المآذن التي كانت على المسجد الحرام وهدمت:
فقد ذكر الشيخ/ الغازي منائر أخرى ثلاث ذكرها مؤرخو مكة وأزيلت منها منارة تشبه الصومعة كانت على باب إبراهيم هدمها بعض أمراء مكة لإشرافها على داره، ذكر ذلك التقي الفاسي مؤرخ مكة في القرن التاسع الهجري.
ومنارة أخرى ذكرها ابن جبير كانت على باب الصفا، وهي أصغر المنائر، كما أنها كانت عَلَمًا لباب الصفا، وكانت ضيقة لا يستطاع الصعود إليها.
ومنارة ثالثة كانت على الميل الذي يهرول عنده الساعون بين الصفا والمروة، ذكر ذلك الفاكهي مؤرخ مكة في القرن الثالث الهجري.
يقول الشيخ/ الغازي ونقلًا عن الشيخ/ باسلامة: وهذه المنائر الثلاث كانت على المسجد الحرام ولا يعلم من بناها ولا متى هدمت (١).
ونختم الحديث عن المنائر ببعض ما كان يعمل فيها من وسائل لاعلام الناس بأمور تهمهم في أمور دينهم.
قنديل يعلق على منارة لإعلان الناس بالإفطار والإمساك في رمضان:
يقول الغازي: وبعلو مكة شرفها الله تعالى منارة على مسجد يقال له مسجد الراية على يسار النازل من المعلاة، بقرب بئر جبيرين مطعم بن عدي بن نوفل، ويقال أن النبي ﷺ ركن رايته يوم فتح مكة فيه، وهي منارة عتيقة ذهب رأسها، وكان لها دوران، ولا أعلم من بناها يؤذن فيها بعض أهل الخير في مغرب شهر رمضان، ويعلق فيها قنديلا لأعلام أهل ذلك المكان بدخول المغرب للافطار في رمضان، ويُسَحَّر عليها في الليل ويطفئ قنديلها بعد السحور، إعلامًا بدخول أول الفجر ليمتنع الصائمون عن الأكل والشرب وهو باقٍ إلى الآن (٢).
أقول لم يذكر لنا الشيخ/ الغازي مصدره في خبر هذا القنديل الذي يعلو لاعلان الناس بحلول غروب أيام رمضان، ودخول أذان الفجر، واستبعد أن يكون هذا القنديل كان في زمن الشيخ/ الغازي نفسه لأنه توفي عام ١٣٥٦ للهجرة أي في منتصف القرن الرابع عشر للهجرة وربما كان هذا الخبر منقولًا من رواية أحد مؤرخي مكة السابقين.
هارون الرشيد يقيم المآذن في شعاب مكة وفجاجها:
وينقل الغازي عن التقي الفاسي مؤرخ مكة في القرن التاسع عشر، أن المنائر بمكة كانت كثيرة في الشعاب والمحلات، وكان المؤذنون يؤذنون عليها للصلوات، وكانت لهم أرزاق تُجْرى عليهم، وأول من جَدَّد تلك المنائر على رؤوس الجبال، وفي فجاج مكة وشعابها هارون الرشيد، وأجرى على المؤذنين الأرزاق.
стр. 1262
ذكر الفاسي: إنها كانت خمسين منارة في شعاب مكة، وقال: وقد ترك الأذان على هذه المنائر ولم يبق منها شيء (١).
ويوضح الشيخ/ باسلامة الأمر فيقول نقلًا عن الفاكهي مؤرخ مكة في القرن الثالث: كان أهل مكة فيما مضى من الزمان لا يؤذنون على رؤوس الجبال، وإنما كان الأذان في المسجد الحرام وحده، فكان الناس تفوتهم الصلاة ممن كان منهم في فجاج مكة ونائيًا عن المسجد حتى كان في زمن أمير المؤمنين هارون الرشيد، فقدم عبد الله بن مالك أو غيره من نظرائه مكة ففاتته الصلاة ولم يسمع الأذان، فأمر أن يتخذ على رؤوس الجبال منارات لتشرف على فجاج مكة وشعابها يؤذن فيها للصلاة، وأجرى على المؤذنين في ذلك أرزاقًا، ولعبد الله بن مالك الخزاعي منائر. ذكر الشيخ/ باسلامة مواضعها، وعبد الله بن مالك هذا ممن خدم هارون الرشيد، وكذلك كانت هناك منائر تنسب إلى "بغا" الذي يكنى بأبي موسى مولى هارون الرشيد.
وذكر الشيخ باسلامة مواضعها، وذكر الفاكهي أنه كانت تجري الأرزاق على المؤذنين فيها وبتطاول الزمان بطل العمل والأذان عليها (٢).
* * * *
стр. 1263
بعض جبال مكة وأسباب تسميتها
جبل عمر بالشبيكة:
ومن أسمائه ثبير الزنج، وهو جبل النوبي المعروف بأسفل مكة في جهة الشبيكة الذي كان به مولد سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ على ما قيل.
وإنما سمي بذلك لأن سودان مكة كانوا يلعبون عنده، وهم النوبة والسودان الزنوج فطابقت التسمية على كلا الوجهين (١).
أقول: يقول الأرزقي مؤلف أخبار مكة: أن زنوج مكة كانوا يحتطبون منه ويلعبون فيه (٢).
جبل أبو قبيس:
نقل الغازي عن السيد/ أحمد زيني دحلان في سالنامة الحجاز نقلًا عن القزويني في عجائب المخلوقات ما يلي:
إن من خواص جبل أبي قيس أن من أكل فيه الرأس المشوي، يأمن من وجع الرأس، فصار كثير من الغرباء يحرصون على ذلك، لا سيما حجاج الجاوا، وقال العلامة المُلَّا علي القاري في شرح اللباب، أن ذلك باطل لا أصل له (٣).
أقول: لا شك أن ما ذكره القزويني يدخل في باب الخرافات التي لا أصل لها، والتي قد يأخذ بها بعض السذج من الناس، وجبل أبو قبيس هوأحد أخشبي مكة وهو الجبل المشرف على الصفا إلى السويدا إلى الخندقة، وكان يسمى في الجاهلية الأمين، ويقال إنما سمي الأمين لأن الركن الأسود كان مستودعًا فيه عام الطوفان.
стр. 1264
يقول الأرزقي نقلًا عن بعض أهل مكة أنه إنما سمي أبا قبيس لأن أول من نهض بالبناء فيه كان رجلًا يدعى أبا قبيس، وكان هذا الرجل من اياد، وثاني الأخشبين جبل قيعقان، والأخشب من الجبل الخشن الغليظ، وقيل إن الأخشب الثاني هو الجبل الأحمر، ولكن القطبي صوَّب التسمية الأولى، وقعيقعان هو جبل الهندي المعروف بهذا الاسم في الوقت الحاضر (١).
جبل تفاحة:
يقول الغازي، ومن جبال مكة جبل يقال له تفاحة، وهي مولاة لمعاوية كانت أول من بنى في ذلك الجبل فسمي باسمها (٢).
أقول: سماه الأزرقي جبل تفاجة، بالجيم وليس بالحاء كما ذكره الغازي (٣).
جبل النار:
يقول الغازي: هو الجبل الذي يلي جبل زرزر، وسمي بجبل النار لأنه أصاب أهله حريق متوال (٤).
جبل زرزر:
هو الجبل المشرف على دار منصور الحميري خال المهدي بالسويقة على حق آل نبيه بن الحجاج السهميين، وكان يسمى في الجاهلية القايم، وزرزر حايك كان بمكة، كان أول من بنى فيه فسمي به (٥).
أقول: ويفهم من هذا أن الجبل كان يشرف على السويقة وكان سوق سويقة خلف المسعى من الجهة الغربية للمسجد الحرام، وقد أدخلت سويقة كلها بما تحتويه من مبان ودكاكين في العمارة السعودية الأولى للمسجد الحرام عام ١٣٩٦ هـ.
جبل أبي زيد:
هو الجبل الذي يصل زرزر مشرفًا على حق آل عمر بن عثمان، الذي يلي زقاق مهر، ومهر كان رجلا يعلم الكتابة هناك، وأبو زيد هو من أهل سواد الكوفة، كان أميرًا على الحاكة بمكة، كان أول من بنى فيه (٦).
стр. 1265
أقول: سمى الأزرقي هذا الجبل جبل أبي يزيد وليس جبل أبو زيد، وكان أبو يزيد هذا يتولى آل هشام بن المغيرة، والحاكة هم الخياطون وكان أبو زيد أميرًا لهم أي شيخًا عليهم (١).
جبل الأعرج:
وهو مشرف على شعب أبي زيد - يزيد - وشعب ابن عامر، والأعرج مولى لأبي بكر الصديق، كان فيه فسمي به ونسب إليه (٢).
أقول: هذا ما كتبه الغازي عن بعض جبال مكة وقد أفرد الأزرقي فصلًا خاصًا بجبال مكة وشعابها، فصل فيه أسماء الجبال وأسباب تسميتها ومواقعها تفصيلًا وافيًا في الجزء الثاني من كتابه الكبير أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، فليرجع إليه من أراد الاستزادة في هذا الباب.
وتعليقًا على ما ذكره الغازي في تسمية الجبال، وما ذكره الأزرقي هو أن أسماء الجبال تتغير بأسماء ما يقع فيها من أحداث وما يبنى فيها أو حولها كما هو الحال في غيرها من الأماكن في كثير من الأنحاء.
* * * *
стр. 1266
بعض المساجد في مكة وحولها
ذكر الغازي بعض المساجد التي بمكة وحولها وأسباب تسميتها ومواضعها ونوردها فيما يلي:
مسجد الإجابة:
جاء في تحصيل المرام عن مسجد الإجابة: وهذا المسجد بالأبطح، ويسمى بالبطحاء وبخيف بني كنانة، وهو المسمى الآن بالمعابدة، وحَدَّه إلى جبل ثقبة، والموضع الذي نزل فيه النبي ﷺ هو الموضع المسمى بمسجد الإجابة (١) أقول: وفي المدينة المنورة مسجد صغير في داخل المدينة لا يبعد كثيرًا عن المسجد النبوي الشريف يسمى كذلك مسجد الإجابة.
مسجد الجن:
قال الأزرقي وهو الذي يسميه أهل مكة مسجد الحرس، وإنما سمي بهذا الاسم، لأن العسس يجتمعون عنده ليلًا قال: وهو فيما يقال الموضع الذي خطه الرسول ﷺ لابن مسعود ليلة استمع إليه الجن، وأن الجن بايعوا رسول الله ﷺ فيه، ذكره في الأعلام، وفي إتحاف فضلاء الزمن.
تعمير مسجد الجن بالمعلاة:
وفي سنة اثنتي عشرة ومائة وألف عمَّر إبراهيم بك مسجد الجن بالمعلاة، لأنه درس ودُفِنَ تحت الأرض مع كثرة السيول وتطاول الأزمان حتى أنهم غرسوا في ذلك المحل بعض أشجار وبستان - كنبق - وبعض الريحان، وكانوا يسمونه الجنينا، فأحضروا المهندسين والعلماء، وحفروا عن ذلك الموضع، وظهر محراب المسجد الذي أسلم الجن فيه (تحت الأرض)،
стр. 1267
وبادروا بقطع تلك الأشجار، وتنظيف تلك البقعة، ثم بُني فيه مسجد صغير على حَدِّهِ الأصلي، ووضعوا المحراب على ما كان عليه، وجعلوا على أعلا المسجد قبة، ثم بنوا مسجدًا آخر على سطح المسجد المأثور، مسجد كبير بقبة عظيمة، وجعلوا في جانب القبة (١) ومحرابًا وسدوا القبة وفتحوا من أطراف القبة لأجل الماء، وجعلوا بجانبه حنفية لطيفة بابها من داخل المسجد المذكور الذي خط عليها النبي ﷺ ونهاه أن يخرج عن هذا الخط والدايرة وعمروا هذا المحل أحسن مسجد بأحسن البناء، انتهى … الخ (٢).
تسمية مسجد الخيف:
في حديث الغازي عن مسجد الخيف قال:
الخيف ما ارتفع من الأرض، وانحدر من الجبل، ومسجد منى المشهور يسمى مسجد الخيف لأنه في سفح جبلها، ذكر ذلك في تحصيل المرام (٣).
