← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الملك عَبد العزيز بينما كان الشيخ عبد الرؤوف في خدمة اللك على بن الحسين، قال لى الشيخ عبد الرؤوف كنا صديقين إلا فيما يتعلق بالعمل السياسى فقد كنا ضدين ولم يكن الواحد منا يسمح للآخر بالاطلاع على عمل الثانى بحال من الأحوال رحمهما الله جميعا. العودَة إلى الوَطن وحينما أصدر الملك عبد العزيز ﵀ في عام ١٣٥٤ هـ نداءَه إلى المهاجرين بالعودة إلى بلادهم والعمل لإِنهاضها كان الشيخ عبد الرؤوف من أوائل الرجال الذين استجابوا لهذا النداء وعاد إلى الملكة وكتب في جريدة صوت الحجاز يعلن استجابته لهذا النداء ويقدم ولاءه وإخلاصه وقد عينه جلالة الملك عبد العزيز ﵀ غضوا في مجلس الشورى فكان من أبرز الأعضاء العاملين في المجلس وبعد وفاة المرحوم السيد عبد الوهاب نائب الحرم - والد الأستاذ أحمد عبد الوهاب رئيس التشريفات الملكية عين محله مديرا عاما للأوقاف بمكة المكرمة ثم عين أمينا للعاصمة وبعد عودته إلى الحجاز توثقت صلته بصاحب السمو الملكى الأمير فيصل النائب العام - جلالة الملك فيصل فيما بعد - ومما أذكره عن هذه الصلة إننى حينما أصدرت قصة البعث وهي أول مؤلف لى في الستينات أهديت الشيخ عبد الرؤوف ﵀ نسخة من هذه القصة وفوجئت بعد أيام بخطاب كريم من صاحب السمو الملكى الأمير فيصل بن عبد العزيز يقول فيه إننى اطلعت على قصتكم - البعث - وإننى أتمنى لكم النجاح في أعمالكم الأدبية، ولم أكن قد قدمت الكتاب لسموه فلقد كنت أخشى أن يكون فيه ما لا يعجب بعض الناس لأن القصة كانت وصفا للحاضر بما فيه من نقص وتطلعا إلى

стр. 317

المستقبل المرجو بما فيه من خير، وذهبت إلى دار المرحوم الشيخ محمد سرور فوجدت الشيخ عبد الرؤوف هناك وأطلعته على الكتاب وقلت إننى لا أعرف كيف وصل الكتاب إلى سموه وإننى محرج لأننى لم أقدمه لسموه شخصيا أو أبعثه إليه ولكنى سعيد بأن الكتاب قد مرَّ بسلام فضحك وقال إننى بعد أن قرأت القصة قدمتها لسموه وألححت عليه أن يقرأها وإننى لسعيد أن يكون سموه قد فعل وكتب إليك مهنئا بها، وإن هذه اللفتات الكريمة من هؤلاء الرجال إنما تدل على علو نفس، وأصالة طبع وكرم أخلاق. ولقد كان الشيخ عبد الرؤوف ﵀ دائم التشجيع لى في أعمالى الأدبية وأذكر أن المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان أقام حفلة في موسم الحج في الستينات لمجموعة كبيرة من كبار الحجاج المصريين وعلمنا أنه ستلقى فيها بعض الخطب فطلب منى ﵀ أن أكد شيئا لإلقائه في الحفل ردا على ما سيلقى من كلمات فنظمت على عجل قصيدة كان مطلعها. هذا الحجاز وهذه مصر … جمعا فكان الماء والزهر ولا أذكر الآن بقية القصيدة فقد فقدت ضمن ما لقد من شعرى وألقيتها بعد أن انتهى الضيوف من إلقاء كلماتهم وكان الشيخ عبد الرؤوف حاضرا فكان أول المهنئين لي وقال لقد سددت خانة كان لابد وأن تسد فلم يكن من اللائق أن يخطب الخطباء فلا يجدون من يرد التحية بمثلها من قبلنا. وحينما رجعت في اليوم التالى إلى القصيدة وجدت فيها خطأ لغويا لم أتنبه إليه حينما نظمتها بتلك الصورة المستعجلة، وقلت للشيخ عبد الرؤوف إن القصيدة التي هنأتنى كليها كان فيها خطأ لا أغفره لنفسى قال لقد أدركت هذا الخطأ وأنت تلقيها ولكنى أؤكد لك أن أحدا لم يلتفت إليه وأضاف إن مثل هذه الأخطاء تغفر في هذه

стр. 318

المناسبات على شرط تدارك الخطأ وتصحيحه، وهكذا كان الشيخ عبد الرؤوف ﵀ رجلا واسع الأفق نيِّر الذهن وكنت أعجب به كرجل فكر فكر تمرس بأمور الحياة وخاض لججها محتفظا بقوة شخصيته وصفاء ذهنه وكان هو بتنبأ لى بمستقبل طيب، وأذكر أننى حينما بدأت عملى التجارى لم يكن راضيا من تحولى إلى التجارة وقال لى إننى أعرف إنك ستحقق نجاحا عظميا ولكنى أريد لك أن تكون محمد على مغربى الكاتب والشاعر ومع ذلك فحينما أسندت إليه أمانة العاصمة كلفنى بأعمال كثيرة للأمانة كان في حاجة إليها على وجه السرعة كما كلفنى بأعمال أخرى للأوقاف العامة ولم يبخل بتشجيعه وإعلان رأيه الطيب في كل مناسبة ﵀. إِدخال الميكروفونات إلى المسجد الحرام ولعل من أهم ما تميز به عهد الشيخ عبد الرؤوف ﵀ في الوظائف الحكومية، أنه كان أول من أدخل الميكروفونات إلى المسجد الحرام وكان التبليغ سواء للأذان أو للتلاوة من الإمام إنما تعتمد على أصوات المؤذنين والإمام وكانوا يُختارون من ذوى الأصوات الحسنة والقوية في آن واحد وكان المؤذنون يرتقون المنائر العالية المشيدة في أطراف الحرم وحينما بدأت الإِذاعة السعودية في البث بعد الحرب العالمية الثانية اتصل بى الشيخ عبد الرؤوف ﵀ وقال لى إننا سندخل الميكروفونات إلى الحرم الشريف لنقل الأذان وإننا نحتاج إلى مولدات كهربائية ذات تيار معين فسألته عن التفاصيل المطلوبة فقال إن المهندس المختص بجوارى وهو الذى سيخبرك بذلك وتحدث إلى مهندس مصرى لعل اسمه أبو بكر ولا أذكر بقية الاسم فأخبرنى بالمطلوب وأضاف أننا لم نجد هذه المولدات في المملكة وحينما رفعنا الأمر للشيخ عبد الرؤوف قال إنك تستطيع

стр. 319

إيجادها قلت أرجو ذلك، وكان وجود المولدات الكهربائية قليلا ونادرا في تلك الأيام وكان الشيخ عبد الرؤوف يتعجل الأمر وقد وفقنى الله تعالى إلى تحقيق طلبته فقد علمت أن شركة جلاتلى هنكى في جدة وهي شركة انجليزية ضخمة اشتراها فيما بعد صاحب السمو الملكى الأمير عبد الله الفيصل وحولها إلى شركة سعودية باسم المؤسسة العربية للملاحة، أقول علمت إن هذه الشركة الإنجليزية استوردت كمية من المعدات من مخلفات الحرب فذهبت إلى هناك ولحسن الحظ وجدت المرحوم الشيخ أحمد عشماوى مؤسس شركة - الأسواق السعودية فيما بعد - وكان مدير المبيعات في شركة جلاتلى هنكى في ذلك الوقت وأخبرته بحاجتنا إلى هذه المولدات فقال لى أننا لا نعرف أن كان الموجود لدينا ضمن هذه المخلفات تتوفر فيه المواصفات الكطلوبة فاستعنت بمهندس آخر وأخذنا نبحث بين هذه المخلفات حتى وجدنا مولدين جديدين بالتيار المطلوب وأخبرت الشيخ عبد الرؤوف أن المولدات موجودة وطلبت منه أن يبعث إلى مهندسا من قبله لفحصها واستلامها وهكذا كان ونقلت المولدات إلى مكة وما هي إلا أيام قليلة حتى سمعنا صوت الأذان ينطلق من المسجد الحرام من خلال الميكروفونات مما جعل إدارة الحرم تتوسع في المشروع فيما بعد فأعفى المؤذنون من صعود السلالم الكثيرة الدرجات في المآذن خمس مرات في اليوم. تسقيف المسْعى ولكن أهم إنجاز قام به الشيخ عبد الرؤوف ﵀ حينما أسندت إليه أمانة العاصمة أنه قام لأول مرة في التاريخ بتسقيف المسعى، ولعل الكثيرين من الناس لا يزالون يذكرون أن المسعى كان سوقا تجاريا من أهم أسواق مكة المكرمة

