← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

والدلال. ولحسين سرحان قصيدة أخرى، ربما كانت من شعر الصبا والشباب يقول فيها: خذ من وصال الغواني ما سمحن به … وكن خفيفًا كدأب العابث الراجي إني إذا ما قرعت الباب بعد مدى … فتحته وإن استعصى بارتاج إذا أدمت الهوى أمست مناهله … مشوبة من أخاليط وامشاج ......................... … حتى أعيش بقلب جد مهتاج (١) وقد أمسكت عن إثبات الأبيات التالية، ولكن القارئ لهذه القصيدة يخرج منها بانطباع من أن قائل هذا الشعر لا يعرف إلا لونًا واحدا من ألوان الحب هو هذا اللون العابث النهاز للفرص حيثما أتيح له انتهازها، واستثناءًا من هذا الرأي أثبت له بيتين يقول فيهما: ما هو الحسن يا ترى شفة رفت … وطرف سبى وعطف مالا إنما الحسن حين تعشق نقصا … ثم يمسى من فرط حب كمالا (٢) وهذا الذي ذكره حسين سرحان هو الذي كنت أبحث عنه في شعره الغزلي، الحب الذي يرى النقص في المحبوب فيستحيل من فرط الحب كمالا في عين المحب، هذا المعنى الإنساني السامي … ولكنهما بيتان يتيمان إذا صح هذا التعبير، أثبتهما من باب الأمانة، ولعل هذين البيتين هما الاستثناء الذي تثبت به القاعدة. حسين سرحان في بيته: لحسين سرحان قصيدة نشرت في جريدة صوت الحجاز سنة ١٣٥٤ هـ بعنوان "يا ابنتي" وهي أول بنت رزقها وهو في مطلع شبابه، مطلعها: يا ابنتي ما شربت خمرا من … الراووق أحلى من خَمْرِ فِيِكِ واسكر لا ولا قد جنت يداي من البستان … وردا من ورد خديك انضر ومنها: يا ابنتي إن رأيتني أتمنى … عمرًا خالدًا ومالًا وفيرا فهو من أجل أن أراك على حال … جميل فاغتدى مسرورا

стр. 1192

فأماني ابيك انت تدرين … بما في فؤاده من أماني أنت لا تعرفين شيئا سوى … الثدي فمصيه في رضى وأمان ثم يقول: يا ابنتي أيما أحب إليك … قبلة الأم أم عناق أبيك لست أدري لكني اتمنى … قبلة استمدهما من فيك اتسامى بهما إلى الفلك العالي … فاحيا بهما وتنعش روحي هي رمز الحياة لكنها في … كبر العمر رقصة المذبوح (١) والقصيدة تعبر عن مشاعر الأبوة التي تعتلج في صدر الشاعر وهو يستقبل هذه الطفلة التي كانت أول ما رزق من الولد. وقد رزئ حسين سرحان بفقد ولده الوحيد في حادث سيارة ولكني لم أجد له شعرًا في هذا المصاب، ولعله من شعره الذي لم ينشر، فليس أقسى من فقد الولد على الوالد وخاصة إذا كان هو الولد بين أخواته البنات، ويقول أصدقاء حسين سرحان أن الحادث أثَّر في نفسه كثيرًا، ولكني كما ذكرت لم أجد فيما قرأت من شعره المنشور - والغير مطبوع شيئًا في هذا المصاب الأليم. ولحسين سرحان مقطوعة صغيرة في رثاء أبيه يقول فيها: أنا لم أهنأ بلقياك أبي … لا بأهْلٍ قلت لي أو مرحب كنت مثل الشلو ممدودا على … ثبج من غمرات الكرب رد منك الطرف نحوي فإذا … فيه ايماض كومض السحب وجرى منه دموع سكبت … في فؤادي أي دمع سكب أنا أخفيه ولكن كذبت … مهجة ما وصمت بالكذب (٢) وفي هذه المقطوعة يصف الشاعر حياته مع أبيه الذي كان مبتعدًا عنه يقول في مطلعها: أنا لم أهنأ بلقياك أبي … لا بأهْلٍ قلت لي أو مرحب لقد جاء الأب وقد أثقله المرض فلما وقعت عينه على الابن أومضت ايماضة فاضت منها الدموع دموع الولد والوالد، ثم كان الفراق الأخير. (متى أعيش) ولحسين سرحان قصيدة نشرت في النصف الثاني من الخمسينات مطلعها: يا ليت اني بلا عم ولا خال … ولا أحاط بحساد وعذال

стр. 1193

وقد جاءت في ديوان الصوت والصدى وقد تحول المطلع إلى: متى أعيش لا عم ولا خال … ولا أحاط بحساد وعزال ثم يقول: قوم إذا عاش أقوام بصمتهم … عاشوا على رغد بالقيل والقال والهبوا بالرياح الهوج السنة … كأنهنَّ صلالٌ بين ادغال تبيت تحفر للاعراض هاوية … كبرى وتشعل فيها أي اشعال موكلون بها مستلئمون لها … إذا استدارت رحاها ألف سربال ما النار تشتد في رطب وفي … يبس منهم باقسى ولا انكي على حال بل ليت أنني نبت برابية … شجراء يلتف فيها السبع بالضال يجري السحاب عليها كل محتفل … وتسحب الريح فيها أي اذيال والقارئ لهذه القصيدة يستشف منها ضيق حسين سرحان بمجالس الغيبة التي كان يرتع أصحابها في لحوم الناس، والذي كانت تضمهم المجالس التي وصفها والتي أنكرها عليهم أشد انكار. والقارئ لشعر حسين سرحان يرى فيه مسحة من التشاؤم والحزن، لعلها تعبير صادق عن حالته النفسية في السنين الأخيرة من عمره، ولكن الدارس والمتأمل لشعره يجد هذه المسحة تطل برأسها في الشعر الذي نظمه في شبابه ورجولته. يقول في قصيدة موجز حياة: أغدو مع الناس لا أني أعايشهم … ولست اسخر لكن يسخر القدر في هيكل عن هباء الجسم مصدره … فقد تعذر فيه الورد والصدر محنَّطا آويا في كل مرزئة … إلى خراب عليه العقل يندحر وربَّ نائبة في أثْرِ نائبة … تلقى الكلاكل عندي ثم تنتظر وضحكة بدرت في غير ساعتها … على فؤاد من اللأواء ينفطر حتى الكواكب في لألآء طلعتها … اطفأتها ودموع القلب تعتصر (١) وإذا كان هذا وصفه لنفسه بعدما تقدم به السن فقد وصف نفسه بقوله: ولدت شيخا أو أرى أنني … خلقت من قبل الثرى والجبال كابرت دهري ثم خلَّفْته … يدُّب من خلفي دبيب النمال

стр. 1194

ويقول: اليوم عندي سنة مُرَّةٌ … والعام لا يوصف عندي بحال كم قد طواني حين لم أطوه … عمر شديد الوطء جم النكال لو مت طفلا خلت أني به … معذب المهجة فيما أخال (١) ثم وصف نفسه وهو في الثلاثين من العمر قائلا: ثلاثون عامًا يالطول بقائنا … ويالمقامي فارغ النفس ثاويا تعاظمتها لا استزيد بها الهوى … واهدرتها ايامها واللياليا وأوسعتها جدا ولهوا وحكمة … وجهلا وتذكارا لها وتناسيا فإن أكُ حَيَّا في حساب زمانها … فقد كنت في معنى الحقيقة فانيا (٢) وقال وهو في الخمسين من العمر: أخمسون عاما قد طويت كأنها … منام تو شِّيِه الرؤى وكذابها وقد برمت نفسي علائل عيشها … فكيف وقد وَلَّتْ واقبل صابها (٣) وقال وهو في السابعة والخمسين: إني إلى الموت محجور فما رئتي … حتى ولا كبدي فيما اكَبَّدهُ تلك التي بين عيني حين ابذرها … زهرا فتأتي المنايا وهي تحصده وسبعة بعد خمسين مصادرها … ماء على رنق ماطاب مورده (٤) وهكذا نرى أن بذرة التشاؤم كانت قد بذرت في نفس الشاعر من عهد الشباب، ثم أخذت تنمو مع الأيام والسنين حتى أصبحت شجرة باسقة تخيم بظلالها على حياته حتى انتهى به الأمر إلى اعتزال الناس إلا من بعض أصدقائه الخُلَّص وخاصة أهله الذين كانوا يتردَّدُون عليه بغية إخراجه من هذه العزلة التي فرضها على نفسه. حينما صدر ديوان الشاعر حمزة شحاتة يرحمه الله الذي كنت مشاركا في جمعه وترتيبه بتكليف من صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله الفيصل مدَّ الله في عمره وحينما صدر هذا الديوان تأخر نشره في الأسواق، فكان بعض من يعلمون باشتراكي في جمعه وترتيبه يطلبونه مني، وكنت أجيب هذه الطلبات.

стр. 1195

وفي ضحى أحد الأيام حضر إليَّ من مكة الأستاذ الشاعر/ عبد الله جبر وهو يحمل في يده قطعة ورق صغيرة من حسين سحان يرحمه الله يطلب فيها نسخة من الديوان، وكان الأستاذ/ جبر يشعر بشيء من الحرج، وهو يقدم لي هذه القصاصة من الورق، فقدمها وهو يعتذر عن حسين سحان، ويشير إلى ما وصلت إليه حاله ..... قلت لا عليك ..... إنه من أحق الناس بان يهدي إليه ديوان حمزة شحاتة حتى دون أن يطلبه. وقدمت إليه النسخة ولكني أدركت في نفس الوقت مقدار ما يعانيه يرحمه الله. لقد طال بنا الحديث عن شعر حسين سرحان ولكني قبل أن يختم هذا الحديث أود أن أثبت له أبياتًا من قصيدة عنوانها "إيمان وتسبيح" يقول في مطلعها: يا ذا الجلال وذا الجمال وذا الكمال رب العجائب والغرائب والمواهب أبرمت أمرك أي علم غير علمك .. ؟ فإذا الحقيقة والحقيقة طوع حكمك الكون يمخر في العماء أو الهواء والشهب تبدو في الفضاء أو السماء والواقف الراسي يزيد تمددا والدائر الجاري يهرول سرمدا وطبيعة مرسومة لا تنكشف بإرادة علوية لا تختلف ومنها: سُبُّوحُ يا قُدُوسُ يا رب الجنود لمَّا مضوا في التيه وانتهكوا العهود هل كان موسى غير عبد من عبيدك تركوه واتبعوا الهوى في يوم عيدك أو كان عيسى يوم أرسل من لدنكا إلا نبي جاء بالانقاذ منكا أو كان أحمد في الصراط المستقيم إلا صاح لاح في ليل بهيم نشأت جوارحه على تمجيدكا ودعت أوامره إلى توحيدكا

стр. 1196

فإذا البرية فوق مفترق الطرق وإذا العقول على جلالك تفترق ومنها: أحَدٌ توحدت الصفات على ظلاله وتبجَستْ سحب الصغائب من نواله وبديع كون من ثراه إلى سمائه رمز عليه في دجاه أو ضيائه ونختم هذه القصيدة بهذه الأبيات: جد بالهداية لا حياة بلا هدايه وانف الغواية لا كمال مع الغوايه يا ذا الجلال وذا الجمال وذا الكمال رب العجائب والغرائب والمواهب والقصيدة مناجاة للخالق وتسبيح بحمده وإجلال لقدرته المختلفة في عجائب الكون، وهي من أجمل ما نظم حسين سرحان، يرحمه الله. وفاة حسين سرحان: توفي حسين سرحان يوم الثلاثاء السادس من ذي القعدة سنة ١٤١٣ هـ عن عمر يناهز الثمانين عامًا بعد عزلة طويلة عن الناس، وبعد أن نحف جسمه من الضنى، وخيَّمت على نفسه مشاعر اليأس والكآبة. وقد فقدت البلاد بوفاته شاعرًا كبيرًا تميز من بين شعراء المملكة بأسلوبه الذي يذكر القارئ بشعراء العربية الكبار في العصور الزاهية للشعر العربي فكان نمطًا فريدًا بين شعراء عصره. غفر الله لحسين سرحان، وتغمده برحمات منه ورضوان.

