عائشة تستفتى في ثياب الكعبة القديمة:
أخرج الأرزقي عن شيبة بن عثمان أنه دخل على عائشة ﵂ فقال:
يا أم المؤمنين: إن الكعبة تجتمع عليها الثياب الكز فنعمد إلى بئر فنحفرها وندفق فيها ثياب الكعبة، فلا يلمسها الجنب والحائض، فقالت عائشة: ما أصبت، وبئس ما صنعت، إن ثياب الكعبة إذا نزعت عنها لا يضرها من لمسها مني حائض أوجنب، ولكن بعها، واجعل ثمنها في سبيل الله تعالى، وابن السبيل، وتصدَّق بثمنها.
ونقل جواز البيع عنّ ابن عباس ﵄، وقد بحث هذا الموضوع علماء الشافعية وأجاز بعضهم البيع، وفوض بعضهم الأمر فيها إلى الإمام، وقد استعرض الغازي أقوال الفقهاء في أمر كسوة الكعبة القديمة ثم أورد رأيه فقال:
والذي يظهر لي أن كسوة الكعبة الشريفة إن كانت من قبل السلطان، من بيت مال المسلمين فأمرها راجع له، يعطيها لمن يشاء من الشيبيين وغيرهم، وإن كانت من أوقاف السلاطين وغيرهم فأمرها راجع إلى شرط الواقف فيها لمن عيَّنها - وإن جُهل الشرط عمل فيها بما جرت به العوائد السابقة كما هو الحكم في سائر الأوقاف.
كسوة الكعبة بين أمراء مكة والسادن:
نقل الفاسي أن أمراء مكة كانوا يأخذون من السدنة ستارة باب الكعبة في كل سنة مع جانب كبير من كسوتها، أو ستة آلاف درهم كاملة عوضا عن ذلك إلى أن رفع ذلك عنهم السيد عنان بن مغامس لمَّا ولي أمر مكة في سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وتبعه أمراء مكة في الغالب.
ثم أن السيد حسن عجلان بعد سنين من ولايته صار يأخذ منهم الستارة وكسوة المقام، ويهديهما لمن يريد من الملوك وغيرهم، وقد استمر الأمر كذلك من أمراء مكة بعد السيد حسن عجلان مع الحجبة إلى يومنا هذا .... انتهى.
أقول: إن كاتب هذا هو السيد تقي الدين الفاسي مؤرخ مكة المكرمة، ومنه يفهم ما جرت عليه العادة في أمر الكسوة في زمنه.
كيفية قسم الكسوة بين السدنة:
ونقل الغازي عن الشيخ/ حسن الشيبي في الإتمام: أن العادة التي تداولت في كسوة الكعبة المعظمة هو أن حجبة الكعبة المعظمة من بني شيبة يأخذون الكسوة العتيقة لأنفسهم ويقسمونها بينهم بالسوية ذكورا وإناثًا وأطفالًا، وأن المولود منهم في يومه يستحق كما يستحق الشيخ منهم ويجعلون لرأسهم أي شيخهم سهمين كما هي عادتهم في تقسيم الهدايا من الزوار بينهم (١).
стр. 1227
أقول: كانت الكساوي التي تهدى إلى الكعبة حتى من قبل الإسلام تترك عليها ولا تنزع وقد أوردت في الجزء الثاني من أعلام الحجاز: ما ذكره مؤرخو مكة المكرمة عن هذا الأمر (١) وأوردنا هنا ما ذكره الشيخ/ الغازي في إفادة الآنام إكمالا للبحث ومنه علمنا الرأي الحصيف الذي أفتت به أم المؤمنين في أمر كسوة الكعبة بعد أن تنزع عنها، وما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في تقسيمها للحجاج، وما فعله معاوية من تقسيمها بين أهل مكة، وما ذكره الفقهاء في أمر الكسوة، وقد أصبحت الكسوة منذ عام ١٣٤٥ تصنع في مكة المكرمة وتصرف عليها الدولة كما هو معلوم.
الوليد بن عبد الملك يحلِّي باب الكعبة وأساطينها بالذهب:
ذكر الأرزقي أن الوليد بن عبد الملك أرسل بستة وثلاثين ألف دينار، يضرب منها على باب الكعبة صفائح الذهب، وعلى أساطينها، وعلى الميزاب، وعلى أركانها من الداخل (٢) أقول: الوليد بن عبد الملك سادس الخلفاء الأموين، وقد اشتهر بحبه لعمارة المساجد، وصرفه عليها بسخاء وهو الذي بنى جامع بني أمية في دمشق، كما أدخل بيوت النبي ﷺ في المسجد النبوي الشريف وزاد فيه زيادة عظيمة (٣).
الخليفة المتوكل يصفح زوايا الكعبة بالذهب:
وذكر الأرزقي أن حجبة الكعبة أرسلوا إلى الخليفة المتوكل العباسي يذكرون أن زاويتين من زوايا الكعبة من داخلها مصفح بالذهب، وزوايا أخرى مصفحة بالفضة، وسألوه أن يجعل الزوايا كلها مصفحة بالذهب، فأرسل المتوكل إلى إسحاق بن - الاسم غير واضح - الصايغ ذهبا، وأمره بعمل ذلك، فكسر إسحاق تلك الزوايا وأعادها من الذهب، وعمل منطقة من فضة ركبها فوق باب الكعبة من داخلها عرضها ثلث ذراع، وجعل لها طوقا من الذهب متصلا بهذه المنطقة.
قال الأرزقي: وكان أسفل الباب عتبة من خشب الساج ففسدت، وتآكلت فأبدلها بخشب آخر وألبسه صفائح من فضة.
قال إسحاق الصايغ: وكان مجموع الزوايا والطوق الذهب ثمانية آلاف مثقال ومنطقة الفضة وما على الباب وما حلِّي به المقام من فضة سبعين ألف درهم (٤).
стр. 1228
بعض ولاة مكة يقطع الذهب من عضادتي باب الكعبة:
ذكر التقى الفاسى أن بعض ولاة مكة قطع أيام الفتنة عضادتي باب الكعبة وغيرها وسبكها دنانير، وصرفها على الفتنة.
الخليفة المعتضد يعيدها ذهبا:
فكتب حجة البيت إلى الخليفة المعتضد بذلك فأمر بإعادة ذلك جميعه فأعيدت كما أشار به (١) أقول: ولي الخليفة العباسى المعتضد في سنة تسع وسبعين ومائتين وكان خليفة حازما أعاد للخلافة هيبتها بعد أن ضعف أمر الخلفاء، وفي أيامه ظهر القرامطة ووقعت بينه وبينهم وقائع كثيرة مبسوطة في كتب التاريخ (٢).
أما الفتنة التي ذكر أن بعض ولاة مكة أخذ فيها عضادتي باب الكعبة الذهبيتين وسبكها دنانير وصرفها على الفتنة فلم أعثر على نص صريح عنها، ولكن وقعت في مكة قبل خلافة المعتضد فتنة في سنة مائتين واثنين وسبعين بين أمير مكة ويوسف بن الساج وبدر غلام أحمد الطائى أمير المدينة المنورة ووقع القتال على أبواب المسجد وأسر ابن الساج بدرا، فغضب له بعض أهل الحج، وثاروا على ابن الساج حتى أسروه وساقوه إلى بغداد فربما كانت هذه الفتنة هي التي وقع فيها ما أشار إليه الحجبة (٣).
أم الخليفة المقتدر تلبس إسطوانات البيت الشريف ذهبا:
وذكر الفاسى أن أم الخليفة المقتدر العباسى أمرت غلامها لؤلؤان يتوجه إلى مكة وأن يلبس جميع اسطوانات البيت ذهبا ففعل ذلك في سنة عشر وثلاثمائة (٤).
الوزير الجواد يحلى أركان الكعبة بصفائح الذهب والفضة من الداخل:
وذكر الفاسى أن الوزير جمال الدين بن محمد بن على بن منصور المعروف بالجواد الذى تولَّى الوزارة في مصر سنة تسع وأربعين وخمسمائة، أرسل صاحبه إلى مكة ومعه خمسة آلاف دينار ليعمل صفائح الذهب والفضة في أركان البيت من الداخل (٥).
أقول: ذكرنا قبلا أن الخليفة المتوكل العباسى أمر بعمل زوايا الكعبة من الذهب، ولابد أن هذه الزوايا الذهبية قد ذهبت بتو إلى القرون أو ذهب بعضها فأراد الوزير الجواد أن يعمل شيئا فيها.
стр. 1229
هدايا الكعبة:
كنت ذكرت في الجزء الثاني من أعلام الحجاز تلخيصا لكتاب الشيخ حسين عبد الله باسلامة عما ورد من الهدايا للكعبة المعظمة عبر العصور، وقد وجدت ذلك كله مسجلا في كتاب إفادة الأنام للشيخ/ عبد الله الغازى مع هدايا أخرى لم يرد ذكرها في كتاب الشيخ/ باسلامة فرأيت إكمالا لهذا البحث أن أذكرها هنا، وأود أن أذكر أيضا أنه ربما كانت هناك هدايا أخرى كثيرة لم نتطرق إلى ذكرها لأن ما بأيدينا من كتب المؤرخين لم يتطرق إليها.
الظاهر بيبرس يهدى قفلا للكعبة:
أهدى الظاهر بيبرس صاحب مصر قفلا ومفتاحا للكعبة المشرفة وركب عليها القفل المذكور أقول: الظاهر بيبرس من سلاطين المماليك، تولى السلطنة في مصر بعد مقتل السلطان قطز في شهر ذي القعدة سنة ٦٥٨ وبالرغم من اشتراكه في مقتل السلطان قطز إلا أنه كان من المشاركين في حرب التتار وانتصار المسلمين عليهم (١).
الكوكب الدري إلى المدينة المنورة:
جاء في تحصيل المرام: أرسل السلطان أحمد بن محمد بن مراد الكوكب الدري وقال: لا قيمة له، ولم يسبق لأحد من ملوك الهند والعجم مثله وعلق على القبر الشريف (٢) أقول: لا قيمة له تعنى أن قيمته لا تقدر بمال.
حجر من الماس من آثار الدولة العثمانية:
وفي سنة ألف ومائة وثمانية وأربعين قدم شعبان أفندي المدينة المنورة ومعه حجر من الماس محفوف بأحجار مختلفة مكتوب بصفائح الذهب والفضة، وهذا الحجر من آثار الدولة العثمانية فوضع الحجر المذكور تحت الحجر الذى وضعه السلطان أحمد خان (٣).
حجران من الماس ثمنهما ثمانون ألف دينار:
وقال السيد/ أحمد دحلان في السالمنامة، ومن مفاخر السلطان أحمد أنه في سنة أربع وعشرين وألف بعث للحجرة النبوية الشريفة فصين من الألماس قيمتهما ثمانون ألف دينار، فوضعها فوق الكوكب الدري، وهذا الكوكب تجاه الوجه الشريف، وهو مسمار من الفضة مموه بالذهب. في رخامة "الكلمة غير واضحة تماما" حمراء، من استقبله كان مستقبل الوجه
стр. 1230
الشريف (١) أقول: ذكرنا في الجزء الثاني من أعلام الحجاز نقلا عن كتاب مرآة الحرمين لإبراهيم رقعت باشا أن الحجرين من الألماس المذكورين نقلهما فخري باشا إلى الاستانة خلال الحرب العالمية الأولى، ولم يعادا إلى الآن (٢) وفخري باشا هو القائد التركى ووالي المدينة قبيل الحرب العالمية الأولى وحينما قام الشريف الحسين بن على بالثورة ضد الدولة العثمانية قاوم الثورة مقاومة شديدة وحينما ترك المدينة أخذ معه ذخائر الحجرة النبوية الشريفة وهداياها ومن ضمنها الكوكب الدري، وأحجار الماس التي مرَّ ذكرها، وقال لى بعض الإخوان أنها موجودة بمتحف توب كابى في مدينة استنبول، أما الوصف الذى نقل عن السالنامة للكوكب الدري فيبدو لي أنه غير دقيق، لأن المعروف أن الكوكب الدري هو حجر كبير من الألماس الثمين لا تقدر قيمته بمال كما ورد في وصفه قبل، وليس مسمارا من الفضة مموها بالذهب.
البتنوني يصف الذخائر الموجودة في الكعبة:
نقل الغازي عن الرحلة الحجازية للبتنوق ما يلي:
ومعلق في سقف البيت - الكعبة - كثير مما بقى من الذخائر التي أهديت إلى الكعبة، ومن ذلك مصباحان ذهبيان مرصعان بالجوهر، أهداهما للكعبة السلطان سليمان القانوني سنة ٩٨٤ (٣).
أقول: حج الخديوى عباس حلمى الثاني خديوى ممر في سنة ١٣٢٧ هجرية، وكان محمد لبيب البتنوني في ركاب الخديوى وألف كتابا سماه الرحلة الحجازية يصف فيه حج الخديوى وزياراته للأماكن المقدسة، وأفرد فيه فصولا تاريخية هامة عن الحجاز وقبائله وأحواله وحكامه يعتبر مرجعا هاما من كتب الرحلات إلى الحجاز.