стр. 320

تقوم على جانبيه الدكاكين التجارية بمختلف أنواعها وترتفع فيه العمائر الشاهقة على جانبى الشارع ابتداء من الصفا وحتى المروة وكانت دكاكين الصرافين والحلاقين وبائعى المشروبات وأصحاب المتاجر المختلفة تنتتشر على جانبى الشارع كما كانت أهم عمارات مكة المكرمة في ناحية الصفا بل وأغلاها وأعلاها. وكان الساعون بين الصفا والمروة يؤدون نسكهم في وسط هذه الأسواق وضجيجها مما يضطر المرء إلى الشعور بالخروج عن حالة النسك والعبادة إلى ضجيج الحياة وزحامها وكانت المسعى إلى ذلك في بعض أجزائها مكشوفة تخترقها الشمس فكان الناس يتحاشون السعى في أوقات الحرارة ويؤدون نسكهم بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العصر أو في الليل في أوقات الصيف وكان القسم الآخر مسقوفا بسقف من الخشب كئيب المنظر إن حمَى من حر الشمس فهو لا يحمى من المطر في الشتاء وإننى لأذكر أننى اجتمعت بأحد كبار تجار الكويت الذى قدم حاجا في تلك الأيام فقال لي إن المسعي باقية على حالها منذ مئات السنين ألا تفكرون في إدخال شئ من التغيير عليها قلت إن هذا موضع نسك فكيف تريدنا أن نغيره؟ قال وهل من النسك أن يكون موضعه سوقا للبيع والشراء؟ والواقع أن كل عاقل كان يتمنى للمسعى أن يكون مصانا وقد أذن الله بذلك فيما بعد حينما تمت توسعة المسجد الحرام وأدخلت المسعى ضمن نطاق الحرم فتخلصت من السوق وضجيجه وغوغائه. أما دور الشيخ عبد الرؤوف ﵀ فقد كان قبل هذه التوسعة بسنوات طويلة وقد بدأ هذا الدور بقيام الحكومة ممثلة في شخص وزير المالية الأسبق الشيخ عبد الله السلمان برصف شارع المسعى وكان شارعا ترابيا غير مبلط ومما أذكره عن هذا الرصف أن المهندس المصرى الذى كان يشرف عليه وكان اسمه بهجت سلمان أعاد الرصف مرات في المنطقة التي تصل بين شارع القشاشية وأجياد جهة باب على وما حولها وكل ما تم الرصف أو أوشك جاء السيل من أعلى مكة مخترقا شارع القشاشية فأزال الرصف في طريقه إلى أسفل مكة وأخيرا تم الرصف والحمد لله. هنالك تحرك الشيخ عبد الرؤوف فتقدم إلى المسؤولين بإكمال تجميل المسعى وذلك بإزالة السقف

стр. 321

القديم المتآكل الكئيب المنظر بسقف جميل حديث وهكذا تم له ما أراد وأسند الشروع إلى شركة عرين التي أسسها الأستاذ كمال أدهم والتى كان يديرها مهندس مصرى ضابط اسمه إبراهيم عويس وقامت الشركة المذكورة في عهد الشيخ عبد الرؤوف بإزالة السقف القديم وتركيب سقف حديث جميل مرتفع قائم علي أعمدة حديدية وكان هذا السقف مع الرصف أولَ تحسين أدخل عل شارع المسعى في التاريخ إن صحَّ هذا التعبير إلى أن تم العمل العظيم الكامل بإدخال المسعى نفسه كاملا في الحرم كما هو بوضعه الحاضر مما أتاح للحجاج والمعتمرين أداء نسكهم في جو صاف هادئ لا تعكره ضوضاء الشارع ولا أصوات الباعة والمشترين. عُضو مَجلس إدارة الشركة العربية للسَيّارَات هذا وقد انتخب الشيخ عبد الرؤوف عضوا في مجلس إدارة الشركة العربية للسيارات لفترة من الوقت ثم سافر إلى مصر في السبعينات بعد أن تقاعد عن العمل وأقام بها بضع سنين ثم انتقل إلى لبنان وقد توفى ﵀ بعد مرض قصير يرحمه الله فلقد كان من أعلام الرجال. * * *

стр. 322

مُحَمَّد جَميل حَسن طويل فارع، حنطى اللون، واسع العينين، أقنى الأنف، يضع على عينيه نظارة طبية، وكان له زى متميز عن الزى العادى لملابس الشباب من أمثاله فلقد كان يلبس القصير من الثياب تحتها سروال أشبه بالبنطلون السابغ كما كان يرتدى الكوت الطويل ولعله سافر إلى الهند فأعجبه الزي السائد هناك ولقد لاحظت أن كثيرا من الشبان الذين سافروا إلى الهند عادوا إلى الحجاز وهم يرتدون زيا مشابها لهذا مع اختلاف في بعض التفاصيل. ولد الأستاذ محمد جميل حسن سنة ١٣٢٢ هـ بمكة المكرمة وتعلم في مدارسها وأرجح أنه تعلم في مدرسة الفلاح لأنه عمل بعدها أستاذا فيها وقد عرفت الأستاذ محمد جميل حسن مدرسا بمدرسة الفلاح بجدة في النصف الأول من الأربعينات وبالتحديد خلال الحرب الهاشمية السعودية وكان الأستاذ محمد جميل حسن نمطا فريدا من الناس له شخصية مستقلة تحدث عن نفسها فلم يكن يكثر الاختلاط بزملائه المدرسين والأساتذة ما بين الحصص وإنما كان يصطحب معه كتابا يعكف على قراءته في أوقات الفراغ فإذا دخل إلى الفصل ساد النظام وبطل الهرج ووقف الجميع تحية له فيحييهم مشيرا بالجلوس وهو نفسه الذى عودنا على هذا النظام فاتبعناه طائعين، وكانت الحصة التي يقضيها في التدريس حصة

стр. 323

جادة إذا صح هذا التعبير فالرجل كان متمكنا من العلوم التي يدرسها فيشرحها شرحا جيدا ويفيض في هذا الشرح ويوجه الأسئلة إلى بعض الطلاب ليعرف مدى استيعابهم لما ألقى إليهم، وقد يكون كل هذا الذى ذكرت من الأمور التي يتميز بها كثير من الأساتذة ولكن الظاهرة الفريدة التي تميز بها محمد جميل حسن عن غيره من المدرسين أنه كان يلقى الدروس الوطنية على طلابه فيعرفهم بتاريخ بلادهم وأمجادها وما يجب أن يفعلوه لاسترجاع ما سلب وإعادة ما اغتصب، ولم يكن الرجل مدرس تاريخ ولكنه كان مدرس جغرافيا "علم تقويم البلدان" وكنا نتلقى هذا العلم على أيدى مدرسين قبله وبعده فكان حديثهم منحصرا في تقسيم البحار والأنهار والجبال والوديان وحدود الممالك والدول، ولكن محمد جميل حسن كان نمطا آخر غير هذا. كانت الخرائط الجغرافية معلقة في الجدار أمام التلاميذ وكان الأستاذ محمد جميل حسن يقف أمام هذه الخرائط فيتحدث الحديث المعتاد عن تقسيم البلاد بحارها وأنهارها وسهولها وجبالها والقارات وحدودها وما إلى ذلك، ولكنه سرعان ما يدخل في الحديث التاريخى الذى يصل به إلى دروس الوطنية التي خالطت قلبه وملأت شعوره وجوارحه. أذكار أنه كان أول من حدثنا عن فلسطين وكان هذا في النصف الأول من الأربعينات وكانت تحت الانتداب الإِنجليزى ولم يكن اليهود فيها ألا أقلية ولكن أطماعهم فيها كانت معروفة فكان يضع يده على موضع فلسطين في الخريطة ويتحدث عن تاريخها وأطماع اليهود فيها ويقول هذه القطعة السليبة من بلاد العرب لابد أن تعاد إلى أهلها، هذا الجزء الغالى من أرضنا الحبيبة تتكالب عليه

стр. 324

قوى الشر مؤيدة بالاستعمار الإنجليزي الغاشم ولا يكتفى بذلك فإذا به يحدثنا عن تاريخ فلسطين منذ الفتح العربى إلى تسلم الفاروق مفاتيح الدينة القدسة، ثم ينحدر إلى صلاح الدين واسترجاعه لبيت المقدس ووقعة حطين وكنا نصغى مشدوهين إلى مدرس الجغرافيا الذى تحول درسه إلى درس عظيم في التاريخ، وإلى خطاب حماسى في حب الأوطان. كانت البلاد العربية كلها باستثناء الجزيرة العربية تحت الاستعمار الغربى في ذلك الوقت فكانت مصر والعراق والأردن وفلسطين والخليج تحت الحكم الإنجليزي، وكانت سوريا ولبنان والمغرب العربى كله تحت الحكم الفرنسى، وكان محمد جميل حسن يتحدث عن هذه البلاد جميعها وعن مكافحتها للاستعمار ولكنه يطيل ويفيض إذا وصل حديته إلى فلسطين وكأنه ﵀ كان يتنبأ أن هذه البلاد جميعها ستحظى باستقلالها وأن العقبة الكبرى ستكون هي فلسطين، ولا أريد أن أطيل فلقد كان الرجل شعلة متقدة من الحماس والنضال وكان ملما إلماما تاما بالمادة التي يدرسها وكثيرا ما ذكرنا بأمجاد المسلمين والعرب وفتوحاتهم في أوروبا ولست في حاجة إلى أن أقول إننا كنا نترقب الحصص التي يدخل فيها علينا وأننا نتحول جميعا إلى آذان صاغية وقلوب متفتحة تموج بالعواطف والأحاسيس وكان الرجل على صلة بالملك الشريف على بن الحسين أيام حكمه وكان يرى دائما في القصر ولعله كان على صلة بالأسرة الهاشمية كلها فلقد كان واضحا في أحاديته معرفته بالملك فيصل الأول ملك العراق، والملك عبد الله بن الحسين ملك الأردن رحمهما الله، وكان يوما يلقى علينا درسه المعتاد وإذا بنا نسمع ضجيجا وأصوات طلقات نارية، فانفلت الأستاذ محمد جميل حسن من القاعة لينظر ما الخبر؟ وكان الجنود المرتزقة الذين استقدمهم الملك على بن

