← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

عقار آل الجمجوم السنوات الطوال دون أن يدفعوا بدل الإجارة مستغلين طيبة الرجل وحياءه وحسن ظنه بالناس جميعا فلقد كانت هذه الطيبة التي ظنها البعض غفلة هي من أسباب اجتراء المجترئين واستهتارهم وليست هي من الغفلة في شئ وإنما هي النفس الكبيرة تحاول إصلاح النفوس وتقويمها بالصبر والتسامح والإِيثار. رحم الله الشيخ محمد صالح جمجوم فلقد كان نمطا فريدا في العمل للناس بجهده وماله وجاهه طيلة حياته ثم مضى إلى لقاء ربه قبل خمسة وأربعين عاما ولكن ذكراه لا تزال تعمر قلوب عارفيه، فلقد كان مثلا كريما وقدوة حسنة تغمده الله برحمته الواسعة وأحسن جزاءه في دار الخلود.

стр. 247

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

стр. 248

محمد صالح نصيف

стр. 249

مُحَمَّد صَالح نَصيف طويل فارع ممتلئ الجسم في غير إسراف، حنطى اللون، حسن الملامح تزين وجهه لحية كاملة، وقد أدركته في العهد الهاشمى في عهد الشريف الملك على بن الحسين وهو رئيس بلدية جدة وكان يومها يرتدى الجبة والعمامة الحجازية، ثم تحول عنها في العهد السعودى إلى العباءة والعقال، ولد الشيخ محمد صالح نصيف بمدينة جدة في عام ١٣١٠ هجرية وهو من أسرة نصيف الغنية عن التعريف، وفى أوائل العهد السعودى عين عضوا بمجلس الشورى عن مدينة جدة وانتقل بأسرته إلى مكة المكرمة، أن ما لفت نظرى في تاريخ الشيخ محمد صالح نصيف ﵀ أنه كان رائدا من رواد الصحافة في الحجاز وإن لم يكن هو من رجال القلم ولا من أعلام الأدب والكتابة، إلَّا أنه كان من السابقين إلى إصدار الصحف في الحجاز وقد أصدر جريدة بريد الحجاز في عهد الملك الشريف على بن الحسين من عام ١٣٤٣ هـ إلى عام ١٣٤٤ هجرية ثم حصل على امتياز إصدار جريدة صوت الحجاز في صفر ١٣٥٠ هـ في أوائل العهد السعودى وكان قد استورد مطبعة من مصر، كما شارك الأستاذ عبد الفتاح قتلان في تأسيس المكتبة والمطبعة السلفية بمكة المكرمة وكان الغرض منها طبع الكتب التي تعبر عن المذهب السلفى ونشرها في هذه المطبعة وقد تم طبع جريدة صوت

стр. 250

الحجاز بها منذ بدء صدورها، وقد اتفق الشيخ محمد سرور الصبان معه فيما بعد على نقل امتياز جريدة صوت الحجاز إلى الشركة العربية للطبع والنشر والتى كان الشيخ محمد سرور ﵀ مؤسسها ورئيسها وتم كذلك شراء المطبعة التي استوردتها المكتبة السلفية من قبل شركة الطبع والنشر وذلك لطبع جريدة صوت الحجاز بها ولقد أدركت هذه المطبعة في منزل الشيخ محمد صالح نصيف ﵀ في بئر بليلة بأجياد في مكة المكرمة قبل انتقال ملكيتها إلى شركة الطبع والنشر وطبع جريدة صوت الحجاز عليها لسنوات كثيرة وهذه المطبعة أصلًا هي مطبعة المنار وقد باعها المرحوم السيد رشيد رضا إلى أصحاب المطبعة والمكتبة السلفية وهما الشيخ محمد صالح نصيف وعبد الفتاح قتلان وانتقلت من دار المنار بالقاهرة إلى مكة المكرمة لتطبع عليها جريدة صوت الحجاز لسنوات طويلة جدا كما ذكرنا وهي مطبعة قديمة تدار باليد وهي لا تزال موجودة حتى اليوم وإن كنت أشك أنها تستعمل مع وجود المطابع الحديثة المتطورة. أقول أن ما لفت نظرى في سيرة الشيخ محمد صالح نصيف ﵀ هو هذا السبق في تأسيس المطابع وإصدار الصحف وهو ليس من رجال القلم ولا من أعلام الكُتَّاب، ولكنه بعمله هذا هيأ الفرصة الكبيرة للكتاب والأدباء فقام بعمل جليل في نشر المعرفة وتنوير الأذهان. وهو أمر يستحق الإِشادة به والترجمة له، لأنه عمل نافع وعظيم، ولعله من الخير أن نذكر بعض ما علق بالذاكرة من أمر هاتين الصحيفتين اللتين أصدرهما الشيخ محمد صالح نصيف للذكرى والتاريخ. بَريد الحِجَاز أما الصحيفة الأولى فهى جريدة بريد الحجاز التي صدرت عام ١٣٤٢ هـ واستمرت إلى أوائل عام ١٣٤٤ هـ في عهد الملك الشريف علي ابن

стр. 251

الحسين ﵀، وكانت هذه الجريدة تعبر عن وجهة نظر العهد الهاشمى في ذلك الحين بطبيعة الحال وتطبع بمطبعة رمزى بجدة وكان أبرز كتابها هو الأستاذ الشيخ محمد حسن عواد شيخ أدباء جدة ولعل الكثيرين لا يعرفون أن أدباء جدة الكبار المعروفين حمزة شحاتة وأحمد قنديل رحمهما الله ومحمود عارف ومحمد على باحيدرة وعباس حلوانى هم تلامذة الأستاذ محمد حسن عواد، كما أن كاتب هذه السطور هو من تلاميذه كذلك وله تلاميذ كثيرون هم من أعلام الرجال في مختلف المجالات، نعم لقد أدركت الأستاذ محمد حسن عواد ﵀ أستاذا من أبرز أساتذة الفلاح في مدينة جدة وكان كلُّ الأساتذة الشعراء الذين ذكرت أسماءهم آنفا وغيرهم من تلاميذه في مدرسة الفلاح وأذكر أنني كنت في الصفوف الأولى من هذه المدرسة الجليلة وكان الأساتذه شحاتة وعارف وقنديل وعباس حلوانى وباحيدرة في الصفوف العليا منها. نقول إن الأستاذ محمد حسن عواد كان أبرز كاتب في جريدة بريد الحجاز في هذا العهد لأنه كان بالفعل أبرز الأدباء في ذلك العهد (١). وقد وجدت عن بريد الحجاز للأستاذ محمد حسن عواد في كتاب ابتسامات الأيام في انتصارات الإِمام ما يستحق الاقتباس وهذا الكتاب هو ديوان يضم قصائد شاعر نجد الكبير الشيخ محمد عبد الله بن بليهد من عام ١٣٣٧ هـ إلى ١٣٧٠ هـ ومعظم قصائد

стр. 252

هذا الديوان في الوقائع التاريخية التي خاضها جلالة المغفور له الملك عبد العزيز وانجاله الكرام جلالة الملك سعود وجلالة الملك فيصل بن عبد العزيز ﵏، والكتاب مهدى إلى صاحب السمو الملكى الأمير عبد الله الفيصل (وكيل نائب جلالة ملك المملكة العربية السعودية) هذه كانت وظيفة سموه الرسمية حين طبع هذا الكتاب أقول جاء في هذا الكتاب في الصفحة ٨٦ عن بريد الحجاز ما نصه: وقلت وأنا في مكة مع الإمام عبد العزيز وقد وردت قصيدة لرجل من أهل جدة يقال له حسن عواد وجعل توقيعه تحت قصيدته الأخطل الأصغر فرددت على ذلك الشاعر وقلت القول اللطيف في الرد على شويعر الشريف، الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده أما بعد فقد ورد في بريد الحجاز الخارج من جدة من بلد الشريف علي بن الحسين قصيدة لمن سمَّى نفسه الأخطل الأصغر فقلت وهذا خليفة الأخطل النصرانى فقال في قصيدته في رجب ١٣٤٣ هـ وهذا مطلع قصيدته على الخفيف. حدثيهم عن بأسنا يا حراب … واذقهم نكالنا يا عذاب وأمطريهم قذائفا يا مناطيد … كأنَّ الدخان منها سحاب إلى أن قال: أيها المصلحون في الشرق مهلا … أين إصلاحكم وأين الصواب؟ إلى آخرها وهي ثمانية وعشرون بيتا فقلت مجيبا له: ما أصبتم وما لديكم صواب … بعد ما نُصَّ في البريد كتاب وانتبهنا لقولكم حين قلتم … حدثيهم عن بأسنا يا حراب أن هرمتم على الحروب فإنا … كلما طالت الحروب شباب