стр. 1197

صالح محمد جمال

стр. 1198

صالح محمد جمال

стр. 1199

صالح محمَّد جمال متوسط القامة ممتلئ الجسم في غير إسراف، أبيض البشرة، واسع العينين، أقنى الأنف يطالعك بوجه دائم الابتسام، تزيِّنه لحية لطيفة مخضوبة، بعد أن سرى إليها الشيب. ولد الشيخ صالح محمد جمال كما قرأت في مذكراته الشخصية عام ١٣٣٨ هـ في مكة المكرمة وأدخله أبوه مدرسة الفائزين ولكنَّ الطفل الصغير ترك المدرسة مرتاعًا بعد أن رأى القسوة التي يعامل بها بعض المدرسين تلاميذهم وكان الضرب في تلك الأيام عادة تكاد تَعُمُّ جميع المدارس، الضرب بالعصا أو بالمسطرة على كفِّ اليد، أو وضع الرجلين في الفلكة لمن يعتبرهم المدرسون مستحقين لعقوبة أكبر. ولم ير أبوه بُدًا من إغرائه وتحبيب المدرسة إليه فوعده بقرش كامل يأخذه يوميًا إن هو ذهب إلى المدرسة التحضيرية القريبة من منزلهم وانتظم فيها، وفعل الاغراء فعله في نفس الطفل الصغير، ولعل اختلاف وجوه المدرسين وربما طريقة تعاملهم مع التلاميذ، وقرب المدرسة من المنزل كانت من الأسباب التي سكنَّتْ روع التلميذ الصغير وحبَّبت إليه المدرسة والمدرسين. قضى صالح محمد جمال ثلاث سنوات في المدرسة التحضيرية، انتقل بعدها إلى المدرسة الابتدائية فقضى بها عامين حيث شجعه بعض أساتذته فيها إلى الانتقال إلى المعهد العلمي السعودي الذي أنشئ كمدرسة ثانوية في مكة المكرمة، وبقي في المعهد العلمي سنتين، واضطر أن يقطع دراسته بالمعهد، ليخرج إلى المجال العملي بعد أن اضطرته ظروفه العائلية إلى ذلك. كان والد صالح جمال تاجرًا ميسور الحال يتجر في بعض المواد الغذائية مع شريك له وفسد الأمر بين الشريكين، وتعثَّرت البقالة فأثَّرت على الوالد، واضطر صالح جمال أن يقطع دراسته المتقطعة ابتداءًا، ليلحق بوظيفة في بيت المال في مكة المكرمة كاتبًا للوفيات بمرتب

стр. 1200

مقداره واحد وعشرون ريالًا في الشهر، وهكذا ترك المدرسة وهو في السادسة عشر من العمر ليدخل في سلك الوظائف والموظفين. كانت الحياة رخيصة وتكاليفها هينة، وكان المرتب الصغير مفيدًا للأسرة وعونًا لها على تكاليف الحياة، وخلال ستة أعوام تدرج كاتب الوفيات في المحكمة الشرعية الكبرى إلى كاتب ضبط أول، ثم إلى كاتب ضبط ثان، ثم أصبح مساعدًا لرئيس كتاب المحكمة الكبرى، وتدرَّج الراتب حتى وصل إلى ستين ريالًا في الشهر. وكان الكاتب الشاب موضع ثقة رؤسائه من القضاة فقربوه إليهم، وأولوه اهتمامهم وكان بحكم عمله في كتابة ما يدور في الجلسات بين المتخاصمين، وما يوجهه القضاة من أسئلة، وما يعلقون عليه من إجابات يحيط بسير القضايا في المحكمة. يقول صالح جمال عن القضاة الذين عمل معهم: وقد اختصني منهم بالتعليم السيد/ محضار عقيل الذي كان إذا استوت القضية وآن أوان الحكم يمتحنني سائلًا: ما هو الحكم الآن … ؟ وكان الشيخ محمد زكي البرزنجي هو الآخر يطلعني على النص في كتاب الكشَّاف أو المنتهى وهما الكتابان المعتمدان للحكم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل في المحاكم. يقول صالح جمال: وهذا ما أهَّلني بعد ذلك أن أشير إلى مستند الحكم من النصوص حينما كنت أُعد صحيفة الحكم. يقول صالح جمال: وهو ما لم يسبقني إليه أحد من كُتَّاب المحكمة في ذلك الزمان، ولا تزال تلك الصكوك مسجلة بسجلات المحكمة الكبرى في أوائل الستينات وموقعة بختمي الذي أحتفظ به إلى الآن (١). هذه الوظيفة التي قام بأعبائها صالح جمال أكسبته ثقافة لم يكن ليحصل عليها لو لم يتقلد هذه الوظيفة، ولو لم يكن هو شخصيا مستعدًا استعدادًا نفسيًا للتعلم والتدريب، وقد بقي يعمل في المحكمة الكبرى عشر سنوات انتقل بعدها في سنة ١٣٦٥ هـ للعمل في الأمن العام مديرًا للمستودعات، فأتيحت له الفرصة لأن يضيف إلى عمله الوظيفي عملًا آخر سيكون له أثر كبير في تكوين شخصيته في قابل الأيام. مكتبة الثقافة: كان العمل في الأمن العام ينتهي بانتهاء صلاة الظهر، ووجد الشاب صالح جمال نفسه خاليًا بعد ذلك فعمل أولًا وكيلا للأستاذ/ محمد حسين الأصفهاني موزع الصحف المصرية في جدة، عمل صالح جمال وكيلا له في توزيع هذه الصحف في مكة المكرمة، ثم تطورت

стр. 1201

الفكرة إلى شركة بينهما انضم إليها بعض أصدقائهما فتم تأسيس مكتبة الثقافة، وحصلت الشركة على حق توزيع مجلات دار الهلال، ودار أخبار اليوم، وروز اليوسف، ومجلتي الثقافة والرسالة، واتسع العمل ونجح، ولكن بعض أعضاء الشركة استقال للتفرغ لعمله الخاص، وبقي البعض الآخر. وبعدها أقدم الشاب صالح جمال على التفرع للعمل، وإعطائه كل وقته. استقال من عمله بالأمن العام وتفرع للعمل في توزيع الصحف، وأضاف إليها العمل في تجارة الكتب، وهكذا بدأت مكتبة الثقافة صغيرة متواضعة، ثم ما لبث أن نمت وتطورت فاهتمت بنشر الكتب وتوزيعها. قامت مكتبة الثقافة بنشر مؤلفات المؤلفين السعوديين الذين لا يستطيعون الإنفاق على طبع مؤلفاتهم، فنشرت ديوان الشاعر المرحوم/ طاهر زمخشري، وكتاب تاريخ مكة لأحمد السباعي - يرحمهما الله، وقد نجح الكتاب الثاني وتكرَّر طبعه أكثر من مرة، ولكن الكتاب الأول تعثر توزيعه، وقد تعلم الناشر صالح جمال من هذه التجربة ما يتطلبه سوق الكتاب، وما يقبل عليه القراء من الكتب، وما عنه ينصرفون. يقول عن ذلك: ألفت كتابًا اسمه "دليل الحاج المصور" جمعت فيه مناسك الحج والأدعية المأثورة، وموجزًا لتاريخ مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والكعبة المشرفة، والمسجد الحرام، والمسجد النبوي، وبعض الآثار في المدينتين المقدستين، وقامت مكتبة الثقافة بطبعه ونشره وتوزيعه، وقد طبع حتى الآن أكثر من عشر طبعات، ولا يزال يطبع. كما قمت بتحقيق كتاب "الدرة الثمينة في أخبار المدينة" لابن النجار من مخطوط وجدته في مكتبة نسيبي السيد بكر حمدي ﵀ وقامت المكتبة - بطبعه ونشره وقد طبع طبعتان. واستأذنت ورثة الشيخ/ رشدي ملحس - يرحمه الله - في إعادة طبع كتاب أخبار مكة للإمام الأرزقي وأذنوا لي، وقامت المكتبة - مكتبة الثقافة - بطبعه ونشره، وقد جرى طبعه عدة مرات، ولا يزال يطبع كلما نفذت طبعته. وقامت المكتبة - مكتبة الثقافة - أيضا بطبع كتاب "الجامع الصغير لابن ظهيرة القرشي" وهو من مؤرخي مكة المكرمة، ويتم توزيع هذا الكتاب في مواسم الحج، ومثله كتاب الحكمة البالغة وهو مجموعة خطب منبرية (١). وقد ذكر الأستاذ/ صالح جمال الكتاب الذي جمع فيه مقالاته والذي سماه من أجل بلدي، وسأتحدث عنه حينما نتحدث عن صالح جمال الكاتب الصحفي.

стр. 1202

صالح جمال الصحفي والكاتب: هيأت مكتبة الثقافة والعمل فيها لصالح جمال أسباب الثقافة، واستكمال ما فاته من أسباب التعليم حينما اضطر إلى قطع دراسته، واشتغل بالعمل الوظيفي، ثم بالعمل الحر في مكتبة الثقافة، وكان قبل ذلك شابا طموحًا يتمنى لبلاده أن تبلغ ما تستحقه من أسباب المجد والرفعة، وليس مثل القراءة والاطلاع ما يحفز الشباب وشملك بهم طريق الإصلاح. عمل الأستاذ/ صالح جمال في جريدة البلاد السعودية أمينًا للصندوق، ثم مديرا للإدارة ثم مشرفًا على الإدارة والتحرير، وبدأ ينشر مقالاته فيها، ويكتب في غيرها من الصحف في ذلك الزمان، وبدأ صالح جمال الكتابة في جيريدة البلاد السعودية بتوقيع مستعار، اختار حرف - الصاد - الحرف الأول من اسمه ليوقِّع به على الكلمات القصيرة التي تنشرها له الجريدة، ويقول في تعليل إخفاء اسمه أنه لم يكن على ثقة من جودة ما يكتب، وقد اختار صالح جمال الكتابة عما يتحدث عنه الناس من المشاكل اليومية التي يعانونها وكان من عناوين الكلمات القصيرة التي ينشرها: أحاديث الناس، وحديث الجمعة، وحديث الخميس وكل صباح، ووجدت هذه الكلمات القصيرة صداها لدى القراء فشخعه هذا على الاستمرار في الكتابة وإظهار اسمه الصريح فيما بعد. أما الموضوعات التي كان يتحدث عنها صالح جمال فيقول عنها: كنت أتناول فيها أحاديث الناس الناقدة طبعا لأي موقف أو عمل جماهيري حكومي أو أهلي كالبلدية أو شركة الكهر باء أو الأوقاف أو المياه، وأحيانًا أكتب مقالات في المناسبة الدينية كالهجرة أو رمضان أو الحج، وكان يكتب كذلك عن بعض الشخصيات من أعلام المسلمين كالرازي وابن سينا والخوارزمي وغيرهم تحت عنوان عباقرة العرب (١). أحاديث الناس هذه التي تتحدث عن المشكلات اليومية التي يتعرض لها الناس، والموجودة في كل مجتمع كانت علامة بارزة من اهتمامات صالح جمال صاحبته من مطلع شبابه منذ أن شرع قلمه للكتابة في الصحف، واستمرت معه إلى أن بلغ الشيخوخة، ولم يقتصر التعبير عن هذه الاهتمامات على الكتابة في الصحف، وإنما تحولت إلى أعمال ومشاريع اجتماعية تستأثر باهتمام الشيخ صالح جمال في المراكز العديدة التي شغلها فيما بعد، والتي سنتحدث عنها بعد. وقد استمر الأستاذ/ صالح جمال يكتب في هذه الموضوعات الاجتماعية التي تصادف الناس في حياتهم اليومية، وبأسلوب يتسم بالشجاعة والصراحة، وكنت أقرأ كلما يقع عليه نظري من هذه الأحاديث في الصحف اليومية، وكنت أعجب دائمًا بشجاعته وجهره بما يعتقد أنه حق وصواب.

