرحة" فقد مكانته فيها، ولست في حاجة لأن أقول أن كل هذا العداء لم يزد العواد إلا إصرارا على موقفه وتصلبا في آرائه. فقد كان عنيدا لا يتراجع ولو وقف الجميع ضده، والواقع أننا لو أردنا تقييم الكتاب بمحتواه بعيدًا عن الظروف التي شرحناها لوجدنا أنه عبارة عن مجموعة مقالات تدعو إلى الإصلاح وإلى التجديد في كل شيء ولكن بعضها ينتهج أسلوبا جارحا في التعبير وخاصة في تلك المقالة التي يوجهها إلى العُلماء وكان من الممكن التعبير عن هذه الأفكار بأسلوب أكثر هدوءا وأقل اندفاعًا، ولكن الكتاب كما قلنا كان مفاجأة مذهلة للناس فاستحق أن يدخل التاريخ إيذانا بابتداء حركة التجديد في الأدب

стр. 146

في الحجاز مع ما سبقه من كتابي "أدب الحجاز والمعرض" وما تلاهما من ظهور جريدة صوت الحجاز التي كانت تعبيرا مستمرا عن هذا الأدب لسنوات طويلة فيما بعد. ولقد أصدر العواد بعد ذلك الجزء الثاني من" خواطر مصرحة" عام ١٣٨٠ (١) فمرت الخواطر دون أن يشعر بها أحد ذلك أن ما كتبه العواد في عام ١٣٤٦ هـ كان جديدا على الناس وجريئا في ذلك الزمن، أما ما جاء بعد ذلك فقد أصبح أمرا عاديا ومألوفا ولكل زمان حكمه، وقد كان حظ العواد في الخواطر الأولى هو فضل السبق والجرأة فاستحق بذلك أن يدخل التاريخ كأديب مجدد رائد شجاع. المَعَارك الأَدبيَّة خاض العواد معارك أدبية كثيرة سنتحدث عن أبرزها إكمالا لتصوير شخصيته الأدبية ومن أبرز هذه المعارك معركته مع الأستاذ عبد القدوس الأنصاري صاحب مجلة المنهل فقد أصدر الأستاذ عبد القدوس قصة بعنوان (التوأمان) لعلها أول ما طبع له من آثار - وانتقد العواد القصة نقدا لاذعا ورد عليه عبد القدوس واستمرت المعركة بينها بعض الوقت كما أن له معركة أخرى مع المرحوم الشيخ حسين باسلامة مؤلف كتاب "سيد العرب" وبعض الكتب عن تاريخ مكة والمسجد الحرام كما أن له معارك أخرى مع الأستاذ حمد الجاسر والأستاذ عبد العزيز الربيع وغيرهم ولكن أهم معاركه الأدبية هي معركته مع الأستاذ حمزة شحاتة رحمهما الله وأنني أستمد الآن من الذاكرة ما أعرفه عن

стр. 147

خفايا هذه المعركة التي استمرت شهورا طويلة والتي كانت معركة شعرية رمزية ثم انتهت نهاية سيئة مؤسفة. كان العواد محققا بالقسم العدلى بإدارة الأمن العام في مكة المكرمة وكان المرحوم الأستاذ طلعت وفا رئيس القسم العدلي صديقا حميا للأستاذ حمزة شحاتة وكان حمزة دائم الشكوى من العواد ينتقد تصرفاته وأعماله وأحب طلعت وفا أن يجمع بين الأدبين الكبيرين لإصلاح ذات البين وتصفية النفوس فاجتمعا وكنت أنا وطلعت نحضر هذا الاجتماع بمنزله في أجياد وطال النقاش وكنت آمل كما كان الأستاذ طلعت وفا يأمل أن ينتهي الاجتماع بالوفاق خاصة وأن العواد هو أستاذ حمزة شحاتة ولكن حمزة غفر الله له هاجمه مهاجمة شديدة جارحة وانتهى الاجتماع بالقطيعة بل أسفر عن خصام شديد وإني لأذكر إنى عاتبت حمزة ﵀ بعد ذلك وأوضحت له أنه كان قاسيا في هجومه على العواد وأنه استباح في مهاجمته ما لا يستباح فاعترف حمزة بذلك ولكنه كان عنيدا وبدأت المعركة بقصيدة أو على الأصح بقصائد شعرية ينظمها حمزة ويرد عليها العواد وكانت قصائد طويلة تنشر جميعها في جريدة صوت الحجاز وكان الناس يترقبونها كل أسبوع، وكانت الجريدة أسبوعية في ذلك الوقت وكان حمزة قد اتخذ اسم الليل رمزا له في هذه المعركة ثم تحول فيما بعد إلى العاصف إن لم تخني الذاكرة أما العواد فكان الساحر العظيم هو الرمز الذي اختاره لنفسه، من الناحية الفنية كانت هذه القصائد كسبا للأدب لأنها جاءت في أسلوب فني لشاعرين من أكبر الشعراء في ذلك الزمان في البلاد كما كانت مجالا للنقاش المستمر بين الأدباء والقارئين، ولو أن المعركة اقتصرت على هذا الحد لكان ذلك حسنا ولكنها تطورت للأسف الشديد إلى مهاجاة مقذعة تناول فيها كل صاحبه تناولا سيئًا حتى وصل إلى الأعراض واستباح ما لا يستباح وكانت هذه المهاجاة لا تنشر في صوت الحجاز لأنها لم تكن

стр. 148

صالحة للنشر بما حوته من فحش القول وجارح التعبير ولكن هذه القصائد كانت تكتب باليد على نسخ متعددة وتوزع في أماكن تجمعات الناس في مكة وقد جرَّت المهاجاة بين حمزة والعواد إلى دخول شاعرين آخرين فيها وهما الأستاذ الشاعر أحمد قنديل ﵀ مساعدا لصديقه حمزة شحاتة مدافعا عنه، والأستاذ الشاعر محمود عارف مساعدا ومدافعا عن أستاذه محمد حسن عواد ولم يكف كلاهما عن هذه المهاجاة إلا بعد أن اتسع نطاق توزيع هذه القصائد الهجائية وخشي الطرفان أن تجرَّ عليها الجرائر فطويا تلك الصفحة السوداء وحسنا فعلا وقد اعتذر العواد فيما بعد لحمزة بمقطوعة بعنوان "عتاب" منشورة في ديوانه نحو كيان جديد في صفحة (١٧٥) فليرجع إليها من أراد. العَوَّاد وَشَوقي ومما يدخل في باب المعارك الأدبية للعواد وإن لم تكن معركة أدبية حقيقية لأنها من طرف واحد إذا صح هذا التعبير هو تعريض العواد بشعر أمير الشعراء أحمد شوقي ﵀ ومحاولة إظهاره بمظهر المقلد المسفِّ حتى أنه بلغ من تعصبه في هذا المجال أنه رحب بظهور ديوان شاعرة سعودية هي الآنسه "ثريا قابل" وقيَّم شعرها حتى فضلها على أحمد شوقي أمير الشعراء ولست في حاجة إلى القول أن ثريا قابل نفسها قد فوجئت كما فوجيء الناس جميعا بأراء العواد ﵀ فيها وفي شوقي معا ولكن العواد كان عنيدا كما أسلفنا وكان معجبا شديد الإعجاب بالعقاد ﵀ ولكل ما أنتج من شعر ونثر وكان العقاد خصما عنيدا لشوقي فاندفع العواد في مهاجمة شوقي متأثرا بآراء العقاد فيما أقدر لأني لم أجد مبررا واحدًا لموقف العواد من شوقي بعد وفاته وهو أكبر شعراء العصر ومن القمم

