كما مارس أحمد جمال نظم الشعر في بداية حياته، مارس كتابة القصة فصدر له وهو كذلك في الثالثة والعشرين من العمر كتابه القصصي سعد قال لي:
انصرف أحمد جمال عن الشعر وعن القصة، وغيرهما من فنون الأدب ليتفرغ للكتابة عن القرآن الكريم بعد أن حفظه، وتلقَّى تفسيره في المسجد الحرام، ثم عكف على دراسة كتب المفسرين، فألمَّ بآرائهم، وأضاف إليها اجتهاداته الخاصة فظهرت مؤلفاته الأولى، "على مائدة القرآن" وهو دون الثلاثين من العمر، ثم انتهى به الأمر أن يُختار مدرسًا لمادة تفسير القرآن الكريم في جامعة أم القرى بمكة المكرمة.
وكان قد سبق اختياره مدرسًا للثقافة الإسلامية في جامعة الملك عبد العزيز حين تأسيسها عام ١٣٨٧، وهو في الرابعة والأربعين من العمر.
وأود أن أقف قليلًا مع القارئ لنرى كيف اختير أحمد جمال مدرسًا في جامعتين من أكبر جامعات المملكة ومؤهله الدراسي الشهادة الابتدائية، ودراسة عام واحد في المعهد العلمي السعودي، وبتعبيرًا آخر وهو متخرج من السنة الأولى الإعدادية، كما هو الاصطلاح في الوقت الحاضر … ؟
وأجيب على هذا السؤال بتساؤل آخر: كيف كان علماء المسلمين الذي نبغوا في شتى فنون العلم والأدب وألفوا فيها المؤلفات العظيمة التي لا زالت تتدارسها الأجيال جيلًا بعد جيل … ؟
هل كانت هناك جامعات يدرسون فيها ويقدمون فيها الرسائل التي تمنح الماجستير والدكتوراة … ؟
لم يكن شيء من هذا ولا ذاك كما هو معلوم، ولكن كان هناك أساتذة يتلقون العلم على أيديهم، وكانوا إلى جانب هؤلاء الأساتيذ يقرأون ويبحثون، يهبون أنفسهم للعلم، ويفرغون أنفسهم لتحصيله، فإذا بلغ الواحد منهم الحدَّ الذي يرى فيه مشايخه أنه تأهَّل لتعليم الناس أجازوه، فجلس يعلِّم كما تعلَّم.
ولكن أحمد جمال إذا استثنينا دراسته على السيد علوي المالكي يرحمه الله في المسجد الحرام، فإنه لم يتلق العلم عن المشايخ وإنما تلقاه عن أئمة المفسرين والفقهاء فقرأ كتبهم وأطال النظر فيها، وأضاف إليها ما هداه الله إليه من آراء كشف عنها العلم، أو ظهر لها معانٍ جديدة مع تغير الزمان، أن القرآن الكريم كتاب معجز بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وفي آياته الكريمات من المعجزات ما يظهر مع توالي العصور، وإني أقص هنا ما حدث لي شخصيًا مع آية من آيات الكتاب العظيم، كنت كلما تلوت قوله تعالى في سورة آل عمران:
стр. 1157
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١).
كنت كلما تلوت هاتين الآيتين الكريمتين الكريمتين أو سمعتهما وددت أن أعرف كيف يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ورجعت إلى كتب المفسرين قديمهم وحديثهم فوجدت أنهم يفسرون خروج الحي من الميت بالحبة من القمح تغرس في الأرض فتنبت الشجرة، والنخلة من النواة، والبيضة من الدجاجة، والمؤمن من الكافر (٢).
وكنت أقول في نفسي أن المعنى أعمق وأكبر من ذلك مع إكباري لسادتنا العلماء الأجلاء.
وظل المعنى يدور في ذهني زمنًا، وأخيرًا تذكرت وأنا أفكر في الأمر أن التفسير قائم بين أيدينا في كل يوم … ؟
ألا يؤخذ القلب من الميت فيزرع في جسم الحي، فيمشي به بين الناس … ؟ ألا تؤخذ الأعضاء الأخرى من الموتى فتزرع في أجسام الأحياء، أليست عمليات زراعة القلوب والأعين، والكلى، والكبد، عمليات يومية تجري في مستشفيات الدنيا كلها كل يوم بل كل ساعة أليس هذا هو التفسير لإخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي … ؟
تبارك الله وتعالى ما أعظم كتابه، وما أعجب آياته، وما أجلَّ معجزاته … ؟
أن القرآن الكريم كما ذكرت كتاب معجز تتجدد آياته مع كرِّ الزمان، فيظهر له في كل زمان معنى لم يكن معروفًا للناس في زمان سابق، بل أن كرّ الأيام يزيد هذه المعاني جلاءًا، ولقد توصل الطب بقدرة الله تعالى إلى استبدال الأعضاء التالفة في جسم الإنسان الحي بأعضاء من أجسام الموتى، فكان هذا التفسير أكثر جلاءًا ووضوحًا، ولم يك هذا التفسير ميسورًا في الزمن السابق لتوصل الطب إلى هذه الإنجازات، ففسره المفسرون بما ذكرنا من خروج الزرع من الحبة والبيضة من الدجاجة، مما أشرنا إليه قبل، ولقد أشرت إلى هذا المعنى في بعض شعري حيث قلت:
يمضي الزمان ويبقى سر معجزه … سَحَرَ العقول تقرَّاهُ الالبَّاءُ
في كل يوم له معنى يجدِّدُه … كرَّ الزمان وتبقى منه أشياءُ
ولا أريد أن أطيل في هذا المعنى ولكني أرجو أن يوفقني الله تعالى إلى التأمل في بعض آيات القرآن الكريم، وأن يهديني إلى معانيها وأسرارها، ويوفقني إلى كتابة ما يهديني الله إليه وإذاعته للقارئين.
стр. 1158
ونعود بعد هذا الاستطراد إلى ترجمة الأستاذ/ أحمد محمد جمال فنثبت هنا بعض ما كتبه في تفسير بعض آيات القرآن الكريم نقلًا عن كتابه "مأدبة الله في الأرض".
(مأدبة الله في الأرض)
يقول الأستاذ/ أحمد جمال في تفسيره للآية الكريمة: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ما يلي:
وهناك حقيقة إلهية أخرى في قوله "وترزق من تشاء بغير حساب" يقول بل هو مظهر آخر للقدرة الإلهية والمشيئة الإلهية أيضًا. وهو مثار جدل وشكوى بين الناسِ في كل زمان ومكان بل ربما كان محل اعتراض واستنكار من بعضهم، لأنهم يرون غنيًا فاسقًا وفقيرًا صالحًا، ويتساءلون: لماذا لا يفتقر الفاسق … ؟ أو لماذا لا يستغني الصالح.؟ ويكرر القرآن هذا المعنى أو هذه الحقيقة الإلهية لأن الناس يتكرر اعتراضهم عليها ويتكرر عجبهم منها في قوله ﵎ في آياتٍ متعددة منها.
﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١).
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (٢).
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣).
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤).
يقول الأستاذ/ أحمد جمال:
ونجد هذا المعنى في سورة الروم والرعد والقصص والشورى والزمر ونلاحظ أن الله في سورة الشورى يبين حكمته في قسمته للأرزاق بين عباده قبضًا وبسطًا حيث يقول: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
ويؤكد نفس الحكمة في آية الإسراء السابقة:
﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.
وفي آية العنكبوت:
﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
стр. 1159
وفي آية سبأ:
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
ويأتي الحديث القدسي فيزيد القضية بيانًا:
"يا عبادي أن منكم من أغنيته، ولو أفقرته لفسد حاله، وإن منكم من أفقرته ولو أغنيته لفسد حاله" (١).
أقول: وهكذا نرى أن بسط الرزق أو تقتيره على الناس هو لحكمة ارتضاها الخالق جل وعلا فهو أعلم بعباده، وأعلم بما يصلحهم وما يفسدهم.
ويقول في تفسير قوله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢).
يقول بعد استعراض أقوال المفسرين ومناقشتها ما يلي:
ونحن نلمس هذا السكن مع آثاره من المودة والرحمة بين الزوجين، فيما نراه من إيثار الرجل للمرأة على أهله من أبوين وأخوة، وإيثار المرأة للرجل على أهلها كذلك.
أن كلا منهما يحن إلى زوجه أكثر مما يحن إلى أبويه وإخوته.
ويعارض هذا "الواقع" الزوجي بين المرأة والرجل ما جاء في القرآن الكريم وحديث النبي ﷺ من مطالبة الأبناء ببر الآباء ربما يؤكده بطريق غير مباشر لأنه يعني التحذير من طغيان العاطفة الزوجية على حق الآباء في برِّ الأبناء.
كذلك ما أسرع كلا من الزوجين إذا ظلم رفيقه أو أخطأ في حقه إلى الندم ثم المصالحة والرضا بكلمة أو همسة، ونسيان ما حدث من خطأ أو ظلم في لمح البصر.
ولا يكون ذلك على هذه الصورة السريعة بين الآباء والأمهات، ولا بين الأخوة، ولا بين البنات والأمهات (٣).
أقول: وكأنَّ الله تعالى قد أودع في نفوس الزوجين ما أودع من المحبة والإيثار، أراد أن ينبه الأولاد إلى حقوق الآباء والأمهات حتى لا تطغى العاطفة الزوجية على عاطفة البنوة، فشدَّد الحرص على البر بالآباء والأمهات.
وقال في تفسير قوله تعالى من سورة الرحمن: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
стр. 1160
كل المخلوقات تتوجه إليه في كل لحظة بلسان مقالها، أو لسان حالها على اختلاف لغاتها وكلماتها، تسأله الغنى من فقر أو الشفاء من علَّة، أو الاستقواء من ضعف، أو الاقتدار من عجز، ويسأله العقيم ولدًا، والأرملة عائلًا، والعانس زوجًا، ويسأله المظلوم ناصرًا، والحائر هدى.
فكل يوم هو في أمر جديد من أمور خلقه، وقد ورد أن الرسول ﷺ تلا هذه الآية ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾.
فقالوا: وما ذاك الشأن يا رسول الله .. ؟
قال: "أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا. ويضع آخرين" (١).
ويقول في وصف الموت وسكراته:
الموت بداية اليقظة. بداية معرفة الحقيقة التي نسيها أو جهلها الإنسان، وبداية الحساب على ما قدَّم من خير أو شر، فإذا نفخ في الصور، واستيقظ اليقظة الكبرى، كان الحساب الأكبر والجزاء الأوفر، فريق في الجنة وفريق في السعير (٢) ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
فهو ﷺ رحمة للعالمين في الدنيا بما حمل إلى الناس من نور وهدى فأنقذهم من الضلال والكفر، ورحمة للعالمين في الآخرة بما يشفع لأهل المعاصي فيخرجون من النار ويدخلون الجنة (٣).
ونكتفي بهذه الأمثلة التي نقلناها من كتاب مأدبة الله في الأرض، وأود أن يقرأ القارئ كتب الأستاذ/ أحمد جمال، ويتأمل ما جاء فيها في تفسير بعض الآيات الكريمات فإن ذلك أبلغ وأنفع.