الشريف غالب أمير مكة يربِّي السادن في داره:
توفي في عام ألف ومائتين وعشرة - أو اثنتى عشرة - سادن بيت الله الحرام الشيخ عبد القادر الشيبى ولم يؤخر من الذكور أحدا عدا ابن عمه محمد زين العابدين وهو يومئذٍ حديث السن ولم يوجود في زمانه أحد غيره من السدنة الفاتحين للكعبة المعظمة وكان أمير مكة يومها الشريف غالب بن مساعد فاحتضنه وربَّاه في بيته إلى أن كبر، وعيَّن على أملاكه عالما من علماء مكة يقال له الشامى، وولد للسادن الصغير بعد أن شب وتزوج ستة من الولد هم "عبد القادر، وجعفر، وسليمان، ومحمد، وعبد الله، وعلي.
стр. 1231
يقول الشيخ/ الغازى: فأما عبد القادر وسليمان فإنهما عقيمين، وأما الباقون فذريتهم موجودون (١).
الشريف عون يعزل السادن وينفيه عن مكة:
ذكرنا في الجزء الثالث من أعلام الحجاز خبر الشكوى التي بعثها مشايخ علماء مكة إلى السلطان عبد الحميد ضد الشريف عون أمير مكة المكرمة، وما صدر به أمره من عزلهم عن الفتيا ونفيهم عن مكة المكرمة، وقد ذكر الشيخ/ الغازى أن سادن بيت الله الحرام الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن زين العابدين كان من ضمن من وقعوا على الشكوى التي بعثت إلى السلطان عبد الحميد وذكر أن ذلك كان في عام ألف وثلاثمائة واحدى عشر، وأن سبب الشكوى هو خلاف حصل بين الشريف عون والوالي التركى عثمان نورى باشا، وأن الأمر صدر من الخلافة بعزل المفتيين من وظائفهم ونفيهم عن مكة المكرمة عدا الشيخ عبد الرحمن الشيبى فإنه لم ينف من مكة ولكنه خرج منها إلى الهدا وهي قرية قريبة من الطائف، وبقى فيها حتى توفاه الله، وأسند الشريف عون سدانة البيت إلى الشيخ محمد صالح بن أحمد بن زين العابدين (٢).
أقول: لهذه الحادثة تفصيل أوفى ذكرناه في الجزء الثالث من أعلام الحجاز، فليرجع إليه من شاء الاستزاده (٣).
السلطان عبد الحميد يبنى بيتا لمفتاح الكعبة:
سافر الشيخ/ على بن محمد بن زين العابدين وكان شقيقا لسادن بيت الله الحرام الشيخ/ أحمد بن محمد بن زين العابدين سافر إلى دار السعادة - استنبول - في زمن السلطان عبد الحميد خان، فقابله السلطان وأكرمه وأمر بإعطائه مالا لتعمير بيت لمفتاح الكعبة المشرفة، وعاد الشيخ على من الاستانة واتفق السدنة أن يبنى المنزل وأن يسكنه من يتولى السدانة منهم وتمت عمارة البيت ولكن السادن لم يتمكن من سكناه حيث أدركته الوفاة فنقل إليه وغسل وكفن فيه، ثم خرجت جنازته منه (٤).
ماذا فعل القرامطة بالحجر الأسود:
كنت أوردت في الجزء الثاني من أعلام الحجاز قصة دخول القرامطة إلى مكة في شهر ذي الحجة من سنة ثلاثمائة وسبع وعشرين للهجرة، وما قاموا به من الفظائع من قتل الناس في
стр. 1232
المسجد الحرام ونهب بيوت مكة، وإقدامهم على اقتلاع الحجر الأسود وأخذه معهم إلى هجر، وقد ذكر الشيخ الغازى في إفادة الأنام أن القرمطى ذهب بالحجر الأسود وعلَّقه على الاسطوانة السابعة من جامع الكوفة، وأنه استمر عنده إلى أن اشتراه المطيع لله أو المقتدر العباسى بثلاثين ألف دينار، وأعيد إلى مكانه سنة تسع وثلاثين وثلاثماثة (١).
أقول القرمطي كان يسكن هجر وأن الخبر الذى أورده الشيخ الغازى يذكر أن القرمطي علَّق الحجر على الاسطوانة السابعة من جامع الكوفة، وأن الحجر استمر عند القرامطة اثنين وعشرين عاما حتى أعيد إلى مكة بعد أن اشتراه الخليفة المقتدر العباسى بثلاثين ألف دينار، ولو أن الحجر علِّقَ في جامع الكوفة لما احتاج الخليفة العباسى إلى شرائه، فالكوفة كانت في حكم الخلفاء العباسيين في ذلك الزمان، ولما استمر الحجر مغيبًا عن مكة وعن مكانه من البيت المعظم طيلة اثنين وعشرين سنة والأقرب إلى المعقول أن يكون الحجر قد بقي لدى القرامطة في هجر في السنوات التي غيب فيها عن مكة إلى أن أعيد إليها وقد ذكر الغازى بعد ذلك أن أبو طاهر القرمطى بنى دارا في هجر سماها دار الهجرة، أراد أن ينقل الحج إليها، وهذا الخبر يدل على بقاء الحجر في هجر، وقد فصلنا البحث في هذا الموضوع في الجزء الثاني من أعلام الحجاز كما سبقت الإشارة، فليرجع إليه من شاء الاستزاده.
تطويق الحجر الأسود:
كنت ذكرت في الجزء الثاني من أعلام الحجاز أن عبد الله بن الزبير ﵁ لما قام ببناء الكعبة وجد أن الحجر الأسود انقسم إلى ثلاثة شظايا من تأثير الحريق الذى وقع في الكعبة فشدَّ ابن الزبير الشظيتين اللتين وجدهما من الحجر بالفضة، أما الشظية الثالثة فقد بقيت عند بعض آل شيبة دهرا (٢).
وقد ذكر الشيخ/ عبد الله الغازى ما جدَّ بعد ذلك من أعمال الخلفاء والسلاطين في الحجر الأسود فرأيت إيراده إكمالا للموضوع.
هارون الرشيد يطوق الحجر بالفضة:
ثم كانت الفضة التي صنعها ابن الزبير للحجر قد رثت وتزعزعت حول الحجر الأسود، حتى خافوا على الركن أن ينقض، فلما اعتمر أمير المؤمنين هارون الرشيد في سنة تسعة وثفينين ومائة أمر بالحجارة التي بينها الحجر الأسود فنقبت بالألماس من فوقها، ومن تحتها، ثم أفرغ فيها الفضة وبقى الحجر كذلك إلى أن قلعه القرامطة، ولما أعيد الحجر في خلافة المطيع - الصحة في خلافة المتقدر العباسى - جعل له طوق ثم جدد مرارا.
стр. 1233
السلطان عبد المجيد يطوق الحجر بالذهب:
ثم في سنة ألف ومائتين وثمانية وستين بعث السلطان عبد المجيد العثماني طوقا من ذهب صحبة الشريف عبد المطلب في ذي القعدة من ذلك العام، يقول الغازى وذلك الطوق بحسب التخمين نحو ألف دينار، ثم رُكِّبَ بعد أن أزيلت الفضة ومكتوب فوقه "بسم الله الرحمن الرحيم" ويقول الغازى نقلا عن الحضراوي في كتاب نزهة الفكر:
ولم يعلم أن الحجر الأسود قد طوق بالذهب قبل ذلك، ويصف الحضراوى طوق الفضة الذى كان مطوقا به الحجر بقوله: كان في غاية الإتقان من التنقيش ومكتوب حوله آية الكرسى، وبعض آيات قرآنية، ويقول كذلك أن طوق الفضة هذا أرسل إلى الاستانة بعد أن حل محله طوق الذهب الذى أرسله السلطان عبد المجيد.
ونقل عن الحضراوي أن وزن هذا الطوق الذهبى عشر اقات، ولعل الصحة أن وزنه عشر اوقيات أو أن ذلك خطأ من الناسخ لكتاب الحضراوى ويقول الحضراوى كذلك: واصل ذهب هذا الطوق من كنز وجد بمكة في شعب أجياد (١).
أقول: كان الشيخ/ أحمد الحضراوى من معاصرى هذه الفترة التي أرسل فيها السلطان عبد المجيد الطوق الذهبى للحجر الأسود فقد ولد الحضراوى سنة ١٢٥٢ هـ بالإسكندرية وهاجر مع والده إلى مكة وهو ابن سبع سنين، فروايته عن الطوق الذهبى الذى أرسله السلطان عبد المجيد هي رواية المشاهد المعاصر للحدث، ولكن ما لفت نظرى في رواية الحضراوى قوله: أن هذا الذهب اصله من كنز وجد في شعب أجياد بمكة المكرمة فهل أرسل هذا الكنز الذهبى إلى الاستانة وأمر السلطان عبد المجيد بصنع الطوق الذهبى منه؟ ويقول الحضراوى: أن السلطان عبد المجيد أرسل بميزاب للكعبة مصفحا بالذهب الخالص وهو بقية ذلك الذهب الذى وجد في شعب أجياد.
ومن المهم أن نذكر أن الشيخ/ الغازى يذكر الروايتين ولا يرجح بينهما ولا يعلق عليهما وذلك أسلوبه في إيراد الرويات التي يذكرها.
تغيير الفضة المحاطة بالحجر الأسود في زمن السلطان رشاد:
وفي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف غُيِّرت الفضة المحاطة بالحجر الأسود، وذلك في خلافة السلطان محمد رشاد خان ابن السلطان عبد المجيد خان (٢).
أقول: نقلنا ما ذكره مؤرخو مكة عن إرسال طوق ذهبي من السلطان عبد المجيد للحجر الأسود في سنة ألف ومائتين وثمانية وستين، والخبر الذى ذكرناه آنفا يذكر أن السلطان محمد رشاد بن السلطان عبد المجيد غيَّر الفضة المحاطة بالحجر الأسود، فأين ذهب الطوق الذهبي الذي أرسله والده في عام ألف ومائتين وثمانية وستين؟
стр. 1234
تحلية مقام الخليل إبراهيم ﵇:
جاء في إفادة الأنام في الفصل الخاص بمقام إبراهيم ﵇، أن موضع غوص القدمين ملبس بالفضة، وعمقه من فوق الفضة سبع قراريط ونصف قيراط.
وروى الأرزقي عن عبد الله بن شعيب بن شبَّه عن جبير بن شبَّه قال:
ذهب ربع المقام في خلافة المهدى، قال: وهو من حجر رخو يشبه السنان فخشينا أن يتفتت فكتبنا في ذلك إلى المهدى فبعث إلينا بألف دينار فصنعنا بها المقام، أعلاه وأسفله ولم يزل ذلك الذهب عليه، حتى ولي أمير المؤمنين المتوكل على الله فجعل عليه ذهبا فوق ذلك الذهب وفي سنة ست وخمسين ومائتين ذكر الحجبة لعلي بن حسن العباسي أمير مكة في ذلك الزمان أن المقام قد وهي ويخاف عليه، وسألوه أن يجدد عمله، فأمر بقلع ما على المقام من الذهب والفضة، وضم إليه ذهبًا آخر وحُلى المقام بذلك كله.
وكان ابتداء العمل في الحرم سنة ست وخمسين ومائتين، وكان الفراغ منه في ربيع الأول من تلك السنة.
يقول الفاكهي: وكان تحلية ما في الطوقين الذي عمل في المقام بالنجوم، ألفي مثقال ذهب إلا ثمانية مثاقيل.
ذهب المقام يضرب دنانير:
يقول الشيخ/ الغازي:
ثم أن الذهب الذي حلي به المقام في خلافة المتوكل لم يزل عليه إلى أن أخذه جعفر بن الفضل ومحمد بن حاتم في سنة إحدى وخمسين ومائتين، وضرباه دنانير وأنفقاه على حرب إسماعيل العلوى (١).
أقول: كانت ولاية الخليفة المهدي العباسي الذي بعث بألف دينار بين سنتى "١٥٨ - ١٦٨" (٢) للهجرة، وكانت خلافة المتوكل ما بين عامي ٢٣٢ و ٢٤٧ للهجرة (٣).