стр. 149

البارزة في تاريخ الشعر العربي على امتداد العصور خاصة وأن العواد قد رثي شوقي حين مات (١) وان كان هذا الرثاء لم يسلم من التعريض به إلا أنه كان ظاهر التقدير له ولشعره ومن المهم أن نقول أن المعركة التي افتعلها العواد إنما جاءت بعد وفاة شوقي بزمن طويل. النَادي الأدبي عرف الناس المرحوم الأستاذ محمد حسن عواد رئيسا للنادي الأدبي بجدة والذي تم تأسيسه مع بقية النوادي الأدبية في المملكة ولكن أول ناد أدبي أُسس بجده كان في أوائل الخمسينات وكان العواد أبرز أعضائه وقد كتبت عن هذا النادي في حلقة سابقة ونوجز الحديث هنا عنه مرة أخرى لعلاقة المرحوم الأستاذ العواد به فنقول أنه فكر جماعة من الشباب المتعلم في مدينة جدة في تأسيس ناد أدبي وتقدموا للحكومة بطلب الترخيص لهذا النادي في أوائل الخمسينات ولكنهم باشروا نشاطهم فيه قبل أن يتلقوا الإذن بافتتاحه وكان من أعضائه المرحومين عبد العزيز جميل وإبراهيم وصالح إسلام وحمزة شحاتة، والشيخ حسن أبو الحمايل ويونس سلامه وأنيس جمجوم وغيرهم وكان كاتب هذه السطور أصغر أعضاء النادي في ذلك الحين كما كان العواد أبرز شخصية في النادي لأنه كان أستاذًا لمعظم الأعضاء باستثناء الشيخ حسن أبو الحمايل الذي كان يدرس مادة الفقه في الفلاح وهو أسنُّ من المرحوم الأستاذ عواد وكان هذا النادي يتخذ له مقرا في دار المرحوم الشيخ عبد العزيز جميل بحارة اليمن ثم انتقل إلى دار المرحوم الشيخ صالح إسلام بجوار مسجد المعمار وكانت تلقى فيه قصائد أدبية ومقالات وقصص

стр. 150

وكان نشاط النادي اجتماعيا وأدبيا ولكن النادي لم يستمر ولم توافق الحكومة على الإذن بتأسيسه في ذلك الوقت لظروف شرحناها (١) في حلقة سابقة وإني لأذكر للعواد قصيدة حيا بها النادي في ذلك الوقت وكان مطلعها: إلى عصبة النادي ولليل هدأة. … وللفكر في هذا الهدوء تبتل تحية مملوء الجوانح غبطة … بان ضم فيكم عنصر متحلل ومنها إن لم تخني الذاكرة: ويا رب شيخ جلل الشيب رأسه … ينازعه العليا فتى متدلل والقصيدة طويلة ولم أجدها منشورة ضمن ما نشر من شعره ولعلها مطوية بين ما ترك من أوراق ﵀. الأَديب الرَّائد العواد أديب بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى فهو شاعر مبدع وكاتب فنان وقد ذكرنا أنه وزملاءه من الرعيل الأول الذين ظهرت آثارهم في كتابي "أدب الحجاز والمعرض" كانوا هم النواة الأولى لظهور الأدب الحديث في الحجاز قبل أكثر من نصف قرن ويحتل العواد بين هذه الكوكبة الأولى من الأدباء والشعراء مكانة بارزة عظيمة بإصداره أولا كتاب "خواطر مصرحة" وباستمراره في العمل الأدبي منذ نشأته إلى أن فارق هذه الحياة والمتأمل لبواكير العواد الأولى من شعر ونثر يرى معالم التجديد في الأسلوب وفي الأفكار معًا واضحة وكأنها تشير إلى الطريق فهو من المعالم البارزة في التاريخ الأدبي في الحجاز وهو بهذا يعتبر رائدًا من أوائل الرواد ومن أعظمهم أثرا فقد اقتدى به الجيل الجديد من

стр. 151

الأدباء والشعراء وكان العواد كما ذكرنا أستاذا لكثير منهم ولئن تميز كل منهم فيما بعد بشخصيته وبأسلوبه الخاص فإن ذلك لن ينقص من مكانة الأستاذ الرائد العظيم ولقد عرفت العواد ﵀ كما عرفه الكثيرون يشجع الأدباء الناشئين ويأخذ بيدهم ويبصرهم بمواضع النقص ليتفادوه، وبجوانب الإجادة حتى يصلوا إلى الإبداع وقد احتفظ العواد بمميزات شخصيته الأدبية طوال حياته ولم يقتصر في تشجيعه للكتاب من الشباب وإنما كان من أوائل الرجال الذين شجعوا الفتاة وكرموا إنتاجها وهللوا لتعليمها ولقد عني بتعليم ابنته الوحيدة السيدة نجاة حسن عواد فكانت من أوائل المتعلمات وكان برنامجها الناجح في الإذاعة السعودية "البيت السعيد" يشير إلى ما بذله العواد لكريمته الوحيدة من علم وتهذيب ولعله هو الذي أطلق على المرأة اسم الجنس العطوف بدلا من الجنس اللطيف والعواد بهذا يشير إلى ما فطرت عليه المرأة من رقة وعطف أمًّا وزوجة وأختًا وبنتا. مُؤَلَّفات العَوَّاد الأُخْرى وللعواد مؤلفات أخرى نثرية أهمها كتابه عن سلمان بن عبد الملك وكتاب تأملات في الأدب والحياة وأخيرًا كتابه الطريق إلى موسيقى الشعر الخارجية ولم تتيسر هذه الكتب لي وأنا أكتب عنه ولم أرغب تأخير الكتابة إلى أن تصلني بقية مؤلفاته فإني ما زلت ألوم نفسي على التأخير والرجل له على فضل الأستاذ وحق الصديق واني لأرجو أن يكون فيما كتبته عن الخواطر ما يؤدي بعض حقه علي، وللذين يدرسون أدب العواد أن يقرأوا جميع ما كتب وما أنتج لتكون دراستهم أوفى وأكمل ولعله من المستحسن أن نذكر هنا أن العواد كان يكتب باسم مستعار وهو "اريج نسرين" ولعل كثيرًا من إنتاجه في الصحف يحمل هذا التوقيع.

