← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

خبرت بنفسك الأمر فلا داعى للجواب. مد الله في عمر مؤسس الفلاح فلقد كان وما يزال بأخلاقه العالية وعصاميته الفذة وغيرته العظيمة مدرسة كبرى تبنى الرجال - (هذا ما نقلته من كتابى حبات من عنقود مما سبق نشره قبل سنوات في جريدة البلاد وهو مثل من أمثلة كثيرة تدل على أن محمد على زينل لا يقبل تبرعا من أى جهة كانت لمشاريعه العظيمة التي أسسها وحينما عجز هو عن الإنفاق على الفلاح لم يلجأ إلى جمع التبرعات وإنما ترك المدارس وديعة في يد الأمة كلها تحتضنها دون أن يتدخل في الأمر بصورة من الصُور وهو تصرف يدل على نفس عظيمة كريمة أبيَّة. ولقد استطاع الرجل العظيم بمرور الزمن أن يتغلب على الأزمة العظيمة التي تعرض لها وأخذ يعمل في تجارة المجوهرات في نطاق محدود، وحيما علت سِنُّه أخذ يفكر في العودة إلى وطنه والاستقرار في الحجاز حيث تقيم أسرته الكبيرة وأحبابه الكثيرون، وكنت أراه في كل مرة يقدم فيها إلى الحجاز فأسأله عن موعد هذه العودة المرتقبة فيقول باق لى بالهند سنتان سنة تخليه وسنة تحليه، والذى ظهر لى أن ارتباطاته الكثيرة في الهند بعد أن قضى معظم عمره هناك لم تكن تسمح له بتركها. وقد علمت من شقيقته السيدة عائشة زينل التي زارته في السنوات الأخيرة من حياته أن بيته هناك كان مفتوحا للناس وخاصة للسيدات اللاتى لا عائل لهن، كما علمت أنه كان يساعد الحركات الإسلامية من ماله في صمت ما وسعه ذلك، وتعرض في أواخر حياته لمرض خطير سافر من أجله لال زينل بعد أن استقدموا له طبيبا من انجلترا لإِجراء جراحة عاجلة كللت بالنجاح ولم تمض فترة من الزمن بعد ذلك إلا وقد أدركته المنية في مدينة بومباى، وما أن علم جلالة المغفور له الملك فيصل بالأمر حتى أمر بإرسال طائرة خاصة لنقل جثمانه إلى الحجاز ولكن الحاج محمد على ﵀ أوصى أن يدفن حيث يقبض

стр. 282

فدفن في مدينة بومباي بالهند وقد تركت وفاته رنة حزن وأسى لدى كل عارفيه ونعته صحف الحجاز خاصة وكتب الكثيرون عنه ﵀ رحمة الأبرار وكانت وفاته بتاريخ ٢ شعبان ١٣٨٩ هـ أحسن الله جزاءه وأسبغ عليه شآبيب رحمته ورضوانه فقد كان من أعظم الرجال .. * * *

стр. 283

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

стр. 284

محمد عبد الصمد فدا

стр. 285

مُحَمَّد عَبْد الصَّمَد فِدَا متوسط القامة معتدل الجسم أسمر اللون له لحية خفيفة يضع نظارة على عينيه ويرتدى العباءة والعقال. ولد الأستاذ محمد فدا بمكة المكرمة عام ١٣٤٣ هجرية وتلقى تعليمه في مدارس الفلاح بمكة المكرمة ثم ابتعث إلى مصر والتحق بكلية الشريعة بجامعة الأزهر متخصصا في القضاء وعاد منها إلى الحجاز عام ١٣٧٠ للهجرة وعين عقب تخرجه قاضيا بمدينة رابغ إلا أنه كان يرغب العمل في سلك التعليم فاعتذر عن قبول الوظيفة التي أسندت إليه ومن ثم عين مدرسا بالمعهد العلمى السعودى أوائل عام ١٣٧١ هـ وحينما ظهرت مواهبه في التدريس عين في ١/ ١١/ ٧٢ هـ مديرا للمدرسة الرحمانية الثانوية وانتقل في ١/ ٢/ ٧٦ هـ إلى المدرسة العزيزية الثانوية مديرا لها ثم عين مستشارا بمكتب المستشارية لوزارة المعارف في ١/ ١١/ ٧٧ هـ إلى ١/ ٥/ ٧٨ هـ حيث اختير مديرا للمدرسة النموذجية بالطائف التي تحولت فيما بعد إلى مدرسة الثغر النموذجية بجدة.

стр. 286

المدرسَة النمُوذجيَّة بالطائِف قام المرحوم إبراهيم أدهم وهو والد سعادة الأستاذ كمال أدهم بإنشاء المدرسة النموذجية بالطائف لغرض نبيل فقد أسست المدرسة في البداية لتكون مدرسة للأمراء وقام المرحوم إبراهيم أدهم باحتضان التلاميذ اليتامى في المدرسة المذكورة، لإِيوائهم وتعليمهم وسرعان ما أصح عدد هؤلاء التلاميذ اليتامى كبيرا وأصبحت العناية بالمدرسة المذكورة ضرورة حتمية فشملها برعايته صاحب السمو الملكى الأمير فيصل النائب العام لجلالة الملك - جلالة الملك فيصل فيما بعد - وحولها إلى مدرسة نموذجية ومن ثم اختير الأستاذ محمد عبد الصمد فدا ﵀ مديرا لها لما عرف عنه من القدرة الإدارية الفائقة وقوة الشخصية إلى جانب مؤهلاته العلمية وخبرته السابقة في التعليم حوالى الثمانية أعوام ومنذ تولى الأستاذ محمد فدا إدارة المدرسة النموذجية بالطائف استطاع أن يكتسب ثقة جلالة الملك فيصل ﵀ فاتخذ بتأييد من جلالته الإجراءات التي تكفل لهذه المدرسة أن تكون نموذجية فعلا لا اسما وقد رؤى إن تنتقل المدرسة إلى مدينة جدة ليكون الانتفاع بها شاملا لا يقتصر على سكان مدينة الطائف وحدها ولقد بدأت المدرسة النموذجية بالطائف تكتسب سمعتها الأولى فانتقل إليها بعض أبناء كبار رجالات مكة وخاصة من موظفى الدولة وحينما تم بناء المدرسة بجدة وإعدادها انتقلت المدرسة النموذجية إليها بكامل طلبتها وخصصت لها ميزانية ضخمة في كل عام وأطلق عليها اسم "مدرسة الثغر النموذجية". وفى هذه الفترة عرفت المرحوم الأستاذ محمد فدا إداريا قديرا ومربيا عظيما. ورجلا قوى الشخصية لا يتهاون في تطبيق أنظمة المدرسة إزاء صغير أو كبير

стр. 287

فالطالب الذى يسقط في سنة من السنوات ولا ينجح في الملحق لا بقاء له بين صفوف طلاب الثغر وإنما ينتقل إلى مدرسة أخرى، والدراسة في المدرسة علمية في مرحلة التوجيهية فالطالب الذى لا يتفوق في المواد العلمية أو الذى لا يميل إليها لا بقاء له في المدرسة ولو كان متفوقا في المواد الأدبية ولن يشفع له قط أن يكون ابن أمير أو كبير ولن يشفع له كذلك أن يكون أبوه صديقا حميما لمحمد فدا بالذات، ولعله كان أشد ما يكون صرامة مع الطلاب من أبناء أصدقائه وذوى قرباه وعلامات الطالب تراقب في الاختبارات الشهرية وترسل نتائجها إلى آباء الطلاب وكنا نترقب هذه العلامات في كل شهر بقلوب واجفة خشية أن يكون أحد الأبناء مقصرا في بعض الدروس والويل لمن تأتى الشهادة الشهرية وفيها علامة حمراء فمعنى هذا أن الخطر على الأبواب. وتحل المصيبة العظمى إذا أساء الطلاب أحدهم أو بعضهم سلوكه في المدرسة ولم يعترفوا بما اقترفوا ويدلوا على الفاعل هنالك ينتقل الأمر إلى آباء الطلاب وأولياء أمورهم وهناك ترسل الخطابات إلى هؤلاء الآباء بطلب الحضور وكنا نعرف أن المقابلة ستكون عاصفة وإننا لا نملك فيها الا التسليم بما يرتئيه الأستاذ فدا، وبهذه الوسائل كان البيت مرتبطا بالمدرسة أشد ارتباط وكان الآباء والأمهات على علم تام بأحوال أبنائهم الدراسية بل وبسلوكهم وأخلاقياتهم، وهكذا كان الأستاذ محمد فدا شخصية يحسب حسابها الجميع ويحبها الجميع أشد الحب، لأنهم يضعون بين يديه مستقبل أبنائهم ويعرفون أن هؤلاء الأبناء في يد أمينة كريمة. ولتكتمل الصورة لدى القارئ عن هذه المدرسة أو المؤسسة العظيمة (مدارس الثغر النموذجية) لا بد أن نذكر أن المدرسة تضم قسما داخليا تهيئ