تاريخ بناء مسجد عرفة:
ويسمى مسجد إبراهيم نسبة إلى الخليل إبراهيم ﵇، وفي هذه النسبة اختلاف بين العلماء.
يقول الغازي: ولم يذكر الأزرقي تاريخ بنائه، وذكر ابن عبد البر أن هذا المسجد بني بعد مصير الأمر لبني هاشم بعشر سنين - هكذا نقله - عن ابن عبد البر الشيخ/ خليل في توضيحه على مختصر ابن الحاجب، وعلى هذا بني المسجد في أوائل عشر الخمسين.
وفي العقد الثمين: المسجد الذي يصلي فيه الإمام بالناس يوم عرفة ليس من عرفة على مقتضى ما ذكره ابن الصلاح والنووي، وكلام المحب الطيري يقتضي أنه منها، وقيل أن مقدمه من عرنة بالنون ومؤخره من عرفة بالفاء (٤).
تسمية المزدلفة:
سميت بالمزدلفة لازدلاف الناس إليها أي اقترابهم واجتماع الناس إليها، وقيل لمجيئهم إليها في زلف من الليل - أي ساعات الليل.
ويقال للمزدلفة جمع، قيل لاجتماع آدم وحواء فيها، وقيل لجمع الصلاتين فيها (٥).
стр. 1268
تعليل اسم منى:
سميت بذلك لما يُمْنى بها من الدماء - أي يراق - وهو المشهور، والذي ذكره جمهور اللغويين وغيرهم، وقيل لأن جبريل قال لآدم حينما أراد فراقه تَمَنَّ، فقال آدم: أتمنى الجنة، فسميت بذلك لأمنية آدم، هكذا قال ابن عباس ﵄، أو لاجتماع الناس بها لأن العرب تسمي كل مجتمع للناس منى، وقيل لأن الله تعالى منَّ على الخليل ﵇ بفداء ابنه إسماعيل ﵇ بها، أو لمنَّ الله تعالى على عباده بالمغفرة إلى غير ذلك (١).
سبب تسمية التنعيم:
سميت بذلك لأن جبلا عن يمينها يقال له نعيم، وآخر من شمالها يقال له ناعم والوادي نعمان (٢).
سبب تسمية الجعرانة:
سميت الجعرانة باسم امرأة من قريش يقال لها رايطة، براء وطاء ومهملتين، بينهما مثناة تحتية بنت كعب، ولقبها جعرانة، وهي امرأة أسد بن عبد العزيز، وعن ابن عباس ﵄ أنها هي التي نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾.
وعلى ذكر الجعرانة يقول الغازي.
الفضة في الجعرانة:
جاء في السالنامة الحجازية: وادي الجعرانة وادٍ مبارك كثير الأنوار، وبه أحجار تستخرج منها الفضة، وقد سمع بذلك بعض الصواغين بمكة، وهو أبو بكر المُلَّا، فخرج إلى الجعرانة ووجد شيئا من الأحجار فاختبرها، واستخرج منها فضة، فكان الخارج بقدر المنصرف، فترك ذلك، ولو فعل ذلك ذو قوة بآلات وعدد لربما يستخرج منها ما يحصل له ربح، انتهى … (٣).
أقول: السالنامة الحجازية كما علمت هي الجريدة الرسمية أو نشرة رسمية في أواخر العهد العثماني، كانت تصدرها الحكومة العثمانية بمكة، وما جاء في هذه النشرة عن الفضة في الجعرانة إذا كان صحيحًا فربما كان ارتفاع أثمان الفضة في الوقت الحاضر يجعل استخراجها إن وجدت بكميات تجارية ذات جدوى اقتصادية، وعلى أي حال فإن وزارة البترول والثروة
стр. 1269
المعدنية هي الجهة ذات الاختصاص في هذا الشأن، وربما كان لديها من الدراسات ما يدلُّ على وجود الفضة في الجعرانة أو ينفيه، وقد ذكرنا الأمر لدلالته على أفكار الناس قبل ما يزيد على قرن من الزمان.
الخرمانية:
سميت بذلك لأن بها حائط - بستان - يسمى خرمان وهو بثنية أذاخرْ (١).
جبل الهندي:
نسبة إلى الشيخ تاج الدين بن زكريا بن سلطان الهندي النقشبندي، وكان له رباط بسفح جبل قيقعان، ولما تُوفي دفن فيه، وجبل قيقعان يسمى في الوقت الحاضر جبل الهندي (٢).
حوض البقر:
كان حوضًا لسقيا الدواب وهو من الأحواض المتصلة بقنوات عين زبيده، لإيصال الماء من نعمان إلى عرفه ومنى (٣).
أقول: حوض البقر في الوقت الحاضر أصبح ضاحية من ضواحي مكة المكرمة التي تموج بالعمران ويسمى حاليا "العزيزية" وهو من أجمل الأحياء بشوارعه الفسيحة التي يمتد على جوانبها العمران، وتقوم عليها العمارات الشاهقة، والحوانيت الكثيرة، وتضيئه الكهرباء فسبحان مغير الأحوال.
لقد أدركت حوض البقر وهو خلاء يهرع بعض الناس إليه في الليالى الشديدة القيظ فينامون فيه التماسًا لنسمة هواء باردة، ثم بدأ العمران يدبُّ إليه قليلًا قليلًا فاكتفوا بتسميته - الحوض - وأبطلوا كلمة البقر، وما لبث أن عمَّه العمران واتصلت مكة به أو اتصل بها فسمى العزيزية كما أسلفت.
* * * *
стр. 1270
أسوار مكة
ذكرنا في الجزء الثاني من أعلام الحجاز شيئًا عن أسوار مكة، وقد ذكر الشيخ/ عبد الله الغازي في إفادة الأنام أسوار مكة بتفصيل أوفى نورده فيما يلي:
سور المعلاة:
كانت مكة في قديم الزمان مسوَّرة، فجهة المعلاة كان بها جدار عريض من طرف جبل عبد الله بن عمر إلى الجبل المقابل له، وكان فيه باب من خشب مصفح بالحديد، أهداه ملك الهند إلى صاحب مكة، يقول صاحب الأعلام الذي نقل عنه الغازي.
وقد أدركنا منها - من الجدار - قطعة جدار كان فيه ثقوب للسيل، قصير دون القامة وكان صنع باب السور "بكتباية" من بلاد الهند في سنة ست وثمانين وسبعمائة، وأهدى للسيد/ أحمد بن عجلان - أمير مكة في ذلك الزمان - وركَّبه على باب المعلاة عنان بن مغامس بن رميثة في سنة تسع وثمانين وسبعمائة، لما ولى أمرة مكة بعد مقتل محمد بن أحمد بن عجلان.
ثم أُحرق ذلك الباب بالنار حتى سقط على الأرض، وهدم كذلك عدة مواضع من سور باب المعلاة من جانبه، وسبب ذلك أن جند السيد/ رميثة بن محمد بن عجلان منعوا جند عمه السيد حسن من دخول مكة، لما ولى أمر مكة عَوَّضَ رميثة في ثامن عشر من رمضان في هذه السنة، فقام بعض جنود السيد حسن بهدم عدة مواضع من السور كما قاموا بإحراق باب السور حتى سقط إلى الأرض.
ثم أمر السيد حسن ببناء ما تهدم من السور، وعوَّض عن الباب المحترق بباب جديد انتزعه من بعض دوره بمكة، وكان الباب الجديد يقل عن الباب المحترق في الحجم فزيد فيه حتى تم إكماله، ووضع في مكانه من السور في ثاني عشر ذي القعدة من العام المذكور.
سور الشبيكة:
وكان في جهة الشبيكة سور ما بين جبلين متقاربين بينهما الطريق السالك إلى خارج مكة
стр. 1271
وكان في السور بابان بعقدين، أدركنا أحد العقدين يدخل منهما الجمال والأحمال ثم تهدم شيئًا فشيئا إلى أن لم يبق منه شيء الآن، ولم يبق منه إلا فج بين جبلين متقاربين فيه المدخل والمخرج، وهذا التعليق لصاحب الأعلام الذي نقل عنه الغازي.
سور المسفلة:
وكان بمكة سور في جهة المسفلة في درب اليمن، يقول صاحب الأعلام، لم ندركه ولم ندرك آثاره.
سور آخر بأعلى مكة:
وذكر التقي الفاسي نقلًا عن من تقدم، أنه كان لمكة سور من أعلاها دون السور الذي تقدم ذكره، قريبًا من المسجد المعروف بمسجد الراية، وكان من الجبل الذي إلى جهة القرارة، ويسمى لعلع، إلى الجبل المقابل الذي إلى جهة سوق الليل، قال: وفي الجبل آثار تدل على اتصال السور به. انتهى.
يقول التقي الفاسي: ولم يبق من آثار هذا السور شيء مطلقًا.
ويقول التقي الفاسي عن تاريخ إنشاء هذه الأسوار: فما عرفت متى أنشئت هذه الأسوار بمكة ولا من أنشاها، ولا من عمَّرها، غير أنه بلغني أن الشريف أبا عزيز قتادة بن إدريس الحسيني، جَدُّ ساداتنا أشراف مكة أدام الله عزهم وسعادتهم هو الذي عمَّرها.
قال الفاسي: وأطن أنه كان في دولته عمَّر السور الذي أعلا مكة، وفي دولته سهلت العقبة التي بنى عليها سور باب الشبيكة، وذلك من جهة المظفر صاحب أربل سنة ستمائة وستة، ولعله الذي بأعلا مكة، والله أعلم (١).
أقول: التقي الفاسي مؤرخ مكة كان من مواليد سنة سبعمائة وخمس وسبعين، وتوفي سنة ثمانمائة واثنين وثلاثين، وهو مؤلف كتاب العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين، وكتاب شفاء الغرام في أخبار البلد الحرام وهو ممن عاصروا القرنين الثامن والتاسع الهجريين (٢) أما الشريف قتادة بن إدريس فقد وصل إلى مكة بقومه من ينبع وهاجم أميرها الشريف مكثر واستخلصها لنفسه في سنة خمسمائة وسبعة وتسعين للهجرة (٣).
وتعليقًا على ما ذكره التقي الفاسي في تعمير الشريف قتادة لأسوار مكة إن ذلك غير مستبعد لأن الشريف قتادة كان أميرًا طارئًا على مكة قدم إليها من ينبع وأراد تحصينها بالأسوار بعد أن استولى عليها من أمرائها أشراف مكة.
стр. 1272
تسقيف المسعى:
ذكر الشيخ/ الغازي في إفادة الأنام ما يلي:
في سنة ألف وثلاثمائة وإحدى وأربعين أمر الشريف الحسين الملك الهاشمي بعمل سقيفة للمسعى، وكانت المسعى مكشوفة، وكان الساعون بين الصفا والمروة يتعرضون لحرِّ الشمس ولفح السموم حين سعيهم، وقد أورد الشيخ الغازي الأبيات الشعرية الجميلة التي سجلت هذا الحدث للشاعر الأديب الشيخ/ فؤاد الخطيب والتي سجلت على باب سقيفة المسعى من جهة الصفا، كما أورد الأبيات الشعرية التي نظمها الشاب الأديب صالح قزاز، والتي سجلت على باب سقيفة المسعى من جهة المدعي.
وهذه أبيات فؤاد الخطيب:
نضَّر الله تعالى ورعى … ملك العرب الحسين الأروعا
مرت الأجيال لم يرفع لهم … غيره الظلَّ الذي قد رفعا
وحمى الإسلام في خير حِما … فهو ظل الدين والدنيا معا
ضجَّ بالشكر وبالحمد له … كل من طاف ولبَّى ودعا
وجزى القزاز من همته … خير ما يجزي به من نفعا
صدق الذي قال لنا … ليس للإنسان إلا ما سعى (١)
أقول الشيخ/ فؤاد الخطيب كان وزيرًا لخارجية الملك الشريف الحسين بن علي، وهو شاعر عربي كبير، وأصله من لبنان، وكان على اتصال بالملك حسين وأولاده، وفي عهد جلالة الملك عبد العزيز آل سعود، جاء إلى الحجاز فعيَّنه الملك عبد العزيز يرحمه الله سفيرًا للمملكة في أفغانستان، وابنه الآن من سفراء المملكة في الخارج، أما القزاز الذي أشار إليه الخطيب قائلًا:
وجزى القزاز من همته … خير ما يجزي به من نفعا
فهو الشيخ/ عبد الوهاب قزاز من أعيان مكة المكرمة، وكان وزيرًا للنافعة في زمن الملك حسين، ووزارة النافعة في الاصطلاح الهاشمي إذ ذاك تعني وزارة الأشغال في زماننا هذا.
