← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مَرضُه وَوَفَاته أحسَّ المرحوم محمود نصيف بأعراض الداء قبل فترة من الزمن ولكنه لم يسارع إلى العلاج كما كان الواجب بل كان يؤجل السفر للفحص والعلاج أسبوعا بعد أسبوع وشهرا بعد شهر حتى أصبحت الحمى لا تفارقه وكان مع ذاك منهمكا في أداء الأعمال التي كلف نفسه بها حتى ظهرت عليه العلَّة صفرة في الوجه ونحولًا في البدن فسافر إلى أمريكا ولم ينس أن يحضر أولا اجتماعا لبحث مخطط الجامعة العام في مدينة غير التي يقصدها للعلاج، ثم انتهى به المطاف إلى مدينة روشستر بولاية مينسوتا بأمريكا وقد اقتضى الأمر إجراء جراحة عاجلة له ولكن الداء كان قد استفحل وبقى في غرفة الانعاش وقتا غير عادى مما استدعى إرسال زوجه وأولاده إليه كما سارع بعض أفراد أسرته للسفر وهكذا أراد الله لهذه الروح أن تعود إلى بارئها مودعا هذه الحياة وهو في مطلع رجولته بمدينة روشستر بأمريكا بتاريخ ٢٩/ ١٢/ ٩٥ هـ وقد نقل جثمانه إلى جدة بعد ثلاثة أيام من وفاته فاستقبله أصدقاؤه الكثيرون وصلى عليه في جامع الملك سعود ودفن بمدينة جدة مسقط رأسه وقد نعته صحف المملكة جميعها واستمر الكتاب والشعراء في رثائه وتعداد مآثره وقتا طويلا، فلقد كان شابا نادر المثال تغمده الله برحمته الواسعة وأحسن جزاءه في دار الخلود ..

стр. 212

محمد سرور الصبان

стр. 213

مُحَمَّد سُرُور الصَّبان طويل بائن الطول، سمهرى القوام، داكن البشرة، عظيم الشفتين، أقنى الأنف حلو النظرة، حسن الخلق رقيق أنيق يرتدى العباءة العربية والعقال، وهبه الله سماحة في النفس واليد فكان من أكرم من عرفت من الرجال، وكان يسع الناس ببذله وكرمه كما يسعهم بأخلاقه وحلمه حتى تبوأ مركز الزعامة بما بذل من نفسة وماله. ولد الشيخ محمد سرور الصبان بمدينة جدة كما ورد في ترجمته التي كتبها عن نفسه في كتاب أدب الحجاز في أواخر عام ١٣١٦ هجرية وتعلم في مكة ثم في مكتب صادق بمدينة جدة بعد أن هاجر والده الحاج سرور الصبان إليها حيث كان يدير أعمال أسرة الصبان، وكانت يومها من أكبر البيوتات التجارية التي تخصصت في تصدير الجلود، وفى أوائل العهد السعودى كان موظفا بأمانة العاصمة بمكة الكرمة كما كانت له مكتبة لبيع الكتب يعمل فيها أخوه المرحوم الشيخ عبد الله سرور الصبان، وفي السنوات الأولى من العهد السعودى استقدمه جلالة المغفور له الملك عبد العزيز إلى الرياض وبقى بها بعض الوقت ثم عاد بمعية جلالته إلى الحجاز وكانت قد اتصلت أسبابه بأسباب المرحوم الشيخ

стр. 214

محمد الطويل في الرياض وقد عادا معا إلى الحجاز بمعية الغفور له الملك عبد العزيز فأسند الشيخ محمد الطويل إلى الشيخ محمد سرور إدارة شركة القناعة للسيارات بمكة الممكرمة والتى كانت رئاستها للشيخ محمد الطويل كما ورد في ترجمته المنشورة من قبل. وفى شركة القناعة للسيارات اتصلت أسبابى بأسباب المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان فقد كان هو مديرا لإِدارة الشركة بمكة الكرمة، وكنت أعمل بإدارتها في جدة، وبعد أن أسندت إلى الشيخ محمد الطويل رئاسة أموال وجمارك المنطقة الشرقية أصبح الشيخ محمد سرور هو القائم بإدارة شركة القناعة في جدة وأصبحت أعمل معه جنبا إلى جنب طيلة شهور الموسم، وما لبث الشيخ محمد سرور أن أسس شركة خاصة للسيارات باسمه واسم إخوانه أطلق عليها اسم شركة الفلاح وأسندت إدارتها إلى أخيه المرحوم الشيخ عوض سرور الصبان وكانت من أكبر شركات السيارات في ذاك الزمان - هذه الشركات جميعها توحدت فما بعد في شركة واحدة هي الشركة العربية للسيارات - وفى النقابة الأولى للسيارات التي كان مركزها الرئيسى في مكة المكرمة تجلت عبقرية الشيخ محمد سرور وظهرت مواهبه، وكانت شؤون السيارات تهم الدولة إذ ذاك فوقع اختيار معالى المرحوم الشيخ عبد الله السليمان على الشيخ محمد سرور ليتولى إدارة قسم التحريرات في وزارة المالية وللأيام الأولى التي باشر الشيخ محمد سرور فيها هذا العمل ظهر أثره وتبين تأثيره، وكان معالى الشيخ عبد الله السلمان خبيرا بأقدار الرجال فما لبث أن أسند إليه منصب مدير عام وزارة المالية، وكانت وزارة المالية إذ ذاك هي كل وزارات الدولة تقريبا فوزارة المالية هي التي تقوم بأعباء وزارات المالية والأشغال والحج والواصلات والتجارة بينما كان ديوان النيابة العامة الذى كان يتولاه في ذلك العهد سمو الأمير فيصل نائب جلالة الملك في الحجاز إذ

стр. 215

ذاك - جلالة الملك فيصل الأول فما بعد - تتولى الإشراف على الداخلية والأمن العام والمعارف ومجلس الشورى وهيئات الأمر بالمعروف والمحاكم الشرعية والبلديات. وهكذا وجد الشيخ محمد سرور في وزارة المالية المجال الرحب لإظهار مواهبه وقدراته فكان في ذلك العهد ولسنوات طويلة من أكبر الرجال تأثيرا وأعظمهم نفوذا فقد كان يستمد سلطاته القوية من أقوى رجل في الدولة بعد ولى العهد والنائب العام، وقد استطاع الشيخ محمد سرور أن يحسن العمل في وزارة المالية فالتحق بها في عهده صفوة المثقفين إذ ذاك فتحسنت لغة الكتابة في الدواوين بعد أن عمل فيها أدباء معروفون كالأساتذة عبد الوهاب آشى ومحمد حسن فقى ومحمد حسن كتبى وأحمد قنديل وكلهم كتاب وشعراء بارزون وكانوا جميعا يعملون بالتدريس في مدارس الفلاح بمكة وجدة وبالمدارس الحكومية وكلهم تولى رئاسة تحرير صوت الحجاز في وقت من الأوقات وللشيخ محمد سرور مأثرة أدبيه كبرى ينفرد بها حين يكتب التاريخ الأدبى للحجاز فقد كان أول من اصدر "كتاب أدب الحجاز وكتاب المعرض"، وكتاب "خواطر مصرحة" للأستاذ محمد حسن عواد، وكتاب أدب الحجاز بالذات كان أول مؤلف يضم شعر أدباء الحجاز في الأربعينات من هذا القرن الهجرى كما كان أول صوت يسمع في داخل المملكة وخارجها عن الأدب والأدباء وقد جاء هذا الكتاب بعد فترة من الركود والخمول منذ أواخر العهد التركى وخلال العهد الهاشمى فكان ظهور أدب الحجاز بشيرا بفجر النهضة الأدبية في الحجاز وهو على صغر حجمه لم يكن إلا تعبيرا شديد الاختصار عن ولادة الأدب الحديث في هذه البلاد ولكن هذا التعبير جاء في وقته فكان له صدى قوى في داخل البلاد وبشارة حسنة لمن يترقبون الأحداث الأدبية في خارجها، وكتاب أدب الحجاز هو كتاب شعرى بينما أن كتاب المعرض هو كتاب نثرى فإذا كان الأول يعبر عن الشعر الحديث إذ ذاك في الحجاز فإن