стр. 288

فيه للطلاب كل وسائل الراحة من المأكل والمضجع والتطبيب إلى مختلف النشاطات الرياضية التي تحفل بها برامج هذه المدارس وكذلك البرامج الاجتماعية والفنية وكان الاختيار لكل العاملين في هذه المدارس من مدرسين وعاملين في مختلف أعمال المدرسة وشؤونها يتم على أسس مؤهلات علمية وخبرات سابقة وكان الأستاذ محمد فدا يشرف على الكبيرة والصغيرة في شؤون هذه المدارس مواصلا الليل بالنهار في تقصى هذه الأمور لضمان سيرها على الوجه المطلوب وكانت الحفلة السنوية التي تقيمها المدرسة والتى تعرض فيها نشاطات الطلاب يتخللهما بعض البرامج التمثيلية الناجحة يدعى لها آباء الطلاب بل والأمراء والوزراء ويحضرها صاحب السمو الملكى الأمير فيصل ولى العهد - ولم ينقطع عن حضورها إلا بعد أن ولى العرش وأصبح وقته كله مشغولا بشؤون الدولة، نقول أن هذا الحفل السنوى كان أشبه بمظاهرة ثقافية يحرص الجميع على حضورها في كل عام. وليس سرا أن مدارس الثغر النموذجية سبقت جميع المدارس إلى تقديم الوجبة الغذائية التي كانت إجبارية على جميع الطلاب والتى كانت غنية بأصناف الطعام ولقد سألت الأستاذ فدا ﵀ لم لا تكون هذه الوجبة اختيارية؟ فقال حتى لا يشعر الطلاب الذين يحتاجون إليها بالفارق بينهم وبين زملائهم الذين يجدون مثلها في بيوتهم في كل يوم وليست هذه بأولى ملاحظات الأستاذ فدا بل ومحافظاته على شعور أبنائه من الطلاب وغرس روح المساواة بينهم، كما كانت مدارس الثغر أول مدرسة فما أعلم توحد زى الطلاب وهو إلزامي فيها، ولقد كان الأستاذ فدا يعرف قدرات طلابه ويرعاهم الرعاية الكاملة.

стр. 289

حدثنى مرة أنه يعرف طالبين من أنجب الطلاب في مكة المكرمة وكان يترقب لهما مستقبلا زاهرا إذا أتما دراستهما وكان يرغب أن ينقلهما إلى مدارس الثغر توطئة لابتعاثهما إلى الخارج ولكن والد الطالبين كان يعارض حتى في مجرد انتقالهما إلى جدة فضلا عن السفر إلى أمريكا وأوربا فما زال به حتى أقنعه وانتقل الطالبان فعلا إلى مدارس الثغر بجدة ولقد صحت نبوءة الأستاذ فدا ﵀ حينما عاد أحد الطالبين مهندسا عظيما من الولايات المتحدة ولم يمض طويل وقت حتى أسند إليه منصب رئيسى في مجال عمله، بل أستطيع أن أقول أن معظم من عرفت من طلاب الثغر هم من أصحاب المكانة المرموقة فمنهم من أكمل الدراسة الجامعية إلى أقصى مراحلها وأصبحوا من الأساتذة المعروفين في الجامعات ومنهم من برز في ميدان الهندسة أو في الأعمال التجارية، والجميع يذكرون أستاذهم محمد فدا بالإِكبار والحب ولعلى لا أفشى سرا حينما أقول أن أبنائى وقد قرأوا ما أكتبه عن أعلام القرن الرابع عشر سألونى لماذا لا أكتب عن أستاذنا محمد فدا؟ ولقد أكبرت فيهم هذا الوفاء لأستاذهم العظيم ولم أكن له ناسيا فهو علم من أعلام هذه البلاد في مجاله يرحمه الله. عُضْو جَامِعَة الملك عَبْد العَزيز وفى رحاب مدرسة الثغر ولدت فكرة جامعة الملك عبد العزيز أو على الأصح ولدت الترتيبات الخاصة بها وكان المرحوم محمد فدا في رحلة في الخارج حينما ظهرت الفكرة ودعى الناس للاجتماع لانتخاب الهيئة التأسيسية للجامعة وكان المطلوب من الراغبين في عضوية هذه الهيئة ترشيح أنفسهم لها ولما كان الأستاذ محمد فدا

стр. 290

غائبا عن البلاد فقد ارتأت الهيئة التي تشرف على فكرة الجامعة أن يكون الأستاذ فدا من ضمن المرشحين لهذه العضوية فأعلن المرحوم السيد أحمد شطا اسمه كأحد المرشحين الذين لم يستطيعوا ترشيح أنفسهم لغيابهم وقد نال في هذا الانتخاب الكثير من الأصوات لما يتمتع به من سمعة طيبة ومقام ملحوظ، ولقد اختارت الهيئة التأسيسية للجامعة مدرسة الثغر مقرا لاجتماعاتها الأسبوعية والتى كانت حافلة بالجهود الكبيرة للتأسيس ولم تنقل منها إلا بعد أن تسلمت مبانى الجامعة التي قدمها لها المرحوم الشيخ عبد الله السلمان وتم إصلاح المبنى الأول فيها وهكذا ساهمت مدارس الثغر في احتضان فكرة الجامعة التي هي مفخرة من مفاخر مدينة جدة ومعلم من أكبر معالم النهضة في البلاد كما أن الحفل الذى نظم لجمع التبركات للجامعة أقيم كذلك في مسرح مدرسة الثغر بجده وحضره جلالة المغفور له الملك فيصل وتدفقت التبرعات السخية للجامعة في ذلك الحفل الكبير. هذا وقد تفضل الأخ الأستاذ محمد سعيد طيب بزيارتى قبيل طبع هذا الكتاب وقدم لى قصاصات كان يحتفظ بها مما نشرته الصحف بعد وفاة المرحوم الصديق الأستاذ محمد فدا مدير مدارس الثغر النموذجية وتحدث إلى بمعلوماته عن الأستاذ فدا ﵀ الذى كانت تربطه به زمالة الصداقة والعمل منذ فجر شبابه الباكر ولقد كنت حريصا دائما على إضافة معلومات الإِخوان الكرام إلى ما أكتبه في تراجم أعلام الحجاز وكنت ألجأ إلى أهليهم وأصدقائهم مستمدا ما لديهم من هذه المعلومات التي قد يكون بعضها بعيدا عنى، وحسنا فعل الأستاذ محمد سعيد طيب لأنه أتاح لى الاطلاع على أشياء جديدة كان من الواجب أن تضاف إلى ما كتبته عنه.

