الوقف قضايا واقعية مأخوذة من سجلات المحاكم الشرعية مستشهدا بها لتطبيق علمي لحكم المادة، ولو قدر للمؤلف سعة في عمره لذيل كل مادة فقهية بقضية شرعية مناسبة لها خصوصا وهو يعمل في القضاء ويعتبر هذا الأسلوب فكرة متطورة سبق بها زمانه.
وختم الأستاذان الفاضلان حديثهما عن تقويم المجلة بما يلى:
أن هذه المجلة بما لها وما عليها تجربة رائدة في المذهب الحنبلى وعمل جليل في الفقه الإسلامي يتطلب من الباحثين متابعة هذا المنهح والمثابرة عليه نحو كتب تراث الفقه الإسلامي حتى تسهل الاستفادة منه، ويكسر الحاجز الذى حال بين المسلمين وبين ورود منابعه الصافية في وقت هم أحوج ما يكونون إلى ذخائر (١) وكنوزه هذا والمجلة سفر ضخم يتكون من ستمائة وتسعة وسبعين صفحة ويحتوى على واحد وعشرين كتابا شملت الأحكام الشرعية للبيع وأحكامه وأنواعه والإجارات وأنواعها وفى العارية والوديعة وفى الغصب والإتلاف والحجر والإكراه وفى الشفعة والصفح والإبراء وفى الشركات وأنواعها وفى القضاء والبينات والشهادة وخلافها وكل كتاب من هذا الكتب يحتوى على فصول كثيرة صيغت فيها مواد الأحكام الشرعية في تفصيل وتحقيق عظيمين وبلغ مجموع المواد التي صيغت فيها الأحكام ألفين وثلاثمائة واثنين وثمانين مادة.
ولقد بقيت المجلة الشرعية التي ألفها أستاذنا الشيخ أحمد القارى ﵀ حبيسة خزانة الشيخ حتى توفاه الله تعالى فقام أخوه العالم الفاضل الشيخ حامد بن عبد الله القارى بحفظها والمحافظة عليها حتى أذن الله تعالى لها بالظهور بعد أن علم بها العالمان الفاضلان الأستاذ الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان والأستاذ الدكتور محمد إبراهيم أحمد على الأستاذان المشاركان بجامعة أم القرى فقاما بعبء مراجعتها وتحقيقها والتعليق
стр. 352
عليها وإخراجها للناس في هذا السفر الضخم العظيم الذي يتألف من حوالي سبعمائة صفحة. وقامت تهامة مشكورة بطبعها وإخراجها للناس عملا رائعا عظيما ينتفع به الناس في كل زمان ومكان. ولقد لاحظت أن مجلة الأحكام الشرعية لم تتعرض لأحكام الزواج والطلاق والأرث، ولم يورد المحققان الفاضلان تعليلا لذلك، ولكن هذا لا يطعن بحال من الأحوال في قيمة العمل العظيم والجهد الكبير الذى بذله المؤلف الفاضل في تدوين أحكام المجلة وأرجو أن يقوم من علمائنا الأفاضل من يستكمل وضع الأحكام التي لم ترد في المجلة لتكون استكمالا لهذا العمل العظيم الذى بدأه أستاذنا الكبير ﵀.
إنها صدقة جارية ادخرها الله تعالى لشيخنا الجليل الأستاذ أحمد لتظهر بعد أن مضى عليه ما يزيد على ثلاث وأربعين سنة وهو في رحاب الله تعالى فخرجت إلى الناس بريئة من العجب والادلال لأن صاحبها قد غادر هذه الحياة الدنيا إلى دار الجزاء والحساب. سليمة من الفخر وتقبل الثناء لأنَّ ما عند الله أبقى وأجزل مثوبة.
وقد توفى الشيخ أحمد ﵀ في عام ١٣٥٩ هـ بمدينة الطائف بعد مرض طويل وفى فن في المقبرة الملاصقة لمسجد ابن العباس بعد الصلاة عليه في المسجد المذكور.
رحم الله أستاذنا الشيخ أحمد القاري بقدر ما أسدى للعلم وأهله وأحسن جزاءه في جنات عدن وشكر الله للأستاذين الفاضلين الذين قاما على مراجعة هذا العمل العظيم وتبويبه وترتيبه والتعليق عليه وإخراجه إلى النور لينتفع به الناس، وشكر الله لتهامة ما تقوم به من عمل طيب متواصل في نشر روائع العلم والأدب بين الناس.
стр. 353
حسين عبد الله باسلامة
стр. 354
حسين عبد الله باسلامة
معتدل القامة، حنطي اللون واسع العينين، كبير الأنف معتدل الجسم تزين وجهه لحية غلب البياض فيها على السواد يرتدي العباءة العربية ويضع على رأسه عقالًا أبيض وهوزي اتخذه بعض العلماء أما معظم رجال الدين فيكتفون بالغترة البيضاء على رؤوسهم، ولقد كان الشيخ محمد حسين نصيف كبير جدة في القرن الماضى إذا لبس العقال لبس عقالا أبيض كهذا الذى وصفناه في لباس الشيخ حسين باسلامة وعلى ذكر الشيخ محمد نصيف أو الأفندى نصيف كما كان يطلق عليه أهل جدة فهو صديق حميم للشيخ حسين باسلامة وقد كتب له ترجمة مسهبة نشرت كتعريف له في كتابه تاريخ عمارة المسجد الحرام الذى سنتحدث عنه بعد، وقد استندنا إلى هذه الترجمة في التعريف به ونختصرها فيما يلى:
ولادته وتعليمه
ولد حسين بن عبد الله بن محمد باسلامة آل باداس الكندي الحضرمي المكي بمكة المكرمة في غرة شهر صفر من عام ١٢٩٩ هـ، وتعلم على أيدي أساتذة مختلفين في الكتاتيب البسيطة التي كانت سائدة في ذلك الزمان ثم انتقل مع والده
стр. 355
إلى مدينة الطائف فالتحق بالمدرسة الرشدية لمدة عامين ولم يكمل تعليمه بها، والمدرسة الرشدية أو المكتب الرشدى كما ذكره الشيخ محمد نصيف هو المدرسة الرسمية الابتدائية للتعليم في العهد العثمانى وكانت هذه المدارس موجودة في مكة وجده والمدينة والطائف (١).
ثم قرأ بعض كتب الفقه ومبادئ التفسير على يد الشيخ يوسف اليمانى أمام مسجد الهادى بالطائف.
ولكن طالب العلم حسين باسلامة اضطر للانقطاع عن الدراسة لوفاة والده فاشتغل بالتجارة ليعول نفسه وأسرته.
يبد أن الرغبة الشديدة للدراسة لم تفتر في نفس حسين باسلامة فكان يجمع بين العمل والطلب كلما لاحت له الفرصة يقول الشيخ محمد نصيف.
تعرف المؤلف في عام ١٣٢٠ هـ بحضرة محمد عبد الله أفندي الذى كان مبعوثا لايدين بمجلس المبعوثان العثمانى درس عليه فن الجغرافيا ومبادئ التاريخ وشيئا من فن الحساب ومبادئ علم الفلك ولازمه ملازمة تامة إلى ١٣٢٣ فتلقى عنه كثيرا من العلوم العصرية المتعلقة بالسياسة والاجتماع وما أشبه ذلك.