стр. 1203

ولقد جَرَّتْ هذه الشجاعة عليه بعض المشكلات فإن الحق لم يكن ليرضى كل الناس، ولكنه تحمل هذه الجرائر بإيمان من يعتقد أن عليه أمانة واجبة الأداء، وان أغضب البعض أو جرت عليه شجاعته المصاعب والمشكلات. جريدة حراء: أصدر الأستاذ/ صالح جمال جريدة حراء بعد أن انتهى عمله في جريدة البلاد السعودية التي انتقلت إداراتها إلى جدة ولم ينتقل معها، وكانت حراء تصدر أسبوعية كل يوم سبت، وكانت تطبع في جدة في مطابع الأصفهاني. يقول الأستاذ/ صالح جمال عن إصدار حراء ما يلي: اخترت لصدور حراء يوم السبت حيث لا توجد جريدة، وصدر العدد الأول منها يوم السبت ٦ جمادى الأولى عام ١٣٧٦ هـ، وكان أخي أحمد "الكاتب الكبير والعلامة الأستاذ أحمد محمد جمال" مساعدي الأيمن، واستعد زميلي بالبلاد السعودية الأستاذ/ عبد الله الداري في التصحيح، واستعد الأستاذ/ حسن قزاز أن يشارك بحكم إقامته في جدة بالإشراف على الطبع، وكنت أنا وأخي أحمد والأستاذ/ الداري ننزل كل ثلاثاء بعد الظهر إلى مطابع الأصفهاني لنشرف على توضيب الصفحتين الداخلتين ٢، ٣ وكانت الجريدة من أربع صفحات فقط. ونأذن بالطبع ثم ننزل يوم الخميس لتوضيب الصفحتين ١، ٤ الحاملة لآخر الأنباء الخارجية، وآخر الأحداث الداخلية والافتتاحية وإجازتها، ثم انتظار إتمام الطبع واصطحابها معنا إلى مكة تمهيدًا لإصدارها يوم السبت. ويقول صالح جمال عن ظروفه المالية يوم إقدامه على إصدار صحيفة حراء: وإذا كان الكاتب الكبير الأستاذ/ مصطفى أمين يقول في مذكراته أنه أصدر صحفًا عدة كان آخرها أخبار اليوم بقروش كان يوفرها من مصروفه الخاص، فإنني قد أصدرت جريدة حراء بدون رأس مال، فقد كانت مطابع الأصفهاني تطبعها على الحساب، وكانت إدارة حراء في بيتي، وكان التوزيع يتم في مكتبة الثقافة (١). وإذا كان إظهار حراء في تلك الظروف المالية الصعبة التي ذكرها الأستاذ/ صالح جمال تدل على عصامية الرجل، وإقدامه، وإصراره على النجاح فلابد أن يذكر بالشكر الأصدقاء الذين ساعدوه في رحلته هذه الشاقة وهم: أولًا: شقيقه الأستاذ/ أحمد وأصدقاؤه الأستاذ/ محمد حسين أصفهاني الذي سهَّل له الطبع في مطابعه والأستاذ الداري، والأستاذ حسن قزاز الذين ساهما في التصحيح والإشراف بدون أي مقابل، قوبلت حراء بالترحيب من القراء لأنها كانت تعبر عن أحاسيس الناس ومشاعرهم إزاء المشكلات اليومية التي يعانونها وأمدَّها الأدباء والكتاب بكتاباتهم فتسنَّمت مكانها المرموق في نفوس الناس الأمر الذي دفع مؤسسها إلى التفكير في إصدارها

стр. 1204

يومية فقام باستيراد مطابع دار الثقافة بمكة المكرمة. ولم يمض سوى عام ونصف العام حتى صدرت حراء من مكة المكرمة بعد أن كانت تصدر أسبوعية، وصدر العدد الأول يوم ١٢/ ١٣٧٧/١١. يقول صالح جمال عن أوليات حراء ما يلي: ولأول مرة تنشئ صحيفة سعودية قسمًا خاصًا بها يلتقط بواسطته الأخبار العالمية الطازجة من مصادرها، ومن مختلف الإذاعات قبل أن تعرف الصحافة السعودية الاشتراك في وكالات الأنباء (١). ويقول كذلك: صدرت حراء متطورة بالنسبة لصحافة المملكة، فاستحدثت التحقيقات الصحفية المصورة عن وزارة الداخلية والزراعة بالمملكة، ومدينة الرياض، ومستشفيات جدة وغير ذلك من الموضوعات الحيوية التي كان يجريها الأستاذ أنور زعلوك المحرر بحراء (٢). كما استحدثت الزوايا والصفحات الخاصة مثل زاوية طبيبك، وركن البوليس وركن المزارع، واضحك مع فنان قديم، ورَّوحوا القلوب ساعة بعد ساعة، ومجتمع الطلبة وصفحة حراء الطبية، وصفحة الرياضة، والصفحة النسائية، ومن أجل صحتك، وكانت حراء كما يقول صالح جمال: أول من كتب عن مشكلة لحوم الأضاحي والهَدْي وإهدارها ووجوب الإفادة منها وهي - حراء - أول من طالب بإنشاء مدرسة لتعليم قيادة السيارات كما عالجت موضوع تطويف الحجاج في سلسلة مقالات بأقلام عدد من الكتاب تحت عنوان نحو مستوى أفضل للمطوفين والحجاج … (٣). دمج الصحف: لم يمض على صدور حراء يوميًا إلا بضعة شهور حتى أصدرت وزارة الإعلام أمرا بدمج الصحف فأدمجت حراء والندوة في صحيفة واحدة تصدر باسم الندوة، وعرفات والبلاد السعودية في صحيفة واحدة، واشترى الأستاذ/ صالح جمال من الأستاذ/ أحمد السباعي صاحب جريدة الندوة حصته بعد إدماج الصحيفتين فتفرّد بملكيتها واستقل برئاسة تحريرها، ولم يلبث السباعي أن أصدر منفردًا مجلة قريش، واستمرت حراء في خطتها القائمة على معالجة المشاكل اليومية للناس منذ باكورة صدورها.

стр. 1205

تحويل الصحف إلى مؤسسات: صدر أمر وزارة الإعلام بتحويل الصحف التي يملكها الأفراد إلى مؤسسات صحفية يشارك في كل مؤسسة مجموعة من الناس بدلًا من أن تكون ملكًا لفرد أو أسرة، واختارت وزارة الإعلام قائمة بأسماء الأعضاء المؤسسين لجريدة الندوة كان من ضمنها اسم صالح جمال وأخيه الأستاذ/ أحمد جمال ولكن الأخوين اختارا الاعتذار بعد أن قدَّم صالح جمال من قبله قائمة لم تحظ بموافقة وزارة الإعلام، وانتهى بذلك دور صالح جمال كصاحب صحيفة، ولكن دوره ككاتب في جميع الصحف التي تصدر في المنطقة الغربية لم ينته فقد استمر يكتب بصورة أسبوعية في الصحف الثلاث الندوة، والبلاد، وعكاظ، وكان فِي كل ما يكتبه إنما يعبر عن المشاكل اليومية التي يعاني الناس منها في حياتهم اليومية وكان جريئًا كعادته من يوم أن بدأ إلى أن توفاه الله. من أجل بلدي: وقبل أن أنهي الحديث عن صالح جمال الصحفي والكاتب يجب أن أشير إلى كتاب متوسط الحجم، جمع فيه مختارات مما كان ينشره في جريدة الندوة وأثبت تاريخ النشر، ورقم العدد في كثير من الأحيان، والكتاب من منشورات المكتب التجاري في بيروت وتم طبعه عام ١٣٨٤ هـ الموافقة ١٩٦٤ للميلاد، وهو متوسط الحجم في مائتين وأربعين صفحة من القطع المتوسط. هذا الكتاب بموضوعاته المختلفة وتواريخ النشر المتقاربة أو المتباعدة تصور اهتمامات صالح جمال الكاتب بالهموم اليومية إذا صح هذا التعبير للمجتمع الذي يعيش فيه. وبعض هذه الموضوعات حينما يقرأ القارئ يظن أنه يعالج مشاكل يومية ما زالت قائمة يتحدث الناس عنها وتستأثر باهتماماتهم، وهو في كلما يعالجه شجاع صريح، يجهر برأيه في غير وجل ولا هيبة، ينشد الحق، والإصلاح ويبتعد عن الطعن والتجريح وقد جرَّ عليه أسلوبه هذا الكثير من المتاعب مع الكثير من الناس، وتحدث هو عن بعض هذه المتاعب في مذكراته الشخصية، كما أنه تلقى المكافأة عن بعض ما عالجه من الأمور باقتناع المسؤولين بآرائه، وأثبت ذلك كله في كتابه هذا من أجل بلدي. والكتاب في مجمله شهادة حق لمؤلفه، بشجاعة الرأي والجهر بالحق والسعي في الإصلاح والتعبير عن مشاعر المواطنين في غير تزييف ولا مغالاة، وفي غير ادلال ولا افتخار، ولمن رغب الاستزاده في هذا الباب أن يقرأ كتاب صالح جمال، فهو خير من يعبر عن آرائه وعمله. ونكتفي بهذا القدر عن صالح جمال الصحفي والكاتب لنتحدث عن صالح جمال في مجال آخر من مجال العمل الاجتماعي الذي لازمه كما قلنا من النشأة حتى الممات. جمعية البر بمكة المكرمة: كان الأستاذ/ صالح جمال هو أول من دعا إلى إنشاء جمعية للبر بمكة المكرمة في مقال نشره في

стр. 1206

جريدة البلاد السعودية سنة ١٣٧١ هـ، وقد لاقت هذه الدعوة استحسانًا عظيمًا وقبولًا من الناس، وافتتح التبرع لها معالي الشيخ/ محمد سرور الصبان، وتولى الأستاذ/ عبد الله عريف، التعريف بأغراض هذه الجمعية التي سميت هيئة صندوق البر في جريدة البلاد السعودية التي كان يتولى رئاسة تحريرها. كانت أغراض الجمعية اجتماعية، هي مساعدة الفقراء والمعدمين وخاصة من الأرامل والأطفال على إيجاد السكن المناسب وتقديم العون المادي للأسر المحتاجة، وكانت دعوتها تقوم على حث الناس على التبرع لهذه الغاية بما يستطيعون، وحث الموظفين بصورة خاصة على تخصيص مبالغ شهرية من مرتباتهم لهذه الغاية، وتشكلت الهيئة من الأستاذ/ عبد الله عريف رئيسًا. والأستاذ/ صالح جمال أمينًا عاما. والأستاذ/ حامد مطاوع أمينًا للصندوق. والأساتذة/ أحمد محمد جمال، وعمر عبد الجبار، وعبد العزيز ساب ﵏، وعبد الرازق بليلة وعبد العزيز الرفاعي أعضاء. واتخذت جمعية البر من جريدة البلاد مقرًا لها في محلة الشامية، وأقبل الناس عليها يمدونها بتبرعاتهم، وساهم الموظفون خاصة بمبالغ تقتطع من مرتباتهم الشهرية وأقامت النوادي الرياضية مباريات خصصت ريعها لصالح الجمعية وحينما أنشأت الدولة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ووضعت الأنظمة للجمعيات الخيرية حصلت جمعية البر على تصريح لها بالعمل باسم جمعية البر بمكة المكرمة. وأعطى الأستاذ/ صالح جمال الكثير من وقته وجهده للجمعية بعد أن أختير رئيسًا لها، واني أنقل هنا من آخر تقرير للجمعية نبذة عن أعمالها. لقد بدأت الجمعية عملها في سنة ١٣٧٢ مقتصرة على تقديم مساعدات مالية للأسر الفقيرة، ثم تطورت أعمالها عندما نمت مواردها بأن أنشأت في فترة أزمة طاحنة في المساكن، أول مجمع خيري سكني في حي الزهراء يحتوي على ٤٥ وحدة سكنية، وأسمتها عمارة التوفيق، ثم أنشات مُجمَّعًا آخر بحي المعابدة بجوار مسجد الإجابة يضم خمسًا وأربعين وحدة سكنية أيضًا، وأطلقت عليه اسم عمارة السلامة. وأخذت تتوالى إنشاء المجمعات السكنية على ضوء شدة الطلب، وتزاحم المحتاجين إليها، فأنشأت المجمع الثالث بالمسفلة عمارة الفوز، والجمع الرابع بجرول "عمارة الأمل" والمجمع الخامس بالتيسير "عمارة التيسير" والمجمع السادس "عمارة السعد" بالنزهة والمجمع السابع "عمارة الصلاح" بالهنداوية، والمجمع الثامن بالمسفلة وبه ثلاث وعشرون وحدة سكنية. وتبرع لها المرحوم الشيخ/ يوسف زمزمي بعمارة الزاهر بالزهراء، والشيخ محمد سعيد

стр. 1207

المداح بعمارة الرصيفة بالرصيفة، وهاتان العمارتان خاصتان بالنساء، والأستاذ/ عابد عجيمي بعمارة العوالي بالعوالي، وعمارة جبل دفان. فأصبح للجمعية بذلك عشر مجمعات سكنية تتكون من ثلاث عشرة عمارة مبنية على أحدث طراز معماري تشغلها ٢٧٨ عائلة، وتتولى الجمعية إدارتها ونظافتها وحراستها وصيانتها. وقامت الجمعية بمساعدة الشباب الراغبين في الزواج والذين عجزوا عن إيجاد السكن المناسب لظروفهم المالية، قامت الجمعية بتقديم فرش شقة كاملة لكل عريس يثبت حاجته للمساعدة بعد بحث حالته، والاطلاع على عقد النكاح، وعقد استئجار الشقة وقد تقدم لها حتى الآن "كما يقول تقرير الجمعية السنوي" عدد من الشباب، وجرى بحث حالاتهم كما تم فرش المساكن لهم. وقد زاد عدد المتقدمين للزواج عن الثمانين. إلى جانب هذه الأعمال العظيمة، وفي مقدمتها المساعدات العينية من الأرزاق والمساعدات النقدية إلى آلاف الأسر الفقيرة بمكة، وفي آخر إحصاء لهذه الأسر بلغ تعدادها ثمانية آلاف وخمسمائة عائلة (١). هذه الأعمال العظيمة التي قامت وتقوم بها جمعية البر بمكة المكرمة، والمؤلفة من رجال أفاضل من أهل البلد الأمين الذين ساهموا بأموالهم ومجهوداتهم في أعمالها، واستقبلوا التبرعات لها من المحسنين، وواصلوا العمل عامًا بعد عام حتى أصبحت الجمعية مثالًا يحتذى في العمل الطيب وتنميته والاستمرار فيه. كان المرحوم الشيخ/ صالح جمال هو أول من أطلق الدعوة لها وواكب أعمالها أربعين سنة منذ بدء وجودها في سنة ١٣٧٢ إلى أن توفاه الله وهو يتولى رئاستها عام ١٤١١ هـ. بدأت الجمعية نبتة صغيرة في باطن الأرض، ثم نمت حتى صارت شجرة عظيمة يانعة الثمر قوية الجذور، وامتدت حتى أصبحت حديقة عظيمة تمتد ظلالها في أحياء مكة، ويصل خيرها إلى بيوت آلاف الأسر في البلد الحرام. ولم يقتصر عمل صالح جمال على جمعية البر وحدها، فقد شارك في مجالات كثيرة من مجالات العمل الاجتماعي في مكة المكرمة، كان رئيسًا للغرفة التجارية الصناعية في مكة المكرمة وكان رئيسًا لمؤسسة مطوفي العرب، وكان رئيسًا للمجلس البلدي وكان عضوًا في هيئات كثيرة لا مجال لتعدادها، والى جانب هذا كله كان يدير أعماله الخاصة في مطابع ومكتبات الثقافة وكان يشارك في المناسبات الاجتماعية الكثيرة، يشارك الناس أفراحهم وأحزانهم، ولست أدري كيف كان يوزع أوقاته بين كل هذه الأعمال والواجبات التي أكسبته محبة الناس، وثقتهم، وقد تجلَّت منزلته في قلوب الناس يوم وفاته، وما تلاها من أيام.