فتنة العلوى بمكة:
أما حرب إسماعيل العلوى الذي ظهر بمكة فقد ذكرها الحافظ بن كثير في البداية والنهاية ونوجزها فيما يلى:
في سنة مائتين وواحد وخمسين ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ بمكة المكرمة فهرب منه نائبها جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى، فانتهب منزله ومنازل أصحابه، وقتل جماعة من الجنود وغيرهم من أهل مكة، وأخذ ما في الكعبة من الذهب والفضة والطيب وكسوة الكعبة، وأخذ من الناس
стр. 1235
نحوا من مائتي ألف دينار، ثم خرج إلى المدينة المنورة، فهرب منه نائبها علي بن الحسين بن علي بن إسماعيل، ثم رجع إسماعيل بن يوسف إلى مكة في رجب، فحصر أهلها حتى هلكوا جوعا وعطشا، فبيع الخبز ثلاث أواق بدرهم، واللحم الرطل بأربعة، ومشربة الماء بثلاثة دراهم ولقي منه أهل مكة كل بلاء، فترحَّل عنهم إلى جدة، بعد مقامه عليهم سبعة وخمسين يوما فانتهب أموال التجار هنالك، وأخذ المراكب، وقطع المسيرة عن أهل مكة، ثم عاد إلى مكة لا جزاه الله خيرًا عن المسلمين، فلما كان يوم عرفة، لم يمكِّن الناس من الوقوف نهارا ولا ليلا، وقتل من الحجيج ألفا ومائة، وسلبهم أموالهم، ولم يقف بعرفة عامئذ سواه، ومن معه من الحرامية، لا تقبَّل الله منهم صرفا ولا عدلا (١).
ويقول السيد أحمد زيني دحلان في خلاصة الكلام عن إسماعيل هذا ما يلي:
تغلب إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم على مكة فمانعه صاحب مكة جعفر بن الفضل وأخذ جعفر ما على المقام من الذهب، وكان وضعه المتوكل فضربه دنانير، وصرفه في قتاله، تغلب إسماعيل على مكة فهرب جعفر، واستولى إسماعيل على مكة ثم سار إلى المدينة فملكها ثم مات بالجدري سنة مائتين واثنين وخمسين (٢).
ويتضح من رواية السيد الدحلان أن أمير مكة جعفر بن الفضل حارب إسماعيل بن يوسف حينما هاجم مكة وخلع ما على مقام إبراهيم من الذهب، وسكَّه دنانير ليصرفها في حربه لإسماعيل إلا أن إسماعيل تغلب عليه فاضطر إلى ترك مكة له.
سرقة ذهب المقام:
وذكر الشيخ/ سعد الدين الاسفرائيني في كتابة "زبدة الأعمال" أنه في سنة تسع وخمسين وسبعمائة في زمان القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد الدين الطبري سرق الذهب الذي كان عليه - على المقام - فعمل عليه الفضة (٣).
موضع المقام:
ذكرت في الجزء الثاني من أعلام الحجاز أن الملك المسعود بنى قبة حديدية على مقام إبراهيم، وكانوا قبل بناء هذه القبة ينقلون حجر المقام إذا اشتد الزحام إلى داخل الكعبة أو أحد أركان المسجد وذكرنا كذلك أن هذه القبة أزيلت بكاملها توسعة للمطاف، ووضع حجر المقام في مكانه الحالي في مواجهة حجر إسماعيل داخل أناء بلَّوري شفاف يعلوه هلال من الذهب الخالص، وتم هذا في ١٨ رجب ١٣٨٧ للهجرة (٤).
стр. 1236
ونذكر هنا المراحل التاريخية التي تمت في هذا الموضوع نقلا عن إفادة الأنام ونوجز ذلك فيما يلى:
ذكر ابن جبير في أخبار رحلته إلى مكة أن حجر المقام لم يكن ثابتا في مكانه، وأنه كان يوضع في موضعه المواجه لحجر إسماعيل، ويرفع إذا اشتد الزحام فيجعل حينا في الكعبة المشرفة في البيت الذي فيه الدرجة التي يصعد منها إلى السطح - سطح الكعبة - وإذا وضع في موضعه وضع في قبة من خشب فإذا كان الموسم قلعت قبة الخشب، وجعلت عليه قبة من حديد، ذكر ابن جبير ذلك في شهر رجب من سنة تسع وسبعين وخمسمائة وهو يصف اعتمار مكثر بن عيسى بن فليتة أمير مكة حيث قال:
فلما فرغ من الطواف صلَّى عند الملتزم، ثم جاء إلى المقام وصلى خلفه، وقد أخرج له من الكعبة ووضع في قبته الخشب التي يصلي خلفها، فلما فرغ من صلاته، رفعت له القبة عن المقام فاستلمه وتمسح، ثم أعيدت القبة عليه.
أما القبة الحديدية التي صنعها الملك المسعود للمقام فأغلب الظن أن ذلك تم في أوائل القرن السابع الهجري ما بين عامي ٦١٩ - ٦٢٦ للهجرة، حيث كان للملك المسعود هذا أحداث في مكة سنذكرها بعد.
وقد وصف الفاسي في شفاء الغرام القبة التي وضع فيها المقام فقال:
أما صفة الموضع المشار إليه فإنه الآن قبة عالية من خشب ثابتة قائمة على أربعة أعمدة دقاق حجارة منحوتة بينها أربعة شبابيك من حديد من الجهات الأربعة، ويدخل إلى المقام من الجهة الشرقية، والقبة مما يلى المقام مزخرفة بالذهب، ومما يلى السماء مبيضة بالنورة، وأما موضع المصلَّى الآن فإنه ساباط مزخرف على أربعة أعمدة منها عمودان عليهما القبة، وهو متصل بها، وهو مما يلى الأرض منقوش مزخرف بالذهب ومبيض، ومما يلى السماء مبيض منور، وأحدث وقت صنع فيه ذلك في شهر رجب سنة ستة عشر وثمانمائة، واسم الملك الناصر فرج صاحب الديار المصرية والشامية مكتوب فيه بسبب هذه العمارة، واسم الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي صاحب مصر مكتوب في الشباك الشرقي في هذا الموضع بسبب عمارة له في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، والمقام بين الشبابيك الأربعة الحديدية في قبة من حديد ثابت في الأرض، والقبة التي عليها ثابتة أيضا في الأرض بجصاص مصبوب، بحيث لا يستطاع قلع القبة الحديد التي فوقه إلا بالمعاول وشبهها، ولعل هذه القبة الحديدية التي في جوفها المقام الآن، هي القبة الحديد التي كانت توضع عليه عند قدوم الحاج إلى مكة لكونها أحمل للازدحام والاستلام على ما ذكره ابن جبير.
يقول الغازى: وما عرفت من جعل المقام ثابتا على صفته التي هو عليها الآن (١).
стр. 1237
أقول: ونستطيع مما ذكرناه آنفا أن نستخلص الأدوار التاريخية عن موضع المقام وما عمل بشانه، ونوجز ذلك فيما يلى:
كان المقام كما ذكر ابن جبير في قبة من خشب فإذا كانت المواسم والازدحام وضعت عليه قبة من حديد، وكان ينقل من مكانه إلى داخل الكعبة، ويوضع في مكانه أمام حجر إسماعيل وذلك كان في أواخر القرن السادس الهجري حينما حجَّ ابن جبير عام تسع وسبعين وخمسمائة.
ثم بنى الملك المسعود في أوائل القرن السابع بين عامي ٦١٩ - ٦٢٦ القبة الحديدية وقل وضع المقام بعد ذلك في موضعه أمام الحجر ووضع له شباك من حديد لم يذكر لنا الفاسي مؤرخ مكة من الذى صنعه، ولكنه يذكر أن الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي صاحب مصر قام بعمارة له وكتب اسمه في الشباك الشرقي الذي وصفه الفاسي كما ذكرنا قبل، كما كتب اسم الملك الناصر فرج صاحب الديار المصرية والشامية الذي صنع أو على الأصح شارك في صنع هذا الشباك الحديد في سنة ست عشرة وثمانمائة.
أقول: وقد أدركنا المقام وهو في داخل الشباك الحديدي الذي وصفه تقي الدين الفاسي وعليه القبة الحديدية التي وصفها إلى أن تمت إزالة البناء كله وتم وضع المقام داخل كرة بلورية لها هلال من الذهب في ١٨ رجب ١٣٨٧ كما قدمنا.
الملك المسعود في مكة:
ذكرنا أن الملك المسعود هو الذي بنى القبة الحديدية على مقام إبراهيم ﵇ ونذكر هنا أن الملك المسعود هو ابن الملك الكامل الأيوبي الذي كان يحكم مصر، وقد استمد الملك المسعود من قوة أبيه فحكم اليمن باسم أبيه الملك الأيوبي، وكان يحكم مكة في ذلك الزمن الحسن بن قتادة الذي قتل أباه خنقا، واستولى على إمارة مكة سنة ٦١٧ للهجرة، واستطاع أن يستصدر مرسوما من الخليفة الناصر لدين الله بتوليته إمارة مكة، وكان الذي حفر بالمرسوم إلى مكة مملوك من مماليك الخليفة الناصر اسمه اقباش.
وقد علم الحسن بن قتادة أن أخاه الشريف راجح بن قتادة اتصل باقباش وأغراه بنقل امارة مكة إليه بدلا من أخيه الحسن، وبذل له وللخليفة الناصر أموالا، فغضب الشريف حسن، وأغلق أبواب مكة، ومنع الحاج العراقي من دخولها، فقاتل أقباش عند باب مكة، ثم ما لبث أقباش أن انفرد عن جنده مصعدا في جبل الحبشي بجوار سو رمكة، ادلالا بمركزه، وثقة في نفسه.
ويعلل الأستاذ/ السباعي صاحب كتاب تاريخ مكة ذلك بأنه ربما صعد الجبل بمفرده طلبا للتفاهم مع الشريف الحسن.
أحاط جنود الحسن بأقباش واحتزوا رأسه، وحملوه على رمح، فنصبه الحسن عند دار العباس بالمسعى، وانهزم عسكر العراق، وأحاط بهم جنود الحسن لينهبوهم فمنعهم الحسن من ذلك.
стр. 1238
ولكن راجحا أخو الحسن لم يهدأ له بال، وأراد الثأر من أخيه الحسن الذي قتل أباه وعمه في سبيل الاستئثار بامارة مكة، فاتجه إلى اليمن، واتفق مع الملك المسعود الذي كان يتولى اليمن باسم أبيه الملك الأيوب، وزيَّن راجح للمسعود الاستيلاء على مكة وضمها إلى نفوذ الأيوبيين، وصل الملك المسعود ومعه راجح بن قتادة في ربيع الأول من سنة ٦١٩ أو ٦٢٥ هجربة وهاجم مكة هجوما مفاجئا، فاشتبك معه المدافعون عنها في المسعى، وقاوم الحسن وجنوده بعض المقاومة ولكنه رأى أن لا طاقة له بقتال الملك المسعود وجنده، فخرج من مكة وتركها للملك المسعود.
يقول الأستاذ/ أحمد السباعى:
ونهب عسكر المسعود بيوت مكة، وجردوا المدنيين من ثيابهم وأموالهم، ونبشوا قبر قتادة وأحرقوا تابوته، فلم يجدوا الجثة في القبر، فعلم الناس أن الحسن دفن أباه خفية في مكان سري.
يقول السباعي:
ورؤي الملك المسعود يصعد فوق قبة زمزم ويرمي حمام البيت بالبندق (١) كما رؤي غلمانه في السعى يضربون الناس بالسيوف في أرجلهم، ويقولون: خففوا من سعيكم فإن السلطان نائم سكران، وكان الدم يجري من سيقان الناس في الطريق بجوار دائرة السلطنة بالمسعى (٢).
أقول أننى أشم رائحة المبالغة في حديث المقريزي عن غلمان المسعود الذين يضربون الناس بالسيوف في أرجلهم ليخففوا من سعيهم لأن السلطان نائم وسكران، وهل يقول الغلمان عن سيدهم أنه سكران ليشوهوا اسمه وسمعته ويعطو الدليل على فسقه في الحرم .. ؟
يقول السباعي:
وأهلَّ موسم الحج في ذلك العام ٦١٩ أو ٦٢٠ فسار المسعود بجيشه إلى عرفات، ومنع أن تنصب راية العباسيين على الجبل، ونصب بدلا منها راية أبيه الملك الكامل، وكاد أن يشتبك معه أمير الحج العراقي لكنه شعر بقلة جنده، وقيل أنه أباح رفع الراية العباسية قبل غروب يوم عرفة بعد أن خوَّفه بعضهم من سطوة العباسيين.
ثم غادر المسعود مكة بعد فراغه من الحج، وعاد إلى اليمن بعد أن أبقى بها نائبه عمر بن علي بن رسول، وثلاثمائة من الجند لحراسته، وولي راجح بن قتادة بعض الأعمال المتصلة بالبادية، وقد حاول الحسن بن قتادة استرجاع مكة من الملك المسعود بعد عودة المسعود إلى اليمن فاستنفر القبائل في ينبع، وسار بهم فلقيه نائب المسعود ابن رسول في الحديبية وهزمه ففرّ إلى بغداد حيث مات بها.
стр. 1239
كما حاول أمير المدينة قاسم الحسيني في سنة ٦٢٢ استخلاص مكة من نائب المسعود فسار إليها بجيش كثيف وحاصرها شهرا دون أن يظفر بطائل.