стр. 253

والقصيدة في خمسة وخمسين بيتا ومنها في وصف الأسلاك الشائكة التي كانت تحيط بمدينة جده خلال فترة الحصار. إن ظننتم بأنَّ سلككم اليوم … عن رحى الحرب والمنون حجاب فارقبوها من الكثيب سراعا … طالعات كأنهن الهضاب ومنها في وصف ما كان يعانيه الحجاج من فقدان الأمن: كم أخذتم من الحجيج فلوسا … طالما أزعج الحجيج النهاب عبثت فيهم اللصوص وأمست … عندكم ما على اللصوص عقاب انتهى نص ما نقلناه عن كتاب ابتسامات الأيام. والغرض من هذا النقل هو الإشارة إلى الناحية التاريخية في الموضوع لأن هذا العهد قد انقضى والحمد لله بكل ما كان فيه واستعاضت البلاد عنه أمنًا شاملا ووحدة كاملة ورخاء عظيما، وهكذا نرى أن الشعر السياسى كان وسيلة من وسائل الإِعلام في ذلك العهد وكان يمثله شاعران من أكبر شعراء المملكة أحدهما الأستاذ الشيخ محمد حسن عواد من أكبر شعراء الحجاز مد الله في حياته والثانى الشيخ محمد بن عبد الله بن بليهد من شعراء نجد ومؤرخيها ومن أعلم الناس بالمواقع والآثار في الجزيرة العربية ﵀. ومن البديهى أن نقول إن صحيفة بريد الحجاز إنما كانت صحيفه سياسية صدرت في عهد معين للتعبير عن وجهة نظر معينة ثم انتهت بانتهاء الظرف الذى وجدت من أجله ولكن الشيخ محمد صالح نصيف لم يكتف ببريد الحجاز وإنما أصدر فيما بعد صحيفة صوت الحجاز كما ذكرنا.

стр. 254

صَوْتُ الحِجَاز حينما يكتب تاريخ الأدب والصحافة في هذه البلاد يستطيع المؤرخ أن يربط ولادة الأدب الحديث بظهور المطبوعات التي أصدرها المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان في أوائل العهد السعودى في الأربعينات وهي أدب الحجاز والمعرض وخواطر مصرحة للأستاذ محمد حسن عواد ثم بجريدة صوت الحجاز التي أصدرها الشيخ محمد صالح نصيف عام ١٣٥٠ هـ وإذا كانت المطبوعات التي أصدرها الشيخ محمد سرور الصبان ﵀ والمذكورة آنفا هي إيذان بولادة الأدب الحديث في هذه البلاد فإن ظهور صوت الحجاز واستمرارها لسنوات طويلة وحتى الآن مع تغيير اسمها الذى سنتعرض له فيما بعد، نقول أن ظهور صوت الحجاز هو التعبير المستمر عن نشوء هذا الأدب الوليد ونمائه وانتشاره فلقد كانت صحيفة صوت الحجاز أول صحيفة تصدر في هذه البلاد محررة بأقلام أبنائها، ومما يلفت النظر أن صحيفة صوت الحجاز إنما صدرت بتوجيه من جلالة الملك عبد العزيز ﵀ وقد بعث اليَّ الأستاذ محمد خليل عنانى مدير فرع رابطة العالم الإسلامي بجدة نص الكتاب المرفوع إلى جلالته في هذا الصدد والذى استخلصت منه هذا التوجيه وهذا نصه: (صاحب الجلالة الملك المعظم أيده الله) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في تاريخه أدناه اجتمع الموقعون على هذا تحت إشراف الشيخ عبد العزيز الرشيد للنظر في إصدار جريدة يومية حسب الإِرادة الملكية التي بلغت إلينا بواسطة الأستاذ المذكور وقد قررنا انتخاب الأستاذ فؤاد شاكر ليكون مديرًا مسؤولا لهذه الجريدة ورئيسا لتحريرها ولأجل

стр. 255

إصدار إرادتكم السامية الملكية بهذا الشأن، نرفع هذا إلى السدة الملكية أدام الله جلالتكم ذخرا للعرب والمسلمين. وفيما يلى أسماء الموقعين على هذا الكتاب. عبد الوهاب آشى * أحمد إبراهيم الغزاوى * بكر فالح * عبد الله عبد الكريم الخطيب * محمد عنانى * محمد سرور الصبان * عبد الله فدا * حسين نصيف وواضح من نص هذا الكتاب أن إصدار الجريدة إنما كان بتوجيه من جلالة الملك عبد العزيز ﵀، كما أن مما يلفت النظر أن امتياز هذه الجريدة إنما صدر باسم الشيخ محمد صالح نصيف ولم يكن من الموقعين على هذا الخطاب. ولعل وجود المطبعة السلفية بمكه تحت إدارة الشيخ محمد صالح نصيف وعمله السابق في إصدار بريد الحجاز هو الذى هيأ له الفرصة لإِصدار امتياز جريدة صوت الحجاز باسمه، كما أن الاقتراح بتعيين الأستاذ فؤاد شاكر ﵀ مديرا مسؤولا للجريدة ورئيس تحرير لها لم يتم، فحينما صدرت الأعداد الأولى منها عام ١٣٥٠ هـ لم يكن لها رئيس تحرير معين وإنما كان يحررها نخبة من الشبان وهؤلاء الشبان هم الأساتذه عبد الوهاب آشى ومحمد حسن فقى ومحمد حسن عواد وكانت تصدر أسبوعية وكان كل واحد منهم يكتب افتتاحيتها أسبوعيا ثم يكتب الافتتاحية في الأسبوع الثانى كاتب آخر من الثلاثة وهكذا، وكانت الصحيفة إلى جانب هذه الافتتاحيات حافلة بالشعر والأدب والنقد والدعوة إلى الإصلاح والتجديد ولم يكن هناك أثر للصورة، كما أنها لم تكن تنشر الأخبار الداخلية الا في حدود ضيقة جدا نعم لقد كانت صحيفة رأى قبل كل شئ وكان الناس جميعا يقرأونها ولم يكن يتقاضى كتابها أجرا على كتابتهم باستثناء رئيس التحرير المنوط به أمر الجريدة ككل.