стр. 152

العَوَّاد الشَّاعِر العواد شاعر مبدع وقد مارس نظم الشعر هواية أن صح هذا التعبيرُ في سن مبكرة يقول هو أنها بدأت وهو في الحادية عشرة من العمر (١) واستمرت إلى آخر العمر وقد بدأ شاعرا مكثرا وانتهى إلى الاقتصاد بعد أن علت به السن وقد جمع العواد شعره في ديوانين كبيرين حرص فيها على إعطاء اسم معين لكل فترة من فترات العمر فالفترة الأولى من الحادية عشرة إلى العشرين "آماس وأطلاس" وألحقها فيما بعد بالبراعم وهي امتداد للآماس والأطلاس "ونحو كيان جديد" وهذه تمثل الفترة الثانية فترة الرجولة والنضج ويمكن أن تكون ما بعد العشرين إلى الأربعين أو ما قبلها، "والساحر العظيم" وهو مجموعة القصائد التي نظمها إبان المعركة التي نشبت بينه وبين الشاعر الراحل الأستاذ حمزة شحاتة واستعرض فيها العواد كل المعارك الأدبية التي خاضها وقد طبعها العواد عام ١٣٧٢ هـ وإن كنت أعرف أن هذه المعركة كانت في النصف الأول من الستينات، "وفي الأفق الملتهب" ولعلها تمثل شعره ما بين الأربعين إلى الخمسين. والصورة التي يخرج بها القارئ لهذه المجموعة الضخمة التي تضم هذه الدواوين كلها أو الصورة التي خرجت بها من هذه القراءة بعد أن غادرنا العواد إلى رحاب الله هي صورة الإنسان الثائر على الجمود الراغب في التجديد والإصلاح، الواقف بالمرصاد لخصومه ونقاده، العنيف في خصومته المسفِّه لآراء نقاده الذاهب بنفسه كل مذهب، فالعواد الشاعر هو العواد الكاتب الذي عرفناه في "خواطره المصرحة" ثائرًا مجددا عنيفا مسرفا على نفسه وعلى خصومه سواء أكان

стр. 153

هؤلاء الخصوم من الأدباء أو من غيرهم من الناس وعندي أن العواد كان مخلصا في التعبير عن نفسه أخلص التعبير وأصدقه والصدق في التعبير عن النفس بعواطفها وأفكارها وشعورها هو أعظم مقومات الأديب، وكمالُه إنما يكون بالإبداع الفني في صياغة هذا التعبير سواء أكان ذلك شعرا أو نثرا والعواد كان أديبا مفتنا أستوت له هذه الصياغة في مختلف شكوها فكان كاتبا مبدعا وشاعرا عظيما ولنحاول الآن إعطاء بعض النماذج عن هذا الذي وصفناه فيما مضى من سطور. القلم المكسور (١) يقول العواد في ديوانه الأول آماس وأطلاس: قد كسرت القلما … وهجرت الكلما وتطرفت إلى … أن جفوت الحكما إذ أرى في أُمتي … فشلا فيما نما يا بني قومي أما … آن أن نرقى أما فابعثوها يقظة … تقلب الأرض سما نحو النور (٢) ويقول في نفس الديوان: أفلا زحام على الحياة ولا اقتحام … حتى متى قواد فكرتنا نيام هبوا معا نعنى بفوضى الاجتماع … حكماءنا خطباءنا كتابنا شعراءنا لا تهملوا مرضا ألمَّ بنا سنين داووا الحياة وبرروا علل الصراع … سلُّوا اليراع، ودعوا النزاع

стр. 154

نشأة (١) وفي ديوان البراعم يقول: يا صديقي إليك نشأة رهط … هيجوا شعبهم وما أصلحوه أدباء ساهم الناس والنا … س إذ عنَّ حادث كبَّروُه ومنها يقول عن نفسه بعد أن استعرض الشعراء القدامى أبو فراس وزهير والأدباء المحدثين الزملاء، البيارى والفدا والعمودي ومحمد (٢) وسأسمو غدا بأروع مما … راح يسمو به ولم يهضموه رافعا راية الجديد من الفكر … فقد ضقت بالذي رسموه سوف أملى على الجميع احترامي … واعترافا يا طالما همسوه فأزجِّي خواطري والخليون نيام … ومطمعي عرفوه وليدوروا السنين حول التخاميس … وتقليد كل ما سمُّوه (٣) ومنها: ليس بالمعرض الرتيب … ولا صورة ما سطروه أو حفظوه (٤) لا ولكنه شعور وأفكار … حرار تسود ما كتبوه ومنها: وتدوّى في الجيل ثم تدوي … في الذي بعده ومن يتلوه والعواد يذكر أن هذه القطعة نظمت قبيل إصدار الخواطر وبعد ظهور كتاب المعرض الذي أشار إليه العواد وانتقد المشتركين فيه وهو أحدهم وقد ظهر المعرض

стр. 155

عام ١٣٤٥ هـ كما أن الخواطر ظهرت في نفس العام وليس من شأننا التحقيق في التواريخ وإنما الغرض هو الإشارة إلى ما ستحدثه الخواطر من ضجيج بعد ظهورها وقد أثبتت الأيام صحة هذا الشعور. داعي الوئام وفي البراعم قصيدة حيا بها الشاعر جريدة بريد الحجاز التي أسلفنا الحديث عنها والتي كان هو أبرز كتابها بل وشعرائها ومطلعها: صاح حي الرقي حي السلاما … حي داعي الوئام حي الوئاما حي عصر النهوض حي التعالي … حي بالمجد أمة تتسامى ومنها: قد حرمنا حرية العقل عصرا … وحرمنا حتى حرمنا الكلاما (١) طال عهد السكوت حتى مللنا … وأردنا أن نكسر الأقلاما ومنها: طال سجن اليراع والآن يبغي … أن يرى في فم الزمان ابتساما ومنها: طال عهد السكوت حتى حسبنا … أن هذي الحياة عادت مناما المثل الأعلى وفي قصيدة المثل الأعلى وهي من عيون شعر العواد يقول: يا حبيبي أبدا في كل ظرف يتحور في ضجيج الصبح في همس المساء الهادي