أما الشاب الأديب صالح قزاز الذي سجلت الأبيات التي نظمها في سقف المسعى من جهة المدعي، فهو الشيخ/ صالح قزاز أمين رابطة العالم الإسلامي يرحمه الله فيما بعد وهو من رجالات مكة المعروفين (٢).
أقول: ولقد أدركت السقيفة التي أمر بإنشائها الملك حسين والتي أشاد بها الشعراء في حينه، وقد أزيلت هذه السقيفة في العهد السعودي، وأبدلت بسقف جميل المنظر تحمله
стр. 1273
أعمدة حديدية متقنة الصنعة، وذلك في عهد تولي الشيخ/ عبد الرؤوف الصبان أمانة العاصمة في مكة المكرمة، وذكرت ذلك في أعلام الحجاز وأنقل هنا بعض ما كتبته في ذلك.
كانت المسعى في بعض أجزائها مكشوفة تخترقها الشمس، فكان الناس يتحاشون السعي في أوقات الحرارة، ويؤدون نسكهم بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العصر أو في الليل في أوقات الصيف، وكان القسم الآخر مسقوفًا بسقف من الخشب كئيب المنظر، أن حمى من حرِّ الشمس فهو لا يحمي من المطر في الشتاء … الخ.
ثم قلت: تقدم الشيخ/ عبد الرؤوف الصبان إلى المسؤولين بإكمال تجميل المسعى، وذلك بإزالة السقف القديم المتآكل الكئيب المنظر بسقف جميل حديث مرتفع قائم على أعمدة حديدية، وكان هذا السقف مع رصف أرض المسعى وتبليطه أول تحسين أدخل على شارع المسعى في التاريخ أن صح هذا التعبير إلى أن تم العمل العظيم الكامل بإدخال المسعى نفسه كاملًا في الحرم الشريف في التوسعة السعودية كما هو بوضعه الحاضر (١).
وعلى ذكر المسعى فقد أورد الشيخ/ الغازي رواية عن حادثة وقعت في مكة المكرمة في زمن الملك قايتباي سلطان مصر، وكان له تابع من التجار مقرَّب من قايتباي أرسله السلطان إلى مكة ليدير أمور تجارته فيها. وليقوم له بتعمير مدرسة باسمه، كما أمره بإجراء بعض العمارة في المسجد النبوي الشريف، وبناء مدرسة له بها، وإجراء العين الزرقاء إلى المدينة المنورة.
ذكر الغازي أن هذا التاجر واسمه الخواجة شمس الدين بن الزمن استأجر ميضأة كانت بين الميلين الأخضرين عمَّرها السلطان شعبان بن الناصر حسن بن قلاوون، فقام شمس الدين هذا بعد استئجارها بهدمها وأراد إنشاء رباط له في مكانها، وأدخل مقدار ثلاثة أذرع في أرض المسعى وباشر بحفر الأساس لبناء الرباط المذكور، ولكنَّ قاضي القضاة بمكة برهان الدين بن علي بن ظهيرة الشافعي منعه من ذلك فلم يمتنع، فجمع القاضي أئمة علماء مكة وذهب بنفسه إلى المسعى، وذهب معه العلماء وقاموا باتخاذ محضر أثبتوا فيه الاعتداء على أرض المسعى، وأوقفوا العمل في البناء، ولكن التاجر شمس الدين لم يستسلم لذلك، واستصدر أمرًا من السلطان قايتباي بإتمام البناء وعزل القاضي ابن ظهيرة، وأمر أمير الحاج المصرى في ذلك العام، يَشْبَك الجمَّال باستئناف البناء، ووقف بنفسه ليلًا على المكان وأمروا البنائين بالعمل إلى أن صعد البناء على وجه الأرض، وجعل ابن الزمن بناءه هذا رباطًا وسبيلًا وبنى في جانبه دارًا، وصَغَّر الميضأة وجعل لها بابا من سوق الليل وكمان ذلك في سنة ثمانمائة وخمس وسبعين، ويعلق مؤرخ مكة الذي نقل عنه الغازي هذه القصة فيقول:
ويا لله العجب من ابن الزمن وما ذكرناه عن فضله وخيرته، وكيف ارتكب هذا الجرم
стр. 1274
بإجماع المسلمين طالبًا به الثواب، وكيف تعصَّب له سلطان عصره، الملك الأشرف قايتباي مع أنه أحسن ملوك الجراكسة عقلًا ودينًا وخيرية، وهو يأمر بفعل هذا الأمر المجمع على حرمته في مشعر من مشاعر الله تعالى، وكيف يعزل قاضي الشرع الشريف لكونه نهى عن منكر ظاهر الإنكار فرحم الله الجميع وسامحهم وغفر لهم انتهى (١).
أقول: أخذت ابن الزمن العزَّة بالإثم فلم يطق أن يُصَدَّ عن أمر أراد إنفاذه وهو يعلم مكانه من السلطان وكان حَرِيًا به أن لا يخلط بين السيئة والحسنة، ولكن النفوس إذا تسلط عليها الهوى، أعمى بصيرة أصحابها، وقد رأى ابن الزمن من سبقه إلى البناء على أرض المسعى وجوانبها فلم ير ما يحول بينه وبين ذلك، وبإدخال المسعى في المسجد الحرام انقطع الطريق على كل من تسول له نفسه بشيء، فجزى الله القائمين على هذا العمل العظيم خير الجزاء.
* * * *
стр. 1275
أوليات في مكة
هاشم بن عبد مناف أول من سن الرحلتين:
كان القرشيون تجارًا يمارسون التجارة ويتكبَّدون لها الأسفار، وكانوا يقومون برحلتين في العام رحلة في الصيف إلى الشام، ورحلة في الشتاء إلى اليمن، وكانوا ينقلون في الرحلتين من عروض التجارة إلى كل بلد ما يطلبه البلد الآخر، وكانت ترد إلى مكة منتجات البلدان المختلفة مع الحجاج القادمين إليها، والتي كانت تباع في الأسواق المقامة في الحجاز في عكاظ ومِجَنَّة، وذي المجاز، وقد ذكر القرآن الكريم رحلتي الشتاء والصيف في سورة قريش.
وجاء في إفادة الأنام أن هاشم بن عبد مناف الجدُّ الثاني للرسول صلوات الله وسلامه عليه هو أول من سَنَّ الرحلتين لقريش، وهو كذلك أول من أطعم الثريد، واسمه عمرو، وإنما سُمِّي هاشمًا لهشمه الخبز وثَردِهِ لقومه كما قال الشاعر:
عمرو الذي هشم الثريد لقومه … ورجال مكة مسنتون عجاف
سُنَّتْ إليه الرحلتان كلاهما … سفر الشتاء، ورحلة الأصياف (١).
الخليفة الراضي يبني أنصاب الحرم بالتنعيم:
كان الخليفة الراضي العباسي، هو الذي أمر ببناء المعلمين الكبيرين لأنصاب الحرم بالتنعيم وذلك في سنة ثلاثمائة وخمس وعشرين للهجرة، واسمه مكتوب عليها.
وصاحب اربل يبني أنصاب عرفة:
كما أمر المظفر صاحب اربل بعمارة العلمين الذين هما حدُّ الحرم من جهة عرفة، في سنة ستمائة وست وعشرين للهجرة، وقال ابن فهد أن بناء المظفر كان في سنة ستمائة وخمس في شعبان.
стр. 1276
وهي أعلام ثلاثة بين منتهى أرض عرفة، ووادي عرفة، والمظفر هو كوكبري ابن علي بن بكتكين صاحب اربل.
إصلاحات العيون وإيصالها إلى مكة والمشاعر:
عقد الشيخ الغازي بحثًا طويلًا عن إصلاحات العيون وإيصالها إلى مكة والمشاعر، وقد رأيت أن أنقل بعض ما جاء فيه، وخاصة الإصلاحات التي لم يصل خبرها إلينا، فمن المعلوم أن السيدة/ زبيدة، زوجة الرشيد الخليفة العباسي ووالدة الخليفة الأمين أجرت الماء إلى مكة في العهد الأول للخلافة العباسية، وأخبار هذه العين وما بذلته فيها من أموال كتب عنها المؤرخون، واشتهر أمره، فسميت العين باسم زبيدة، واستمر هذا الاسم متداولا في مكة في جميع العهود والأزمان، وقد كانت في مكة إدارة لهذه العين تسمى عين زبيدة حتى عهد قريب.
ولمَّا تضخم العمران في مكة المكرمة وما حولها، وفي مدن المملكة عامة، عمدت الدولة إلى تحلية مياه البحر، وقامت مصانع التحلمية في شواطئ البحار لاستخراج الماء العذب ومُدَّتْ له الأنابيب لتخترق الأودية السحيقة، والجبال الشاهقة، والصحاري المترامية، فتمد مدن المملكة بالماء العذب، وأضيفت إليه مياه العيون السابقة لتقابل النمو العظيم المتزايد في تعداد السكان، وانتشار العمران، فكان هذا العمل العظيم من أعظم الإنجازات التي تشهدها بلادنا الحبيبة في هذا العهد الذي نعيش فيه.
بعد هذه المقدمة، لعل من واجب المؤرخين أن لا ينسوا ما قام به الأسلاف من مجهودات عظيمة أصبحت في ذمة التاريخ ونحن إذ نسجلها الآن فإنما نذكر بالخير من قاموا بإنجازها وبذلوا الأموال، والجهود العظيمة في هذا السبيل، ثم نحمد الله تعالى على ما ننعم به في الوقت الحاضر مقارنة بما كان يلقاه أسلافنا من مشقات، ومتاعب.
ولما كان تاريخ الماء في مكة والمشاعر حولها تاريخ طويل لا يتسع له هذا البحث فقد رأيت الاقتصار على بعض الحوادث الهامة التي حدثت في العهد العثماني، أما الحوادث السابقة لذلك، فقد أعرضت عن ذكرها تجنبًا للإطالة والملالة وبوسع القارئ الاطلاع عليها في كتاب الغازي إن رغب في ذلك (١).
ونبدأ الحديث عن كلمة يتداولها الناس في الحجاز هي كلمة "بازان":
بازان:
يطلق الناس في الحجاز وفي مكة خاصة اسم "بازان" على موارد الماء التي يستقون منها الماء حينما كانت العيون تُجَرُّ إلى المدن، وتصنع لها موارد يستقي منها الناس، ولعل هذه النسبة
стр. 1277
تعود إلى رجل اسمه عمر بازان، أرسله إلى مكة نائب السلطنة بالعراقين الأمير جوبان بن تلك بن تداون، وكان نائبًا عن السلطان أبي سعيد خدابنده ملك التتر وكان الماء قد شَحَّ في مكة وعرفة، وكان الناس في جهد عظيم من قلة الماء، فقد كانت الراوية (١) من الماء تبلغ قيمتها في الموسم عشرة دراهم، وفي غير الموسم سبعة.
ورغب الأمير جوبان المذكور، إنشاء عمل خيري بمكة، فدلَّه بعض الناس على عين كانت تجري قديمًا وتعطلت، فندب بعض ثقاته وأرسل معه خمسين ألف دينار، وجهزه في الموسم سنة خمس وعشرين وسبعمائة، فلما قضى حجه تأخَّر بمكة، واشتهر أمره، فاعلم بعين عرفة فنادى بمكة: من أراد العمل بالعين فله ثلاثة دراهم في كل يوم، فهرع إليه العمال، وخرج بهم إلى العمل فلم يشق على أحد منهم، ولا استحثَّه، وإنما كانوا يعملون باختيارهم، فأتاه جمع كثير من العرب وعمل حتى العشاء إلى أن جرى الماء بمكة بين الصفا والمروة في ثامن عشر جمادي الأولى من هذه السنة، فكانت مدة العمل أربعة أشهر، وكثر النفع بهذه العين وعظم، وصرفه إلى مكة وإلى مزارع الخضروات.
وكان جملة ما صرف عليها في هذه العمارة مائة وخمسين ألف درهم (٢).