стр. 1208

وفاة صالح جمال: كنت مدعوًا مع أصحاب شركات نقل الحج إلى اجتماع مع معالي وزير الحج والأوقاف الشيخ عبد الوهاب عبد الواسع ضحى يوم السبت ٢٥ ذي القعدة ١٤١١ هـ، وفي قاعة الجلوس بالوزارة، وجدت المرحوم الأستاذ/ صالح محمد جمال حاضرًا لمقابلة الوزير في عمل يتعلق بحجاج المغرب وكانت المفأجاة سارة لكلينا، فكلانا مشتاق للقاء الآخر، وجلسنا جنبًا إلى جنب نتحدث ثم دعي إلى مقابلة الوزير، وحينما انتهت المقابلة دعيت مع أصحاب شركات نقل الحجاج للدخول إلى قاعة الاجتماعات. وغادرنا صالح جمال مودعًا إلى مكة، وقبيل المغرب هتف لي أحد الأصدقاء معزيًا في وفاة صالح جمال، أثر حادث مروري في طريق مكة، لقد شاء الله أن يقود سيارته، وكان قد تخلى عن قيادة السيارة منذ أعوام وأعوام. ووقع القضاء الذي لا مفر منه، وفاضت روحه الطاهرة إلى بارئها وهو في الثالثة والسبعين من العمر يرحمه الله تعالى رحمة الأبرار. توجهت إلى داره في مكة معزيًا، وفوجئت بالشوارع المحيطة بمنزله في حي الزاهر مكتظة بالسيارات، وبحركة المرور وقد توقفت، فترجلت من السيارة وسرت إلى المنزل الذي كانت الجماهير تتدفق عليه، وشققت طريقي إلى حيث يجلس أهله وفي مقدمتهم شقيقه ورفيق دربه الصديق العلامة الأديب الأستاذ/ أحمد محمد جمال، وأبناؤه الدكاترة طارق وحسن وياسر صالح جمال، والأستاذ/ فائز، وماهر، وبقية أهله وأصهاره. كان الناس وقوفًا في صفوف طويلة متراصة الأمر الذي حدا بآل جمال إلى الجلوس من كثرة ما أصابهم من الإرهاق، وكان سيل المعزين لا ينقطع. لقد حضرت مكة كلها تعزّي في صالح جمال وشارك محبوه وأصدقاءه في المدن الأخرى في الحضور من جدة والطائف وغيرها. كان هذا الحشد الكبير هو أعظم تعبير عن فداحة المصاب في الرجل الفقيد وكان كل هؤلاء المعزون بهذا الحضور الكبير يعبرون عن المكانة التي كان يحتلها صالح جمال في نفوسهم من المحبة والتقدير. لقد أحب صالح جمال الناس منذ نعومة أظفاره، وعبر عن هذا الحب بقلمه ولسانه وبعمله وإنجازاته فأحبه الناس وأوسعوا له مكانًا في قلوبهم، وأثنوا عليه الثناء كله. رحم الله صالح جمال، فقد كان مثالًا للخلق والصدق. جهر بالحق في شجاعة ورجولة، وعمل للوطن في دأب واخلاص، وقضى حياته في إعانة المحتاجين، وتيسير أمور الناس ما استطاع، ﵀ رحمة واسعة، وأحسن جزاءه إنه سميع مجيب. * * *

стр. 1209

الشيخ عبد الله غازي المكي

стр. 1210

الشيخ عبد الله غازي المكي

стр. 1211

الشيخ عبد الله غازي المكي ولد الشيخ الغازي سنة ١٢٩٠ للهجرة كما ذكر ذلك الأستاذ/ عمر عبد الجبار في ترجمته له، وذكر الشيخ/ طاهر الكردي تاريخ ولادته سنة ١٢٩١ للهجرة (١) وذكر الشيخ محمد نصيف أن الغازي وصل إلى الحجاز وهو ابن سبع سنين وتلقى العلم بمكة وبها نشأ (٢). وأيًا كان الأمر فإن الشيخ/ الغازي بحكم نشأته بمكة وتعلمه بها، وقضاء حياته فيها يعتبر عالمًا من علماء البلد الحرام. تلقى الغازي العلم في المدرسة الصولتية بمكة على أيدي الأساتذة الأفاضل من مدرِّسيها، وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، وأمَّ الناس في صلاة التراويح وهو ابن اثنتي عشرة سنة. واجتمع بكثير من علماء عصره وأخذ الإجازة منهم على ما جرى به العرف في ذلك الزمان (٣). عمل الغازي بعد تخرجه أمينًا لمكتبة المدرسة الصولتية بمكة فحُبِّبت إليه القراءة فعكف عليها واشتغل بها، وكان الرجل يعيش عيش الزاهدين يسكن في رباط بمكة يدعى رباط محمد باشا، أو رباط الحنابلة قرب باب الزيادة، جعل جزءًا صغيرًا منه مكانًا لبيع الكحل، واتخذه كذلك مكانًا مختارًا للقراءة والتأليف. فرَّغ الغازي نفسه بعد أن قرأ الكثير من كتب التاريخ مطبوعة ومخطوطة لكتابة تاريخ مكة المكرمة، فكان دائب الاشتغال بكتابة هذا التاريخ وجمعه وتنسيقه فاستوى له ما لم يستو لغيره حينما ألَّف كتابه الموسوعي عن تاريخ مكة الذي سماه "إفادة الأنام بأخبار البلد الحرام" استعرض في هذا الكتاب الضخم كلما كتبه المؤرخون عن مكة وقسَّمه إلى أبواب كثيرة تحدث

стр. 1212

فيها عن عمارة الكعبة المعظمة عبر التاريخ، وكذلك عن المسجد الحرام، وعماراته وما مرَّ فيه من الحوادث والأحداث، وشملت أبواب الكتاب تفاصيل دقيقة عن كل ما يتعلق بالبيت المعظم والمسجد الحرام، عن الحجر الأسود، والميزان، وسقف البيت، والملتزم، والحِجْر وكسوة البيت، وعن المسجد الحرام ودار الندوة وزمزم، وأبواب السجد الحرام ومنائره والمدارس والأربطة حوله، وسيول مكة وجبالها، وأسواقها، وآبارها والعيون التي جرت إليها، وعن كل ما يخطر ببال القارئ من تاريخ مكة عبر القرون، ولو أردت استعراض الأبواب التي يضمها الكتاب لطال بنا الحديث. لذلك فإني أكتفي بوصف مجمل للكتاب. كتاب إفادة الأنام مخطوط في سبع مجلدات: المجلد الأول: يقع في سبعمائة وثمان وأربعون صحيفة في كل صحيفة ستة عشر سطرًا، وفي نهايته هوامش تتكون من خمس وثلاثين صفحة بعضها خالٍ من الكتابة، وهذا المجلد يحتوي على مباحث تتعلق بالكعبة المعظمة والبيت الحرام وما وقع فيه من أحداث عبر التاريخ وعن حارات مكة وأسمائها مما لا يتسع المقام لتفصيله. المجلد الثاني: ويقع في ستمائة وواحد وثمانين صحيفة في كل صحيفة اثنى عشر سطرًا، وفي نهايته هوامش تتكون من ثلاثين صحيفة بعضها خالٍ من الكتابة. وهذا المجلد يحتوي على مباحث تتعلق بأماكن المناسك كعرفة، ومزدلفة ومنى، كما يتحدث عن شعاب مكة، وضواحيها، وعن مقابر مكة والمدفونين بها من الصحابة والتابعين والعلماء وأعلام الرجال ومواضع دفنهم. كما يتحدث عن العيون والبرك والمساقي والمطاهر، والأربطة والمدارس الموقوفة بمكة المكرمة، وأسماء مؤسسيها والموقوف عليها والأحداث التي وقعت في هذه الأوقاف عبر القرون، كما يتحدث عن سيول مكة، والأمطار التي نزلت عليها وتأثيرها على الناس في أوقاتها والعواصف والرعود، وما إلى ذلك عبر القرون. كما يتحدث هذا المجلد عن الغلاء وأسعار الطعام والأوقات التي شحَّ فيها وما إلى ذلك، ويتحدث كذلك عن الأوئبة والطواعين التي حصلت في الحجاز، ثم يتحدث عن قطع الطريق من قبل الأعراب وما يتعرض له الحجاج من النهب والفتك والقتال الذي وقع بسبب ذلك، وفي النهاية يتحدث المؤلف عن المكوس والضرائب التي فرضت على البضائع الواردة إلى جدة ومقدار جبايتها، وما كان يأخذه الملوك منها، وما يخصُّ شريف مكة فيها. المجلد الثالث: ويقع في أربعمائة وواحد وخمسين صحيفة يتكون بعضها من ثلاث عشر سطرًا، والبعض الآخر من اثنتي عشر سطرًا، ويتبع هذه الصفحات ملحقات وهوامش تتكون من مائة وسبعين صحيفة، وبخط يختلف عن الخط الذي كتب به الكتاب الأصلي،

стр. 1213

وفي هذه الملحقات تطرق المؤلف إلى مباحث أخرى تتعلق بتاريخ اليمن ونجد، والبحرين، وقبائل العرب وغيره مما يخرج عن تاريخ مكة والحجاز إلى تواريخ البلاد العربية المجاورة. ويتحدث المجلد الثالث عن المحامل التي كانت تصل إلى مكة مع حجاج مصر والعراق والشام واليمن، والصدقات التي رتبها السلاطين والملوك لفقراء الحرمين، وعن حوادث أخرى متفرقة في مكة، ثم يتحدث المؤلف في هذا الجزء عن حج الملوك والسلاطين، وينتهي هذا المجلد بحج خديوي مصر عباس حلمي سنة ١٣٢٧ هجرية وقدوم السلطان وحيد الدين آخر خلفاء سلاطين العثمانيين سنة ١٣٤١ للهجرة. الجزء الرابع: ويقع في ثلاثمائة وثلاث وخمسين صحيفة كل صحيفة ثمانية عشر سطرًا ويحتوي هذا الجزء على ولاية الشريف الحسين بن علي مكة من قبل الدولة العثمانية، ثم قيامه بالثورة عليها، وأحداث هذه الثورة، ويشتمل هذا الجزء على تاريخ الدولة الهاشمية في الحجاز إلى سنة ١٣٤٢، وقد أتبع المؤلف هذا الجزء بخمس صفحات سجل فيها قصيدة شاعري الشام خير الدين الزركلي، وشفيق جبري، وكلتا القصيدتين موجهتان إلى الشريف الحسين بن علي بعد خروجه من الحجاز، وتولِّي السلطان عبد العزيز بن سعود العرش، ومطلع قصيدة الزركلي: صبر العظيم على العظيم … جبار زمزم والحطيم وهي قصيدة مشهورة، ومنشورة في ديوانه. ومطلع قصيدة شفيق جبري: ماذا جنيت فأنت اليوم مسلوبُ … تاج الملوك وأنت اليوم مغلوب الجزء الخامس: يقع في ثلاثمائة وخمس وستين صحيفة كل صحيفة حوالي عشرين سطرًا، ويضم بقية تاريخ الدولة الهاشمية في الحجاز وما أصدرته من نظم، كما يضم الخلاف بين الشريف الحسين والسلطان عبد العزيز، والحرب التي وقعت بينهما وتنازل الشريف الحسين عن العرش لابنه علي، ومغادرته جدة، وكذلك عن أحداث الحرب بين الشريف علي والسلطان عبد العزيز واتفاق الطرفين على تسليم البلاد للسلطان عبد العزيز، وما قامت به الحكومة السعودية من أعمال. وينتهي الجزء الخامس بأحداث سنة ١٣٤٩ للهجرة. الجزء السادس: يقع في ٧٣٥ صحيفة كل صحيفة فيها ستة عشر سطرًا، ويتحدث هذا الجزء عن ولاة مكة من بعد فتح النبي صلوات الله وسلامه عليه لها، وولاتها في عهود الخلفاء الراشدين من بعده، وفي الخلافة الأموية والعباسية، كما يتحدث عن ولاة مكة من الأشراف، والحوادث التي وقعت بينهم، وكذلك عن الحوادث التي وقعت بمكة بين الأشراف، وجيوش الدول التي كانت تحكم الحجاز أو تتطلع لولايته كالمصريين