стр. 291

محَمّد فِدَا الشاعِر إن أهم ما لفت نظرى فيما قدمه الأستاذ محمد سعيد طيب عن المرحوم الأستاذ محمد فدا أنه كان شاعرا مشرق الديباجة رائع المعانى والكلمات ولقد أورد المرحوم الأستاذ فؤاد شاكر بعض قصائده التي نظمها وألقاها في مناسبات معينه ذلك أن صاحب السمو الملكى الأمير عبد الله الفيصل زار دار البعثات السعودية في مصر فاحتفل به الطلاب وكان محمد فدا أحد أعضاء البعثة فرحب بسموه بقصيدة شعرية قم دعا سموه أعضاء البعثة في رحلة ترفيهية إلى القناطر الخيريه فألقى محمد فدا كذلك قصيدة في هذه الرحلة وإننى أورد هنا بعضا من أبيات هذه القصائد التي أوردها المرحوم الأستاذ فؤاد شاكر الذى كان مشاركا في هذه الحفلات: يقول في وصف مرابع القناطر الخيرية: مشهد الحسن والخفر … فتنة الماء والزهر معهد الفن والهوى … متعة الروح والبصر يسعد العاشقون في … جوها الحالم العطر ويخاطب الأمير الشاعر قائلا: شاكر الحسن قف تز … ود لأيامك الأخر واندفق يا فؤاد الشعر … نشوان وابتكر واقتبس للقصيد من … رائد الفن والشعر

стр. 292

ومنها: شاعر انت عندما … اخترت ذا الربع النضر ومثال لفيصل … في طباع له غرر والسؤال الذى ورد على ذهنى بعد قراءة ما أورده الأستاذ فؤاد شاكر هو أين ذهب شعر الأستاذ فدا؟ فمن المؤكد أن له قصائد أخرى كثيرة أو قليلة وقد عرف الناس محمد فدا خطيبا مفوها يعتلى المنبر فيرتجل من الكلام أحسنه غير مستعين بورقة مكتوبة أو بإعداد سابق - سوى الإِعداد الذهنى - إذا صح هذا التعبير كما أني علمت أنه كان لا يستسيغ الخطابة التي تعتمد على الأوراق المكتوبة أما اللحن اللغوى أو النحوى فإنه ينفر منه نفورا شديدا بل ويزدريه وكل هذا الذى ذكرته إنما يدل على أصالة الحاسة الأدبية وتمكنها وكل هذا يجعل ممارسة الشعر أمرا سهلا لمن توفرت له هذه الصفات ولئن استطاع الأستاذ محمد فدا أن يبعد الأنظار عنه كشاعر فلن يستطيع فيما أرى ألا يمارس نظم الشعر أو التدفق به في بعض المواقف لأن تجربتى في الشعر أنه يملى على الشاعر ما يقول وفى الوقت الذى تتجلى فيه الدوافع التي لا يملك الشاعر لها مقاومة أودفعا. ولهذا فإن للشاعر محمد فدا أو يجب أن يكون له قصائد قليلة أو كثيرة ضمن محفوظاته وإن كان لم يظهرها للناس ولابد أن تكون كريماته وهن التقفات يعلمن كن هذا الأمر فلا أقل من إظهار هذه الآثار للنشر لتكون الصورة كن محمد فدا الشاعر مجلوة إلى جانب الجوانب الأخرى لهذه الشخصية الكريمة والعظيمة الصفات.

стр. 293

مَرضه وَوفَاته في أحد اجتماعاتي بالأستاذ فدا بعد أن توثقت أواصر الصداقة بينى وبينه قال لى: إننى اقرأ ما تكتبه عن رحلاتك في الخارج وأود لو رافقتك في بعض هذه الرحلات فإننى أزور انكلترا ولكنى لا أعرف شيئا عن معالها السياحية فحركتى محدودة بين الطبيب والسفارة ومنازل بعض الأصدقاء إلى جانب جولات في شارع اكسفورد (استريت) الذى أنزل في أحد فنادقه بعد العشاء، قلت إننى مسافر هذا الصيف ورحلتى فيه تشمل مدنا في أواسط أوروبا وشمالها وإنه ليسعدنى كثيرا أن تكون رفيقى في هذه الرحلة وتواعدنا على الاجتماع في لندن وحضر ﵀ في الموعد الذى عينه ونظمنا برنامج الرحلة بحيث نزور الدانمرك والمانيا وسويسرا معا وقبل سفرنا من لندن بثلاثة أيام حضر المرحوم الصديق الشيخ محمود عطار وكان معنا في لندن وقال لى أبلغ الأستاذ فدا أن الطبيب فلان يريد أن يراه فقد علم منى عرضا أنه هنا في لندن وهو يصر على ذلك وأبلغت الأستاذ فدا ما سمعت فوجم فألححت عليه أن يذهب طالما أن الأمر يتعلق بصحته فوافق وفى اليوم التالى قال لى وفى صوته رنة حزينة لا تنتظرنى فإنى سأطيل القام هنا حسب نصحية الطبيب وكنت أعلم عن مرضه فطمأنته وأعطيته أسماء الفنادق التي سأنزل بها وقلت له إننى سأتصل به فما بعد ومن مدينة ميونيخ بألمانيا اتصلت به وقلت له إنني سأكون موجودا في جنيف بعد ثلاثة أيام قال وستجدنى هناك وفى فندق مجاور للفندق الذى تنزل فيه وفى الموعد العين حضر وكان بادى الانشراح منبسط الأسارير وقضينا بضعة أيام في سويسرا نزور معالها كما نظمنا رحلة بالسيارة تشمل كثيرا من المدن السويسرية وتخترق بعض المدن الفرنسية وتناولنا الغداء في مدينة لوزان وخلال جلسة الغداء أدهشنى الأستاذ فدا

стр. 294

بمحفوظاته من الشعر وقد أسمعنى قصائد قديمة من الشعر الغزلى نشرت لى في الخمسينات فأدركت أن للرجل ذوقا أدبيا إلى جانب شخصيته الحازمة في التربية والتعليم. ثم اقترب موعد عودتنا إلى الملكة فافترقنا على أمل أن نجتمع مرة أخرى في الصيف القادم وقد صمت فجأة ثم قال يبدو لى أنه ليس في عمرى بقية لرحلة أخرى أننى اقترب من النهاية قلت اتق الله يا رجل فإِنك في خير حال وفى الصيف التالى قال إننى قررت الذهاب هذه المرة إلى أمريكا فإِنى لم أزرها من قبل فتمنيت له كل خير وقلت له إن الطب هناك متقدم كثيرا عنه في انكلترا التي تزورها دائما لهذه الغاية. وسافر إلى أمريكا وما لبثنا أن علمنا أنه أدخل المستشفى ثم اشتد عليه المرض فكان هناك يتنفس في خيمة من الأوكسيجين وأن صحته تتداعى ومع ذلك فقد أصر على أن تعود زوجته وبناته إلى جدة للالتحاق بمدارسهن حيت كان موعد افتتاح المدارس قد أزف وفى مساء الخميس ١١/ ٧/ ١٣٨٥ هـ أسلم الروح بمدينة واشنطن في أمريكا ونقل جثمانه بالطائرة حيث دفن بمقبرة العلاة بمكة المكرمة مساء الثلاثاء ١٦/ ٧/ ١٣٨٥ هـ في مشهد مهيب اشترك فيه أصدقاؤه وطلابه ﵀ فلقد كان مربيا قديرا وأستاذا عظيما تغمده الله برحماته وأحسن جزاءه في جنات الخلود. * * *

стр. 295

أعلامُ الحجَاز في القرن الرابع عشر للهجرة

стр. 296

الشيخ محمد ماجد الكردي

стр. 297

الشَّيخ مُحَمَّد مَاجِد كرْدِي ولد الشيخ محمد ماجد بن صالح كردى بمكة المكرمة عام ١٢٩٤ للهجرة وتلقى العلم على أيدى علماء مكة المكرمة في عصره وحفظ القرآن الكريم وكان شغوفا بالعلم والدراسة منذ نعومة أظفاره كما كان شغوفًا بالقراءة فكان يقتنى الكتب المطبوعة والمخطوطة ومما لا شك فيه أن رغبته الصادقة في التزود من المعرفة هي التي هيأته لجمع هذه المجموعة العظيمة من الكتب مع ما وهبه الله من ثراء يسَّر له شراء الكتب المخطوطة والمطبوعة وضمها إلى مكتبته العظيمة قالوا: وكانت مكتبة الشيخ ماجد كردى في مكة المكرمة تعتبر أكبر وأغنى مكتبة خاصة بما تحويه من مجموعات قيَّمة في التفاسير والأحاديث النبوية وكتب الفقه واللغة ودواوين الشعر وكتب التراث وكانت تمتاز بالمخطوطات النفيسة النادرة التي تضمها هذه الكتبة القيِّمة، وكان الشيخ ماجد كردى على اتصال بأصحاب المكتبات وعشاق الكتب في جميع أنحاء العالم الإسلامى فكان يستورد كل جديد ونادر من الكتب المخطوطة والمطبوعة ويضمها إلى مكتبته الفريدة القيمة والتى أطلق عليها اسم الكتبة الماجدية.