стр. 256

ولقد عرف الناس الأستاذ عبد الوهاب آشى ككاتب كبير كما عرفوا الأستاذ محمد حسن فقى كشاعر كبير ولكنى أود أن أذكر هنا أن الأستاذ محمد حسن فقى في السنوات الأولى لصدور صوت الحجاز كان كاتب مقالة ممتازا إلى جانب ما عرف عنه من مكانة شعرية، ولكنه في ذلك الزمان كان يعنى بالكتابة أكثر من عنايته بالشعر وكانت مقالاته تتميز بأسلوب جزل رصين وقد تفرغ للشعر فيما بعد فكان فيه المجلي كما هو معلوم، ومن الجدير بالذكر أن نذكر أن الأستاذ عبد الوهاب آشى كان شاعرا مرموقا كما كان الأستاذ محمد سعيد العامودى شاعرا بارزا وهؤلاء جميعا كانوا من أبرز كتاب صوت الحجاز في بداية عهدها وقد تولى رئاسة تحرير صوت الحجاز الأستاذ محمد حسن كتبى والأساتذة أحمد قنديل ﵀ وأحمد السباعى ثم المرحوم فؤاد شاكر ثم كاتب هذه السطور وكان من الكتاب الذين عملوا في تحرير الجريدة الأساتذة حسين عرب وأحمد جمال والمرحوم حسين خزندار ولست في حاجة لأن أقول أن جميع الكتاب والشعراء المعروفين كانوا ممن يوافون الصحيفة بإنتاجهم الشعرى والنثرى، كما كانت الصحيفة ميدانا للنقد تصول فيه الأقلام وتجول. ولعله من الطريف أن نذكر أن المرحوم الشيخ محمد صالح نصيف عهد في وقت من الأوقات إلى الأستاذ محمد حسن كتبى - وزير الحج السابق - برئاسة تحرير صوت الحجاز ويبدو أن خلافا وقع بين الرجلين فصدرت الصحيفة في أحد الأعداد وكل ما فيها بتوقيع الأستاذ محمد حسن كتبى ابتداء من الافتتاحية إلى آخر عمود في الصحيفة ولقد ظهر فيما بعد أن المرحوم الشيخ محمد صالح نصيف تعمد ذكر اسم السيد محمد حسن كتبى على كل ما نشر بهذا العدد لأنه أراد إحراجه وإظهاره بمظهر المستأثر بالكتابة في الصحيفة وحده ولو كان هذا الأمر صحيحا لما تعمد الأستاذ الكتبى إغفال توقيعه عن كل ما يكتبه في الصحيفة

стр. 257

باستثناء الافتتاحية مثلا ولكن هذا ما وقع وظهر العدد الثانى وقد انتهت علاقة الأستاذ الكتبى بالصحيفة وصاحبها معا. وقد توقفت صحيفة صوت الحجاز عن الصدور في أوائل الحرب العالمية الثانية ثم عادت إلى الظهور عام ١٣٦٥ هجرية بعد انتهاء الحرب باسم البلاد السعودية وتولى رئاسة تحريرها المرحوم عبد الله عريف، وعلى ذكر توقف جريدة صوت الحجاز في أوائل الحرب العالمية الثانية انقل هنا من كتابى "حبات من عنقود" هذه الطرفة عن هذا الموضوع. كنت رئيسا لتحرير جريدة صوت الحجاز خلال الحرب العالمية الثانية ولم يمض على الحرب إلا بضعة شهور حتى أصدر جلالة الملك عبد العزيز ﵀ أمرًا بإيقاف الصحف عن الصدور لعدم وجود الورق والاكتفاء بجريدة أم القرى الرسمية، وكان لدينا في صوت الحجاز كمية من الورق تكفى لصدور الجريدة وقتا طويلا، وكنا نتقاضى اشتراكا شهريا من الحكومة مقداره أربعمائة ريال عن اشتراك الحكومة والدوائر الرسمية في الجريدة وبإيقاف الصحف توقف هذا الاشتراك وكانت الأربعمائة ريال مبلغا كبيرا في ذلك الوقت، وبالاتفاق مع سعادة رئيس الشركة العربية للطبع والنشر كتبت إلى جلالة الملك عبد العزيز ﵀ كتابا قلت فيه: لقد أصدرتم جلالتكم الأمر بتوقيف الصحف لعدم وجود الورق وبما أننا في جريدة صوت الحجاز نملك كمية من الورق تكفى لصدور الجريدة وقتا طويلا فإننا نتعهد لجلالتكم بأننا لن نطالب الحكومة بإعطائنا ورقا لإصدار الجريدة، وإن كان هذا الأمر لحكمة سياسية اقتضاها رأى جلالتكم فالرأى ما ترونه، لكن جريدتنا تتقاضى اشتراكا شهريا مقداره أربعمائة ريال من وزارة المالية وقد توقف صرف هذا الاشتراك نتيجة لتوفف الجريدة عن الصدور وفى الجريدة ومطبعتها

стр. 258

موظفون تتأثر أحوالهم بتوقف الجريدة فلا أقل من الاستمرار في صرف هذا الاشتراك الشهرى لنا. ولم أتلق أي جواب على خطابى ولكن الأمر صدر برقيا إلى وزارة المالية من جلالته بالاستمرار في صرف مخصص الجريدة الشهرى وعدم توقيفه وكانت جريدة صوت الحجاز فيما أعلم هي الجريدة الوحيدة التي كانت تقبض قيمة الاشتراك طوال مدة توقفها عن الصدور. وحين صدور الأمر بإدماج الصحف اندمجت جريدة البلاد السعودية مع مجلة عرفات التي كان يصدرها الأستاذ حسن قزاز في صحيفة واحدة باسم البلاد وأسندت رئاسة تحريرها إلى الأستاذ محمد حسين زيدان ثم إلى الأستاذ حسن قزاز وحين تحولت الصحافة إلى مؤسسات أسندت رئاسة تحريرها إلى الأستاذ عبد المجيد شبكشى بتاريخ أول ذى القعدة ١٣٨٣ هـ. نعود بعد هذا الاستطراد التاريخى عن الصحافة إلى المرحوم الشيخ محمد صالح نصيف لنذكر أنه اختير لرئاسة ماليات وجمارك جيزان في عهد وزير المالية الأسبق الشيخ عبد الله السليمان وانتقل إلى هناك لعدة سنوات ثم عاد إلى الحجاز وقد توفى ﵀ بعد أن أسن عام ١٣٩١ هـ في مدينة جدة عن عمر يناهز الواحد وثمانين عاما. تغمده الله برحمته الواسعة وأحسن جزاءه لقاء ما هدف إليه من خدمة الفكر والقلم.

стр. 259

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

стр. 260

السيد محمد طاهر الدباغ

стр. 261

السَّيد محمَّد طاهر الدَّباغ أبيض الوجه تخالط بياضه حمرة، أقنى الأنف، ممتلئ الجسم أقرب إلى الطول منه إلى القصر، تزين وجهه لحية اختلط سوادها بالبياض، ثاقب النظرة شديد الذكاء تلوح في وجهه مخايل الشهامة عرفته وهو يرتدى العباءة العربية والعقال بعد عودته إلى المملكة من مهجره في الخمسينات من هذا القرن. ولد السيد محمد طاهر الدباغ بالطائف عام ١٣٠٨ هجرية وتلقى علومه الابتدائية بمكة ثم بالإسكندرية ثم عاد إلى مكة وتلقى العلم على أيدى علماء عصره بالمسجد الحرام حتى حصل على إجازة التدريس واشتغل به في المسجد الحرام مدة من الزمن ثم التحق مدرسًا بمدرسة الفلاح حتى أصبح مديرا لها وفى عام ١٣٣٦ هـ انتقل إلى مالية جدة وأصبح رئيسا لها ومعتمدا للمعارف بمدينة جدة وتوابعها في عهد الملك الشريف حسين بن على يرحمه الله وفى عهد الملك على بن الحسين عام ١٣٤٣ هـ إلى ١٣٤٤ هـ تولى وزارة المالية، وللسيد محمد طاهر الدباغ موقف تاريخى مشهود فقد كان هو الذى أبلغ الشريف الحسين بن على بلسان المجتمعين في الخزنة بجدة، وهي مكتب القائم مقام "وكانت أمام باب جديد قريبًا من ميدان البيعة في الوقت الحاضر نقول أن السيد محمد طاهر