مذكرات أحمد جمال:
للأستاذ/ أحمد جمال يرحمه الله مذكرات بعضها منشور وبعضها مخطوط، وقد تفضل نجله الكريم الأستاذ/ رجاء باطلاعي عليها، وفي هذه المذكرات يتحدث عن مسيرته الأدبية، كما يتحدث عن مسيرته كأستاذ للثقافة الإسلامية في جامعتي الملك عبد العزيز وجامعة أم القرى، وعن أمور أخرى كثيرة كأدب المرأة وتوظيفها والأعمال التي تمارسها والتي لا يرى أنها صالحة لها، والأسئلة التي كانت توجه إليه من بعض الصحفيين أو من بعض الصحف وإجابته عليها.
стр. 1161
وتحدَّث كذلك عن رحلاته إلى أقطار الدنيا المختلفة، داعيًا إلى الله تعالى مع الدعاة في المؤتمرات الإسلامية التي حضرها، وكيف رأى أن من الضروري للداعية إتقان مخاطبة الناس ارتجالا، وأنه بدأ تدريب نفسه على ذلك سنة ١٣٧٧ هـ، في أول رحلة له إلى باكستان تلبية لدعوة تلقاها من جامعة البنجاب للمشاركة في الندوة العالمية للإسلاميات (١).
ثم تحدث عن الموضوعات التي أثيرت في مؤتمرات أخرى كثيرة وأبدى رأيه فيما تم التطرق إليه من بحوث ورَدُّهُ على من يخالفونه الرأي وهي موضوعات هامة ويجدر بالقارئ أن يقرأها بنفسه لأن تلخيصها لا يقدم الصورة الكاملة عنها.
وفي المذكرات مراسلات دارت بينه وبين بعض كبار المسؤولين على جانب كبير من الأهمية لما تضمنته من آراء ومناقشات يستقطب بعضها اهتمام الناس ويدور تساؤلهم حولها.
وقد استوقف نظري في مذكراته الأدبية التي نشرت مسلسلة في مجلة المنهل بعض الحوادث والطرائف أنقلها.
فمن الحوادث التي تعرض لها وزملاؤه في المعهد السعودي أنهم أصدروا مجلة خطية سمَّوها الأمل اشترك في إصدارها الطلاب إذ ذاك في المعهد العلمي السعودي، عبد العزيز الرفاعي، وسراج مفتي، وعبد القادر جان، وعبد العزيز الربيع، وسراج خراز وعلي غسَّال، وغيرهم.
وكان الطلبة ينشرون في هذه المجلة الخطية الكلمات والقصائد من إنتاجهم، يقول أحمد جمال في مذكراته: فإذا بنا نفاجأ بطلب من الشرطة لكل واحد منا في بيوتنا مما أفزع آباءنا وأمهاتنا، وذهبنا إلى مقر الأمن العام فيما كان يسمى - الحميدية - على عهد مهدي بك، وكان رجلا مهيبًا يرحمه الله، واقتادونا إلى غرفة القسم العدلي، وكان يرأسه طلعت وفا يرحمه الله، وهناك أخذ منا تعهدًا بعدم إصدار المجلة، وألَّا كان جزاؤنا شديدًا فقلنا سمعنا وأطعنا (٢).
وإذا كانت هذه الحادثة قد انتهت نهاية سليمة فإن الحادثة التالية لم تكن كذلك فقد نشر بعض القصص القصيرة في مجلة الرابطة الإسلامية التي كانت تصدر بالقاهرة سنة ١٣٦٨ هـ، وكانت هذه القصص بعنوان "صور من المستشفى" وكانت هذه القصص تصور حالات من إهمال الأطباء ومعاناة المرضى، وبسبب هذه القصص سجن سبعة أيام في السجن الاحتياطي بأجياد.
ويقول أحمد جمال، وقد حظيت في السجن بزيارة كبار القوم من العلماء والوجهاء. أمثال السيد محمد أمين كتبي، والشيخ سليمان الصنيع وكلاهما من العلماء، والشيخ بكر حمدي من
стр. 1162
كبار موظفي رئاسة القضاة وهو زوج أخت أحمد جمال، كما أنه أطلق من السجن بعد توسط الشيخ عمر بن حسن رئيس عام هيئات الأمر بالمعروف والنهي عنِ المنكر لدى الملك عبد العزيز، وكان عمر بن حسن يعطف عليه كثيرا، وكان يحثه دائمًا على الاستمرار في طريقه الذي يسير فيه نحو العمل الإسلامي (١).
الرقابة على الصحف:
ومن الطرائف التي تضمنها المذكرات الحديث عن الرقابة على الصحف وقد جاء فيها ما يلي:
وذكر الأستاذ/ الأنصاري في مقدمتهم - مراقبي الصحف - الشيخ حسين عبد الغني يرحمه الله، وقال أنه كان يضيف عبارات من عنده بين سطور المقالات والقصائد المراد نشرها في جريدة أم القرى التي يتولى الأستاذ/ الأنصاري رئاسة تحريرها مابين سنة ١٣٥٩ هـ وسنة ١٣٦٩ هـ، وأنه كان متشددًا جدًا.
ومما عاناه الأنصاري من شدته أنه كان يشطب من المقالات جملة السعادة الاجتماعية ويعلل تصرفه بقوله في هامش المقال أنه ليس هناك سعادة في الدنيا وأن السعادة في الآخرة.
كما أضاف ذات مرة في قصيدة للشيخ/ أحمد إبراهيم الغزاوي كان قد ألقاها في احتفال لجلالة الملك عبد العزيز يرحمه الله أضاف جملة (بإذن الله) بعد كل عبارة بها - سنعمل، سنضع، سنقوم.
ونشر الأستاذ/ الأنصاري القصيدة بهذه الإضافات الشاذة التي اضطرب لها وزن القصيدة متعمدًا اثارة الشيخ الغزاوي، وفعلًا كان له ما أراد وأصع إليه مستنكرًا (٢).
الكاتب الإسلامي:
ومما جاء في هذه المذكرات أن أحمد جمال كان يدعو الله تعالى بعد طوافه بالبيت الحرام أن يجعله أديبًا اسلاميًا مثل مصطفى صادق الرافعي (٣).
آدم وحواء:
ومن الملاحظات الدقيقة التي وردت في المذكرات انتقاده لبعض الصحف المصرية، بل لبعض كتابها البارزين استعمال اسمي آدم وحواء رمزًا للخطيئة بين الرجل والمرأة، أو للمناكفة بين الزوج والزوجة، يقول أحمد جمال بعد أن أورد نماذج مما نشره بعض كبار الكتاب المصريين مبديًا رأيه يقول:
стр. 1163
تفعل ذلك بعض الصحف والمجلات المصرية ازاء آدم ﵇، بينما هو رمز التجلة والتكريم بما أسجد الله له ملائكته، ورمز الرفعة والمعرفة بما علَّمه الله من أسماء خلقه، ورمز الأفضلية والأولية بما جعل الله له من استاذية في السماء وخلافة في الأرض، والذين يكتبون التفاحة المحرمة، وخروج آدم وحواء من الجنة بسببها أجهل الجهلاء وأسفه السفهاء، وأن حملوا أرقى الشهادات وتزيوا بزي العلماء والعقلاء (١).
وأكتفي بهذا القدر من التعليق على الذكريات الأدبية التي تضمنتها مذكرات الأستاذ/ أحمد جمال، وأرجو أن يوفق ابناءه الكرام إلى جمع هذه المذكرات على اختلاف مواضيعها، ونشرها في كتاب ليتاح لقرائه الكثيرين الاستمتاع بها ومعرفة بعض الأمور الهامة أو الطريفة في حياة الكاتب وعمله، وفقهم الله لذلك وأعانهم عليه.
وفاة أحمد جمال:
توجه أحمد جمال إلى القاهرة بصحبة شقيقه محمود في أوائل شهر ذي الحجة، وكان قد انقطع عن زيارة القاهرة ست سنوات، وفي ليلة التاسع من ذي الحجة أخبر مرافقيه أنه سيصبح صائمًا وضبط جرس الساعة في غرفته ليستيقظ قبل الفجر، ليصلي لله تعالى في جوف الليل كما هي عادته دائمًا.
واستيقظ أخوه على صوت الجرس الذي قرع طويلًا، فأسرع إلى غرفة أخيه ودعاه فلم يجب وحركه فلم يتحرك. واستدعى الطبيب، فقال: لقد توفاه الله.
هكذا انتهى أحمد جمال وهو على نية الصلاة في الليل وصيام يوم عرفة، فيا لها من خاتمة سعيدة لجهاد طويل في الدعوة إلى الله.
وكان لوفاته المفاجئة صدى أليم في نفوس الكثيريِن من الناس الذين ذهلوا للنبأ وسارع البعض إلى التاكد وكأنهم يرجون أن لا يكون صادقًا، ولكنها إرادة الله وقضاؤه ولا راد لما قضاه الله.
نُقل جثمان أحمد جمال في طائرة خاصة بأمر من خادم الحرمين الشريفين، ووصل إلى مكة مساء يوم التاسع من ذي الحجة ١٤١٣، وصُلي عليه في المسجد الحرام بعد صلاة الفجر، ودفن في مقبرة المعلاة.
فإلى رحمة الله وعفوه. وإلى رحاب جناته، أنه سميع مجيب.
* * *
стр. 1164
أحمد عبد الغفور عطار
стр. 1165
أحمد عبد الغفور عطار
стр. 1166
أحمَد عبَد الغفُور عطار
أسمر اللون، شديد السمرة، نحيل البدن، متوسط القامة، واسع العينين يضع على عينيه نظارة سوداء بعد أن كبرت سنه وقصر نظره يرتدي ملابس بيضاء ويضع على رأسه غترة وعقالًا.
ولد بمكة المكرمة سنة ١٣٣٧ هـ، وتلقى دراسته بها، وتخرج من المعهد العلمي السعودي بمكة، وابتعث إلى مصر للدراسة، ولكنه لم يتمَّ دراسته في مصر وأعيد إلى مكة المكرمة، على أثر وشاية وشيت عنه وسجن في مكة، ثم نفي إلى الرياض وسجن في سجن المصمك لعدة شهور، وقد ألف العطار كتابًا عن هذه الواقعة سماه "بين السجن والمنفى" سأتحدث عنه فيما بعد.
استقر به المقام في مكة المكرمة وعمل موظفًا في الوظائف الحكومية لعدة سنوات، أذكر منها وظيفته في إدارة الأمن العام.
ولكن العطار الذي عشق البحث والكتابة، والذي حكمت عليه الأيام بالابتعاد عن الدراسة الأكاديمية المنتظمة لم يثنه ذلك عن مواصلة البحث والدرس، والكتابة والتأليف فاستقال من الوظائف الحكومية وفرَّغ نفسه للبحث والتأليف فألَّف ما يقرب من مائة كتاب.
أول مؤلفات العطار:
ألَّف العطار كتابه الأول وهو مجموعة مقالات سماه "كتابي" وتم طبع هذا الكتاب بمطبعة أم القرى في مكة المكرمة على نفقة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن عبد العزيز - الملك فيصل فيما بعد - وكان الأمير فيصل يعطف على العطار ويشجعه منذ أن كان تلميذًا بالمعهد العلمي السعودي بمكة المكرمة (١).
стр. 1167
ومما أذكره عن هذا الكتاب أن العطار يرحمه الله أوكل أمر توزيعه إلى الشركة العربية للطبع والنشر بمكة المكرمة التي كان الشيخ محمد سرور الصبان يرحمه الله قد أسسها، وكنت أشرف على أعمالها بحكم عملي لديه.
وجاء العطار من مصر، وحضر إلى مكتب الشيخ محمد سرور الصبان يرحمهما الله جميعًا، ورأيته لأول مرة في عام ١٣٥٦ هـ شابًا صغير السن وسأل عن كتابه "كتابي" وكان غاضبًا لأن شركة الطبع والنشر لم تحسن تسويقه كما قال لي إذ ذاك.