стр. 298

المطبعَة المَاجديَّة وكان الشيخ ماجد كردى من أوائل الناس الذين فكروا في تأسيس المطابع في الحجاز وفى مكة بصورة خاصة وله بحت قيم عن تاريخ المطابع نشر بجريدة أم القرى وكتب عنه كتابة مطولة الأستاذ عثمان حافظ في كتابه نشأة الصحافة وتطورها في الملكة العربية السعودية. نعم لقد رأى الشيخ ماجد كردى بما وهبه الله من بصيرة نافذة أن نشر العلم يجب أن يستند إلى وسائل تتيح تعميمه وتيسيره للناس ولما كان الكتاب هو وسيلة نشر العلم وكانت الكتب في الماضي تعتمد على نسخ النساخ أو نسخ طلبة العلم أنفسهم فإن هذه الوسيلة البطيئة لم تعد قادرة على إشباع نهمة الطلاب الذين يتكاثرون وخاصة مع انتشار المدارس وتكاثر عدد الطلاب فقام أولًا بشراء مطبعة شمس الحقيقة الموجودة بمكة والمؤسسة عام ١٣٢٧ هـ ولكنه وجد أن هذه المطبعة قديمة ولا تقوم بإنجاز ما كان يطمح إليه، فاستورد المطبعة الماجدية إلى مكة المكرمة، حدثنى ابنه الشيخ عادل ماجد كردى كضو مجلس الشورى قال حينما قام الوالد باستيراد المطبعة الماجدية واجه صعوبات جمة في نقلها إلى مكة المكرمة فإِن الأجهزة التي تتألف منها الطبعة ثقيلة الحجم ولم تكن هناك السيارات ولا الرافعات فإِن عصر السيارة لم يكن قد حان في الحجاز ولم تكن هناك وسيلة للنقل سوى الجمال والخيل والبغال فاختار الوالد أن تكون البغال هي وسيلة النقل إلى مكة لما تتمتع به من قوة على حمل الأثقال، ومع ذلك فإِن حجم الطبعة كان أثقل من أن تتحمله البغال في طريق صحراوى رملى غير معبد، فكانت البغال تنوء بحملها الثقيل وبعضها بضعف عن مواصلة الحمل والبعض الآخر ينفق

стр. 299

تحت وطأة هذه الحمولة الثقيلة فتستبدل البغال بغيرها وهكذا تم النقل على مراحل وفى عناء شديد ولولا رغبة الوالد الشديدة في إنشاء الطبعة بمكة المكرمة لكانت هذه الصعوبات كافية في إثنائه كما يريد، ولكن همم الرجال لا تقف أمام العقبات وإنما تتخطاها وتذللها وهكذا كان الشيخ ماجد كردى بهمته العظيمة وبحبه الكبير لنشر العلم مثالا فريدا في قوة الإرادة وفى البذل لبلوغ الهدف الذى يريد، ولم تقف العقبات عند وصول المطابع إلى مكة المكرمة وتركيبها فكان لابد من توافر الأيدى الفنية لتشغيل هذه المطابع وكان الطبع في ذلك الوقت يعتمد على صف الحروف التي تسبك سباكة مستقلة، ولم يكن قد عرف (اليونوتيب) وما إليه من أجهزة الصف الحديثة فكان جمع الحروف وتوضيبها يتم باليد، تصنف الحروف المسبوكة سابقا في أدراج معينة في الطبعة ويجمعها عمال الصف في سطور بطريقة معلومة لعدم تداخل الحروف في بعضها فاستقدم الشيخ ماجد عمالا لهذه الغاية وأمر أولاده أن يتعلموا كيف يقومون بصفِّ الحروف وبإدارة آلات المطابع كلها وكل ما يتعلق بها موفرا لمطبعته الاكتفاء الذاتى حتى لا تتعطل عن العمل، قال الشيخ عادل فكنا نعمل في المطبعة بأيدينا عمال صف وطبع ولم يأنف ماجد كردى أن يكون أولاده عمال صف وطبع وهو من هو في ثرائه ومكانته الاجتماعية الكبيرة بل رأى أن هذا العمل هو نوع من حسن التربية للأولاد الذين أمرهم من قبل بحفظ القرآن الكريم على عادة الكثيرين من أهل مكة المكرمة في ذلك الزمان وهكذا أنشأ الشيخ ماجد كردى الطبعة الماجدية. وهكذا كنا في مقاعد الدراسة في ذلك الزمان نجد بين أيدينا كتب الفقه. والحديث والتاريخ والتجويد والنحو وما إليها وقد كتب على غلافها (طبع بالمطبعة الماجدية بمكة المكرمة) وهذا هو المجد الذى حققه ماجد كردى رحمه الله

стр. 300

إذ يسَّر لمدارس الحجاز حاجتها من الكتب المدرسية فلا تتعطل الدراسة انتظارا لوصول الكتب من الخارج وإنما هي مطبوعة في مكة المكرمة وموجودة بين أيدى المدرسين والطلاب في الموعد الصحيح ولم تقتصر الطبعة الماجدية على طبع الكتب المدرسية وإنما كانت تقوم كذلك بطبع المطبوعات التجارية والكتب الأخرى ومن أهم ما طبعته كتاب تاريخ مكة للأزرقى في مجلدين وهو من أقدم وأهم كتب التراث قام بتحقيقه الأستاذ رشدى ملحس ﵀ وكان يعمل بجريدة أم القرى في مكة المكرمة في أواخر الأربعينات، وهكذا أنشأ ماجد كردى ﵀ بمكتبته العظيمة ومطبعته منارة لنشر العلم في بلد الله الحرام وبذل في سبيل ذلك من المال والجهد ما جعله علما من الأعلام. بَيت الكردي في القرارة ولن يتم الحديث كن الشيخ ماجد كردى إلا إذا المحنا بشئ عن أخلاقه الشخصية فلقد كان الرجل طالب علم محبا للعلماء وكان بيته في مكة المكرمة بالقرارة مفتوحا للناس وخاصة للعلماء ورجال الدين والمقرئين من حجاج بيت الله الحرام وكان الرجل بحكم صلته العلمية بالعلماء محط الأنظار فكان يستضيف العلماء ورجال الدين وأعلام الأدب الذين يصلون إلى مكة المكرمة من جميع أنحاء العالم الإِسلامى فيجدون في داره حسن الضيافة وطيب المقام، وكانت هذه الدار علاوة على ما توفره لمن تستضيفهم تعتبر منتدى علميا وأدبيا في موسم الحج خاصة، فتعقد فيها الندوات يستمع الناس فيها إلى قراءة القرآن الكريم من مقرئين أصواتهم حسنة، وإلى تفسير للآيات من عالم بالتفسير وإلى أبحاث دينية وعلمية يسهم فيها أصحاب الاختصاص من الحاضرين كما يلقى فيها

стр. 301

الشعر ويتبارى فيها الأدباء وأصحاب الفكر فهى منتدى حافل بكل طريف ومفيد وكان الشيخ ماجد يحرص على أن يوفر للقادمين إلى هذا النادى ما يحببه إليهم من حسن الضيافة وكرمها وجميل الاستقبال والترحيب. دَار الكُردي بمُنى وللتاريخ فإن دار الشيخ ماجد كردى بمنى حتى بعد وفاته ﵀ كانت تؤدى نفس الغاية ولكن على نطاق أكبر فكان يعقد فيها في ليالى التشريق هذه الندوات ومن أشهرها الندوة الخطابية التي بقيمها شباب مكة المكرمة وأدباؤها في كل عام للوافدين من حجاج بيت الله الحرام وكان كل من قدم من أعلام الرجال للحج يحضر هذه الندوة وقد شهدت الدكتور محمد حسين هيكل مؤلف الكتب الإسلامية الشهيرة في منزل الوحى وغيره يحضرها ويخطب فيها كما شهدت زعيم فلسطين الحاج محمد أمين الحسينى ﵀ حضر فيها ومعه زعيم لبنان المرحوم رياض الصلح وقد طلب الحاضرون منهما الخطابة فألقى الحاج محمد أمين الحسينى كلمة فيها كما كانت للمرشد العالم للإِخوان المسلمين الشيخ حسن البنا ﵀ فيها مواقف خطابية شهيرة كل عام، ولقد كانت الدار على رحبها تضيق بالمئات من الناس الذين يؤمونها في تلك الليلة المشهودة وإنى لأذكر أن هناك مَنَصَّةً في رحبة الدار ناءت بما تحمله من الناس، وكانت من الخشب فتكسرت ولم تحدث أى أضرار وكان الشيخ حامد الفقى رئيس جماعة أنصار السنة حاضرًا في تلك الليلة ففام وطلب التبرع لإِصلاح الدار ولكن سارع الشيخ كامل ماجد كردى أكبر أبناء المرحوم ماجد كردى إلى القول بأن أصحاب الدار يشكرون له وللحاضرين هذا الشعور ولكنهم بحمد الله قادرون على