وكما اتصلت أسباب حسين باسلامة بمن أخذ عنه بعض العلوم العصرية في زمانه فقد اتصلت أسبابه كذلك بعلامة المغرب الأقصى المحدث النابغة اللغوي الحافظ كما يصفه الشيخ محمد حسين نصيف وهو الشيخ محمد شعيب المغربى فتلقى عنه مصطلح الحديث وعلم التفسير وشيئا من أصول الفقه كما درس فن الحديث والتراجم على المرحوم الشيخ محمد الفا هاشم الفلاته التكرونى وكذلك درس فن الأدب على المرحوم الشيخ عبد الجليل براده إمام الأدب في الحجاز حال أقامته بمكة من عام ١٣٢٣ إلى عام ١٣٢٦ هـ.
ودرس العلوم الدينية فقها وتفسيرا للقرآن الكريم ولعلم الحديث وعلم اللغة
стр. 356
على علامة مكة الفقيه المحدث السيد حسين بن محمد الحبشى مفتى الشافعية لمكة وطالت ملازمته له نحوا من عشر سنين حتى توفي السيد حسين بمكة في شوال من عام ١٣٣١ هـ.
وهكذا تتجلى صورة طالب العلم حسين باسلامة الحريص على طلب العلم مع السعي في هذه الحياة للقيام على شؤون نفسه وأسرته.
كان يقيم بمكة وكانت مكة كما لا تزال مهوى لأفئدة الناس، يؤمها العلماء من كافة أقطار الأرض لأغراض شتى فكان صاحبنا يسعى إلى هؤلاء الرجال ليتلقى عنهم ما يتقنون من علوم الدين والدنيا حتى تزود بحصيلة طيبة من العلم والمعرفة في ذلك الزمان.
وكان موسم الحج يجمع الكثير من علماء المسلمين وأدبائهم فكان الشيخ حسين باسلامة يسعى إلى مقابلة هؤلاء الإعلام الوافدين للحج يبحث معهم قضايا العصر وشؤون العلم فأفاد واستفاد وباحث وناظر وتعرف على هؤلاء الأعلام من الرجال، ثم أكمل ثقافته بالرحلة إلى مصر وسوريا أكثر من مرة واجتمع إلى كثير من مشاهير العلماء في البلدين وخاصة من سبق له الوفود إلى مكة، كما اتصل في هذه الرحلات بأرباب الصحف والمجلات العربية في الاستانة ومصر وسوريا وكتب ونشر كثيرا من المباحث الاجتماعة والعلمية والسياسية كما نشر في الصحف الحجازية بعضا مما كتب وهكذا كان الرجل حركة دائبة في طلب العلم ونشره والاتصال بأهله في كل مكان يصل إليه.
وظائفه
اشتغل حسين باسلامة بالتدريس فكان أستاذا للجغرافيا والتاريخ في عام ١٣٢٧ بالمدرسة الخيرية التي أنشأها الأستاذ العلامة الشيخ - محمد حسين خياط ﵀.
أما أول وظيفة باشرها فهى سكرتير مجلس الشيوخ في حكومة الملك
стр. 357
الشريف الحسين بن على في عام ١٣٣٥ هجرية.
وحينما تولى المرحوم الملك عبد العزيز آل سعود ملك الحجاز اختير الشيخ حسين باسلامة عضوا في المجلس التأسيسى الذى شكل آنذاك لوضع النظام الأساسى لحكومة الملك عبد العزيز وذلك في عام ١٣٤٤ ثم انتخب عضوا في اللجنة التي شكلت لوضع التعليمات الأساسية، كما انتخب عضوا في المجلس التشكيلى الذى شكل بجده لترتيب دوائر الحكومة السعودية ثم انتخب عضوا في المجلس الاستشارى في عام ١٣٤٥ تم تأسيس مجلس الشورى وانتخب الشيخ حسين باسلامة عضوا فيه، كما عين عضوا في لجنة الحج في بداية تأسيسها وعين كذلك عضوا في هيئة الأمر بالمعروف حين تأسيسها.
ويبدو أن عضوية بعض المجالس كانت تتم بالانتخاب فأعيد انتخاب الشيخ حسين باسلامة في عام ١٣٤٩ مرة ثانية في لجنة الحج كما أعيد انتخابه للمرة الثانية في مجلس الشورى وكذلك ثم انتخابه عضوا في مجلس المعارف وفى عام ١٣٥٤ انتخب عضوا في هيئة المطالبة بأوقاف الحرمين الشريفين.
هذا ما جاء في الترجمة الوافية التي كتبها الشيخ محمد نصيف عن الوظائف والأعمال التي تقلدها الشيخ حسين باسلامة.
مؤلفاته
ألف الشيخ باسلامة كثيرًا من الكتب لا يزال القسم الأكبر منها مخطوطا لم يظهر إلى النور، وربما يكون الكثير منها قد فقد أو تلف مع تطاول السنين وسنذكر أسماء هذه الكتاب كما وردت في الترجمة التي كتبها الشيخ محمد نصيف بعد.
أما القسم الآخر الذى تم طبعه فبعضه نفذ وسنذكره كذلك بعد، ولكن القسم المطبوع الذى وصل إلينا هو الذى سنتحدث عنه في هذه الترجمة وأهم ما وصل إلى يدى من مؤلفات الشيخ باسلامة كتاب.
стр. 358
تاريخ عمارة المسجد الحرام
صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في عام ١٣٥٤ للهجرة ثم أعيد طبعه مرة ثانية بعد عشرين عاما من وفاة المؤلف بتحقيق الأستاذ عمر بعد الجبار ومراجعة الدكتور محمد عبد المنعم خفاجى مع إضافة فصول جديدة إليه ولم أطلع على هذه الطبعة، وقامت دار تهامة للنشر بإعادة طبع المطبوعة الأولى من تاريخ عمارة المسجد الحرام في عام ١٤٠٠ هجرية وحرصت على إصدار هذه الطبعة الثالثة بالشكل الطباعى الذى صدرت به الطبعة في عام ١٣٥٤ أي قبل ستة وأربعين عاما من تاريخ الطبعة الثالثة.
وكتاب تاريخ عمارة المسجد الحرام يمكن وصفه بأنه أول كتاب من نوعه فهو يتحدث أولا عن صفة المسجد الحرام قبل الإسلام ثم يتحدث عن الزيادة الأولى التي أحدثها الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ثم زيادة أمير المؤمنين عثمان بن عفان فزيادة عبد الله بن الزبير والزيادة الرابعة في عهد الوليد بن عبد الملك فزيادة الخليفة العباسى أبو جعفر المنصور ثم زيادة الخليفة المهدى فزيادات الخلفاء العباسين المعتضد والمقتدر موضحا مقدار الزيادات التي زيدت فيها مساحة المسجد في كل عهد من العهود ومقدار ما أنفق على ذلك من الأموال في تفصيل دقيق.
وكما يتحدث المؤلف عن الزيادات التي زيدت في المسجد الحرام فإنه يتحدث كذلك عن العمارات التي أحدثت في المسجد عبر القرون واصفا ما تم في كل عمارة من إصلاح وما أدخل على المسجد من تحسين أو زخرفة مبتدئا بالعمارة التي تمت في عهد الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان ثم عهود الخلفاء العباسين فملوك الجراكسة فسلاطين آل عثمان بدءا بالسلطان سليمان وانتهاءا بالسلطان مراد كل ذلك في تفصيل شائق ودقيق، فإذا كنت ممن يهتمون بالتاريخ فإن الكتاب يقدم إليك قصة شائقة تتسلسل إحداثها عبر مئات القرون ولكنها قصة حقيقة من واقع الزمان وليست من نسج الخيال، ولا أكتم القارئ أني حينما قلبت الصفحات
стр. 359
الأولى من كتاب تاريخ عمارة المسجد الحرام لم أكن أقدر أن الكتاب سيستهوينى إلى حد إكمال جميع صفحاته كنت أقدر أنني ساقرأ بعض الفصول قراءة تامة، وأمُرّ ببعضها مرورا عابرا ولكني لم أستطع الانفكاك من تأثيره علي.