وكان الكتاب يفتقر إلى الكثير من مقومات النجاح، فهو أول كتاب ألَّفه العطار وماذا ينتظر من مقالات يكتبها شاب حديث السن في الخامسة عشرة من العمر .. ؟ هل سيقبل الناس على شرائه، وقراءته، ولم يظهر اسم الكاتب بعد، ولم يعرف عنه الاجادة … ؟
قلت له إنك قد حضرت فلْتتولَّ أنت أمر التسويق والنشر.
وأود أن أذكر هنا أن العطار الذي ألَّف الكتب الكثيرة في اللغة بعد ذاك والذي أخرج معجم الصحاح كان كتابه الأول يحتاج إلى تصحيح بعض ما جاء فيه من اللغة والاعراب، وليس ذلك ليعيب العطار، فقد كانت بدايته متحمسة متعجلة ولكنه لم يلبث أن استدرك ما فاته، واستكمل عدته، فكان منه الأديب الضليع لغة وفكرًا وأسلوبا وعلمًا، وبعد هذه المقدمة نذكر ثبت مؤلفاته كما أوردتها جريدة المدينة المنورة بعد وفاته.
أعمال ومؤلفات العطار:
أ - كتب نفدت:
١ - كتابي - مجموعة مقالات، طبع بمطبعة أم القرى بمكة الكرمة حرسها الله سنة ١٣٥٤ هـ الموافقة ١٩٣٤ م.
٢ - محمد بن عبد الوهاب: الطبعة الأولى - القاهرة سنة ١٣٦٢ هـ (١٩٤٣ م)، الطبعة الثانية - القاهرة سنة ١٣٧٦ هـ (١٩٥٦ م)، الطبعة الثالثة - بيروت، سنة ١٣٨٧ هـ (١٩٦٧ م).
٣ - محمد بن عبد الوهاب: (كتاب جديد غير السابق) الطبعة الأولى بيروت ٣٠ ذي الحجة ١٣٩١ هـ (٨ يناير ١٩٧٢ م)، الطبعة الثانية بيروت ٢٠ ذي الحجة ١٣٩١ هـ (٤ فبراير ١٩٧٢ م)، الطبعة الثالثة بيروت ١٠ محرم ١٣٩٢ هـ (٢٤ فبراير ١٩٧٢ م)، الطبعة الرابعة بيروت ٥ رجب ١٣٩٢ هـ (٤ أغسطس ١٩٧٢ م)، الطبعة الخامسة بيروت سنة ١٣٩٤ هـ (١٩٧٤ م).
٤ - محمد بن عبد الوهاب: (باللغة الأردية ترجمة العلامة الشيخ محمد صادق خليل) الطبعة الأولى لاهور (باكستان) ١٣٩٥ هـ (١٩٧٥ م).
стр. 1168
٥ - الهوى والشباب: (ديوان شعر) الطبعة الأولى - القاهرة سنة ١٣٦٥ هـ (١٩٤٧ م).
٦ - الخراج والشرائع: الطبعة الأولى - القاهرة سنة ١٣٦٥ هـ (١٩٤٦ م).
٧ - أريد أن أرى الله (مجموعة قصص) الطبعة الأولى القاهرة سنة ١٣٦٦ هـ (١٩٤٧ م)، الطبعة الثانية بيروت سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
٨ - المقالات: الطبعة الأولى - القاهرة سنة ١٣٦٦ هـ (١٩٤٧ م).
٩ - الهجرة: (مسرحية) الطبعة الأولى - القاهرة سنة ١٣٦٦ هـ (١٩٤٧ م) الطبعة الثانية (ضمن مجموعة بحوث تحت عنوان الهجرة) بيروت ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
١٠ - صقر الجزيرة: (٣ أجزاء) الطبعة الأولى القاهرة سنة ١٣٦٦ هـ (١٩٤٦ م)، الطبعة الثانية جدة سنة ١٣٨٥ هـ (١٩٥٦ م)، الطبعة الثالثة (ثلاثة أجزاء في مجلد واحد) جدة سنة ١٣٨٥ هـ (١٩٦٥ م).
١١ - البيان (نقد أدبي): الطبعة الأولى - القاهرة سنة ١٣٦٩ هـ (١٩٤٩ م).
١٢ - الزنابق الحمر (مسرحية لطاغور، مترجمة عن البنغالية): الطبعة الأولى القاهرة سنة ١٣٧١ هـ (١٩٥١ م).
١٣ - المقدمة (دراسة لمعجم صحاح الإمام الجوهري): الطبعة الأولى (كتبت مقدمة لمعجم " تهذيب الصحاح" للزنجاني)، القاهرة سنة ١٣٧٢ هـ (١٩٥٢ م)، الطبعة الثانية - القاهرة سنة ١٣٧٢ هـ (١٩٥٢ م).
١٤ - قطرة من يراع: الطبعة الأولى - القاهرة سنة ١٣٧٥ هـ (١٩٥٥ م).
١٥ - الصحاح ومدارس المعجمات العربية: الطبعة الأولى - القاهرة سنة ١٣٧٥ هـ (١٩٥٦ م)، الطبعة الثانية (صدرت مع معجم الصحاح للجوهري تحت عنوان "مقدمة الصحاح") في جزء مستقل - القاهرة ١٣٧٧ هـ (١٩٥٧ م)، الطبعة الثالثة - بيروت سنة ١٣٨٦ هـ (١٩٦٦ م)، الطبعة الرابعة مع معجم الصحاح للجوهري، الطبعة الثانية بيروت سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
١٦ - مقصورة ابن دريد (بحث تاريخي أدبي): الطبعة الأولى - القاهرة سنة ١٣٧٦ هـ (١٩٥٦ م).
١٧ - الإسلام والشيوعية: الطبعة الأولى - القاهرة سنة ١٣٧٧ هـ (١٩٥٦ م)، الطبعة الثانية (مزيدة ومنقحة) بيروت سنة ١٣٩١ هـ (١٩٧٢ م).
١٨ - حرب الأكاذيب: الطبعة الأولى - القاهرة سنة ١٣٧٧ هـ (١٩٥٧ م)، الطبعة الثانية نشرت بجريدة "عكاظ" الطائف سنة ١٣٨٠ هـ (١٩٦٠ م) الطبعة الثانية، نشرت في الطبعة الثانية من كتاب الإسلام والشيوعية، بيروت سنة ١٣٩١ هـ (١٩٧٢ م).
١٩ - الفصحى والعامية: الطبعة الأولى القاهرة سنة ١٣٧٧ هـ (١٩٥٧ م).
стр. 1169
٢٠ - عشرون يوما في الصين الوطنية: الطبعة الأولى - تايبيه (الصين الوطنية) سنة ١٣٨٣ هـ (١٩٦٣ م).
٢١ - الشرعية لا القانون: الطبعة الأولى جدة سنة ١٣٨٤ هـ (١٩٦٤ م).
٢٢ - الإسلام طريقتا إلى الحياة: الطبعة الأولى جدة سنة ١٣٨٤ هـ (١٩٦٤ م).
٢٣ - آراء في اللغة: الطبعة الأولى جدة سنة ١٣٨٤ هـ (١٩٦٤ م).
٢٤ - كلام في الأدب: الطبعة الأولى جدة سنة ١٣٨٤ هـ (١٩٦٤ م).
٢٥ - المفتش: (مسرحية لنقولا جوجول) الطبعة الأولى دمشق ١٣٨٥ هـ (١٩٦٥ م)، الطبعة الثانية بيروت سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
٢٦ - الزحف على لغة القرآن: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٨٥ هـ (١٩٦٦ م).
٢٧ - الإسلام خاتم الأديان: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٨٦ هـ (١٩٦٦ م).
٢٨ - إنسانية الإسلام: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٨٦ هـ (١٩٦٦ م).
٢٩ - اليهودية والصهيونية: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩١ هـ (١٩٧٢ م).
٣٠ - صقر الجزيرة ٧ أجزاء: (وهو غير الكتاب السابق) الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٢ هـ (١٩٧٤ م).
٣١ - ابن سعود وقضية فلسطين: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٤ هـ (١٩٧٤ م).
٣٢ - الشيوعية وليدة الصهيونية: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٤ هـ (١٩٧٤ م).
٣٣ - الماسونية: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٤ هـ (١٩٧٤ م).
٣٤ - عروبة فلسطين والقدس أصيلة منذ عشرات الآلاف من السنين - والهيكل لم يكن مقدسًا عند سليمان واليهود: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٤ هـ (١٩٧٤ م).
٣٥ - حِجَّة النبي ﷺ : الطبعة الأولى دمشق سنة ١٣٩٦ هـ (١٩٧٦ م).
٣٦ - مؤامرة الصهيونية على العالم: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٦ هـ (١٩٧٦ م) الطبعة الثانية (خاصة بوزارة المعارف بالمملكة العربية السعودية) بيروت ١٣٩١ هـ (١٩٧٢ م)، الطبعة الثالثة بيروت سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
٣٧ - بروتوكولات صهيون (مترجم): الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٦ هـ (١٩٧٦ م) الطبعة الثانية بيروت سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
ب - كتب محققة نفذت:
٣٨ - تهذيب الصحاح: (معجم لغوي) تأليف الامام الزنجاني ٣ أجزاء بالاشتراك مع الأستاذ/ عبد السلام هارون - الطبعة الأولى القاهرة سنة ١٣٧٢ هـ (١٩٥٢ م).
٣٩ - مقدمة تهذيب اللغة: للامام الأزهري - الطبعة الأولى القاهرة سنة ١٣٧٦ هـ (١٩٥٦ م).
стр. 1170
٤٠ - ليس في كلام العرب: للإمام ابن خالوية - الطبعة الأولى القاهرة سنة ١٣٨٦ هـ (١٩٥٦ م).
٤١ - آداب المتعلمين ورسائل أخرى في التربية الإسلامية لابن خلدون وغيره - الطبعة الأولى القاهرة سنة ١٣٧٦ هـ (١٩٥٦ م)، الطبعة الثانية بيروت سنة ١٣٨٦ هـ (١٩٦٦ م).
٤٢ - الصحاح: للامام الجوهري ٧ أجزاء (منها المقدمة) الطبعة الأولى القاهرة سنة ١٣٧٧ هـ (١٩٥٧ م) الطبعة الثانية بيروت ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
ج - كتب مترجمة للمؤلف، طبعت حديثًا:
٤٣ - محمد بن عبد الوهاب: باللغة الانكليزية، ترجمة الدكتور راشد البراوي، الطبعة الأولى مكة المكرمة سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
٤٤ - محمد بن عبد الوهاب باللغة الأردية: ترجمة الشيخ/ محمد خليل صادق الطبعة الثانية مكة المكرمة سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
٤٥ - إنسانية الإسلام: باللغة الانكليزية - الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
د - كتب صدرت حديثًا: ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م):
٤٦ - الكعبة والكسوة منذ أربعة آلاف سنة حتى اليوم: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٧ هـ (١٩٧٧ م) الطبعة الثانية بيروت سنة ١٣٩٨ هـ (١٩٧٨ م).
٤٧ - أحكام الحج والعمرة من حجة النبي وعمراته: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٧ هـ (١٩٧٧ م).