стр. 302

إصلاح ما تضرر ويعتذرون عن قبول التبرع، قال هذا الدكتور محمد علي الشواف ﵀ بلسان الشيخ كامل كردى وإخوانه وهكذا فإن حسنات الشيخ ماجد كردى امتدت إلى ما بعد وفاته فقد سار أبناؤه ما أمكنهم في الطريق الذى رسمه لهم والدهم العظيم. مَصير المطبعَة هذا وقد أدركت المطبعة الماجدية يديرها الشيخ طاهر كردى ابن الشيخ ماجد كردى ﵀ في مكة المكرمة في الخمسينات وعهدى بها أنها استمرت بعد ذلك ولكنى لا أدرى ماذا تم فيها بعد ذلك وبعد التطور الكبير الذى أدخل على المطابع وانشغال أبناء الشيخ ماجد بالعمل الحكومى ووفاة البعض الآخر فقد كان الشيخ صادق ماجد كردى مديرا لدار البعثات السعودية بالإسكندرية لفترة طويلة كما أن الشيخ عادل ماجد كردى هو عضو مجلس الشورى في الوقت الحاضر هذا بالنسبة للمطبعة أما المكتبة فكما قدمنا أنها كانت تضم نوادر المخطوطات إلى جانب ما تحويه من الكتب المطبوعة القيمة في شتى العلوم والفنون ولعل الشيخ عادل كردى يتحدث إلينا عما آل إليه أمر هذه المكتبة الفريدة في زمانها فإِذا كانت المطابع قد فقدت قيمتها بما جدَّ من فنون الطباعة الحديثة وآلاتها فإِن الكتب والمخطوط منها لا تفقد قيمتها وإنما تزيد على الأيام (١).

стр. 303

وظائف الشيّخ ماجد كردي وفى أوائل العهد السعودى عين الشيخ ماجد كردى مديرا للمعارف تقديرا لعلمه وفضله ثم أسندت إليه مديرية الأوقاف العامة بمكة المكرمة وفى عهد إدارته للمعارف تم إرسال أول بعثة علمية من أبناء المملكة للدراسة في معاهد مصر ومدارسها وكان هذا في الأربعينات من هذا القرن. وفاة الشيخ ماجِد كردي الحجاج على صعيد عرفات في يوم التاسع من ذى الحجة ومخيم الشيخ ماجد كردى في عرفات يغص بالوافدين من ضيوف الرحمن الذين يستضيفهم كل عام والجو عاطر بالتلبية والناس يضجون بالدعاء والكل مبتهل إلى الله سعيد في ضيافه الرحمن والشيخ ماجد كردى في لباس الإِحرام الأبيض يتفقد راحة ضيوفه من الحجاج وهو في أكمل صحة ولكن الله تعالى أراد له حسن الختام فاختاره إلى جواره في هذا اليوم العظيم وفي ذلك المشهد العظيم وهو في لباس الإِحرام فدفن حاجا محرما ملبيا في عرفات وكان هذا في التاسع من ذى الحجة ١٣٤٩ هـ وهو في الخامسة والخمسين من العمر فكانت لوفاته رنة حزن وأسى في جميع أنحاء البلاد ولدى عار في فضله في جميع أنحاء العالم الإِسلامي، تغمده الله برحمته الواسعة وأحسن جزاءه في دار الخلود فلقد كان واحدا من أفذاذ الرجال .. * * *

стр. 304

محمد الطويل

стр. 305

مُحَمَّد الطَّويل قصير القامة، معتدل الجسم، أشقر الوجه واللحية، أزرق العينين، أقنى الأنف، أصلع الرأس، أنيق اللبس، كان يرتدى الجبة والعمامة الحجازية، ثم تحول عنها إلى العباءة والعقال، ذو سمت وهيبه، وقد استحوذ بكرمه وهمته على قلوب الناس فكان زعيما محبوبا، كما نال ثقة الحكام فكان رجل الدولة في العهد الهاشمى، وأحد كبار الرجال الذين تسند إليهم المهام في عهد جلالة المغفور له الملك عبد العزيز. لم أستطع الحصول على تحديد دقيق لولادة المرحوم الشيخ محمد الطويل وكل ما نستطيع أن نذكره أنه ولد في أوائل القرن الرابع عشر الهجرى وكان في مطلع شبابه موظفا بدائرة الجمارك في جدة في العهد العثمانى، وحينما قام الغفور له الملك حسين بن علي بالثورة على الحكومة العثمانية عام ١٣٣٤ هـ كان الشيخ محمد الطويل من أبرز الرجال الذين نالوا ثقته فكان ناظرا لعموم الرسوم في جدة، وقد أطلق عليه لقب الناظر - نسبة إلى هذا المنصب الرفيع إذ ذاك، وكانت موارد الدولة الهاشمية في ذلك الوقت تعتمد على الرسوم الجمركية وكان جمرك جدة الذى يتولى رئاسته الشيخ محمد الطويل هو أهم موارد الدولة لأن جدة

стр. 306

كانت ولا تزال أكبر موانئ الحجاز، وكان مقر الحكومة في مكة، ولكن الموارد كلها تأتى من جدة سواء من الرسوم الجمركية التي تمثل القسم الأعظم من هذه الموارد، أو من الضرائب التي كانت تجبى على وسائل النقل التي تتمثل في الجمال سواء ما كان منها خاصا بنقل البضائع أو الحجاج، وكان الشيخ محمد الطويل أشبه ما يكون بوزير كبير في عهد الدولة الهاشمية فإنى جانب رئاسته للواردات المالية الضخمة، كان يتولى تموين الحكومة بما تحتاجه من أرزاق ومستلزمات وكان الشيخ محمد الطويل بحكم منصبه الكبير وجاهه العظيم مقصودًا من الناس، وكان الرجل كريما عالى الهمة شهما ذا نجدة ومروءة فكان بيته مفتوحا للناس ويده مبسوطة لهم ورفده موصولا لكل طالب، فأحبه الناس وتعلقوا به، والتفوا حوله، ولم يكن يبذل للناس من ماله فحسب وإنما كان يبذل لهم من جاهه كذلك، حدثنى من أثق بروايته أن الشيخ محمد الطويل كان يتوجه إلى مكة لمقابلة الشريف حسين بن علي بين وقت وآخر حسب متطلبات منصبه. وكان أهل مكة يترقبون مقدمه حيت ينزل في بيت باناجه - في باب علي - هذا البيت هدم وأدخل مع غيره في التوسعة الجديدة للمسجد الحرام فإِذا قدم وفدوا عليه بحاجاتهم وكان أكثر هذه الحاجات طلب وساطته لدى الشريف للعفو عن الغرامات وإطلاق المساجين وكان الشريف الحسين ﵀ مشهورا بصرامته وشدته في هذه الأحكام، وفى إحدى زياراته لمكة تجمع لديه حصيلة من هذه الوساطات فجمع أوراقها وكتب معها رقعة موجهة للشريف قال فيها ما معناه - إن ما حبانى به جلالتكم من عطفه وما شرفنى به من خدمته جعلنى مقصدا للناس ومحل حسن ظنهم وإنى أقدم لجلالتكم ما قدم به على الناس من مطالب فإن رأيتم أن تكرمونى بالعفو عنهم فليس هو بكثير على جلالتكم قال الراوي وقد استجاب الشريف لهذا الطلب فأطلق المسجونين وعفى عن الغارمين "وفى عام