стр. 325

الحسين للدفاع عن مدينة جدة وهم من الدروز يتظاهرون مطالبين بصرف مرتباتهم التي انقطعت عدة شهور فلم يكن من محمد جميل حسن ألا أنه خرج إليهم منفردا وتحدث إلى رؤسائهم فانقطع صوت الرصاص وخفتت الضجة ومضوا مواصلين مسيرتهم في هدوء، ولقد سمعته بعدها يحدث مدير المدرسة والأساتذة الذين التفوا حوله أنه أفهم رؤساء المتظاهرين أنهم يمرون أمام مدرسة تضم المئات من التلاميذ وأنه لا حاجة لإِطلاق النيران في هذا المكان بالذات فاستمعوا لنصحيته وهو موقف يدل على الشجاعة والإِقدام. وعلى ذكر الجنود المرتزقة نذكر أن هؤلاء الجنود كانوا من الدروز الذين يسكنون في أراضى سوريا ولبنان وفلسطين، وكان الملك الحسين بن على حينما غادر جدة بعد خلعه وتولية ابنه الملك على ذهب إلى العقبة وكان ابنه الملك عبد الله بن الحسين يرسل إليه هؤلاء الجنود المرتزقة لترحيلهم إلى الحجاز وكان قائد هؤلاء الجنود ضابطا سوريا اسمه تحسين الفقير وكان الدفاع عن مدينة جدة مقسما على ثلاث فئات الدروز واليمنيين والمتطوعين من أبناء البلاد وكان يحيط بمدينة جدة سور من الأسلاك وكانت كل فئة تتمركز في ناحية من النواحى وقد باع الملك على شارع قابل كما أسلفنا في حلقة سابقة لمواجهة مصاريف الحرب بأبخس الأثمان، وحينما تظاهر الدروز في المرة التي أشرنا إليها اعتصموا بمسجد عكاش في قلب مدينة جدة ذهب إليهم كبير جدة المرحوم الشيخ محمد الطويل وتعهد لهم بتسديد استحقاقاتهم وباع المنزل الوحيد الذى كان يملكه لسكنه الخاص وأوفى لهم بجميع حقوقهم وأعادهم إلى بلادهم، نعود بعد هذا الاستطراد إلى الأستاذ محمد جميل حسن فنذكر طرفة عنه سبق أن ذكرتها في كتابى حبات من عنقود والطرفة بعنوان "رجل في التراب ورأس في السحاب" ..

стр. 326

كان الأستاذ محمد جميل حسن ﵀ أستاذا لنا بمدرسة الفلاح - بجدة وكان يعلمنا الجغرافيا والإِنشاء والحساب، وكان مربيا قديرا وأستاذا مثاليا وقدوة تحتذى، وكان بختصنى بكثير من الرعاية والتشجيع وكان درس الجغرافيا أو علم تقويم البلدان كما يسمونه الآن من أحب الدروس إلينا على عهد الأستاذ جميل حسن فلقد كان درسا في الوطنية والاقتصاد قبل أن يكون درسا في أسماء المدن والمالك والبحار والغابات .. وإننى لأذكر كيف يفيض ويتدفق حينما كان يقف أمام خريطة البلاد العربية فيتحدث عن كل قطر منها وما تضمه أرضه من خيرات، وكيف كان يهاجم الاستعمار الذى كان ما زال رابضا على أرض أجزاء كثيرة من البلاد العربية، وكان يتجلى حنقه وسخطه حينما كان يصل إلى فلسطين فينقلب إلى خطيب مصقع وهو يومئ بعصاه الصغيرة إلى موقعها من الخريطة ويقول هذه القطعة المغتصبة من أرض الوطن العربى، هذا الجزء العزيز على نفوس الأمة العربية جمعاء لن نقبل بتسليمه لليهود، ويفيض في مثل هذه الموافف بحماس يملأ التلاميذ شعورا متدفقا من الغيرة والحمية .. وأعطانا الأستاذ يوما في درس الإِنشاء بيتا من الشعر وطلب منا أن نشرح مقصد الشاعر منه وهذا البيت .. وكن رجلا رجله الثرى … وهامة همته في الثريا ولم يفتح الله علينا بشئ، فهمنا أن المقصود أن يكون الرجل رجله في الثرى، ولكن ما هي هامة الهمة هذه المطلوب أن تكون الثريا؟ وحضرنا في اليوم التالى وجاء زميلنا الأستاذ عبد الكريم بكر وهو الآن من كبار موظفى الشركة التجارية العربية بجدة - وقال: لقد عرفت حلَّ البيت قلنا هات .. قال: إن مقصد الشاعر أن يكون الإنسان رجله في التراب، ورأسه تدق السحاب - ثم قال: إن الهامة هي الرأس والثريا هي نجم مشهور في السماء فهل تريدون أن

стр. 327

تخلقوا معانى من غير كلمات الشاعر، وفهمنا ضمنا أنه استعان بأحد العارفين في الشعر .. فتوصل إلى هذه المعانى، وكتبنا جميعا ما قال الزميل عبد الكريم، أن مقصد الشاعر أن يكون الإنسان له رجل مغروسة في التراب، ورأس ملتصق بالسحاب، وقدمنا الكراسات للأستاذ وكلها مكتوبة في سطر واحد وصيغة واحدة دون تنويع أو تغيير، واعتقد الأستاذ جميل أننا نسخر منه وكان صارما بقدر ما كان مخلصا ونظر إلى كراستى واستدعانى من دون التلاميذ وقال، حتى أنت فعلتها معهم؟ وصمت حياء وخجلا وعاقب التلاميذ جميعا دون استثناء وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي أتعرض فيها لعقابه فكان شعورى بالخزى من العقاب أكبر من شعورى بالعقاب نفسه. وفى مساء هذا اليوم بالذات كنا نسير خارج البلدة وكان الأستاذ جميل حسن يقوم بنزهته المسائية وحيدا كعادته واقترب منى أحد الناس وسألنى هل تعرف الأستاذ جميل حسن المدرس بمدرستكم؟ قلت نعم قال: أين يسكن؟ قلت لا أدرى ولكنه أمامك وأشرت إليه فذهب إليه وتحدث معه قليلا .. وعدت إلى منزلى وعدنا في اليوم التالى إلى المدرسة ولكن الأستاذ جميل لم يحضر في ذلك اليوم ولا فيما تلاه من أيام وقيل لنا أخيرا إنه سافر إلى مكة وانقضت شهور طويلة علمت بعدها أن الله تعالى اختاره إلى جواره فتأثرنا جميعا لوفاته رحم الله الأستاذ محمد جميل حسن فلقد كان أستاذا عظيما ومربيا قديرا وكان أول من علمنا الوطنية، انتهى ما نقلناه بنصه من كتابنا حبات من عنقود. وقبل أن نختتم الحدبت عن الأستاذ محمد جميل حسن نقول إنه كان من أوائل الأدباء الذين شاركوا في كتاب أدب الحجاز الذى أصدره المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان في عام ١٣٤٤ هـ وله في قسم المنثور مقالان يفيضان حماسة

стр. 328

ووطنية وقد علمت أنه بعد عودته إلى مكة المكرمة أصيب بمرض عضال وكان يقضى أيامه في المطالعة ولم يتزوج وتوفى في أواخر الأربعينات في حوالى الثلاثين من العمر تغمده الله برحمته الواسعة وأجزل ثوابه في عليين .. * * *

стр. 329

الشّيْخ مُحَمَد عَلي مَلطَاني طويل فارع، حنطى اللون، مستطيل الوجه، واسع العينين، له لحية متكاملة خفيفة، يلبس العباءة العربية ويضع على رأسه غترة بيضاء في الصيف أما في الشتاء فيعتم بعمامة من الصوف، وكان يشد وسطه بحزام خفيف من القماش وكان يحمل ساعة معدنية مربوطة بخيط أسود إلى عروة الثوب لتستقر بين ثنايا هذا الحزام فهو في لباسه هذا يمثل طبقة الأعيان من رجال الحارة الذين أخذوا بنصيب من عادات المتحضرين من أهل المدينة واحتفظوا في نفس الوقت بشارات زعماء الحارة وتقاليدهم والواقع أن الملابس في النصف الأول من القرن الهجرى الرابع عشر كانت تمثل الطبقة التي ينتمى إليها المرء تمثيلا يكاد أن يكون دقيقا فبالنسبة لطبقة التجار يلبس الثوب من الشاش الرفيع في الصيف ويشد الوسط بشال من القرمسود غالبا ما يكون مشغولا من صنع الشام وهو من الحرير الخالص ويكون هذا الحزام رفيعا رقيقا وفوق التوب تلبس الشاية من الكتان الأبيض وفوقها الجبة والعمامة الحجازية المعروفة أما في الشتاء فتكون الجبة من الصوف وأحسن أصنافه نوع اسمه "الانقورى" وفى هذا الحزام توضع الساعة "الراسكوف" والتى تشد إلى عروة الثوب بسلسلة من الذهب وربما كانت الساعة ذهبية كذلك، كما يوضع بين ثنايا الثوب كيس من القماش من نوع قماش