стр. 262

الدباغ كان هو الذى تحدَّث إلى الشريف الحسين بن على في مكة تليفونيا وأبلغه بأن المجتمعين وهم أهْلُ الحل والعقد قد قرروا عزله عن العرش وتولية ابنه وولى عهده الشريف على بن الحسين ملكا على الحجاز، وقد وردت هذه القصة بتفاصيلها في كتاب المرحوم الأستاذ خير الدين الزركلى "ما رأيت وما سمعت" ولقد كان الشريف الحسين كما يعرف معاصروه معروفا بالصرامة والجبروت وكان ينزل بطشه وعقابه لأتفه الأسباب فالإقدام على إبلاغه بقرار أهل الحل والعقد إقالته من الملك وتنصيب ابنه بدلا عنه ليس بالأمر السهل وإنما هو من عظائم الأمور التي تدل على تمتع صاحبها بالشجاعة المفرطة، التي تؤهله للاضطلاع بعظائم الأمور. هجْرَته إلى الخارج من هذه الحادثة يتبين لنا أن السيد محمد طاهر الدباغ كان من الرجال البارزين في العهد الهاشمى ولقد هاجر بأسرته جميعا من الحجاز بعد أن دان الحجاز بالولاء لجلالة الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ وعلمت من السيد طاهر أنه توجه أولا إلى الهند ثم تنقل بعدها في مختلف البلاد العربية والإسلامية مشتغلا بالتدريس إلى أن أصدر جلالة الملك عبد العزيز نداءه المشهور إلى رجال العهد الهاشمى المهاجرين في الخارج يدعوهم إلى العودة إلى بلادهم ليعملوا تحت لوائه في سبيل خدمتها والنهوض بها إلى ما يطمح إليه الجميع من رقى وتقدم. عَوْدته إلى المَمْلكة وكان السيد محمد طاهر الدباغ من أوائل من استجاب لهذه الدعوة الكريمة من المهاجرين كما عاد في نفس الوقت كل من المرحوم الشيخ عبد الرؤوف

стр. 263

الصبان، والشيخ محمد صادق، وكانوا جميعا ينشرون مقالات في جريدة صوت الحجاز توضح استجابتهم للنداء واستعدادهم للخدمة في المجال الذى يختاره لهم جلالة الملك عبد العزيز ﵀، وقد رأيت السيد محمد طاهر الدباغ ﵀ يوم عاد في لباس الإِحرام عشية يوم عرفه في مخيم الشيخ محمد سرور الصبان في عرفات في حج عام ١٣٥٤ هـ. مُديْريّة التعليم العَامّة وقد أسند جلالة الملك عبد العزيز إلى السيد محمد طاهر الدباغ إدارة التعليم في المملكة وكانت إدارة بسيطة فجعلت مديرية عامة، ولقد كان جلالة الملك عبد العزيز ﵀ ذا فراسة في الرجال يعرف أقدارهم ويستفيد من قدراتهم وكان بهذا الاختيار قد أعطى القوس باريها فانطلق السيد محمد طاهر ﵀ بالمعارف الانطلاقة الكبرى التي كانت النواة الطيبة للنهضة التعليمية في المملكة. مَدرَسَة تحضير البعثات وكان أول ما فكر فيه المرحوم السيد محمد طاهر الدباغ هو تنظيم الابتعاث إلى الخارج للدراسات العليا المتنوعة فأسس مدرسة تحضير البعثات في مكة المكرمة واستقدم لها الأساتذة وذلك لتهيئة الطلاب للدخول إلى الجامعات والمعاهد العليا في مصر بعد التخرج منها حيت وضعت برامجها بحيت تكون متفقة مع مناهج المدارس الثانوية في مصر وكان الطلاب الذين يكملون الدراسة في مدارس المملكة إذ ذاك يلتحقون بها في مكة المكرمة وكانت مدرسة داخلية بالنسبة للطلاب القادمين من أنحاء المملكة الأخرى سواء من مدن الحجاز أو من مدن

стр. 264

نجد أو المناطق الأخرى في المملكة ونستطيع أن نقول للتاريخ أن مدرسة تحضير البعثات كانت هي المهد الذى احتضن كل المبتعثين إلى الخارج في ذلك الوقت والذين تخصصوا في الدراسات العليا المختلفة كالطب والهندسة والتعليم وخلافهم ومن تلامذتها تخرج الوزراء والأطباء والمهندسون والعلماء نذكر منهم على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر السادة أحمد جمجوم، الدكتور حسن نصيف، المرحوم السيد أحمد شطا، الدكتور عبد اللطيف جمجوم، الدكتور الهرسانى، السيد عبد الله الدباغ. العلامة الشيخ حمد الجاسر وكثيرون غيرهم ممن لا يتسنى ذكرهم في هذه العجالة. هذا وكان الطلبة المبتعثون من قبل يتعثرون في دراساتهم حينما يصلون إلى مصر فيتضح أنهم أقوياء في بعض المواد بينما أنهم لم يكونوا قد تزَّودوا بالمقدار الكافى من المواد الأخرى العلمية كالرياضيات واللغة الإنجليزية وغيرها، فكان وجود مدرسة تحضير البعثات سببا في سد هذه الثغرة ومنطلقا للنهضة التعليمية التي هيأت للبلاد النواة الأولى من المتخصصين في مختلف فروع العلوم والفنون. دَار البعثات في مِصْر وكما عنى المرحوم السيد محمد طاهر الدباغ بتأسيس مدرسة تحضير البعثات في مكة المكرمة عنى بتهيئة دار البعثات العلمية بالسعودية بالقاهرة وأسندت إدارتها إلى مديرين مشهود لهم بالكفاءة والإخلاص وأذكر منهم على سبيل المثال المربى القدير السيد ولى الدين أسعد ﵀، وكانت هذه الدار تضم الطلبة المبتعثين حيث يتهيأ لهم فيها المسكن والطعام ويشرف السيد ولى الدين ﵀ ومعاونوه على إلحاقهم بالمعاهد المختلفة ويهتم بشؤونهم الدراسية والمعاشية في آن

стр. 265

واحد مما هيأ للطلبة الجو المناسب للدراسة المنظمة الجادة التي آتت أكلها فيما بعد ثمرا جنيًا ورجالا عاملين في شتى المجالات هذا وقد تم فيما بعد تأسيس دار للبعثات السعودية بالإسكندرية تولاه المرحوم الأستاذ صادق ماجد كردى وكان يرعى الطلبة السعوديين الذين يتلقون دراساتهم في جامعة الإسكندرية. نشرُ المدَارس في أنحاء المملكة ولم يكتف السيد محمد طاهر الدباغ ﵀ بالعناية بالدراسات العليا وتهيئة أسبابها فحسب وإنما بذل جهودا جبارة في نشر التعليم في كثير من مدن المملكة فبعد أن كانت مدارس المعارف في المدن الكبرى محدودة العدد توسعت المديرية العامة للمعارف في عهده بتشجيع من جلالة المغفور له الملك عبد العزيز في افتتاح المدارس وخاصة الابتدائية، والمتوسطة فكنا نرى في كل عام زيادة ملحوظة في عدد المدارس في جميع المدن وفى كثير من القرى مما هيأ الجو المناسب للنهضة التعليمية الكبرى فيما بعد مع إدخال الإصلاحات الجذرية على مناهج الدراسة وتهيئتها لتكون متساوقة مع المدارس المماثلة في البلاد العربية المجاورة (١). مَدْرَسة الأُمَراء في الرّياض وقد قام المرحوم السيد محمد طاهر الدباغ كذلك بتأسيس مدرسة الأمراء في الرياض أو على الأصح بتوسيعها وتنظيمها فقد كانت المدرسة موجودة من قبل ولكنها كانت في نطاق ضيق فقام بتوسعتها وتنظيمها وقد أصبحت هذه المدرسة فيما بعد تضم مختلف الطبقات ولم تكن قاصرة على الأمراء فحسب وهكذا فإن العلم مباح للجميع.