стр. 1214

والعثمانيين، وكذلك عن استيلاء الدولة السعودية الأولى على الحجاز، والحرب بينهم وبين محمد علي باشا والي مصر، والأحداث التي وقعت بعد ذلك في مكة في العهد العثماني. وتنتهي بأخبار الانقلاب العثماني سنة ١٣٢٦ للهجرة. المجلد السابع: ويقع في سبعمائة وست وخمسين صحيفة تتكون كل صحيفة من ثمانية عشر سطرًا، ويتحدث المؤلف في هذا الجزء عن حدود بلاد العرب وتقسيمها وقبائلها كما يتحدث عن بلاد اليمن وأوديتها وزراعتها، وحكامها من أول أئمة الزيدية، وأحداث اليمن السياسية مع الدولة العثمانية إلى أن يصل إلى الإمام يحيى حميد الدين، كما يتحدث عن السلطنات اليمنية واحتلال الإنجليز للمحميات التسع، ثم يتحدث عن أبها وبلاد عسير، وعلاقة آل عايض بالدولة السعودية، ودخول الجيش السعودي أبها في سنة ١٣٤٠، ويتحدث المؤلف عن الأدارسة، وابتداء دولتهم والحرب التي وقعت بينهم وبين الدولة العثمانية، ثم انضمام الأدارسة إلى الدولة السعودية وتسليم البلاد لها، ويتحدث المؤلف بعد ذلك عن بلاد حضر موت وقبائلها وسكانها وأحوالهم، ثم يتحدث عن البحرين ومدنها واستخراج اللؤلؤ منها وحكامها والأحداث التي وقعت فيها، ثم يتحدث المؤلف عن الكويت وأحوالها وولاية آل الصباح لها، وما وقع بين أمراء آل الصباح، وطلب الشيخ مبارك الصباح الحماية الإنجليزية، والأحداث السياسية التي وقعت بها، ثم يتحدث المؤلف عن بلاد نجد وحائل وعن أمراء آل الرشيد والأحداث التي وقعت بينهم إلى حين استيلاء السلطان عبد العزيز بن سعود على حائل، ثم يتحدث المؤلف عن القصيم وعن مدن نجد وقراها وعن الاحساء والقطيف والعقير، ويتحدث المؤلف كذلك في هذا الجزء عن أمراء آل سعود والأحداث التي وقعت بينهم، واستيلاء آل الرشيد على الرياض وخروج الامام عبد الرحمن بن فيصل من نجد، ثم عودة النجديين إلى الرياض بقيادة الأمير الشاب عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، وانتصاره على آل الرشيد، وعن علاقة ابن سعود بالأتراك والانجليز. ثم يعود المؤلف بعد ذلك فيتحدث عن العرب البائدة والعرب العاربة والمستعربة وعن عادات العرب في الجاهلية، وعن علوم العرب القديمة كالقيافة والفراسة وقصِّ الأثر وما إلى ذلك. ثم يتحدث المؤلف عن أسواق العرب، والأودية والجبال، ويعود المؤلف بعد ذلك للحديث عن طريق قوافل الحج من مصر، ومن دمشق ومن القدس الشريف، ومن صنعاء، ومن العراق، والرياض والكويت، ثم يتحدث عن طرق المدينة إلى مكة وطريق ينبع إلى مكة، والقبائل التي تسكن في هذه الطرق. ثم يتحدث المؤلف عن سكان مكة بعد انتشار الإسلام من الأشراف والسادة والعائلات المشهورة.

стр. 1215

ويتحدث كذلك عن أخبار مدينة جدة والأحداث التي وقعت بها، ثم يتحدث عن الطائف وقراه وحصونه ومساجده. ويختم الكتاب بذكر من دفن بالطائف من الصحابة والفضلاء والأمراء، ويعتبر هذا المجلد السابع هو خاتمة موسوعة الشيخ عبد الله الغازي الكبيرة. أسلوب التأليف: أتبع المؤلف في كتابه هذا أسلوبًا قد يكون جديدًا بالنسبة لعصره، وطريقة المؤلفين من قبله، فهو يقسم الكتاب إلى أبواب كثيرة، يتحدث في كل باب منها عن قسم معين لا يتعدَّاه إلى غيره، ويجمع في هذا القسم ما وصل إليه من كتابات المؤرخين قبله ويذكر أسماء الكتب التي نقل عنها، وأسماء مؤلفيها. فإذا تحدث مثلا عن الحجر الأسود، ذكر ابتداء وضعه في مكانه بيد الخليل إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه وما ذكره المؤلفون قبله عن هذا الحجر، ونزول جبرائيل عليه، السلام به من الجنة، ثم يذكر تاريخ الحجر الأسود، وكيف اختلف القرشيون بسببه ثم وضع النبي صلوات الله وسلامه عليه في موضعه بعد أن جعل القبائل المختلفة تشترك في حمله، وما فعله ابن الزبير بعد هدم الكعبة، فأطال الصلاة حتى يتمكن من كلَّفَهم بوضعه في مكانه ليجنِّب الناس أمر الاختلاف فيه، ثم يستعرض الحوادث التي مرَّت بالحجر الأسود واستيلاء القرامطة عليه، وأخذه معهم إلى هَجَرْ، وإعادته بعد اثنتين وعشرين سنة، ويذكر كذلك تَفَتُّت الحجر وما جرى من محاولات لاصلاحه عبر التاريخ، وهكذا لا يترك المؤلف شاردة ولا واردة في الموضوع إلا وينقل ما كتبه المؤرخون عنها. وهكذا يصنع المؤلف في كل موضوع يتحدث عنه، فالكتاب بهذا الأسلوب يكاد أن يكون موسوعيًا في المواضيع التي يتحدث عنها، وأجمل ما فيه أنه يخصص الحديث عن كل موضع في القسم الخاص به من الكتاب، ولا يتجاوزه إلى غيره، بحيث يسهل مهمة الباحث، فلا يضطره إلى البحث عن هذا الموضوع في أقسام أخرى من الكتاب إلا في الحالات التي تقتضي الربط بين موضوع وآخر، وهي قليلة جدا، ولها ما يبررها. والمؤلف يذكر مصادره غالبًا باسم الكتاب الذي ينقل عنه، وتارة باسم مؤلف الكتاب، ولو أنه عمد إلى توثيق ما ينقله بأرقام الصفحات وجعل لكل ذلك هامشًا لكان عمله أكمل، ولكنَّ المؤلف كان يكتب في زمن لم يعرف الكثير من مؤلفيه وكُتَّابه هذا الأسلوب الوثائقي في التأليف، وأنا شخصيا أعتبر الغازي مجددا في أسلوبه في التأليف بالنسبة لعصره لاتِّباعه أسلوب التقسيم الذي تحدثت عنه للمواضيع والأبواب، ولذكره أسماء المصادر التي نقل عنها، ولتعمِّده نقل ما كتبه المؤلفون قبله بأسلوبهم دون تحريف، وهي أمانة لها قيمتها في النقل، وأود أن أذكر أن هذا الأسلوب يسهِّل على الباحث الرجوع إلى المصادر التي ذكرها

стр. 1216

المؤلف، وقد جرَّبت هذا شخصيًا في مراجعة بعض الأبحاث التي ذكرها، فوجدت الأصل الذي نقل عنه مطابقًا للنقل. والروايات التي ينقلها الغازي عن المؤرخين قد تحمل بعض الاختلاف فينقلها بنصِّها ولا يتدخل فيها بتصحيح أو تعليق، ولا يدلي برأيه الخاص في الاختلاف إن وجد، فهو ينقل ما كتبه المؤرخون وبنسبه إليهم، وهو بهذا يشبه شيخ المؤرخين الإمام الطبري في طريقته في رواية الروايات وبعض هذه الروايات التي ينقلها الغازي مكذوبة، وبعضها ملفَّق لا يقبله عقل ولكنَّ الغازي ينقلها بنصها ولا يبدي رأيه فيها، ولا يعترض على ما هو منكر وظاهر البطلان. وأسوق على ذلك رواية ذكرها في حديثه عن الماء في مكة وعن عيون مكة وآبارها. فقد نقل الغازي عن كتاب "آكام المرجان في أحكام الجان" رواية منسوبة إلى الشيخ نجم الدين خليفة بن محمود الكيلاني امام الحنابلة بمكة، والذي كان يشرف على إجراء ماء العين إلى مكة يقول فيها: أنَّ رجلًا كان يعمل في الحفر فخرج مصروعًا يتكلم ويقول: نحن سكان هذه الأرض ولا والله ما فيها مسلم غيري، ولا يحل لكم أن تظلمونا، وقد أرسلوني إليكم يقولون: لا ندعكم تمرُّون بهذا الماء في أرضنا حتى تقدموا لنا حقنا، قلت وما حقكم … ؟ قال: تأخذون ثَوْرًا فتزينونه بأعظم زينه، وتلبسونه، وتزفونه من داخل مكة حتى تنتهوا به إلى هنا، فاذبحوه، ثم اطرحوا لنا دمه وأطرافه ورأسه في بئر عبد الصمد وشأنكم بباقيه، وإلا فلا ندع الماء يجري إلى هذه الأرض، والرواية طويلة ظاهرة التلفيق وينتهي من منامه بأن الشيخ نجم الدين إمام الحنابلة عرض الأمر على كبراء أهل مكة فاشتروا ثورًا وزَينوه وألبسوه، وخرجوا يزفونه إلى الموضع الذي حدَّده رسول الجان لهم، وقاموا بذبح الثور، وألقوا رأسه وأطرافه ودمه في البئر التي سمَّاها، فما أن طرحوا رأس الثور وأطرافه ودمه حتى جاء رجل إلى الشيخ نجم الدين وأشار إليه بالحفر في موضع عيَّنه له، فلما تمَّ ذلك كان الماء يموج في ذلك الموضع، وإذا طريق منقور في الجبل يمرُّ تحته الفارس فلما أصلح هذا الطريق ونُظف جرى الماء إليه يسمع هديره، ولم يكن إلا أربعة أيام، فإذا الماء بمكة وصار حول البئر موردًا. انتهى. هذه الرواية منسوبة إلى الشيخ شمس الدين الحنبلي، ويعرِّفُه ناقل الرواية بأنه ابن القيم الجوزية، ويصف من روى له الرواية بأنه من أصدق الناس وأعظمهم ديانة وأمانة، وأهل البلد كله يشهدون له بالديانة والصدق وشاهدوا هذه الواقعة بعيونهم. ويقول الشيخ الفاسي: بئر عبد الصمد المذكورة في هذه الحكاية لا تعرف الآن، والعين المشار إليها عين بازان ويغلب على ظني أن ذلك جرى فيها لما عمَّرها أصحاب جوبان، والله أعلم.