стр. 216

كتاب العرض هو تعبير عن لغة الكتابة في ذاك العهد، أما كتاب "خواطر مصرحة" فهو من تأليف الأستاذ محمد حسن عواد وقد أحدث في حينه ضجة واسعة، ومهما كان الرأى فيه فلقد كان حدثا قويا وجريئا في حينه، وللشيخ محمد سرور إلى جانب هذه المأثرة الأدبية الأولى مآثر كثيرة فقد طبع ونشر على نفقته كتبا كثيرة جليلة منها كتاب تفسير معانى كلمات القرآن للشيخ محمد حسنين مخلوف مفتى الديار المصرية وكتاب العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين للفاسي (١) وغيرها من الكتب المفيده الجليلة وكانت هذه الكتب تطبع وتوزع على نفقته بغير مقابل جزاه الله خير الجزاء، كما أن الشيخ محمد سرور كان مؤسس ورئيس الشركة العربية للطبع والنشر التي اشترت جريدة ومطبعة صوت الحجاز من صاحبها المرحوم الشيخ محمد صالح نصيف وقد كان الشيخ محمد صالح نصيف من أوائل السباقين إلى نشر الصحف فقد كان يصدر جريدة بريد الحجاز في جدة في أواخر العهد الهاشمى ثم أصدر جريدة صوت الحجاز بمكة في الخمسينات من هذا القرن الهجرى وكانت جريدة صوت الحجاز أول جريدة وطنية في الملكة بعد جريدة أم القرى الرسمية وكانت في حينها حدثا عظيما لأنها كانت مجالا لآراء الكتاب والمفكرين من الرعيل الأول وكانت محل اهتمام كبير على جميع المستويات وهي تصدر الآن باسم جريدة البلاد، نعود بعد هذا الاستطراد لنواصل الحديث عن المرحوم الشيخ محمد سرور بعد توليه منصب مدير عام وزارة المالية، وقد كانت هذه الوزارة كما أسلفنا في ذلك العهد قطب الأعمال ومركز الآمال فالتجار كل التجار يتعاملون معها، إذ كانت تتولى كافة سؤون الدولة المالية والإنشائية والصناعية، وكانت الوظائف مرتبطة بها والصرف والقبض من أهم اختصاصاتها

стр. 217

وبهذا أصبح الشيخ محمد سرور مقصدا للناس يقصدون إليه في قضاء أمورهم فلم يكن يخيب لهم أملا ولا يرد لهم مطلبا ما وسعه ذلك ولهذا كان يجلس إلى الناس بعد عصر كل يوم يستقبلهم ويستمع إليهم ويحاول قضاء مطلبهم، وكان هذا المجلس يمتد حتى صدر الليل، ولم يكن يعتريه سأم أو برم فقد وهبه الله نفسا سمحة وخلقا كريما فكان يهب من يهب ويقرض من يقرض ويعين من يعين كل هذا في صمت عجيب وتواضع جم ولقد عملت إلى جانبه تسع سنوات رأيت فيها العجب من إحسانه وحلمه وكثيرا ما أنقذ تجارة منهارة أو قضى دين كريم وكثيرا ما أقال العثرات وكان يعطى عطاء من لا يخشى الفقر وكثيرا ما أشفقت عليه مما أرى فكنت ألفت نظره بلطف إلى ما يفعل ولكن أنَّى للسيل العارم أن يرتد فقد جبله الله على الكرم والسخاء. وكانت للشيخ محمد سرور مطامح اقتصادية واسعه فكان أول رئيس للعديد من المؤسسات والشركات الوطنية مثل مشروع القرش، الشركة العربية للتوفير والاقتصاد، الشركة العربية للصادرات، الشركة العربية للطبع والنشر، الشركة العربيه للسيارات، شركة ملح وكهرباء جيزان، شركة الزهراء للعمارة، شركة مصحف مكة، وللأسف فإنه لم يبق من هذه الشركات جميعا سوى الشركة العربية للسيارات وشركة مصحف مكة، أما الشركات الاخرى فقد انتهت تماما ولعل الشيخ محمد سرور كان يتخذ من زعيم مصر الاقتصادى المرحوم طلعت حرب مثالا يحتذى في تأسيس هذه الشركات، والواقع أن البعض من هذه الشركات تعرض للصعوبات والمتاعب والبعض كانت تنقصه المهارة الإِدارية والخبرة والكل كان في حاجة إلى التطوير والتمشى مع متغيرات العصر، ولعله مما يؤخذ على الشيخ محمد سرور أنه لم يكن يشرك الجمعيات العموميه للشركات في دراسة ما تتعرض له هذه الشركات من مشاكل لتكون القرارات المتخذة قرارات جماعية وليكون المساهمون على علم بتطورات الأمور في شركاتهم وهكذا انتهت هذه الشركات إلى الانقراض والفناء.

стр. 218

والواقع أن الشيخ محمد سرور يتصرف بمثل هذا في شؤونه الخاصة وكان رجلا واسع الخيال كبير الأحلام، وكانت هذه الصفات فيه مدعاة لاستغلاله من كثير من الناس فكان كل من تقدم له بمشروع وطلب منه المشاركة فيه استجاب إليه فأمده بالمال شراكة أو قرضا، وكثير من هذه المشروعات كان ظاهر التهافت ولم يبن على دراسة كما أن الكثير من أصحاب هذه المشاريع لم يكن التعامل معهم موحيا بالثقة والاطمئنان. كان البعض يفكر في مشروع يصوره له خياله ويأتى إلينا في دار الشيخ محمد سرور وهو نفسه غير متأكد من صحة تفكيره أو من نجاح مشروعه فما هي إلا ساعة أو بعض ساعة يجلس فيها إلى الشيخ محمد سرور حتى يخرج والبشر يطفح من وجهه والأمل يملأ جوانحه فقد وجد من الشيخ وتعضيده ما يحمله على الظن بأنه عبقرى الدهر وواحد الزمان ويأخذ دفعة من المال يبدأ بها الخطوات الأولى لمشروعه العتيد وتمضى الأسابيع والشهور وإذا بهمة الشيخ تفتر عن السير مع أحلام الرجل ولكنه لا يصارحه بشئ وتبدأ الأمور في التعقيد وينقلب إعجاب الرجل بالشيخ محمد سرور وثناؤه عليه إلى نقد صارخ فيسبق إلى ذهنه أنه أساء إليه واوقعه في ورطة ولا يجد الشيخ محمد سرور مفرا من تفادى المشكلة إلا بالتنازل عما دفع من مال بفدية أخرى يفتدى نفسه مما كان، وكان من المكن تفادى كل هذا الحرج وكل هذه الخسارة بصرف الرجل من البداية صرفا حسنا أو بالاعتذار المؤدب عن الدخول في هذه المشاريع. والواقع أنى لست أدرى حتى الآن وبعد معايشتى للشيخ محمد سرور السنين الطوال هل هو حب المجاملة للناس، أو الطموح الكبير هو الذى كان يدفع الشيخ محمد سرور إلى مثل هذه الواقف أو أنهما الصفتان معا كانتا الدافع إلى مثل هذه الأمور. وأستطيع أن أضيف إلى صنفات الشيخ محمد سرور ﵀ أنه كان كثير الحياء كاتما لأسرار الناس، وكانت هذه الصفات فيه تمنعه من

стр. 219

مصارحتهم بما يكرهون، وبالإسراف في مجاملتهم وملاطفتهم، كما أن كتمانه لأسرار الناس كان يمنعه من تقصى أحوالهم والواقع أن هناك فرقا بين كتمان أسرار الناس وبين التقصى فيما يجب التقصى فيه خاصة في الأمور الاقتصادية. وقد جاء وقت أصبح فيه الكثير من الناس يدعون أنهم شركاء للشيخ محمد سرور فيما يقومون به من أعمال ومشاريع، والكثير من هؤلاء الناس لا يستحقون أن يقرن اسمهم إلى اسمه، فشتان بين مشرق ومغرب وقد انتهت هذه المشاركات كلها إلى التلاشى وفقد الشيخ محمد سرور ﵀ أموالا طائلة فيها نتيجة لعدم التقصى عن أحوال هؤلاء الناس وعدم التروى في الدخول معهم في أى مشروع. وكان الشيخ محمد سرور ﵀ يقرض الكثيرين المال الكثير فلما ظهرت حاجته إليه وبدأ يطالب الناس به لم يجد منه إلا القليل أو أقل القليل، وقد شكا لى في آخر حياته من بعض الناس الذين كان إقراضه لهم بمثابة إنقاذ من الهاوية وستر من الفضائح وكنت أعرف سلفا أن هذا سيحدث وحينما كنت مديرا لأعماله من عام ١٣٥٥ هـ - ١٣٦٤ هـ كنت أنبهه إلى شئ من ذاك ولكن ما جبل عليه من حب للخير وإسداء للمعروف جعله يندفع في الطريق الذى يسير فيه. هذا وقد بقى الشيخ محمد سرور في منصبه مديرا عاما لوزارة المالية وتقلبت به الأيام في هذا المنصب علوا وسفلا فإذا كان الرضا منه كانت له السلطة والتصرف، وإذا أُغْضِي عنه وحل محله من ينال ثقة الوزير الشيخ عبد الله السليمان بقى مجمدا في منصبه أو سافر إلى الخارج ينتظر تغير الأحداث. وبعد تولى الملك سعود العرش خلفا لجلالة المغفور له الملك عبد العزيز واستقالة الشيخ عبد الله السلمان الحمدان من وزارة المالية عين الشيخ محمد سرور وزيرا لها في أول وزارة رسمية يرأسها جلالة المغفور له الملك فيصل، وكان