стр. 330

الجبة فيه بعض النقود الفضية أما طبقة الأفنديات من أبناء التجار فيلبسون الثوب وفوقه الكوت ويضعون على رؤوسهم أو على الأصح على أكتافهم شالا مشغولا إما من اللاس وهو قماش كذلك من الحرير أو هو من البريسمى وهو من الإبريسم الذى كان يصنع في تركيا أو في سوريا ويكون داكن اللون مشغولا وغالى الثمن، وفوق الثوب كوت من نفس القماش يوضع فيه القلم الذهبى والساعة وذلك قبل انتشار ساعات اليد وبينما ينتعل الرجال الحذاء الحجازى الذى يصنع محليا في جدة ومكة والذى كان يتزين بشئ من القصب وأحسن أنواعه يسمى "أبو خرزين" فإن الشبان يلبسون الأحذية الجلدية الواردة من الهند فإذا ترك هؤلاء الشبان عهد الدراسة لبسوا الجبة فوق الكوت والعمامة الحجازية بدلا من الشال فالفارق بينهم وبين الكبار هو تميز الأولين بالشاية وحزام الوسط وتميز الآخرين بالكوت دون حزام للوسط فإذا انتقلنا إلى الطبقة الشعبية الوسطى وجدنا أن الثوب يكون من قماش متين وغالبا ما يكون ملونا كما أن السروال الذى يرتديه التجار والأفنديات طويل سابغ يغطى العقبين مشغول الأطراف تشده دكة كذلك مشغولة بينما يكون السروال الشعبى قصيرا إلى حد الركبة والحزام الذى يشد الوسط عريض من الصوف المشغول وغالبا ما يكون أخضر اللون أو أحمره ويجئ الشال الذى يوضع على الكتف من نفس النوع أما الرأس فتوضع عليه كوفية صغيرة لا تغطى إلا الجزء الأوسط من الرأس بينما تكون هذه الكوفية لأبناء الطبقة الوسطى وأبناء الذوات سابغة كبيرة تغطى الرأس جميعه وتميل على الجبين، ويغلب حفاء الأقدام على الطبقة الشعبية الفقيرة وإذا كان منهم من يلبس الأحذية فهى من الأحذية المحلية التي تصنع في مكة وجدة فإذا وصلنا إلى زعماء الطبقة الشعبية كالعمدة ومن يتصلون به من أعيان هذه الطبقة وجدنا أن لباسهم هو كما وصفناه ويزيد على ذلك عمامة كبيرة على الرأس

стр. 331

إما من البغدادى في الصيف أو الصوف المشغول في الشتاء ثم مِصْنف أو حَمُّودى وهو قماش متين مخطط يوضع على الكتف ويمسكون في أيديهم عصا من العصى الغليظة التي تسمى "الشون" هذا بالنسبة للباس أهل الحجاز أما الجاليات الأجنبية فكانت تتميز بملابسها الخاصة التي تدل على جنسياتها والواقع أن الحديث عن الأزياء وخاصة في النصف الأول من العام الهجرى الرابع عشر طويل ومتشعب ولا تتسع له هذه العجالة. نعود بعد هذا إلى الشيخ محمد على ملطانى ﵀ فنقول إن الرجل كان زعيما محبوبا لدى معارفه بحق فهو يعرف الكثيرين من الطبقة الوسطى والشعبية بحكم نشأته بينهم كما أن مواهبه رشحته لصداقة عظماء الرجال في عصره وخاصة من كان بيدهم الحل والعقد فكان هو واسطة هؤلاء الناس لديهم لقضاء حوائجهم، وقد عرفته في منتصف الخمسينات حينما عملت بمكتب الشيخ محمد سرور الصبان ﵀ بمكة المكرمة فعرفت رجلا لمَّاحًا بارع الذكاء رغم ضآلة تعليمه ولكنه كان عظيم الخبرة بالحياة والناس وكان يخاطب الناس على قدر كقوم ويتفانى في خدمتهم بل ولا يتأفف من ذلك. كان يحضر إلينا في مكتب الشيخ محمد سرور عصر كل يوم تقريبا وبيده قائمة بطلبات الناس هذا يريد إركابا بالبريد وكانت سيارة البريد الوسيلة الوحيدة للسفر سواء إلى مكة أو المدينة أو الطائف وكانت تابعة للشركة العربية للسيارات فلم تكن هناك أتوبيسات أو تاكسيات وإنما كان الناس يركبون في سيارات البريد والمحظوظ منهم من يجد محلا له بجوار السائق أما بقية الركاب فيتخذون مقاعدهم داخل الصندوق مع طرود البريد وأكياسه نقول إن الشيخ محمد على ملطانى يحضر إلينا عصر كل يوم وبيده قائمة بطلبات الناس ابتداء من طلبات الإركاب إلى طلبات المساعدة إلى تعقيب المعاملات إلى غير ذلك من

стр. 332

مختلف الأغراض والطلبات، وأذكر أنه حضر إلى يوما وكنت مشغولا وكان المكتب يغص بالزائرين ورأى بعضهم كيف أطال الشيخ الملطانى الكلام معى وهو بنظر في القائمة وأنا أخبره بما تم إنجازه من الطلبات السابقة، وبما وعد به الشيخ محمد سرور أو أشار به في الطلبات الأخرى فقال لى أحدهم بعد أن ذهب الشيخ الملطانى لقد أخذ هذا الرجل من وقتك الكثير فهلا اختصرت الحديث معه؟ فإن غيره من الجالسين ينتظرون على أحر من الجمر قلت إن الرجل لم يطلب شيئا لنفسه وإنما كان يسعى في طلبات الناس فهو لسان من لا يستطيع إيصال حاجته، أو يمنعه الحياء أو يقعد به المرض أو الحاجة فسكت والواقع أن صلتى بالمرحوم الشيخ محمد على ملطانى امتدت إلى أن توفاه الله وعلى كثرة ما كان يسعى لقضاء حاجات الناس لم أره يوما يطلب شيئا لنفسه أو يسعى إلى منفعة وكان الرجل مضيافا له بيت مفتوح في الطائف صيفا يستقبل فيه الضيوف من معارفه الكثيرين كما كان يسافر إلى المدينة كل عام فتكون داره في المدينة المنورة مفتوحة للناس ليل نهار وكان الرجل مغرما بألعاب الورق والطاولة والبجيس وغيرها وكان بارعا فيها فكان يسهر بعض الأحيان إلى الهزيع الأخير من الليل وربما صلى الفجر ثم نام، ومع إسرافه في هذا اللهو البرئ فقد كان رجلا كاملا غير هامل. مَصنَعُ الخِيَام فكان له بيت في القرارة جهة المروة يتخذ منه مكتبا وإدارة لمصنع الخيام ولعله كان أول من صنع الخيام بمكة المكرمة وكنت أزوره في هذا الكتب فأجد العمال الذين أحضرهم وجميعهم من أهل مكة المكرمة يعكفون على صنع الخيام وكان يشترى لهم القماش الجيد المتين ويصنعون الخيام الكبيرة والصغيرة ويؤجرها في

стр. 333

زمن الحج وقد استأجرت منه بعض الخيام الكبيرة في حج أحد الأعوام وأدركنا المطر في عرفات وكان مطرًا عظيما فأظلتنا الخيام دون أن تنزل منها قطرة ماء بينما كانت بعض الخيام المصنوعة في مصر أو الهند لا تظلل المحتمين بها ولو أن الشيخ محمد علي ﵀ توسع في مشروعه هذا وحسنه واستعان فيه ببعض الآلات الحديثة لكان لنا مصنع أو مصانع كثيرة للخيام الجيدة بدلا من استيراد عشرات الألوف منها كل عام .. والشيخ الملطانى كان رجلا أنيس المجلس حاضر البديهة وقد رويت في كتاب حبات من عنقود بعض الطرائف عنه أوردها فما يلى: وَاحِدَةٌ مِن أعدَاءِ الله تكفي كان المرحوم الشيخ محمد على ملطانى يجمع الكثير من حميد الخصال، فلقد كان محبا للخير مشاء في خدمة الناس، وكان يحضر إلينا يوميا في مكتب الشيخ محمد سرور الصبان ومعه قائمة بطلبات الناس، هذا يريد له إركابا إلى المدينة أو الطائف، وهذا يعقب له على معاملة بوزارة المالية وذلك يحتاج إلى مساعدة أو وظيفة، وتوثقت صلتى به ﵀ حتى أصبحت أعتمد عليه في كثير من أمورى الخاصة، وكان رجلا عاملا يجمع إلى الجد في العمل أنس المحضر، ومحبة الناس وكان منزله في الطائف أو في المدينة المنورة مجمعا للأصدقاء والأحباب من جميع الطبقات. وكان قديرا على إرضاء النزعات المختلفة بأساليب غاية في اللطف وحسن المخرج وله طرائف عجيبة أذكر منها أن إحدى بناته ولدت ولدا وأرادت هي وزوجها أن يسمياه أحد الأسماء الحديثة في ذلك الوقت كفاروق ولطفى وفؤاد وما إلى ذلك، وأراد جد الطفل لأبيه أن يسمى باسمه وكان هذا الجد هو الشيخ