عمارة المسجد عبر التاريخ
ولعل من المفيد أن نذكر في إيجاز الأدوار التاريخية لعمارة المسجد الحرام كما وردت في كتاب الشيخ حسين باسلامة.
أن العماير التي تمت في المسجد الحرام عبر التاريخ كان معظمها يتم لظهور الحاجة إليها ولقد كانت مساحة المسجد الحرام محددة منذ أن بنى قصي بن كلاب الذى وحد قبيلة قريش مند أن بنى البيوت حول الكعبة إذ كانت الكعبة في المكان الذى بناها فيه الخليل إبراهيم ﵇ وابنه إسماعيل وكان ما حولها فضاءا يخلو من البناء فكان الناس يطوفون حول الكعبة وكانت قبائل قريش تسكن بعيدا عنها، فلما آل حكم مكة إلى قصي بان كلاب بنى الدور حول الكعبة وبهذا تحددت المساحة المحيطة بالكعبة بهذه الدور لأول مرة في التاريخ.
وأول توسعة تمت للمطاف كانت في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في العام السابع عشر للهجرة الذى رأى ضيق المطاف بعد أن ازداد عدد المسلمين فاشترى الدور المحيطة بالمسجد ووسع المطاف وجعل له أبوابا لدخول الطائفين إليه، وتبعه في ذلك الخليفة الراشد عثمان بن عفان وزاد على الزيادة في مساحة المطاف بناء رواق مسقوف في المسجد للغرض الذى أجريت توسعة المطاف من أجله وهو زيادة المساحة للمصلين والطائفين وتمت هذه الزيادة في العام السادس والعشرين للهجرة.
ثم جاء عبد الله بن الزبير في سنة ٦٤ للهجرة فزاد في المسجد زيادة عظيمة من جهاته الشرقية والجنوبية والشمالية واشترى دورا كثيرة بذل فيها مالا كثيرا وأدخلها في المسجد الحرام كما سقف المسجد وجعل فيه أعمدة الرخام وبلغت المساحة في
стр. 360
عمارة ابن الزبير اثنين وثلاثين ألفا وأربعمائة ذراع معمارى.
وفى سنة ٧٥ للهجرة أجرى الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان عمارة في المسجد الحرام إلا أنه لم يزد في مساحته ولكن ابنه الوليد بن عبد الملك أجرى عمارة عظيمة في المسجد الحرام استورد لها أساطين الرخام من مصر والشام وزاد في مساحته رواقا واحدا دائرا على حافة المسجد الحرام وذلك في سنة واحد وتسعين للهجرة.
وفى سنة مائة وثلاثين للهجرة أمر الخليفة المنصور العباسى عامله على مكة بتوسيع المسجد الحرام فتم شراء دور كثيرة وزاد فيه في جهته الشمالية والغربية، وكانت زيادة المنصور رواقا واحدا دائرا على صحن المسجد الحرام بحيث أصبحت مساحة المسجد الحرام بعد هذه الزيادة ضعف ما كانت عليه قبلها، وتمت العمارة في ستة مائة وأربعين للهجرة.
وفى خلافة المهدي العباسي جرت للمسجد الحرام عمارتان عظيمتان الأولى أكمل بها عمارة أبيه الخليفة المنصور والثانية لما قدم للحج ورأى أن العمارة التي حدثت لم تجعل المسجد مربعا بحيث تظهر الكعبة المشرفة في وسطه تماما وقد أنفق الخليفة المهدى الأموال العظيمة في العمارتين وأصبحت مساحة المسجد الحرام بعد هاتين العمارتين ستة أفدنة ونصف وربع، الفدان عشرة آلاف ذراع بذراع العمل المستعمل في البناء بمصر وهو ثلاثة أشبار تقريبا.
وفى سنة ٢٨١ أدخل الخليفة المعتضد العباسى دار الندوة بعد أن تخربت أدخلها في المسجد الحرام وكانت مسجدا مستقلا عن المسجد وهذه الزيادة هي التي ينسب إليها باب الزيادة المعروف بمكة أو على الأصح الذى كان معروفا بها قبل العمارة السعودية.
وزاد الخليفة المقتدر بالله العباسى في سنة ٣٠٦ زيادة سميت بباب إبراهيم وكان هناك ساحة بين بابين من أبواب المسجد الحرام أحدهما يسمى باب الخياطين أو باب الحزورة والثانى باب بنى جمح وكانت هذه الساحة أمام دارين لزبيدة أم
стр. 361
الخليفة الأمين فأدخلت هذه الساحة في المسجد الحرام.
وفى سنة ٨٠٣ للهجرة شب حريق عظيم في المسجد الحرام أتى على الجانب الغربى من المسجد إلى أن وصل إلى الجانب الشمالي واستمر الحريق في هذا الجانب وهو يلتهم سقوف المسجد وأعمدته الرخامية إلى أن وصل الحريق إلى أسطوانتين هدمهما السيل العظيم وأسقط ما عليهما من الأعمدة والسقوف في باب الباسطية فتوقف الحريق، وقد قام السلطان أبي السعادات زين الدين فرج برقوق بتعمير ما أتلفه الحريق من سقوف المسجد وأعمدته ولم تحدث في هذه العمارة زيادة في مساحة المسجد الحرام.
أما عمارة السلطان سليم في سنة ٩٨١/ ٩٨٤ فقد كانت شاملة للمسجد الحرام كله بعد أن ظهر الخراب في بعض أروقة المسجد وبرزت رؤوس أخشاب السقوف من مواضعها فجرت للمسجد عمارة عظيمة أبدلت فيها السقوف الخشبية بالقباب الموجودة حاليا في العمارة العثمانية للمسجد والقائمة على دعامات قوية من الحجر أو أساطين الرخام - وقد توفى السلطان سليم قبل إكمال العمارة فأتمها ابنه السلطان مراد خان قد استمرت هذه العمارة أربعة أعوام وكانت تجديدا كاملا للمسجد الحرام منذ عمارة الخليفة المهدى العباسى التي انتهت في سنة ١٦٤ للهجرة ولكن مساحة المسجد الحرام قد بقيت على حالها دون زيادة باستثناء الزيادتين اللتين تمتا في باب الزيادة وباب إبراهيم والتى أسلفنا الحديث عنهما قبل.
هذه خلاصة وجيزة للأدوار التاريخية التي مرت بها عمارة المسجد الحرام، وهناك عمارة أخرى تتصل بالمسجد وإن كانت لا تدخل ضمن مساحته فقد أنشأ سلطان مصر الجركسي قايتباى في سنة ٨٨٢ للهجرة أول مدرسة تدرس فيها المذاهب الأربعة كما أنشأ الخلاوى المعروفة في المسجد فاستبدل بعض الأربطة المجاورة للمسجد كما اشترى بعض الدور فبنى فيها مجمعا كبيرا مشرفا على المسجد الحرام وعلى المسعى ومكتبا ومنارة كما بنى فيها اثنين وسبعين خلوة وصير المجمع المذكور مدرسة تدرس فيها علوم الدين على المذاهب الأربعة
стр. 362
وحبس عليها الأوقاف في مصر وفى مكة نفسها وقرر فيها أربعة مدرسين وأربعين طالبا وقد تم بناء هذه المدرسة بالرخام المكوف وسقفها بسقف مذهب وأرسل السلطان قايتباى لها خزانة كتب وضعها في المدرسة وأوقفها على طلبة العلم وقد بلغت إيراد غلة هذا الوقف ألفي دينار ذهبي خلاف غلات القرى والضياع الموقوفة عليه بمصر يقول القطب الحنفي بعد ذكر ما تقدم وذلك باق إلى الآن إلا أن الأكلة قد استولت على تلك الأوقاف وضعفت جدا وهي آيلة إلى الخراب وصارت المدرسة سكنا لأمراء الحاج في أيام الموسم وسكنا لغيرهم من الأمراء إذا وصلوا إلى مكة في وسط السنة وصارت أوقافها مأكلة.