стр. 266

وقد بقى السيد محمد طاهر الدباغ ﵀ قائما بأعباء هذا العمل العظيم لسنوات طويلة من عام ١٣٥٥ إلى عام ١٣٦٤ هـ ثم عين عضوا بمجلس الشورى ثم أحيل إلى التقاعد عام ١٣٧٢ هـ. المَرَض وَالرحْلة إِلى مِصْر وقد شعر السيد محمد طاهر الدباغ ﵀ بالمرض الذى بدأ يؤثر على بصره فسافر إلى مصر طلبا للعلاج ولكن الداء كان قد استشرى فذهب بصره ولكنه كان كالعهد به دائما شجاعا مؤمنا فتحمل المرض في صبر وإيمان ولم يكن يشكو ذهاب بصره، بل لم يكن يتحدث عن ذلك بتاتا، حدثنى أحد أبنائه وكان معه في مصر قال كنا نعرف أن لا علاج للمرض الذى ألمّ ببصره، وكنا نكتم عنه ذلك مراعاة لشعوره قال وكنت أشعر أن الوالد يعرف من أمر مرض عينيه ما نعرف وكان لا يتحدث عن ذلك اشفاقا علينا، لقد كان ﵀ رحيما وزعيما عظيما، ورجلا من أشجع الرجال هذا وقد أدركته الوفاة ﵀ بالقاهرة في ١٨ رجب ١٣٧٨ هـ ودفن بها مأسوفا عليه من كل الناس الذين عرفوا فضله وجميل صفاته ﵀ جزاء ما أسدى للأمة من خير وما عمل في سبيلها من جهد مخلص ونفع عظيم.

стр. 267

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

стр. 268

محمد علي زينل رضا

стр. 269

محَمَّد عَلي زيْنَل رضَا معتدل الجسم وسط في الرجال لا بالطويل ولا بالقصير، مستدير الوجه أبيض اللون، واسع العينين، أقنى الأنف، يضع على عينيه نظارة ذهبية ويرتدى الجبة والعمامة الحجازية وقد احتفظ بلباسه هذا حتى في زياراته الكثيرة إلى أوربا بعد أن افتتح مكاتب بها لأعماله التجارية الواسعة، قويُّ الشخصية وهبه الله مهابةً وأسبغ عليه محبة فإذا رأيته هبته واحببته في وقت واحد ولا عجب في ذلك فقد هيأه الله تعالى بتوفيقه للزعامة بما وهبه من صفات البذل في سبيل العلم من مال كثير وجهد عظيم استمر معه منذ نشأ إلى أن توفاه الله تعالى وقد أشرف على التسعين من عمر طويل قضاه في خدمة العلم والدين. ولد الحاج محمد علي زينل رضا بمدينة جدة في أول القرن الهجرى سنة ١٣٠٠ هـ في ظل والده الحاج زينل علي رضا وكان هو وأخوه الحاج عبد الله علي رضا من أكبر تجار مدينة جدة وأبرزهم وتعلم القراءة والكتابة في دار والده على أيدي بعض علماء عصره كما بدأ دراسته اللغة الإنجليزية والفارسية كذلك على أيدي من يعرفونها ممن يعملون في بيت والده التجارى وكان مجاله الطبيعى بعد هذا العلم المحدود أن يعمل في تجارة أبيه وعمه موظفا يتدرج في الأعمال

стр. 270

ويتمرن عليها حتى يستطيع أن يمسك زمام الأمور حين يشتد ساعده ولكن محمد علي زينل كان شغوفا بالعلم منذ الصغر وخاصة بعلوم الدين ولم يجد في مدينة جدة ما يشبع نهمته ويسد جوعته فاستأذن من أبيه في السفر إلى مصر والالتحاق بالجامع الأزهر وهو أكبر مصدر لتلقى علوم الدين في عصره، ولكن والده الذى كان يرغب في تهيئة ابنه للعمل التجارى له يوافق على هذه الرغبة، كما أنه كان راغبا في بقاء ابنه محمد على بجانبه وهو أكبر أبنائه ولكن حب محمد علي زينل للعلم والدراسة استحوذ على فكره وأخذ بمجامع قلبه فما هو الَّا أن حزم أمره وترك مدينة جدة دون علم والده، وذهب إلى مصر وبدأ الدراسة فعلا بالجامع الازهر. ولكن الحاج زينل الذى لم يطق فراق ابنه تبعه إلى مصر وأعاده إلى بلده، ورأى محمد على نفسه مرة أخرى في مدينة جدة وقد حيل بينه وبين ما يرغب من تعليم، رأى نفسه كما حدثنى ﵀ في جدة وهو شاب في العشرين أو دونها وكان يصف حال العلم والتعليم في أوائل القرن الرابع عشر قال عن: نشُوء فِكرة مَدارس الفلاح " كان يقوم الجمَّال من مكة المكرمة بأحماله ومعه ورقه بها اسم الرجل الذى له البضاعة فيدخل من باب مكة إلى أن يصل إلى الخاسكية - قلب شارع الملك عبد العزيز الآن - فلا يجد من يحسن قراءة الورقة التي بيده إلى أن يُيسر الله من يقرأها بعد الجهد والتعب فيستدل على صاحب الأحمال وينزلها لديه قال وكانت في مدينة جدة كلها مدرسة واحدة هي - المدرسة الرشدية - كان موقعها أمام مسجد الباشا وقد هدمت بعد خرابها وتقرر إبقاء الأرض دون بناء توسعة للشارع - وكانت هذه المدرسة تعلم اللغة العربية بالتركية - كان هذا في أواخر العهد العثمانى - وحين انتشار حركة التتريك التي كانت تمارسها جمعية الاتحاد والترقى

стр. 271

التركية - قال الحاج محمد على وهالنى الأمر ووجدت أنه لا بد من عمل شئ لتغيير الحال وتعليم الأولاد القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة على الأقل ولم يكن مسموحا بافتتاح المدارس أو الكتاتيب في ذلك العهد، ولكن هذه العقبات جميعها لم تكن لتحول بين الرجل العظيم وما يريد قال فاستأجرنا مقعدا في بيت ذاكر بحارة الشام - المقعد هو المجلس الذى كان يوجد في مدخل كل بيت لاستقبال الرجال وجلوس صاحب المنزل به في ذلك الحين - واتفقنا مع أحد الفقهاء على تدريس الأولاد مبادئ القرآن الكريم والكتابة وتعليمهم صغار السور بين المغرب والعشاء قال الحاج محمد على وقد اخترنا هذا الوقت لنختفى عن عيون الدولة حيت لم يكن مصرَّحًا لنا بهذا العمل ولأوَّل مرةٍ وجدنا أن هناك مخاطر في خروج الأولاد للدراسة وعودتهم تحت جنح الظلام فاتفقت وأصدقائي عبد الرؤوف جمجوم ومحمد صالح جمجوم، ويحيى سليم ومحمد صالح نوار أن يذهب كل منا إلى منازل الأولاد (بعد الاتفاق مع آبائهم) لنأخذهم إلى هذه المدرسة الصغيرة ثم نعيدهم إلى منازلهم بعد انتهاء الدروس، وهكذا كان فكان هؤلاء الشبان وجميعهم في مطلع الشباب يذهبون إلى بيوت الأولاد لإِيصالهم إلى المدرسة ثم يعودون بهم بعد العشاء ليوصلوهم إلى أهليهم بأمان. تخذوا الظلام إلى الضياء وسيلة … والفجر يولد في الدجى فيشيب قال وكنا قد تقدمنا إلى الحاكم التركى بطلب التصريح لنا بافتتاح مكتب لتعليم القرآن الكريم وقد حصلنا أخيرا على هذا التصريح فأصبحت المدرسة تمارس نشاطها في وضح النهار وأخذنا نشجع الكثيرين على إرسال أولادهم إليها، وكان ما يأخذه الحاج محمد علي زينل من مرتب شهرى لقاء عمله في مكتب أبيه التجارى عشر روبيات (١) يذهب جميعه في نفقات هذه المدرسة