стр. 156

في غمار الجد في سعي الحياة الهازئي … أنت في العين وفى القلب مصور غير منسى ومنها: ولنجاوز مُسَخًا تمعن في الإسفاف في هذا الكفاح ولنمايز بين من يفعل مخفيًّا وذي الفعال الصراح ولنساير روعة الدنيا بأقدام الجريء ولنعضد محسن الأمر ونرثى للمسيء رَثاء عَبد الله حمدوه رثى العواد الشيخ عبد الله حمدوه مدير مدرسة الفلاح بمكة المكرمة حين توفي بقصيدة مطلعها: وقارك لا يزجي الوقار منونا … حقيق بأن يندى عليك عيونا أأرثيك شيخ النشء والنشء كله … يذرف دمعا في رداك هتونا ومنها: وربة يوم ثرت فيه فخلتنى … أداجيك رأيا أو أنيلك لينا فألفيت مني عارفا حق رأيه … عزوما فصافحت العزوم ضنينا وأذهلك الحق المبين على فم … تؤمل منه لثم كفك هونا وذي شرعة السبعين فيمن تزمتوا … تُصَبُّ على رأس الشيبة دينا

стр. 157

يَدُ الفنّ تحطِّم أصْنام الإتباع (أو السَّاحِر العَظِيم) نظم العواد قصيدته الكبرى الساحر العظيم في أكثر من خمسمائة بيت وأفرد لها جزءا خاصا من ديوانه وهي تمثل الخصومة الشعرية الكبرى التي نشبت بينه وبين الأديب الراحل الأستاذ حمزة شحاتة كما أسلفنا ولم يكتف العواد في الساحر العظيم بحمزة وإنما تعرض لكل من جرت بينه وبينهم معارك أدبيي مثل المرحومين أحمد قنديل والشيخ حسين باسلامة مؤلف كتاب سيد العرب والأستاذ عبد القدوس الأنصاري مدَّ الله في حياته وغيرهم وقد رمز العواد لكل منهم برمز معين وحسنا فعل وليس هنا مجال الفصل بين حمزة والعواد رحمهما الله وإنما يترك ذلك للدارسين وبعد أن تظهر إلى النور آثار المرحوم حمزة شحاتة التي لم تطبع حتى الآن لتكون المقارنة ويكون الحكم ومطلع القصيدة أو الملحمة الكبرى هو: عشق الخلد طامحا نزَّاعا … فامتطى فنه إليه طماعا شاعر فنه يحلق بالفكر … إلى عالم أشد ارتفاعا ومنها في وصف هذا الشاعر الذي هو العواد نفسه: وإذا قَصَّ فالشخوص تناجيك … عيانا كان تحس رئيا (١) فترى أسطرا تفيض حياة … كل لفظ تخاله آدميا

стр. 158

ومنها لم يكن ساحرا كما يفهم الدهماء … لكنه تدفق نورا (١) وهو فن علمته أنت إياه … فسبحانك العليم الخبيرا وفيها يصف خصومه: أن آثارهم ثغاء شياه … تبصر الذئب وانذر دجاج (٢) هم على ما ترى وتعلم منهم … أدباء قد ركبوا من عجاج ومنها وهي من أجمل مقطوعات القصيدة: وانجلى الأمر عن خميلة زهر … وإذا شئت فهي روض انيق (٣) أبدعته من الحياة يد الفن … فذا هائل وذاك رشيق غرسته أنامل الشاعر الفذ … فغرس باهر ودوح سحيق لا تقل أنها ورود ففيها الشوك … في كل خطوة مطروق ومنها الغروب الجميل يلبسه الزهر … ويكسوه بالبهاء الشروق فإذا الشمس في الغداة أطلت … فالحبيب المسلم المعشوق وإذا ودعت أصيلا فحفل … باهر فيه نشوة وغبوق ونكتفي بهذا القدر من النماذج التي أوردناها والتي تصور العواد الثائر العنيف والفنان المبدع العظيم لنتحدث عن جوانب أخرى من هذا الشاعر العظيم المتعدد الجوانب.

стр. 159

الشُّؤون العَامَّة عنى العواد بالشؤون العامة أن صح هذا التعبير لا لبلاده فحسب وإنما للبلاد العربية كلها وقد بدأ عنف العواد ضد التأخر والجمود والتزمت ثم تحول بعد ذلك إلى عنف مع الخصوم الذين وقفوا في سبيله مصلحا مجددا ثم إلى الخصوم من الشعراء والنقاد الذين عاصرهم واتصلت أسبابه بأسبابهم يقول العواد في قصيدة يودع فيها الملك الشريف الحسين بن على بعد أن ترك العرش عام ١٣٤٢ هـ والعواد في أوائل العشرينات والقصيدة بعنوان. وخز الضمير (١) يا مالك الملك إليك المآب … ما الملك في ملكك الأسراب يا صاحبي يا خدمي يا أولى … الشأن بملكي واللظى والحراب حسبي عذابا أنني سامع … صوتا من الداخل حسبي عذاب ومنها: دعونيَ الداهيَ في أمة … لا تعرف السواس الأصعاب (٢) أهالت الألقاب لي ضخمة … فأورمت أنفي ذاك المصاب فخلت نفسي في ربا مكة … هرون بغداد رفيع الجناب ولم أقدر أنني خادم … للشعب والشعب دقيق الحساب ومنها: عاهدت جونبول ولكنه … لم يرع عهدي ما أمر الخلاب (٣) وكان جيراني أوْلى بأن … أوليهم العهد وعون الصحاب

стр. 160

ومنها: والحكم عندي تابع للهوى … أساسه رجراجة كالسحاب شوري أمام الناس لكنها … أبعد عن نهج الصَّواب مجلسها مستبعد زائف … أصنامه مركوزة لا تهاب ليس لها رأي ولا حرمة … تلحظ أو حرية تستجاب وللعواد قصيدة أخرى بعنوان: متى متى نرتقي المجد الصريح المخلدا … ونكتب في التاريخ فخرا مؤبدا (١)؟ متى تلك الشأو الرفيع جلالة … ونرمي إلى العلياء سهما مسددا؟ أنبغي المعالي بالتقاعس ضلة … ونطلب عزا في الخليقة رُقّدا؟ ومنها: أرونا نهوضا واتركوا اللهو واكتبوا … على صفحات العصر ذكرا مؤبدا (٢) ولا تتوانوا إن سمعتم مقالة … يرددها الشاني وقولا مُفَنَّدًا يفيض على الأسماع والسمع مطرق … محاسن أوروبا ويطري مرددا ويوحى إلينا أن للغرب عزة … تربع منها هامة النجم مقعدا ومنها: فيها ولد الغربي في الكون راقيا … وما ولد الغربي في الكون سيدا وما هو إلا الجد من حاك خيطه … تناول عن بعد سماكا وفرقدا