أقول: هذا ما ذكره الشيخ/ الغازي، وقد وجدت في كتاب بدائع الزهور، في أخبار سنة خمس وعشرين وسبعمائة أن السلطان الناصر محمد بن قلاوون هو الذي أجرى هذه العين، قال ابن إياس:
وفيها - في السنة المذكورة - أرسل السلطان جماعة من البنائين إلى مكة وأجرى بها عين ماء، وهي العين المعروفة بعين بازان، فحصل لأهل مكة بها غاية النفع وهي الآن جارية ويعم نفعها أهل مكة (٣).
قربة الماء الصغيرة بدينار ذهب:
أورد الغازي عن كتاب بلوغ القرى في حديثه عن الماء ما يلي:
قال العلامة قطب الدين ﵀: ثم انقطعت - العين - في أوائل الدولة العثمانية بهذه الأقطار الحجازية، وبطلت العيون لقلة الأمطار - وتهدمت قنواتها - وانقطعت عين حنين عن مكة المشرفة، وصار أهل مكة يستقون من الآبار حول مكة، من ابيار يقال لها "العسيلات" في علو مكة قريبا من المنحنى، ومن آبار في أسفل مكة يقال لها "الزاهر" وتسمى الآن بالجوخي في طريق التنعيم، وكان الماء غاليًا قليل الوجود، وكذلك انقطعت عين عرفات وتهدمت قنواتها، وكان الحجاج يحملون الماء إلى عرفات من الأمكنة البعيدة، وصار فقراء
стр. 1278
الحجاج في يوم عرفة لا يطلبون شيئًا غير الماء لعزته، ولا يطلبون الزاد، وربما جلب بعض الأقوياء - الماء - من أماكن بعيدة للبيع فيحصلون أموالًا من ذلك لغلو ثمنه.
قربة الماء الصغيرة بدينار من الذهب:
يقول القطبي: وأني أذكر أنه في سنة تسعمائة وثلاثين قلَّ الماء في الآبار البعيدة أيضًا فارتفع سعر الماء جدًا في يوم عرفة، وكنت يومئذ مراهقًا في خدمة والدي ﵀، وفرغ الماء الذي حملناه من مكة، وعطش أهلنا، فطلبت قليلًا من الماء للشرب، فاشتريت قربة ماء صغيرة جدًا يحملها الإنسان بأصبعه بدينار من الذهب، والفقراء يصيحون من العطش، يطلبون من الماء ما يبلُّ حلوقهم في ذلك اليوم، فشرب أهلنا بعض تلك القربة، وتصدَّقوا بباقيه على بعض من كان مضطرًا من الفقراء، وجاء وقت الوقوف الشريف والناس عطاش يلهثون.
والغيث يأتي من السماء:
فأمطرت السماء، وسالت السيول من فضل الله تعالى ورحمته، والناس واقفون تحت جبل الرحمة فصاروا يشربون من السيل من تحت أرجلهم، ويسقون دوابَّهم، وحصل البكاء الشديد، والضجيج الكثير من الحجاج في وقت الوقوف لما رأوا من رحمة الله تعالى ولطفه وإحسانه إليهم وتكرمه عليهم.
يقول القطبي: ولا أزال أتذكر تلك الساعة وما حصل فيها من اللطف العظيم من كرم الله العميم (١).
الماء في سنة ألف ومائة وأربعين:
ونقل الغازي: من حوادث سنة أربعين ومائة وألف عن الوقوف بعرفة قال:
كانت الوقفة بالسبت، ولم يحصل من المخالفات شيء، وكانت الوقفة في غاية الأمن وإنما شاقَّ - شق - على الناس قلة وجود الماء، فقد بيعت القربة بثلاثين دواني (٢).
أقول: الدواني أو الديواني وحدة من العملة العثمانية، فصلَّناها في أعلام الحجاز نقلا عن السباعى (٣)، ونستطيع أن نستخلص من هذا أن سعر الماء في سنة ألف ومائة وأربعين كان رخيصًا جدًا بالنسبة لما ذكره القطبي عن سعر الماء في سنة تسعمائة وثلاثين أما جلب الماء من الأبار فقد كان الحجاز كله يعاني من شح الماء وقلته.
стр. 1279
وفي كتابي ملامح الحياة الاجتماعية في الحجاز تحدثت عن الماء في جدة وعن أنواعه وما يجلب منه من العيون أو الآبار أو يؤخذ من البحر فليرجع إليه من شاء الاستزادة (١).
ابنة السلطان سليمان تنفق على إجراء الماء إلى مكة وعرفات:
كان الماء شحيحًا في مكة وعرفة ومنى، وتاريخ العيون وإجراؤها في هذه الأماكن ثم توالي توقفها تاريخ طويل ليس هنا محل بسطه، ولكنما استوقف نظري فيما أورده الشيخ الغازي من هذا التاريخ ما قامت به الأميرة خانم سلطان ابنة السلطان سليمان القانوني التي تقدمت إلى والدها السلطان سليمان في أوائل سنة تسعمائة وتسع وستين، أن يأذن لها في الإنفاق على إيصال الماء إلى عرفات، وكانت عين عرفات قد انقطعت، وأصبح الحجاج يعانون كثيرًا من فقدان الماء وغلاء ثمنه، وكان السلاطين العثمانيون منذ أن صار لهم حكم الحجاز يوالون إصلاح العيون في مكة وعرفة، وكان قاضي مكة عبد الباقي بن علي المغربي، والأمير خير الدين سنجقدار جدة، قد رفعوا إلى السلطان سليمان تقريرًا عن عين عرفات التي انقطعت من سنوات طويلة، وكان في تقديرهم أن إصلاح هذه العين وإيصالها إلى مكة يقضي على مشكلة الماء في هذه الأماكن المقدسة، وقدروا المال اللازم للمشروع بثلاثين ألف دينار فلما علمت الأميرة خانم سلطان بفحوى هذا التقرير التمست من والدها السلطان سليمان أن يأذن لها بالإنفاق على هذا المشروع تشبَّهًا بالسيدة زبيدة زوجة هارون الرشيد التي أجرت العين المسماة باسمها إلى مكة، وكانت هذه العين قد انقطعت عن البلد الأمين بتعاقب القرون.
أذن السلطان لابنته الأميرة بالقيام بهذا العمل الجليل، واختار اسناد هذه المهمة الجليلة إلى الأمير الكبير إبراهيم باشا، دفتردار مصر، ودفعت له الأميرة خمسين ألف دينار ذهبًا بزيادة عشرين ألف دينار مما قدره قاضي مكة لإصلاحها.
سافر إبراهيم باشا بحرًا من مصر، ووصل إلى مكة لثمانٍ بقين من ذي القعدة سنة تسع وستين وستمائة، وبعد مقابلة أمير مكة الشريف حسن بن أبي نمي، وشيخ الإسلام بمكة القاضي حسين الحسني، والاستماع إلى آرائهما، باشر العمل فبدأ أولًا بتنظيف بعض الآبار التي يستقي منها الناس، ثم توجَّه إلى عرفات، وقام بفحص مجاري العين ومشاربها وتتبع الدبول والقنوات التي يجري فيها الماء، وأقام بوادي نعمان، وكان قد أحضر معه للقيام بأعمال الحفر والتنظيف أربعمائة مملوك، واستخدم البنائين، والحجارين، والقطاعين والنجارين والعمال الذين بلغ تعدادهم ألف رجل للعمل في المشروع، وكان قد أحضر معه من مصر كلَّما ظنَّ أنه لازم للعمل من مكاتل ومساحي، ومجاريف، وحديد، وفولاذ، ونحاس، ورصاص، وقسَّم العمال إلى فرق متعددة أوكل لكل فرقة مساحة من الأرض
стр. 1280
يعملون فيها، وكان يقدِّر أن العمل سينتهي خلال عام واحد، وكان التقرير المقدم إلى السلطان يقدر أنه إذا تم تنظيف القنوات التي كان يجري فيها ماء عين زبيدة، وإصلاح ما تهدم منها، وتعميرها يمكن الوصول إلى عين عرفات، ومن ثمَّ العمل إلى إعادة جريانها كما كانت في عهد زبيدة، ولكن المفاجأة التي حدثت أنه حينما اتصل عمل إبراهيم باشا بعمل زبيدة لم يجد العمال دبلًا ولا آثار عمل وتبين لإبراهيم باشا أن زبيدة اصطدمت بصلابة الحجر، وعدم إمكان قطعه في تلك المنطقة فلجأت إلى عين حنين وأنه إذا أراد إبراهيم باشا إيصال عين حنين إلى هذا المكان، فإنه يحتاج إلى شق قناة - دبل - منقور تحت الأرض في الحجر الصوان بطول ألفي ذراع بذراع البنائين، وكان مما يصل إلى الاستحالة نقب ذلك الحجر تحت الأرض، لأنه يحتاج إلى أن يتعمق في الحفر إلى خمسين ذراعًا.
وقام إبراهيم باشا بمحاولة أخرى، هي الحفر في وجه الأرض حتى يصل إلى الحجر الصوان، ثم أخذ يوقد عليه النار، ويقول المؤلف أن إبراهيم باشا أوقد حمولة مائة حمل من الحطب الجزل في ليلة كاملة، وكان العمل في مساحة مقدارها سبعة أذرع في خمسة أذرع من وجه الأرض، وكانت النار لا تعمل إلا في العلو، فإذا نزلت عن وجه الأرض قل تأثيرها فيلين بالحجر من جانب السفل بمقدار قيراطين من أربعة وعشرين قيراطًا، فيكسر بالحديد إلى أن يصل إلى الحجر الصلب الشديد، فيوقد عليه بالحطب الجزل ليلة أخرى وهلمَّ جرَّا إلى أن ينزل في ذلك الحجر مقدار خمسين ذراعًا في العمق في عرض خمسة أذرع إلى أن يستوفي ألفي ذراع تقطع على هذه الصورة.
ويعلق المؤلف فيقول: وذلك يحتاج إلى عُمر نوح، ومال قارون، وصبر أيوب، ولم ير إبراهيم باشا بدًا في الاستمرار في العمل بهذه الطريقة التي وصفناها، حتى فرغ الحطب من جبال مكة، فصار يُجلب من المسافات البعيدة، وغلا سعره، وضاق الناس بذلك، وتعب الأمير إبراهيم وذهبت أمواله ومماليكه، وهو يتجلد عن ذلك إلى أن قطع من المسافة ألف ذراع وخمسمائة ذراع، وصار كلما فرغ المال الذي لديه طلب من مصر مالًا، حتى بلغ ما صرف على المشروع خمسمائة ألف دينار ذهبًا من الخزائن العامرة، وتوفي إبراهيم باشا ناظر العمارة في سنة تسعمائة وأربع وسبعين، بعد استمراره في العمل خمس سنوات، فأسند الأمر من قبل أمير مكة إلى سنجق جدة الأمير قاسم بك، ورفع الأمر إلى السلطان في الأستانة للموافقة، وتوفي السلطان سليمان، وتولى بعده السلطان سليم ابنه، فاختار لإكمال مشروع العين، دفتر دار مصر في ذلك الزمان محمد بك المككجي وحضر الدفتردار المذكور إلى مكة، وشرع في العمل ولكنه توفي في سنة تسعمائة وست وسبعين، ولم يتم إنجاز المشروع فأعيد الأمير قاسم سنجق جدة لمباشرة العمل، وأقره السلطان سليم على ذلك ليكون أمينًا على مصارف العمل وأسند النظارة إلى قاضي القضاة بمكة حسين الحسيني ولكن الأمير قاسم توفي في منتصف سنة تسعمائة وتسع وسبعين، وما زال للعمل بقية، فأمر السلطان سليم أن يتولى قاضي القضاة حسين
стр. 1281
الحسيني القيام به، وأراد الله إتمام المشروع بعد خمسة شهور من إسناد العمل إلى قاضي قضاة مكة كما ذكرنا، ووصل إلى مكة لعشرين بقين من ذي القعدة سنة تسع وسبعين وتسعمائة وقد استمر العمل في مشروع إيصال الماء إلى مكة نحو عشر سنوات، وكان المقدر له عامًا واحدًا، وبلغ ما صرف على هذا المشروع خلال هذه العشر سنوات خمسة لكوك وسبعة آلاف دينار، وكان المقدر له ثلاثين ألف دينار، وقد رغبت ابنة السلطان سليمان العثماني أن يكون لها شرف هذه الصدقة الجارية تشبهًا بزبيدة زوجة الرشيد فدفعت من مالها خمسين ألف دينار ولكن المشروع تضاعفت تكاليفه مائة ضعف فأنفقت عليه الدولة العثمانية من خزائنها طيلة عشرة أعوام، وإذا كانت الأميرة العثمانية لم تحقق ما أرادت، فإن لها ثواب النية الطيبة والأعمال بالنيات.