стр. 272

الصغيرة وبدأ يفكر في إيجاد موارد أكبر لتغطية نفقات المدرسة ومواجهة ما يحلم به من تكبيرها وتوسيع إغراضها ومن أهم ذلك إيجاد مبنى أكبر وأوسع، وفى ذلك الوقت عرض مبنى مدرسة الفلاح الحالى بباب مكة للبيع وكان هذا المبنى بموقعه وبنائه الحديث وكثرة غرفه هو أصلح مكان للمدرسة التي يحلم بها هذا الشاب العظيم". تَبرُّع زَوجته بحُليِّها وَجَوَاهِرها وأخذ الرجل يفكر في الطريقة التي يستطيع بها توفير المال اللازم وهو لا يملك منه شيئا وأخذت الفكرة بمجامع قلبه حتى أرقت جفنه وأقضت مضجعه ورأت زوجه - السيدة خديجة بنت عمه الحاج عبد الله علي رضا - ما هو عليه من تفكير فسألته عما يشغله فأسرَّ إليها بالأمر ولم يكن من هذه السيدة العظيمة الكريمة إلا أن قدمت كل ما تملك من مجوهرات وحلى لزوجها ليبيعه ويشترى به البناء المطلوب، وهكذا كانت هذه المكرمة العظيمة من تلك السيدة العظيمة سببا في شراء المبنى الكبير لمدرسة الفلاح في شهر شوال ١٣٢٣ هـ هبة تطوق كل أنثى عزة … أن كاثرتنا بالهبات وهوب ولعله من المناسب هنا أن نذكر للتاريخ أن الجامعة المصرية - جامعة فؤاد الأول - أو جامعة القاهرة أخيرا حين تأسيسها كانت تفتقر إلى المال فتقدمت أحدى الأميرات المصريات إلى الجامعة بمصوغاتها ومجوهراتها فوهبتها للجامعة وقد أشادت الصحف المصرية إذا ذاك بهذا الحدث، نقول أن هبة السيدة خديجة بنت الحاج عبد الله علي رضا لشراء مدرسة الفلاح كانت قبل ذلك. وكان سبقها بهذه الهبة من الأعمال الجليلة التي تدل على سمو نفس صاحبتها جزاها الله خير الجزاء.

стр. 273

وبعد شراء مبنى المدرسة بدا لمحمد على جليا أن من الضرورى العمل على إيجاد موارد مالية كافية للمدرسة، فالمدرسة كل مدرسة كما هو معلوم كالمزرعة تبدأ فصلا واحدا ثم تنتهى إلى فصول عديدة بحسب تدرج قدرة الطلاب على الاستيعاب وهكذا قرر محمد على الهجرة إلى الهند طلبا لمجال أوسع من الرزق والعمل وسافر إلى الهند تاركا المدرسة في رعاية أصدقائه وزملائه وفى مقدمتهم الشابان عبد الرؤوف ومحمد صالح جمجوم وقد حدثنا الحاج محمد على شخصيا عن هذه الفترة، فترة البداية في مهجره بالهند قال كنت محتاجا إلى المال الذى ابدأ به العمل وكان صديقى يحيى سليم يعرف ذلك فحسَّن لوالده أن يرسل معى مبلغا من المال لأرسل لهم به بعض البضائع بعد وصولى إلى الهند قال محمد على وقد انتظر الشيخ سليم وقتا طويلا حتى وصلت إليه البضائع المطلوبة وكان ابنه يحيى سليم مطلعا على كل شئ. ملك اللؤلؤ في العَالم وفى الهند اشتغل محمد علي زينل بتجارة اللؤلؤ حيث كان يشترى اللآلئ في مواسم الغوص من الموانئ الخاصة بذلك وهي البحرين والكويت ودبى في الخليج ثم يصنف هذه اللآلئ حسب أحجامها بعد ثقبها وصقلها في عقود وأساور وحلقان ويبيعها حسب أصنافها وأحجامها في العواصم الأوربية العالمية فكان له مكتب في لندن وآخر في باريس بالإضافة إلى مكاتبه في بومباى بالهند وفى موانئ الخليج حتى أصبح من أشهر العاملين في هذا العمل وأطلق عليه ملك اللؤلؤ في العالم، وكان العهد العثمانى قد انتهى في الحجاز وبدأ العهد الهاشمى وتمكن محمد على بما أفاء الله عليه من خير من التوسع في التعليم بمدارس الفلاح فأسس مدرسة الفلاح بمكة المكرمة سنة ١٣٣٠ هـ بعد مدرسة الفلاح في جده كما أسس

стр. 274

مدرسة الفلاح في بومباى سنة ١٣٥٠ هـ ومدرسة الفلاح في عدن ومدرسة الفلاح في دبى سنة ١٣٤٧ هـ ومدرسة الفلاح في البحرين وكان يزمع تأسيس مدرسة الفلاح في المدينة المنورة كذلك إلا أن ذلك لم يتم وقد حدثنى الشيخ محمد صالح جمجوم وكيل مدارس الفلاح في جدة ومكة أن مقدار ما كان ينفقه الحاج محمد علي زينل على المدرستين في مكة وجدة سنويا وصل إلى ثلاثة عشر ألف جنيه من الذهب، واستمر في هذا الإنفاق ما يقرب من ثلاثين عاما وحينما بدأ العهد السعودى في جدة كانت مدارس الفلاح تقريبا هي المدارس الوحيدة في مكة وجدة التي اشتهرت بحسن إدارتها وجودة برامجها التعليمية وكان متخرجوها هم الأساس الذى قام عليه بناء الإدارة الحكومية فكانوا يشكلون القسم الأكبر من موظفى الدولة كما كانوا يمسكون بالأعمال الكتابية في البيوت التجارية في المدينتين كما اشتغل الكثيرون منهم بالتدريس في مدارس الفلاح نفسها وفى المدارس الحكومية الأخرى في بداية العهد السعودى. البعْثات التعليميّة ولم يكتف الحاج محمد علي زينل بما تقوم به مدارس الفلاح في كل من مكة وجدة على علو برامج الدراسة فيهما في ذلك الزمان باختيار أجود المدرسين وأستقدامهم من مصر وسوريا بالإضافة إلى أفضل المدرسين الوطنيين فقد كان يفكر في إخراج جيل من الرجال المتعمقين في دراسة الإِسلام ليقوموا بأداء رسالة الإسلام الحقيقية في بلادهم ومن ثم عمد إلى اختيار أفضل المتخرجين من طلاب الفلاح وابتعثهم إلى الهند ليكونوا تحت إشرافه الخاص بعد أن أعدَّ لهم برنامجا

стр. 275

علميا حافلا واستقدم لهم أعظم المدرسين من البلاد الإسلامية وكان يهدف بذلك إلى إعداد جيل من الدعاة الإسلاميين الواعين لرسالة الإسلام وكان يغرى الطلاب بالاستمرار في الدراسة أو الابتعاث إلى الهند بترتيب مرتبات شهرية مغرية لهم وخاصة لمن يكون أهلوهم من ذوى الدخل المحدود وهكذا كانت هذه المرتبات الشهرية للطلبة ولأبائهم في السنوات الثلاث الأخيرة من الدراسة في الفلاح وهي السنوات العلمية كما أطلق عليها إذ ذاك وهي بعد الست سنوات العادية حافزا كبيرا للآباء لإِبقاء أبنائهم مستمرين في دراستهم كما كانت حافزا للموافقة على إرسال أبنائهم للاستزادة من العلم في بومباى في المدرسة التي أعدها الحاج محمد على هناك لهذه الغاية. الدِّرَاسَة مجَانيَّة ولست في حاجة لأن أقول إن الدراسة في مدارس الفلاح كانت مجانية لأبناء الفقراء والأغنياء على سواء ولم يكن يتكلف ولى أمر الطالب سوى شراء الكتب المدرسية في أول كل عام وكانت هذه الكتب تباع بأسعار زهيدة يسهل توفر ثمنها لكل إنسان. انهِيَار تجَارة اللؤلؤ وبينما كان الحاج محمد علي زينل يواصل جهوده العظيمة في حقل التعليم كما أسلفنا وينفق المال الكثير في هذا السبيل تعرضت أعمال هذا الرجل العظيم للانهيار بعد ظهور اللؤلؤ الصناعى اليابانى في الخمسينات من هذا القرن الهجرى وكان هذا الحدث بعد أن اشترى الحاج محمد على أكبر كميات من اللؤلؤ في مواسم الغوص من موانئ الخليج وهكذا وجد محمد على زينل نفسه بين يوم وليلة