وتوفي الملك المسعود بمكة في سنة ٦٢٦ حيث قدم لزيارتها فما لبث أن أصيب بمرض الشلل فتعطلت يداه ورجلاه وقاسى ما لا يطاق من الآلام المبرحة، وكأنما شعر بعظيم جنايته وعرف أن أمواله التي جمعها من الحرام لا تصلح لتجهيزه، فتصدق عليه أحد المغاربة بمائتي درهم لتكفينه ودفنه.
وقد استمر حكم مكة يتجاذبه ملوك مصر واليمن نحوا من ثمانية وعشرين عاما إلى أن استطاع الحسن بن علي بن قتادة الاستيلاء عليها في التاسع من ذي القعدة سنة ٦٤٧ للهجرة وتفاصيل هذه الأحداث في تاريخ مكة للسباعي (١).
ونعود الآن بعد هذه الفذلكة التاريخية عن الملك المسعود إلى تكملة البحث عن مقام إبراهيم ﵇.
تجديد قبة المقام:
ونقل الغازي عن مرآة الحرمين ما يلي:
وقد جددت قبة المقام في سنة تسعمائة للهجرة، وكذلك في سنة ألف وتسع وأربعين ونقشها بالذهب في سنة ألف واثنين وسبعين سليمان بك والي جدة من قبل سلطان مصر - الاسم غير اضح - ويقول صاحب مرآة الحرمين:
وقد رأيت مكتوبا بأعلى القبة من الجهة الجنوبية، أمر بتجديد هذا المقام الشريف مولانا العبد الفقير إلى الله تعالى سلطان الإسلام والمسلمين، قاتل الكفرة والمشركين، ملك البرين والبحرين خادم الحرمين الشرفين السلطان المالك الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري عز نصره في ١٥ رجب الفرد سنة ٩٥٥.
ومكتوب عليها في الجهة الغربية المقابلة لباب الكعبة:
أمر بتجديد هذا المقام المعظم سيدنا ومولانا السلطان المظفر سليم خان بن السلطان با يزيد خان، وعلى الجهة الشمالية بقية أجداده سنة ١٠٤٩ (٢).
الشيخ طاهر الكردي يصف حجر المقام:
وصف الشيخ طاهر الكردي مؤلف كتاب التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم - وهو من
стр. 1240
الكتب الموسوعية عن الكعبة المعظمة والمسجد الحرام - باستثناء الحوادث السياسية التي حدثت في مكة فقد تعمد عدم الحديث عنها (١).
أقول: وصف الشيخ طاهر حجر المقام بعد أن استاذن من الأمير سعود بن عبد العزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية وملك المملكة العربية السعودية فيما بعد في فتح المقام لمعاينة حجر المقام والكتابة عنه كتابة مشاهد رأى بعينه، وتمت هذه المعاينة في السابع من شهر شعبان عام ألف وثلاثمائة وسبع وستين، وقد كتب عنها الشيخ طاهر كتابة وافية في الجزء الرابع من كتابه التاريخ القويم، ونورد هنا وصف حجر المقام كما شاهده الشيخ طاهر الكردي يقول: وجدنا حجر مقام إبراهيم الخليل ﵊ مثبتا فوق قاعدة صغيرة من الرخام المرمر بقدر قياس نفس المقام الشريف طولا وعرضا، وأما ارتفاعها فثلاثة عشر سنتمتر وقد استمسك المقام بهذه القاعدة بواسطة الفضة التي تحيط بنفس المقام مع جزء من هذه القاعدة حتى صار المقام ثابتا فيها ثبوتا قويا بحيث لا يمكن تحريكه قط.
ثم أن هذه القاعدة الصغيرة مثبتة ثبوتا محكما في وسط قاعدة كبيرة من الرخام المرمر أيضا تشبه البركة طول ضلعها من جميع الجهات مترا واحدا، وارتفاعها من الأرض ستة وثلاثون سنتمترا ولون الرخامين أبيض.
ويحيط بهذه القاعدة الكبيرة صندوق من الخشب كهيئة الهرم الرباعى، ارتفاعه نحو القامة وليس به منافذ مطلقا سوى الباب الذي يرى منه المقام الكريم، وهو في الجهة الشرقية.
وهذا الصندوق ملبَّس كله من الظاهر بصفائح الفضة مكتوب عليه من الجهة الشرقية فقط ما يأتي:
"بسم الله الرحمن الرحيم وبه الهداية، أن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين، فيه آيات بيّنات مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا، ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا.
كتبه الحافظ إسماعيل الزهدي وادرنوي خوجة، كتبه عام ألف ومائتين وثمان وعشرين.
وباب الصندوق مصفح من الظاهر بالفضة أيضا، وقد كتبت عليه هذه العبارة صاحب الخيرات والحسنات، سلطان البرين، وفاتح الحرمين الغازي السلطان محمود خان بن عبد الحميد خان، دام ملكه سنة ألف ومائتين وثمان وعشرين.
ويقول الشيح طاهر الكردي: والذي يظهر لنا من هذه العبارة أن الذي أمر بتلبيس هذا الصندوق بصفائح الفضة هو السلطان محمود خان المذكور، وأما الصندوق من الداخل فهو خشب عادي بلونه الطبيعي لا أثر فيه لكتابة أو نقش، وهذا الصندوق مغطى كله من قمته إلى الأرض بكسوة من الحرير مكتوب فيها بعض آيات قرآنية كتبها مؤلف هذا الكتاب - طاهر الكردي - سنة ألف وثلاثمائة وثمان وأربعين، وصنعت بدار الكسوة بمكة المشرفة في السنة
стр. 1241
المذكورة ومن هذه السنة إلى الآن لم تغير الكسوة، ثم يحيط بهذا الصندوق الشباك الحديدي المضروب باللون الأخضر من الجهات الأربع.
أما مقام إبراهيم ﵊: فهو حجر ليس بصوَّان لونه ما بين الصفرة والحمرة، وإلى البياض أقرب، ويمكن أن يحمله أضعف الرجال.
ثم يقول:
وفي هذا الحجر الشريف غاصت قدما خليل الله تعالى سيدنا إبراهيم ﵊ مقدارا كبيرا إلى نصف ارتفاع الحجر، فعمق إحدى القدمين عشرة سنتمترات وعمق الثانية تسعة سنتمترات، ولم نشاهد أثرا لأصابه القدمين مطلقا.
فقد انمحى من طول الزمن ومسح الناس بأيديهم، وأما موضع العقبين فلا يتضح إلا لمن دقق النظر وتأمل، وحافة القدمين الملبستين بالفضة، أوسع من بطنهما من كثرة مسح الناس بأيديهم.
ويقول الشيخ طاهر عن قامة سيدنا إبراهيم ﵊ ما يلي:
ولقد كان طول سيدنا إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه كطول الرجل العادي في زماننا لا بالطويل ولا بالقصير الخ .. (١).
أقول: ويفهم مما ذكره الشيخ طاهر الكردي أن السلطان محمود خان بن السلطان عبد الحميد خان أمر بتلبيس صندوق المقام بالفضة عام ألف ومائتين وثمان وعشرين.
والواقع أن أمراء المسلمين وسلاطينهم وملوكهم كانوا يولون العناية بالمقام وغيره من الآثار الشريفة المقدسة بدافع من إيمانهم وشعورهم بوجوب المحافظة عليها على مدى العصور والأزمان.
مفتاح المقام يحفظ عند السادن:
ورد في الإتمام على أعلام الأنام ما يلي:
مفتاح مقام إبراهيم ﵇ عند السدنة بني شيبة الفاتحين للكعبة المعظمة ويضعون مفتاحه مع مفتاح الكعبة المعظمة في كيس واحد ومحل واحد (٢).
السلطان سليمان يكسو حجر المقام:
يقول الغازي: أنه منذ ما رتب السلطان سليمان خان كسوة الكعبة المعظمة، رتّب أيضا
стр. 1242
"للمقام" في كل سنة كسوة، وستارة معمولة مثل الحزام، وستارة في باب الكعبة المعظمة بالأسلاك الفضية المموهة بالذهب (١)
وفي الرحلة الحجازية للبتنوني ما يلي:
ولمقام إبراهيم كسوة من الحرير المزركش بالقصب تأتي إليه سنويا من مصر مع كسوة الكعبة (٢).
المهدي يقطع خيفا لعبد الله بن عثمان المحيي:
جاء في تاريخ الأزرقي: حدثني غير واحد من مشيخة أهل مكة قال:
حج المهدي أمير المؤمنين سنة مائة وستين فنزل دار الندوة، فجاء عبد الله بن عثمان المحيي بالمقام - مقام إبراهيم - في ساعة خالية نصف النهار - مشتمل عليه - فقال للحاجب: ائذن لي على أمير المؤمنين، فإن معي شيئا لم يدخل على أحد قبله، وهو يسر أمير المؤمنين فأدخله الحاجب على المهدي، فكشف عن المقام، فسر به المهدي وتمسح به وسكب فيه ماءًا ثم شربه، وقال له اخرج وأرسل المهدي إلى بعض أهله فشربوا منه وتمسحوا به، ثم ادخل عبد الله بن عثمان على المهدي فاحتمل المقام ورده مكانه.
وأمر المهدي بجوائز عظيمه لعبدالله بن عثمان وأقطعه خيفا "بنخلة" يقال له القويعة فباع عبد الله بن عثمان الخيف من منيرة مولاة المهدي بعد ذلك بسبعة الآف دينار (٣).
أقول: الخليفة محمد المهدي ثالث الخلفاء العباسيين ولي الخلافة في سنة ١٥٨ للهجرة بعد وفاة أبيه الخليفة المنصور، وتوفي المهدي سنة مائة وثمان وستين (٤) ويفهم مما ذكره الأرزقي أن حجر المقام في ذلك الزمن لم يكن في مكان ثابت، وإنما كان ينقل من مكانه كما سبق إيراده.
رومي يحاول سرقة حجر المقام:
جاء في الجامع اللطيف: أن رجلا يهوديا كان بمكة يقال له جريج فأسلم، فقصد المقام ذات ليلة، فوجد عنده، فأراد أن يخرجه إلى ملك الروم فأخذ منه وقتل (٥).
أقول: أوردنا ما ذكره المؤرخون عن مقام إبراهيم ﵊ للإحاطة بالأدوار التاريخية التي مرت على حجر المقام الذى قام عليه الخليل صلوات الله وسلامه عليه حين بنائه للكعبة المعظمة وقد أدركنا المقام وهو موضوع في مكانه في مواجهة حجر إسماعيل داخل غرفة ذات شبابيك من الحديد المدهون باللون الأخضر تعلوه القبة التي وصفها مؤوخو مكة، ثم ما
стр. 1243
أنتهى إليه أمره في الوقت الحاضر بعد وضعه داخل إناء بلوري يعلوه، هلال ذهبي في الثامن عشر من شهر رحب عام ثلاثمائة وسبع وثمانين وألف للهجرة، كما ذكرنا ذلك سابقا، وسيرى القاريء صورة للحجرة التي كان يوضع بها المقام قبل وضعه داخل هذا الإناء البلوري، إكمالا للصورة التي كان عليها قبل.
عمارة المطاف:
ذكرنا في الجزء الثاني من أعلام الحجاز أن عبد الله بن الزبير فرش الأحجار في المطاف بمقدار عشرة أذرع حين عمارته للكعبة المعظمة سنة خمس وستين للهجرة (١).
وقد أورد الشيخ/ عبد الله الغازي شيئا عن العمارات التي وقعت في المطاف بعد ذلك فرأيت إيرادها إكمالا للبحث:
ذكر الفاسي في شفاء الغرام ما يلي:
عمارة الرخام الذي في المطاف تم ذلك على دفعات حتى صار على ما هو عليه اليوم، وكان مصيره هكذا في سنة سبعمائة وستة وستين، وممن عمره المستنصر العباسي سنة ستمائة وإحدى وثلاث.
وممن عمره الملك شعبان صاحب مصر.
ومن مبرات السلطان سليمان تغيير بلاط المطاف القديم وتجديده ببلاط جديد أي رخام على يد أحمد حليبي في سنة تسع وخمسين وتسعمائة ذكره في درر الفوائد، وفي تاريخ القطبي، وأما عمارة المطاف الشريف فوقع في سنة إحدي وستين وتسعمائة وهذه هي عمارة السلطان سليمان خان.
وقال ابن فهد في حوادث سنة ست وأربعين وثمانمائة وفيها في سادس عشر شوال أذيب الرصاص، وجعل بالحفر التي بأرض المطاف (٢).
أقول: أن عمارة ملوك المسلمين وأمرائهم للمسجد الحرام بجميع أجزائه استمر عبر العصور، وقد أوردنا في الجزء الثاني من أعلام الحجاز ملخصًا لكتاب الشيخ/ حسين باسلامة عن المسجد الحرام، وكتابه عن الكعبة المعظمة فليرحع إليه من شاء الاستزادة (٣).