وسأوجز للقارئ بعض المعلومات التاريخية الهامة والطريفة التي يشتمل عليها هذا الكتاب الفريد وسنبدأ بالأوليات في هذه المجال.
أوليات في المسجد الحرام
١ - أول من بنى الدور حول الكعبة قصي بن كلاب.
٢ - أول من هدم الدور المنشأة حول المسجد الحرام وأدخلها توسعة للمطاف وأحاط المطاف بسور له أبواب هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وتبعه في ذلك أمير المؤمنين عثمان بن عفان.
٣ - أول من بنى السد لتحويل مجرى السيل لئلا يدخل المسجد الحرام هو كذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
٤ - أول من أحدث الأروقة وسقف المسجد أمير المؤمنين عثمان بن عفان.
٥ - أول من جلب أساطين الرخام وأقامها في المسجد هو عبد الله بن الزبير وتبعه في ذلك الخلفاء.
٦ - أول من أدار الصفوف حول الكعبة خالد بن عبد الله القسرى في خلافة عبد الملك بن مروان.
стр. 363
٧ - أول من سقف المسجد بخشب الساج وهو امتن أنواع الخشب ورفع جدار المسجد وزين رؤوس الأساطين في المسجد بالذهب عبد الملك بن مروان.
٨ - أول من أَزّر داخل المسجد الحرام بالرخام وجعل له شرفات وجعل في حوائطه العقود وزين واجهة هذه العقود بالفسيفساء الوليد بن عبد الملك وكذلك هو أول من جعل السرادقات في الحصوة ليستظل بها المصلون حينما يكثر الحجاج.
٩ - أول من البس جدار حجر إسماعيل الرخام هو الخليفة أبو جعفر المنصور.
١٠ - أول من ربع المسجد الحرام لتكون الكعبة المعظمة في وسطه هو الخليفة العباسى المهدى وقد أمر المهندسين بتمثيل ذلك له وصعد على جبل أبي قبيس ليرى الدور التي ستدخل في المسجد وقد نصبت عليها الرماح ورأى ما سيهدم من البيوت وما يكون مجرى للسيل ومحلا للسعى لكي تكون الكعبة المعظمة قى قلب المسجد الحرام.
١١ - أول من شيد المنائر في المسجد الحرام الخليفة المنصور ثم الخليفة المهدى.
١٢ - أول من وضع مصباحًا للطائفين بالمسجد الحرام عقبة بن الأزرق بن عمرو الغساني وكانت داره لاصقة بالمسجد من ناحية وجه الكعبة فكان يضع مصباحا على داره وكانت مساحة المسجد صغيرة فيضيء للطائفين وأول من وضع القناديل في المسجد لإضائته معاوية بن أبي سفيان.
١٣ - أول من أضاء المسجد الحرام بالكهرباء هو الملك الشريف الحسين بن علي ثم الملك عبد العزيز آل سعود رحمهما الله.
١٤ - أول من خطب على منبر في المسجد الحرام معاوية بن أبي سفيان.
١٥ - أول من عمل مظلة في شارع المسعى للساعين بين الصفاء والمروة الملك الشريف الحسين بن علي في عام ١٣٣٩ هجرية (١).
١٦ - أول من رصف شارع المسعى بالحجر الصوان الملك عبد العزيز بن سعود
стр. 364
وذلك في عام ١٣٤٥ للهجرة وكانت أرض المسعى موحلة وكان هذا أول شارع تم رصفه في مكة المكرمة (١) وبهذه المناسبة فإن مساحة المسعى في ذلك العهد كما ذرعها المؤلف بلغت ثلاثمائة وأربع وتسعين مترا وخمسة وثلاثين سنتما.
هذه بعض الأوليات التي استخلصتها من الكتاب وهي في غاية الإيجاز، فمن أراد الاستزادة من هذا المنهل العذب فليرجع إلى هذا الكتاب الثمين ليجد فيه ما يشفى الغلة فالكتاب يتميز بالتفصيل الدقيق المستند إلى مصادر تاريخية كثيرة .. وقد ناقش المؤلف ما كتبه المؤرخون السابقون مناقشة العالم المتمكن من فنه وقام بعد ذلك بتحقيق بعض الأمور بنفسه مثل قيامه بذرع المسجد الحرام من جميع جوانبه وتفسير ما قد يكون ظاهرا من أسباب اختلاف المؤرخين في ذلك ونورد هنا على سبيل المثال بعض المعلومات التي أوردها المؤلف بالنسبة لذرع المسجد الحرام في اختصار شديد.
مساحة المسجد الحرام
١ - كانت مساحة المسجد الحرام بعد الزيادة الأولى التي أحدثها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لا تتجاوز حدود المقامات الأربعة وسنتحدث عن هذه المقامات بعد.
٢ - بلغت مساحة المسجد الحرام بعد الزيادة التي أحدثها عبد الله بن الزبير رضى الله تعالى عنه اثنين وثلاثين ألف وأربعمائة ذراع.
٣ - بلغت مساحة المسجد الحرام بعد زيادة الخليفة أبي جعفر المنصور ضعف ما كانت عليه مساحة المسجد بعد زيادة ابن الزبير والوليد بن عبد الملك - أما زيادة الوليد بن عبد الملك فقد كانت رواقا واحدا من الجهة الشرقية.
٤ - زادت مساحة المسجد الحرام بعد الزيادتين اللتين أدخلهما الخليفة المهدى
стр. 365
٥ - قام المؤلف بذرع المسجد الحرام قبيل تأليف كتابه الذى نتحدث عنه وبعد العمارتين اللتين أحدثتا فيه من قبل السلطان سليم والسلطان مراد خان العثمانيين فبلغ ذرعه ثمانية وعشرين ألفا وثلاثة أمتار وهذه المساحة هي التي بقيت إلى أن تمت التوسعة العظيمة للمسجد في عهد المغفور له جلالة الملك عبد العزيز آل سعود واستمرت بعد وفاته إلى أن تمت في عده أبنائه الملك سعود والملك فيصل رحمهما.
أبواب المسجد الحرام
ومن أمتع فصول الكتاب الفصل الخاص بأبواب المسجد الحرام ولعل مما يجدر ذكره أن أول من فتح الأبواب في المسجد الحرام هو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضى الله عنه -، فلقد كانت البيوت تحيط بالكعبة ويخرج الناس من بيوتهم إليها فلما نزع ملكية بعض الدور لتوسعة المطاف جعل لهذه التوسعة سورا وفتح فيها ابوابا يدخل الناس إلى المسجد منها، وقد بلغت أبواب المسجد بعد توسعة الخليفة العباسي المهدى تسعة عشر بابا، ثم توالت الزيادات في الأبواب حتى بلغت في عصر المؤلف في عام ١٣٥٤ هـ ستة وعشرين بابا، وقد ذكر مواضع هذه الأبواب من جهات المسجد الأربعة بابا بابا وتحدث عن تاريخ أحداث هذه الأبواب وما كتب عليها كما تحدث عن أسماء هذه الأبواب في تسلسل تاريخى ممتع مع محاولة تعليل هذه التسميات وأوردهنا بعض المعلومات الخاصة بأبواب المسجد الحرام كمثال على ما يحتويه الكتاب من معلومات ثمينة قيمة.