стр. 276

يملك من اللآلئ الكثير الذى أنفق فيه الملايين ولكن هذه اللآلئ لا تشترى، فقد اتجه الناس إلى شراء اللؤلؤ اليابانى الزائف الرخيص والذى لا فارق بينه وبين اللآلئ الأصليه من ناحية النظر في شئ وتعرض الرجل لمصائب مالية تنوء بها العصبة أولو القوة ولو لم يكن الرجل على إيمان قوى بالله وعلى سمعة عالية لدى البنوك لكانت هذه المصاعب كافية للقضاء عليه ولكنه ثبت ثبات المؤمنين، وقال وقد سلمت كل ما لديَّ من لآلئ ومجوهرات إلى البنوك تأمينا لهم لقاء ما استدنته من أموال وكانوا يقدرون الموقف فصبروا حتى يجعل الله من بعد عسر يسرا. تَوقُّف الصَّرف عَلى مَدَارس الفَلاح وفى هذه الظروف البالغة السوء أنّى يستطيع الحاج محمد على زينل أن ينفق ما كان ينفقه على الفلاح، بل أنّى له أن ينفق أي شئ وقد بلغ به الأمر ما بلغ فاضطر الرجل العظيم آسفا أن يعلن ذلك للقائمين على شؤون الفلاح وكان لهذا الأمر أبلغ الأثر في نفوس الناس عامة. الأُمَّة تَتَولى الصَرف عَلى الفَلاح فقامت الأمة مجتمعة بما كان يقوم به فرد واحد هو الحاج محمد علي زينل رضا، وقد أجمع تجار مدينة جدة أن يتقدموا للدولة بفرض رسم مقداره قرش واحد على كل طرد يصل إلى ميناء جدة ويستوفى هذا القرش لصالح مدارس الفلاح، وكان الشيخ حمد السليمان الحمدان وكيل وزارة المالية مدعوا على العشاء بمنزل الشيخ عثمان باعثمان أحد أعيان جدة ومدير العين العزيزية فيما بعد - فتقدموا إليه

стр. 277

مجتمعين بهذا الطلب الذى وافق عليه في الحال وأصبحت حصيلة هذا الرسم تستوفى في جميع جمارك المملكة وتؤدى لمدارس الفلاح ومن المهم هنا أن نذكر أن هذا القرش يضيفه التجار على تكلفة بضائعهم وهم يستردونه بطبيعة الحال ضمن هذه التكلفة حين البيع فهو ليس منحة من فئة معينة وإنما هو مشاركة عامة من الأمة كلها في الإنفاق على مدارس الفلاح. الدَّوْلة تتولى تَغطية مَصَاريف الفَلاح ولقد قامت الدولة فيما بعد مشكورة بتغطية مصاريف مدارس الفلاح في كل من مكة وجدة وأصبح هذا القرش الذى كان يستوفى باسم الفلاح عائدا لمصلحة التعليم كله باسم (قرش المدارس) لأن هذا القرش لم يعد يكفى لسد متطلبات الإنفاق على الفلاح بعد تطور التعليم فيها وتوسعه ليشمل المراحل الثلاث مثل مدارس وزارة المعارف وهكذا شملت الدولة أخيرا مدارس الفلاح برعايتها فأصبحت تعامل معاملة المدارس الحكومية سواء بسواء. محمّد عَلي زيْنل لا يقبل التَبرُّع لِلفَلاح ولعله من الخير ونحن نستعرض حياة الحاج محمد على زينل وتاريخ الفلاح أن نذكر هنا أنه كان لا يقبل تبرعا من أي إنسان، فحينما كان قادرا على الإنفاق أنشأ مدارس الفلاح وأنفق عليها من حرِّ ماله واستمر في هذا الإنفاق حتى عجز عنه تماما فتركه للأمة كلها تتولى الأمر نيابة عنه وهكذا كان ولقد حدث أن قدم الحاج محمد على زينل إلى الحجاز في إحدى زياراته المعتادة التي كانت تتم كل بضعة أعوام مرة، أقول قدم إلى الحجاز في الستينات وكانت مدارس الفلاح

стр. 278

معروضة للبيع في مكة المكرمة وكانت مدارس الفلاح تشغل مبنيين في القشاشية بمكة المكرمة قرب باب على - من أبواب المسجد الحرام - وكانت هذه المبانى مملوكة لأولاد الشريف على باشا أمير مكة الأسبق، وكان معلوما يومها أن ثمن هذين المبنيين هو مائة ألف ريال وإني أنقل هنا من كتابى حبات من عنقود ما سبق أن كتبته عن هذا الأمر قبل سنوات: سَأَبْني رِجَالًا (كنت عضوا في مجلس إدارة الشركة العربية للتوفير والاقتصاد بمكة المكرمة، وكان رئيس المجلس الصديق المرحوم الشيخ عبد الله باحمدين، وذات ليلة حضر إلينا الشيخ عبد الله في المجلس وقال هو بادى التأثر، لقد علمت اليوم أن البناية التي تشغلها مدرسة الفلاح بالقشاشية معروضة للبيع وأن ثمنها يبلغ مائة ألف ريال، وإننى لا أتصور ماذا يكون حال التلاميذ وحال المدرسة بعد أن تباع بنايتها؟ ثم استطرد قائلا ألا يوجد مائة شخص من خريجى مدارس الفلاح في مكة وجدة يستطيع كل منهم أن يدفع ألف ريال فيجمعون قيمة المدرسة ويقدمونها هدية للحاج محمد على زينل رئيس مدارس الفلاح الموجود حاليا بين ظهرانينا، قلنا إن ذلك واجب لا مناص منه وأن خير هدية تقدم للحاج محمد على وقد اعتذر عن قبول حفلات التكريم هي قيمة بناية هذه المدرسة التي غذَّاها بعقله وماله وجهده طوال ثلاثين عاما أو تزيد ثم قلت للمجتمعين، إن لدينا إلى جانب جمع التبرعات لشراء المدرسة وسائل أخرى بعضها في يدنا هنا في مجلس إدارة الشركة، فإن لدينا بندًا للأعمال الخيرية مخصصا له بموجب نظام الشركة خمسة في المائة من صافى أرباح الشركة سنويا، وفى يدنا أن نصدر قرارا في الحال باعتماد المخصص جميعه لمدارس الفلاح، كما أننا نستطيع أن نفعل مثل ذلك في الشركة العربية للسيارات وفى شركة الطبع والنشر، وكل منكم له صلة بهاتين

стр. 279

الشركتين من قريب أو بعيد، وإذا رغبتم فإنني سأشرح للشيخ محمد سرور وهو رئيس الشركات العربية جميعها الموقف كله وآخذ موافقته عليه، ونكون بهذا قد جمعنا قسما هاما من المبلغ المطلوب من أيسر طريق ثم نلجأ بعدها إلى جمع التبرعات، استحسن المجتمعون جميعا الفكرة ورحبوا بها وكلفونى أن أتحدث إلى الشيخ محمد سرور نيابة عنهم فيها، وأعددت تقريرا مفصلا أوضحت فيه المبالغ التي يمكن جمعها من الشركات العربية وشرحت فيه الأمر شرحا وافيا، وقدمته في اليوم التالى للشيخ محمد سرور وقرأ التقرير بإمعان ثم قال: إننى موافق على كل ما جاء في هذا التقرير، ولكن هل تحدثتم إلى الحاج محمد على وأخذتم موافقته؟ قلت: أننا نريد أخذ موافقتك أولا ثم نتحدث إليه، قال: إننى موافق فخذوا موافقته وأخبرونى، واتصلت بإخواننا في مجلس إدارة الشركة العربية للتوفير والاقتصاد وأخبرتهم بالأمر فقرروا انتدابى مع الأستاذ الشيخ عبد الوهاب آشى والأخ السيد هاشم زواوى لمقابلة الحاج محمد على زينل وأخذ موافقته على الأمر، وعهدنا إلى السيد هاشم بالاتصال بالحاج محمد على وتحديد موعد معه للمقابلة، واتصل بى السيد هاشم في اليوم التالى وقال: الاجتماع بعد صلاة الظهر مباشرة في بيت الآشى بالقشاشية، (هذا البيت هدم وأدخل ضمن التوسعة الأولى للمسجد الحرام) وذهبت إلى الموعد وبعد دقائق حضر الحاج محمد على وشرحت له الفكرة بحذافيرها، وأشرق وجه الرجل العظيم وتهلل وهو يستمع إلى ثم قال: لقد فكرت يوما من الأيام أن أشترى محلا كبيرًا هنا في القشاشية أشيد فيه بناء المدرسة وأحيطه بدكاكين تكون موردا للمدرسة نفسها، ولكن وقد حالت الظروف دون تحقيق هذا الطلب عزَّيت نفسى قائلا: إننى سأبنى رجالا، وإنى لأحمد الله تعالى أن جاء اليوم الذى رأيتكم فيه يا أبنائى، يا أبناء الفلاح تغارون على مدرستكم وتفكرون في شراء المبنى الذى يضم التلاميذ بعد أن علمتم أنه معروض للبيع وأنكم تخشون عليهم من الضياع .. ثم أردف