٤٨ - الحجاب والسفور: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
٤٩ - وفاء الفقه الإسلامي بحاجات هذا العمر وكل عصر: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
٥٠ - وفاء اللغة العربية بحاجات هذا العمر وكل عصر: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
٥١ - دفاع عن الفصحى: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
٥٢ - الهجرة: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
٥٣ - الهجرة (مسرحية): الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
٥٤ - جحا يستقبل نفسه: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
٥٥ - ويْلَك آمِنْ (نقد لبعض آراء الشيخ ناصر الدين الألباني): الطبعة الأولى بيروت سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م).
стр. 1171
٥٦ - شرح مقصورة ابن دريد، لابن هشام اللخمي (تحقيق): الطبعة الأولى بيروت سنة ١٤٠٠ هـ (١٩٨٠ م).
٥٧ - الشيوعية والإسلام: الطبعة الثانية بيروت سنة ١٤٠٠ هـ (١٩٨٠ م).
٥٨ - اليهودية والصهيونية: الطبعة الثانية بيروت سنة ١٤٠٠ هـ (١٩٨٠ م).
٥٩ - الشيوعية خلاصة كل ضروب الكفر والموبقات والشرور والعاهات: الطبعة الأولى بيروت ١٤٠٠ هـ (١٩٨٠ م).
٦٠ - الإسلام دين خاص أم عام: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٤٠٠ هـ (١٩٨٠ م).
٦١ - انحسار تطبيق الشريعة في أقطار العروبة والإسلام: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٤٠٠ هـ (١٩٨٠ م).
٦٢ - الجوهري: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٤٥٠ هـ (١٩٨٠ م).
٦٣ - أصلح الأديان للبشرية عقيدة وشريعة: الطبعة الأولى بيروت سنة ١٤٠٠ هـ (١٩٨٠ م).
٦٤ - عروبة فلسطين والقدس: الطبعة الثانية مزيدة ومحققة بيروت سنة ١٤٥٠ هـ (١٩٨٠ م).
٦٥ - إنسانية الإسلام: طبعة ثانية بيروت ١٤٠٠ هـ (١٩٨٠ م).
٦٦ - ليس في كلام العرب: الطبعة الثانية مزيدة ومحققة ومفهرسة بيروت سنة ١٤٠٠ هـ (١٩٨٠ م).
٦٧ - الديانات والعقائد في مختلف العصور: أربعة أجزاء في أربعة مجلدات - الطبعة الأولى بيروت سنة ١٤٠٠ هـ (١٩٨٠ م).
هـ - كتب أعيد طبعها:
١ - حجة النبي ﷺ : الطبعة الثانية دمشق سنة ١٣٩٦ هـ (١٩٧٦ م).
٢ - صقر الجزيرة ٧ أجزاء: الطبعة الثانية بيروت سنة ١٣٩٧ هـ (١٩٧٧ م).
٣ - محمد بن عبد الوهاب: الطبعة الخامسة بيروت سنة ١٣٩٧ هـ (١٩٧٧ م)، الطبعة السادسة بيروت سنة ١٣٩٧ هـ (١٩٧٧ م)، الطبعة السابعة بيروت سنة ١٣٩٧ هـ (١٩٧٧ م).
و- كتب معدة للطبع:
١ - المكتبات.
٢ - فيصل.
٣ - مئة كلمة.
стр. 1172
٤ - لا أؤمن بالاشتراكية لأني أؤمن بالإسلام.
٥ - مع الكتب والمؤلفين.
٦ - الأسرة.
٧ - نقد كتاب "كشف الظنون".
٨ - مذكرات لارا.
٩ - قال بيديا.
١٠ - خمس دقائق قبل الفطور.
١١ - وراء القضبان.
١٢ - ورود من كلام.
١٣ - العقاد.
١٤ - مسلمة في سيبيريا.
١٥ - مع الملوك والرؤساء.
١٦ - الأدب الضاحك.
١٧ - الرحلات.
١٨ - عائشة أم المؤمنين.
١٩ - في اللغة.
ز - كتب محققة للطبع:
٢٠ - الأزمنة، لقطرب.
٢١ - ما اتفق لفظه واختلف معناه، لابن العميثل.
٢٢ - كشف الظنون، لحاجي خليفة.
٢٣ - مجموعة المعاني (مختارات شعرية) طبعة الجوائب.
وقد استلفت نظري أن العطار أعاد تأليف بعض كتبه بمعنى أنه لم يكتف بتأليف الكتاب لأول مرة، وإنما أعاد تأليفه مرة أخرى وينطبق هذا على كتابه محمد بن عبد الوهاب الذي صدرت طبعته الأولى بالقاهرة سنة ١٣٦٢ هـ الموافقة لسنة ١٩٤٣ م.
فقد أعاد كتابته أو تأليفه مرة أخرى في سنة ١٣٩١ هـ الموافقة لسنة ١٩٧٢ م أي بعد ثلاثين سنة من تأليف الكتاب لأول مرة.
وكذلك الأمر بالنسبة لكتابه صقر الجزيرة الذي صدرت طبعته الأولى في القاهرة سنة ١٣٦٦ هـ الموافقة لسنة ١٩٤٦ م فقد أعاد تأليفه مرة أخرى وصدرت طبعته الأولى سنة
стр. 1173
١٣٩٢ هـ الموافقة لسنة ١٩٧٢ م أي بعد أكثر من ربع قرن من تأليفه لأول مرة ويقول العطار في مقدمة الطبعة الأولى لكتابه الجديد ما يلي:
هذه الطبعة تختلف عن الطبعات السابقة، فهي تمتاز عليهن بالتنقيح والزيادة والصور التاريخية، ومن بينها صور لم يسبق نشرها في أي مؤلف عن صقر الجزيرة (١) والإضافات والتنقيح للمؤلفات حين إعادة طبعها أمر معروف للمؤلفين والقراء خاصة إذا مضى على تأليف الكتاب عشرات السنين. واطلع المؤلف على جديد تحسن اضافته إلى ما كتبه أول مرة، فسجَّله ليضاف في الطبعة الجديدة.
على أي حال فإن إعادة التأليف أو إعادة النظر على الأصح في الكتاب بعد تأليفه وإضافة ما يستحق الإضافة إليه يدل على أن المؤلف كان دائم البحث في المواضيع التي يتوفر على كتابتها وبحثها.
هذه ملاحظات عابرة رأيت أن أذكرها ونحن أمام هذه المكتبة التي خلفها العطار من المؤلفات والتي يمكن تقسيمها إلى:
١ - كتب إسلامية تدافع عن الإسلام ضد أضاليل العصر وأكبر هذه الضلالات الشيوعية التي أكرم الله تعالى العالم كله بمشاهدة انهيارها وفضح أكاذيبها بعد أن احتلت العالم إلا القليل حوالي السبعين عامًا، وللعطار في هذا المجال عشرون كتابًا.
٢ - كتب في اللغة تشتمل على تحقيق المعاجم، وتبويبها وكتابة المقدمات لها، والدفاع عن اللغة العربية وصلاحيتها لكل عصر، وللعطار في هذا المجال ستة عشر كتابًا.
٣ - كتب أدبية تشمل المقالات والشعر والقصة والنقد والمسرحيات وللعطار في هذا المجال سبعة عشر كتابًا.
٤ - الصهيونية واليهود ومؤامراتهم وبروتوكلاتهم، وهي مشكلة الأمة العربية في هذا القرن، وللعطار في هذا المجال أربع مؤلفات.
٥ - التراجم وللعطار فيها خمس كتب.
وهكذا نرى العطار لم يترك مجالًا من المجالات إلا وشارك فيه بقلمه وبحثه وعلمه فخلَّف للناس مكتبة شاملة تضم الكثير من فنون العلم والأدب والتاريخ والدين.
ولإكمال ثبت مؤلفات العطار أذكرها هنا كتابين أهداهما إليَّ يرحمه الله قبل وفاته ولم أجدهما ضمن ما نشرته المدينة وهما بين السجن والمنفى وقد صدر في مكة المكرمة سنة ١٤٥١ هـ الموافقة لسنة ١٩٨١ م، ومحمد رسول الله تحاربه قوى الشر والتخريب، وقد صدر في عمان سنة ١٤٠٨ هـ الموافقة لسنة ١٩٨٨ م وأشرفت على طباعته وتصحيحه وإخراجه زوجته مزين
стр. 1174
خالد حقي بعد أن تأثر نظر العطار بعد إصابته بالجلطة وفقد نظره إلى أن أكرمه الله بالشفاء جزئيًا من هذه الإصابة، وكانت زوجته تعني به وتقرأ له الصحف والكتب، ويملي عليها ما يريد كتابته (١).
هذا هو العطار الكاتب المؤلف اللغوي المؤرخ، الذي تفرَّغ للبحث والدرس والكتابة والتأليف والنشر فترك وراءه مكتبة حافلة في شتى العلوم والفنون والأدب.
جائزة الدولة التقديرية:
وقد منح العطار جائزة الدولة التقديرية في سنة ١٤٠٤ هـ (٢) وهو يستحقها بكل جدارة وقد تبرع العطار يرحمه الله بقيمة الجائزة في السنة التي منحها فيها للمجاهدين الأفغان وكانت حرب تحرير أفغانستان قائمة على أشدها إذ ذاك.
العطار الصحفي:
أسس العطار جريدة عكاظ سنة ١٣٧٩، وحينما تحولت الصحف إلى مؤسسات انشئت مؤسسة عكاظ للصحافة وهي من أنشط الصحف اليومية، تصْدرُ جريدة عكاظ باللغة العربية وسعودي جازيت باللغة الإنجليزية، وتعتبر جريدة عكاظ من أكثر الصحف اليومية توزيعًا، ولها قراء كثيرون.
وإلى جانب جريدة عكاظ أسس العطار مجلة كلمة الحق الإسلامية التي أصدرها سنة ١٣٨٦ هـ (٣).
ويبدو أن هذه المجلة لم تستمر طويلا، ولا أعرف شيئا عن أسباب توقفها والمدة التي استمر صدورها.
العطار الشاعر:
وللعطار ديوان شعر وحيد سماه الهوى والشباب ظهرت طبعته الأولى سنة ١٣٦٢ هـ وقدمه الدكتور طه حسين بمقدمة أثنى فيها على الديوان قال فيها:
وجدت في شعرك من رصانة اللفظ وعمق المعنى، وعذوبة الموسيقى، وحسن الانسجام وحرارة العاطفة وصدق الشعور ما أذكرني عهودًا لم أنسها، ولن أنسها بل لم أفارقها ولن أفارقها لأنها قوام الحياة الأدبية لكل أدب عربي، وهي عهود الشعر الحجازي حين كان غض الشباب خصبًا من جميع نواحيه (٤).
стр. 1175
وأعاد العطار طبع ديوانه هذا سنة ١٤٠٠ هـ الموافقة لسنة ١٩٨٠ م، ولكن العطار انقطع عن الشعر مشتغلًا بالتآليف الكثيرة والمباحث المتنوعة التي ملأت أيامه ولياليه.
صلة العطار بأدباء عصره:
كان للعطار يرحمه الله نشاط عظيم في الاتصال بالأدباء الكبار في مصر، ومن أبرز هذه الاتصالات صلته بالعقاد التي سنتحدث عنها بعد، وقد أثمرت صلاته هذه أعمالًا أدبية فاشترك مع الأستاذ/ محمد عبد السلام محمد هارون في إخراج تهذيب الصحاح للزنجاني وكتب له العطار مقدمة ضافية، وقام بطبعه ونشره معالي الشيخ محمد سرور الصبان يرحمه الله، وإذا كانت صلة العطار بأدباء عصره أنتجت عملًا أدبيًا ولغويًا نافعًا، فإن بعض هذه الصلات أوصله إلى السجن.