باب زمزم ومفتاحه وأسرة الزمزمي:
عقد الشيخ/ عبد الله الغازي فصلًا بعنوان: باب زمزم جاء فيه موجزه:
أن مفتاح باب زمزم بيد ذرية الشيخ عبد السلام بن أبي بكر المعروفين الآن ببيت الريس
стр. 1244
• صورة قديمة للكعبة المشرفة ويظهر بها المنبر ومقام إبراهيم، وباب بني شيبة، وبئر زمزم ويعود تاريخ هذه الصورة إلى سنة ١٨٨٠ ميلادية الموافقة لسنة ١٢٩٨ هجرية نقلا عن ألبومات ليدز التاريخية.
стр. 1245
من سنة ستمائة وثلاثين إلى وقتنا هذا، وعندهم مرسوم من أحد خلفاء العباسية ونائبه عليها من قبل سلاطين آل عثمان.
قال الشيخ خليفة بن فرج بن محمد الزمزمي البيضاوي في كتابه "نشر الآس في فضائل زمزم وسقاية العباس" ما يلي:
كانت زمزم ليس لها باب ولا غلق وإنما هي مفتوحة لمن دخل وورد إليها، ولذلك كان (١) أمر السقاية للجد بطريق النيابة عن الخلفاء العباسيين، فلما أن صار أمر البئر إلى الشيخ/ عبد السلام بن أبي بكر الزمزمي أنهى بمحضر إلى خليفة ذلك الزمن العباسي، بأن زمزم في أوقات الصلاة يكثر فيها الناس والازدحام، فيشوشون على الإمام والمصلين، وطالما دخلت الكلاب والبِسَسْ في الليل فيضجون فيها، وطلب أن يقام عليها باب يمنع ما ذكر، فأجابه إلى سؤاله وجَعل عليها بابا، ثم أنه لما صار أمر زمزم والسقاية إلى ذرية الشيخ/ عبد العزيز بن عبد السلام المذكور طلبوا من خليفة زمنهم المتوكل العباسي أن يجعلوا ضبة على باب زمزم يقفلونها في أوقات الصلوات وفي الليل وأن يكون المفتاح عند الأكبر منهم ثم من ذريتهم فأجابهم خليفة ذلك الزمان إلى ما طلبوا.
وقد أورد الشيخ الغازي نص المرسوم الصادر من الخليفة العباسي المتوكل على الله وفيه موافقة الخليفة على عمل باب لزمزم يقفل عليها منعًا لما فيه ضرر على المسلمين، وقد أصدر الخليفة مرسومًا آخر إلى أمير مكة المشرفة - الجناب العالي الأميري مغلباي - الأمير بمكة المشرفة، وناظر الحسبة الشريفة بما أجازه له الخليفة العباسي للشيخ/ سراج الدين عمر بن الشيخ عبد العزيز الزمزمي مفتي مكة المشرفة، والقائم عنا بخدمة زمزم الشريفة وسقاية جدنا العباس، وأجاز الخليفة في هذا المرسوم أن يعمل بيد الشيخ عمر مفتاح، ويقيموا من شاءوا من جهتهم من يتولى إغلاق الباب وفتحه وتاريخ هذا المرسوم العشرين من شوال سنة عشرين وثمانمائة … الخ (٢).
أقول: انتهت الخلافة العباسية ببغداد سنة ست وخمسين وستمائة للهجرة بمقتل الخليفة المستعصم بالله، وهو أبو أحمد عبد الله بن المستنصر العباسي، حينما دخل التتار بغداد وقتلوا خليفتها وأكثر أهلها بقيادة القائد التتري هولاكو (٣).
ثم انتقلت الخلافة إلى مصر بعد أن وصل إليها الخليفة العباسي أحمد بن الخليفة الظاهر الملقب بالمستنصر بالله سنة تسع وخمسين وستمائة. وبايعه بالخلافة الملك الظاهر بيبرس البندقداري من سلاطين المماليك سنة ثمان وخمسين وستمائة بعد انتصاره على التتار في عين
стр. 1246
جالوت، وقتله السلطان قطز (١) وقد بقي الخلفاء العباسيون في مصر، ولكن السلطة الحقيقية كانت بيد سلاطين مصر من المماليك، ثم من الجراكسة الأتراك وكان الخلفاء العباسيون لا حول لهم ولا طول، وربما تعرضوا للمهانة والإذلال على أيدي السلاطين وهذا الخليفة المتوكل على الله الذي أصدر المرسوم بالسقاية لأسرة الزمزمي ولي الخلافة في مصر وعزل منها عدة مرات (٢) ولو لم تكن السقاية أصلا لجده الأعلى العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه لما استطاع إصدار مرسوم عنها، وإذا نظرنا إلى هذا المرسوم وجدناه خاصا بعمل ضبة لباب زمزم ومفتاح يحفظ عند الساقي وأسرته.
وهكذا تدور الدنيا، ويهون الزمان فسبحان من بيده الملك يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء وهو على كل شيء قدير.
جد الزمازمة قدم من العراق:
وينقل الشيخ/ الغازي من كتاب نشر الآس السابق ذكره الكيفية التي وصلت بها أسرة الزمزمي إلى السقاية فيقول:
نقلا عن الشيخ/ خليفة بن فرج الزمزمي البيضاوي في كتابه ما يلي: أن جدنا الأكبر علي بن محمد البيضاوي قدم مكة عام ثلاثين وستمائة من العراق، وباشر عن الشيخ/ سالم بن ياقوت المؤذن خدمة زمزم، فلما ظهر له خيره نزل عنها، وزوَّجه ابنته فولدت منه أولادًا فصار لهم أمر البئر وسقاية العباس (٣).
البعض ينازع ورثة الزمزمي في السقاية:
وذكر الشيخ/ الغازي أن رجلا يدعى عبد العزيز بن عبد الله الزمزمي، نازع ورثة الزمزمي في السقاية في سنة ثمانمائة وسبعة وسبعين، وذكر أن كل من جَبَذ دَلْوًا من زمزم نسب إليها. ادعى ذلك الرجل الشراكة مع أولاد الشيخ/ إسماعيل الذين أخذوها من جدهم عن الشيخ سالم بن ياقوت وهم وكلاء الخلفاء العباسيين في ذلك الزمان، ودلَّسَ ذلك الرجل على خليفة زمانهم فأشركه معهم، فأنهى أولاد الشيخ/ إسماعيل إلى الخليفة فأرسل إليهم - الأجواد بك - بضم أوله وفتح الموحدة فبحث عن هذه الخدمة، وعقد مجلسًا حفره القضاة وكثير من أعيان مكة ووقف على ما بيد أولاد الشيخ/ إسماعيل البيضاوي من المستندات، وظهر أن هذه الخدمة لأولاد الشيخ، وأخرج المعتدي عليهم.
стр. 1247
ويعلق الشيخ/ الغازي على ذلك فيقول:
ومثل هذه الحادثة وقعت في زماننا، وهي أن رجلًا يقال له عبد الله حميد، كان وكيلًا عن الشيخ/ الريس شيخ زمزم، واستمر مدة من الزمان، ثم بعد ذلك ادعى أن خدمة زمزم له شراكة معهم، وأن بيده تقارير من أشراف مكة، تبين مكانها فأرسل آل الريس رجلا من طرفهم إلى الآستانة العلية، وبيده من الخلفاء العباسيين ومن سلاطين آل عثمان ما يثبت أن هذه الوظيفة لهم، وعاد الرجل من الآستانة وبيده فرمان سلطاني يمنع كل من يتعرض لهم، وأن تبقى هذه الخدمة بأيديهم كما كان عليه أسلافهم.
وقد أورد الشيخ الغازي صورة الشكوى التي رفعها الشيخ/ عثمان بن أحمد الريس إلى والي ولاية الحجاز عثمان باشا وجوابه الذي صدر منه إلى مدير الحرم في سنة ١٢٥٨ للهجرة (١).
* * *
стр. 1248
أبواب المسجد الحرام وأسماؤها
باب إبراهيم نسبة إلى خياط اسمه إبراهيم:
كنا ذكرنا في الجزء الثاني من أعلام الحجاز أن الخليفة العباسي المقتدر بالله أدخل زيادة في المسجد الحرام في سنة ست وثلاثمائة سميت بباب إبراهيم، وأنه كانت هناك ساحة بين بابين من أبواب المسجد الحرام كان أحدهما يسمى باب الحزورة أو باب الخياطين، والثاني باب بني جمح، وكانت هذه الساحة امام دارين لزبيدة أم الأمين فأدخلت هذه الساحة في المسجد الحرام (١) وقد ذكر الشيخ/ الغازي نقلا عن كتاب الأعلام: أن من جملة محاسن المقتدر بالله العباسي زيادة باب إبراهيم، وليس المراد به الخليل ﵇، فقد كان إبراهيم هذا خياطًا يجلس عند هذا الباب فعرف به، ثم ذكر الغازي نقلا عن مؤرخي مكة الزيادة المذكورة والبيوت التي كانت في موضعها وتواريخ إدخالها إلى المسجد الحرام مما لا يخرج عما ذكرناه، ونعرض عن إيراده تجنبًا للتكرار (٢) وقد رأيت هنا إيراد سبب تسمية باب إبراهيم لأن الكثير من الناس يظن أن هذا الباب ينسب إلى الخليل إبراهيم ﵇.
باب بازان:
سمي هذا الباب لقربه من عين مكة المعروفة ببازان.
باب العباس:
سمي هذا الباب بباب العباس لأنه كان قريبًا من دار العباس.
باب الصفا:
أما باب الصفا فكان اسمه سابقا باب بني مخزوم (٣).
стр. 1249
تسمية الأبواب تختلف باختلاف الزمان:
كان أمام التكية المصرية بأجياد قبل إدخالها في المسجد الحرام في التوسعة السعودية باب للمسجد الحرام أورد له الشيخ الغازي عدة أسماء منها:
باب مدرسة الشريف عجلان بن رميثة لاتصالها به، وقد جدد هذا الباب وعدد شرافاته عشرون، ويقال له باب بني تميم، وسماه صعاحب النهاية بباب العلافين، وفي زماننا هذا يعرف بباب التكية المصرية (١).
أقول أسس محمد علي باشا التكية المصرية عام ٢٣٨ اهـ أثناء حكم المصريين للحجاز (٢).
باب أم هانيء:
يقول الغازي عنه: وقد جدد هذا الباب ببناء حسن لطيف وعدد شرافاته ثلاثة عشر شرافة قال في تحصيل المرام، وهذا الباب مما يلي دور بني عبد شمس وبني مخزوم، ويقال لهذا الباب "باب الفرج" على ما وجد بخط الاقشيري، وذكر له صاحب تحصيل المرام اسمًا آخر لم نتبين حقيقته لعدم وضوح الخط، وسماه صاحب النهاية باب أبي جهل يقول الشيخ الغازي: قلت وفي زماننا هذا يعرف بباب الشريف، لأنه كان يخرج منه الشريف سرور إلى بيته الذي بأجياد (٣).
باب الوداع:
يقول الغازي: وعامة أهل مكة يسمونه باب العزوزة بالعين المهملة وإنما هو بالحاء المهملة الحزورة، وهذا الباب يلي المنارة التي تلي أجياد الكبير، ويقال له باب حكيم بن حزام وباب الزبير بن العوام ذكره القرشي.
يقول الشيخ الغازي: وفي زماننا هذا يعرف بباب الوداع لأن الحاج حين توجههم بعد الحج لبلادهم يخرجون من هذا الباب.
باب العمرة:
سمي بباب العمرة لأن المعتمرين من التنعيم يدخلون ويخرجون منه في الغالب وكان يسمى قديمًا باب بني سهم (٤).
وفي الجانب الشمالي من المسجد الحرام خمسة أبواب.
стр. 1250
باب ابن عتيق:
الأول ويعرف بباب السدة، وكان يقال له باب عمرو بن العاص، قال في الارج المكي: باب السدة يعرف في زمننا بباب أبن عتيق لكونه قريبًا من داره.
أقول: وقد أدركت هذا الباب وهو يسمى باب العتيق في الخمسينات من القرن الماضي.
باب الباسطية:
الثاني باب العجلة، ويدعى كذلك باب الباسطية لاتصاله بمدرسة الخواجة عبد الباسط وهو على يمين الخارج، أوقفها على الفقراء، وهي في غاية الإحكام، والإتقان، ولها شبابيك تكشف على الحرم، وجعل سبيلا بجانب المدرسة من خارج.
توفي عبد الباسط سنة ثمانمائة وإحدى وثمانين.
وقد علل ابن ظهيرة تسمية باب العجلة بان هذا الباب كاليمن عند دار تسمى قديمًا دار العجلة وسبب التسمية إن ابن الزبير كان ينقل حجارتها على عجلة اتخذها على البُخْتِ والبقر ذكر ذلك الأرزقي.