стр. 334

حامد مؤمنة، وتدخل الشيخ محمد على ﵀ بوصفه جد الطفل لأمه وهنا تظهر براعته في إرضاء جميع الأطراف مع تحقيق ما يريد، واجتمع الناس لحضور التسمية وكان السيد محمد السقاف ﵀ الذى كان فعروفا في أوساط مكة المكرمة يقوم بمراسم التسمية ونهض الشيخ محمد على وقال "نعمل قرعة" وأحضر أوراقا صغيرة مكتوبا فيها الأسماء المقترحة ودعى السيد السقاف لاختيار أحدها وفض السيد الورقة فإِذا الاسم المكتوب بها هو حامد اسم جد الطفل وتهلل وجه الجد وأشرق، وقال الشيخ محمد على بلهجته المعروفة للسيد السقاف هيا سم الطفل حامد وتمت التسمية بين سرور الجميع، وحضر المرحوم الشيخ محمد على في اليوم التالى وحدثنى عن الأمر وهو يضحك قال أرادت البنت وزوجها أن يسميا طفلهما الأول بأسماء الملوك ولم يراعيا شعور جد الطفل وهو أحق بالراعاة فقلت لهم سنعمل القرعة وكتبت الأوراق جميعها باسم الجد وهو حامد ودعوت السيد السقاف لاختيار الاسم وكان الاختيار واحدا لا مفر منه وهكذا حققت رغبة الجد دون أن أشعر الآخرين بأن هذا الاسم قد أملى عليهم، قلت ولكن ماذا لو رجعوا إلى الأوراق فوجدوها جميعا باسم واحد؟ قال لقد مزقت الأوراق كلها حالما أعلن الاسم لئلا يعود إليها أحد .. وذات يوم كنا مسافرين من مكة إلى الطائف مع معالى الشيخ محمد سرور وكان المرحوم محمد على ملطانى معنا، ووصلنا إلى السيل وتناولنا عشاءنا بها، ويبدو أن الشيخ محمد سرور كان راغبا في المبيت تلك الليلة بالسيل ولاحظ الشيخ محمد على ملطانى ذلك فقال أليس الأولى أن نواصل السير فنبيت في بيوتنا بالطائف؟ ونظر إليه الشيخ محمد سرور وقال له مداعبا أتنوى الزواج الليلة؟ فضحك ﵀ وقال واحدة من أعداء الله تكفى وكان يعنى بهذا .. ومعذرة إلى القارئات الكريمات أن زوجة واحدة تكفيه فما له وللثانية .. وواصلنا

стр. 335

سفرنا إلى الطائف ومضت بضعة أيام علمت بعدها أن الشيخ الملطانى أعرس في تلك الليلة بالطائف وأن واحدة من أعداء الله كما وصفها أو من أحبائه كما يصفها غيره لا تكفى .. وقلت له مداعبا لقد فعلتها .. وكتمت الأمر عنا حتى ونحن رفاقك في السفر .. فضحك ثم قال إنك تعلم أن لى سبعا من البنات ليس لهن أخ ولقد تزوجت الزوجة الثالثة آملا أن يزرقنى الله منها أخا لهم. ولم تمض عدة شهور حتى انتقل الشيخ محمد علي إلى رحمة الله تعالى مأسوفا عليه من محبيه الكثيرين وكانت الزوجة الجديدة حاملا وبعد وفاته وضعت بنتا أخرى .. رحم الله الشيخ محمد على ملطانى فلقد كان يمثل الرجل المكى الأصيل بما طبع عليه من خلق يجمع بين الجد والفكاهة، وكان واسطة عقد الأصدقاء يوسع لهم من نفسه وداره ويختصهم بالسعى في شؤونهم مع أنس المحضر، ولطف المدخل وعدم الإِدلال بشئ مما يفعل ﵀ .. انتهى ما نقلناه بنصه من كتاب حبات من عنقود المطبوع عام ١٣٨٧ هـ. شَارع المطاني وقبل أن نختتم الحدبت عن المرحوم الشيخ محمد على ملطانى نذكر أنه كان يملك بيتا كبيرا في مدينة الطائف أمام باب شبرا وقد قام بهدمه وأنشأ في موضعه شارعا به حوانيت كثيرة على الجانبين وبنى في واجهته منزلين يطلان على باب سبرا ولعله بنى في مؤخرته مثلها وكان يسعى ﵀ إلى جعله شارعا لمهنة من المهن ولكن الوفاة أدركته فجأة قبل أن يتحقق له ما أراد فقد توفى بعد الانتهاء من عمارة الشارع مباشرة وقد علمت فيما بعد أنه أصبح شارعا للخياطين أو خلافهم وهو عمل جرئ وجيد اختتم به الشيخ محمد على ﵀ حياته المعاملة الطيبة.

стр. 336

هذا وكانت وفاة الشيخ محمد على ملطانى ﵀ بالطائف في النصف الأول من الستينات عن عمر بقرب من الخمسين تغمده الله برحمته الواسعة وأسكته فسيح جناته. * * * اتبعنا في ترتيب نشر هذه التراجم أن تكون مسلسلة على الحروف الأبجدية وقد حدث بعض الخطأ في هذا الترتيب بصورة غير مقصودة ولم يكن من الممكن تفادى هذا الخطأ بعد إتمام الطبع فإلى ذلك نلفت الانتباه.

стр. 337

مراجع الكتاب اسم الكتاب .................................. المؤلف ابتسامات الأيام في انتصارات الإمام .................................. محمد بن عبد الله بن بلهيد أبو عرام والبشكة .................................. أحمد قنديل أدب الحجاز .................................. محمد سرور الصبان الراعي والمطر .................................. أحمد قنديل المركاز .................................. أحمد قنديل المعرض .................................. محمد سرور الصبان اللوحات .................................. أحمد قنديل الموسوعة الأدبية .................................. عبد السلام طاهر الساسي أوراقي الصفراء .................................. أحمد قنديل تاريخ مدينة جدة .................................. عبد القدوس الأنصاري تطور الصحافة في المملكة العربية السعودية .................................. عثمان حافظ خواطر مصرحة (جزئين) .................................. محمد حسن عواد ديوان العواد (جزئين كبيرين) .................................. محمد حسن عواد سير وتراجم بعض علمائنا في القرن الرابع عشر للهجرة .................................. عمر عبد الجبار شمعتي تكفي .................................. أحمد قنديل عروس البحر (جزئين) .................................. أحمد قنديل قاطع الطريق .................................. أحمد قنديل ماضي الحجاز وحاضره .................................. حسين محمد نصيف مجموعة جريدة بريد الحجاز .................................. مجموعة جريدة بريد الحجاز .................................. بعض المجلات والصحف المحلية العربية .................................. محمد طاهر الدباغ .................................. بكر الصباغ محمد علي زينل رضا .................................. محمد أحمد الشاطري نار .................................. أحمد قنديل همسات التعريف .................................. زهير محمد جميل كتبي

стр. 338

أعلام الحجَاز في القرن الرابع عشر للهجرة ١٣٠١ - ١٤٠٠ هـ ١٨٨٣ - ١٩٨٠ م الجزء الثاني محمَّد علي مغربي

стр. 339

بسم الله الرحمن الرحيم جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م

стр. 340

المقدمَة الحمد لله الذى علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذى أرسله ربه رحمة وهدى فأخرج البشرية كلها من ظلمات الجهالة إلى نور العرفان، وعن ضلالات الوثنية إلى عبادة الواحد الديَّان، وبعد فهذا هو الجزء الثانى من أعلام الحجاز وقد اشتمل على تراجم بعض العلماء والأدباء والمؤرخين والشعراء وكلهم عَلَمٌ في فنه ومجاله. ولقد كان حديثي عنهم بحثا في الآثار التي تركوها والتى ظهرت في حياتهم أو استخرجت مما خلفوه مخطوطا في أوراقهم، وقد اتخذ الحديث عنهم طابع الإسهاب لأني رأيت من الخير تلخيص بعض هذه الآثار التي تضمها الكتب الكبيرة في صفحاتها، ليسهل على الناس قراءتها والإحاطة بها، وخاصة ما يتعلق منها بتاريخ مضى وعهد انقضى، وليكون هذا الحديث دافعا لمن رغب الاستزادة للرجوع إلى الأصل الذى منه استقيت، والمورد الذى منه نهلت، وإني لأرجو أن يجد فيها القارئ بعض الفائدة والإمتاع. أن أعلام الحجاز الذين يستحقون أن يترجم لهم أكثر من أن يحيط بهم كتاب، وإنى باذل الجهد في جمع كلما يتيسر لي من أخبارهم والاطلاع على ما تركوا من آثار وتقديمه للقارئ بالأسلوب الذى اتبعه في هذا الكتاب وفى الكتاب الأول الذى سبقه، متوخيا الصدق في الرواية، والبعد عن المطاعن مظهرا للحسنات، عملا بالحديث الشريف "اذكروا محاسن موتاكم" متجاوزا عن النقص الذى لا يخلو منه إنسان. وبعد فلقد ظن بعض الناس أن أعلام الحجاز هم أعيانه وسراته ووجهاؤه

стр. 341

فأخذوا عليَّ أني أغفلت الحديث عن كثير من الرجال الذين قرنت أسماؤهم بالمال والجاه، أو الذين تقلدوا المناصب وحظوا بالألقاب، وأنى أكرر هنا ما سبق أن ذكرته للأخوة العاتبين والسادة اللائمين أني أكتب عن الرجال الذين تميزت حياتهم بما بذلوه من جهد مادي أو معنوي في خدمة المجتمع الذى عاشوا فيه فتركوا هذه الحياة وبقيت آثارهم شاهدة عليهم مشيرة إلى النافع من أعمالهم، وحسابهم أولا وأخيرا على الله المطلع على السرائر والذى لا يضيع عمل العاملين .. ومرة أخرى فإن هذه التراجم هي لرجال فارقوا هذه الحياة الدنيا إلى رحاب الله تعالى فالحديث عنهم هو للعبرة والذكرى إحياء للعمل الطيب، وتسجيلا للذكر الحسن ورغبة في اعتبار الأحياء لاتباع القدوة الحسنة ممن سبق من الآباء والأجداد. وقبل أن أختم الحديث أود أن أقول أن أي عمل لا يخلو من نقص فإن رأى القارئ نقصا يستطيع أن يكمله فلا يبخل علي بذلك، فلست ادعى الكمال الذى لا يصل إليه بشر، وأسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم خالية من العجب والرياء، كما أسأله تعالى أن يوفقنى إلى الحديث عن طائفة أخرى من الأعلام في كتاب لاحق إن كان في العمر بقية والحمد لله أولا وآخرا ومنه أستمد العون والسداد.