فقد كان على صلة بالكاتب المصري المسيحي سلامة موسى، واتهم العطار بسبب هذه الصلة وما يشبهها بأنه ينشر دعايات ضارة ضد المملكة وحكومتها، وسجن بسبب ذلك وأبعد عن البعثة السعودية في مصر وحرم من التعليم الجامعي، وكتب العطار في آخر سنى حياته كتابًا عن هذه الواقعة سماه بين السجن والمنفى، وهو من أمتع الكتب بما يحويه من عفوية وبساطة وسلاسةفي الأسلوب.
صلة العطار بالعقاد:
كانت صلة الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار - يرحمه الله - بالكاتب والأديب العبقري الكبير الأستاذ/ عباس محمود العقاد صلة حميمة بلغت حدَّ أنهما اشتركا في تأليف كتاب اسمه "الشيوعية والإسلام" صدرت طبعته الأولى سنة ١٣٧٦ هـ الموافقة لسنة ١٩٥٦ م وطبع مرة ثانية سنة ١٣٩٢ هـ الموافقة لسنة ١٩٧٢ م.
ولا أريد أن أتعرض لحقيقة الأمر في هذا الكتاب وهل شارك الأستاذ/ الكبير عباس محمود العقاد في تأليفه مع الأستاذ/ العطار، أم أنه وضع اسمه على غلاف الكتاب من قبيل المجاملة التي تقتضيها الصداقة الحميمة بينه وبين العطار ولكن قبول العقاد بوضع اسمه على الكتاب مع العطار هو أعظم دليل على صلة الطرفين وعلى ما يكنُّه كلٌّ منهما للآخر من مودة وتقدير.
وقد حدثني العطار - يرحمه الله - كيف بدأت صلته بالعقاد قال:
بعد وفاة زعيم مصر الكبير سعد زغلول - يرحمه الله - أصدر العقاد كتابه المعروف عن سعد زغلول في سنة ١٩٣٦ الموافقة لسنة ١٣٥٥ هـ.
كان العقاد من الكتاب المقربين إلى الزعيم الراحل، وكان يحظى منه بالتأييد وكان
стр. 1176
إعجاب سعد بالعقاد كبيرًا حتى لقبه بالكاتب الجبار، وقد أشار العقاد إلى هذه التسمية في رثائه لسعد حيث يقول في قصيدة طويلة مطلعها:
أمضت بعد الرئيس الأربعون … كيف بالله إذًا تمضي السنون
ويخاطب العقاد سعدًا فيقول:
أنا جَبَّارُكَ لا تعهدني … ذلك الجبار في الدمع السخين
أصدر العقاد كتابه في الوقت الذي ثار الخلاف بين زعيم مصر مصطفى النحاس باشا، وبعض أعضاء الوفد بزعامة الدكتور أحمد ماهر والنقراشي باشا، وانضم العقاد إلى المنشقين على النحاس والذين ألفوا فيما بعد حزبًا جديدًا سموه الحزب السعدي نسبة إلى اسم الزعيم سعد زغلول.
وفي الوقت الذي كان يأمل فيه العقاد أن يتخاطف الناس كتابه عن سعد زغلول، كان العداء بينه وبين النحاس باشا وأعضاء الوفد قد استشرى فأثر هذا العداء على الكتاب، وربما امتنع الكثيرون من أعضاء الوفد وأشياعهم عن شراء الكتاب خشية إغضاب النحاس باشا.
في هذا الوقت بالذات وصل العطار إلى مصر وزار العقاد في بيته وعرف الموقف بالنسبة للكتاب، والحالة النفسية التي يتعرض لها العقاد بسبب الخصومة مع النحاس باشا.
يقول العطار:
خرجت من منزل العقاد وذهبت لزيارة الشيخ عبد الله السليمان الحمدان وزير المالية السعودية الأسبق الذي كان يزور مصر وذكرت لمعاليه أن الأستاذ/ عباس محمود العقاد قد أصدر كتابا قيِّمًا عن زعيم مصر الراحل سعد باشا زغلول، ولم يخرج العطار من مجلس الشيخ عبد الله السليمان إلا وفي يده مبلغًا لعله مائتي جنيه مصري وكان الجنيه في ذلك الزمان جنيهًا ورجع إلى العقاد ليسلمه المبلغ ويخبره أن الشيخ عبد الله السليمان الوزير السعودي يقدمها لشراء كمية رمزية من كتاب سعد زغلول وسُرَّ العقاد كثيرًا بهذه البادرة التي قام بها العطار، فأثَّرتْ في نفسه أعظم تأثير، وكانت هي البداية للصداقة الحميمة بين الرجلين.
العطار ينتصر للعقاد:
ولقد كان إعجاب العطار بالعقاد عظيمًا إلى حدِّ أنه كاد أن يحرج الشيخ محمد سرور الصبان مع الدكتور طه حسين بسبب انتصاره للعقاد ضد طه حسين، وتفصيل الموضوع أن معالي الشيخ محمد سرور الصبان يرحمه الله أقام في منزله بمكة المكرمة حفلًا لتكريم الدكتور طه حسين الذي حضر للزيارة أو للحج في ذلك العام، ودعى لهذا الحفل علماء المملكة وأدباءها وكثيرًا من الحجاج الزائرين للبلاد المقدسة.
стр. 1177
وخطب الخطباء في الحفل معبرين عن شعورهم بلقاء الأديب الكبير أو عميد الأدب العربي كما كان يسمى يرحمه الله، وقام العطار لا ليذكر محاسن المحتفى به، وإنما ليدلي برأيه في الخصام الذي كان مستعرًا في ذلك الوقت بين العقاد وطه حسين وكانت مجلة الرسالة تنشر للأديبين الكبيرين مقالاتهما النارية ضد بعضهما البعض وكان عنوان هذه المقالات "لاتينيون وسكسونيون" واللاتينيون هم الذين درسوا في فرنسا وطلبوا العلم في جامعاتها، فاتسمت ثقافتهم بهذا الطابع الفرنسي الذي عبر عنه باللاتينية والذي كان يمثله الدكتور طه حسين يرحمه الله، أما العقاد فقد كان يتقن اللغة الإنجليزية وقد قرأ الكثير من مؤلفات الشعراء والعلماء والأدباء والمؤرخين بهذه اللغة "السكسونية" فنسب إليها في هذا الخصام بينه وبين طه حسين باعتباره يمثل الطرف السكسوني أو الانجليزي بحكم ثقافته في هذه اللغة.
كنت أنا والأستاذ/ محمد حسين زيدان نجلس إلى مائدة واحدة في حديقة منزل الشيخ محمد سرور الصبان يرحمه الله حينما قام العطار وألقى خطابه المكتوب ينتصر للعقاد ضد طه حسين، وشعرنا أنا والزيدان بالحرج مما فعله العطار، ولعل الشيخ محمد سرور الصبان شعر بحرج أكثر، ولكن طه حسين يرحمه الله لم يلبث أن نهض للرد على كلمات الخطباء وخصص الجزء الأكبر من خطابه للرد على كلمة العطار، وكان الرد بليغًا، وقد كتب محمد حسين زيدان يرحمه الله في اليوم التالي في جريدة البلاد السعودية يصف الموقف ويلوم العطار على فعلته، لأن المقام لم يكن ليسمح له بفعل ما فعل.
أردت من سرد هذه الحادثة أن أذكر أن العطار كان في إعجابه بالعقاد قد ذهب بعيدًا حتى سمح لنفسه بالاقدام على نقد طه حسين في حفل أقيم لتكريمه في مكة المكرمة بعيدًا عن مصر وعن العقاد وفي موقف هو موقف التكريم والاشادة.
الأيام الأخيرة في حياة العطار:
مرض العطار وانتقل إلى جدة وعصر يوم من الأيام اتصل بي يرحمه الله وسألني عن تسمية الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ بذي النورين، فأحلته إلى كتابي "عثمان بن عفان ذو النورين"، وكنت أهديته إليه حين صدوره كما أفعل بجميع مؤلفاتي، ويفعل هو يرحمه الله باهدائي مؤلفاته حين صدورها، ورأيت أن أرسل إليه الكتاب مع بعض كتبي الأخرى، وسألته عن محل اقامته لأرسل إليه الكتب ولأقوم بزيارته، وتفضلت زوجته الفاضلة باخباري عن العنوان، وأرسلت إليه كتاب عثمان بن عفان ومجموعة من كتبي الأخرى، وبعث إليَّ مع الرسول بعض آخر مؤلفاته مسجلا اهداءه عليها بخطه الجميل، وكان يتقن الخط كما يتقن فنون كثيرة أخرى مضمنًا الاهداء مشاعره الكريمة وجميل تقديره.
стр. 1178
وكنت على عزم الذهاب لزيارته في جدة حينما اتصلت بي صحيفة البلاد ونعته إليَّ يرحمه الله، فقد توفي إلى رحمة الله تعالى يوم الجمعة ١٧ رجب ١٤١١ هـ عن عمر يناهز الرابعة والسبعين عاما تغمده الله برحمته الواسعة، وأسكنه فسيح جناته.
وأرجو أن يوفق الله تعالى أبناء الفقيد إلى طبع ما ترك من الكتب المخطوطة وفاءًا بحقه وتكريمًا لذكراه، والله ولي التوفيق.
стр. 1179
حسين بن علي سرحان
стр. 1180
حسين بن علي سرحان
стр. 1181
حسين بن عَلي سَرحان
بدوي الطلعة، أصفر الوجه، نحيف البدن، كبير الرأس، أقرب إلى القصر منه إلى الطول، حليق اللحية والشارب والعارضين، تبدو في وجهه سيماء الشموخ، وليس هو بالمتعالي ولكنه لا يحفل بما تعارف عليه الناس من احتفاء بالمظاهر، وإكبار للمناصب فهو يعيش في دنيا خاصة من أفكاره.
ولد بمكة المكرمة سنة ١٣٣٤ هـ أو سنة ١٣٣٢ هـ على اختلاف بين الروايتين.
وتلقَّى تعليمه الابتدائي في الكتاتيب في المعابدة، ثم انتقل للدراسة في المسجد الحرام على يد الشيخ محمد العلي التركي، فمكث عدة أشهر يتلقى عنه دروسه في الفقه والتفسير والفرائض، وبعض علوم اللغة العربية، ثم أشار عليه الشيخ التركي بالانتظام في مدرسة الفلاح، فالتحق بها، وبقي بها لمدة عام ونصف العام من عام ١٣٤٨ - ١٣٤٩ هـ، وترك المدرسة وهو في الصف السابع الابتدائي دون أن يحصل على الشهادة الابتدائية (١).
قرأ حسين سرحان الكثير من أمهات الكتب العربية شعرًا ونثرًا، وقد استقبلني في بيته بمكة في محلة المعابدة في مجلس تكتظ رفوفه بالكتب، فأدركت لأول وهلة أن حسين سرحان أديب يستمد ثقافته من منابع الأدب العربي الأصيل، وكان هذا اللقاء في أواخر الخمسينات وهو في الرابعة والعشرين من العمر، وكان إلى جانب هذا وذاك يطالع الصحف ويقرأ أحدث ما تخرجه المطابع من مؤلفات أدباء العصر، فكان يجمع في ثقافته بين قديم الأدب وحديثه (٢). وكان للبيئة التي يعيش فيها تأثيرها في تكوين شخصيته فهو كما جاء في التعريف به في آخر مؤلفاته ينتسب إلى قبيلة الروسان من المراوحة من طفيح من برقا من عتيبة من هوازن (٣).