أقول: وقد احتفظ باب الباسطية باسمه إلى حين أجراء التوسعة السعودية الأولى للمسجد الحرام التي بدأت سنة ١٣٧٥ للهجرة وانتهت سنة ١٣٩٦ للهجرة (١) وسنتحدث عن المدرسة الباسطية في الفصل الخاص بالدارس التي بنيت حول المسجد الحرام بعد.
باب القطبي:
الثالث: باب القطبي، ولا يعرف له اسم غير هذا.
أقول: ذكر الشيخ حسين باسلامة أن هذا الباب بجوار مدرسة قطب الدين الحنفي، وكان يسمى قديمًا باب زيادة دار الندوة، وهو واقع غرب تلك الزيادة ولم يجدد في العمارة التي وقعت سنة ٩٨٤ وله منفذ واحد، ويعلو عن رواق الزيادة بثلاثة عشر درجة ولم يكتب عليه شيء وهو لا يزال على عمارته التي أنشئت في خلافة المعتضد بالله العباسي سنة ٢٨١ هـ، وهو الباب الأثري الباقي على بنائه القديم نحو ألف ومائة سنة، وهو لا يزال في العصر الحاضر قوي البناء لا فرق بينه وبين سائر أبواب المسجد الحرام في متانته انتهى (٢).
أقول: وقد احتفظ باب القطبي باسمه هذا إلى أن تمت العمارة السعودية الأولى ما بين عامي ١٣٧٥/ ١٣٩٦ للهجرة، وكنت أسمع من إخواننا المكيين أن هذا الباب ينسب إلى أحد العلماء المسمى بالقطبي.
стр. 1251
باب الزيادة:
الباب الرابع: باب الزيادة، قال الأرزقي:
وهو باب دار بني شيبة بن عثمان يسارمنه إلى السويقة، ذكره القرشي.
الخامس:
باب الدريبة بالقرب من منارة باب السلام. انتهى ما ذكره الغازي عن الأبواب الشمالية للمسجد الحرام، ونواصل الحديث عن الأبواب الأخرى.
باب الداودية:
وكان فتحه داود باشا لما بنى مدرسته ورباطه بين باب السدة وباب الواسطية وهو باب لطيف طاق واحد، فتح أيام بناء المدرسة.
أقول: سنتحدث عن المدرسة الداودية وعن المدارس الأخرى في فصل خاص بعد.
وقد كنا نزور الأديب الشيخ/ حسين نظيف ﵀ في رباط الداودية في النصف الثاني من القرن الهجري الماضي ١٣٥٥ هـ، حينما كان يسكن في ذلك المكان، ثم أزيل الرباط في التوسعة الأولى للعمارة السعودية للمسجد الحرام.
الأبواب الأخرى:
وللمدارس السلطانية بابين لطيفين نافذين على الحرم حديثًا عند بناء المدارس المذكورة كل واحد طاق واحد يسمى الأول باب القاضي لسكناه بتلك المدرسة ويسمى الثاني باب السليمانية.
وبين باب السلام وباب النبي باب لطيف "طاق واحد" يعرف بباب السلطان قايتباي لأنه فتح حين بنى مدرسته (١).
أقول: وسنتحدث عن مدرسة السلطان قايتباي في القسم الخاص بالمدارس حول المسجد الحرام.
أما عن أبواب المسجد الحرام وأسمائها فيتضح مما أوردناه آنفًا أن هذه الأبواب كانت تختلف أسماؤها باختلاف الزمان، وباختلاف المجاورين لها في السكن، أو البانين حولها، وقد أزالت التوسعة السعودية الأولى كثيرًا من أسماء الأبواب القديمة التي صار ذكرها تاريخًا يذكر الناس بما كان في قديم الزمان.
وتكملة لهذا البحث فقد تفضل صديقنا العلامة الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان الأستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة وعضو هيئة كبار العلماء، بكتابة بحث مفصل عن أبواب المسجد الحرام وأسمائها، كما هي في الوقت الحاضر، وأنه ليسرني أن أثبت هذا البحث كما تفضل به الصديق الكبير.
стр. 1252
أسماء أبواب المسجد الحرام وتعدادها في التوسعة السعودية الأولى
بطلب من سعادة الأديب الكبير والمؤرخ القدير الشيخ/ محمد علي مغربي لمعرفة عدد أبواب المسجد الحرام وتعدادها في الوقت الحالي، قمت أنا عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان شخصيًا بإحصائها وتدوين أسمائها فدونت التالي.
شملت التوسعة السعودية الأولى الجهات الأربع للحرم المكي الشريف، وقد شمل التغيير ضمن ما شمل تغيير أسماء الأبواب التي كانت معروفة عبر التاريخ، وبعضها لا زال قائمًا فاستعمل في تسمية بعض الأبواب في التوسعة الجديدة، وأقرب ما يكون موازيًا للباب القديم في التوسعة الجديدة، وفيما يلي تفصيل هذه الأسماء وبيان مواقعها:
الأبواب بالجانب الشرقي (المسعى) مواجهًا باب الكعبة الشريفة ابتداء من الصفا في اتجاه الشمال نحو (المروة) من الجهة اليمنى:
أولًا: باب دار الأرقم، ولعله محاذٍ لهذا الموضع الأثري المعروف.
ثانيًا: باب بني هاشم، ولعل تسميته بهذا الاسم لأنه في الجانب من شعب بني هاشم (شعب علي) حيث أزيل هذا الحي كاملًا معه بسبب اتجاه الأنفاق وأغراض أخرى.
ثالثًا: باب علي، ولعله محاذٍ في الحرم القديم لباب علي سابقًا وهو معروف لدى أهل مكة قديمًا.
رابعًا: باب العباس، وهو من الأسماء القديمة المحتفظ بها في التوسعة الجديدة وموقعه إلى جانب الميلين الأخضرين.
خامسًا: باب النبي، وهو من الأسماء القديمة التي احتفظ بها في التوسعة الجديدة في نفس الجهة.
سادسًا: باب السلام، وهو أحد الأبواب الرئيسة في الحرم القديم واحتفظ باسمه في الجديد، ولكنه لم يأخذ مكانته مساحة وشكلا ليتلاءم مع مكانته الدينية والتاريخية، فلم يأخذ المساحة والشكل المطلوبين في باب الفتح والعمرة وعبد العزيز.
стр. 1253
سابعًا: باب بني شيبة، وهذا الاسم معروف قديمًا للعقد الكبير على حدود المطاف مقابل باب الكعبة.
ثامنًا: باب الحجون، وتسميته بهذا الاسم لأنه في نفس الاتجاه لهذا المكان التاريخي المعروف بأعلا مكة المكرمة.
تاسعًا: باب المعلاه، لأنه في اتجاه (سوق المعلاه) المعروف قديمًا وحديثًا، وهو أحد أسواق مكة الكبيرة.
عاشرًا: باب المدعى، والمدعى هي المنطقة التي تلي الحرم في الاتجاه إلى المعلاه وهي سوق كبيرة مشهورة من أسواق مكة المزدحمة بالبشر والبضائع.
حادي عشر: باب مراد، ولعله أحد أسماء الأبواب القديمة سمي بأحد أسماء سلاطين آل عثمان المشهورين.
وفي الجهة اليسرى من المسعى الشريف توجد أبواب لها أسماؤها، وتطل على رحبة واسعة حيث يصب فيها الخارجون من المسجد الحرام من المسعى إذ يوجد بها سوق للذهب والملابس، والأبواب التالية في الجهة اليمنى للنازل من المروة في اتجاه الصفا.
ثاني عشر: باب المروة، يقابل باب مراد.
ثالث عشر: باب المحصب، يقابل باب المدعى.
رابع عشر: باب عرفة، يقابل باب المعلاة.
خامس عشر: باب منى، يقابل باب الحجون.
سادس عشر: باب قريش، يقابل باب بني شيبة.
هذا مجموع أبواب الحرم المكي الشريف في مشعر المسعى من كلا جناحيه الشرقي والغربي.
أما أبوابه من الجهة الشمالية تجاه الشامية والقرارة فهي كالآتي من الشرق إلى الغرب:
سابع عشر: باب القرارة، ويقع في الركن الشرقي مزويًا يقود الداخل إلى المسجد الحرام في اتجاه باب السلام نزولًا إلى أروقة الحرم، وصعودًا إلى الدور الثاني منه.
ثامن عشر: باب الفتح، وهو مطل على ساحة كبيرة بها ميضأة للرجال وأخرى للنساء وبها سوق للذهب والملابس، وفيها يلتقي الخارجون من أبواب المسعى القريبة (باب المروة، والمحصب، وعرفة، ومنى، وقريش) وهو أحد أبواب الحرم الكبيرة الرئيسة إذ يحتل مساحة ثلاثة بوائك واسعة مرتفعة يقود الداخل إلى الحرم إلى صالة واسعة خالية من الأعمدة يشاهد الداخل الكعبة المشرفة مباشرة.
تاسع عشر: باب عمر الفاروق.
العشرون: باب الندوة، وهو محاذ لما هو معروف بدار الندوة داخل الحرم الشريف.
الحادي والعشرون: باب الشامية.
стр. 1254
الثاني والعشرون: باب القدس.
الثالث والعشرون: باب المدينة المنورة.
الرابع والعشرون: باب الحديبية، وعند هذا الباب تنتهي الأبواب في الجهة الشمالية من المسجد الحرام. أما الأبواب في الجهة الجنوبية من ناحية أجياد بدءًا من الصفا فهي كالتالي:
الخامس والعشرون: باب الصفا.
السادس والعشرون: باب إسماعيل.
السابع والعشرون: باب حنين.
الثامن والعشرون: باب بلال.
التاسع والعشرون: باب أجياد.
الثلاثون: باب الملك عبد العزيز، وهو أحد الأبواب الرئيسة بالمسجد الحرام ذات المساحة الواسعة والشكل المتميز، ومنه ترى الكعبة المشرفة مباشرة، والباب بمساحته الواسعة ذات البوائك الثلاث يقود إلى صالات واسعة متتالية داخل المسجد الحرام خالية من الأعمدة، ومستوى المدخل متباين عن مستوى الصالات الداخلية، ينزل الداخل إليها بواسطة درج رخامية.
أما الأبواب بالجهة الغربية من المسجد الحرام فقد أصبحت أروقة تنفذ إلى التوسعة السعودية الثانية لتوصل بين أروقة الحرم القديم، والتوسعة الحديثة، وأسماء الأبواب في هذه الجهة قبل التوسعة الحديثة تجاه ما كان معروفًا بـ (السوق الصغير) كالتالي من الشمال إلى الجنوب:
الحادي والثلاثون: باب العمرة، وهو باب رئيسي في هذه الجهة ذو مساحة واسعة وشكل متميز كسابقيه باب الفتح، وباب الملك عبد العزيز، وهو من الأسماء القديمة لأبواب الحرم الشريف، ظل الاحتفاظ به وفي محاذاة موقعه القديم من المسجد الحرام، ولعل سبب التسمية أنه في اتجاه (التنعيم) مكان اعتمار الحجاج وأقرب الحل لمكة المكرمة.
الثاني والثلاثون: باب الشبيكة لأنه في اتجاه حي الشبيكة المكان التاريخي المعروف حيث يشمل في نفس الاتجاه المعروف (السوق الصغير) موضع التوسعة الحالية للحرم الشريف.
الثالث والثلاثون: باب إبراهيم، وهذا حسب التسمية القديمة المعروفة لهذا الباب.
الرابع والثلاثون: باب أبي بكر الصديق ﵁ لعله سمي به حيث يوجد بالمسفلة مسجد أبي بكر الصديق إشارة إليه.
الخامس والثلاثون: باب الهجرة، ولعل التسمية مستوحاة من توجه الرسول ﷺ إلى أسفل مكة للهجرة إلى المدينة المنورة مع صاحبه الصديق ﵁.
السادس والثلاثون: باب أم هانيء، ولعله إبقاء لتسمية الباب في الحرم القديم ومحاذ له.
стр. 1255
هذه مجموع أبواب الحرم المكي الشريف أحصيتها وقوفًا بها وتطوافًا بجميع جهات الحرم ليلة الجمعة ١٥/ ٧/ ١٤١٣ هـ، نقلا من الأسماء المدونة على الأبواب على حجر الرخام.
وتوجد مداخل عليا للدور الأعلى من المسجد الحرام من الجهة الشمالية من جهة القرارة والشامية حيث أن مستوى الأرض في هذين الحيين ترتفع نسبته عن أرضية الحرم الشريف بعد التوسعة السعودية، وتتلاءم نسبيًا مع أرضية الدور الأعلى، يتوصل إلى هذا الدور من هذه الجهة بواسطة كباري ممتدة من الشارع الرئيسي الذي يطل عليه المسجد الحرام عن طريق الأبواب والمداخل من جهة الشرق إلى الغرب كالتالي:
١ - باب عثمان بن عفان، وهو الذي يرتفع على جبل المروة مواجهًا لعمارة رئاسة الحرمين الشريفين العائد ملكيتها للأمير بندر بن عبد العزيز.