стр. 220

الإنفاق الضخم الذى صاحب بداية عهد الملك سعود في ولاية الشيخ محمد سرور لوزارة المالية سببا في الأزمة المالية التي حدثت في ذلك الوقت، وارتفاع أسعار العملات الأجنبية مع أن تسعين في المائة من واردات الدولة كان من العملات الأجنبية ولم يتمكن الشيخ محمد سرور من معالجة الوضع لأن العلاج كان يقضى حزما وسيطرة كاملتين على النفقات وخاصة فما يتعلق بالعملات الأجنبية وهذا هو الذى قام به جلالة المغفور له الملك فيصل شخصيا فما هو إلا عام أو بعض عام حتى استقرت الأمور وتحدد الصرف وتوازنت الميزانية، وكان الشيخ محمد سرور إذ ذاك قد سافر إلى أوربا في رحلة للعلاج ولكنه أقيل من منصبه قبل عودته إلى الملكة بسبب هذه الأحدات وبقى الشيخ محمد سرور في مصر فترة طويلة من الزمن حتى استدعاه جلالة الغفور له الملك فيصل للعودة إلى البلاد. وخلال إقامة الشيخ محمد سرور في القاهرة كانت داره مفتوحة للناس ويده مبسوطه إليهم بالإنفاق الكثير فكان يبعث المرضى على نفقته إلى المستشفيات ويعين العائلات الكثيرة المهاجرة في مصر ممن يحتاجون إلى العون، وقد شمل كرمه الكثير من أحرار العرب المقيمين بالقاهرة وبيروت والذين شردتهم الأحداث السياسية عن بلادهم وهكذا كان المرحوم الشيخ محمد سرور كالغيث يعم نفعه أينما حل ويصل خيره إلى الكثيرين في صمت وتواضع وحياء. وبعد عودة الشيخ محمد سرور الصبان أسندت إليه الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي حين تأسيسها فكانت ولايته لها خير استهلال للأمانة الوليدة وبمهارته وحذقه استطاع أن يخلق من الرابطة على قلة مواردها إذ ذاك كيانا كبيرا ضخما، وقد ساعد تأييد جلالة المغفور له الملك فيصل للرابطة على إنجاحها، كما ساعدت علاقات الشيخ محمد سرور الصبان الكبيرة والمتشعبة بالكثيرين من رجالات العالم الإِسلامى على ترسيخ قواعد الرابطة وامتداد تأثيرها وللتاريخ

стр. 221

فإن كلا من معالى الشيخ محمد سرور الصبان ومعالى الشيخ صالح قزاز كانا يعملان في الرابطة دون، مقابل منذ بدء تأسيسها وحتى وفاة الشيخ محمد سرور ﵀ وهو أمينها العام، وكذلك حتى استقالة الشيخ صالح قزاز بعد ذلك من أمانتها العامة بعد إسنادها إليه إذ كان الأمين العام المساعد منذ بداية التأسيس وتوفى الشيخ محمد سرور ﵀ بالقاهرة بتاريخ الثانى من ذى الحجة ١٣٩١ هـ إثر نوبة قلبية وكان يشكو في السنوات الأخيره من عمره من لغط في القلب وقد نصحه الأطباء في بريطانيا بإجراء عملية عاجلة ولكنه فضل التأجيل والتريث وكانت رنة حزن كبيرة لدى جميع عارفيه ومحبيه في شتى البلاد الإسلامية والعربية وفى وطنه خاصة وأرسلت الدولة طائرة خاصة لنقل جثمانه من القاهرة حيث صلى عليه في السجد الحرام ودفن بمقبرة المعلاة بمكة المكرمة في الثالث من ذى الحجة سنة ١٣٩١ هـ واشترك في استقبال جثمانه وتشييعه كثير من الأمراء والأعيان والجموع الشعبية الكثيرة التي كانت تدين له بالحب والولاء. ﵀ رحمة واسعة وأحسن جزاءه في جنات الخلود فقد كان رجلا محبا للخير مقيلا للعثرات ساترا للعورات. مَكْتبة الشيخ محمّد سُرور الصّبَان هذا وقد ترك المرحوم الشيخ محمد سرور مكتبة قيمة تعد من أحسن المكتبات الخاصه في مكة الكرمة وهي تحتوى على كثير من أمهات الكتب المطبوعة وبعضها مخطوط ولعل أبناءه الأساتذة الأخوة عبد الرحمن وعبد الباري وسعدا يهتمون بها أو يضمونها إلى إحدى المكتبات العامة لينتفع بها الراغبون. في الحلقة الخاصة بترجمة معالى الشيخ محمد سرور الصبان ﵀ ضمن تراجم أعلام القرن الرابع عشر ذكرت أن لديه مكتبة تعتبر من أكبر المكتبات

стр. 222

الخاصة في الوقت الحاضر وأنها تحتوى على مجموعة ثمينة من الكتب إلى جانب المخطوطات القيمة التي تضمها المكتبة وتمنيت على أبنائه السادة الأخوة عبد الرحمن وعبد البارى وسعد أن يعملوا على إتاحة الفرصة للانتفاع بما تضمه هذه المكتبة بإهدائها إلى جامعة الملك عبد العزيز ولقد تلقيت خطابا من سعادة الأخ الشيخ عبد الرحمن سرور يذكر فيه أن المكتبة قد سبق أن قدمت من قبلهم إلى جامعة الملك عبد العزيز بتاريخ ١٩/ ٧/ ١٣٩٧ هـ وأرفق بخطابه صورة من محضر الاستلام والتسلم وهو يضم خمسة آلاف ومائة وستة وسبعين كتابا منها مائتان وثلاثة مخطوطات وقد رأيت إكمالا لترجمة معاليه أن أنوه بهذا العمل الطيب الذى قام به أبناء المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان ولا شك أنهم حققوا بهذا رغبة من أهم رغبات والدهم الكريم كما أنهم ساروا في هذا العمل على النهج الطيب الذى اتسمت به حياته وأعماله جزاهم الله خير الجزاء ووفق الجميع إلى ما فيه الخير .. ويسرنى أن أثبت هنا صورة من المحضر الذى ثم به استلام هذه المكتبة من قبل مندوب الجامعة وهو بتاريخ ١٩/ ٧/ ١٣٩٧ هـ مَحضر استلام وَتسَلّم إنه في يوم الثلاثاء الموافق ١٩/ ٧/ ١٣٩٧ هـ تحرر هذا المحضر بين الأستاذ عبد الحميد فهمي إسماعيل مندوبا عن ورثة المرحوم معالى الشيخ محمد سرور الصبان .. والأستاذ حلمى عيد العزب مندوبا عن جامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة عن سعادة مدير عام المكتبة المركزية للجامعة وذك لتقرير استلام السيد مندوب الجامعة لكافة الكتب المخطوطة والمطبوعة والمصورة وغيرها والتى قام

стр. 223

بجمعها الغفور له طيب الذكر معالى الشيخ محمد سرور الصبان وكانت بمكتبة معاليه بأم الدرج بمكة المكرمة وأهداها المكرمون ورثة معاليه للجامعة محقيقا للنفع العام لطلبة وأساتذة الجامعة والناطقين بالضاد بما احتوت عليه في شتى العلوم والمعارف، وهي تراث من أمجاد العرب لتحفظه الأجيال عبر السنين. وقام السيد مندوب ورثة المغفور له معالى الشيخ بتسليم تلك المجموعة من الكتب طبقا للكشوف التي أعدت ووقعت للسيد مندوب الجامعة تنفيذا للإهداء بادئ الإشارة إليه. وبيان تلك المجموعات والكتب حسب الكشوف مع ملاحظة أن الكتب مرقمة على أساس العناوين وبعض العناوين يشمل أكثر من نسخة طبقا لما هو مقيد بالكشوف وبيانها كالآتى: ١ - دوائر المعارف من ١ إلى ٢ ٢ - القرآن وعلومه من ١ إلى ١٩٢ ٣ - الحديث وعلومه من ١ إلى ٢٤٦ ٤ - الفقه وأصوله من ١ إلى ٦٢٣ ٥ - الإسلاميات من ١ إلى ٨٠٦ ٦ - اللغة العربية من ١ إلى ٢٣٢ ٧ - الأدب من ١ إلى ٦٠٦ ٨ - التاريخ والتراجم من ١ إلى ٨٥١ ٩ - التفرقات من ١ إلى ١٢٢٥ ١٠ - مجموعة كتب الرابطة من ١ إلى ٢٧ ١١ - المخطوطات من ١ إلى ٢٠٣

стр. 224

١٢ - المصورات من ١ إلى ١١ ١٣ - كتب قديمة مطبوعة من ١ إلى ١١ ١٤ - الدوريات من رقم ١ إلى ١٤١ وبعد مراجعة الكشوف مع مصادرها بمعرفة مندوب المكرمين ورثة معالى الشيخ قد نقلت تلك الجموعات والكتب بواسطة السيد مندوب الجامعة ومعاونيه إلى مقر الجامعة بمكة المكرمة على أن يتم إعادة فرزها وختمها بخاتم خاص وحفظها بمكتبة الجامعة.