أقول: خمسة لكوك بمعنى خمسة ملايين والكلمة هندية وهي تعني المليون ومفردها لُكُّ.
الاحتفال بإيصال الماء إلى مكة:
احتفل الناس في مكة بوصول الماء احتفالًا عظيمًا وصفه صاحب الأعلام بقوله:
وكان ذلك اليوم عيدًا أكبر عند الناس، وزال بوصول ذلك الماء إلى البلد كل هم وباس، وأقام قاضي مكة الذي أكرمه الله تعالى بإتمام المشروع على يديه "اسمطة" موائد عظيمة في الأبطح، في بستان له هناك، دعا إليها الأكابر والأعيان، ونصب لهم السرادقات والصيوان، وذبح أكثر من مائة من الغنم، ونحر عدة من الأبل والنعم، وقدم للناس على صفاتهم الموائد والنَّعم، وخلع على أكثر من عشرة من المعلمين والبنائين والمهندسين حللا فاخرة وأحسن إلى باقيهم بالإنعامات الوافرة، وتصدَّق على الفقراء والمساكين شكرًا لله تعالى على هذه النعمة الجزيلة، وزُفَّتْ البشائر بها إلى السلطان سليم خان، وإلى صاحبة الخيرات بلقيس الزمان، حضرة خانم السلطان، فانعمت بالأنعامات الجزيلة على سائر المبارين والمتعاطين لهذه الخدمة الشريفة الجزيلة، وحصل لمولانا شيخ الإسلام المشار إليه ترقيات عظيمة، وصارت هذه العين من جملة الآثار الباقية على صفحات الليالي والأيام إلى آخر ما ذكره صاحب الأعلام (١).
مقدار ما أنفقته زبيدة على إيصال الماء إلى مكة:
أورد الشيخ الغازي مقدار ما أنفقته السيدة زبيدة على إيصال الماء إلى مكة فقال:
"أنه ألف ألف وسبعمائة ألف مثقال من الذهب" قالوا: وأحضر القائمون بالعمل دفاترهم لتطلع عليها، وكانت في قصر عالٍ مشرفٍ على نهر دجلة، فأخذت الدفاتر وألقتها في النهر وقالت: تركنا الحساب ليوم الحساب، فمن بقي عنده شيء من بقية المال فهو له،
стр. 1282
ومن بقي له شيء عندنا أعطيناه، وألبستهم الخلع والتشاريف، فخرجوا من عندها حامدين شاكرين (١).
أقول: لقد أجرت السيدة زبيدة العين المسماة باسمها والتي كانت من الأعمال العظيمة في التاريخ قبل سبعمائة سنة من تاريخ إجراء العين الجديدة التي أرادت بها ابنة السلطان سليم التشبه بزبيدة يرحمها الله، وبذلت من مالها الخاص ما قدَّرت أنه يكفي لإتمام الشروع العظيم، وإذا كانت لم تتمكن من إتمامه من مالها الخاص، فقد كان لها فضل السبق والبداية، والنية الحسنة، فجزاها الله خير الجزاء.
لجنة من أثرياء الهند تجمع المال لإصلاح العين:
قصة الماء في مكة كما قلنا لها تاريخ طويل، فلا يكاد يتم وصول الماء إلى مكة ويفرح الناس به إلا وينقطع بعد سنوات تقصر أو تطول، وضمن ما أورده الشيخ/ الغازي من أخبار العيون والآبار المتعلقة بمكة أنه في عام ١٢٩١، اجتمع جماعة من علماء مكة المشرفة بالشريف عبد الله باشا أمير مكة، وهم السادة/ الشيخ عبد الرحمن سراج مفتي مكة، والشيخ/ عبد الله الشيبي فاتح بيت الله الحرام، والشيخ/ عبد الرحمن جمال، والشيخ/ عبد القادر خوقير وغيرهم، وعوَّلوا كما يقول الشيخ/ الغازي على جمع المال من أهل البر والإحسان لإصلاح عين عرفات، وإصلاح عين حنين وإجرائها لإعانة عين عرفات، فوفق الله تعالى أصحاب الهمم العالية، الراجين ثواب الله سبحانه، منهم المرحوم الشيخ/ أحمد أفندي المشاط، فإنه دفع مائة جنيه، وجمع من تجار الهند بجدة مبلغًا، وصادف وجود أشخاص كرام مثل الحاج/ عبد الواحد الشهير بوخدانة الميمني، والحاج/ عبد الله عرب الميمني، فساعدوا على هذا العمل الخيري أحسن مساعدة، وعمَّروا ما تيسر لهم تعميره إلى أن جرى الماء بمكة واستراح الناس قليلًا ولكنهم عملوا وتحققوا أن الأمر مهم، ويحتاج إلى نفقات هائلة.
وفي سنة خمس وتسعين ومائتين وألف رغب الحاج/ عبد الواحد وخدانه والحاج/ عبد الله عرب وبعض جماعة معهما في القيام بهذا العمل الخيري، وذلك بالتفرغ له وجمع الإعانات من كل الجهات الإسلامية.
وصل الرجلان إلى مكة ومعهم من يترجم حديثهم إلى اللغة العربية، وقابلوا أمير مكة في ذلك الوقت وهو الشريف الحسين الشهير فيما بعد بالشهيد، وشرحوا للأمير ما ينوون القيام به، فشكرهم، وأثنى على همتهم وقال لهم، حيث أن الحكومة تدفع سنويًا مبلغ ألف جنيه عثماني لعين زبيدة، فلابد من استئذانها في الأمر، وذكر لهم أنه سيبحث الموضوع مع الوالي التركي، وكان الوالي في ذلك الزمن ناشد باشا.
стр. 1283
قابل الرجلان ناشد باشا، وعرضوا عليه ما اعتزما عليه، واتفق الشريف والوالي على أن يكتبا سوية إلى الاستانة للحصول على الموافقة المطلوبة من الدولة، وكتبا، وجاء الإذن بالموافقة على الشروع في العمل.
شكَّل الأمير والوالي لجنة تضم جماعة من الأشراف والأهالي وأفاضل المجاورين مثل فضيلة الشيخ/ رحمة الله الهندي، واجتمعت اللجنة وشرعوا في جمع التبرعات التي افتتحها أمير مكة بمبلغ سبعمائة وخمسين ريالًا مجيديًا وتلاه الوالي بمائتين وخمسين ريالًا، وتوالت التبرعات من التجار والأهالي كلٌّ على قدر استطاعته، وتعينت لإدارة المشروع لجنة رئيسها الفخري الشيخ/ عبد الرحمن سراج مفتي الأحناف والحاج/ عبد الواحد خوندا أمينًا للصندوق، ومفوضًا بالنظر والتصرف وكتبت اللجنة إلى جميع الجهات الإسلامية وأعلنوا عن مشروعهم في الصحف بلغات عديدة، وكان المدير التنفيذي باصطلاح عصرنا هذا هو الحاج عبد الواحد الميمني، وكانت الخطوات التنفيذية تتم بعد اطلاع اللجنة عليها والمداولة فيها وتقرير ما يجب تنفيذه، ولا يتم الإقدام على عمل إلا بقرار من اللجنة المذكورة.
تجمَّع في صندوق اللجنة مقدار عظيم من المال يقول المؤلف:
وساعدتهم الحكومة المحلية على هذا العمل الخيري أتم مساعدة، ولم تجعل منها عليهم يدًا أصلًا، إلا بالمساعدة عندما يحتاجون إليها.
وباشرت اللجنة عملها فاستقدمت من الهند المهندسين والصناع، وخرجوا بهم إلى عرفة وحققوا المسافة بين مكة وبين عين زبيدة من وادي نعمان، فوجدوا أنها تنوف على سبعة عشر ألف متر، ورأوا أن البدء بالعمل من عين زبيدة من عرفات أنفع فشرعوا في العمل باجتهاد تام، وقاموا بالحفر من بعد حدود عرفة إلى وادي نعمان، فبحثوا وحفروا في أسفل الدبل نحو ستمائة ذراع، بنوا فيها عدة خرزات دفنوا بعضها، وأبقوا البعض الآخر لسقيا العربان.
كما شرعوا من مكة في تنظيف الدبول وتعمير ما تخرَّب منها حتى وصلوا إلى المفجر وأوصلوا الماء إلى منى "بالآلة النارية" من المفجر، ونحتوا لأجل ذلك بعض الجبال، وواصلوا العمل حتى وصلوا إلى عرفة، وبنوا في عملهم هذا عدة خرزات في طريق مكة، كما بنوا بازانات بمكة منها، بازان الشعب، وبازان سوق الليل، وبازان القشاشيه، وبازان أجياد، وبازانين بحارة المسفلة، وبازان بحارة الباب، وبازان الشبيكة، وبازان الشامية، وبازان سوق المعلاة الذي يسمى بازان التَّمارة.
وعمروا ما كان خرابًا، وزادوا عليه موارد الماء بالبلدة، وقطعوا الجبل الطويل الكائن بأول مكة، وهو الريع المعترض وسط الطريق المشهور بريع الرسام وبنوا به دبلا طويلا يجري فيه الماء إلى حارة جرول، وبنوا في حارة جرول بازانا عظيما يستقي منه الناس، وكذلك أجروا عملًا آخر من جهة العين الأصلية بمكة وهي عين الزعفرانة "والشحاخيد" المعينة لعين حنين ومكثت اللجنة التي كان رئيسها الحاج عبد الواحد الميمني تعمل بعزم وهمة نحو
стр. 1284
ثلاث سنين، ثم حصل الضعف في عملهم شيئًا فشيئا، وكان الماء جارٍ بمكة أحسن جريان.
كان صندوق عين زبيدة في ذلك الزمان عامرًا بالنقود المتواردة عليه من التبرعات بصورة دائمة من الهند وغيرها، واستمر كذلك إلى أن حدثت المخالفات من أمين الصندوق.
ثم تدخلت الحكومة المحلية في أمر النقود الموجودة في صندوق عين زبيدة، بتناول شيء منها احتاجوه وصرفوه في بعض تعميرات لازمة للحكومة، فلما بلغ أهل الهند ذلك توقفوا عن إرسال الإعانات، وكان ذلك سببًا في استياء هيئة اللجنة، حتى أوقفوا الأعمال، ثم استعفى الرئيس وأكثر أعضاء اللجنة، وسافر الحاج وخدانه بعد ذلك بنحو عامين إلى الهند، وتشكلت لجنة جديدة محلية.
ويقول المؤلف: أن المبلغ الذي كان في صندوق عين زبيدة، عند الأخذ منه نحو سبعة وخمسين ألف جنيه (١).
أقول: أن العمل العظيم الذي قام به أثرياء الهند المسلمين بإصلاح العيون التي تمد مكة وعرفات بالماء هو عمل مشكور، وقد قام هذا العمل بأموال المسلمين الذين رغبوا التقرب إلى الله تعالى بالصدقة الجارية بتوفير الماء في بلد الله الحرام، والمشاعر المقدسة، وقد سار العمل سيره الحسن، واستمر عدة سنوات إلى أن طمع الطامعون في أموال العين فمدوا أيديهم إليها لتصرف في غير ما جمعت له، فانصرف القائمون على العمل وأمسك المنفقون أموالهم، وعادت أمور الماء في مكة إلى ما كانت عليه قبل ذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولقد ورد ضمن أسماء أعضاء اللجنة التي شكلت لهذا الغرض اسم الشيخ رحمت الله العثماني مؤسس المدرسة الصولتية بمكة، وقد ترجمنا له في الجزء الثاني من أعلام الحجاز (٢)، والشيخ عبد الرحمن سراج مفتي الأحناف بمكة المكرمة، وقد ترجمنا له في الجزء الثالث من أعلام الحجاز (٣) فليرجع إليها من شاء الاستزادة.
وما دمنا بصدد الماء في عرفة ومكة نذكر هنا ما أورده الغازي مما يتصل بالموضوع.
أول من اتخذ الحياض بعرفة:
نقل الغازي عن كتاب أسد الغابة: أن عبد الله بن عامر بن كريز هو أول من اتخذ الحياض بعرفة وأجرى عليها الماء، وقد جدَّد السلطان سليمان العثماني هذه الحياض وجددت بعده مرارًا.