٢ - باب ابن الزبير (جسر باب ابن الزبير).
٣ - باب الندوة (جسر باب الندوة) يتوسط في الجهة العليا بين بابي الندوة، وعمر الفاروق.
٤ - باب المدينة (جسر باب المدينة المنورة) يتوسط في الجهة العليا بين بابي الحديبية وباب المدينة المنورة.
٥ - باب العمرة (جسر باب العمرة) إلى الجهة اليسرى للداخل إلى باب العمرة.
ومما تجدر الإشارة أنه كان يوجد باب في أعلا الصفا بالدور الثاني يطل على جبل أبي قبيس، ويمثل منفذًا من الدور الأعلى للمسعى يخرج منه المصلون إلى الجسر الذي يوصل المتجهين من السوق الصغير وأجياد إلى الغزة، ويسمى:
٦ - باب أبي قبيس.
وقد تم لي إكمال عدد أبواب المسجد الحرام التي وافت جميعها اثنين وأربعين بابا، ليلة الجمعة ٢١/ ٢٢/ ٠٧/ ١٤١٣ هـ والله ولي التوفيق.
كاتبه
عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان
وقد تم ترقيم أبواب المسجد الحرام ووضع أسماء عليها فبلغ تعدادها واحدًا وسبعين بابا، وبدأ الترقيم بباب الملك عبد العزيز رقم ١ وانتهى بالرقم الواحد والسبعين من جهة سوق الصغير، ويقول الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان الذي تفضل بإكمال هذه المعلومة أن التوسعة التي تمت من جهة سوق الصغير وضعت لها الأرقام ولكن لم توضع لها الأسماء بعد، أثبتنا ذلك إكمالًا للبحث.
منائر المسجد الحرام:
نقل الغازي عن صاحب الأعلام ما يلي:
هي الآن سبع منائر يؤذنون عليها في الأوقات الخمس أولاها:
стр. 1256
منارة باب العمرة:
عمَّرها أبو جعفر المنصور ثالث ملوك بني العباس، وعمَّرها بعده وزير صاحب الوصل الجواد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني في سنة إحدى وخمسين وخسمائة.
وكان رئيس المؤذنين يؤذن عليها في زمن الفاكهي يتبعه سائر المؤذنين، ثم صار في زمن الفاسي رئيس المؤذنين يؤذن في منارة باب السلام، ويتبعه سائر المؤذنين، وهو الآن - في زمن صاحب الأعلام - يؤذن في الأوقات الخمس على قبة زمزم، ويتبعه المؤذنون، إلا ليالي رمضان في التسحير واحدًا بعد واحد، وكذلك في (١) والتوديع والتذكير ونحو ذلك.
قال في التحصيل، قلت وهو كذلك في زماننا، يؤذن الريس على قبة زمزم ثم يتبعونه.
أقول: كانت عمارة أبو جعفر المنصور للمسجد الحرام في سنة مائة وثلاثين للهجرة، وتمت هذه العمارة سنة مائة وأربعين (٢)، ولابد أن تكون عمارة منارة باب العمرة قد تمت من ضمن عمارة المنصور في هذه الأعوام.
أما الفاكهي فهو محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهي أبو عبد الله المكي من أقدم مؤرخي مكة المكرمة، وقد ولد ما بين عامي ٢١٥ - ٢٢٠ للهجرة، وتوفي ما بين عامي ٢٧٢ - ٢٧٩ على اختلاف بين المؤرخين يا عامي ولادته ووفاته (٣).
أما الفاسي فهو الإمام أبو الطيب التقي الفاسي محمد بن أحمد الحسيني المكي مؤرخ مكة المكرمة، ولد سنة ٧٧٥ وتوفي سنة ٨٣٢، فهو ممن عاصروا الربع الأخير من القرن الثامن والثلث الأول من القرن التاسع الهجري - وهو مؤلف العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين، وشفاء الغرام بأخبار البلد الحرام.
أما صاحب الأعلام الذي نقل عنه الغازي فهو الإمام قطب الدين الحنفي صاحب كتاب الأعلام بأعلام بيت الله الحرام وهو من رجال القرن العاشر.
وصاحب تحصيل المرام هو الشيخ محمد بن أحمد الصباغ المكي وهو ممن عاصروا القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين.
ويقول الشيخ الغازي: بقيت هذه المنارة - منارة باب العمرة - منذ أن عمرها أبو جعفر المنصور في سنة مائة وأربعين للهجرة إلى أن جَدَّد عمارتها الجواد الأصفهاني وزير صاحب الوصل عام ٥٥١ للهجرة، ثم هدمت وأعيد بناؤها بأمر السلطان العثماني سليمان خان سنة ٩٣١، وبنيت على الطراز المعماري الرومي، وكانت قبل ذلك مبنية على طراز العمارة المصرية حيث كان على رأسها ثلاثة قناديل في ثلاثة أعواد مغروزة في قبة صغيرة على رأس المأذنة ثم
стр. 1257
جدد عمارتها الشريف سرور، وجعل لها دورين وذلك سنة ١٢٥١ هـ كما هو مكتوب على باب خلوتها، وبقيت هذه المنارة على ذلك إلى أن تمت التوسعة السعودية الأولى للمسجد الحرام حيث يذكر الشيخ/ حسين باسلامة العمارة الأخيرة فيقول:
ولا تزال منارة باب العمرة على ذلك البناء ذات دورين إلى العصر الحاضر الذي ألف كتابه فيه عام ١٣٥٤ للهجرة (١).
أقول: كان الأذان يتم في المسجد الحرام بارتقاء المؤذنين للمنائر العالية وكانوا يختارون من أصحاب الأصوات الجميلة والقوية، ليتم إيذان الناس بأوقات الصلوات في بيوتهم ومتاجرهم، وكان رئيس المؤذنين في زمن الفاكهي في القرن الثالث الهجري يبدأ الأذان من هذه المنارة فيردد بعده المؤذنون الأذان في المنائر الأخرى التي كانت في المسجد الحرام، والتي سنتحدث عنها بعد.
ثم تحول رئيس المؤذنين في زمن الفاسي في القرن الثامن الهجري إلى منارة باب السلام ويتبعه سائر المؤذنين من المنائر الأخرى، وفي القرن العاشر في زمن صاحب الأعلام صار رئيس المؤذنين يشرع الأذان من قبة زمزم ويتبعه سائر المؤذنين من المنائر الأخرى، وقد تم تجهيز المسجد الحرام بمكبرات الصوت - الميكروفون - بعد الحرب العالمية الثانية في عهد الشيخ/ عبد الرؤوف الصبان يرحمه الله، وركبت الأجهزة في المنائر وصار المؤذنون يؤذنون في موضعهم في البناء المخصص لهم الذي كان فوق قبة زمزم، والذي هو في الوقت الحاضر فوق موضع الإمام في مواجهة الركن اليماني من الكعبة المشرفة.
وينتقل صوت المؤذنين عبر مكبرات الصوت فيصل إلى رحاب مكة شرفها الله (٢).
وقد جاء ذكر التسحير والتوديع والتذكير في رواية الفاكهي عن المؤذنين فقد كان المؤذنون في الحجاز يعتلون المآذن وتنطلق أصواتهم بأدعية يصحو عليها النائمون في رمضان لتناول السحور، ويتم ذلك قبل ساعتين من الفجر، أما التذكير فكان يتم في الربع الأخير من الليل قبل الفجر ليوقظوا الناس للذكر، وأما التوديع فلعله كان توديعا لشهر رمضان في الأيام الأخيرة منه، وقد أدركت التذكير والتسحير وأنا طفل صغير، ومما ذكره الفاكهي يظهر لنا أن هذه العادة كانت قديمة في الحجاز تعود إلى القرن الثالث الهجري.
وقد ذكر ابن إياس في بدائع الزهور أن الناصر محمد بن قلاوون سلطان مصر هو أول من اتخذ التذكير يوم الجمعة على المآذن لتستعد الناس للصلاة وذلك في سنة سبعمائة للهجرة (٣).
أقول: ذكر ابن إياس ذلك في تاريخه لحكم السلطان في مصر، ولا أعرف إذا كانت هذه العادة - عادة التذكير يوم الجمعة - قد انتقلت إلى الحجاز، ولكن الذي هو حادث الآن في
стр. 1258
الحرمين الشريفين وفي كافة مساجد المملكة أن يؤذن للجمعة أذانان، الأذان الأول قبل نصف ساعة من موعد الصلاة، والأذان الثاني حين يعتلي الامام المنبر لخطبة الجمعة، كما أنه يؤذن أذانان لصلاة الفجر في الحرمين الشريفين وبعض المساجد الأخرى، الأول قبل ساعة من دخول وقت الفجر، والثاني حين حلول وقته.
وقد أبطلت هذه العادات جميعها في العهد السعودي لأنها لم تكن موجودة في العهد الإسلامي الأول عهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه والخلفاء الراشدين من بعده.
نعود الآن إلى إكمال الحديث عن المنائر السبع التي ذكرها الشيخ الغازي.
منارة باب السلام:
عمر هذه العمارة المهدي والمنصور العباسي الذي أمر بتوسعة المسجد الحرام في سنة أربع وستين ومائة، وهي بدورين، وقد تهدمت وتمت عمارتها في زمن الناصر فرج بن برقوق في سنة ست عشر وثمانمائة وهي باقية إلى الآن.
أقول: لتوضيح ما ذكره الشيخ/ الغازي عن عمارة المهدي والمنصور، أن الخليفة المنصور العباسي بدأ بعمارة عظيمة في المسجد الحرام عام ١٦٤ هـ، وتوفي قبل إكمالها، فأكملها ابنه الخليفة المهدي، وجعل المسجد مربعًا بحيث تظهر الكعبة المعظمة في وسطه تماما (١).
ويقول الشيخ/ حسين باسلامة عن منارة باب السلام أن السلطان مراد خان جَدَّد عمارتها سنة ٩٨٣ نقل ذلك عن كتاب مرآة الحرمين، وقد بقيت هذه المنارة بعد عمارتها الثالثة إلى أن تمت العمارة السعودية الأولى للمسجد الحرام (٢).
منارة باب علي:
أول من عمرها المهدي العباسي وقد بنيت مع عمارة باب السلام السابق ذكرها، وآلت إلى الخراب فأمر بعمارتها السلطان العثماني سليمان خان فهدمت وأعيد بناؤها بالحجر الأصفر الشميسي وجعل لها دورين أعلا وأسفل، وكانت بدور واحد وجعل رأس المنارة المذكورة على طراز منائر الحرم الشريف.
ويقول الشيخ/ حسين باسلامة، أن عمارة السلطان كانت في حدود سنة ٩٧٥ للهجرة وأن هذه المنارة بقيت بعدها إلى أن تمت العمارة السعودية الأولى للمسجد الحرام (٣).
منارة باب الوداع:
سماها الشيخ الغازي: منارة باب الحزورة، وسماها الشيخ/ باسلامة منارة باب
стр. 1259
الوداع، وقد اخترت ما سماه الشيخ/ باسلامة لأنه أقرب إلى مفهوم القارئ في الوقت الحاضر.
بناها المهدي العباسي ثم عمرت في زمن الأشرف شعبان بن حسين صاحب الموصل وكانت قد سقطت عام إحدى وسبعين وسبعمائة، وَسلِم الناس من سقوطها، فوصل المعمرون لعمارتها وفرغوا منها في مفتتح محرم الحرام سنة اثنين وسبعين وسبعمائة، وهي باقية إلى الآن.
ويروي الشيخ/ باسلامة نقلًا عن ابن فهد القرشي في إتحاف الورى كيفية سقوطها فيقول:
وفي ليلة الاثنين ثاني جماد الأولى سقطت مأذنة (باب الحزورة) في ليلة مطيرة، وكفى الله شرها فلم تَضرُّ أحدًا من مجاوريها، ولا من البيوت التي إلى جانبها بعد أن خلت تلك الدور من ساكنيها خوفًا على أنفسهم، فلما بلغ الأشرف شعبان بن حسين صاحب مصر ذلك أمر أمير الحاج المصري علاء الدين بن علي بن كلبك التركماني، شاد الدواوين بمصر أن يتأخر بمكة المكرمة بعد الحج لعمارة مأذنة باب الحزورة، فشرع في عمارتها عقب سفر الحاج وفرغ من العمارة في المحرم من السنة التي بعدها (١).
منارة باب الزيادة:
وهي قديمة بناها المعتضد العباسي لما بنى زيادة دار الندوة ثم سقطت، وأنشأها الملك الأشرف "برسباي" في عام ثلاث وثمانين وثمانمائة كما هو مثبت في حجر باب المأذنة قال في تحصيل المرام: وعمرت سنة ألف ومائة وثلاثة عشر حيث وقع دورها فأمر ببنائها.