стр. 161

والعواد شاعر وحدوي نادى بوحدة العرب من المحيط إلى الخليج وقد حيَّا بعثة الكشافة العراقية التي قدمت للحج بقصيدة تلمس فيها هذه المعاني واضحة جلية. إلى الكشافة العراقية للنديد النبيل عند النديد … كل ما للعقيد عند العقيد (١) ومنها: إن في فكرة التآخي لارهاصا … يرينا قرب النهوض الأكيد وهذا شعارنا في بلاد العرب … هذا دين الإخاء الوطيد لا حجاز لا سوريا لا عراق … لا ولا نجد في رضى التوحيد إنما أمة كبيرة آمال … جسام عدوة التبديد شعب حق مسترجع عربي … واحد سيره عريق الجدود إن تنادى فإنما يتنادي … بِمَعَدٍّ في تاجه المعقود ومن المهم أن نذكر أن هذه القصيدة إنما نظمت قبل أن تنال معظم البلاد العربية استقلالها فقد كان العراق ومصر وفلسطين والأردن تحت الحكم البريطاني كما كانت سوريا ولبنان والمغرب والجزائر تحت الحكم الفرنسي وليبيا تحت الحكم الإيطالي وللعواد قصيدة أقدم من هذه في وحدة العرب تعود إلى منتصف الأربعينات ومطلعها. وحدة العرب (٢) عرب الجزيرة كم تكون سعيدة … هذي الحياة بوحدة الأبعاد تتوحد الأشتات في مجموعها … ويعزز المجموع بالأفراد

стр. 162

فيقوم من بردى إلى صنعائها … أمل يرن صداه في الأبعاد ومن القصيم إلى ربي غرناطة … تبني الحياة عميقة الأوتاد كفاح الجزائر المقدس (١) وللعواد قصيدة في كفاح الجزائر من أجمل الشعر ومطلعها: روعة الوثبة في همس الحراب … في بنيك الصيد يا آساد غاب أو على البيض الرقيقات الحرائر … فعلى اسم الله سيري يا جزائر ومنها: هذه الأمة من أين أتاها … ذلك الأمان في كل خطاها شيخها يكرع منه وفتاها … أنه دين كفاح وحميه وتباشير حياة عربية … فعلى اسم الله سيري با جزائر وللعواد قصيدة أخرى بعنوان قوميتي (٢) أحب الجزيرة والموطنا … ومستقبل العرب أن يعلنا أحب الحجاز أحب السراة … مدار العروبة أصل المنا ونجدا وإحساءها والعسير … وحائل واليمن الأيمنا أحب العراق أحب الشآم … ومصر ولبنان والأردن وقد استعرض فيها العواد أسماء البلاد العربية جميعها ولا يتسع المقام لأكثر مما أوردناه عن شعره الوطني في الشؤون العامة فلننتقل الآن إلى جانب آخر من جوانب هذه الشخصية الفذة.

стр. 163

الشِّعر الرُّوحي للعواد قصائد في الرسول الأعظم صور فيه شعوره حينا زار المدينة المنورة، كما صور في قصيدة أخرى قصة التجائه ﷺ والصديق الأكبر إلى غار ثور وقصيدة بعنوان النبي في شعور الدهر وغيرها من القصائد الروحية ونكتفي بأن نورد بعض المقاطع من هذه القصائد كنماذج على الشِّعر الرُّوحي. الغار (١) في ذات أمسية لئيمة … إبليس أودعها سمومه جمعت قريش أمرها … لا حبذا هي من سخيمة فتجمهرت للكيد والشيطان … يلهمها علومه فكأنما هو مأتم … دامٍ ومعركة أثيمة وبعد أن يصف ائتمار قريش بالرسول الأعظم وتبييتهم أمر القتل وخروجه ﷺ إلى الغار وخشية الصديق على الرسول مما قد يكون في الغار من الأخطار وتثبيت النبي الأعظم صديقه ورفيقه يقول بعد ذلك: ولشد ما أتت السكينة … فاستحال الغار أفقا (٢) وتبدلت أمنا مخافة … من تَجهَمَّه فرقَّا ورأى السماء تكاد تحتضن … الثرى حدبا ورفقا وإذا السماء تكفلت … بالأرض فالنزعات غرقى فمن السكينة كان منبثقا … روح السلام على الألى غبروا وبها يعود بروعة دعيت … في الأرض إسلاما سينتشر

стр. 164

دافق النور وفي قصيدة النور يقول العواد في المطلع (١): دافق النور رحمة وسلاما … ومنميه عزة ووئاما فاعتنقناه يقظة وسموا … وعقلناه حكمة ونظاما ومنها لست ربا كما يبالغ بعض … الناس لا لست ربَّا (٢) أنت الغيت كل رب سوى الله … وأضرمتها على الشرك حربا أنت حطمت كل رب على الأرض … دعي مشى إلى الطفولة دربا فنشرت التوحيد في الناس يمشي … ثورة في النهى وعدلا وحبا وسلاما ورحمة ومساواة … وعطفا على الضعاف وقربي ونكتفي بهذا القدر من الشعر الروحي لنتحدث قليلا عن الشعر الفلسفي بل الشعر الفكري فهذا هو التعبير الأدق عما سنعرضه من نماذج لأنه إنما يتحدث عما يجول في ذهن الشاعر من أفكار وما يراود خياله إزاء أحوال الحياة ومظاهر الكون، والفلسفة هي كما هو معروف لا تكتفي بالتعبير ولكنها تبحث كذلك عن التعليل وتخرج منه بمذهب متكامل والعواد لم يكن فيلسوفا ولكنه كان مفكرا وحسب وحينما يقف أمام التناقض الذي يظهر في الحياة أو الذي يراه هو تناقضا ينتهي إلى التسليم والإيمان، فهو إذا مفكر مسلم، والفلسفة لا تعترف بالتسليم وإنما تخترع المذاهب ولهذا كان الضلال.

стр. 165

سر الطبيعة والحياة (١) يقول العواد في قصيدة بهذا العنوان لم هذى الرياح تدوي شمالا … وجنوبا تفرق الأمطارا لم ذا البحر في هدوء إذا شاء .... وإن شاء أرسل التيارا لم في البحر بَعْدُ جزرٌ وَمَدٌّ … ينبع البدر تارة والسرارا لم تسرى سيارة الأرض … حول الشمس دَآبَةَ السرى ادهارا لم هذي الأجرام تشرق ليلا … لم ذا الشمس تبهر الأبصارا ومنها: لم نحيا على البسيطة جبرا … ونعيش السنين فيها حيارى ولم الموت والحياة بكرهٍ … يسلب النفس عزة واقتدارا ومنها: نحن كالأولين نحيا دواليك … ويحيا من بعدنا أعمارا وتدور الحياة والشمس والأقمار … والليل والنهار بدارا وسيبقى سر الحياة معمي … وستلقى العقول بعد خمارا ولكن الشاعر سينتهي إلى الإيمان فيقول: رب آمنت أنك القادر … الفرد ملكت الظلام والأنوارا ونهانا نار الحباحب في … الليل وأوهى من الحباحب نارا