стр. 1217

هذه الحكاية أوردها كذلك تقي الدين الفاسي في شفاء الغرام منقولة عن كتاب "آكام المرجان في أحكام الجان" والرواية هذه وقعت في سنة ست وعشرين وسبعمائة التي أجرى الأمير جوبان نائب السلطنة بالعراقين الماء إلى مكة (١). ولقد عجبت من ذكر الغازي هذه القصة وهي ظاهرة الخرافة والتلفيق، وعجبت أكثر من رواية الفاسي لها فهذا العمل إن صحَّ فهو يدل على أن الخرافة في مكة في ذلك الزمان حلَّتْ محل العقل، وأن الشعوذة استولت على عقول الناس فتوارت العقيدة الصحيحة لتفسح المجال لأوهام الدجالين والمشعوذين، وإلا فكيف تقبل عقول الناس حكاية كهذه الحكاية التي يَزفُّ فيها المكيون ثورًا يزيِّنُونه ويلبسونه أحسن الحلل، ويخرجون به من مكة في موكب بالطبل والزمر، حتى يوصلونه إلى منى فيذبحونه، ويلقون رأسه وأطرافه ودمه في بئر استجابة لطلب الجن الذين يتحكمون في الماء فيجرونه أو يمنعونه، ونجد هذه الرواية منسوبة إلى نجم الدين خليفة بن محمود الكيلاني أمام الحنابلة المعروف بصدقه وأمانته ويتحسر في نهايتها شمس الدين الحنبلي الذي هو ابن القيم الجوزية على أيام الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب الذي يفرق منه الشيطان، فيجري ماء النيل دون أن يذبح له عصفور. ترى هل نسي الشيخ شمس الدين، والشيخ نجم الدين إمام الحنابلة، هل نسوا الآية القرآنية الكريمة في حرمة الذبح لغير الله تعالى. حُرِّمَتْ عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أُهِلَّ لغير الله به .. إلى آخر الآية الكريمة؟ وأين علماء مكة من هذا الحدث البالغ الخطورة؟ هذه الحادثة لم يقبلها عقلي، ولم أوردها لأنها كانت ظاهرة التلفيق والكذب وقد أيَّد ذلك عندي حادثة أخرى رواها الشيخ الغازي منقولة عن كتاب بلوغ القرى للعلامة عمر بن فهد، في سنة ٨٩٠، وهي تشبه الحادثة الأولى بنصها ورد فيها اسم المحتسب سنقر الجمالي ووظيفته شاد العماير السلطانية، وقد خرج الموكب من بيت المحتسب بالثور المزين بالملابس والحلل، والطبل والزمر إلى بركة ماجن في أسفل مكة، وسار الموكب بعد ذلك إلى أعلى مكة بسوق الليل وإلى بئر المظلمة التي يبدو أنها كانت في أعلى مكة بسوق الليل، وقد زُفَّ هذا الموكب الخرافي لأن مجرى عين عرفة ودبولها عميت على القائمين عليها فأرادوا بتقديم هذا الثور أن يستعينوا على معرفتها، ولكنَّ ابن فهد الذي روى هذه الحادثة لم يذكر ما أسفرت عنه من نتائج كما وقع بالنسبة للثور السابق (٢). إن تكرار هذه الحادثة يدلُّ على أنها من الروايات المكذوبة التي يتداولها الناس في العهود التي تشيع فيها الخرافات والجهل، ويستولى فيها المشعوذون على عقول العامة وأشباههم، ولكن الغريب في الأمر أن هذه الخرفات يسجلها مؤرخون أمثال تقي الدين الفاسي، وعمر بن فهد، وهما من علماء مكة ومؤرخيها.

стр. 1218

لقد امتنعت عن إيراد هذه الرواية فيما نقلته عن الغازي، لأني موقن بعدم صحة وقوعها، ولست أدري إن كان نقل الغازي لها إنما تم على طريقته في النقل على مسئولية المنقول عنهم، أو أنه كان موقنًا بصحة ما ينقل، والطريقة التي أراها صحيحة هي أنه إذا كان لابد من أداء الامانة في النقل فإن الواجب هو التأكد من صحة ما ينقل عن المؤرخين، أو إبداء الرأي في ذلك وهو أضعف الإيمان. أما نقل الأخبار المشوهة والخرافية دون تعليق فهو يقدم للقاريء صورة مشوهة عن زمن الرواية وأهله. ونعود بعد هذا الاستطراد إلى إكمال الحديث عن الغازي وكتابه إفادة الأنام. لقد ذكرنا موجزًا عن المواضيع التي تطرق إليها الغازي في المجلدات السبعة التي تضمها موسوعته الفذة، والتي بلغت صفحاتها أربعة آلاف وثلاثمائة وأربع وعشرين صفحة، والتي أوقف حياته على تدوينها، فقد ذكر معاصروه أن الرجل كان مشغولًا بالكتابة والتأليف في حانوته الصغير وكان لا يمرُّ به أحد إلا ويراه عاكفًا على الكتابة، والأوراق بين يديه، والكتب أمامه، ولم يكن إفادة الأنام هو الكتاب الوحيد الذي ألفه الغازي، ولكنه أهم كتبه وأجمعها. وقد اخترت أن يكون ما أكتبه عنه مستمدًا من هذا الكتاب الهام، وأسارع فأقول إن هذه الصفحات الكثيرة التي سيقرأها القاريء مختارة من المجلدين الأول والثاني ونصف المجلد الثالث، والسبب في ذلك هو أنني اقتصرت في اختياري على أخبار مكة والكعبة المعظمة والمسجد الحرام وما يتعلق بهما، وحارات مكة، ومساجدها، وجبالها، وآبارها، وعيونها، وبالمشاعر المقدسة وما يتعلق بها عبر القرون، وأود أن أذكر كذلك أنني لم أنقل عن الغازي كل ما أورده في هذا الصدد وإنما نقلت عنه الأخبار أو الأحداث التي لم ترد فيما كتبته سابقًا في هذا الصدد، فقد سبق لي أن لَخَّصْتُ كتابَيْ الشيخ حسين باسلامة عن المسجد الحرام والكعبة المعظمة في الجزء الثاني من أعلام الحجاز (١) كما لَخَّصْتُ كتاب أحمد السباعي تاريخ مكة (٢)، وجزءًا من كتاب تاج تواريخ البشر لأحمد محمد الحضراوي (٣) في الجزء الثالث من أعلام الحجاز. ولقد كان كتاب إفادة الأنام للغازي مصدرًا من أهم مصادر السباعي في كتابه تاريخ مكة كما أن الشيخ حسين باسلامة قد استعرض نفس المصادر التي استقى منها الغازي فحرصت أن يكون ما أنقله عن إفادة الأنام، مما لم يسبق لي الحديث عنه في الترجمات التي ذكرتها آنفًا حرصًا على عدم التكرار، وقد أشرت إلى ذلك فيما نقلته.

стр. 1219

كما أنني لم أتعرض للحوادث السياسية التي خصَّص الغازي لها أبوابًا كثيرة لأن الحديث عنها ليس مكانه هذه الترجمة، ولكنها ستكون مصدرًا هامًا لمن يرغب الكتابة عن تاريخ الحجاز السياسي عبر القرون. فقد جمع الغازي في إفادة الأنام الكثير من أخبار الحوادث السياسية، ولا شك عندي أنه كان أحد المصادر الهامة للأستاذ أحمد السباعي في كتابه تاريخ مكة. هناك مسألة أخيرة لابد من ذكرها .. كان الغازي حريصًا على أن يسجل كل ما يصل إليه علمه من تاريخ مكة وغيرها من البلاد العربية، وكان في نفس الوقت شديد الحرص على أن يظلَّ كتابه هذا مخطوطًا لا يُطبع ولا يُتداول بين الناس. رأيت هذا مسجلًا في النسخة التي تفضل بإهدائها إليَّ صديقنا العلامة الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان، وهي مصورة عن النسخة المخطوطة التي اشتراها كبير جدة الشيخ/ محمد نصيف من الغازي، والتي ذكر في جميع أجزائها حرص المؤلف الشديد على عدم سماحه بطبعها، وكان الشيخ محمد نصيف يرحمه الله يؤكد تعهده للمؤلف بذلك. وعلى أي حال فإن رغبة المؤلف قد احترمت حتى الآن. ولا شك عندي أن الدافع للشيخ الغازي على إبقاء كتابه مخطوطا، وعدم تداوله أن الرجل تحدث عن أحداث كثيرة في أزمان مختلفة فهو من مواليد عام ١٢٩١، وقد عاصر الأحداث الكثيرة التي وقعت في مكة خاصة، وفي الحجاز والعالم من حوله عامة، عاصر العثمانيين، وأمراء الأشراف في العهود العثمانية، كما عاصر الدولة الهاشمية في عهد الملك حسين بن علي وابنه الملك علي بن الحسين، وعاصر كذلك الدولة السعودية من بداية عهدها في الحجاز إلى أن توفاه الله سنة ١٣٦٥ للهجرة (١) وقد ظل الرجل يواصل الكتابة طيلة حياته، حتى استوى له هذا الكتاب الموسوعي العجيب، ولا شك عندي أن الرجل خشى أن يكون في بعض ما كتبه ودوَّنه ما لا يرضى عنه البعض من الناس، فآثر السلامة، وأصرَّ على أن يبقي ما كتبه مخطوطًا لا تصل إليه الأيدي والأبصار، ولا شك عندي أنه لولم يثق ثقة تامة بالشيخ محمد نصيف لما قدَّم إليه كتابه أو باعه له، فقد قال الشيخ/ محمد نصيف أن الكتاب مملوك له، كتب ذلك في مقدمة المجلد الأول بخطه الذي أعرفه جيدا، وفي الأجزاء الأخرى. وفي رأيي أن الكتاب يحتوي على كل ما يتعلق بتاريخ مكة عبر القرون، وهو جدير بأن ينشر في أجزاء متسلسلة يحمل كل جزء منها موضوعا خاصًا، وحبذا لو تكلفت إحدى الجامعات بتحقيقه والتعليق عليه من قبل رجال متخصصين، وطبعه ونشره. فإن الكتاب يعتبر مصدرًا هامًا من مصادر تاريخ مكة المكرمة عبر القرون.

стр. 1220

مؤلفات الغازي: ألَّف الغازي كتبا ذكرها مترجموه وهي: - إفادة الأنام في سبع مجلدات مخطوط وهو الذى نقلنا منه مختارات في هذه الترجمة. - مجموع الأذكار من أحاديث النبي المختار. - رسالة في ذم اللعب واللهو سمَّاها "كشف ما يجب من اللهو واللعب". - رسالة في الفرائض سماها "بيان الفرائض شرح بدائع الفرائض". - فتح القوي في ذكر أسانيد السيد حسين الحبشي العلوي. - تنشيط الفؤاد من تذكار الإسناد، أو إرشاد العباد إلى طريق الإسناد، في مجلدين. - نظم الدور في اختصار نشر النور والزهر، وهذا الكتاب اختصار لكتاب الشيخ عبد الله مرداد أبو الخير الذي يضم تراجم لعلماء مكة من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر، ولا يزال اختصار الغازي لهذا الكتاب مخطوطًا، ولكن ظهر اختصار آخر لهذا الكتاب، وترتيبه وتحقيقه للأستاذ محمد سعيد العامودي، يرحمه الله، والأستاذ أحمد علي، أمدَّ الله في عمره. - نثر الغرور في تذييل نظم الدرر في تراجم علماء مكة المكرمة، وفي هذا الكتاب المخطوط أورد الغازي تراجم لعلماء مكة الذين لم يرد ذكرهم في كتاب عبد الله أبو الخير مرداد حيث توفي عام ١٣٤٣ للهجرة، وهو في نظري مرجع لتراجم علماء مكة في عصر الغازي نفسه لأنه يترجم للعلماء الذين عاصرهم في القرن الثالث عشر والرابع عشر للهجرة (١). وبعد فقد أطلنا الحديث عن الغازي وكتابه إفادة الأنام، وآن لنا الآن أن نفتح صفحات هذه الموسوعة لنقدم للقاريء مختارات منها. * * *

стр. 1221

بناء الكعبة في عهد قريش ذكرنا في الجزء الثاني من أعلام الحجاز بناء قريش للكعبة قبل الإسلام، وقد جاء فيه أن السفينة التي انكسرت قرب ساحل جدة والتي اشترت قريش أخشابها كانت لرجل رومي يتجر إلى بندرٍ وراء ساحل عدن. ونقل الشيخ الغازي في إفادة الأنام رواية أخرى نوردها بنصها إكمالًا للموضوع قال الأموي: كانت هذه السفينة لقيصر ملك الروم يحمل فيها الرخام والخشب والحديد مع باقوم إلى الكنيسة التي أحرقها الفرس بالحبشة، فلما بلغت قرب مرسى جدة، بعث الله عليها ريحا فحطمتها. نجار قبطي بمكة يصنع سقفًا للكعبة: ونقل الغازي عن ابن إسحق أنه كان بمكة قبطي يُعْرَفُ بنجر الخشب وتسويته فوافق قريشًا أن يعمل لهم سقفًا للكعبة ويساعده باقوم (١). دعائم الكعبة من العود القافلي: ذكرنا في الجزء الثاني من أعلام الحجاز أن عبد الله بن الزبير جعل على الكعبة وأساطينها صفائح الذهب وجاء في إفادة الأنام رواية أخرى نوردها فيما يلي: جاء في ذكر بناء ابن الزبير للكعبة أنه جعل فيها ثلاث دعائم في صف واحد، وكانت قريش قد جعلت فيها ست دعائم في صفين. يقول لبيب البتنوتي في الرحلة الحجازية عن هذه الدعائم الثلاث أنها من العود القافلي عليها مقاصير ترتكز على حائط الميزان من جهة، وحائط الحجر الأسود من جهة أخرى، وقطر كل عمود نحو ثلاثين سنتيمترًا، وهي من زمن عبد الله بن الزبير، وقيمتها أكبر من أن يقدر لها ثمن ويقال أن عليها كتابة محفورة ولكني لم أرها (٢).