١ - بات أجياد الصغير ذكره بهذه الاسم ابن ظهيرة وقطب الدين في الأعلام وابن جبير في رحلته وسماه ابن جبير أيضا باب الخلفيين وعرفه الأزرقي بباب بنى مخزوم، أحدثه وانشأه أمير المؤمنين محمد المهدى في عمارته الثانية سنة ١٦٤ وقد جددت عمارته سنة ٩٨٤ التي أجريت بأمر السلطان مراد خان ابن السلطان سليم خان وعليه ١٩ شرفة وله منفذان وله كذلك باب خشبي قوى بمصراعين ويعلو عن
стр. 366
أرض الرواق بتسع درجات وقد كتب عليه نقرا على الحجارة بالخط البارز.
"بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ ".
٢ - باب النبي سمى بذلك لأن النبي صلوات الله وسلامه عليه كان يدخل المسجد ويخرج منه من تلك الجهة حيث كانت في تلك الجهة دار زوجه خديجة رضوان الله تعالى عليها، يقول المؤلف ويقال لهذا الباب باب الجنائز والظاهر من تسميته بهذا الاسم أن الجنائز كانت تخرج منه في ذلك العصر حيث أنها تخرج الآن من باب السلام غالبا، ويقال له أيضا باب الحريريين لأنه كان يباع الحرير في الدكاكين التي بجواره من الخارج، ويقال له أيضا باب القفص لأن الصاغة كانوا يقطنون قديما تلك الجهة ويضعون الحلي في أقفاص بقرب الباب المذكور ويقول المؤلف ولا يزالون لحد الآن نحو الباب المشار إليه وقد أحدثه الخليفة المهدي في عمارته، وهذا الباب يعلو عن أرض المسجد الحرام بثمان درجات ولم يجدد بناؤه في العمارة الأخيرة التي وقعت في سنة ٩٨٤ حيث أنه كان قويا بحكم البناء وإنما جددت الشرفات التي عليه وعددها (٢٤) شرفه وقد عمره الملك الأشرف برسباي أحد سلاطين مصر وهو لا يزال على تلك العمارة إلى الآن - هذا بطبيعة الحال قبل التوسعة السعودية العظيمة - وقد كتب نقرا على الحجارة داخل دائرة مستطيلة على علو الباب المذكور بالخط البارز.
"بسم الله الرحمن الرحيم، إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله. واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة".
أمر بتجديد الباب الشريف للنبي ﷺ سيدنا ومولانا المقام الشريف السلطان الملك الأشرف أبو النصر برسباي خادم الحرم الشريف وأمير المؤمنين اللهم أعز نصره على يد الفقير إلى الله تعالى الوزير المقدم مقبل القديدى المكي الأشرفي بتاريخ ذى القعدة الحرام أحد شهور سنة خمس وعشرين وثمانمائة، وهذه
стр. 367
الكتابة قديمة من عهد عمارة الباب المذكور ثم في سنة ١٣١٤ هـ جرت عمارة في المسجد الحرام ومرمات وكتب تاريخها على هذا الباب، وكتب اسم السلطان عبد الحميد خان بن السلطان عبد المجيد خان ضمن طرة سلطانية بالذهب وكتب بأسفلها تاريخ العمارة بالرقم وهي سنة ١٣١٤ هـ حيث جرت بأمر السلطان عبد الحميد خان العثمانى المذكور وهذا الباب يفتح على منفذين ولكل منفذ باب خشبي قوى بمصراعين.
هذا مثال لما ورد في الفصل الخاص بأبواب المسجد الحرام وهو كما يرى القارئ حشد من المعلومات التاريخية والطريفة في آن واحد جمعها المؤلف من المصادر المختلفة وحقق فيها وعلل مسمياتها المتعددة وهو جهد عظيم مشكور.
الخطبة والمنبر في المسجد الحرام
وفي الكتاب معلومات هامة عن الخطبة في المسجد الحرام بل عن المنابر والخطباء نوجز بعضها فيما يلى: -
كان الخلفاء الراشدون وولاة مكة يخطبون قياما على أقدامهم في المسجد تجاه الكعبة المعظمة فلما ولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة وكان جسيما وضع له منبر صغير ذو ثلاث درجات قدم به من الشام وذلك لما قدم للحج فكان هو أول من خطب على منبر في المسجد الحرام، وقد بقي هذا المنبر يخطب عليه الخلفاء كلما قدموا للحج، كما يخطب عليه ولاة مكة إلى أن حج الخليفة هارون الرشيد فخطب على منبر منقوش عظيم له تسع درجات أهدى إليه من عامله على مصر موسى بن عيسى فبقي هذا المنبر في مكة ونقل منبر معاوية إلى عرفات ثم أصبح الخلفاء والملوك يتنافسون في إنشاء المنابر العظيمة لا في مكة وحدها ولكن في مكة وعرفة ومنى فأرسل الخليفة العباسي الواثق منابر ثلاثة لمكة وعرفة ومنى ولما حج الخليفة المنتصر بن المتوكل جعل له منبرًا عظيمًا خطب عليه بمكة وخلفه بها، وكانت المنابر والخطابة في المسجد الحرام تعكس الحالة السياسية للبلاد الإسلامية في تلك
стр. 368
العصور فقد عمل وزير المقتدى العباسى منبرًا هائلًا استقام كما يقول المؤلف بألف دينار وبعثه إلى مكة ليخطب عليه باسم الخليفة المقتدى العباسى فمنع المصريون ذلك وأحرقوا المنبر ولم يبد أمير مكة محمد بن جعفر اعتراضا على ذلك وخطبوا للمستنصر العبيدى صاحب مصر وقد حذا ملوك مصر من الجراكسة لما اشتد ساعدهم حذو الخلفاء من بنى العباسى فأرسل الملك الأشرف في عام ٧٦٦ منبرا خطب له عليه كما أرسل الملك الظاهر برقوق منبرا في عام ٧٩٧ وكذلك فعل الملك المؤيد في موسم عام ٨١٨ يقول المؤلف فخطب عليه في سبع ذى الحجة وجرت الخطبة على المنبر الذى كان قبله وكان خطب على منبر الملك الأشرف واحدًا وثلاثين سنة.
يقول المؤلف لما أحرق المصريون المنبر الذى أرسله وزير الخليفة المقتدى العباسى وخطبوا للمستنصر العبيدى لم يبد أمير مكة محمد بن جعفر اعتراضا، وكان هذا الأمير هو أول من قطع الخطبة لملوك مصر وخطب لملوك بنى العباسى بعد أن قطعت الخطبة لهم نحو مائة سنة، وأبى أهل مصر الا أن تكون الخطبة للمستنصر العبيدى صاحب مصر فخطب له، ثم كان بعد ذلك يخطب حينا لبني العباس وحينا لملوك مصر، يقدم منهم من يجزل له العطاء.
وقد تتابع إرسال المنابر إلى مكة من مصر وكان يحرص مرسلوها على أن يخطب عليها في موسم الحج وقد استقر الأمر بالنسبة للمنابر بالمنبر الرخامى الذى بعث به السلطان العثمانى سليمان بن سليم في سنة ٩٦٦ وهذا المنبر تحفة معمارية فريدة وهو موجود حتى هذا اليوم بالمسجد الحرام وقد مضى على وجوده حتى الآن أربعمائة وستة وثلاثين عاما وقد خطب عليه للخلفاء العثمانيين وغيرهم على تتابع العصور إلى أن أبطلت حكومة الملك عبد العزيز ﵀ الخطبة للملوك بأسمائهم وجعل الدعاء بنصر الإسلام والمسلمين وإعلاء كلمة الدين فسلم المسجد من ضوضاء السياسة ووعثاء الساسه فجزاه الله خير الجزاء.