стр. 225

أعلامُ الحِجَاز في القرن الرابع عشر للهجرة

стр. 226

الشيخ محمد صالح أبو زنادة

стр. 227

الشَّيخ محَمَّد صَالح أبُو زنَادَة متوسط القامة ممتلئ الجسم واسع العينين تشوب بياضه حمرة خفيفة يطلق لحيته وعارضيه، كان يرتدى الجبة والعمامة الحجازية في العهد الهاشمى وأوائل العهد السعودى ثم أصبح يرتدى العباءة العربية والغترة البيضاء دون عقال. ولد الشيخ محمد صالح أبو زنادة بمدينة جدة عام ١٣١٤ هـ وتلقى تعليمه في مكتب صادق ومكتب صادق هذا يعتبر هو أول تطوير في الدراسة من الكتاب إلى المدرسة النظامية وفيه تعلم الشيخ محمد سرور الصبان وكثير من رجالات جدة الذين ولدوا في الربع الأول من القرن الرابع عشر، وفى مطلع شبابه عمل كاتبا للحسابات في بيت آل عاشور التجارى وهذا البيت كان في عهده من أجمل بيوت جدة ولا يزال من أجمل وأفخم البيوت القديمة في جدة وهو في امتداد شارع قابل بجوار مسجد المعمار وقد بناه آل الصبان في أوائل القرن الثالث عشر وهو قريب من قصر نصيف الشهور بجدة ولعله بنى تقليدا لهذا القصر أو محاولة لتقليده في ذلك الزمان والقصر الآخر الذى يشبه قصر نصيف هو قصر آل الجوخدار في حارة اليمن بناه الشيخ محمد نور جوخدار رئيس وكلاء مشايخ الجاوه في جدة نقول إن منزل آل عاشور هذا آل إليهم بالشراء من آل الصبان وكان آل

стр. 228

الصبان من أكبر تجار الجلود في مكة وجدة وقد أدركتهم وهم مجمعون جلود الذبائح ويدبغونها دباغة ابتدائية ثم يصدرونها للبيع في أسواق عدن، وكان لهم بيت كبير في مكة وآخر في القنفذة وكان الحاج سرور الصبان والد معالى الشيخ محمد سرور الصبان ﵏ يدير بيتهم التجارى في القنفذة ثم في جدة وحينما باع ابن الصبان الكبير هذا المنزل في جدة استعاده الحاج سرور لملكية أبناء الصبان ولكنهم باعوه مرة أخرى إلى آل عاشور وهذا البيت لا يزال موجودا وقد باعه ورثة عاشور إلى أحد قدماء التجار الهنود في جدة ولا يزال البيت يعتبر من أجمل البيوت التي تمثل فن البناء القديم محتفظا بجماله وهندسته وقوته كأجمل ما يكون عليه البناء مع أنه مضى عليه ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن أو أكثر، نعود بعد هذا الاستطراد إلى الشيخ محمد صالح أبو زنادة لنقول أنه عمل في مطلع حياته كاتبا في بيت آل عاشور التجارى ثم انتقل للعمل في بيت الشيخ إبراهيم الفضل في جدة ثم انتدب للعمل في مدينة بومباى وكان للشيخ إبراهيم الفضل بيت نجارى كبير في جدة وآخر في مدينة بومباى وكان أحد كبار التجار العرب في الهند، وكان يعمل في نجارة اللؤلؤ كما علمت من ابن شقيقته وزوج ابنته المرحوم الشيخ إبراهيم السليمان بن عقيل السفير السعودى الأسبق في القاهرة، ثم عاد إلى جدة بعد ذلك مع بداية تأسيس أول شركة للسيارات في العهد السعودى فعين مديرا لها بجدة وكان الشيخ محمد صالح قد افتتح كذاك عمله التجارى الخاص إلى جانب عمله في إدارة الشركة السعودية للسيارات وكان يعمل في استيراد الأرزاق كالدخن والشعير من موانئ جيزان والقنفذة وموانئ اليمن الأخرى، ولم تستمر الشركة السعودية للسيارات وقتا طويلا بعد تعرضها للمشاكل الكثيرة فانحلت ولكن الشيخ محمد صالح أبو زنادة أنشأ لنفسه شركة خاصة للسيارات وأطلق عليها اسم شركة (قاصد كريم) ثم أصبح عضوا في نقابة السيارات الأولى

стр. 229

بجدة حين تأليفها وحين توحيد شركات السيارات جميعها في شركة واحدة اختير الشيخ محمد صالح أبو زنادة مديرا لفرع الشركة الموحدة في جدة والتى أطلق عليها اسم (الشركة العربية للسيارات) كما انتخب عضوا بمجلس إدارة الشركة لسنوات طويلة ولعله من الستحسن أن نذكر الآن طرفا من تاريخ دخول السيارات إلى البلاد والمشاكل الكثيرة التي تعرض لها كثير من المشتغلين بها وكيف تطور الأمر إلى الوضع الحاضر. لقد ذكرنا في حلقات سابقة أن السيارات كانت ممنوعة منعا باتا في العهد الهاشمى إذ أن الملك الشريف الحسين بن على كان يعتبر أن هذه السيارات تهدد اقتصاد البلاد وتنزح ثروتها إلى الخارج على اعتبار أن السيارات صناعة أجنبية وتحتاج في تشغيلها من وقود وصيانة إلى مستوردات أجنبية كقطع الغيار والبنزين والزيوت والإطارات وما إليها كما أنها ستحتاج في قيادتها وصيانتها إلى القوى البشرية الأجنبية ولهذا فهو يعتبر أن الجمل هو الوسيلة الاقتصادية المثلى للبلاد في ذلك الزمان فهو حيوان وطنى والجمال الذى يقوده وطنى كذلك وصناعة الشقادف (الهوادج) التي كانت تنقلها الجمال صناعة وطنية تعمل فيها أيد وطنية كثيرة وهو يضمن للبادية وهي تمثل السواد الأعظم من الشعب وسيلة ارتزاق يجب إلا تحرم منها، هذه هي الأفكار التي كانت لدى الشريف الحسين والتى بسببها منعت السيارات من دخول البلاد فلما انتهى العهد الهاشمى كان رأى جلالة الملك عبد العزيز هو الأخذ بمبدأ التطور ومسايرة العصر خصوصا وأن الملكة واسعة الرقعة كبيرة المساحات وهذا هو التفكير الصحيح بطبيعة الحال فسمحت الحكومة باستيراد السيارات وأسست لذلك الشركة السعودية للسيارات كما ذكرنا برئاسة الشيخ سلمان قابل في جدة كما قامت الحكومه بتأسيس عدة شركات باسمها لأغراض النقل الحكومى ثم ساهمت في نقل الحجاج كذاك، وانطلق