стр. 1285
يقول صاحب تحصيل المرام: وهي الآن عمارة مملوءة من عين عرفة (١).
أقول: عبد الله بن عامر بن كريز صحابي جليل، ولد على عهد رسول الله ﷺ ، وأتي به النبيَّ وهو صغير فقال صلوات الله وسلامه عليه هذا يشبهنا، وجعل يتفل عليه ويُعَوِّذُه، فجعل عبد الله يبتلع ريق رسول الله صلوات الله وسلامه عليه فقال ﷺ : أنه لَمَسْقِيٌ، فكان لا يعالج أرضا إلا ظهر له الماء.
وهو ابن خال عثمان بن عفان ﵁، وكان من ولاة عثمان رضي الله تعالى عنه وافتتح خرسان كلها، وأطراف فارس وسجستان، وكرمان، وزابلستان، وبعث الجيوش ففتح هذه الفتوح كلها، وفي ولايته قتل كسرى يزدجرد فأحرم ابن عامر من نيسابور بعمرة وحجة شكرًا لله تعالى، وكان من الأجواد الممدوحين، وفي ولايته للبصرة اشترى دورًا فهدمها وأنشأ بها سوقًا بالبصرة، وتوفي ابن عامر سنة سبع وقيل سنة ثمان وخمسين وأوصى إلى عبد الله بن الزبير (٢).
مكان للشنق يتحول إلى سبيل:
ومن الطرائف التي أوردها الغازي في حديثه عن السقايات ذكر الحادثة التالية نقلا عن ابن فهد قال:
وفي سنة سبع عشرة وثمانمائة أنشأ عطية المطيري سبيلا بالمروة، وكان موضع هذا السبيل قبل ذلك معدًا للشنق، فقال شعبان الأتاري في ذلك:
بمكة دار كان للشنق ركنها … وأضحت سبيلا بعد كل بلية
وأضحى لسان الحال منها يقول قد … رضيت من المولى بخير عطية
وقال شاعر آخر:
بمسعى رسول الله دار معدة … لشنق فصارت للأنام سبيلا
* * * *
стр. 1286
المدارس حول المسجد الحرام
أدركت مكة في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري، وكثير من البيوت الملاصقة للحرم الشريف تدعى بالمدارس، فيقال مثلا مدرسة الباسطية، ومدرسة الداودية، وما إلى ذلك، ولم تكن هذه البيوت التي تسمى بالمدارس إلا منازل للسكن يسكنها بعض أهل مكة ويعيشون فيها كما يعيش الناس في بيوتهم، والميزة الوحيدة التي كانت تميزها عن غيرها من المنازل أن لها نوافذ مشرعة على المسجد الحرام وفي أسفل كل منها غرفة مطلة على المسجد يصلي بها الناس مؤتمِّين بامام الحرم الشريف، وخاصة في الأوقاف التي يزدحم فيها المسجد بالمصلين كأيام الجمع والأعياد، وأوقات الحج والعمرة ونحو ذلك.
وكنت أعجب لتسمية هذه الأماكن بالمدارس، وليست مخصصة للدرس والتدريس، وقد أزيلت هذه المدارس جميعها مع ما أزيل من بيوت مكة في التوسعة الأولى للمسجد الحرام في العهد السعودي ما بين عامي ١٣٨٥ - ١٣٩٦ للهجرة (١)، وقد اختفت هذه التسمية نهائيًا بإزالة هذه البيوت.
وقد وجدت في كتاب الشيخ/ عبد الله الغازي - إفادة الأنام - أسباب تسمية هذه الأماكن بالمدارس لأنها كانت مدارس حقيقية في الأصل بنيت لغرض التدريس، وأوقفت على نشر العلم وعين لها المدرسون، ويؤخذ من الفصل الذي خصصه الغازي لهذا الموضوع أن المدارس التي كانت موقوفة بمكة المكرمة، أحد عشر مدرسة نوجز هنا ما ذكره عنها لأهميته التاريخية.
يقول الغازي: أما المدارس الموقوفة بمكة فهي أحد عشر مدرسة فيما علمت، منها بالجانب الشرقي من المسجد الحرام مدرسة الملك الأفضل عباس بن الملك المجاهد صاحب اليمن، أوقفها على فقهاء الشافعية، وتعرف الآن، بابن عبَّاد الله، وهي على يمين الخارج من باب النبي.
стр. 1287
مدرسة الباسطية:
ومنها بالجانب الشمالي منه مدرسة بدار العجلة على يمين الخارج من باب المسجد المعروف بباب العجلة، وتعرف الآن بمدرسة عبد الباسط أوقفها على أئمة مقام الحنفي … انتهى.
وذكر ابن فهد في حوادث سنة أربع وثلاثين وثمانمائة أن القاضي عبد الباسط اشترى الدار المذكورة وأمر - استاداره - ركن الدين عمر الشامي بأن يقيم بمكة المشرفة ويعمرها مدرسة، وكانت هذه الدار مدرسة للأمين ارغون الناصري، نائب السلطنة بمصر عن ابن مولاه الناصر محمد بن قلاوون، فاستولى عليها بعض الأشراف (أولاد راجح ابن أبي نمي) وباعوها في هذه السنة، وفي سنة خمس وثلاثين وثمانمائة ابتدئ في عمارتها، ولم تنقض هذه السنة إلا فرغ من عمارة أسفلها، وغالب علوها، فَدَرَّس بها في العشر الأول من ذي الحجة قاضي القضاة: جمال الدين أبو السعادات بن ظهيرة.
وفي سنة ست وثلاثين أكملت العمارة … انتهى (١).
أقول: يفهم من تاريخ هذه المدرسة أنها بنيت أولًا للأمين ارغون نائب السلطنة بمصر عن ابن مولاه الناصر محمد بن قلاوون، ثم باعها بعض أشراف مكة على القاضي عبد الباسط، فعمرها ما بين عامي ٨٣٤، ٨٣٦ هجرية، وقد تولى السلطان الناصر محمد بن قلاوون السلطنة في مصر ثلاث مرات كانت الأولى سنة ٦٩٣، والثانية سنة ٦٩٨، والثالثة سنة ٧٠٩ الموافقة للسنوات الميلادية ١٢٩٣، ١٢٩٨، ١٣٠٩، ويبدو أن شراء هذه المدرسة لابن السلطان الناصر محمد بن قلاوون كان في أواخر القرن السابع الهجري، أو أوائل القرن الثامن الهجري، كما يتضح من تاريخ ولايته الثلاث، ولم يوضح المؤلف كيف تسنى للأشراف الذين سماهم، بيع هذه المدرسة للقاضي عبد الباسط الذي أعاد بناءها بعد مائة وثلاثين سنة من تشييدها وإيقافها فقد اكتفى المؤلف بقوله استولى عليها أولاد الشريف راجح بن أبي نمي، ولعل انتهاء حكم سلاطين المماليك البحرية، وقد كان السلطان قلاوون وأولاده منهم في سنة ٧٨٣ للهجرة الموافقة لسنة ١٣٨١ للميلاد، واستيلاء سلاطين المماليك الجراكسة على الحكم في مصر.
أقول لعل ذلك من الأسباب التي أدَّت إلى الاستيلاء على المدرسة وبيعها مرة أخرى (٢).
تهدم المدرسة الباسطية:
وقد ذكر الغازي عن هدم وقع بالمدرسة الباسطية وما آلت إليها فقال:
وفي إحدى عشر جمادي الثانية من سنة ست وثلاثين ومائة وألف تطبقت المدرسة الباسطية - تطبقت أي تهدمت - سقوفها على بعضها لتفجر بارود كان بها.
стр. 1288
وينقل الغازي ما آلت إليه فيقول:
وهي الآن في حوزة الشريفة سعدية بنت سعد بن زيد تأخذ كراها، وكانت موقوفة على التدريس … الخ (١).
مدرسة دار السلسلة:
يقول الغازي: وفي الجانب الغربي من الحرم الشريف ثلاث مدارس، مدرسة الأمير فخر الدين نائب عدن على باب العمرة، وتعرف بدار السلسلة، أوقفها على علماء الحنفية سنة خمسمائة وتسع وسبعين.
وقد أورد الغازي تفصيلًا عن دار السلسلة نذكره فيما يلي:
وفي سنة ٥٧٩ وصل إلى مكة صاحب عدن الأمير عثمان بن علي الزنجبيلي، خرج منها فارًا أمام سيف الإسلام المتوجه إلى اليمن، وبالرغم من أنه تعرَّض لأخذ كثير من الأموال والأثقال التي كانت معه من قبل سيف الإسلام، إلا أنه وصل إلى مكة، وكان قد ابتنى بها دارًا، بعد أن قدَّم نفيس ذخائره، وناجي ماله، وجملة رقيقه وخدمه، وكان حاله لا يوصف كثرةً واتساعا، وكان موصوفًا بسوء السيرة مع التجار، وكانت المنافع التجارية كلها راجعة إليه، والذخائر الهندية المجلوبة كلها واصلة إليه.
وأوقف مدرسته التي عند باب العمرة للحنفية، وتعرف الآن بدار السلسلة وأوقف الرباط المقابل لها، ويعرف برباط الهنود.
يقول الغازي: والمدرسة هي الآن بأيدي بعض الأشراف من أولاد أمراء مكة (٢).
أقول؛ ذكر الغازي في الخبر الأول عن مدرسة السلسلة أن الذي بناها هو الأمير فخر الدين نائب عدن، وذكر في الخبر الثاني أنه الأمير عثمان بن علي الزنجبيلي، وتاريخ بناء المدرسة في الخبرين واحد وهو عام ٥٧٩ هجرية، فربما كان فخر الدين لقبًا لعثمان المذكور؟.
مدرسة طاب الزمان:
ومدرسة طاب الزمان عتيقة المستنصر العباسي - وهو الموضع المعروف بدار زبيدة - أوقفتها طاب الزمان في شعبان سنة خمسمائة وثمانين على عشرة من الفقهاء الشافعية.
مدرسة الداودية:
ومدرسة الملك المنصور عمر بن علي صاحب اليمن بين هاتين المدرستين - بين دار السلسلة وطاب الزمان - وكانت عمارتها في سنة ستمائة وإحدى وأربعين، وتعرف الآن بالداودية أوقفها الملك المنصور على الفقهاء الشافعية والمحدثين.
стр. 1289
أقول: أدركت الداودية عام ١٣٥٢ للهجرة وما بعدها، وهي تدعى بهذا الاسم، وكان الشيخ/ حسين نظيف أحد أدباء مكة يسكن بها.
مدرسة العينية:
يقول الغازي: ومنها بالجانب الجنوبي مدرسة الملك المجاهد صاحب اليمن أوقفها على الفقهاء الشافعية، وتعرف الآن بالعينية، يسكنها قضاة مكة، وتاريخ وقفيتها في شهر ذي القعدة سنة سبعمائة وتسع وثلاثين.
مدرسة الملك غياث الدين صاحب بنقالة:
ويواصل الغازي حديثه عن المدارس فيقول:
ومنها بالجانب اليماني مدرسة الملك المنصور غياث الدين صاحب بنقالة وهي موقوفة على الفقهاء من المذاهب الأربعة، وجعل الواقف المنازل بعلوها، وهي إحدى عشرة خلوة محلًا لسكنى جماعة من الفقراء أوقفت سنة ثمانمائة وأربع عشرة، انتهت عبارة تحصيل المرام.
ونقل الغازي عن الفاسي في شفاء الغرام تفصيلا أكثر عن مدرسة الملك غياث الدين فقال: بالجانب اليماني مدرسة الملك المنصور غياث الدين أبي المظفر أعظم شاه، ابن السلطان السيد الشهيد اسكندر شاه، ابن السلطان شمس الدين صاحب بنجالة، وهي للفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة، وكان المتولي لشراء عرصتها وعمارتها ووقفها من يديه لذلك وغيرها من مصالحها التي تذكر، وفوض إليه النظر خادمه المكين، وثقته الأمين ياقوت السلطان الغياثي، وكان الشراء لعرصتها، والنخيل وسقيه الموقوفتان عليها الآتي ذكرهما اثنى عشر ألف مثقال، في أول شهر رمضان من سنة ثلاث عشرة وثمانمائة.
ثم أعيد عقد البيع على ذلك في شهر شوال من السنة المذكورة لموجب اقتضاه الحال.