стр. 307

١٣٤٢ هـ هاجر الكثيرون من أهل مكة إلى جدة بعد أن دخل الجيش السعودي مدينة الطائف، ولم تكن هذه الهجرة منظمة فكان الناس يفدون بعائلاتهم وينزلون في بيوت من يعرفون من أهالى جدة ولكن البعض لم يكونوا يعرفون أحدا، كما أن منهم من كانت تنقصه وسائل النقل فكان البعض منهم يفد ماشيا أو يستعمل وسائل غير مريحة وما أن علم الشيخ محمد الطويل بذلك حتى استنفر الرجال لاستقبال القادمين من مكة في ضاحية الرغامة وزود المكان بالماء والدواب والأغطية ثم تولى أسكان القادمين وإنزالهم في بيوت الأهالى الذين كانوا يتسارعون إلى تلبية نداء النجدة والمروءة. وقبيل نهاية الحرب السعودية الهاشمية هاجر الشيخ محمد الطويل بعائلته إلى مدينة اسمرا وقد أوشكت الحرب على النهاية وبدا أن البلاد كلها ستدين بولائها لجلالة المغفور له الملك عبد العزيز وكان الطويل بوصفه من أكبر رجالات العهد السابق يخشى أن يكون لهذا الأمر تأثير عليه في العهد الجديد فبقى خارج البلاد حتى أذن المغفور له الملك عبد العزيز بالعودة إلى وطنه فعاد إلى مدينة جدة مكرما آمنا على نفسه وماله (١) وكانت عودته مقترنة بدخول السيارات إلى الحجاز فقد كان الشريف حسين يحرم دخولها واستعمالها ويصر على استعمال الجمل كوسيلة للنقل سواء للحجاج أو البضائع واجتمع لفيف من تجار جدة وكلهم من أصدقاء المرحوم الشيخ محمد الطويل وألفوا شركة للسيارات سميت (شركة القناعة للسيارات) وعينوا الشيخ محمد الطويل رئيسا لها وخصص له مرتب شهرى مقداره ستون جنيها ذهبا في الشهر، وكان هذا المرتب كبيرا جدا في ذلك الحين،

стр. 308

وكان معروفا أن الغرض من ذلك هو تكريم الشيخ محمد الطويل وتأمين كفايته من المال حتى لا تتغير عليه الأمور والأحوال، ثم استقدمه جلالة الملك عبد العزير إلى الرياض وأبقاه فترة ثم ما لبث أن أذن له بالعودة إلى جدة مع موكب جلالته واستقبله الناس استقبالا عظيما وعاد مرة أخرى إلى عمله في رئاسة شركة القناعة للسيارات، وفى شركة القناعة للسيارات اتصلت أسبابي بأسباب الرحوم الشيخ محمد الطويل فقد كنت كاتبا بإدارة حسابات الشركة وكان هو رئيسها وقد أتاح لي ذلك الاطلاع على جانب من كرم الرجل إذ كانت ترد إلى الرقع بخطه الجميل يمنح بها أصحاب الحاجات من مرتبه حتى أنه أصبح بعد فترة من الزمن مدينا للشركة بمبلغ كبير من المال. ولم تطل الأيام بالشيخ محمد الطويل في شركة القناعة للسيارات فقد اختاره جلالة الملك عبد العزيز لإِدارة جمارك وماليات الإِحساء والمنطقة الشرقية، وكان الملك عبد العزيز ﵀ ذا فراسة في الرجال وهكذا قام الشيخ محمد الطويل بتأسيس الجمارك ووضع الأسس لتنظيم الأموال وكان يفد كل عام إلى جدة لزيارة أهله فيفد الناس للسلام عليه وتمتلئ داره بالمهنئين والزائرين طيلة بقائه حتى يعود، ومضت سنوات ثم اختاره جلالة الملك عبد العزيز ليكون مستشارا له ضمن مجلس المستشارين الذى كان يسمى مجلس الربع ولكن الشيخ محمد الطويل ما لبث أن استأذن من جلالة الملك عبد العزيز طالبا السماح له بتأسيس شركة نجد للسيارات وحصل على امتياز للشركة بالنقل بين الحجاز ونجد وقام فعلا بتأسيس الشركة المذكورة ولكنها ولدت ضعيفة فلم يكتب لها البقاء إذ كان مساهموها من أصحاب السيارات الذين لم ينضموا إلى الشركة العربية للسيارات حين توحيدها ولم تتوفر لها الإِمكانيات المالية والادارية التي تضمن

стр. 309

حسن سيرها فتمت تصفيتها، وعاد الشيخ محمد الطويل إلى جدة وقد خلا من كل عمل حكومى أو أهلى، ولكنه أشغل نفسه بخدمة الناس، فقد فتح بيته لاستقبال أصحاب الحاجات وخاصة من الأرامل الضعيفات فكان بيته يؤوى الكثيرات منهن، وكان يستقل سيارته كل صباح إلى مختلف الدوائر الحكومية ليقضى حوائج الناس، فكان هو لسان من لا يستطيعون إيصال أصواتهم إلى رؤساء الدوائر من عائلة فقدت عائلها وتعثرت أوراق المتوفى بين أدراج الوظفين أو بين براثن الروتين وكثيرا ما سعى إلى إطلاق السجين وإغاثة الملهوف، أما الأرامل الضعيفات فقد نصب من نفسه مدافعا عنهن وكثيرا ما تحول بيته إلى محكمة صغيرة يستعين فيها بمن يختار من الناس فيحل الكثير من المشكلات العائلية المستعصية بإصلاح ذات البين أو الفراق بإِحسان، وكان يستخدم ماله الخاص في هذا السبيل، حتى أصبحت هذه الشؤون مشغلة له طيلة النهار وصدرا من الليل، وحتى أصبح من المعتاد أن يرى ضحى كل يوم وهو يؤم الدوائر الحكومية فينجز أمور الناس ويقضى حوائجهم حيث كان يقابل دائما بالترحيب والإكبار. ونشب المرض العضال في دم الرجل الكبير فتوجه للاستشفاء بمدينة فينا بالنمسا وصاحبه إلى هناك بعض محبيه وأدركته المنيه غريبا عن وطنه فقد صرعه الداء ونعته الصحافة فتدفق الناس على منزله يعزون ابنه الأستاذ يوسف الطويل وبنتيه السيدتين نور وانجى الطويل وطال انتظار الناس لوصول الجثمان فكانوا يترددون يوميا للاستفسار عن موضد وصوله مما اضطر ابنه الأستاذ يوسف الطويل إلى نشر ما يرده من أنباء في الصحف يوميا وأخيرا وصل الجثمان وكان أهل جدة جميعا يشتركون في تشييع الرجل العظيم مما جعلهم يصلون عليه في الخلاء أمام

стр. 310

الثكنة العسكرية في جدة قريبا من مقبرة حواء التي استقر بها جثمانه بعد طول سعى في الخير، وبعد عمل دائب في خدمة الناس وكانت وفاته في ليلة الخميس ٢٧ ربيع أول سنة ١٣٨١ هـ بالنمسا ودفن بمدينة جدة بتاريخ ٤ ربيع ثانى ستة ١٣٨١ هـ تغمده الله برحمته الواسعه وأحسن ثوابه في جنات الخلود.

стр. 311

أعْلامُ الحجَاز في القرن الربع عشر للهجرة

стр. 312

الشيخ عبد الرؤف الصبان

стр. 313

الشَّيْخ عَبد الرَّؤُوف الصَّبان قصير القامة، ممتلئ الجسم، حنطى اللون، له عينان صغيرتان يضع عليهما نظارة طبية، كان يرتدى الجبة والعمامة الحجازية في العهد الهاشمى، تم أصبح يرتدى العباءة العربية والعقال بعد عودته إلى المملكة مع من عاد إليها من الحجازيين الذين غادروا البلاد في أعقاب الحرب السعودية الهاشمية. ولد الشيخ عبد الرؤوف الصبان بمكة المكرمة كام ١٣١٦ هجرية وهو هن أسرة الصبان التي كانت طائلة الثراء في ذلك الوقت وكانت تتخصص في تجارة الجلود فتجمعها من جميع أنحاء البلاد وتصدرها إلى عدن بعد دبغها دباغة ابتدائية وكان فريق من آل الصبان يسكنون القاهرة وكانوا يعملون في أعمال المواصلات بالعربات التي تقودها الخيول قبل دخول الترام وانتشار السيارات وكانت معروفة بخطوط الصبان ثم توقفت بعد دخول الوسائل الحديثة في النقل إلى القاهرة. تلقى الشيخ عبد الرؤوف الصبان تعليمه الابتدائى في مكة المكرمة ثم ابتعثته أسرته إلى مصر فدرس بها وتخرج من دار العلوم وهو يعتبر من أوائل المتعلمين الذين تلقوا دراسة منتظمة خارج البلاد في ذلك العهد، وحينما عاد إلى الحجاز كان ثائرا على ما تحفل به حياة المجتمع إذ ذاك من الخرافات نتيجة التأخر