стр. 342

الشيخ أحمد بن عبد الله القاري

стр. 343

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الشيخ أحمد بن عبد الله القاري أسمر اللون يميل إلى الصفرة معتدل القامة متوسط الجسم واسع العينين، أقنى الأنف مسبل اللحية والشارب، حليق العارضين، عرفته في النصف الأول من الأربعينات يرتدى الجبة والعمامة الألفي الحجازية ومن تحتها الشاية وهو زيَّ العلماء في ذلك الزمان، ثم تحول إلى العباءة والغترة بدون عقال وهو زي رجال الدين في العهد السعودى، أنيق الملبس، يكسو وجهه الوقار وتلوح مخايل الذكاء بين عينيه. ولد بمكة عام ١٣٠٩ هجرية وحفظ القرآن الكريم وجوده على يدى والده شيخ القراء الشيخ عبد الله القارئ والتحق بالمدرسة الصولتية بمكة المكرمة وتلقى علومه بها إضافة إلى مواظبته الحضور لتلقى الدروس بالمسجد الحرام، وكان من أنبغ الطلاب بالمدرسة الصولتية كما توضح ذلك الترجمة المسهبة التي أوردها الأستاذ الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان والأستاذ الدكتور إبراهيم أحمد على (١) وقد كان لهذا النبوغ المبكر تأثيره الحسن في نفوس أساتذته فانضم إلى سلك المدرسين بالمدرسة وهو طالب بها وكان هذا التقليد من الوسائل التشجيعية التي تتبعها المدرسة الصولتية مع تلاميذها النابهين.

стр. 344

وحصل الشيخ أحمد القارى على أجازة التدريس بالمسجد الحرام بتفوق عظيم وقد وصف العلامة الشيخ حسن المشاط الكيفية التي تم بها اختيار الشيخ أحمد القارى فقال: كانت هيئة الامتحان مكونة من أربعة علماء يطرح كل واحد منهم سؤاله في مختلف العلوم ويناقشون المتقدم مناقشة قوية مفحمة قَلَّ من يستطيع النجاح فيها، وكان الأمر بالنسبة للشيخ أحمد القاري إنه إذا طرح عليه السؤال يسهب في الإجَابة بطريقة تحليلية عجيبة فإذا ما أراد احد العلماء الممتحنين مقاطعته قال له به - على رسلك فالكلام إلى نهايته - واستطاع بأسلوبه وقوة عارضته وعلمه الغزير أن يمتلك إعجاب الممتحنين والحاضرين، وعلى أثر ذلك إستحق بجدارة أن يكون من مدرسي المسجد الحرام (١). وهكذا أثمر هذا النبوغ المبكر ثمرته فاقتعد أستاذنا الشيخ أحمد القاري مقعده في رحاب المسجد الحرام في حصوة باب إبراهيم في هذه السن المبكرة وكان الطلاب الذين يجلسون بين يديه يكبرونه سنا، ويكبرهم هو مقاما وعلما. تقلد الشيخ أحمد القارى وظائف علمية كثيرة إلى جانب استمراره في التدريس في المسجد الحرام والمدرسة الصوليتة في عام ١٣٣٤ هـ. وفى عام ١٣٣٦ هـ انتخب معاونا لأمين الفتوى بمكة المكرمة. وفى عام ١٣٣٩ هـ عين عضوا بهيئة التدقيقات الشرعية إلى جانب عمله السابق. وانتقل إلى جدة في عام ١٣٤٥ هـ ليتولى القضاء بها، في أوائل العهد السعودى. كما تولى التدريس والدعوة والإمامة بمسجد عكاش بجدة وفى هذه الفترة عين مدرسا بمدرسة الفلاح بجده للعلوم الدينية حيث اتصلت أسباب كاتب هذه السطور به أستاذا بالمدرسة المذكورة كما سنوضح ذلك بعد، وفى عام ١٣٤٩ هـ عين الشيخ أحمد القارى عضوا بمجلس الشورى في مكة المكرمة. وفى عام ١٣٥٠ هـ

стр. 345

عين رئيسا للمحكمة الشرعية الكبرى بمكة المكرمة فعاد إلى مركزه الطبيعى في سلك القضاء. وقد استمر الشيخ أحمد القاري في هذا المنصب إلى أن عين عضوا في رئاسة القضاء - هيئة تمييز الأحكام حاليا - في عام ١٣٥٧ هـ وكان رئيس القضاء هو الشيخ عبد الله بن حسن إمام وخطيب المسجد الحرام وهو والد الشيخ حسن آل الشيخ وزير التعليم العالي حاليا. وقد بقى الشيخ أحمد القاري في هذا المنصب إلى أن توفاه الله تعالى في عام ١٣٥٩ هـ كما سيأتى تفصيله بعد. وينحدر الشيخ أحمد القارى من أسرة تشتغل بالعلم والتعليم فوالده الشيخ عبد الله القارى كان شيخ القراء بمكة المكرمة إلى جانب اشتغاله بطلب العلم في المسجد الحرام والمدرسة الصوليتة فكان أستاذا لمئات التلاميذ في مكة المكرمة وعمه الشيخ عبد الرحمن بن محمد القاري كان كذلك من العلماء المشهود لهم بالفضل وكان مدرسا بالمدرسة الصوليتة كذلك، ثم سافر إلى الهند لنشر علم القراءات والتجويد فمكث بها طيلة حياته وأخواه حامد بن عبد الله القارى والشيخ محمود بن عبد الله القاري وهما كذلك من رجال التعليم وقد أورد الأستاذان الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان والدكتور محمد إبراهيم أحمد علي تراجم وافية عن هذه الأسرة الكريمة فليرجع إليها من شاء (١). عرفت المرحوم الشيخ أحمد القاري أستاذا لنا بمدرسة الفلاح بجدة في النصف الأول من الأربعينات وفى أوائل العهد السعودي وكان يدرس العلوم الدينية بالفصول العليا من المدرسة والتى كانت تسمى الفصول العلمية وتبدأ من السنة السابعة إلى السنة التاسعة وقد رأينا في أستاذنا الجديد نمطا فريدا بين أساتذتنا ومعلمينا، كان الرجل ذكيا لماحا، وكان في نفس الوقت متمكنا من العلم الذى يلقيه إلينا، وكان مهيبا لا يجرأ الطلبة على إزعاجه بما تعود بعضهم أن يفعله من ضوضاء وشغب وكان إلى جانب هذا وذاك شخصية محببة تجمع بين الوقار واللطف

стр. 346

ولا أذكر أنه عاقب أحدا من الطلبة حتى ولا بكلمة قاسية، وكانت له كلمة لطيفة يرددها أثناء الدرس وكلما انتهى من الشرح فيقول متسائلا مفهوم يا مشايخ؟ فنجيب في أدب مفهوم يا مولانا. وكان المعروف عن أستاذنا أنه كان يتولى القضاء ثم حدث ما صرفه عنه فعين أستاذا للصفوف العليا بالمدرسة، وكان يعلمنا الأصول والتفسير وأذكر أنه كان يدرس لنا تفسير القرآن للإمام النسفي وهو من أجل التفاسير للكتاب الكريم، كما أنه كان الأستاذ الوحيد في المدرسة الذي يتقن علم الجبر، وكان يلقى دروسه علينا فيه في تؤدة يحاول أن يشرح لنا معمياته، وهو على أي حال كان من الدروس الصعبة لا بالنسبة لي وإنما لكافة زملائى في الصف. وكنا نشعر أن أستاذنا له شخصية مستقلة فلم نره يخلط نفسه ببقية أساتذة المدرسة وإنما كان يصل إلى المدرسة في مواعيد الحصة الأولى ويأخذ طريقه إلى الصف الذى يلقى فيه درسه، فإذا انتهى الدرس جلس وحيدا في غرفة الانتظار أو مع كبار معلمي المدرسة، وكنت تلمح دائما أمارات الاتزان في حركاته وحديثه، في غير اعتداد بالنفس أو تعال على الآخرين. وكان الشيخ أحمد القارى يتقاضى مرتبا ضخما من مدرسة الفلاح في ذلك الزمان خمسة عشر جنيها ذهبا في كل شهر ولعل هذا كان أعلى مرتب تصرفه مدرسة الفلاح لكل أساتذتها بما فيهم نائب مدير المدرسة الذى كان يتقاضى عشرة جنيهات فحسب، وكان الشيخ أحمد يستحق ذلك دون شك فالرجل عالم متمكن من علمه وقد ولي القضاء في العهد الهاشمي كما وليه في العهد السعودى. لكن ظروف المدرسة ما لبثت أن تغيرت، كانت المدرسة تتلقى مصروفاتها من مؤسسها الحاج محمد على زينل رضا الذى كان من أغنى الأغنياء وكان يتجر في اللآلي ثم ظهر اللؤلؤ الصناعي فانهارت تجارة اللؤلؤ الأصلي وتعرض مؤسس الفلاح لازمة اقتصادية عظيمة اضطر معها إلى التخلي عن الصرف على مدارس الفلاح كما أسلفنا بيان ذلك في الجزء الأول من أعلام الحجاز (١).