أقول: كانت عمارة المعتضد العباسي في سنة ٢٨١ حيث خربت دار الندوة وكانت مسجدًا مستقلًا عن المسجد فأمر المعتضد بإدخالها في المسجد الحرام وهذه العمارة التي ضمت فيها دار الندوة إلى المسجد الحرام وأحدث لها باب سمي باب الزيادة (٢).
منارة السلطان قايتباي:
بناها السلطان قايتباي حينما بنى مدرسته كما هو مكتوب على عقد باب مدرسته إلى جهة المسعى (في غاية الصناعة) ثلاثة أدوار.
وبنى نظيرها منارة أخرى على عقد باب مسجد الخيف بمنى وفرغ من بنائها سنة خمسمائة وخمسين.
أقول: التاريخ الذي أورده الغازي عن منارة السلطان قايتباي غير صحيح، لأن السلطان قايتباي من رجال القرن التاسع وليس من رجال القرن السادس الهجري، وقد أدى
стр. 1260
فريضة الحج عام ٨٨٤ هـ (١)، وتولى السلطنة بمصر سنة ٨٧٣ للهجرة، وهو من ملوك الجراكسة المماليك (٢). أما المدرسة التي بناها بمكة فسيأتي الحديث عنها في قسم المدارس حول المسجد الحرام بعد، وقد تم بناؤها في سنة ٨٨٤ هـ، والذي يظهر لي أن السلطان حج في هذا العام بعد أن أكمل بناء المدارس التي أمر بتشييدها في مكة الكرمة وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة (٣) كما سيأتي تفصيله بعد.
منارة السلطان سليمان خان:
وهذه المنارة أمر السلطان خان ببنائها في إحدى مدارسه الأربع فيما بين باب السلام وباب الزيادة، وهي منارة في غاية العلو والارتفاع مبنية بالحجر الشميسي الأصفر لها دورين، وكان بناؤها سنة ثلاثة وسبعين وتسعمائة.
ويقول الشيخ/ باسلامة عن منارتي السلطان قايتباي والسلطان سليمان خان أنهما باقيتان إلى الآن على عمارتهما الأولى حسبما أنشئتا عليه، ولم يحصل فيها تغيير ولا تبديل، إلا بعض مرمات كغيرها من المنائر الأخرى (٤).
ويفهم من هذا الذي ذكره الشيخ/ باسلامة أن المنارتين المذكورتين بقيتا إلى أن تمت العمارة السعودية الأولى للمسجد الحرام التي بدأت عام ١٣٧٥ للهجرة، وانتهت عام ١٣٩٦ للهجرة.
المآذن في العمارة السعودية:
المآذن الموجودة في الوقت الحاضر والتي تمت في العمارة السعودية هي سبعة مآذن مئذنتان عند كل باب من الأبواب الرئيسية والمأذنة السابعة عند باب الصفا، وهي مبنية بالخرسانة المسلحة، ومكسوة بالرخام والحجر الصناعي ويبلغ ارتفاع المأذنة الواحدة ستة وتسعين مترًا عن سطح الأرض (٥)، وقد سبق لي الحديث عنهما في الجزء الثاني من أعلام الحجاز، وقد اقتضت التوسعة السعودية العظيمة إزالة المنائر السبعة الأولى التي تحدث عنها مؤرخو مكة الكرمة، والتي فصلنا القول فيها نقلًا عنهم وتعليقًا على ما كتبوا بشأنها وليست هذه المرة الأولى التي تهدم فيها المآذن في الحرم الشريف.
стр. 1261
المآذن التي كانت على المسجد الحرام وهدمت:
فقد ذكر الشيخ/ الغازي منائر أخرى ثلاث ذكرها مؤرخو مكة وأزيلت منها منارة تشبه الصومعة كانت على باب إبراهيم هدمها بعض أمراء مكة لإشرافها على داره، ذكر ذلك التقي الفاسي مؤرخ مكة في القرن التاسع الهجري.
ومنارة أخرى ذكرها ابن جبير كانت على باب الصفا، وهي أصغر المنائر، كما أنها كانت عَلَمًا لباب الصفا، وكانت ضيقة لا يستطاع الصعود إليها.
ومنارة ثالثة كانت على الميل الذي يهرول عنده الساعون بين الصفا والمروة، ذكر ذلك الفاكهي مؤرخ مكة في القرن الثالث الهجري.
يقول الشيخ/ الغازي ونقلًا عن الشيخ/ باسلامة: وهذه المنائر الثلاث كانت على المسجد الحرام ولا يعلم من بناها ولا متى هدمت (١).
ونختم الحديث عن المنائر ببعض ما كان يعمل فيها من وسائل لاعلام الناس بأمور تهمهم في أمور دينهم.
قنديل يعلق على منارة لإعلان الناس بالإفطار والإمساك في رمضان:
يقول الغازي: وبعلو مكة شرفها الله تعالى منارة على مسجد يقال له مسجد الراية على يسار النازل من المعلاة، بقرب بئر جبيرين مطعم بن عدي بن نوفل، ويقال أن النبي ﷺ ركن رايته يوم فتح مكة فيه، وهي منارة عتيقة ذهب رأسها، وكان لها دوران، ولا أعلم من بناها يؤذن فيها بعض أهل الخير في مغرب شهر رمضان، ويعلق فيها قنديلا لأعلام أهل ذلك المكان بدخول المغرب للافطار في رمضان، ويُسَحَّر عليها في الليل ويطفئ قنديلها بعد السحور، إعلامًا بدخول أول الفجر ليمتنع الصائمون عن الأكل والشرب وهو باقٍ إلى الآن (٢).
أقول لم يذكر لنا الشيخ/ الغازي مصدره في خبر هذا القنديل الذي يعلو لاعلان الناس بحلول غروب أيام رمضان، ودخول أذان الفجر، واستبعد أن يكون هذا القنديل كان في زمن الشيخ/ الغازي نفسه لأنه توفي عام ١٣٥٦ للهجرة أي في منتصف القرن الرابع عشر للهجرة وربما كان هذا الخبر منقولًا من رواية أحد مؤرخي مكة السابقين.
هارون الرشيد يقيم المآذن في شعاب مكة وفجاجها:
وينقل الغازي عن التقي الفاسي مؤرخ مكة في القرن التاسع عشر، أن المنائر بمكة كانت كثيرة في الشعاب والمحلات، وكان المؤذنون يؤذنون عليها للصلوات، وكانت لهم أرزاق تُجْرى عليهم، وأول من جَدَّد تلك المنائر على رؤوس الجبال، وفي فجاج مكة وشعابها هارون الرشيد، وأجرى على المؤذنين الأرزاق.
стр. 1262
ذكر الفاسي: إنها كانت خمسين منارة في شعاب مكة، وقال: وقد ترك الأذان على هذه المنائر ولم يبق منها شيء (١).
ويوضح الشيخ/ باسلامة الأمر فيقول نقلًا عن الفاكهي مؤرخ مكة في القرن الثالث: كان أهل مكة فيما مضى من الزمان لا يؤذنون على رؤوس الجبال، وإنما كان الأذان في المسجد الحرام وحده، فكان الناس تفوتهم الصلاة ممن كان منهم في فجاج مكة ونائيًا عن المسجد حتى كان في زمن أمير المؤمنين هارون الرشيد، فقدم عبد الله بن مالك أو غيره من نظرائه مكة ففاتته الصلاة ولم يسمع الأذان، فأمر أن يتخذ على رؤوس الجبال منارات لتشرف على فجاج مكة وشعابها يؤذن فيها للصلاة، وأجرى على المؤذنين في ذلك أرزاقًا، ولعبد الله بن مالك الخزاعي منائر. ذكر الشيخ/ باسلامة مواضعها، وعبد الله بن مالك هذا ممن خدم هارون الرشيد، وكذلك كانت هناك منائر تنسب إلى "بغا" الذي يكنى بأبي موسى مولى هارون الرشيد.
وذكر الشيخ باسلامة مواضعها، وذكر الفاكهي أنه كانت تجري الأرزاق على المؤذنين فيها وبتطاول الزمان بطل العمل والأذان عليها (٢).
* * * *
стр. 1263
بعض جبال مكة وأسباب تسميتها
جبل عمر بالشبيكة:
ومن أسمائه ثبير الزنج، وهو جبل النوبي المعروف بأسفل مكة في جهة الشبيكة الذي كان به مولد سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ على ما قيل.
وإنما سمي بذلك لأن سودان مكة كانوا يلعبون عنده، وهم النوبة والسودان الزنوج فطابقت التسمية على كلا الوجهين (١).
أقول: يقول الأرزقي مؤلف أخبار مكة: أن زنوج مكة كانوا يحتطبون منه ويلعبون فيه (٢).
جبل أبو قبيس:
نقل الغازي عن السيد/ أحمد زيني دحلان في سالنامة الحجاز نقلًا عن القزويني في عجائب المخلوقات ما يلي:
إن من خواص جبل أبي قيس أن من أكل فيه الرأس المشوي، يأمن من وجع الرأس، فصار كثير من الغرباء يحرصون على ذلك، لا سيما حجاج الجاوا، وقال العلامة المُلَّا علي القاري في شرح اللباب، أن ذلك باطل لا أصل له (٣).
أقول: لا شك أن ما ذكره القزويني يدخل في باب الخرافات التي لا أصل لها، والتي قد يأخذ بها بعض السذج من الناس، وجبل أبو قبيس هوأحد أخشبي مكة وهو الجبل المشرف على الصفا إلى السويدا إلى الخندقة، وكان يسمى في الجاهلية الأمين، ويقال إنما سمي الأمين لأن الركن الأسود كان مستودعًا فيه عام الطوفان.
стр. 1264
يقول الأرزقي نقلًا عن بعض أهل مكة أنه إنما سمي أبا قبيس لأن أول من نهض بالبناء فيه كان رجلًا يدعى أبا قبيس، وكان هذا الرجل من اياد، وثاني الأخشبين جبل قيعقان، والأخشب من الجبل الخشن الغليظ، وقيل إن الأخشب الثاني هو الجبل الأحمر، ولكن القطبي صوَّب التسمية الأولى، وقعيقعان هو جبل الهندي المعروف بهذا الاسم في الوقت الحاضر (١).
جبل تفاحة:
يقول الغازي، ومن جبال مكة جبل يقال له تفاحة، وهي مولاة لمعاوية كانت أول من بنى في ذلك الجبل فسمي باسمها (٢).
أقول: سماه الأزرقي جبل تفاجة، بالجيم وليس بالحاء كما ذكره الغازي (٣).
جبل النار:
يقول الغازي: هو الجبل الذي يلي جبل زرزر، وسمي بجبل النار لأنه أصاب أهله حريق متوال (٤).
جبل زرزر:
هو الجبل المشرف على دار منصور الحميري خال المهدي بالسويقة على حق آل نبيه بن الحجاج السهميين، وكان يسمى في الجاهلية القايم، وزرزر حايك كان بمكة، كان أول من بنى فيه فسمي به (٥).
أقول: ويفهم من هذا أن الجبل كان يشرف على السويقة وكان سوق سويقة خلف المسعى من الجهة الغربية للمسجد الحرام، وقد أدخلت سويقة كلها بما تحتويه من مبان ودكاكين في العمارة السعودية الأولى للمسجد الحرام عام ١٣٩٦ هـ.
جبل أبي زيد:
هو الجبل الذي يصل زرزر مشرفًا على حق آل عمر بن عثمان، الذي يلي زقاق مهر، ومهر كان رجلا يعلم الكتابة هناك، وأبو زيد هو من أهل سواد الكوفة، كان أميرًا على الحاكة بمكة، كان أول من بنى فيه (٦).
стр. 1265
أقول: سمى الأزرقي هذا الجبل جبل أبي يزيد وليس جبل أبو زيد، وكان أبو يزيد هذا يتولى آل هشام بن المغيرة، والحاكة هم الخياطون وكان أبو زيد أميرًا لهم أي شيخًا عليهم (١).
جبل الأعرج:
وهو مشرف على شعب أبي زيد - يزيد - وشعب ابن عامر، والأعرج مولى لأبي بكر الصديق، كان فيه فسمي به ونسب إليه (٢).
أقول: هذا ما كتبه الغازي عن بعض جبال مكة وقد أفرد الأزرقي فصلًا خاصًا بجبال مكة وشعابها، فصل فيه أسماء الجبال وأسباب تسميتها ومواقعها تفصيلًا وافيًا في الجزء الثاني من كتابه الكبير أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، فليرجع إليه من أراد الاستزادة في هذا الباب.
وتعليقًا على ما ذكره الغازي في تسمية الجبال، وما ذكره الأزرقي هو أن أسماء الجبال تتغير بأسماء ما يقع فيها من أحداث وما يبنى فيها أو حولها كما هو الحال في غيرها من الأماكن في كثير من الأنحاء.
* * * *