стр. 314

والجمود، وقد أخبرنى أنه كان من أصدقاء الشيخ محمد حسين نصيف وكان يقضى الأماسى في مجلسه بدار نصيف وكان هو والشيخ محمد حسين نصيف يتعرضون للمواكب الخاصة بمشايخ الطرق ومريديهم فيسفهون آراءهم ويحصبونهم بالحجارة وكان هذا في أواخر العهد العثمانى ثم في العهد الهاشمى لأن العهد السعودى قضى على كل هذه البدع والخرافات من اليوم الأول لتسلمه زمام الأمور وإنى لأذكر أنه كان في محلة المظلوم قرب سوق الجامع زاوية السيد البدوى وكانت تعلق فيها مسبحة من الخشب كبيرة، حجم حباتها مثل حجم البيضة وكان يدعى أنها السبحة التي كان يستعملها السيد البدوى للذكر، كما كان هناك جبة خضراء وعمامة عظيمة وغيرها وكنت وأنا صغير السن أتسلق الشباك لأرى المسبحة والعمامة وكان عقلى الصغير لا يسلم بصحة ما أرى لأن المبالغة فيها والتهويل واضحان بجلاء. كما كان في حارة المظلوم زاوية أخرى للطريقة القادرية، وفى حارة الشام زاوية للطريفة الجيلانية وفى العيدروس قريبا من مستشفى جدة الحكومى العام زاوية العيدروس، وكانت الزوايا كثيرة والطرق عديدة وكانت لهم احتفالات كثيرة ومتعددة فهم يحتفلون مثلا بالمواسم التي اعتاد الناس الاحتفال بها في ذلك الزمان مثل ليلة النصف من شعبان وليلة القدر وغيرها وغيرها علاوة على أيام خاصة بالطرق نفسها وكانت لهذه الاحتفالات شنة ورنة تذبح فيها الذبائح ونمد فيها موائد الطعام الكثيرة وتوزع فيها الحلوى ويمارس فيها شيخ الطريقة وأتباعه أسلوب طريقتهم وتتخللها الأغانى التي ينشدها المنشدون وتسير فيها مواكب كبيرة يتقدمها شيخ الطريقة وأتباعه ويشترك فيها الدهماء والأطفال وهم يغنون ما يعتبرونه ذكرا وفى مثل هذه التجمعات قد يحدث من المساوئ ما يبرأ منه الذكر

стр. 315

الصحيح وما لا يرضاه الخلق القويم وهي في جملتها من البدع السيئة التي نحمد الله تعالى على تخلص البلاد منها فهى منافية للدين ومضيعة للمال والوقت وملهية للناس عن الصالح من الأعمال. الهجرَة مِن الحِجَاز نعود بعد هذا الاستطراد عن الطرق ومشايخها وأساليبها إلى الشيخ عبد الرؤوف الصبان فنقول أنه كان من أصدقاء الشيخ محمد نصيف وجلسائه فهو سلفى بحكم ثقافته المستنيرة وصفاء عقيدته كما كان أحد الأعضاء البارزين في الحزب الوطنى الذى طالب الحسين بالتنازل عن العرش والذى مارس نشاطه في الفترة الأولى لولاية الشريف على بن الحسين عرش الحجاز، ولكنه لأمر ما انضم إلى قافلة الرجال الذين هاجروا من الحجاز في نهاية العهد الهاشمى، وقد علمت منه أنه سافر إلى مصر وإلى العراق، وكان في العراق بعمل سكرتيرا خاصا للملك غلى بن الحسين وقد روى لى ﵀ قصة طريفة عن الملك على وابنه الأمير عبد الاله، قال كان الأمير عبد الاله يدرس في انجلترا ورغب في العودة إلى العراق فاستأذن أباه فلم يأذن له فلم يكن منه إلا أنه استقل الطائرة وعاد إلى بغداد ولم يعجب الملك على تصرف ابنه الشاب فأوعز إلى الشيخ عبد الرؤوف أن يلومه ويعاتبه قال الشيخ عبد الرؤوف للملك على، إننى سأعاتبه على مخالفة أوامرك له، ولكنى لا أملك الا أن أقدر فيه إصراره على تحقيق ما يريد وهكذا كان، كما علمت من الشيخ عبد الرؤوف ﵀ أنه كان صديقا للمرحوم الشيخ إبراهيم بن معمر وكان ابن معمر وعبد الرؤوف يقيمان في مصر بغرض الدعاية الإِعلامية وكان الشيخ إبراهيم بن معمر يعمل في خدمة المرحوم

стр. 316

الملك عَبد العزيز بينما كان الشيخ عبد الرؤوف في خدمة اللك على بن الحسين، قال لى الشيخ عبد الرؤوف كنا صديقين إلا فيما يتعلق بالعمل السياسى فقد كنا ضدين ولم يكن الواحد منا يسمح للآخر بالاطلاع على عمل الثانى بحال من الأحوال رحمهما الله جميعا. العودَة إلى الوَطن وحينما أصدر الملك عبد العزيز ﵀ في عام ١٣٥٤ هـ نداءَه إلى المهاجرين بالعودة إلى بلادهم والعمل لإِنهاضها كان الشيخ عبد الرؤوف من أوائل الرجال الذين استجابوا لهذا النداء وعاد إلى الملكة وكتب في جريدة صوت الحجاز يعلن استجابته لهذا النداء ويقدم ولاءه وإخلاصه وقد عينه جلالة الملك عبد العزيز ﵀ غضوا في مجلس الشورى فكان من أبرز الأعضاء العاملين في المجلس وبعد وفاة المرحوم السيد عبد الوهاب نائب الحرم - والد الأستاذ أحمد عبد الوهاب رئيس التشريفات الملكية عين محله مديرا عاما للأوقاف بمكة المكرمة ثم عين أمينا للعاصمة وبعد عودته إلى الحجاز توثقت صلته بصاحب السمو الملكى الأمير فيصل النائب العام - جلالة الملك فيصل فيما بعد - ومما أذكره عن هذه الصلة إننى حينما أصدرت قصة البعث وهي أول مؤلف لى في الستينات أهديت الشيخ عبد الرؤوف ﵀ نسخة من هذه القصة وفوجئت بعد أيام بخطاب كريم من صاحب السمو الملكى الأمير فيصل بن عبد العزيز يقول فيه إننى اطلعت على قصتكم - البعث - وإننى أتمنى لكم النجاح في أعمالكم الأدبية، ولم أكن قد قدمت الكتاب لسموه فلقد كنت أخشى أن يكون فيه ما لا يعجب بعض الناس لأن القصة كانت وصفا للحاضر بما فيه من نقص وتطلعا إلى

стр. 317

المستقبل المرجو بما فيه من خير، وذهبت إلى دار المرحوم الشيخ محمد سرور فوجدت الشيخ عبد الرؤوف هناك وأطلعته على الكتاب وقلت إننى لا أعرف كيف وصل الكتاب إلى سموه وإننى محرج لأننى لم أقدمه لسموه شخصيا أو أبعثه إليه ولكنى سعيد بأن الكتاب قد مرَّ بسلام فضحك وقال إننى بعد أن قرأت القصة قدمتها لسموه وألححت عليه أن يقرأها وإننى لسعيد أن يكون سموه قد فعل وكتب إليك مهنئا بها، وإن هذه اللفتات الكريمة من هؤلاء الرجال إنما تدل على علو نفس، وأصالة طبع وكرم أخلاق. ولقد كان الشيخ عبد الرؤوف ﵀ دائم التشجيع لى في أعمالى الأدبية وأذكر أن المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان أقام حفلة في موسم الحج في الستينات لمجموعة كبيرة من كبار الحجاج المصريين وعلمنا أنه ستلقى فيها بعض الخطب فطلب منى ﵀ أن أكد شيئا لإلقائه في الحفل ردا على ما سيلقى من كلمات فنظمت على عجل قصيدة كان مطلعها. هذا الحجاز وهذه مصر … جمعا فكان الماء والزهر ولا أذكر الآن بقية القصيدة فقد فقدت ضمن ما لقد من شعرى وألقيتها بعد أن انتهى الضيوف من إلقاء كلماتهم وكان الشيخ عبد الرؤوف حاضرا فكان أول المهنئين لي وقال لقد سددت خانة كان لابد وأن تسد فلم يكن من اللائق أن يخطب الخطباء فلا يجدون من يرد التحية بمثلها من قبلنا. وحينما رجعت في اليوم التالى إلى القصيدة وجدت فيها خطأ لغويا لم أتنبه إليه حينما نظمتها بتلك الصورة المستعجلة، وقلت للشيخ عبد الرؤوف إن القصيدة التي هنأتنى كليها كان فيها خطأ لا أغفره لنفسى قال لقد أدركت هذا الخطأ وأنت تلقيها ولكنى أؤكد لك أن أحدا لم يلتفت إليه وأضاف إن مثل هذه الأخطاء تغفر في هذه