стр. 369
موكب الخطيب
وقد أورد المؤلف وصفا شائقا لموكب الخطيب إذا صح هذا التعبير في مختلف العصور ننقل منه ما يلى. في يوم الجمعة يلصق المنبر إلى صفح الكعبة الشريفة فيما بين الحجر الأسود والركن العراقي ويكون الخطيب مستقبلا المقام الكريم، فإذا خرج الخطيب أقبل لابسا ثوبا أسود معتما بعمامة سوداء وعليه طيلسان أسود، وكل ذلك من كسوة الملك الناصر، وعليه الوقار والسكينة وهو يتهادى بين رايتين سوداوين يتمسكهما رجلان من المؤذنين وبين يديه أحد القدمة في يده الفرقعة مفتول ينفضه في الهواء فيسمع له صوت عال يسمع داخل الحرم وخارجه فيكون إعلانا بخروج الخطيب ولا يزال كذلك إلى أن يقرب من المنبر فيقبل الحجر الأسود ويدعو عنده ثم يقصد المنبر ورئيس المؤذنين بين يديه لابسا السواد وعلى عاتقه السيف ممسكا له بيده، وتركز الرايتان على جانبي المنبر فإذا صعد أول درجة من درج المنبر قلده المؤذن السيف فيضرب بنعل السيف ضربة على الدرج يسمعها الحاضرون وهكذا على سائر الدرج فإذا استوى عليه استقبل الناس وسلم عليهم ثم يقعد ويؤذن المؤذن على قبة زمزم فإذا فرغ من خطبته صلى وانصرف على الوضعية التي أتى بها ثم يعاد المنبر إلى مكانه إزاء المقام - انتهى.
أقول هذا ما أورده المؤلف لموكب الخطيب نقلا عن رحلة ابن جبير وهو وصف لما كانت عليه مراسم خطبة الجمعة في عهد الملك الناصر في سنة ٥٧٨ في القرن السادس للهجرة.
وأورد المؤلف كذلك وصفا شيقا لموكب الخطيب في العصور العثمانية ننقل عنه ما يلى:
يصل الخطيب يوم الجمعة عند الزوال إلى المسجد الحرام فيدخل المدرسة الواقعة بين باب بازان وباب علي المسماة بقبة الساعات حيث وضعت في ذلك العصر ساعتان كبيرتان للتوقيت.
فيصلي فيها ركعتين ومن عادة الخطيب في ذلك العصر أن يرتدى جبة واسعة
стр. 370
الأكمام تسمى الفرجية ويعتم بعمامة من الشاش الأبيض على كفية هندية مصنوعة من القماش الحرير الملون ومبطنة بالخيزران اللطيف وتلف العمامة الشاش عليها لفا منتظما متراصا بعض الطيات على بعض وتسمى تلك اللفة بالمدرج (١) ثم يأتى المرقى إلى المدرسة المذكورة يحمل الطيلسان والعصا التي يعتنز عليها الخطيب حال صعوده المنبر، وهذه العصاة داخلها سلاح من نوع السلاح الأبيض رفيع السلة أشبه بسنان الرمح يسمى (بالغدارة) وهذا المرقي هو من ضمن المبلغين بالمسجد الحرام قد تخصص لهذه الوظيفة فيضع المرقي الطيلسان على رأس الخطيب فوق العمامة فيلتف به الخطيب ويخرج من المدرسة المذكورة ميممًا نحو المنبر، فإذا بلغ الحصوة الموالية لرواق المدرسة التي كان بها وجد هناك بيرقين من الحرير الأحمر، ونفرين من أغوات الحرم ونفرين من مشدية الحرم فإذا وصلوا إليهم ساروا جميعا أمام الخطيب يتقدمهم المرقي حامل عصا الخطيب، ثم يتبعه حاملا البيرقين ثم أغوات الحرم، ثم المشدية، ويسيرون على هذه الحالة إلى أن يصلوا المنبر فإذا وصلوه ركزت الرايتان على باب المنبر ووقف الأغوات عند باب المنبر أيضا ثم ترفع الستارة الخضراء المزركشة بأسلاك الفضة المموهة بالذهب الموضوعة على باب المنبر ويسلم المرقي العصا إلى الخطيب فيصعد الخطيب على درج المنبر وخلفه المرقي فإذا وصل الخطيب أعلى المنبر جلس على مسطبته وقام المرقي في وسط درج المنبر، وأذن أذان الجمعة الثانى تابعا في ذلك رئيس المبلغين من قبة زمزم، فإذا تم الأذان قام الخطيب وشرع في الخطبة الأولى فإذا أتمها جلس، فيقوم المرقي ويصلى على النبي ﷺ رافعا بها صوته فمتى أتمها قام الخطيب وألقى الخطبة الثانية حتى إذا بلغ فيها ذكر النبي ﷺ جهر المرقي بالصلاة على النبي ﷺ ثم إذا بلغ الخطيب ذكر أصحاب رسول الله ﷺ جهر المرقي بالترضى عنهم فإذا ذكر الخطيب اسم الخليفة أو السلطان أو الملك جهر المرقي بالدعاء له بالنصر والظفر والتأييد، يقول المؤلف وكان من أدركتهم من سلاطيين آل عثمان هما
стр. 371
السلطان عبد الحميد خان الثانى والسلطان محمد رشاد الخامس وكان يدعى لهما بالخلافة. وهذا الوصف كما هو واضح لما كان عليه الحال في أواخر عهد الخلافة العثمانية حيث عاصر المؤلف ذلك.
ولم يختلف موكب الخطيب في العهد الهاشمي عما كان عليه الحال في أواخر العهد العثمانى إلا أن الرايتين أصبح لونهما أخضر وكانتا كذلك مزركشتين بإسلاك الفضة المموهة بالذهب.
وحينما استولى الملك عبد العزيز ﵀ على الحجاز أبطل كل هذه المراسم والمواكب فعادت الأمور إلى بساطتها الأولى وأصبح الخطيب يأتي من بيته القريب من الحرم فيرقى إلى المنبر فيجد اثنين من أغوات الحرم الشريف واقفين عند باب المنبر فيحمل العصا المعتادة للخطابة ويصعد درجات المنبر فإذا بلغ أعلاه جلس على مسطبته وقام المؤذن على قبة زمزم في أذان الجمعة الثانى فإذا فرغ من الآذان قام الخطيب وألقى خطبة الجمعة أما ملابس الخطيب فهى لا تختلف عن ملابس أمثاله من العلماء ورجال الدين (١).
كثرة الخطباء والأئمة في المسجد الحرام
هذا ولم تكن الخطابة ولا الإمامة مقصورة على شخص أو اثنين كما هو الحال في العصر الحاضر وإنما كانت كما يقول المؤلف على المذاهب الأربعة ومشاعة في كثير من أهل مكة المكرمة على اختلاف أجناسهم فمنهم آل ميرداد والعجيمي وآل خوقير، وآل الريس، وآل الكتبي، وآل شطا، وبيت المال من آل عبد الشكور، وآل الزواوي، وآل الكردى، وآلى الحريرى، وآل جمل الليل، وآل تقي، وآل المفتى، وآل كمال، وآل المالكي، وآل بن حميد، وآل صديق، وآل الفقيه، وآل حجي وآل البسيوني وآل القلعي، وآل دحلان، وآل الحبشي، وآل بابصيل، وغيرهم كما يقول المؤلف ممن لم تحضرني أسماؤهم، وكان من بعض هذه العوائل الخطيب والخطيبين وأكثر، والإمام والإمامين وأكثر وقد بلغ من تسجلت أسماؤهم
стр. 372
من الخطباء في مديرية الأوقاف وشيخ الخطباء نحو الخمسين خطيبا ومن تسجل من الأئمة عشرين إماما في المذاهب الأربعة (١).