стр. 347

لما ظهرت بوادر هذه الأزمة اضطرت المدرسة أن تطلع الشيخ أحمد القاري ﵀ على الظروف السيئة التي تعرضت لها، والتى اضطرت معها إلى أن تستغني عن خدماته لأنها لا تستطيع الاستمرار في صرف المرتب الضخم الذى يتقاضاه في هذه الظروف، ولم يكن من أستاذنا ﵀ إلا أنه أصرَّ على البقاء في المدرسة والعمل فيها بدون مرتب، لم يقبل منهم أن يدفعوا له ما يدفع لزملائه الآخرين، ولم يقل أنه يقنع ببعض الراتب، وإنما أصر على أن يعمل بلا مقابل على الإطلاق وهكذا كان. ولم يكن الشيخ أحمد غنيا ولا صاحب تجارة أو عمل، وإنما كان رجل علم وهب حياته للعلم وسلخ ما مضى من حياته طالب علم ومدرس علم ثم تدرج في وظائف المحاكم الشرعية حتى وصل إلى القضاء بين الناس ولقد كان صاحب أسرة ولكنه كان عظيم الثقة بالله تعالى، وأنه لن يضيع أجر من أحسن عملا، لهذا آثر إلبقاء بين طلابه في مدرسة الفلاح بجدة يقوم بأشرف عمل في هذه الحياة ابتغاء مرضاة الله تعالى حتى يجعل الله له وللمدرسة فرجا ومخرجا. ولقد طلب الشيخ أحمد القارى بعد ذلك للعمل مرة أخرى في مجلس الشورى ثم في سلك القضاء في مكة المكرمة وانتقل إليها كما قرأنا في صدر هذه الترجمة. هذا ولقد كان أستاذنا محبًا لتلاميذه حفيا بأمرهم. حدث أني تركت المدرسة بعد نهاية العطلة المدرسية وحين بداية العام الجديد، إذ رأى أهلي أن من الخير لهم أن اعمل في إحدى الوظائف بدلا من الاستمرار في الدراسة، وكان المتخرجون من الفلاح يعملون في الوظائف الكتابية الحكومية أو الأهلية، ولم ير أهلي ما يوجب استمرارى عامين آخرين للانتقال من سلك الدارسين إلى سلك الموظفين، فالحقوني بمالية جدة بوظيفة ملازم، والملازم هو الموظف الذى يلازم الدائرة التي يلتحق بها ليتمرن على العمل الوظيفى إلى أن تخلو وظيفة فيعين بها بعد أن يكون قد اكتسب من الخبرة ما يؤهله لذلك، وبعد أن يكون قد اتيح لرؤسائه أن يطلعوا على مبلغ ما يحسنه من الكتابة أو الحساب. وقضيت ما يقرب من شهر في وظيفة ملازم بمالية جدة وكان رئيسها المرحوم السيد

стр. 348

هاشم سلطان، وذات يوم لقيت أستاذنا الشيخ أحمد القاري وهو في طريقه إلى مدرسة الفلاح وأنا في طريقي إلى مالية جدة وكانت في مبنى الخزنة، وكان هذا المبنى يقع أمام باب جديد في مواجهة ميدان البيعة الحالي وكان يضم قائم مقامية جدة وإدارة المالية والمحكمة الشرعية وقد أزيل هذا المبنى بعد أن أصبح خربا وآل إلى السقوط. وكان الشيخ أحمد ﵀ يسكن في حارة الشام في مواجهة مبنى الخزنة المذكورة. لقيت الشيخ فوقفت أسلم عليه فسألني لماذا انقطعت عن الدراسة فأخبرته أن أهلي رغبوا لي أن أتوظف قال وما هي الوظيفة التي عملت بها قلت أني لا زلت ملازمًا - والملازم لا يتقاضى أي راتب - وقد يبقى بلا عمل إن لم يهتم به أحد من الموظفين أو يوصي عليه. قال الشيخ حسنا، وقابلته مرة أخرى فاستوقفني وقال لي أنه وجد لى وظيفة حسنة وراتبها أربعمائة قرش ذهب وهي وظيفة معاون مأمور الحوالات والطرود بإدارة بريد جدة وقال لي اذهب إلى هناك وقابل الشيخ سالم ناظر مأمور الحوالات والطرود فقد حدثته في أمرك وهو محتاج إلى معاون له، شكرت الشيخ وقلت إني لابد لي الرجوع إلى والدي وخالي في الأمر فقال على بركة الله. وهكذا أوجد لى الشيخ ﵀ أول وظيفة عملت بها وأنا دون الخامسة عشرة وكانت في وقتها تعتبر أحسن ما يمكن أن يبدأ به موظف صغير مثلي، وهكذا أظهر الشيخ اهتمامه بتلميذ من تلاميذه يرحمه الله. مجلة الأحكام الشرعية هذا ولقد فوجئت كما فوجيء غيرى من الناس بالمرجع الشرعي الضخم الذى كرس الشيخ أحمد ﵀ حياته لتأليفه، والذى قام على مراجعته وتحقيقه وشرح ما يتعلق به في الهوامش الضخمة كل من الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان، والدكتور محمد إبراهيم أحمد علي الأستاذين المشاركين بجامعة أم القرى. وقامت -

стр. 349

تهامة مشكورة بإصداره في طباعة جيدة وإخراج حسن. أن مجلة الأحكام الشرعية ليست كما يتصور القارئ مجلة من المجلات الدورية التي تصدر في كل أسبوع أو كل شهر أو في كل بضعة شهور وإنما هو اصطلاح سبقت إليه الحكومة العثمانية حينما أصدرت مجلة الأحكام العدلية في عام ١٢٠٣ هـ وهو كتاب يشتمل على المعاملات الفقهية ووسائل الدعاوى وأحكام القضاء كما أوضح العالمان الفاضلان اللذين قاما بمراجعة المجلة المذكور وإخراجها للناس. وهو علم الغرض منه وضع الأحكام الشرعية في صيغة قانونية إذا صح هذا الوصف، لتكون مرجعا لذوي العلاقة من العلماء والقضاة وطلاب العلم والمحامين وأصحاب القضايا وقد كانت الحكومة العثمانية وضعت هذه المجلة على أساس مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان الذى كان المذهب الرسمي لدولة الخلافة العثمانية. وقد تفرغ الشيخ أحمد القارى ﵀ لوضع الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد بن حنبل في هذه المجلة التي أعطاها نفس الاسم الذى سبق أن أعطي للمجلة التي ظهرت في العهد العثمانى باعتبار أن هذا الاصطلاح أصبح علما على هذا الأمر. وليس هنا مجال البحث في هذه المجلة الشرعية التي كرس أستاذنا الشيخ أحمد القارى ﵀ حياته لجمع احكامها وتبويبها وترتيبها فهذا شأن المتخصصين من أرباب هذا العلم، وهم أحق بالحديث عنه مني ومن أمثالي. ولكني أستطيع أن أقول أن هذا العمل العظيم يضطلع به في العادة جماعة من أفاضل العلماء، يتفرغ كل منهم على ناحية من النواحى فيجمع أحكامها ويراجعها ويبوبها ويرتبها، ويعلق عليها، كأن يتفرغ واحد منهم مثلا لشئون البيع وأنواعه وأمور التجارة وما يجوز منها وما لا يجوز، ويتفرع الآخر مثلا لأحكام الشركات وأنواعها وما يتعلق بهما وما يتفرع عنهما. ويتفرغ الثالث لأحكام العقار وما إليه وربما اختص كل واحد