стр. 230

الناس من كل حدب وصوب يشترون السيارات وكان محل جلاتلى هنكى وشركاه الإنجليزي في جدة يجمع كل وكالات السيارات تقريبا باستثناء الفورد فقد كان وكيلا لشركة جنرال موتورز لسياراتها المختلفة كما كان وكيلا لشركة دودج وهي من إنتاج شركة كريزلر أما شركة فورد فقد كان وكيلها المستشرق الإنجليزي المسلم سانت جون فيلبى والذى سمى نفسه فما بعد عبد الله فيلبى وبعد فترة من الزمن أصدر جلالة الملك عبد العزيز ﵀ أمرا باختصار دخول السيارات على شركة فورد والكفرات على ماركة قوديير التي كان وكيلها فيلبى المذكور والتى أسس لها شركة تجارية باسم الشركة الشرقية ويبدو أن جلالته رأى السيارات الأخرى ولا وكلاء رسميون لها يعانى مشتروها من نقص قطع الغيار وأقنعه عبد الله فيلبى بقصر الاستيراد على شركة فورد المهم أن هذا الامتياز بقى لشركة فورد ولكفرات قوديير بضع سنوات إلى أن طلب المسؤولون في الشركة العربية للسيارات إلغاءه محتجين باستغلال الشركة الشرقية لهذا الامتياز فوافق جلالته على ذلك في الحال وأصبح الاستيراد مسموحا به لجميع أنواع السيارات والإطارات بلا استثناء. أن إقبال الناس على شراء السيارات دون سابق خبرة بإدارتها وصيانتها قد حدثت عنه مشاكل من عدة جهات الأولى هي استقدام إعداد كبيرة من السائقين والميكانيكيين من مهندسين وسائقين وعمال صيانة من السودان والهند وعدن وكانت تصرف لهم المرتبات الضخمة بطبيعة الحال لأنهم تركوا أوطانهم وأهليهم فكان لابد من تقديم الإغراءات الكبيرة لهم، وكانت هذه السيارات محتاجة إلى قطع الغيار التي لم تكن متوفرة في البداية بالشكل الكامل، كما أن البلاد لم تكن قد عرفت الطرق المزفتة أو المعبدة فكانت السيارة الجيدة تقطع طريق مكة جدة في ساعتين وكثيرا ما تتعرض للتعطيل في الرمال المتحركة في

стр. 231

منطقة الحديبية وكانت تسمى في ذلك الزمان - زقاق حدة - حيث كانت السيارات تغرز في هذه المنطقة وهي منطقة رمال متحركة ويقضى السائق والمسافرون ساعات في إخراجها من الرمال ودفعها إلى منطقة صلبة، أما طريق المدينة المنورة فكانت السيارة الجيدة تقطعه في يومين كاملين إذا لم تتعطل في الشفيا وآبار ابن حصانى أو سبخة رابغ ولكن الأجور التي كانت مقررة على الحجاج كانت مغرية إذ كانت الأجرة تبلغ خمسة عشر جنيها ذهبا لنقل الحاج إلى المدينة المنورة وإعادته إلى مكة وكان المطوفون يتولون التعاقد مع أصحاب السيارات سواء أكانوا أفرادا أم شركات ولكثرة التنافس بين أصحاب السيارات انخفضت الأجرة أو تأجل استلامها إلى ما بعد الموسم وقد لا تدفع كلها أو بعضها فيما بعد فأصبحت العملية خاسرة تماما وفقد كثير ممن أقدموا على هذا العمل ثرواتهم والبعض باع عقاره أو مجوهرات عائلته ليضعها في السيارات، وحيما تفاقم الأمر اضطرت الحكومة للتدخل فأسست النقابة العامة الأولى للسيارات وجرى تحديد الأجور بمعرفة الدولة كما أن نظام النقابة كان بنص على أن تكون شركة السيارات مكونة من عشرين سيارة كبيرة كحد أدنى وأن يتم دفع الأجور في النقابة التي تتولى هي إحالة الحجاج على الشركات حسب تعداد مقاعد كل شركة وكانت هذه البداية هي أول عمل تنظيمى جيد لشركات السيارات وكان هذا في النصف الثانى من الأربعينات وأوائل الخمسينات ثم رأت الدولة أن المصلحة تقضى بتوحيد الشركات جميعها في شركة واحدة فتم ذلك بعد جهود مضنية وتألفت الشركة العربية للسيارات وأصبحت صاحبة إمتياز النقل للحجاج والبريد لسنوات طويلة وحينما تعرضت الشركة للمتاعب وعجزت عن نقل الحجاج مما اضطر الحكومة إلى التدخل سنويا لإنقاذ الحجاج في عرفات ومزدلفة ومنى أصدرت الدولة في عام ١٣٧٢ هـ قرارا بالسماح للسعوديين أفرادا

стр. 232

وشركات بالاشتراك في نقل المحجاج وحددت العدد الأدنى للشركة بمائة سيارة كحد أدنى وعلى أثر ذلك تأسست الشركات الحالية للسيارات ولا تزال تقوم بعملها في نقل الحجاج حتى الآن. مُستشفى أبُو زنَاده نعود بعد هذا الاستطراد إلى الشيخ محمد صالح أبو زناده فنقول أن للرجل مبادرات تلفت النظر فلقد كان من أوائل الذين قاموا بتأسيس الستشفيات بمدينة جدة وإن كان هذا المستشفى لم يستمر طويل وقت فلقد قام الشيخ محمد صالح ابوزناده في عام ١٣٧٠ هـ بتأسيس مستشفى خاص في شارع الملك عبد العزيز مما يلى باب شريف وكان قد قام بإنشاء بنايات في هذا الشارع وتم افتتاح المستشفى بالفعل وكان يديره أطباء ألمان ولكن هذا المستشفى كما ذكرت لم يستمر طويل وقت بسب اختلاف الشيخ محمد صالح أبوزنادة مع بعض شركائه على إدارة الستشفى فتحول إلى فندق بعد أن استمر أربعة اعوام وافتتح فيه أول فندق باسم فندق الحرمين الذى أسسه السيد حسين العطاس ولا يزال هذا المبنى مستعملا كفندق بهذا الاسم حتى اليوم هو والمبنى الصغير الجاور له. كهربَاء وَثلج أبوزنادة وكما قام الشيخ محمد صالح ابوزناده بإنشاء المستشفى في عام ١٣٧٠ هـ قام في عام ١٣٦٠ هـ باستيراد مكينة كهربائية وأسس لها مبنى في شارع الملك عبد العزيز بجوار بنك الرياض حاليا وكانت هذه المكينة تمد الشارع كله

стр. 233

بالكهرباء ثم امتدت إلى شوارع أخرى، كما أنه أسس في هذا المبنى مصنعا للثلج وورشة كهربائية وكان الشيخ محمد صالح ابوزناده ينفذ هذه المشاريع بأيدى الايطاليين الذين هاجروا من أريتريا خلال الحرب العالمية الثانية إلى جدة واتصلت أسبابهم بأسبابه فاستفاد الرجل بفكره الثاقب من خبرتهم في تنفيذ الأعمال الجديدة التي أقدم عليها وقد استمرت كهرباء أبوزنادة في العمل إلى أن تأسست كهرباء جدة وحصلت على امتياز الإنارة في مدينة جدة كلها فاضطر الشيخ محمد صالح أبوزنادة إلى إيقاف العمل في الإنارة ويبدو أنه كذلك أوقف العمل في مصنع الثلج والورشة الكهربائية بعد ذلك، على أى حال أن إقامة مشروع للكهرباء ولو كان صغيرا يعتبر في ذلك الزمن مبادرة لها مدلولها فالبلد كانت محرومة من الإنارة الكهربائية وكان الإِقدام على مشروع كهذا له معوقاته الكثيرة وفى مقدمتها المعوقات الفنية أن صح هذا التعبير وكذلك المعوقات المالية فالتجار العاديون يرغبون في استثمار أموالهم في بضائع يقومون هم بتوريدها وبيعها، ويتركون المشاريع الصناعية كالإنارة وما شابهها للدولة أو للشركات التي تؤلفها الدولة وهكذا كان بالفعل فبالنسبة لكهرباء جدة فإن وزير المالية الشيخ عبد الله السليمان كلف شركة بكتل الامريكية بالقيام بالمشروع الابتدائى لكهرباء جدة ثم تحول إلى شركة مساهمة وتسلمه مجلس إدارة سعودى وبالنسبة لكهرباء مكة فحينما تقدم آل الجفالى إلى جلالة الملك عبد العزيز بطلب الامتياز للمشروع كان جلالته يشفق عليهم من تبعاته ومشاكله ولكنهم أقدموا عليه بحماس الشباب فكان لهم ما أرادوا .. أن الغرض من ذكر هذا كله أن الإقدام على مثل هذه الأعمال قبل أربعين عاما أو أكثر كان يدخل في باب المجازفات