стр. 318

المناسبات على شرط تدارك الخطأ وتصحيحه، وهكذا كان الشيخ عبد الرؤوف ﵀ رجلا واسع الأفق نيِّر الذهن وكنت أعجب به كرجل فكر فكر تمرس بأمور الحياة وخاض لججها محتفظا بقوة شخصيته وصفاء ذهنه وكان هو بتنبأ لى بمستقبل طيب، وأذكر أننى حينما بدأت عملى التجارى لم يكن راضيا من تحولى إلى التجارة وقال لى إننى أعرف إنك ستحقق نجاحا عظميا ولكنى أريد لك أن تكون محمد على مغربى الكاتب والشاعر ومع ذلك فحينما أسندت إليه أمانة العاصمة كلفنى بأعمال كثيرة للأمانة كان في حاجة إليها على وجه السرعة كما كلفنى بأعمال أخرى للأوقاف العامة ولم يبخل بتشجيعه وإعلان رأيه الطيب في كل مناسبة ﵀. إِدخال الميكروفونات إلى المسجد الحرام ولعل من أهم ما تميز به عهد الشيخ عبد الرؤوف ﵀ في الوظائف الحكومية، أنه كان أول من أدخل الميكروفونات إلى المسجد الحرام وكان التبليغ سواء للأذان أو للتلاوة من الإمام إنما تعتمد على أصوات المؤذنين والإمام وكانوا يُختارون من ذوى الأصوات الحسنة والقوية في آن واحد وكان المؤذنون يرتقون المنائر العالية المشيدة في أطراف الحرم وحينما بدأت الإِذاعة السعودية في البث بعد الحرب العالمية الثانية اتصل بى الشيخ عبد الرؤوف ﵀ وقال لى إننا سندخل الميكروفونات إلى الحرم الشريف لنقل الأذان وإننا نحتاج إلى مولدات كهربائية ذات تيار معين فسألته عن التفاصيل المطلوبة فقال إن المهندس المختص بجوارى وهو الذى سيخبرك بذلك وتحدث إلى مهندس مصرى لعل اسمه أبو بكر ولا أذكر بقية الاسم فأخبرنى بالمطلوب وأضاف أننا لم نجد هذه المولدات في المملكة وحينما رفعنا الأمر للشيخ عبد الرؤوف قال إنك تستطيع

стр. 319

إيجادها قلت أرجو ذلك، وكان وجود المولدات الكهربائية قليلا ونادرا في تلك الأيام وكان الشيخ عبد الرؤوف يتعجل الأمر وقد وفقنى الله تعالى إلى تحقيق طلبته فقد علمت أن شركة جلاتلى هنكى في جدة وهي شركة انجليزية ضخمة اشتراها فيما بعد صاحب السمو الملكى الأمير عبد الله الفيصل وحولها إلى شركة سعودية باسم المؤسسة العربية للملاحة، أقول علمت إن هذه الشركة الإنجليزية استوردت كمية من المعدات من مخلفات الحرب فذهبت إلى هناك ولحسن الحظ وجدت المرحوم الشيخ أحمد عشماوى مؤسس شركة - الأسواق السعودية فيما بعد - وكان مدير المبيعات في شركة جلاتلى هنكى في ذلك الوقت وأخبرته بحاجتنا إلى هذه المولدات فقال لى أننا لا نعرف أن كان الموجود لدينا ضمن هذه المخلفات تتوفر فيه المواصفات الكطلوبة فاستعنت بمهندس آخر وأخذنا نبحث بين هذه المخلفات حتى وجدنا مولدين جديدين بالتيار المطلوب وأخبرت الشيخ عبد الرؤوف أن المولدات موجودة وطلبت منه أن يبعث إلى مهندسا من قبله لفحصها واستلامها وهكذا كان ونقلت المولدات إلى مكة وما هي إلا أيام قليلة حتى سمعنا صوت الأذان ينطلق من المسجد الحرام من خلال الميكروفونات مما جعل إدارة الحرم تتوسع في المشروع فيما بعد فأعفى المؤذنون من صعود السلالم الكثيرة الدرجات في المآذن خمس مرات في اليوم. تسقيف المسْعى ولكن أهم إنجاز قام به الشيخ عبد الرؤوف ﵀ حينما أسندت إليه أمانة العاصمة أنه قام لأول مرة في التاريخ بتسقيف المسعى، ولعل الكثيرين من الناس لا يزالون يذكرون أن المسعى كان سوقا تجاريا من أهم أسواق مكة المكرمة

стр. 320

تقوم على جانبيه الدكاكين التجارية بمختلف أنواعها وترتفع فيه العمائر الشاهقة على جانبى الشارع ابتداء من الصفا وحتى المروة وكانت دكاكين الصرافين والحلاقين وبائعى المشروبات وأصحاب المتاجر المختلفة تنتتشر على جانبى الشارع كما كانت أهم عمارات مكة المكرمة في ناحية الصفا بل وأغلاها وأعلاها. وكان الساعون بين الصفا والمروة يؤدون نسكهم في وسط هذه الأسواق وضجيجها مما يضطر المرء إلى الشعور بالخروج عن حالة النسك والعبادة إلى ضجيج الحياة وزحامها وكانت المسعى إلى ذلك في بعض أجزائها مكشوفة تخترقها الشمس فكان الناس يتحاشون السعى في أوقات الحرارة ويؤدون نسكهم بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العصر أو في الليل في أوقات الصيف وكان القسم الآخر مسقوفا بسقف من الخشب كئيب المنظر إن حمَى من حر الشمس فهو لا يحمى من المطر في الشتاء وإننى لأذكر أننى اجتمعت بأحد كبار تجار الكويت الذى قدم حاجا في تلك الأيام فقال لي إن المسعي باقية على حالها منذ مئات السنين ألا تفكرون في إدخال شئ من التغيير عليها قلت إن هذا موضع نسك فكيف تريدنا أن نغيره؟ قال وهل من النسك أن يكون موضعه سوقا للبيع والشراء؟ والواقع أن كل عاقل كان يتمنى للمسعى أن يكون مصانا وقد أذن الله بذلك فيما بعد حينما تمت توسعة المسجد الحرام وأدخلت المسعى ضمن نطاق الحرم فتخلصت من السوق وضجيجه وغوغائه. أما دور الشيخ عبد الرؤوف ﵀ فقد كان قبل هذه التوسعة بسنوات طويلة وقد بدأ هذا الدور بقيام الحكومة ممثلة في شخص وزير المالية الأسبق الشيخ عبد الله السلمان برصف شارع المسعى وكان شارعا ترابيا غير مبلط ومما أذكره عن هذا الرصف أن المهندس المصرى الذى كان يشرف عليه وكان اسمه بهجت سلمان أعاد الرصف مرات في المنطقة التي تصل بين شارع القشاشية وأجياد جهة باب على وما حولها وكل ما تم الرصف أو أوشك جاء السيل من أعلى مكة مخترقا شارع القشاشية فأزال الرصف في طريقه إلى أسفل مكة وأخيرا تم الرصف والحمد لله. هنالك تحرك الشيخ عبد الرؤوف فتقدم إلى المسؤولين بإكمال تجميل المسعى وذلك بإزالة السقف
следующие страницы →