стр. 166

يا ليل وللعواد قصيدة أخرى في هذا المعنى يقول فيها: يا ليل كم سامرت أنجمك … الصماء تحكي العقد منتثرا درر تفوق الدر حيث بها … معنى الحياة يشع منبهرا وألِتُّ أسألها وما برحت … تعطي الجواب أغف مختصرا لا تستطيع إبانة وكذا … تحلو الحياة الطالب أثرا وينتهي في هذه المرة إلى أن هذا الغموض هو الذي يعطى للحياة سحرها فلو كان كل شيء واضحا لغدت الحياة تافهة رتيبة: لو كان ما في الكون متضحا … كل الوضوح لما غدا صورا وغدت حياة الناس تافهة … وغدا الخيال العذب محتقرا كم في الحياة مظاهر عجب … تقضى وتمنع كلها الوطرا ومفاتن شتى منوعة … ووراءها المعنى قد استترا ونكتفي بهذا القدر من أفكار العواد الشعرية رغم كثرة ما يمكن الاستشهاد به في كل باب لأن نفس الحديث قد طال أكثر مما كنت أتوقع ولنتحدث الآن عن لمحة من شعر العواد في الغزل. شِعر الغَزل لعلى أفاجيء القارئ كما فوجئت أنا برأيي في غزل العواد فالوصف الغزلي عند العواد هو وصف حسي لم يخرج فيه عما فعله القدامى الذين نقدهم فأوسعهم نقدا بعد أن بليت عظامهم في الثرى ولا تعليل عندي هذا إلا لأن العواد شاعر

стр. 167

فكر أكثر منه شاعر عاطفة، كما أنه يذهب بنفسه كل مذهب فإذا كانت المرأة تملك مفاتن الجسم فإنه هو يملك مفاتن العقل وجرأة الرأي وليس هذا الإدلال بالنفس من الغزل في شيء وليس المحب من يذكر محاسنه وإنما الأديب هو الذي يدع هذه المحاسن تتحدث عن نفسها حتى يلمسها المحب فيتحدث عنها يقول العواد في قصيدة بعنوان: الروض الضائع (١) شاقني الروض فأنجذبت إليه … ساعة وانتجعت أطلب ظلا نسبتنى زهوره والأفانين … التي حولها غدت تتدلى وتذكرت من غدائرك السود … انسيابا يرى بهن وشكلا وتذكرت من لواحظك الذبل … إرسالها إلى القلب نبلا (٢) ومنها: وتذكرت من قوامك ذاك … الهيف الرائع الميل المذلا ومن الوجنتين ما يرسل الحمرة … من ذلك الشعاع المحلى ومن المقلتين ما يخجل النرجس … فيه إذا بدا يتجلى فهذا الوصف الحسي لم يخرج عمها وصف به المرأة قدامى الشعراء ولقد كان المنتظر من العواد الشاعر المجدد أن يكون في شعره الغزلى ذلك الوهج الذي يحس به القاري، لذع العاطفة وتوهجها ودفق الشعور في خفقات القلب والوجدان ولكن العواد على أي حال ينتهي في هذه القصيدة إلى نهاية شعرية جميلة فيقول:

стр. 168

فتلفت باحثا فإذا الروض … على ذكريات حسنك ولي ضاع مني فلست أبصر ما فيه … من المغريات إلا الأقلا وامحى كالخيال إذا أخذ الواقع … منه مكان ما هو أولى أنت يا من أحب روضي وهل … ما فيك في الروض؟ لا وربك كلا يد عبقرية تهب الحب (١) ويقول في مقطوعة أخرى: غرام سحقناه فقدرت عهده … وآخر قد وافى فلله مجده فمرحى لذا الحب الجديد ومرحبا … ولا دَر دَرُّ الذاهب الصعب رده وما هكذا يناجي الحبيب الذاهب، ولا الغرام الماضي، لكأن العواد يتحدث عن خصم من خصوم أفكاره أو ناقد من نقاد شعره وأدبه، أين القلب وإحساسه إزاء ما مضى، وأين آثار ما بقى ويقول بعد ذلك: فلم يدر دارٍ حينها حل مهجتي … أيعبد روحي أم هو الروح عبده فيا مشعلا مني شبابا أجله … وممتلكا مني فؤادا أعده ومتخذا عندي يدا عبقرية … بعثت بها حبا طفقت تمده هنيئا لك القلب الذي منك نوره … وتعسا لحقد كان والتعس بعده ونختتم الحديث عن شعر الغزل بقصيدة من أجمل ما نظم العواد في الغزل رغم ما فيها من الإدلال بنفسه إلا أنها تستحق الإشادة والتسجيل، فقد تجافى فيها عن الوصف الحسي وتسامح مع المحبوب في خطئه النحوي بل وجاراه فيه وهي عندي من أجمل ما نظم العواد في الغزل.

стр. 169

استمالة (١) يا هاجري وأجلُّ حسنك … أن تبتلى بالهحر خدنك لطعنتني بالكبرياء على الهوى … وأجدت طعنك ومنها: أفذاكر أنت العهود … الغابرات وما أفدنك أفذاكر أني أبحتك … قلبي الفد المحنَّك وأبحتني ما لا تبيح … من الغرام ولن أظنك ومنها وأقول والبسمات في فمك … الجميل تبين سنك ممن تعلمت العناد … منسقا فتقول مِنّك لحن قهرت به صحيح … اللفظ ما أن شان حسنك فنٌّ تتبه به على الفن … القوى فديت فَنَّك فجررتني نحو الدعابة … لاحقا لأوانسَّك وختمتها بمقالتي أني … أخذت الحسب عنك وهكذا تكون الدعابة في الغزل عذبة حلوة وهي ساعة من الساعات التي غفل فيها شيطان العواد العنيف ليستيقظ فيها الشعور الرقيق اللطيف. الشِّعر الإنسَاني ونختتم الحديث عن شعر العواد بمختارات من شعره الإنساني الذي تجلى

стр. 170

فيها شاعرا إنسانيا دافق العاطفة والشعور وأبدأ هذه المختارات بقصيدة العواد في رثاء أمه. في بيتها وعلى قبرها (١) ايه يا نفس هذه شارة القدس … وذا الشعر فانظمي قدسيها هذه أمي الجليلة في بيت … على قدر زهدها يحتويها ههنا تكمن الطهارة والزهد … فتعلو مسرة النفس فيها ومنها: ها هنا ها هنا جمال جليل … ها هنا ها هنا العزيزة أمي ويقول في وصف بيت أمه: هو بيت يلوح جد حقير … قد خلا من مناعم مستطابه (٢) ليس فيه حفاوة تبهج العين … ولا فيه جدة وخلابه ثم يقول: قد تعرَّى عن كل ذاك وهذا … من شؤون لكنه بيت أمي ومنها: فهو لي في الحياة شارة قدس … وهو لي في مفازة العيش راحه وهو الكنز إن شكت نفسي … العسر ومعنى الغنى يريني انفساحه وهو عيدي إذا انقضت فرحة … العيد لدى الناس أنه بيت أمي ثم يقول إنه مسجدي وهل يقصد … المسجد إلا للطهر أو للصفاء أو لترقى العقول فيه إلى الله … وقد جردت من الأهواء