المقامات الأربعة
ومن أمتع فصول الكتاب الفصل الذى عقده المؤلف عن المقامات الأربعة وهذه المقامات منسوبة إلى المذاهب الأربعة فلقد كان الناس قبل العهد السعودى يصلون جماعات أربعة بل كانوا يصلون في بعض العهود خمس جماعات بإضافة المذهب الزيدى كما وصفه ابن جبير في حج عام ٥٨٨ هـ.
يقول المؤلف نقلا عن ابن جبير، وللحرم أربعة أئمة سنية وخامس لفرقة تسمى الزيدية وأشراف هذه البلدة على مذهبهم وهم يزيدون في الأذان - حي على خير العمل - أثر قول المؤذن حي على الفلاح، ولا يجمعون مع الناس إنما يصلون ظهرا أربعا ويصلون بعد فراغ الأئمة من صلاتها.
فأول الأئمة السنية الشافعي وهو يصلي خلف مقام إبراهيم ﵊، ثم المالكي وهو يصلي قبالة الركن اليمانى، وله محراب يشبه محاريب الطرق الموضوعة فيها، ثم الحنفي وصلاته قبالة الميزاب تحت حطيم مصنوع له وهو أعظم الأئمة أبهة وأفخرهم آلة من الشمع وسواها. وسبب ذلك أن الدول الأعجمية كلها على مذهبه، ثم الحنبلي وصلاته مع صلاة المالكي في حين واحد، وموضع صلاته يقابل ما بين الحجر الأسود والركن اليمانى وله حطيم معطل هو قريب من حطيم الحنفي وللشافعى مقام إزاء المقام - حطيم حفيل وصفة الحطيم خشبتان موصول بينهما بأذرع شبه السلم تقابلهما خشبتان على تلك الصفة قد عقدت هذه الخشبة على رجلين من الجص غير بائنة الارتفاع واعترض في أعلا الخشب خشبة فيها خطاطيف حديد فيها قناديل معلقة من الزجاج.
هذا ما وصف به ابن حبير المقامات الأربعة في حجته التي أشرنا إليها في القرن
стр. 373
السادس الهجرى وقد تتبع المؤلف ما طرأ على هذه المقامات من كتب الرحلات والمؤرخين إلى العصر الذى عاش وألف كتابه فيه، وليس ما يهمنا هو ذكر هذه التطورات وإنما الذى يهمنا هو وصف كيفية الصلاة للأئمة الأربعة سواء في أوقات متتابعة أو في وقت واحد كما هو الحال في صلاة المغرب لضيق وقتها وما ينتج عن قراءة الأئمة الأربعة وتبليغ المبلغين عنهم في الركوع والسجود من اختلاط وتشويش على الناس في ركوعهم وسجودهم.
يقول ابن بطوطة فمن عاداتهم - أهل مكة - أن يصلي أول الأئمة أمام الشافعية وهو المقدم من قبل أولى الأمر وصلاته خلف المقام الكريم - مقام إبراهيم - وجمهور الناس بمكة على مذهبه فإذا صلى الإمام الشافعي صلى بعده إمام المالكية، ويصلى معه إمام الحنبلية في وقت واحد، ثم يصلى إمام الحنفية إلى أن يقول وترتيبهم هكذا في الصلوات الأربع، وأما صلاة المغرب فإنهم يصلونها في وقت واحد كل إمام يصلي بطائفته ويدخل الناس من ذلك سهو وتخليط فربما ركع المالكي بركوع الشافعي وسجد الحنفي بسجود الحنبلي وتراهم مصيخين كل واحد إلى صوت المؤذن الذي يُسمع طائفته لئلا يدخل عليه السهو.
ولقد كان تقدم أئمة المذاهب في الصلاة قبل غيرهم مرتبط بالحالة السياسية في تلك العصور فما نقلناه عن ابن حبيران إمام الشافعية كان المقدم عليهم تغير عام ٦٩٠ وأصبح المقدم إمام الحنفية وهكذا، ولقد كان بعض العلماء والوافدين في المواسم يعترضون على هذه الفوضى وصدرت بعض الفتاوي بكراهية تعدد الجماعات في المسجد الحرام ووصل الأمر إلى ملك مصر الناصر برقوق الجركسي فبرز أمره في ذلك العام أن يصلى إمام الشافعية المغرب وحده واستمر الناس يصلون المغرب في جماعة واحدة إلى أن تولى الملك المؤيد فأصدر مرسوما بأن يعود الأئمة الثلاثة إلى صلاة المغرب كما كانوا قبل ذلك.
وقد انتهى تحقيق المؤلف أن حدوث هذه البدعة وقع في القرون الوسطى على اختلاف أقوال المؤرخين في ذلك فمنهم من ذكرها في عام ٤٩٧ ومن ذكرها في عام
стр. 374
٥٤٠ و ٥٥١ وقد تحدث عنها ابن حبير في القرن السادس كما تحدث عنها التقي الفاسي بعده بمائة عام وقد استمرت هذه البدعة رغم اعتراض أئمة علماء المسلمين عليها طيلة هذه القرون حتى أبطلها المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ بعد استيلائه على الحجاز فوحَّد الصلاة في المسجد الحرام وفى غيره من المساجد بإمام واحد في عام ١٣٤٣ للهجرة فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء (١).
معلومات عددية
ونواصل حديثنا عن كتاب عمارة المسجد الحرام بالمعلومات العددية التي وردت فيه: -
١ - بلغ عدد الأساطين الرخام في المسجد الحرام التي أحصاها المؤلف ثلاثمائة وإحدى عشرة أسطوانة رخامية وستة عشرة أسطوانة من الحجر الصوان المنحوت.
٢ - كما بلغ عدد الدعائم المبنية من الحجر الشميسي أو الحجر الصوان مائتين وثمانية وسبعين عمودا وكان المتبع في بناء هذه الأعمدة أن يكون سفلها اللاصق بالأرض من الحجر الصوان إلى ثلث العمود ثم يبنى بقية العمود بالحجر الشميسي المنحوت على أربعة ألوان أسود وأحمر قاتم - وأصفر بلون البرتقال، ورمادى (٢).
٣ - وبلغ عدد العقود المطوية في المسجد الحرام تسعمائة وأربعة وثمانين عقدا وهذه العقود هي التي تقوم على الأعمدة والأساطين الحاملة للسقوف، أما العقود الكبيرة في الأماكن المختلفة من المسجد فتبلغ واحدا وثمانين عقدا (٣).
٤ - وبلغ عدد القبب في المسجد الحرام مائتين وسبع وعشرين قبة (٤).
٥ - كانت قناديل الزيت تضئ المسجد الحرام إلى عام ١٣٣٥ هجرية وبلغ
стр. 375
عددها ألفا وأربعمائة واثنين وعشرين قنديلا خلاف ما كان يضيء المنائر من القناديل (١).
٦ - جرى استبدال قناديل الزيت بالكهرباء والاتاريك الغازية الكبيرة اللوكس واستمر زيادة القوة الكهربائية حتى بلغت في عام ١٣٥٤ هجرية ما يساوى عشرين ضعفا في قوة الإضاءة عما كانت عليه حين كانت الاستصباح بالقناديل (٢).
ونختتم الحديث عن كتاب عمارة المسجد الحرام بنبذة عن أهم الأحداث التي وقعت في المسجد كما وردت في الكتاب.