وفي شهر رمضان المذكور ابتدئ في هدم ما كان في موضعها من الأبنية، وفيه أيضًا ابتدئ في بنائها، وفرغ من ذلك في آخر صفر سنة أربع عشرة وثمانمائة.
وقرروا فقهاء فيها أربعة من المدرسين، وهم قضاة مكة الأربعة يومئذ، وستون نفرًا من المتفقهين، عشرين من الشافعية وعشرين من الحنفية وعشرة من المالكية وعشرة من الحنابلة.
وجعل الواقف المنازل التي بعلوها، وهي إحدى عشرة خلوة محلًا لسكنى جماعة من الفقراء خلاف واحد منها، فإنه جعلها خاصة للمدرسة المذكورة.
وكان ابتداء التدريس بها في ضحوة يوم السبت سابع جمادي الآخرة سنة أربع عشرة وثمانمائة، على الحالة التي قدرت عين الوقف، في تعيين أوقات التدريس بها في أيام الأسبوع، فكان تدريس الشافعي ضحوة يوم السبت.
стр. 1290
وكان تدريس الحنفي في ضحوة يوم الأحد، وضحوة يوم الأربعاء، وضحوة يوم الخميس.
وكان تدريس المالكي فيما بين الظهر والعصر أيام السبت والأحد والاثنين، وباشرت ذلك من حين ابتدائه.
وكان تدريس الحنبلي فيما بين الظهر والعصر من يومي الأربعاء والخميس.
وأوقف الواقف على المدرسين والفقهاء، والسكان بالمدرسة المذكورة، وعلى مصالحها ما اشتراه، وذلك حديقتان وسقية ماء، فأما الحديقتان فتعرف أحدهما بسلمة، والأخرى بالحل، وهما بالضيعة المعروفة بالركابي بوادي مُرٍّ من أعمال مكة المشرفة، وأما سقية الماء فهي أربع وجبات من قرار عين الضيعة المذكورة، وجبتان منها تعرفان بحسين بن منصور ليله ونهارُه، والوجبتان الأخيرتان تعرفان بحسين بن يحيى ليلُه ونهارُه، وجعل الواقف المذكور الريع المتحصل من ذلك في كل سنة يقسم خمسة أقسام، قسم للمدرسين الأربعة بالسوية بينهم، وثلاثة أقسام للطلبة بالسوية بينهم، وقسم منه يقسم ثلاثة أقسام، قسم منه يصرف في مصالح المدرسة المذكورة من الزيت والماء، وغير ذلك، والقسمان الآخران من هذا القسم يصرفان للسكن بالمدرسة المذكورة بالسوية بينهم.
وفي النصف الآخر من ذي الحجة من السنة المذكورة، وقف الواقف المذكور على المدرسة المذكورة دارًا تقابلها تعرف بدار أم هانئ اشتراه الواقف بخمسمائة مثقال، وعمَّرها في السنة المذكورة، وأوقفها على مصالح المدرسة المذكورة.
وسافر الواقف من مكة بعد حجِّه في هذه السنة لإعلام مخدومه السلطان غياث الدين بذلك، فلم يُقدَّر اجتماعهما، لأن ياقوت مات في شهر ربيع الأول من سنة خمس عشرة وثمانمائة بجزيرة هرموت، ومات السلطان غياث الدين في أوائل سنة خمسة عشرة تغمده الله برحمته.
نهاية مدرسة غياث الدين:
ويواصل الغازي كلامه عن المدرسة المذكورة نقلًا عن كتاب بلوغ القرى فيقول:
وفي يوم الأربعاء عاشر شهر المحرم سنة أربع وتسعين وثمانمائة شرع في هدم المدرسة البنجالية السيد الشريف جمال الدين محمد بن بركات، وكأنه استأجرها أو صرفت له بمرسوم شرعي، والله أعلم.
ويقول صاحب كتاب بلوغ القرى:
وعمرت قاعة بِصُفَّةٍ، وتحت ذلك حاصل ببابٍ له من المسجد، وبابٌ بباب المسجد المعروف بأم هانئ، وفوق القاعة مقعد يخرجه على باب الحرم … انتهى (١).
стр. 1291
أقول: لا شك أن السلطان غياث الدين الذي أنفق الأموال الطائلة على شراء البيوت وتشييد مدرسته العظيمة بملحقاتها، وبما أنفقه من الأموال كذلك في شراء النخيل ووجبات الماء لتصرف غلتها على المدرسة ومدرسيها وطلابها، لا شك أن الرجل بعمله العظيم هذا يبتغي وجه الله تعالى، وهو مجازيه على عمله الطيب، فإنه لا يضيع أجر من أحسن عملا، ولكن السؤال الذي يستوقف القارئ هو، كيف يضيع هذا العمل الطيب هباءًا بعد زمن طويل أو قصير .. ؟ فقد تم إنشاء المدرسة وأوقف عليها ما أوقف، ورتَّب لها المدرسين من قضاة مكة المكرمة على المذاهب الأربعة في سنة ثمانمائة وأربعة عشر، وبعد ذلك بثمانين عامًا تهدم المدرسة ويعمر بدلها قاعة ومقعد ودكان بعد أن تصير ملكيتها إلى الشريف جمال الدين محمد بن بركات؟. الذي يقول عنه صاحب كتاب أم القرى أنه استأجرها أو صرفت له بمرسوم.
ولم يتحدث صاحب الكتاب عن الوقف الذي أوقفه السلطان وهو الحديقتان وسقيا الماء فلابد أن تكون قد امتدت لها الأيدي كما امتدت إلى المدرسة ذاتها وملحقاتها، ونستطيع أن نتصور أن وفاة السلطان غياث الدين ووفاة خادمه الذي قام بالعمل كله، وبُعْدُ سلطنة بنقالة عن مكة المكرمة، وعدم تفقد العمل الجليل الذي خلَّفه السلطان غياث الدين، قد انتهى به إلى ما ذكرنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
مدارس أخرى:
وذكر الغازي مدارس أخرى فقال:
ومنها مدرسة أبي علي بن أبي زكريا قرب المدرسة المجاهدية، وتاريخ وقفها سنة خمس وثلاثين وستمائة.
ومنها مدرسة الأرسوقي بقرب باب العمرة، وهو العفيف عبد الله بن محمد الأرسوقي.
ومنها مدرسة ابن الحداد الهدوي بقرب هذه المدرسة، وتعرف الآن بمدرسة الأشراف الأدارسة لاستيلائهم عليها، وتاريخ وقفها شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة وهي على المالكية.
ومنها مدرسة النهاوندي بقرب الموضع الذي يقال له الدريبة، ولها نحو مائتي سنة فيما أحسب والله أعلم، ذكره الفاسي في شفاء الغرام (١).
مدرسة قايتباي:
كلَّف السلطان قايتباي وكيله وتاجره الخواجة شمس الدين محمد بن عمر الشهير بالزمن وشاد العمائر سنقر الجمالي أن يحصل له موضعًا يشرف على الحرم يبني به مدرسة يدرس فيه علماء المذاهب الأربعة، ورباطًا يسكنه الفقراء، ويعمر له ربوعًا ومسقفات يحصل منها
стр. 1292
ريع يقسم منه على المدرسين والفقراء، وأن تقرأ له رَبْعَةٌ في كل يوم يحضرها القضاة الأربعة والمتصوفون ويقرر لهم وظائف، ويعمل مكتب للأيتام وغير ذلك من جهات الخير.
فاستبدل له رباط السدرة، ورباط المراغي، وكانا متصلين، وكان إلى جانب رباط المراغي دارًا للشريفة شمسية من شرايف بني حسنٍ، اشتراها منها وهدم ذلك جميعه، وجعل فيه اثنتين وسبعين خلوة ومجمعًا كبيرًا مشرفًا على المسجد الحرام، وعلى المسعى الشريف، ومكتبًا ومأذنة، وسير المجمع المذكور مدرسة بناها بالرخام الملون والسقف المذهب وقرر فيها أربعة مدرسين على المذاهب الأربعة، وأربعين طالبًا، وأرسل خزانة كتب أوقفها على طلبة العلم، وجعل مقرها المدرسة المذكورة، وجعل لها خازنًا عيَّن له مبلغًا (١).
وفي سنة ٨٨٤ للهجرة كان الفراغ من بناء هذه المدرسة والرباط والبيتين، أحدهما من ناحية باب السلام، والثاني من ناحية باب الحريريين على يد الأمير سنقر الجمالي يرحمه الله.
نهاية وقف قايتباي:
وقد ذكر الشيخ الغازي: النهاية التي آلت إليها أوقاف السلطان قايتباي وننقلها هنا بنصها يقول الغازي:
وقد استولت عليه - على الوقف - أيدي النظار والمستفيدين، وقد ضاع غالبًا إلا القليل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وجعل الواقف في ذلك المجمع للقضاة الأربعة حضورًا بعد العصر مع جماعة من الفقهاء يقرأون ثلاثين جزءًا من القرآن العظيم.
أما في زماننا هذا فالتدريس المشار إليه قد بطل والربعة لا يحضرها سوى (الجاوا) نوابًا عن المسحقين، وهذه المعينات أغلبها أكِلَ بل جميعه، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون، وجعل فقيهًا يعلم أربعين صبيًا من الأيتام، وجعل لأهل الخلاوي ما يكفيهم من القمح، وجعل مثل ذلك للمدرسين، وهذا أيضًا شيء دَرَسْ، وجعل للمدرسين والمؤذنين وقرَّاء الحديث والأجزاء مبلغًا من الذهب يصرف لهم كل سنة، وهذا أيضًا درس، وان قصدوا أصحاب هذه الوظائف بشيء في بعض السنين فعلى حدِّ قول المتمثل من الشاة إذنها، والحكم لله تعالى العلي القدير.
ومن عدة ربوع ودور تَغُلَّ كل عام نحو ألف ذهب، ووقف عليهم بمصر قرى وضياع كثيرة وحبوبًا كثيرة تحمل إلى مكة كل عام.
وصارت المدرسة سكنًا لأمير الحج أيام الموسم، وسكنًا لغيرهم من الأمراء في وسط السنة، وعمل من الخيرات العظيمة ما لم يعمل ذلك سلطان قبله وهو باقٍ إلى الآن، إلا أن الأكَلَة من الدول استولت على هذه الأوقاف تستغلها النظار كل عام وتأخذها الدولة، وهذه الأوقاف قد آلت إلى الخراب ما لم تتدارك، والدوام لله تعالى.
стр. 1293
وذكر صاحب الرحلة الحجازية - محمد لبيب البتنوني - الذي حج إلى مكة سنة ١٣٢٧ هـ مع الخديوي عباس باشا حلمي مصير مدرسة قايتباي فقال:
مدرسة قايتباي التي على يسار الداخل من باب السلام فإنها بعد أن كانت مدرسة تدرس فيها علوم الدين، ولها أوقاف بمصر تصرف غلتها عليها، ضعفت أوقافها شيئًا فشيئا فنقلوها إلى دار ضيافة كان ينزل بها أمراء الحج المصري، ثم صار يسكنها بعض أشراف ذوي غالب وهي في أيديهم إلى الآن (١).
* * * *
стр. 1294
مدارس السلطان سليمان العثماني
ذكر القطبي أن السلطان سليمان استبدل الأماكن التي بجانب الحرم من الجهة الشمالية وبنى بها أربع مدارس أوقفها على من ولي الإفتاء من الأحناف والشافعية والمالكية والحنابلة وتاريخ وقفها سنة تسعمائة وسبعين.
وقد فصَّل الشيخ عبد الله الغازي أمر بناء هذه المدارس وكيفية شراء السلطان سليمان لها فالأماكن المملوكة اشتريت، والأماكن الموقوفة استبدلت بغيرها مما فيه فائدة للوقف الأصلي وتم بناء المدارس الأربعة، وعينت المرتبات للمدرسين والطلاب، فعين لكل مدرس خمسين عثمانيًا لكل يوم، وعين للمعيد أربعة عثمانية في كل يوم، يجهزها في كل عام ناظر الأوقاف السليمانية بالشام مع الركب الشامي إلى مكة المشرفة فيوزع على المدرسين والطلبة وظائفهم.
وقد تم إكمال عمارة المدارس الأربعة في عهد السلطان سليم ابن السلطان سليمان، وبوشر التدريس فيها من قبل العلماء الأجلاء.