стр. 171

فإذا ما أممت أمك للبر … فقد زرت مسجدا من نقاء ثم ينتهي إلى وصف قبر أمه بعد أن وصف بيتها أو على الأصح إلى وصف شعوره بعد موتها فالقصيدة كلها قطعة من الشعور تحس فيها خفق القلب ورجفاته وتدفق الوجد حتى يستحيل شجنا يستدر الدمع ويسري في الوجدان وهذا هو الشعر بل هذا هو جوهر الشعر وروحه. قلمي ما نكرت منك انطلاقا … في حياتي فما أصاب انطلاقك عدت من دفنها كئيبا … أقاضيك انسياقا فما منحت انسياقك اندفق فالشعور عندي موفور … كفيل ألا يعوق اندفاقك ولكن القلم يأبى على العواد أن يندفق كما تعوَّد، فالفاجعة أكبر من أن توصف أو يقوى على وصفها وهو في تلك الحال فتظل مكبوتة تشتغل في النفس إلى أن تهدأ الثورة أو تسكن الفورة ولقد ذكر العواد أنه لم يستطع رثاء والدته إلا بعد مرور عام ونصف العام على وفاتها (١) والقصيدة طويلة ولكنا نذكر المقطع الأخير منها تجنبا للإطالة. رحمة الله للدفينة في الأضلع … من قبل دفنها في الحفير (٢) وجلالا لها وسقيا لقبر … ضمها بين نشر ذاك العبير وسلاما من موطن الخلد والرضوان … يغشى جثمانها بالعطور ووداعا يزف ما انحبس الدمع … لديه إلا لهذا الزفير وللعواد قصيدة أخرى شهيرة بعنوان:

стр. 172

صلاة النفس (١) قالت النفس قم نصل إلى الله … فشر النفوس من لم تُصَلِّي قلت يا نفس سبحي الله طوعًا … وأصيخي واستنكرى أن تملي سبحي الله فالطبيعة يقظى … وتعالى قرب الخضم نصلي في صفاء يشع من فلك … الإلهام مستمليا إذا الكون يملي ومنها: هذه صيحة الحياة في العالم المطوى بين النفوس طي السجل (٢) فيجوب الضمير والفكر يجري في النواميس بين بعد وقبل فيرى ما يكمن في الماء والزهرة والأرض والفضاء المطل هذه صيحة الحياة تنادي عاشقيها لفهم معنى التجلى ومنها: سعداء أولو الصلاة ولكن … عندما يدركون مجد الصلاة (٣) كم صلاة قوامها الجسد الطالب … سقط المتاع والنزهات ومنها: إن في القلب جنة وجحيما … واتساعا لفهم هذه الحياة وخشوعا وعزة واعتلاء … وهويا لأسفل الدركات وصعودا إلى السماء بلا … إذن ولو بواسع الفلوات فدعي كونك الصغير سويعات … وهيا إلى الخضم نصلي

стр. 173

والقصيدة طويلة ولكنا نختتمها بهذه القطعة: كلها كلها الأناسي والأنعام … والطير والرؤي والطيوف والجمادات والبهائم والأملاك … والجنُّ والصدر والخفيف والأماثيل والعناصر والأزمان … والقفر والمكان الأليف والسنا والظلال والفكرة … والحسن والهوى الملفوف كلها تضمر الصلاة وتبديها … صنوفا تمتاز عنها صنوف قُوّما بالخشوع للواحد الفرد … الوفا تبزهُنَّ الوف فمجموع منها تواثب سرا … وجموع على الحياة تطوف غير أنا لا نفقه الحمد والتسبيح … منها لأننا غير أهل والقصيدة من أجمل الشعر الروحي وأعذبه ولو لم يكن للعواد سواها لكان بها واحدا من أعظم الشعراء. وللعواد قصيدة من أرق الشعر الغزلى وأعذبه ولعل بتسجيل بعض مقطوعاتها أسجل أن العواد قدير على الإبداع في كل فن من فنون الشعر وأبوابه. تذكير (١) يا متعة الأنفس يا ساحره … ويا رضا الشعر ويا شاعره يا مصدر الوحي وموضوعه … ويا غذاء الفكرة الحائرة لم أنس أيامك لم أنسها … يا حبذا أيامك الناضره

стр. 174

ومنها بعد أن يستعرض عهده معها ولقاءه بها: لم أنسها لم أنسها فاسمعي … من عمق قلبى ذلك الاعتراف رسائل الحب على عهدها … باقية في نفس ذاك الغلاف غلافها الأحمر لم تنتثر … منه ولن تبصرها باصره ثم الرسوم اللات أهديتها … صديقك الحافظ عهد الوداد وخلفها الألفاظ قد أعربت … عما انطوى تحت شغاف الفؤاد الفاظ اهدائك معسولة … شفافة كالسحب الماطره بلا قلب (١) وللعواد قصيدة أخرى تصور شجونه في هذه الحياة وحظه فيها يقول فيها: حبيبة قلبي لو عرفت بلاءه … لأقصرت لومي والحياة بلاء أنا التعب المكدود فيما أريقه … تجشمنى نفسي العلا فأناء ومنها: تلث على فكرى الحياة بهولها … وتزعجني في نظمها البرحاء فأوغل في استقصاء ما يستحثني … من الفكر فيها والظنون فضاء ومنها: حبيبة قلبي إن تسرك بسمة … من النجم خفاقا عليه رداء تزين الدجى في ليلة راق صحوها … لها لمعان بارع وضياء فإن هنا قلبا إزاء جمالها … له موقف فيه أسى وهناء ومنها: فكم من فروق في الحياة منظما … مساعي نهى يحدو بهن عماء