стр. 280

قائلا: أن أفكارى في الواقع تتلاقى معكم، وإننى هنا على اتصال بمالك الدار في هذا الشأن وأن لدى مبلغا أحضرته من الهند لهذه الغاية، هذا ولم أر في حياتى رجلا ساحر الحديث كالحاج محمد على زينل "مد الله في عمره" هذه الحلقة نشرت قبل وفاته ﵀، لم أجتمع إليه مرة إلا وانطوى الوقت وهو يتحدث وأنا أستمع، فلا نشعر بمرور الزمن ولا انقضاء الساعات، وظل يومها يتحدث عن مدارس الفلاح وكيف أنشأها وهو موظف في بيت أبيه بمرتب عشر روبيات في الشهر الواحد، وكيف كان وصحبه يأخذون التلاميذ من بيوت آبائهم بعد الغروب إلى المدرسة ثم يعيدونهم إلى دورهم في صدر الليل لأن الدراسة كانت في السر بعيدا عن أعين الدولة التركية ورقابتها، وكيف سافر إلى الهند طلبا لتدبير المال لهذه المدارس وكيف تبرعت زوجه بحليها لتساهم في شراء مدرسة الفلاح بجدة حينما عرضت للبيع ولم يكن يملك مالا لشرائها، واستمر يتحدث ونحن نستمع إليه مأخوذين ولم نشعر إلا وقد أذن للعصر ولم نتناول غداء ولم نفكر في راحة وانتبه الرجل العظيم فقال لقد أضعت عليكم وقتا كبيرا ولكنى سأجتمع إليكم مرة أخرى، قلت: ولكنى لم أسمع جوابا منك على اقتراحنا، أن الشيخ محمد سرور ينتظر موافقتك لنبدأ الخطوات الأولى للمشروع، قال: لا تفعلوا شيئا حتى أخبركم، وأردف سأتقابل مع الشيخ محمد سرور ثم اجتمع إليكم مرة أخرى، وانتظرنا وطال انتظارنا، وكلما قدم لزيارة الشيخ محمد سرور تعرَّضت له مذكِّرا فيعدنى بأنه سيخبر الشيخ محمد سرور بما يستقر عليه رأيه، وأخيرا سافر إلى جدة ومنها إلى الهند وسألت الشيخ محمد سرور ألم تتلق شيئا من الحاج محمد على؟ فقال في هدو كلا: ثم ابتسم وقال: أنك لا تعرف الحاج محمد على إنه لا يقبل تبرَّعا من أحد قلت: حتى ولا من أبناء الفلاح؟ قال لقد

стр. 281

خبرت بنفسك الأمر فلا داعى للجواب. مد الله في عمر مؤسس الفلاح فلقد كان وما يزال بأخلاقه العالية وعصاميته الفذة وغيرته العظيمة مدرسة كبرى تبنى الرجال - (هذا ما نقلته من كتابى حبات من عنقود مما سبق نشره قبل سنوات في جريدة البلاد وهو مثل من أمثلة كثيرة تدل على أن محمد على زينل لا يقبل تبرعا من أى جهة كانت لمشاريعه العظيمة التي أسسها وحينما عجز هو عن الإنفاق على الفلاح لم يلجأ إلى جمع التبرعات وإنما ترك المدارس وديعة في يد الأمة كلها تحتضنها دون أن يتدخل في الأمر بصورة من الصُور وهو تصرف يدل على نفس عظيمة كريمة أبيَّة. ولقد استطاع الرجل العظيم بمرور الزمن أن يتغلب على الأزمة العظيمة التي تعرض لها وأخذ يعمل في تجارة المجوهرات في نطاق محدود، وحيما علت سِنُّه أخذ يفكر في العودة إلى وطنه والاستقرار في الحجاز حيث تقيم أسرته الكبيرة وأحبابه الكثيرون، وكنت أراه في كل مرة يقدم فيها إلى الحجاز فأسأله عن موعد هذه العودة المرتقبة فيقول باق لى بالهند سنتان سنة تخليه وسنة تحليه، والذى ظهر لى أن ارتباطاته الكثيرة في الهند بعد أن قضى معظم عمره هناك لم تكن تسمح له بتركها. وقد علمت من شقيقته السيدة عائشة زينل التي زارته في السنوات الأخيرة من حياته أن بيته هناك كان مفتوحا للناس وخاصة للسيدات اللاتى لا عائل لهن، كما علمت أنه كان يساعد الحركات الإسلامية من ماله في صمت ما وسعه ذلك، وتعرض في أواخر حياته لمرض خطير سافر من أجله لال زينل بعد أن استقدموا له طبيبا من انجلترا لإِجراء جراحة عاجلة كللت بالنجاح ولم تمض فترة من الزمن بعد ذلك إلا وقد أدركته المنية في مدينة بومباى، وما أن علم جلالة المغفور له الملك فيصل بالأمر حتى أمر بإرسال طائرة خاصة لنقل جثمانه إلى الحجاز ولكن الحاج محمد على ﵀ أوصى أن يدفن حيث يقبض

стр. 282

فدفن في مدينة بومباي بالهند وقد تركت وفاته رنة حزن وأسى لدى كل عارفيه ونعته صحف الحجاز خاصة وكتب الكثيرون عنه ﵀ رحمة الأبرار وكانت وفاته بتاريخ ٢ شعبان ١٣٨٩ هـ أحسن الله جزاءه وأسبغ عليه شآبيب رحمته ورضوانه فقد كان من أعظم الرجال .. * * *

стр. 283

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

стр. 284

محمد عبد الصمد فدا

стр. 285

مُحَمَّد عَبْد الصَّمَد فِدَا متوسط القامة معتدل الجسم أسمر اللون له لحية خفيفة يضع نظارة على عينيه ويرتدى العباءة والعقال. ولد الأستاذ محمد فدا بمكة المكرمة عام ١٣٤٣ هجرية وتلقى تعليمه في مدارس الفلاح بمكة المكرمة ثم ابتعث إلى مصر والتحق بكلية الشريعة بجامعة الأزهر متخصصا في القضاء وعاد منها إلى الحجاز عام ١٣٧٠ للهجرة وعين عقب تخرجه قاضيا بمدينة رابغ إلا أنه كان يرغب العمل في سلك التعليم فاعتذر عن قبول الوظيفة التي أسندت إليه ومن ثم عين مدرسا بالمعهد العلمى السعودى أوائل عام ١٣٧١ هـ وحينما ظهرت مواهبه في التدريس عين في ١/ ١١/ ٧٢ هـ مديرا للمدرسة الرحمانية الثانوية وانتقل في ١/ ٢/ ٧٦ هـ إلى المدرسة العزيزية الثانوية مديرا لها ثم عين مستشارا بمكتب المستشارية لوزارة المعارف في ١/ ١١/ ٧٧ هـ إلى ١/ ٥/ ٧٨ هـ حيث اختير مديرا للمدرسة النموذجية بالطائف التي تحولت فيما بعد إلى مدرسة الثغر النموذجية بجدة.
следующие страницы →