стр. 1222

أراد السلطان أن يجعل حجارة الكعبة من الذهب والفضة: نقل الغازي عن السيد أحمد دحلان في السالنامة الحجازية أن السلطان أحمد بن السلطان محمد بن مراد سليم الثاني بن سليمان الأول فاتح مصر أنه أراد أن يجعل حجارة الكعبة المعظمة ملبَّسة حجرًا بالذهب وحجرًا بالفضة، فمنعه شيخ الإسلام المولى محمد بن سعد الدين وقال له: هذا يزيل حرمة البيت، ولو أراد الله لجعله قطعة من الياقوت فكفَّ السلطان عن ذلك (١). لون الحجر الأسود من الداخل: ذكرنا في الجزء الثاني من أعلام الحجاز ما أورده المؤرخون عن الحجر الأسود والحوادث التي تعرض لها ونضيف إلى ذلك ما ذكره الشيخ الغازي إكمالًا للفائدة. جاء في ذكر عمارة الكعبة الشريفة في العهد العثماني ما يلي: وفي سابع رجب حضر مولانا الشريف وبعض أبناء عمه وجملة من الأعيان، وأرباب العمارة، وأرادوا خلع الحجر الأسود لتمكينه في محله على وجه الكمال، فما أمكن لهم ذلك، وغاية ما قدروا عليه رفع الحجر الذي فوقه. يقول المؤلف: وأخبرني مولانا الشيخ عبد العزيز الزمزمي، وكان حضر هذا المجلس معهم أنه رأى باطن الحجر، وأن لونه أشهب، وأنه مربع كتربيع المفتاح (٢). أقول: كانت عمارة السلطان سليم العثماني للمسجد الحرام بدأت في سنة ٩٨١ للهجرة واستمرت حتى سنة ٩٨٤ هـ، وقد كانت عمارة عظيمة أبدلت فيها السقوف الخشبية بالقباب الموجودة حاليا، وتوفي السلطان سليم قبل إتمامها فأكملها السلطان مراد الثاني (٣) ونقل الغازي عن الشيخ محمد بن علان الصديقي وهو يتحدث عن شظايا الحجر الأسود حينما تفتت بعضها وأخرجت في عمارة الكعبة الشريفة التي حدثت في عام ١٠٣٩ هـ. يقول محمد بن علان وأخبرني الجمَّال الوقاد أن لون ما انكشف من الأحجار التي تفتت أخضر زيتي، وقال غيره فيه شوب صفرة كالمحبب بالزعفران (٤). أقول: العمارة التي حدثت في سنة ١٠٣٩ هـ كانت بسبب سقوط الجدار الشامي للكعبة، كما سقط بعض جداريها الشرقي والغربب، وقد فضلنا ذلك في الجزء الثاني من أعلام الحجاز (٥).

стр. 1223

ذرع الحجر الأسود: وجاء في الرسالة التي ألفها الشيخ/ محمد بن علان الصديقي الشافعلي والتي سماها "العمل المفرد في فضل وتاريخ الحجر الأسود" ما يلي: ولون ما يستتر من الحجر الأسود بالعمارة في قدر الكعبة أبيض بياض حجر المقام، وذرع طوله نصف ذراع بذراع العمل، وعرضه ثلث ذراع، ونقص منه قيراط في بعضه لتآكل ذلك المحل منه، وسمكه أربعة قراريط (١). أقول: قد يرى القارئ في وصف لون الحجر الأسود اختلافا بين الرواة، ولعل مرد ذلك إلى وصف كل منهم للألوان حسب تقديره لها، وحسب الأوقات التي تمت فيها الرؤية وتعرض الحجر للضوء، ولكن الأوصاف كلها متقاربة في حقيقتها. إحضار خشب الساج من بيوت جدة لعمارة الكعبة: ويقول الشيخ/ محمد بن علان في حديثه عن عمارة الكعبة الشريفة في العهد العثماني: وفي يوم السبت بوم عيد المعراج، أصبح ابن شمس الدين من جدة، وقد عين لسقف الكعبة من خشب الساج من بيوت جدة، وينتقد ابن علان شمس الدين هذا فيقول: وارتكب في جمعه ما يجازيه الله تعالى عليه في عرصات القيامة، فكم أخرب بيتا وهدم وقفا، والبيت في غنى عن ذلك، وقد كان بغير سقف في بناية إبراهيم ﵇. وقد ألهم الله قريشا في الجاهلية أن لا يدخلوا في البيت شيئا غصبًا وأن إخراج أذرع منه إلى الحجر أهون من إدخالهم ذلك فيه فانتبه (٢). أقول: لم يقدم الشيخ بن علان تفصيل ما اغتصب من بيوت جدة تأييدا لما أورده عن ذلك، أما عن المعراج فإن يوم المعراج هو يوم السابع والعشرين من شهر رجب كما تعارف الناس في تلك الأيام. عربة يجرها إثنى عشر جملا لنقل عمود من الخشب للكعبة: ويقدم لنا الشيخ بن علان صورة لنقل أحد الأعمدة الثقيلة المراد استعمالها في عمارة الكعبة يقول: وصل كاتب جدة المحروسة الشهاب أحمد القباني ومعه بعض أخشاب السقف الباقي ووصل "بالبستل" قطعة من دَقَلِ مَرْكُبٍ من نحو ثلاثة، حمل من جدة على عجلتين مقدمين ومثلهما مؤخرين، وجُرَّتْ بإثنى عشر جملًا، وأدخلت القطعة من باب الصفا حملها إثنى عشر رجلا، ووضعوها أمام المقام المالكي.

стр. 1224

أما العمودان الباقيان لسقف الكعبة فقد حمل أحدها على خمسة عشر رجلا وألقيتا عند باب إبراهيم (١). أقول: الدَّقَل بتشديد الدال وفتحها وفتح القاف، هو العمود القوي الذي يستعمل في الراكب الشراعية، والذي يربط إليه الشراع، ويكون عادة من أقوى أنواع الخشب وأثقلها ليتحمل ضغط الرياح التي تتعرض لها الراكب الشراعية في البحر، وقد تمَّ نقل هذه العمدان من جدة إلى مكة كما ذكرلنا الشيخ بن علان بعمل مركبة ذات عجلتين في مقدمتها وعجلتين في مؤخرتها ووضعت الأعمدة على هذه العجلة، وقام بجرها إثنى عشر جملًا حتى أمكن إيصالها إلى المسجد الحرام في مكة. السلم الذي يصعد به إلى الكعبة: عقد الشيخ عبد الله الغازي فصلا عن السلم الذي يصعد به إلى الكعبة، نلخص ما جاء فيه بما يلي: كان السلم الذي يصعد به إلى الكعبة في زمن مؤرخ مكة أبو الواليد الأرزقي وهو من رجال القرن الثالث (٢) من خشب الساج وفيه ثلاث عشر درجة. وذكر الشيخ محمد بن علي الطبري في الإتحاف: أن المؤيد الجركسي أرسل في سنة ثمانمائة وثمانية عشر، منبرا حسنا إلى المسجد الحرام، كما أرسل درجة يصعد عليها إلى الكعبة، ووصل المنبر والدرجة إلى مكة في موسم العام المذكور. وقال السنجاري في المنائح: وفي سنة ألف وتسعين جدد شيخ الحرم درجة الكعبة وجعل لها حاجزًا من خشب وكان أول الدخول عليها يوم الجمعة سادس عشر رمضان من العام المذكور. والى جدة يمنع وصول درجة مهداة إلى الكعبة: وجاء في إتحاف فضلاء الزمن: أن رجلا من أثرياء الهند يدعى حسين حميدان، أرسل في سنة سبع وعشرين ومائة وألف، درجة للكعبة، فامتنع والي جدة سليمان باشا عن قبولها وقال: لا أركبها، فبقيت الدرجة المذكورة في جدة إلى أن انتهت ولاية سليمان باشا فأرسلها الوالي الجديد محمد المعمار إلى مكة فوصلت إليها وركبت في الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة وألف، ولكنَّ شريف مكة أمر برفعها ولم يمض على بقائها إلا ثفينية أيام، وأمر كذلك بإعادة الدرجة القديمة لعدم استئذانه، واستئذان السلطنة في أمرها، فحفظت في بيت السادن الشيخ/ عبد القادر الشيبي وأسلوا إلى الأستانة يستأذنون السلطة في الأمر، ولم يصل الأمر باستعمالها من الأستانة إلا في مفتتح سنة ألف ومائة واثنين وثلاثين بعد أن ظلت حبيسة في بيت السادن ض سنوات.

стр. 1225

وجاء في وصف هذه الدرجة أو هذا السلم أنه قام بخدمة دهنها وزخرفتها الحاج خضر الشامي بأمر إبراهيم باشا والى جدة حتى صارت نزهة من النزهات وفرحة من الفرحات. سلم الكعبة: ويواصل الشيخ/ عبد الله الغازي حديثه عن سلم الكعبة فيقول: وفي سنة ألف ومائتين وعشرين أرسل نواب مدراس محمد منور خان درجة للكعبة من خشب الساج فيها إحدى عشر درجة. وفي سنة ألف وثلاثمائة أرسل إلى مكة نواب رانقون - علي خان - درجة من الخشب ملبسة بالفضة من جميع جوانبها وأحضر هذه الدرجة أو هذا السلم على الأصح مندوب عن نواب رانقون اسمه حسين بخش خان، ولكنَّ الحكومة في مكة امتنعت عن استعمال هذا السلم الفضي إلى أن يستأذن السلطنة في أمره، فلما وصل الإذن بذلك جعلت لاستعمال النساء في يوم نوبتهم. يقول الشيخ/ الغازي: ثم ترك استعمالها مرة واحدة، وبلغت مصاريفها التي صرفت مع ما عليها من الفضة خمسة وثمانين ألفا وثلاثمائة وأربع وستين ريالا، ذكر ذلك الشيخ/ نجم في أخبار الصناديد (١). أقول أدركت السلم الذي يصعد به إلى داخل الكعبة، وهو ملبس بالفضة من جميع جوانبه في منتصف القرن الرابع عشر الهجري، ووصفه مطابق لوصف السلم الذي أهداه نواب رانقون، ولكنني لا أستطيع الجزم بأنه هو، وربما كان لدى إدارة الحرم المكي الشريف علم عن حقيقة الموضوع. عمر بن الخطاب يقسِّم كسوة الكعبة على الحجاج: نقل الشيخ/ عبد الله الغازي رواية عن الأرزقي مؤرخ مكة قال: حدثني جدي عن مسلم بن خالد عن ابن أبي نجيح عن أبيه أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، كان ينزع كسوة البيت فيقسمها على الحجاج (٢). معاوية يقسم الكعبة بين أهل مكة: وكساها معاوية بن أبي سفيان الديباج مع القباطي وأمر شيبة بن عثمان أن يجرد الكعبة عن الكساوي ويخلِّقها بالطيب، ويلبسها ما جهزوا لها، فجرَّدها وطيَّبها، وطيَّب جدرانها بالخلوق وكساها تلك الكسوة التي بعث بها معاوية، وقسَّم الثياب التي كانت عليها بين أهل مكة وكان عبد الله بن عباس ﵄ حاضرًا في المسجد الحرام فما أنكر ذلك ولا كرهه (٣).