стр. 234

أكثر منه في باب الأعمال المربحة، والشيخ محمد صالح ابوزناده أفاد من الربح فيما أقدم عليه من مشروع الإنارة وفى غيره من المشروعات دون شك ولكنه كان في زمنه كالرائد الذى يكتشف الطريق وهذه البادرات وأمثالها هي عندى موضع التقدير لأنها تدل على الشجاعة وبعد النظر وكان عمل الشيخ محمد صالح أبو زنادة وأمثاله يكون كاملا لو أنه حول مشروعه الصغير إلى مشروع كبير بعد أن رأى كثرة الإقبال عليه وبوادر النجاح تلوح أمامه فلو أنه استعان بالجهات الفنية المتخصصة في الخارج وألف شركة للإِنارة وتقدم بها إلى الدولة في ذلك الزمن لكان السابق ولبقيت له كهرباء جدة كما فعل آل الجفالى وقد أصبحوا عنصرا هاما في أغلب شركات الكهرباء التي تأسست بعد ذلك. صُندُوق البر وللشيخ محمد صالح أبو زناده مساهمات أخرى في سبيل المصلحة العامة فحين تأسيس صندوق البر في جدة عام ٨٣ هـ كان الشيخ محمد صالح ابوزناده من المؤسسين له وقد تولى رئاسته العملية منذ تأسيسه حتى وفاته وصندوق البر فكرة إنسانية جليلة وهي تقوم على دعوة القادرين للاشتراك في هذا الصندوق بمبالغ سنوية أو شهرية يتم توزيعها على العائلات الكريمة التي فقدت عائلها وأصبحت في حاجة إلى ما يقيم الأود وهم في نفس الوقت من كرام الناس الذين تحسبهم أغنياء من التعفف فيقوم الصندوق بإيصال مرتبات شهرية إليهم ولا يزال صندوق البر يعمل مند بدء تأسيسه حتى الآن وقد علمت أن عدد المستفيدين منه يبلغ خمسمائة وخمسين أسرة وفردًا وأن المبالغ التي تدفع لهؤلا، المستفيدين تبلغ حوالى الثلاثمائة وستين ألف ريال في كل عام وهو مبلغ زهيد في هذا الوقت الذى اشتد فيه الغلاء وفاض فيه المال فهو بحاجة إلى دعم القادرين من زكاة أموالهم

стр. 235

لتنفق في وجوهها الصحيحة بواسطة رجال خير بن موثوق بأمانتهم وعلمهم بأمور الناس. أبو زنَادة مَندُوب جَدّة أخبرنى الأستاذ عبد الرؤوف أبو زنادة أن والده الشيخ محمد صالح توجه لمقابلة الملك عبد العزيز في مكة قبيل تسليم مدينة جدة وقال لى أن الرجل الذى رافق والده في هذه الرحلة لا يزال حيا يرزق، وبالفعل فقد بعث إلى الرافق المذكور وبعد أن استمعت منه إلى قصة هذه الرحلة رجعت إلى كتاب ماضى الحجاز وحاضره للمرحوم الأستاذ حسين محمد نصيف فوجدت في الصفحة ٢٠٢، ٢٠٣ ما أورده المؤلف عن تسليم جدة أنه تم بواسطة نائب معتمد وقنصل بربطانيا العظمى المستر جوردن بناء على طلب الملك الشريف على بن الحسين، ووجدت في هامش الصفحة ما نصه "سمع البعض من الأهالى عن وساطة القنصل الإنجليزي في الأمر فأبوْا ذلك وذهبو الدار الملك على واحتجوا وطلبوا أن يسلمهم البلاد وهم يسلمونها لابن السعود ولا دخل ولا وساطة لأجنبى في بلادنا فوعدهم وأخلف - انتهى ما نقلناه - من كتاب ماضى الحجاز وحاضره وقد استنتجت من ذلك أن أهالى جدة حينما علموا بأمر الاتفاق على التسليم لم يعجبهم أن يتم التسليم بوساطة القنصل الإنجليزي فاختاروا إرسال الشيخ محمد صالح ابوزناده لمقابلة الملك عبد العزيز في مكة ويعود هذا الاختيار أولا إلى ما يتمتع به الرجل من إتزان وتعقل وثانيا إلى أنه كان وكيل محل الشيخ إبراهيم الفضل التجارى في جدة وصلته بآل الفضل قديمة كما ورد في مقدمة ترجمته وقد التحق آل الفضل بالملك عبد العزيز في مكة من حين فتح الملك عبد العزيز لها

стр. 236

وباعتبارهم من كبار النجديين المقيمين في الحجاز والمطلعين على الأمور فيها فقد كانت صلتهم بالملك عبد العزيز قوية في ذلك الزمان هذه هي الأسباب التي رجحت اختيار الشيخ محمد صالح أبو زنادة لهذه الممة ونعود الآن إلى حديث المرافق لهذه الرحلة قال: غادرنا جدة في لباس الإحرام الشيخ محمد صالح ابوزناده وأنا ويرافقنا سائس يعتنى بدوابنا وكانت هذه الدواب من الحمير الجيدة التي كانت وسيلة السفر إلى مكة في ذلك العهد قال: حينما وصلنا إلى بوابة الأسلاك الشائكة فتحت لنا الأبواب مما يدل على أن الأمر قد أعطى لحراس البوابة بذلك قال: وانطلقت بنا الدَّوابُّ إلى الرغامة ولم نشعر إلا ببعض البدو من الجنود النجديين وقد هَبُّوا شاهرين أسلحتهم فقال لهم الشيخ محمد صالح أننا إخوة لكم ونرغب في مقابلة أمير المعسكر لأننا نحمل رسالة للسلطان فاقتادونا إلى أمير العسكر على بعد بضع كيلومترات وتحدّث معه الشيخ محمد صالح عن مهمته فأرسل أمير المعسكر مندوبا إلى جهة بعيدة وبعد ساعتين أو أكثر عاد المندوب واصطحبنا إلى بحرة ثم تركونا نتوجه إلى مكة المكرمة، ووصلنا إليها ضحى اليوم التالى، وذهبنا إلى بيت الفضل وبعد أن استرحنا وأديْنا مناسك العمرة ذهب الشيخ محمد صالح أبو زناده لمقابلة السلطان عبد العزيز في قصر السقاف بالمعابدة قال المرافق وقضينا في مكة يومين أو ثلاثة وبعدها حضر سائق سيارة الملك عبد العزيز صدِّيق الهندى وطلب من الشيخ محمد صالح أن يذهب معه إلى الرغامة لمقابلة الملك عبد العزيز قال وذهب الشيخ محمد صالح بسيارة الملك وذهبت أنا والسائس والدواب إلى الرغامة للقاء الشيخ محمد صالح هناك قال المرافق: وفى اليوم التالى حضر أهالى جدة للسلام على السلطان عبد العزيز وكان الشيخ محمد صالح أبوزناده يقدمهم لجلالته ويذكر أسماءهم وسأل السلطان

стр. 237

عبد العزيز عن محمد الطويل لماذا لم يحضر مع الحاضرين وكان المرحوم الشيخ محمد الطويل من أركان الحكومة الهاشمية وممن وقفوا إلى جانب الشريف على وضحُّوا بأموالهم حتى أنه باع المنزل الذى كان يسكنه ودفع مرتبات الجنود الذين اعتصموا بمسجد عكاش وكان السلطان عبد العزيز معجبا بإخلاص الرجل ويرغب أن يراه قال: فقيل للملك عبد العزيز أن الطويل يرغب الحضور للسلام على جلالتكم ولكنه يطلب الأمان على نفسه أولًا وهنا قال الملك عبد العزيز والله لو حضر الشريف على نفسه لأنزلته بين عينى وبعدها قدم الطويل للسلام على السلطان فأحسن وفادته واستقباله. هذا ما استطعت استنتاجه عن هذه الوفادة فقد رأى أهلُ الحلِّ والعَقْد بمدينة جدة أن يبعثوا واحدا منهم للسلطان عبد العزيز لينقل إليه آراءهم بعد أن ثم تسليم المدينة دون اشراكهم خاصة وأن الاتفاق ثم بواسطة القنصل الإنجليزي وهو أجنبى عن الجانبين وأنى لأرجو أن يكون من بين الرجال الذين عاصروا هذه الأحداث ولا يزالون على قيد الحياة من يستطيع إلقاء الضوء على هذه الأمور التي أصبحت في ذمة التاريخ. رئاسة المجلس البَلدي وَالمجلِس الإداري هذا وقد كانت للشيخ محمد صالح أبوزنادة مشاركة في الحياة العامة فقد كان عضوا بالمجلس الإداري لمدينة جدة كما تولى رئاسة المجلس البلدى فترة طويلة وفى وقت من الأوقات تولى رئاسة بلدية جدة وكالة عن الشيخ محمد الهزازى ثم أصالة إلى حين تعيين رئيس جديد.