стр. 350

منهم بنوع من أنواع الأحكام الشرعية، وهكذا حتى تستكمل هذه الجماعة جميع الأحكام الشرعية التي تتعلق بحياة الناس وأمورهم. أما أن يقوم فرد واحد بعبء هذا العمل العظيم كله فهو الأعجوبة التي تنحني لها الرؤوس إجلالا وتقديرًا. ولقد ذكر العالمان الفاضلان اللذان قاما بتحقيق هذه المجلة الشرعية إن جلالة الملك عبد العزيز ﵀ اعتزم تأليف لجنة من خيار العلماء المتخصصين لوضع مجلة للأحكام الشرعية تستقى الأحكام من جميع المذاهب الشرعية بما تراه في صالح المسلمين مدعما بأقوى الحجج ولكن جلالته تيقن أن هذا الأمر يقتضي الوقت الطويل والجهد الكبير فاكتفى بتعيين المراجع الشرعية التي يرجع إليها في القضاء بين الناس. (١) وإني لأنقل هنا ما كتبه الأستاذان الفاضلان اللذان قاما بدراسة وتحقيق هذا الكتاب العظيم تحت عنوان تقويم المجلة. تعتبر هذه المجلة أول عمل علمي حديث في الفقه الحنبلي سبق غيره من الأعمال في هذا المجال وقد ساعد القاضي أحمد تأليفها وإخراجها في هذا الثوب الفقهى الجديد تكوينه العلمي ووضعه الوظيفى ذلك أنه يعتبر من كبار فقهاء الحنفية في البلد الحرام، وقد مارس المذهب الحنفي تعلما وتدريسًا فهو على معرفة وألفة تامة بالمذهب الفقهى لمجلة الأحكام العدلية العثمانية فسهل هذا عليه هضم منهجها والأسلوب الذى صيغت فيه أحكام ذلك المذهب. أما معرفته بالفقه الحنبلي فهى معرفة عميقة لأنه عايشه قضاء ولسنين عديدة فلا عجب أن تكون هذه المجلة التي نقدمها للباحثين والدارسين ثمرة تلك الروافد الصافية والملكة الفقهية الأصيلة (٢). وجاء كذلك في تقويم المجلة ما يلى: استطاع المؤلف في كثير من المواد والأحكام صياغتها وحبك عبارتها في صورة يمكن اعتبارها قاعدة وقانونا فاصلا في موضوعها. ومنها: أظهر المؤلف رحمه الله تعالى جانبا مشرقا من ملكته الفقهية فقد ذكر في كتاب

стр. 351

الوقف قضايا واقعية مأخوذة من سجلات المحاكم الشرعية مستشهدا بها لتطبيق علمي لحكم المادة، ولو قدر للمؤلف سعة في عمره لذيل كل مادة فقهية بقضية شرعية مناسبة لها خصوصا وهو يعمل في القضاء ويعتبر هذا الأسلوب فكرة متطورة سبق بها زمانه. وختم الأستاذان الفاضلان حديثهما عن تقويم المجلة بما يلى: أن هذه المجلة بما لها وما عليها تجربة رائدة في المذهب الحنبلى وعمل جليل في الفقه الإسلامي يتطلب من الباحثين متابعة هذا المنهح والمثابرة عليه نحو كتب تراث الفقه الإسلامي حتى تسهل الاستفادة منه، ويكسر الحاجز الذى حال بين المسلمين وبين ورود منابعه الصافية في وقت هم أحوج ما يكونون إلى ذخائر (١) وكنوزه هذا والمجلة سفر ضخم يتكون من ستمائة وتسعة وسبعين صفحة ويحتوى على واحد وعشرين كتابا شملت الأحكام الشرعية للبيع وأحكامه وأنواعه والإجارات وأنواعها وفى العارية والوديعة وفى الغصب والإتلاف والحجر والإكراه وفى الشفعة والصفح والإبراء وفى الشركات وأنواعها وفى القضاء والبينات والشهادة وخلافها وكل كتاب من هذا الكتب يحتوى على فصول كثيرة صيغت فيها مواد الأحكام الشرعية في تفصيل وتحقيق عظيمين وبلغ مجموع المواد التي صيغت فيها الأحكام ألفين وثلاثمائة واثنين وثمانين مادة. ولقد بقيت المجلة الشرعية التي ألفها أستاذنا الشيخ أحمد القارى ﵀ حبيسة خزانة الشيخ حتى توفاه الله تعالى فقام أخوه العالم الفاضل الشيخ حامد بن عبد الله القارى بحفظها والمحافظة عليها حتى أذن الله تعالى لها بالظهور بعد أن علم بها العالمان الفاضلان الأستاذ الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان والأستاذ الدكتور محمد إبراهيم أحمد على الأستاذان المشاركان بجامعة أم القرى فقاما بعبء مراجعتها وتحقيقها والتعليق

стр. 352

عليها وإخراجها للناس في هذا السفر الضخم العظيم الذي يتألف من حوالي سبعمائة صفحة. وقامت تهامة مشكورة بطبعها وإخراجها للناس عملا رائعا عظيما ينتفع به الناس في كل زمان ومكان. ولقد لاحظت أن مجلة الأحكام الشرعية لم تتعرض لأحكام الزواج والطلاق والأرث، ولم يورد المحققان الفاضلان تعليلا لذلك، ولكن هذا لا يطعن بحال من الأحوال في قيمة العمل العظيم والجهد الكبير الذى بذله المؤلف الفاضل في تدوين أحكام المجلة وأرجو أن يقوم من علمائنا الأفاضل من يستكمل وضع الأحكام التي لم ترد في المجلة لتكون استكمالا لهذا العمل العظيم الذى بدأه أستاذنا الكبير ﵀. إنها صدقة جارية ادخرها الله تعالى لشيخنا الجليل الأستاذ أحمد لتظهر بعد أن مضى عليه ما يزيد على ثلاث وأربعين سنة وهو في رحاب الله تعالى فخرجت إلى الناس بريئة من العجب والادلال لأن صاحبها قد غادر هذه الحياة الدنيا إلى دار الجزاء والحساب. سليمة من الفخر وتقبل الثناء لأنَّ ما عند الله أبقى وأجزل مثوبة. وقد توفى الشيخ أحمد ﵀ في عام ١٣٥٩ هـ بمدينة الطائف بعد مرض طويل وفى فن في المقبرة الملاصقة لمسجد ابن العباس بعد الصلاة عليه في المسجد المذكور. رحم الله أستاذنا الشيخ أحمد القاري بقدر ما أسدى للعلم وأهله وأحسن جزاءه في جنات عدن وشكر الله للأستاذين الفاضلين الذين قاما على مراجعة هذا العمل العظيم وتبويبه وترتيبه والتعليق عليه وإخراجه إلى النور لينتفع به الناس، وشكر الله لتهامة ما تقوم به من عمل طيب متواصل في نشر روائع العلم والأدب بين الناس.

стр. 353

حسين عبد الله باسلامة

стр. 354

حسين عبد الله باسلامة معتدل القامة، حنطي اللون واسع العينين، كبير الأنف معتدل الجسم تزين وجهه لحية غلب البياض فيها على السواد يرتدي العباءة العربية ويضع على رأسه عقالًا أبيض وهوزي اتخذه بعض العلماء أما معظم رجال الدين فيكتفون بالغترة البيضاء على رؤوسهم، ولقد كان الشيخ محمد حسين نصيف كبير جدة في القرن الماضى إذا لبس العقال لبس عقالا أبيض كهذا الذى وصفناه في لباس الشيخ حسين باسلامة وعلى ذكر الشيخ محمد نصيف أو الأفندى نصيف كما كان يطلق عليه أهل جدة فهو صديق حميم للشيخ حسين باسلامة وقد كتب له ترجمة مسهبة نشرت كتعريف له في كتابه تاريخ عمارة المسجد الحرام الذى سنتحدث عنه بعد، وقد استندنا إلى هذه الترجمة في التعريف به ونختصرها فيما يلى: ولادته وتعليمه ولد حسين بن عبد الله بن محمد باسلامة آل باداس الكندي الحضرمي المكي بمكة المكرمة في غرة شهر صفر من عام ١٢٩٩ هـ، وتعلم على أيدي أساتذة مختلفين في الكتاتيب البسيطة التي كانت سائدة في ذلك الزمان ثم انتقل مع والده

стр. 355

إلى مدينة الطائف فالتحق بالمدرسة الرشدية لمدة عامين ولم يكمل تعليمه بها، والمدرسة الرشدية أو المكتب الرشدى كما ذكره الشيخ محمد نصيف هو المدرسة الرسمية الابتدائية للتعليم في العهد العثمانى وكانت هذه المدارس موجودة في مكة وجده والمدينة والطائف (١). ثم قرأ بعض كتب الفقه ومبادئ التفسير على يد الشيخ يوسف اليمانى أمام مسجد الهادى بالطائف. ولكن طالب العلم حسين باسلامة اضطر للانقطاع عن الدراسة لوفاة والده فاشتغل بالتجارة ليعول نفسه وأسرته. يبد أن الرغبة الشديدة للدراسة لم تفتر في نفس حسين باسلامة فكان يجمع بين العمل والطلب كلما لاحت له الفرصة يقول الشيخ محمد نصيف. تعرف المؤلف في عام ١٣٢٠ هـ بحضرة محمد عبد الله أفندي الذى كان مبعوثا لايدين بمجلس المبعوثان العثمانى درس عليه فن الجغرافيا ومبادئ التاريخ وشيئا من فن الحساب ومبادئ علم الفلك ولازمه ملازمة تامة إلى ١٣٢٣ فتلقى عنه كثيرا من العلوم العصرية المتعلقة بالسياسة والاجتماع وما أشبه ذلك. وكما اتصلت أسباب حسين باسلامة بمن أخذ عنه بعض العلوم العصرية في زمانه فقد اتصلت أسبابه كذلك بعلامة المغرب الأقصى المحدث النابغة اللغوي الحافظ كما يصفه الشيخ محمد حسين نصيف وهو الشيخ محمد شعيب المغربى فتلقى عنه مصطلح الحديث وعلم التفسير وشيئا من أصول الفقه كما درس فن الحديث والتراجم على المرحوم الشيخ محمد الفا هاشم الفلاته التكرونى وكذلك درس فن الأدب على المرحوم الشيخ عبد الجليل براده إمام الأدب في الحجاز حال أقامته بمكة من عام ١٣٢٣ إلى عام ١٣٢٦ هـ. ودرس العلوم الدينية فقها وتفسيرا للقرآن الكريم ولعلم الحديث وعلم اللغة
следующие страницы →