стр. 1226

عائشة تستفتى في ثياب الكعبة القديمة: أخرج الأرزقي عن شيبة بن عثمان أنه دخل على عائشة ﵂ فقال: يا أم المؤمنين: إن الكعبة تجتمع عليها الثياب الكز فنعمد إلى بئر فنحفرها وندفق فيها ثياب الكعبة، فلا يلمسها الجنب والحائض، فقالت عائشة: ما أصبت، وبئس ما صنعت، إن ثياب الكعبة إذا نزعت عنها لا يضرها من لمسها مني حائض أوجنب، ولكن بعها، واجعل ثمنها في سبيل الله تعالى، وابن السبيل، وتصدَّق بثمنها. ونقل جواز البيع عنّ ابن عباس ﵄، وقد بحث هذا الموضوع علماء الشافعية وأجاز بعضهم البيع، وفوض بعضهم الأمر فيها إلى الإمام، وقد استعرض الغازي أقوال الفقهاء في أمر كسوة الكعبة القديمة ثم أورد رأيه فقال: والذي يظهر لي أن كسوة الكعبة الشريفة إن كانت من قبل السلطان، من بيت مال المسلمين فأمرها راجع له، يعطيها لمن يشاء من الشيبيين وغيرهم، وإن كانت من أوقاف السلاطين وغيرهم فأمرها راجع إلى شرط الواقف فيها لمن عيَّنها - وإن جُهل الشرط عمل فيها بما جرت به العوائد السابقة كما هو الحكم في سائر الأوقاف. كسوة الكعبة بين أمراء مكة والسادن: نقل الفاسي أن أمراء مكة كانوا يأخذون من السدنة ستارة باب الكعبة في كل سنة مع جانب كبير من كسوتها، أو ستة آلاف درهم كاملة عوضا عن ذلك إلى أن رفع ذلك عنهم السيد عنان بن مغامس لمَّا ولي أمر مكة في سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وتبعه أمراء مكة في الغالب. ثم أن السيد حسن عجلان بعد سنين من ولايته صار يأخذ منهم الستارة وكسوة المقام، ويهديهما لمن يريد من الملوك وغيرهم، وقد استمر الأمر كذلك من أمراء مكة بعد السيد حسن عجلان مع الحجبة إلى يومنا هذا .... انتهى. أقول: إن كاتب هذا هو السيد تقي الدين الفاسي مؤرخ مكة المكرمة، ومنه يفهم ما جرت عليه العادة في أمر الكسوة في زمنه. كيفية قسم الكسوة بين السدنة: ونقل الغازي عن الشيخ/ حسن الشيبي في الإتمام: أن العادة التي تداولت في كسوة الكعبة المعظمة هو أن حجبة الكعبة المعظمة من بني شيبة يأخذون الكسوة العتيقة لأنفسهم ويقسمونها بينهم بالسوية ذكورا وإناثًا وأطفالًا، وأن المولود منهم في يومه يستحق كما يستحق الشيخ منهم ويجعلون لرأسهم أي شيخهم سهمين كما هي عادتهم في تقسيم الهدايا من الزوار بينهم (١).

стр. 1227

أقول: كانت الكساوي التي تهدى إلى الكعبة حتى من قبل الإسلام تترك عليها ولا تنزع وقد أوردت في الجزء الثاني من أعلام الحجاز: ما ذكره مؤرخو مكة المكرمة عن هذا الأمر (١) وأوردنا هنا ما ذكره الشيخ/ الغازي في إفادة الآنام إكمالا للبحث ومنه علمنا الرأي الحصيف الذي أفتت به أم المؤمنين في أمر كسوة الكعبة بعد أن تنزع عنها، وما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في تقسيمها للحجاج، وما فعله معاوية من تقسيمها بين أهل مكة، وما ذكره الفقهاء في أمر الكسوة، وقد أصبحت الكسوة منذ عام ١٣٤٥ تصنع في مكة المكرمة وتصرف عليها الدولة كما هو معلوم. الوليد بن عبد الملك يحلِّي باب الكعبة وأساطينها بالذهب: ذكر الأرزقي أن الوليد بن عبد الملك أرسل بستة وثلاثين ألف دينار، يضرب منها على باب الكعبة صفائح الذهب، وعلى أساطينها، وعلى الميزاب، وعلى أركانها من الداخل (٢) أقول: الوليد بن عبد الملك سادس الخلفاء الأموين، وقد اشتهر بحبه لعمارة المساجد، وصرفه عليها بسخاء وهو الذي بنى جامع بني أمية في دمشق، كما أدخل بيوت النبي ﷺ في المسجد النبوي الشريف وزاد فيه زيادة عظيمة (٣). الخليفة المتوكل يصفح زوايا الكعبة بالذهب: وذكر الأرزقي أن حجبة الكعبة أرسلوا إلى الخليفة المتوكل العباسي يذكرون أن زاويتين من زوايا الكعبة من داخلها مصفح بالذهب، وزوايا أخرى مصفحة بالفضة، وسألوه أن يجعل الزوايا كلها مصفحة بالذهب، فأرسل المتوكل إلى إسحاق بن - الاسم غير واضح - الصايغ ذهبا، وأمره بعمل ذلك، فكسر إسحاق تلك الزوايا وأعادها من الذهب، وعمل منطقة من فضة ركبها فوق باب الكعبة من داخلها عرضها ثلث ذراع، وجعل لها طوقا من الذهب متصلا بهذه المنطقة. قال الأرزقي: وكان أسفل الباب عتبة من خشب الساج ففسدت، وتآكلت فأبدلها بخشب آخر وألبسه صفائح من فضة. قال إسحاق الصايغ: وكان مجموع الزوايا والطوق الذهب ثمانية آلاف مثقال ومنطقة الفضة وما على الباب وما حلِّي به المقام من فضة سبعين ألف درهم (٤).

стр. 1228

بعض ولاة مكة يقطع الذهب من عضادتي باب الكعبة: ذكر التقى الفاسى أن بعض ولاة مكة قطع أيام الفتنة عضادتي باب الكعبة وغيرها وسبكها دنانير، وصرفها على الفتنة. الخليفة المعتضد يعيدها ذهبا: فكتب حجة البيت إلى الخليفة المعتضد بذلك فأمر بإعادة ذلك جميعه فأعيدت كما أشار به (١) أقول: ولي الخليفة العباسى المعتضد في سنة تسع وسبعين ومائتين وكان خليفة حازما أعاد للخلافة هيبتها بعد أن ضعف أمر الخلفاء، وفي أيامه ظهر القرامطة ووقعت بينه وبينهم وقائع كثيرة مبسوطة في كتب التاريخ (٢). أما الفتنة التي ذكر أن بعض ولاة مكة أخذ فيها عضادتي باب الكعبة الذهبيتين وسبكها دنانير وصرفها على الفتنة فلم أعثر على نص صريح عنها، ولكن وقعت في مكة قبل خلافة المعتضد فتنة في سنة مائتين واثنين وسبعين بين أمير مكة ويوسف بن الساج وبدر غلام أحمد الطائى أمير المدينة المنورة ووقع القتال على أبواب المسجد وأسر ابن الساج بدرا، فغضب له بعض أهل الحج، وثاروا على ابن الساج حتى أسروه وساقوه إلى بغداد فربما كانت هذه الفتنة هي التي وقع فيها ما أشار إليه الحجبة (٣). أم الخليفة المقتدر تلبس إسطوانات البيت الشريف ذهبا: وذكر الفاسى أن أم الخليفة المقتدر العباسى أمرت غلامها لؤلؤان يتوجه إلى مكة وأن يلبس جميع اسطوانات البيت ذهبا ففعل ذلك في سنة عشر وثلاثمائة (٤). الوزير الجواد يحلى أركان الكعبة بصفائح الذهب والفضة من الداخل: وذكر الفاسى أن الوزير جمال الدين بن محمد بن على بن منصور المعروف بالجواد الذى تولَّى الوزارة في مصر سنة تسع وأربعين وخمسمائة، أرسل صاحبه إلى مكة ومعه خمسة آلاف دينار ليعمل صفائح الذهب والفضة في أركان البيت من الداخل (٥). أقول: ذكرنا قبلا أن الخليفة المتوكل العباسى أمر بعمل زوايا الكعبة من الذهب، ولابد أن هذه الزوايا الذهبية قد ذهبت بتو إلى القرون أو ذهب بعضها فأراد الوزير الجواد أن يعمل شيئا فيها.

стр. 1229

هدايا الكعبة: كنت ذكرت في الجزء الثاني من أعلام الحجاز تلخيصا لكتاب الشيخ حسين عبد الله باسلامة عما ورد من الهدايا للكعبة المعظمة عبر العصور، وقد وجدت ذلك كله مسجلا في كتاب إفادة الأنام للشيخ/ عبد الله الغازى مع هدايا أخرى لم يرد ذكرها في كتاب الشيخ/ باسلامة فرأيت إكمالا لهذا البحث أن أذكرها هنا، وأود أن أذكر أيضا أنه ربما كانت هناك هدايا أخرى كثيرة لم نتطرق إلى ذكرها لأن ما بأيدينا من كتب المؤرخين لم يتطرق إليها. الظاهر بيبرس يهدى قفلا للكعبة: أهدى الظاهر بيبرس صاحب مصر قفلا ومفتاحا للكعبة المشرفة وركب عليها القفل المذكور أقول: الظاهر بيبرس من سلاطين المماليك، تولى السلطنة في مصر بعد مقتل السلطان قطز في شهر ذي القعدة سنة ٦٥٨ وبالرغم من اشتراكه في مقتل السلطان قطز إلا أنه كان من المشاركين في حرب التتار وانتصار المسلمين عليهم (١). الكوكب الدري إلى المدينة المنورة: جاء في تحصيل المرام: أرسل السلطان أحمد بن محمد بن مراد الكوكب الدري وقال: لا قيمة له، ولم يسبق لأحد من ملوك الهند والعجم مثله وعلق على القبر الشريف (٢) أقول: لا قيمة له تعنى أن قيمته لا تقدر بمال. حجر من الماس من آثار الدولة العثمانية: وفي سنة ألف ومائة وثمانية وأربعين قدم شعبان أفندي المدينة المنورة ومعه حجر من الماس محفوف بأحجار مختلفة مكتوب بصفائح الذهب والفضة، وهذا الحجر من آثار الدولة العثمانية فوضع الحجر المذكور تحت الحجر الذى وضعه السلطان أحمد خان (٣). حجران من الماس ثمنهما ثمانون ألف دينار: وقال السيد/ أحمد دحلان في السالمنامة، ومن مفاخر السلطان أحمد أنه في سنة أربع وعشرين وألف بعث للحجرة النبوية الشريفة فصين من الألماس قيمتهما ثمانون ألف دينار، فوضعها فوق الكوكب الدري، وهذا الكوكب تجاه الوجه الشريف، وهو مسمار من الفضة مموه بالذهب. في رخامة "الكلمة غير واضحة تماما" حمراء، من استقبله كان مستقبل الوجه

стр. 1230

الشريف (١) أقول: ذكرنا في الجزء الثاني من أعلام الحجاز نقلا عن كتاب مرآة الحرمين لإبراهيم رقعت باشا أن الحجرين من الألماس المذكورين نقلهما فخري باشا إلى الاستانة خلال الحرب العالمية الأولى، ولم يعادا إلى الآن (٢) وفخري باشا هو القائد التركى ووالي المدينة قبيل الحرب العالمية الأولى وحينما قام الشريف الحسين بن على بالثورة ضد الدولة العثمانية قاوم الثورة مقاومة شديدة وحينما ترك المدينة أخذ معه ذخائر الحجرة النبوية الشريفة وهداياها ومن ضمنها الكوكب الدري، وأحجار الماس التي مرَّ ذكرها، وقال لى بعض الإخوان أنها موجودة بمتحف توب كابى في مدينة استنبول، أما الوصف الذى نقل عن السالنامة للكوكب الدري فيبدو لي أنه غير دقيق، لأن المعروف أن الكوكب الدري هو حجر كبير من الألماس الثمين لا تقدر قيمته بمال كما ورد في وصفه قبل، وليس مسمارا من الفضة مموها بالذهب. البتنوني يصف الذخائر الموجودة في الكعبة: نقل الغازي عن الرحلة الحجازية للبتنوق ما يلي: ومعلق في سقف البيت - الكعبة - كثير مما بقى من الذخائر التي أهديت إلى الكعبة، ومن ذلك مصباحان ذهبيان مرصعان بالجوهر، أهداهما للكعبة السلطان سليمان القانوني سنة ٩٨٤ (٣). أقول: حج الخديوى عباس حلمى الثاني خديوى ممر في سنة ١٣٢٧ هجرية، وكان محمد لبيب البتنوني في ركاب الخديوى وألف كتابا سماه الرحلة الحجازية يصف فيه حج الخديوى وزياراته للأماكن المقدسة، وأفرد فيه فصولا تاريخية هامة عن الحجاز وقبائله وأحواله وحكامه يعتبر مرجعا هاما من كتب الرحلات إلى الحجاز. الشريف غالب أمير مكة يربِّي السادن في داره: توفي في عام ألف ومائتين وعشرة - أو اثنتى عشرة - سادن بيت الله الحرام الشيخ عبد القادر الشيبى ولم يؤخر من الذكور أحدا عدا ابن عمه محمد زين العابدين وهو يومئذٍ حديث السن ولم يوجود في زمانه أحد غيره من السدنة الفاتحين للكعبة المعظمة وكان أمير مكة يومها الشريف غالب بن مساعد فاحتضنه وربَّاه في بيته إلى أن كبر، وعيَّن على أملاكه عالما من علماء مكة يقال له الشامى، وولد للسادن الصغير بعد أن شب وتزوج ستة من الولد هم "عبد القادر، وجعفر، وسليمان، ومحمد، وعبد الله، وعلي.
следующие страницы →