стр. 1182
وكان أبوه علي بن سرحان من حاشية سمو الأمير فيصل بن عبد العزيز النائب العام لوالده الملك عبد العزيز في الحجاز "ملك المملكة العربية السعودية "فيما بعد، وكان يسكن في محلة المعابدة، وهي محلة بظاهر مكة المكرمة تتميز بالسمات البدوية لسكانها الذين يأخذون بأسباب الحضارة ومظاهرها، ويحتفظون في نفس الوقت بإباء البادية وخشونتها.
نشأ حسين سرحان في كنف جده لأمه عبيد الله بن سرحان لأن والده كان يعيش في نجد، وكان جده عمدة لمحلة المعابدة، وكان في نفس الوقت يَتَّجَرَ في الماشية وله أغنام يشرف على رعيها وبيعها، ونشأ الشاعر في هذه البيئة البدوية فمارس في صباه ما كان يمارس جده وتمارسه القبيلة من رعي الأغنام والاتجار فيها بيعًا وشراءًا، وكان جده ينتجع الرصيفة وهي في الجنوب الغربي لمكة، فيقضي مع أصته ومن يلوذ بهم شهورًا عديدة يصِّيفون بها، وقد استمر يحيا هذه الحياة البدوية إلى ما قبل البلوغ بقليل (١).
وقد وصف حسين سرحان نفسه أصدق وصف في هذا البيت:
بدوي طبعٍ عنجهيُّ سليقةٍ … وكأنني منْ قد نماه مُكدِّمُ (٢)
عاش حسين سرحان في بحبوحة من العيش في ظل جده، فلم يبحث عن وظيفة يعيش منها أو يعين أهله بما تدره عليه، كما كان الحال بالنسبة لكثير من أترابه وزملائه في ذلك الزمان.
ووجد الوقت أمامه فسيحًا للقراءة والاطلاع، والتفرغ للشعر والأدب.
كان أبوه من حاشية النائب العام الأمير فيصل بن عبد العزيز الذين يطلق عليهم مسمى - الخويا - وحينما شب ابنه حسين التحق بالحاشية وأصبح من الخويا، واستمر على هذه الصفة فيما بعد، وكان من مقتضيات الخويا إجادة الرماية، وحمل السلاح خاصة في الأوقات التي يرافقون فيها الأمير في رحلاته، ورافق حسين سرحان سمو الأمير فيصل في رحلات متعددة إلى ليَّة ثم إلى الخرجة، والى العتمة (٣).
وفي عام ١٣٦٢ وحسين سرحان في الثلاثين من العمر التحق بأول عمل رسمي له فقد دعاه الشيخ عبد الله السعد ليعمل في فرع مصلحة اللوازم العامة بالطائف، ولم يكن راغبًا في الوظيفة، ولكنه وقد رأى نفسه يبلغ الثلاثين من العمر دون ارتباط بعمل يدر عليه دخلا، قبل العمل الذي عرض عليه، وقد وصف شعوره بعد ارتباطه بالوظيفة في قصيدة عنوانها "الموظف الجديد" سنتحدث عنها حينما نتحدث عن أبواب الشعر في دواوين حسين
стр. 1183
سرحان، ومن هذه القصيدة نعرف أنه انتظم في سلك الوظائف مكرهًا ولم تكن الوظيفة صالحة له، ولم يكن هو بحكم طباعه، وما درج عليه في حياته صالحًا لها، ولكنه اضطر إليها.
ومن اللوازم العامة انتقل إلى الإدارة العامة بوزارة المالية بوظيفة سكرتير في سنة ١٣٧٠ هـ، وربما كان لصفته الأدبية دخل في اختياره هذا العمل، وبعد العمل في وزارة المالية انتقل إلى إدارة شؤون الحج، ولعلَّ لصداقته بالأستاذ الشاعر أحمد قنديل يرحمه الله أثر في هذا الانتقال، فقد كان القنديل مديرًا لإدارة شؤون الحج، وحينما انتقل من إدارة الحج إلى عمل آخر وجه لصديقه القنديل قصيدة فيها دعابة.
ثم انتقل إلى مشروع توسعة الحرم المكي الشريف ثم عمل بعد ذلك في مطبعة الحكومة، ثم استقال أخيرًا وآوى إلى الراحة (١).
لم يحقق حسين سرحان في عمله الوظيفي ما كان خليقًا بمثله أن يحققه، من علو مركز أو نباهة ذكر وخفض عيش، فلم يكن مهيئًا للعمل الوظيفي، ولم تكن طموحاته في مجاله، فبقي في الوظائف الكتابية التي لم يبلغ مرتبها الشهري الألفي ريال حتى أحيل إلى التقاعد، وكان راتبه التقاعدي أقل من هذا.
يقول صديقه العلامة الشيخ/ حمد الجاسر:
ولولا نظرة كريمة من أولي الأمر نحو حالته لعاش عيشة فقر وبؤس فقد أكرموه أكرمهم الله بزيادة راتبه التقاعدي وبقضاء ديْنٍ لحقه حين بنى بيتًا (٢).
إلى جانب العمل الحكومي كان لحسين سرحان حضور واضح في الصحافة: كان ينشر قصائده الشعرية في جريدة أم القرى منذ عام ١٣٤٩ هـ.
وحينما ظهرت صحيفة صوت الحجاز سنة ١٣٥١ هـ كان ينشر فيها القصائد والمقالات واستمرَّ في نشر انتاجه الأدبي بها بعد أن أصبح اسمها البلاد السعودية، وقد اشترك في تحرير هذه الصحيفة حينما كان يرأس تحريرها الأستاذ/ عبد الله عريف يرحمه الله، كما أشرف على الصفحة الأدبية في نفس الجريدة بعد أن صار اسمها البلاد، وكان ينشر انتاجه الأدبي في الصحف الأخرى عكاظ، والمدينة، والندوة، والمنهل، وقريش (٣).
وفي الآونة الأخيرة كان ينشر مقالات قصيرة في جريدة الرياض (٤).
ولابد أن يكون هذا النشر بإلحاح من أصدقائه، لأنه آثر الانزواء التام والبعد عن المجتمع في السنوات الأخيرة، كما يفهم ذلك من أحاديث أصدقائه المقربين.
стр. 1184
هذه هي سيرة حسين سرحان العملية في الحياة، وقد آن لنا أن ننظر في شعره لنقرأ فيه ما أراد هو أن يقوله عن نفسه، فهو أعرف بها من الناس، ولا ينبئك مثل خبير.
مؤلفات حسين سرحان:
أصدر حسين سرحان ثلاثة دواوين شعرية.
- أجنحة بلا ريش طبع الطبعة الأولى سنة ١٣٨٩، والطبعة الثانية سنة ١٣٩٧ هجرية.
- الطائر الجريح.
- الصوت والصدى، طبع سنة ١٤٠٩ هجرية.
- أوزان في الميزان مخطوط.
- مجموعة مقالات أصدرها النادي الأدبي بالرياض.
- الأدب والحرب مجموعة مقالات أصدرها النادي الأدبي بالطائف.
وهناك مجموعة أخرى من المقالات والقصائد يجري اعدادها للطبع.
أول ما يطالعك من ديوانه الأول أجنحة بلا ريش قصيدة عنوانها لا أبتغي إلا التفاتًا.
هذه القصيدة شهدت ميلادها إذا صح هذا التعبير، ولعها من بواكير شعره فإن تاريخها يعود إلى عهد الشباب إلى النصف الثاني من الخمسينات في القرن الرابع عشر الهجري.
كنا جماعة من الشباب نجتمع أصيل كل يوم في محلة قروة بالطائف في الفضاء الفسيح أمام القشلة - الثكنة العسكرية في الطائف - وكان حسين سرحان عضوًا في هذه الجماعة، وكانوا جميعًا من أدباء الشباب، وكانت أحلام الشباب وآماله تتدفق في مشاعرهم، وتجري على ألسنتهم.
وذات مساء دعوت حسين سرحان يرحمه الله إلى منزلي، وتحدَّثنا، وقرأ عليَّ القصيدة وهي موجهة إلى صاحب السمو الأمير فيصل النائب العام لجلالة والده الملك عبد العزيز في الحجاز يرحمهم الله جميعًا، وأعجبت بالقصيدة، بموسيقيتها المتمثلة في القافية النونية المتبوعة بالهاء، وكأنها رنين الوتر، وبمعانيها الجميلة الأنيقة والتي تبدأ بهذه الأبيات:
يا من أود لو أنني سوط تحركه يمينه
وأود لو أني عقيدته المكينة أو يقينه
وأود لو أني فداه إذ ارسا فيه مكينه
وأود أني ظله أحمي خطاه ولا أدينه
وأود أني سيفه أردي عداه ولا أخونه
ومنها: وأود لو أني الميام له إذا أرقِتْ جفونه
стр. 1185
ومنها: وأود لو أني كتاجٍ زانه فيما يزينه (١)
وقلت: لحسين هل قدمت القصيدة لسمو الأمر فيصل … ؟
قال: لا
قلت: أسرع بتقديمها إليه فإنها قصيدة رائعة وستحلُّ من نفسه محلًا حسنا.
وذهب حسين سرحان وقدَّم القصيدة لسمو الأمير فيصل يرحمه الله وأبدى إعجابه بها وجاء حسين وقصَّ عليَّ القصة، واتفقنا أن نغتم هذه القصة لنتقدم بطلب الإذن لنا بإصدار مجلة أدبية.
وقلت: لحسن تقدم أنت بطلب الإذن فلعل صلتك بسمو الأمير فيصل تجعل له قبولًا.
وتقدم حسين سرحان بالطلب ولكن الإذن لم يصدر.
أذكر هذه القصة بعد أن مضى عليها أكثر من خمسة وخمسين عامًا، وأعود الآن إلى القصيدة لا نفسها التي نظمها حسين سرحان وهو في منتصف العشرينات، فأجد أن هذه القصيدة لا تصدر إلا عن شاعر أسلست له أعنة الشعر قيادها، فتدفقت فيها الصور الشعرية، رائعة وضاءة لتستولي على القارئ بموسيقيتها العذبة الرنين.
وإذا كانت هذه القصيدة التي نظمها في عنفوان شبابه بهذا المستوى من الإبداع والاجادة، فقد كانت مؤشرًا لما سيكون عليه حسين سرحان في دنيا الشعر في قابل الأيام.
ولقد لاحظت أن المبدعين في جميع الفنون تظهر آثار ابداعهم في سن مبكرة فكأن الموهبة تولد مع الإنسان ثم تصقلها الأيام.
وحسين سرحان شاعر يذكرك شعره بالصور الشعرية التي تحفل بها دواوين فحول الشعراء في العصرين الأموي والعباسي.
فقد أكبَّ على قراءة هذه الدواوين، فانطبعت صورها الشعرية الرائعة في ذهنه، وأثرت موسيقيتها في نفسه، ومكَّن لهذا الأمر حياته الشخصية التي تتصل بالصحراء وحياة البادية.