стр. 238

وفَاته أدى الشيخ محمد صالح أبوزناده صلاة الفجر في المسجد الذى وفقه الله تعالى لإنشائه بجوار منزله بالشرفية كعادته في المحافظة على أداء الصلوات كلها جماعة وبعد أن عاد إلى داره وأوى إلى فراشه يلتمس بعض الراحة فاجأته المنية صباح يوم ١٧/ ٣/ ١٣٨٧ هـ وقد طلب أحبابه الكثيرون نقل الجثمان إلى مسجد عكاش حيث كان يؤم الناس في كثير من الصلوات واشترك في الصلاة عليه وتشييعه إلى مثواه الأخير الجموع الكثيرة من المواطنين رحمه الله تعالى وأحسن جزاءه ..

стр. 239

أعلامُ الحِجَاز في القرن الرابع عشر للهجرة

стр. 240

الشيخ محمد صالح جمجوم

стр. 241

الشَّيخ مُحَمَّد صَالح جمجوم طويل القامة مملوؤها بيضاوى الوجه أشقر تخالط بياضة حمرة، أشهب اللحية خفيفها، وهبه الله بسطة في الجسم وسماحة في الطبع وقوة في العقيدة والخلق كما وهبه بسطة في المال ومحبة في البذل، كريم في تواضع، عظيم في بساطة أحب الناس وأحبه الناس، فكان زعيما أبويا محبوبا من الجميع. ذلكم هو المرحوم الشيخ محمد صالح عبد العزيز جمجوم عميد آل جمجوم في عصره وأحد أعلام مدينة جدة بل أحد أعلام المملكة في منطقة الحجاز. ولد الشيخ محمد صالح جمجوم في أوائل القرن الرابع عشر الهجرى عام ١٣٠٣ هـ وتوفى بمدينة حرج بولاية ميسور بالهند في ١١ جمادى الأولى من عام ١٣٦٣ هـ بعد أن ذهب إليها مستشفيا من المرض الذى ألم به بصحبة ابن أخيه رجل الأعمال المعروف الشيخ محمد نور صلاح بهجوم وقد بلغ من العمر ستين عاما قضى معظمها عاملا في سبيل الخير والنفع العام فلقد كان من الرجال القلائل الذين عاونوا المرحوم الحاج محمد على زينل رضا في تأسيس مدارس الفلاح والإِشراف عليها طيلة حياته، فلقد كان هو وأخوه المرحوم الشيخ عبد الرؤوف المتوفى عام ١٣٣٨ هـ يتوليان القيام على شؤون هذه المدارس كوكلاء مفوضين من قبل مؤسسها الحاج محمد على زينل والذى كان يقضى أيامه

стр. 242

كلها في الهند وأوربا، ولقد عرفت الشيخ محمد صالح جمجوم وكيلا لمدارس الفلاح بعد وفاة أخيه الشيخ عبد الرؤوف وأنا تلميذ صغير بها وكان يحضر إلى المدرسة في كثير من الأوقات ويلجأ إليه مديرها وأساتذتها بل وطلابها في كل ما يعرض لهم من أمور، وإذا عرفنا المهام التي كان يتولاها الشيخ محمد صالح جمجوم إلى جانب وكالته للفلاح أدركنا بعض جوانب العظمة فيه فلقد كان عميد بيت الجمجوم التجارى وهو من أبرز البيوتات التجارية في جدة آنذاك، كان له فرع في الهند يتولاه أخوه الشيخ محمد عبد العزيز جمجوم، وكالت الهند آنذاك هي مصدر التجارة للجزيرة العربية كلها، وكان إلى جانب هذا وذاك مديرا لأوقاف جدة وهو منصب شرفى أسنده إليه جلالة المرحوم الملك عبد العزيز طيب الله ثراه، وكان إلى جانب كل هذا من زعماء البلاد المحبوبين فلقد تطوع من تلقاء نفسه بتيسير العمل لكل راغب فيه وذاك بتقديم كفالته الشخصية للدوائر الحكومية للرجال والشبان الذين تتطلب وظائفهم كفالة مالية لدى الدوائر الحكومية كأمناء الخزانة والمستودعات وغيرهم ممن يشترط توفر الكفالة المالية في قبولهم للوظائف، بل تعدت هذه الكفالة الوظائف فأصبحت مبذولة لكل من يطلبها دون تمييز وكثيرا ما قام بكفالة المسجونين لإِطلاقهم من السجون وكذلك المسافرين سواء عرفهم أو لم يعرفهم، وقد رأيت الرجل كما رآه غيرى من معاصريه يوقع الكفالات وهو يسير في الشارع دون أن ينظر إليها أو يعرف أصحابها وأسبابها فكان كل من يلجأ إليه يجد طلبته دون تردد أو امتعاض، فلقد كان رجلا كبير القلب يسع الناس جميعا بمحبته وعونه ولقد جنت عليه هذه الطيبة فيما بعد إذ أخل بها بعض المكفولين في مبلغ ضخم في ذلك الوقت وألزم المرحوم الشيخ محمد صالح جمجوم بدفعه ولم يكن قادرا على ذلك فخير بين الدفع أو السجن ولما لم يكن قادرا على الدفع فقد قبل راضيا بالسجن الذى تم في غرفة خاصة بإدارة شرطة

стр. 243

جدة ولم يلبث هذا السجن أن تحول إلى مجمع شعبى كبير فقد تقاطر الناس صباح مساء لزيارة الشيخ محمد صالح في غرفته تلك معبرين عن تعاطفهم معه وحنقهم على من تسبب له في هذا الأذى وما هي إلا أيام قلائل أذن الله فيها بالفرج إذ أمر جلالة المغفور له الملك عبد العزيز بإعفائه من الغرامة وغادر الشيخ محمد صالح مكانه ذاك عائدا إلى منزله بين تكريم كل الناس ومحبتهم وابتهاجهم وهكذا عرف الشيخ محمد صالح مكانه في القلوب ولم يكن هذا المكان بالمجهول أو المنكور. والمتتبع لتاريخ حياة هذا الرجل العظيم يجدها تشير في جميع أطوارها إلى حب الخير للناس ومساعدتهم وبذل العون لهم، ولقد قلنا في مقدمة هذا البحث أن الشيخ محمد صالح وأخاه الشيخ عبد الرؤوف كانا من الرجال القلائل الذين عاونوا الحاج محمد على زينل مؤسس الفلاح حين تأسيسه لمدرسة الفلاح بجدة وقد سبق لى أن تحدثت وكتبت عن الحاج محمد على زينل يرحمه الله أنه حينما فكر في تأسيس مدرسة الفلاح بجدة لم يكن قد حصل على ترخيص حكومى بافتتاح المدرسة وكان هذا في العهد العثمانى في عام ١٣٢٣ هجرية فلجأ هو وأصدقاؤه إلى أخذ التلاميذ من بيوت آبائهم في جنح الظلام ثم أعادتهم إلى بيوتهم بعد انتهاء الدرس، وأقول الآن أن من هؤلاء الأصدقاء الذين كانوا يقومون بهذا العمل النبيل الشيخ محمد صالح جمجوم وأخوه الشيخ عبد الرؤوف، وإذا علمنا أن الحاج محمد على زينل أسس مدارس الفلاح عام ١٣٢٣ هـ وكان من مواليد ١٣٠١ هـ أدركنا أنه كان وصحبه في أوائل العقد الثالث من أعمارهم أي بين العشرين والثانية والعشرين من العمر وهي سن باكرة جدا لا يقوم فيها بمثل هذا العمل العظيم إلا أولئك الرجال الذين وهبهم الله الغيرة على دينهم وأمتهم وهيأهم للقيام بالعظائم من الأمور وبعد الحصول على الترخيص الرسمى بافتتاح

стр. 244

المدرسة وتوسع التعليم فيها غادر الحاج محمد على زينل الحجاز إلى الهند معتمدا على كل من الشيخ عبد الرؤوف وأخيه الشيخ محمد صالح جمجوم في الإشراف عليها وبعد وفاه الشيخ عبد الرؤوف جمجوم في عام ١٣٣٨ هـ انفرد محمد صالح جمجوم بإدارة شؤون المدرسة إلى أن توفاه الله تعالى عام ١٣٦٣ هـ ولقد كان طوال هاتيك السنين يهب هذا العمل الكثير من وقته وجهده رغم مشاغله العظيمة في ذلك الزمان. أُسْرَة آل الجَمْجُوم والحديث عن الشيخ محمد صالح جمجوم يقتضى الحديث عن أسرة آل الجمجوم التي كان الشيخ محمد صالح عميدها وهي من أكرم العائلات في مدينة جدة ومن أكبرها عددا أن لم تكن أكبرها عددا على الإطلاق وحينما كانت الأسرة مجتمعة في مكان واحد في الخمسينات من هذا القرن الهجرى وفى عهد عميدها الشيخ محمد صالح كان تعدادها يزيد على المائة شخص وكانت أسرة كريمة مضيافة تسير في حياتها اليومية على النمط الذى كان متبعا في ذاك الحين فكان رجال الأسرة وشبابها مجتمعون على مائدة واحدة لتناول طعام الغداء، كما كان نساء الأسرة وضيوفهن يجتمعن على مائدة واحدة لهذا الغرض، وكان معروفا أن جوالا ضخما من الدقيق يرسل يوميا إلى الفران ليصنع منه الخبز الذى يكفى هذا العدد الضخم كما أن خروفا كبيرا واكثر مع كميات ضخمة من الخضار تشترى يوميا من الحلقة لصنع طعام غداء الأسرة أما العشاء والإفطار فكان أعضاء الأسرة يتناولونه في الأماكن المخصصة لهم من هذا البيت الكبير. وكان إخواننا الشناقطة - الذين أصبحوا الآن موريتانيين - ضيوفا دائمين على آل الجمجوم حينما يفدون من الخارج لأداء فريضة الحج أو العودة منها أو حينما