ويقدم صاحب كتاب الأعلام وصفًا شائقًا للدراسة لهذه المدارس يقول فيه:
فأنعم السلطان بالمدرسة المالكية السليمانية وهي رأس المدارس الأربعة على سيدنا ومولانا شيخ مشايخ الإسلام قاضي القضاة وناظر المسجد الحرام مولانا السيد القاضي حسين الحسيني بخمسين عثمانيًا، ثم رقَّاه إلى أن صارت مدرسته بمائة عثمانيًا، وأنعم بالمدرسة الحنفية السليمانية على مؤلف هذا الكتاب - صاحب كتاب الأعلام محمد بن أحمد القطبي - بخمسين عثمانيًا في أواسط جمادي الأولى سنة خمس وسبعين وتسعمائة، يقول القطبي:
فأقرأت فيه قطعة من الكشاف والهداية، وقطعة من تفسير مولانا أبو السعود العماري وأقرأت فيها درسًا في الطب، ودرسًا في الحديث وأصوله، وأنني أدرس الآن فيها تكميل شرح الهداية الذي كمله الآن العلامة الفهامة فريد دهره ووحيد عصره صاحب التصانيف الفائقة التي سارت بها الركبان، وتداولتها العلماء فالطلبة، في سائر البلاد، مولانا شمس الملة والدين أحمد المعروف بقاضي زاده أفندي.
стр. 1295
ويكمل صاحب الأعلام حديثه عن هذه المدارس فيقول:
وأنعمت السلطنة الشريفة بالمدرسة السلطانية السليمانية الشافعية لإقراء مذهب الشافعي بمكة المشرفة على بعض علماء الشافعية بخمسين عثمانيًا، وأما المدرسة الرابعة العثمانية فقد جعلها المرحوم الواقف لإحياء مذهب الإمام أحمد بن حنبل، فلم يوجد بمكة يومئذ من يكون ثابتًا في مذهب الإمام أحمد بن حنبل، فعدل عنه إلى علم الحديث الشريف، وجعلت تلك المدرسة - دارًا للحديث - بخمسين عثمانيًا، يقرأ فيها الصحاح الستة. انتهى (١).
أقول: وأود أن نذكر أن ما أورده الغازي من أخبار هذه المدارس وما ذكره صاحب الأعلام الذي كان مدرسًا بالمدرسة الحنفية وهي إحدى المدارس الأربع التي بناها السلطان سليمان يعطي لنا صورة عن بعض أوجه النشاط العلمي في مكة المكرمة في أواخر القرن العاشر الهجري.
وقد لفت نظري ما ذكره صاحب الأعلام عن أنه كان يلقي درسًا في الطب على طلبته في المدرسة الحنفية، ولا بد أن يكون لهذا الدرس مثيل في المدارس الأخرى، وبالرغم من أن الطابع الديني يغلب على هذه المدارس وهي أصلًا إنما انشئت لتعليم الطلاب المذاهب الأربعة إلا أن النشاط العلمي في المدرسة كان متنوعًا فيما يبدو، وقد خصصت المدرسة الرابعة لدراسة علم الحديث لأن المذهب الحنبلي لم يكن منتشرًا في مكة في ذلك الزمان، وبالنسبة للمرتبات التي ذكرها القطبي يقول الشيخ/ حسين عبد الله باسلامة:
أن هذه النقود العثمانية ربما كانت أجزاء من العملة الفضية.
نهاية المدارس الأربعة:
يقول الشيخ/ حسين باسلامة في كتابه "تاريخ عمارة المسجد الحرام" المؤلَّف في سنة ١٣٥٤ هـ وأما المدارس المذكورة فهي باقية على حكمها بناءًا، وشكلًا إلى هذا العصر.
وأما حالتها الحاضرة فصارت إحداها مركزًا لرئاسة القضاء، والثانية مركزًا للقضاء الشرعي والثالثة دارًا للكتب الموقوفة لعموم القراء، والرابعة بجناحيها تصرَّف فيها بالبيع أحمد باشا عامل محمد علي باشا خديوي مصر منذ مائة سنة من صدور هذا المؤلف وأصبحت ممتلكة (٢).
ونستطيع أن نتصور أن السلطان سليمان الذي أنشأ المدارس الأربعة والتي كملت في عهد نجله السلطان سليم، أن المصروفات التي كانت تنفق على هذه المدارس ومدرسيها وطلابها، كانت تصل سنويًا مع أمير الحج الشامي انقطعت فتوقفت الدراسة بها، أما المدرسة التي تصرف فيها بالبيع أحمد باشا عامل محمد علي باشا خديوي مصر، فلعل ذلك تم
стр. 1296
حينما وصل محمد علي باشا خديوي مصر إلى الحجاز سنة ١٢٢٨ واستولى على الحجاز بأمر من الدولة العثمانية (١)، وبقي أحمد باشا واليًا على مكة من قبله، فتصرف في إحدى المدارس بالبيع كما يقول الشيخ/ باسلامة، ويقول السيد أحمد زيني دحلان عن أحمد باشا هذا:
أنه تولى منصب ولاية الحجاز سنة ١٢٣٥ بعد وفاة أخيه خليل بك، وطالت مدته بالحجاز حتى صار يقال له أحمد باشا الحجاز، فقد تولى سنة خمس وثلاثين وعزل سنة أربع وأربعين، وأعيد سنة ثمان وأربعين، ومكث إلى سنة ست وخمسين، وهو ابن أخت محمد علي باشا (٢)، ولعل طول بقاء أحمد باشا في الولاية مكَّن له الاستيلاء على المدرسة الرابعة والتصرف فيها بالبيع.
* * * *
стр. 1297
مدرسة محمد باشا بسويقة
نقل الغازي بالارج المسكي ما يلي:
ومن المدارس مدرسة الوزير محمد باشا بجانب رباطه ولها معلوم معين من غلال وقفه بمكة المشرفة، وكانت في أصل الوقفية بيماراستان، ثم قلبت مدرسة.
أقول: البيرامستان هو المستشفى باصطلاح العصر الحديث.
وقف السلطان سليمان خان:
نقل الغازي عن كتاب منائح الكرم ما يلي:
ومما حدث في زمن الشريف حسن أن محمد باشا وزير مولانا السلطان سليمان خان أمر أن يبنى له موضع بالقرب من الحرم يكون محلًا للفقراء وصونًا للحرم الشريف، وأن يبنى له مساطب تصلح للمرضى، فتكون دار الشفاء له، وأن يبنى خارج ذلك دكاكين وبيوت تؤجر وتصرف غلالها في مصلحة هذا المحل، وأمر ببناء حمَّام في وسط هذا البلد يكون عظيم الشأن فبني جميع ذلك، وعُمِّرتْ له أوقاف كثيرة بمكة ووردت صدقاته سنة ٩٧٤ أو سنة ٩٨٤ انتهى.
الباقي من المدارس:
جاء في تحصيل المرام تعليقًا على المدارس التي بجوار الحرم ما يلي:
لم يبق من المدارس إلا مدرسة محمد باشا بباب الزيادة، والداودية، وكذلك رباط وراء المدارس السلطانية يسكنها الفقراء وما عداها توالت عليها الأيدي. انتهى.
الأوقاف تتغير عبر الأزمان:
ذكر الغازي نقلًا عن شفاء الغرام في الفصل الخاص بالرباطات:
رباط السدرة بالجانب الشرقي من المسجد الحرام على يسار الداخل من باب السلام،
стр. 1298
وكان موقوفًا في سنة ٤٠٠، وموضعه دار القوارير التي بنيت في زمن الرشيد على ما ذكر الأرزقي ودار القوارير موضعها مدرسة قايتباي. انتهى (١).
أقول يفهم من هذا النص أن الخليفة العباسي هارون الرشيد الذي تولَّى الخلافة ما بين عامي ١٧٠ إلى ١٩١ بنى في الجانب الشرقي من المسجد الحرام دارًا سميت دار القوارير، ثم تحولت هذه الدار بعد أكثر من مائة عام لتكون رباطًا سمي رباط السدرة، وبعد نحو خمسمائة عام تحولت لتكون مدرسة السلطان قايتباي في سنة ثمانمائة وأربع وسبعين، وقد تحولت هذه المدرسة في الأزمان الأخيرة لتكون منزلًا يسكنه أمراء الحج المصري، كما جاء تفصيله في الحديث عن مدرسة قايتباي قبل.
وقد بنى السلطان قايتباي إلى جانب مدرسته هذه رباطًا، وكان مكانه رباطًا بناه قاضي القضاة أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم المراغي، ولم يذكر الغازي تاريخ بناء الرباط المذكور ولكنه قديم حتمًا، وقد ذكر أن السلطان قايتباي استبدل الأماكن التي بني محلها المدرسة والرباط أي أنه اتفق مع نظار الوقف على شرائها واستبدال ما هو خير منها للوقف كما هو معلوم في مثل هذه الأحوال.
وقد استبدل السلطان سليمان العثماني رباط الخليفة الناصر العباسي الذي أوقفه سنة خمسمائة وتسع وسبعين على الصوفية، وبنى في موضعه المدارس السلطانية سنة ٩٧٠ للهجرة التي سبق الحديث عنها قبل (٢).
* * * *
стр. 1299
الأربطة في مكة
الأربطة مفردها "رباط" وهي الأماكن التي تبنى ويخصص سكنها للفقراء والمحتاجين من الرجال والنساء وقد عرفت مدن الحجاز كثيرًا من الأربطة التي شيَّدها وأوقفها أهل الخير لهذه الأغراض، ولا تزال لهذه الأربطة بقايا في كل من مكة والمدينة وجدة، وقد عقد الشيخ الغازي فصلا خاصًا عن الأربطة في مكة.
وقد وجدت فيما أورده عنها بعض الغرائب الخاصة في شروط الوقف فمن ذلك:
رباط الطبري:
رباط الحافظ أبو عبد الله بن منده ملاصق لزيادة دار الندوة ويعرف في وقته برباط الطبري وقد أوقفه بانيه على القادمين من أصفهان أربعين يومًا، وعلى سائر الناس عشرة أشهر وعشرين يومًا.
أقول: الأربعون يومًا التي خصصت لأهل أصفهان لا بدَّ وأن تكون في أيام الحج حين قدومهم حاجين إلى مكة المكرمة (١).
رباط رامشت:
عند باب الحزورة، ورامشت هو الشيخ/ أبو القاسم واسمه إبراهيم بن الحسن الفارسي وقفه على جميع الصوفية الرجال دون النساء أصحاب المرقعة من سائر العراق وتاريخه سنة تسع وعشرين وخمسمائة (٢).
أقول: كانت بدعة التصوف في ذلك الزمان منتشرة في العالم الإسلامي، وكان بعضهم يلبس ملابس خاصة يعرفون بها، وكل هذه البدع بعيدة عن صفاء العقيدة وتوحيد العبادة لله تعالى.
стр. 1300
رباط الشيخ/ غياث الدين:
وموقعه قبالة باب الصفا، أمر بإنشائه السلطان شاه شجاع صاحب بلاد فارس ويقال له رباط الشيخ غياث الدين الأبرقوهي لتوليه لأمره وعمارته، وتاريخ وقفيته سنة سبعمائة وإحدى وسبعين، وهو وقف على الأعاجم من بلاد فارس المجردين دون الهنود (١).
الرباط العباسي:
وهو بالمسعى عند العلم الأخضر، وكان مطهرة أنشأها الملك المنصور لاجين المنصوري، وقد حوله إلى رباط الملك الناصر قلاوون الألفي (٢).
مصير الأربطة:
نقل الغازي عن الشيخ الصباغ بعد أن أورد أسماء الأربطة الكثيرة في مكة ما يلي:
قلت لم يعرف الآن شيء مما ذكر، وقد توالت عليه الأيدي، والموجود الآن شيء قليل منها … الخ (٣).
رباط البصري:
نقل الغازي عن الطبري في إتحاف فضلاء الزمن ما يلي:
وفي سنة ألف ومائة واحدى وثلاثين بنى الشيخ/ سالم بن عبد الله البصري رباطًا وجعل له ثلاث طبقات، في كل طبقة عشرة خلاوي ومحل زائد لشيخ الرباط، وأوقفه على آل باعلوي وأرسل إلى - الكرزار - أني قد بنيت رباطًا وأريد منكم المعونة فأجروا لنا في بندر جدة لكل خلوة قرش، وقرش للزيت، وأربع قروش للسقا، تأخذ كل سنة من بندر جدة (٤).
* * * *