يقول في قصيدة النأي:
قضى الدهر ما بيني وبينك بالذي … قضاه فانآك افتراقُ وانآني
تُيَمِّمُ بي شارةٌ نحو مكة … وسِرْتَ على الخوص النواجي لنجران
فاشْمَلْتَ إذ أجْنَبْتُ يا بُعْدَ فرقد … تحدَّاك طولًا بيننا وتحدَّاني
стр. 1186
فيا بعد مجرى العين عن بئر عسكر … وأين كداءٌ عن سباسب ظهران
إذا أعنقت فيها المطايا تظالعت … وحَنَتْ بارزامٍ مُلحٍّ وَارْنانِ
هذه الصورة للمطابا وهي تَحِنُّ بارزام وأرنان هي صورة لاعرابي فارق حبيبته فسارت شمالًا وسار هو جنوبًا، وهذا البيت الذي يقول فيه:
فاشملت إذ أجنبت يا بعد فرقد … تحداك طولا بيننا وتحداني
هذا البيت يذكرني بصورة مشابهة وردت في شعر عمر بن أبي ربيعة يقول فيها:
أيها المنكح الثريا سهيلا … عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استهلت … وسهيل إذا استهل يماني
وابن أبي ربيعة يكني بنجوم السماء لأن الحبيبة اسمها الثريا.
ومن الصور البدوية التي يحفل بها شعر حسين سرحان قوله في ذكريات هوى:
وثبت وثبة كدري على قُلَلٍ … من الجبال طوال فوق اثباج (١)
أنه هنا ينجو بنفسه هاربًا فيثب كما يثب طائر القطا على قمم الجبال.
ويقول في وصف النيل:
والنيل باركه الآله … اشمَّ مَطَّرِدُ القوام
أن مرَّ سبْقا كالجوا … دوان تلألأ كالحسام (٢)
ووصف النيل بالجواد الأشم في جريانه، وبالحسام في تلألئه ولمعانه من أجمل ما توصف به الأنهار والبحار، ولكنها صور بدوية تبدعها مخيلة فارس بدوي شاعر.
وأمثال هذه الصور كثيرة، ولسنا هنا في مجال الاستقصاء، وإنما نقدم المثل لإيضاح الصورة.
حسين سرحان الموظف:
وصف حسين سرحان نفسه، وسخر منها بعدما مارس عمله موظفًا في - قلم اللوازمات - التابع لوزارة المالية في الطائف فقال في قصيدته المؤظف الجديد.
أصبحت في قلم اللوازم … كالغلام مُسَخَّرا
قد بعت أربح بيعة … وشريت اغبن مشترى
يسعى الزمان إلى الأمام … وانت تسعى القهقرى
стр. 1187
ومنها:
كنت الطليق تجرُّ ذيلك … فوق مرتفع الذرى
كالبرعم النشوان يأرج … في الصباح منورا
كالبلبل الصداح … يوقظ بالغناء ذوي الكرى
ثم يقول:
ما بال نفسك مُرَّةً … واديم قلبك مقفرا
تهتاج مثل الثور يو … م يرى الرداء الأحمرا
اتراك حين وقعت في … الشرك المعَدِّ مخيرا
أم كنت تسخر بالزمان … وبالمكان وبالورى
ويصف السرحان وصول الرئيس إلى الإدارة:
وإذا جرى الجلواز يوْ … مًا قلت ويحك ما جرى.؟
قال الرئيس أتى … فقمت مهلِّلًا ومكبرا
ونفخت زقا فارغا … ورفعت صوتا منكرا
وضحكت واستنجدت … نابا أسودا أو أصفرا
هذا عقابك ياحسين … صبرت أم لم تصبرا (١)
لقد ذكرت أن حسين سرحان لم يلتحق بالوظيفة إلا بعد أن بلغ الثلاثين من العمر، كان يحيا حياة طليقة من أغلال الوظيفة ومراسمها، يفعل بأيامه ما يشاء دون حسيب أو رقيب، ولابد أنه كان مكفيِّ المؤونة بما يوفره له والده الذي كان من حاشية الأمير فيصل بن عبد العزيز، وكذلك كان هو من الحاشية أو "الخوايا" كما اصطلح على تسميتهم، ولهذا عاش حياة حرة لا تعرف قيود الوظيفة، ولا ما يجب لها من التزام، فلما اضطر إليها أدرك بطبيعته الساخرة، وبما غرس في طبعه الشامس من اعتزاز أنها لا تصلح له ولا يصلح لها، فصوَّر حاله ومشاعره في الوظيفة الجديدة.
وفي تصوري أن حسين سرحان كان مضطرًا إلى دخل ثابت يقيم به شؤون نفسه وأسرته فهو يصف حاله وحال أسرته وهم ينتقلون من دار إلى دار في مقطوعة صغيرة بعنوان ايجار الدار.
دائن جاء يبتغي إيجاره … بعد أن أسبل الدجى أستاره
ومضى العام شَرَّ عامٍ وقد … ذقنا الرزايا في حارةٍ بعد حاره
كل عام يزيد عما مضى في … اجرة الدار كالرياح المثاره
стр. 1188
رب كوخ أركانه مائلات … وهو في سعره كدار سفاره
المئات المئات ماذا؟ أنرمي … الأهل من رأس شاهق أو مناره
أم ترانا نعود كالعرب الرحل … والناس هرولوا للحضاره
بين رسم عفى ونؤي تبدَّى … وبعير شمردل وحماره (١)
وقد وصف حسين سرحان حاله بعد أن قضى عامه الأول في الوظيفة في قصيدة عنوانها "تورطت" يقول فيها:
تورطت فيها بعد طول تمنِّع … وكنت مثال الحازم المترفع
مناصب يرقاها وضيع فيعتلي … بها ويلقاها جهول فيدِّعي
ويحسب أنَّ الناس من طوع أمره … بغلوة سهم أو بمقعد أصبع
وتصقله حتى يكون كيلمع … وتنفخه حتى يظل كلعلع
وتبرز فيه من خفايا غروره … أفانين من بعد الطوى والتسكوع
وبعد هذه الأبيات الذي يصف فيها ما تفعله الوظائف ببعض أربابها يقول عن نفسه:
وما أنا من طلابها أو هواتها … فإن تَلْحَينِّي فالْحَ القضاء اذن معي
دفعت إليها لم تكن لي حيلة … ولا رأيَ فاعذرني وإلا فقرِّع
عبودية شنعاء يمقتهما الفتى … ويفني بقلب عن هواها مشيع
ثم يصف ما كان حاله قبل الوظيفة فيقول:
وقد كنت عنها غانيًا بين مونق … من الكتب اصفيه الوداد ممتع
أحادث فيها الجاحظ الفذ تارة … وآونة اصغي إلى ابن المقفع
فكيف قبلتُ القيد ارسف تحته … بخيلا باحساسي سخيًا بادمعي
وكيف أرى حريتي بعد محبس … مقيت الجنى أبصر به ثم أسمع (٢)
وقد شبه حسين سرحان حاله في الوظيفة بالعيش بين الجن، بل أنه اعتبر أن العيش بين الجن على سوئه وفظاعته أحسن موقعًا من حاله أو عيشه في الوظيفة يقول:
قل للذي جعل الوظيفة همه … وسعى إليها سعى ضيغم غاب
العيش بين الجن آنس موقعا … من زحمة الكُتَّاب والحُسَّاب
هذا يجيئك باحثًا عن نمرةٍ … ويحوم ذاك على رتاج الباب
ويسومك الفرَّاش شرح رسالة … ويرومك الساقي لعرض كتاب
وتظل تحفر باليراع جداولا … ولوائحا سودا بغير حساب
متبرمًا مما يشق على النهى … متلويا من شدة الأكباب
стр. 1189
وترى الرئيس مناوحًا لك قائلا … اشرح وحرر واحتفل بجواب
بيمينه التوقيع يحسب أنه … توقيع قيصر في وغى وغلاب
وإذا أتى الزوار ظلوا برهة … يتلفتون تَلَفُّتَ الهيَّاب
وللقصيدة بقية أبيات وضع الناشر مكانها أصفارًا مما يدل على أن هذه الأبيات مما لا يحسن نشره. (١)
وإذا كان لنا أن نقول كلمة في شأن الوظيفة والشاعر فإن سواد الناس ومنهم الأدباء والعلماء يعملون في الوظائف وهي سبيل معاشهم، ولا ينظرون إليها هذه النظرة الهازئة المتعالية، ومنهم من يأخذ على مجتمع الوظائف ما قد يكون فيه من غرور بعض الرؤساء، وانتهازية بعض الزملاء، وسخف بعض المترددين، ولكن الحياة تحفل دائمًا بهذه الأشكال من الناس، وباختلاف الطبائع والغايات، والرجل الحصيف هو الذي يكيفُ نفسه مع واقع الحياة دون أن يفقد أصالة الخلق، ويعامل الناس المعاملة الكريمة اللائقة به وبهم.
لقد كان حسين سرحان يؤثر أن يعيش حياته بين الكتب، فلا يشارك الناس حياتهم اليومية بما فيها من مضحكات أو مبكيات، ولكنَّ الحياة ليست بين صحائف الكتب، وإنما هي في زحام المجتمعات.
والغزل عند حسين سرحان غزل حسي إذا صح هذا التعبير، يصف جمال المحبوبة وصفًا حسيًا يذكرك بالمشهورين من شعراء الغزل كعمر بن أبي ربيعة وبشار بن برد، ولكنك لا تجد فيه وجدانيات الشعراء العذريين المعروفين كعباس بن الأحنف وكثيِّر عزة وجميل بثينه، يقول حسين سرحان في قصيدة رشأ:
يا بعيني ومهجتي … رشأ طاب محتده
في بني هاشمٍ يقوم … على العزِّ مولده
ناعس الطرف حُلْوُه … ناعم العود املده
اصطفاني بحبه … وصفا لي تودُّدُهْ
وسقاني بثغره … عَلَلًا لذَّ مورده
قبلا تبعث المنى … بين لحن يردده
نغما رجَّعَتْهُ … منه لهاة تعسجده
لكأني إذا فتحت … له السمع أشهده
رب لحن تراه بالعين رؤيا تجدده
مستادًا كما استعيد مثال تحدده
стр. 1190
يا حبيبي عشقت حبك لولا مسهده
وعشقت البكاء فيك إذ كنت تسعده
وعشقت الصبا الجميل يرى منك أمره
وعشقت الجفون حبلى بسحر تولده
وعشقت الوصال يدنو إذا شئت مبعده
وغدًا ارتجيه لولاك لم يرتغب غده
وزمانا تضمنا منه إذ نلتقي يده
وسهادا على انتظارك يحلو تعدده
رب غصن إذا طلعت جفاه تأوده
وخلا من ليانه ونآه مُغَرِّده
هذه القصيدة من شعر الغزل تعطينا صورة للشعر الغزلي عند الشاعر، الغزل الحسي الصريح فالحبيب.
ناعس الطرف حلوه … ناعم العود املده
وهو قد اصطفى الشاعر بحبه وصفى له الود معه:
وسقاني بثغره … عَلَلًا لذَّ مورده
قبلا تبعث المنى … بين لحن يردده
والشاعر يعشق هذا الحب لولا ما يجره هذا العشق من السهاد، ويعشق البكاء في الحب إذا كان الحبيب يسعده:
وعشقت الصبا الجميل يرى منك امرده
وعشقت الجفون جبلى تولده
وعشقت الوصال يدنو إذا شئت مبعده
كل هذه عواطف حسية نفتقد معها المعاني الروحية السامية التي تبعثها عاطفة الحب، وهي من أقوى العواطف الإنسانية وأعظمها تأثيرًا في النفوس، ولكن الشاعر هنا يعبر عن مشاعره، وهو صادق في هذا التعبير وفي هذا التعبير صور جميلة تلفت النظر فيقول في وصف غناء الحبيبة:
رب لحن تراه … بالعين رؤيا تجدده
هذا الغناء الذي يحس به السامع يصوره الشاعر رؤيا تراها العين وهو معنى جديد، وفي بيت آخر يصف الجفون المثقلة بالسحر فيقول:
وعشقت الجفون حبلى بسحر تولده
والمعنى جديد كذلك إلا أني لا أستسيغ الجفون الحبلى، حتى وإن كانت مثقلة بالسحر
стр. 1191
والدلال.