стр. 175

وكم وقفة بين الرجاء وضده … لحِرِّأبِيّ في الحياة يساء تباعده أخلاقه عن مباءة … يعيش بها الأوشاب والبلداء وتسمو به نفس تعلمت العلا … وقاد خطاها في الحياة حياء إذا ابتدرت طرق المعالي تعرضت … لها عقبات طرقهن وباء وبينا كثير من رفاق وإخوة … سفائنهم تجرى بهن رخاء تراه وقد أغرى به الحظ صرصرا … لها أبدًا في مسمعيه عواء وما هو بالمنقوص في ملكاته … وما فيه إلا قدرة وكفاء تضيء معاليه وتسمو صفاته … وتشرف أخلاق لديه وضاء ونختتم الآن هذه المختارات بعد أن طال بنا نفس القول في شعر العواد ولكني أشعر وأقولها مخلصا إنني لم أوفه حقه فهو من هذه القمم التي يجد الدارس فيها مجال القول رحبا واسعا وما قصدت إلى دراسة شعره فليس من أغراض هذه التَّراجم أن تقدم الدراسة وإنما غرضها تصوير شخصية صاحب الترجمة ما أمكن هذا التصوير فإذا كان المترجم أديبا أو شاعرا وجب أن تقدم الصورة من إنتاجه لتكون أصدق أداء وأوفى تعبيرا، وللعواد جوانب أخرى لم نتحدث عنها فهو قد شغف بالأدب اليوناني فيا وصل إليه من تراجم لعيون هذا الأدب وكذلك نظم بعض المقطوعات عن توماس هاردي بعد أن ترجمها العقاد نثرًا، وعن رديارد كبليغ كما نظم موعظة المسيح ﵇ وتحدث كثيرًا عن الآلهة اليونانية الخرافية والقاريء يجدها مثبتة في دواوينه وقصائده ويبدو لي أنه لو أتيح للعواد أن يتعلم اللغة الإنجليزية أو الفرنسية وتعمقت قراءاته في عيون الأدب الأجنبي لكانت له جوانب مشرقة في هذا المجال.

стр. 176

الشِّعر المَنْثُور وبعد فإنني قرأت ما استطعت قراءته من شعر العواد وخرجت من هذه القراءة بهذه الانطباعات التي شرحتها آنفا وهناك أشياء أخرى لم أكتب عنها لأن ما فيها لا يخرج عن العدد الذي ذكرنا وأشياء أخرى تعمدت الإغضاء عنها إذا صح هذا التعبير فللعواد ديوان آخر اسمه روي ابولون القسم الأعظم منه سياه عواد (شعر منثور) وأنا أسميه النشر الشعرى ولى في هذا الموضوع رأي تحدثت عنه في التليفزيون وفي صحيفة البلاد بعد أن ثارت أقلام كثيرة للرد على ومن ضمنها أستاذي العواد ﵀ فليرجع إليه من شاء لأن الشعر عندي هو الشعر الذي تحكمه الأوزان الشعرية والقوافي وقد تقبلت تعدد الأوزان وتعدد القوافي ما دامت الموسيقية متوفرة أما هذا الشعر المنثور فهو نثر وإن اتسمت الأخيلة فيه بالأسلوب الشعري فأنا أتقبله كلون من ألوان النشر وما أكثر ألوان النثر في لغتنا العربية الغنية بتعابيرها وأخيلتها وما أغنى الشعر العربي بمختلف ألوانه وفنونه، وطريقتى أن أسمي الأشياء بأسمائها والعواد غني عن إضافة هذا اللون إلى شعره بما أنتج وأبدع من الشعر الحق وهو يُعَدُّ من أياديه على النثر الفني المبدع وما أكثر أياديه في هذا المجال وما أطولها. آثَار عَوَّاد الباقية أن ما لدينا من شعر العواد وهو ما اشتملت عليه مجموعة دواوينه في جزأين كبيرين يقف عند منتصف السبعينات أو الثمانينات وقد امتد به العمر إلى عام ١٤٠٠ هـ فهناك فترة ربع قرن لم يطبع فيها ما أنتجه العواد من الشعر ولا يمكن أن يكون خلال ربع قرن أو حتى خلال عشرين أو خمسة عشر عاما قد توقف

стр. 177

عن النظم وقد يكون قليل الإنتاج في هذه الفترة ولكنه لم يتوقف تماما ومن المؤكد أن يكون بين ما ترك من أوراق ومخطوطات ما يسدُّ هذه الثغرة أو يجليها فلعل ابنته الكريمة السيدة نجاة عواد تتفرغ لتخرج للناس ما بقي من آثار والدها العظيم. النَّادي الأَدبي للعواد ولصديقنا الأستاذ عزيز ضياء فضل السبق في الدعوة لإنشاء النوادي الأدبية التي تنتظم مدن المملكة في الوقت الحاضر والتي تقدم إنتاج الأدباء والمؤلفين بتشجيع عظيم من رعاية الشباب ذلك أن العواد وضياء دعيا للمشاركة في الحفل الذي أقيم في الرياض للبحث في أحياء سوق عكاظ وقد اغتنما هذه الفرصة السانحة فتقدما إلى صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد بن عبد العزيز رئيس رعاية الشباب بفكرة إنشاء النادي الأدبي فاستجاب سموه أعظم استجابة وأجاز الفكرة وأخرجها إلى حيز الوجود فكان النادي الأدبي في جدة هو أول النوادي التي انتشرت فيما بعد في مدن المملكة الأخرى وبفضل المعونة السخية التي تقدمها رعاية الشباب هذه النوادي أمكن لها أن تقف على قدميها وأن تستمر وتنمو وتقوم بطبع الكتب في مختلف فنون الأدب والعلم وكان العواد أول رئيس للنادي الأدبي بجدة وقد انتخب ونال من الأصوات ما يرشحه لهذه الرئاسة التي كان هو جديرا بها وقد منح ﵀ النادي الأدبي وقته كله فكان يجلس فيه صباح مساء وكنت أعجب له وهو في الثانين من العمر كيف يقوى على هذا الجهد ولكنه كان يمارس أعمال النادي بروح الشباب فلقد عاش عمره كله يحلم بأن يكون للأدباء مكان يجمعهم وللأدب كيان يرتكز إليه وقد تحقق له هذه الحلم قبل وفاته بل تحقق له بحمد الله أن يرى بعينيه كثيرًا مما دعا إليه في

стр. 178

مطلع شبابه نهضة عارمة تشمل التعليم والتطبيب والاقتصاد والبناء نهضة تشمل جميع نواحي الحياة التي كان العواد يحلم بها ويتخليها ويدعو إليها. وفَاة العَوَّاد هذا وقد توفي العواد ﵀ في ١٤٠٠ هـ بعد مرض قصير ألم به وكان يتهيأ للسفر إلى الخارج للعلاج ولكن المنية عاجلته فصعدت روحه إلى بارئها وقد بلغ الثمانين عاما من عمر حافل بالعطاء وإذا كان قد فات العواد حظه من متاع هذه الدنيا فلم يترك لأهله مالا أو عقارا فإن الثروة الأدبية والعقلية التي تركها لا لأهله وإنما للشعر والأدب عظيمة وكبيرة فلقد كان بحق رائد جيل وزعيم نهضة وأستاذا عظيا وصديقا كريما، رحم الله العواد وغفر له وأحسن جزاءه في دار الخلد - إنه سميع مجيب .. * * *

стр. 179

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

стр. 180

محمد جعفر لبني
следующие страницы →