стр. 245

يمرون بمدينة جدة في طريقهم إلى مكة أو المدينة وما أكثر الشناقطة المهاجرين بها، وما أكثر ما يفدون لأداء العمرة في رمضان أو لأداء فريضة الحج وكانوا يفدون بنسائهم وأطفالهم، أما النساء فتستقبلهن نساء الأسرة وأما الرجال فقد خصص لهم المكان بل الأمكنة التي ينزلون بها وكانت هذه الضيافة لا تقتصر على المأوى وإنما تشمل الطعام والشراب والكساء بل وقضاء الحوائج على اختلاف هذه الحوائج وأكثرها يقتضى بذل المال وبعضها يقتضى السعى في دوائر الحكومة لإِنجاز الأمور التي تقتضى الإِنجاز وكان الشيخ محمد صالح جمجوم بقلبه الكبير يرعى هؤلاء الوافدين ويتفقد أمورهم ويحقق مطالبهم حتى قيل مرة أن أحدهم تمنى عليه الزواج فحقق له ما طلب وهناك ناحية أخرى شاهدتها فلقد كان الميت يموت ويعجز أهله عن تجهيزه فإذا طلب من الناس العون أشاروا له إلى بيت الجمجوم ولقد سمعت أحدهم، وهو يقول ماذا تطلب منى؟ هل هنا بيت الجمجوم؟ كأنما كان بيت الجمجوم بيتا للمال في ذلك الزمان، أخيرا وليس آخرا فإن الشيخ محمد صالح جمجوم كان كما ذكرنا عميد بيت تجارى كبير وكان لهذا البيت التجارى معاملات كثيرة مع الناس وأخذٌ وعطاء وعملاء لهم حسابات مفتوحة وعليهم ديون كثيرة وكان مما عرف عن الشيخ محمد صالح جمجوم أنه كان ييسر على الناس فلا يثقل عليهم بالوفاء ولا يلح، وقد استغل بعض ذوى النفوس الضعيفة هذا الخلق العالى فاستمرأوا المماطلة واستباحوا عدم الوفاء فبقيت بذمتهم المبالغ الطائلة التي تبلغ الألوف المؤلفة من الجنيهات الذهبية وما لبثوا أن جاهروا بالامتناع عن الدفع مستأثرين بما وصل إليهم من هذا المال ليستخدموه في أعمال تجارية خاصة بهم آمنين أن أحدا لا يقاضيهم أو يزعجهم وهكذا كان، فلقد كان الشيخ محمد صالح يرفض كل الرفض فكرة المقاضاة أو الشكوى سواء للعملاء المماطلين أو للمستأجرين الذين يستبيحون السكنى في

стр. 246

عقار آل الجمجوم السنوات الطوال دون أن يدفعوا بدل الإجارة مستغلين طيبة الرجل وحياءه وحسن ظنه بالناس جميعا فلقد كانت هذه الطيبة التي ظنها البعض غفلة هي من أسباب اجتراء المجترئين واستهتارهم وليست هي من الغفلة في شئ وإنما هي النفس الكبيرة تحاول إصلاح النفوس وتقويمها بالصبر والتسامح والإِيثار. رحم الله الشيخ محمد صالح جمجوم فلقد كان نمطا فريدا في العمل للناس بجهده وماله وجاهه طيلة حياته ثم مضى إلى لقاء ربه قبل خمسة وأربعين عاما ولكن ذكراه لا تزال تعمر قلوب عارفيه، فلقد كان مثلا كريما وقدوة حسنة تغمده الله برحمته الواسعة وأحسن جزاءه في دار الخلود.

стр. 247

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

стр. 248

محمد صالح نصيف

стр. 249

مُحَمَّد صَالح نَصيف طويل فارع ممتلئ الجسم في غير إسراف، حنطى اللون، حسن الملامح تزين وجهه لحية كاملة، وقد أدركته في العهد الهاشمى في عهد الشريف الملك على بن الحسين وهو رئيس بلدية جدة وكان يومها يرتدى الجبة والعمامة الحجازية، ثم تحول عنها في العهد السعودى إلى العباءة والعقال، ولد الشيخ محمد صالح نصيف بمدينة جدة في عام ١٣١٠ هجرية وهو من أسرة نصيف الغنية عن التعريف، وفى أوائل العهد السعودى عين عضوا بمجلس الشورى عن مدينة جدة وانتقل بأسرته إلى مكة المكرمة، أن ما لفت نظرى في تاريخ الشيخ محمد صالح نصيف ﵀ أنه كان رائدا من رواد الصحافة في الحجاز وإن لم يكن هو من رجال القلم ولا من أعلام الأدب والكتابة، إلَّا أنه كان من السابقين إلى إصدار الصحف في الحجاز وقد أصدر جريدة بريد الحجاز في عهد الملك الشريف على بن الحسين من عام ١٣٤٣ هـ إلى عام ١٣٤٤ هجرية ثم حصل على امتياز إصدار جريدة صوت الحجاز في صفر ١٣٥٠ هـ في أوائل العهد السعودى وكان قد استورد مطبعة من مصر، كما شارك الأستاذ عبد الفتاح قتلان في تأسيس المكتبة والمطبعة السلفية بمكة المكرمة وكان الغرض منها طبع الكتب التي تعبر عن المذهب السلفى ونشرها في هذه المطبعة وقد تم طبع جريدة صوت

стр. 250

الحجاز بها منذ بدء صدورها، وقد اتفق الشيخ محمد سرور الصبان معه فيما بعد على نقل امتياز جريدة صوت الحجاز إلى الشركة العربية للطبع والنشر والتى كان الشيخ محمد سرور ﵀ مؤسسها ورئيسها وتم كذلك شراء المطبعة التي استوردتها المكتبة السلفية من قبل شركة الطبع والنشر وذلك لطبع جريدة صوت الحجاز بها ولقد أدركت هذه المطبعة في منزل الشيخ محمد صالح نصيف ﵀ في بئر بليلة بأجياد في مكة المكرمة قبل انتقال ملكيتها إلى شركة الطبع والنشر وطبع جريدة صوت الحجاز عليها لسنوات كثيرة وهذه المطبعة أصلًا هي مطبعة المنار وقد باعها المرحوم السيد رشيد رضا إلى أصحاب المطبعة والمكتبة السلفية وهما الشيخ محمد صالح نصيف وعبد الفتاح قتلان وانتقلت من دار المنار بالقاهرة إلى مكة المكرمة لتطبع عليها جريدة صوت الحجاز لسنوات طويلة جدا كما ذكرنا وهي مطبعة قديمة تدار باليد وهي لا تزال موجودة حتى اليوم وإن كنت أشك أنها تستعمل مع وجود المطابع الحديثة المتطورة. أقول أن ما لفت نظرى في سيرة الشيخ محمد صالح نصيف ﵀ هو هذا السبق في تأسيس المطابع وإصدار الصحف وهو ليس من رجال القلم ولا من أعلام الكُتَّاب، ولكنه بعمله هذا هيأ الفرصة الكبيرة للكتاب والأدباء فقام بعمل جليل في نشر المعرفة وتنوير الأذهان. وهو أمر يستحق الإِشادة به والترجمة له، لأنه عمل نافع وعظيم، ولعله من الخير أن نذكر بعض ما علق بالذاكرة من أمر هاتين الصحيفتين اللتين أصدرهما الشيخ محمد صالح نصيف للذكرى والتاريخ. بَريد الحِجَاز أما الصحيفة الأولى فهى جريدة بريد الحجاز التي صدرت عام ١٣٤٢ هـ واستمرت إلى أوائل عام ١٣٤٤ هـ في عهد الملك الشريف علي ابن
следующие страницы →