ولحسين سرحان قصيدة أخرى، ربما كانت من شعر الصبا والشباب يقول فيها:
خذ من وصال الغواني ما سمحن به … وكن خفيفًا كدأب العابث الراجي
إني إذا ما قرعت الباب بعد مدى … فتحته وإن استعصى بارتاج
إذا أدمت الهوى أمست مناهله … مشوبة من أخاليط وامشاج
......................... … حتى أعيش بقلب جد مهتاج (١)
وقد أمسكت عن إثبات الأبيات التالية، ولكن القارئ لهذه القصيدة يخرج منها بانطباع من أن قائل هذا الشعر لا يعرف إلا لونًا واحدا من ألوان الحب هو هذا اللون العابث النهاز للفرص حيثما أتيح له انتهازها، واستثناءًا من هذا الرأي أثبت له بيتين يقول فيهما:
ما هو الحسن يا ترى شفة رفت … وطرف سبى وعطف مالا
إنما الحسن حين تعشق نقصا … ثم يمسى من فرط حب كمالا (٢)
وهذا الذي ذكره حسين سرحان هو الذي كنت أبحث عنه في شعره الغزلي، الحب الذي يرى النقص في المحبوب فيستحيل من فرط الحب كمالا في عين المحب، هذا المعنى الإنساني السامي … ولكنهما بيتان يتيمان إذا صح هذا التعبير، أثبتهما من باب الأمانة، ولعل هذين البيتين هما الاستثناء الذي تثبت به القاعدة.
حسين سرحان في بيته:
لحسين سرحان قصيدة نشرت في جريدة صوت الحجاز سنة ١٣٥٤ هـ بعنوان "يا ابنتي" وهي أول بنت رزقها وهو في مطلع شبابه، مطلعها:
يا ابنتي ما شربت خمرا من … الراووق أحلى من خَمْرِ فِيِكِ واسكر
لا ولا قد جنت يداي من البستان … وردا من ورد خديك انضر
ومنها:
يا ابنتي إن رأيتني أتمنى … عمرًا خالدًا ومالًا وفيرا
فهو من أجل أن أراك على حال … جميل فاغتدى مسرورا
стр. 1192
فأماني ابيك انت تدرين … بما في فؤاده من أماني
أنت لا تعرفين شيئا سوى … الثدي فمصيه في رضى وأمان
ثم يقول:
يا ابنتي أيما أحب إليك … قبلة الأم أم عناق أبيك
لست أدري لكني اتمنى … قبلة استمدهما من فيك
اتسامى بهما إلى الفلك العالي … فاحيا بهما وتنعش روحي
هي رمز الحياة لكنها في … كبر العمر رقصة المذبوح (١)
والقصيدة تعبر عن مشاعر الأبوة التي تعتلج في صدر الشاعر وهو يستقبل هذه الطفلة التي كانت أول ما رزق من الولد.
وقد رزئ حسين سرحان بفقد ولده الوحيد في حادث سيارة ولكني لم أجد له شعرًا في هذا المصاب، ولعله من شعره الذي لم ينشر، فليس أقسى من فقد الولد على الوالد وخاصة إذا كان هو الولد بين أخواته البنات، ويقول أصدقاء حسين سرحان أن الحادث أثَّر في نفسه كثيرًا، ولكني كما ذكرت لم أجد فيما قرأت من شعره المنشور - والغير مطبوع شيئًا في هذا المصاب الأليم.
ولحسين سرحان مقطوعة صغيرة في رثاء أبيه يقول فيها:
أنا لم أهنأ بلقياك أبي … لا بأهْلٍ قلت لي أو مرحب
كنت مثل الشلو ممدودا على … ثبج من غمرات الكرب
رد منك الطرف نحوي فإذا … فيه ايماض كومض السحب
وجرى منه دموع سكبت … في فؤادي أي دمع سكب
أنا أخفيه ولكن كذبت … مهجة ما وصمت بالكذب (٢)
وفي هذه المقطوعة يصف الشاعر حياته مع أبيه الذي كان مبتعدًا عنه يقول في مطلعها:
أنا لم أهنأ بلقياك أبي … لا بأهْلٍ قلت لي أو مرحب
لقد جاء الأب وقد أثقله المرض فلما وقعت عينه على الابن أومضت ايماضة فاضت منها الدموع دموع الولد والوالد، ثم كان الفراق الأخير.
(متى أعيش)
ولحسين سرحان قصيدة نشرت في النصف الثاني من الخمسينات مطلعها:
يا ليت اني بلا عم ولا خال … ولا أحاط بحساد وعذال
стр. 1193
وقد جاءت في ديوان الصوت والصدى وقد تحول المطلع إلى:
متى أعيش لا عم ولا خال … ولا أحاط بحساد وعزال
ثم يقول:
قوم إذا عاش أقوام بصمتهم … عاشوا على رغد بالقيل والقال
والهبوا بالرياح الهوج السنة … كأنهنَّ صلالٌ بين ادغال
تبيت تحفر للاعراض هاوية … كبرى وتشعل فيها أي اشعال
موكلون بها مستلئمون لها … إذا استدارت رحاها ألف سربال
ما النار تشتد في رطب وفي … يبس منهم باقسى ولا انكي على حال
بل ليت أنني نبت برابية … شجراء يلتف فيها السبع بالضال
يجري السحاب عليها كل محتفل … وتسحب الريح فيها أي اذيال
والقارئ لهذه القصيدة يستشف منها ضيق حسين سرحان بمجالس الغيبة التي كان يرتع أصحابها في لحوم الناس، والذي كانت تضمهم المجالس التي وصفها والتي أنكرها عليهم أشد انكار.
والقارئ لشعر حسين سرحان يرى فيه مسحة من التشاؤم والحزن، لعلها تعبير صادق عن حالته النفسية في السنين الأخيرة من عمره، ولكن الدارس والمتأمل لشعره يجد هذه المسحة تطل برأسها في الشعر الذي نظمه في شبابه ورجولته.
يقول في قصيدة موجز حياة:
أغدو مع الناس لا أني أعايشهم … ولست اسخر لكن يسخر القدر
في هيكل عن هباء الجسم مصدره … فقد تعذر فيه الورد والصدر
محنَّطا آويا في كل مرزئة … إلى خراب عليه العقل يندحر
وربَّ نائبة في أثْرِ نائبة … تلقى الكلاكل عندي ثم تنتظر
وضحكة بدرت في غير ساعتها … على فؤاد من اللأواء ينفطر
حتى الكواكب في لألآء طلعتها … اطفأتها ودموع القلب تعتصر (١)
وإذا كان هذا وصفه لنفسه بعدما تقدم به السن فقد وصف نفسه بقوله:
ولدت شيخا أو أرى أنني … خلقت من قبل الثرى والجبال
كابرت دهري ثم خلَّفْته … يدُّب من خلفي دبيب النمال
стр. 1194
ويقول:
اليوم عندي سنة مُرَّةٌ … والعام لا يوصف عندي بحال
كم قد طواني حين لم أطوه … عمر شديد الوطء جم النكال
لو مت طفلا خلت أني به … معذب المهجة فيما أخال (١)
ثم وصف نفسه وهو في الثلاثين من العمر قائلا:
ثلاثون عامًا يالطول بقائنا … ويالمقامي فارغ النفس ثاويا
تعاظمتها لا استزيد بها الهوى … واهدرتها ايامها واللياليا
وأوسعتها جدا ولهوا وحكمة … وجهلا وتذكارا لها وتناسيا
فإن أكُ حَيَّا في حساب زمانها … فقد كنت في معنى الحقيقة فانيا (٢)
وقال وهو في الخمسين من العمر:
أخمسون عاما قد طويت كأنها … منام تو شِّيِه الرؤى وكذابها
وقد برمت نفسي علائل عيشها … فكيف وقد وَلَّتْ واقبل صابها (٣)
وقال وهو في السابعة والخمسين:
إني إلى الموت محجور فما رئتي … حتى ولا كبدي فيما اكَبَّدهُ
تلك التي بين عيني حين ابذرها … زهرا فتأتي المنايا وهي تحصده
وسبعة بعد خمسين مصادرها … ماء على رنق ماطاب مورده (٤)
وهكذا نرى أن بذرة التشاؤم كانت قد بذرت في نفس الشاعر من عهد الشباب، ثم أخذت تنمو مع الأيام والسنين حتى أصبحت شجرة باسقة تخيم بظلالها على حياته حتى انتهى به الأمر إلى اعتزال الناس إلا من بعض أصدقائه الخُلَّص وخاصة أهله الذين كانوا يتردَّدُون عليه بغية إخراجه من هذه العزلة التي فرضها على نفسه. حينما صدر ديوان الشاعر حمزة شحاتة يرحمه الله الذي كنت مشاركا في جمعه وترتيبه بتكليف من صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله الفيصل مدَّ الله في عمره وحينما صدر هذا الديوان تأخر نشره في الأسواق، فكان بعض من يعلمون باشتراكي في جمعه وترتيبه يطلبونه مني، وكنت أجيب هذه الطلبات.
стр. 1195
وفي ضحى أحد الأيام حضر إليَّ من مكة الأستاذ الشاعر/ عبد الله جبر وهو يحمل في يده قطعة ورق صغيرة من حسين سحان يرحمه الله يطلب فيها نسخة من الديوان، وكان الأستاذ/ جبر يشعر بشيء من الحرج، وهو يقدم لي هذه القصاصة من الورق، فقدمها وهو يعتذر عن حسين سحان، ويشير إلى ما وصلت إليه حاله ..... قلت لا عليك ..... إنه من أحق الناس بان يهدي إليه ديوان حمزة شحاتة حتى دون أن يطلبه.
وقدمت إليه النسخة ولكني أدركت في نفس الوقت مقدار ما يعانيه يرحمه الله.
لقد طال بنا الحديث عن شعر حسين سرحان ولكني قبل أن يختم هذا الحديث أود أن أثبت له أبياتًا من قصيدة عنوانها "إيمان وتسبيح" يقول في مطلعها:
يا ذا الجلال وذا الجمال وذا الكمال
رب العجائب والغرائب والمواهب
أبرمت أمرك أي علم غير علمك .. ؟
فإذا الحقيقة والحقيقة طوع حكمك
الكون يمخر في العماء أو الهواء
والشهب تبدو في الفضاء أو السماء
والواقف الراسي يزيد تمددا
والدائر الجاري يهرول سرمدا
وطبيعة مرسومة لا تنكشف
بإرادة علوية لا تختلف
ومنها:
سُبُّوحُ يا قُدُوسُ يا رب الجنود
لمَّا مضوا في التيه وانتهكوا العهود
هل كان موسى غير عبد من عبيدك
تركوه واتبعوا الهوى في يوم عيدك
أو كان عيسى يوم أرسل من لدنكا
إلا نبي جاء بالانقاذ منكا
أو كان أحمد في الصراط المستقيم
إلا صاح لاح في ليل بهيم
نشأت جوارحه على تمجيدكا
ودعت أوامره إلى توحيدكا