أحداث هامة في المسجد
١ - في السنة السابعة عشرة للهجرة في خلافة الفاروق رضوان الله تعالى عليه جاء إلى مكة سيل عظيم يسمى سيل أم نهشل فدخل إلى المسجد الحرام من أعلى مكة من ناحية المدعى فاقتلع مقام الخليل إبراهيم عليه الصلاة السلام من موضعه وذهب به إلى أسفل مكة فلما جف السيل وجد المقام بأسفل مكة فجيء به وألصق بالكعبة وربط بها، وما أن علم الفاروق رضى الله تعالى عنه بالأمر حتى خف مسرعا إلى مكة فقدمها وأعاد المقام إلى مكانه وحول مجرى السيل ووضع المطاف في حديث طويل مبسوط في موضعه من الكتاب (٣).
٢ - في سنة ثمانمائة واثنتين للهجرة ظهرت نار في رباط يدعى رامشت الواقع بين باب إبراهيم وباب الوداع في الجهة الغربية من المسجد الحرام فاتصلت النار بسقف المسجد الحرام فالتهمت النار أسقف المسجد من الجهة الغربية وبدأت تلتهم سقوفه من الجهة الشمالية ولم يقف الحريق إلا بعد أن وصل إلى موضع كانت فيه أسطوانات مهدمة بفعل السيل الذى دخل المسجد في ذلك العام، وصار ما تجمع
стр. 376
من آثار الحريق يمنع رؤية الكعبة المعظمة لعظم ذلك كما منعت الصلاة في ذلك الجانب من المسجد الحرام وقد بلغ عدد الأعمدة الرخامية التي احترقت في هذا الحريق مائة وثلاثين عمودا تحولت كلها إلى كسر فلما بلغ ذلك ملك مصر الناصر لدين الله بعث الأمير بيسق الظاهرى لعمارة المسجد الحرام وقد استمرت العمارة من عام ثمانمائة وثلاثة للهجرة إلى أن انتهت في عام ثمانمائة وسبعة للهجرة (١).
٣ - في سنة تسعمائة وتسعة وسبعين للهجرة ظهر الخراب في المسجد الحرام وبدى الرواق الشرقي للمسجد مائلا إلى جهة الكعبة المعظمة حتى برزت أخشاب السقوف من أماكنها وظهر أن الخراب كان عظيما بحيث لا يجدي فيه الإصلاح ولا الترميم فأسندت السقوف بأخشاب تمنعها من السقوط ثم صدر أمر السلطان العثماني سليم خان بالمبادرة ببناء المسجد الحرام جميعه وتقرر البدء بهدم البناء القديم وبدأت المعاول تهدم في جدران المسجد وشرفاته في منتصف ربيع الأول سنة تسعمائة وثمانين وانتهت العمارة في آخر عام تسعمائة وأربع وثمانين في عهد السلطان مراد خان ابن السلطان سليم خان (٢).
وهناك مرمات كثيرة وتحسينات أدخلت على المسجد الحرام وعلى مقام إبراهيم وبئر زمزم وعلى المدارس التي أنشئت في المسجد وغيرها وهي مبسوطة في ثنايا هذا الكتاب الثمين.
لقد طال بنا الحديث عن كتاب تاريخ عمارة المسجد الحرام وآن لنا أن نقول الكلمة الأخيرة فيه - أن الميزة التي يمتاز بها الكتاب تتلخص في أن المؤلف قد حشد كلما توفر لديه من سجل الأحداث والمعلومات المتعلقة بالمسجد الحرام في كتاب واحد.
وكانت هذه الحوادث متفرقة في كتب كثيرة، فالتاريخ لا يكتبه المؤرخون إنشاءًا من عندياتهم، وإنما يتتبعون أخباره ويتحرونها من مصادرها والمصادر هي الكتب والوثائق والرواة الذين شاهدوا هذه الحوادث أو سمعوا أخبارها ممن شهدها ويأتى
стр. 377
بعد ذلك تمحيص هذه الأخبار سواء كانت مروية أو مكتوبة وترجيح الراجح منها، والإشارة إلى المشكوك فيه، وتحقيق ما في الوسع تحقيقه، ولقد كان الشيخ حسين باسلامة مؤرخا أمينا لأنه أجهد نفسه في استخلاص هذه الحوادث والأخبار من مصادرها الكثيرة المتفرقة ثم في تحقيقها والتعليق عليها، كما قام بعمل مشكور في بعض هذه التحقيقات الخاصة بذرع المسجد الحرام وذرع شارع المسعي وغيرهما، ولا أكتم القارئ أنني مولع بهذه المباحث التاريخية وخاصة ما يتعلق منها بالمسجد الحرام والكعبة المعظمة والمسجد النبوي الشريف والمشاعر العظيمة التي خص الله تعالى بلادنا بها، وكثيرا ما كنت أسجل المعلومات التي أصل إليها في قراءاتى، لهذا فإن سرورى بكتاب تاريخ عمارة المسجد الحرام وهو بالصفة التي ذكرتها لا يعدله له سرور.
أن الشيخ حسين باسلامة قد سد فراغا عظيما بكتابه القيم هذا وحبذا لو توفر من المؤرخين من يقوم بإكمال ما بدأ به فيؤرخ لعمارة المسجد الحرام والكعبة المعظمة من منتصف القرن الرابع عشر الهجرى حيث تمت العمارة السعودية العظيمة للمسجد الحرام والترميم للكعبة المعظمة في السبعينات والثمانينات من هذا القرن ليكتمل تاريخ عمارة أقدس بيت على وجه الكرة الأرضية منذ بدء الخليقة وحتى آخر أيام الزمان.
ولا يفوتنى أن أذكر أن الكتاب مزين بالصور الفوتوغرافية وبعض هذه الصور بل معظمها أصبح نادرا لأنَّ التغيير الذى أحدثته العمارة السعودية أبدل الصور القديمة بصور حديثة وحبذا لو أن العناية بهذه الصور كانت أفضل مما ظهرت عليه، كما أن الكتاب يخلو من الخريطة أو الخرائط التي توضح تطور الزيادة في مساحة المسجد الحرام، وكان المؤلف دائما يرجع القارئ إليها ولكن الطبعة التي بين يدى كانت خالية من هذه الخريطة، وعلى أي حال فهذه الأمور في الوسع تدراكها ليكون العمل تاما وسبحان من تفرد بالكمال.
стр. 378
العمارة السّعوديّة
مقدمة البحث
كنت حريصا بعد الحديث عن عمارة المسجد الحرام في العهود المختلفة كما وردت في كتاب الشيخ حسين باسلامة أن أكتب عن العمارة السعودية ولو بصورة موجزة ليكون تاريخ عمارة المسجد الحرام تاما أمام القارئ ولقد سعيت للحصول على المعلومات الخاصة بهذه العمارة ولقد وفقنى الله تعالى في هذا السعى فقدم إلي سعادة الأخ الأستاذ محمد أمين العطاس وكيل وزارة الحج والأوقاف لشئون الأوقاف الذى كتبت إليه أستعين به قدم لي ثلاث مجلدات أصدرتها وزارة المالية والاقتصاد الوطني وقام بإعدادها وطبعها اتحاد المهندسيين الإستشاريين الذي أشرفوا على عمارة المسجد الحرام لمدة عشر سنوات منذ عام ١٣٨٥ للهجرة وحتى نهاية العمارة السعودية في عام ١٣٩٦ هـ.
وقد ضمت هذه المجلدات معلومات وافية ومفصلة عن هذه العمارة وأطوارها كما ضمت العديد من الصور والوثائق والخرائط ومن هذه المجلدات الثلاثة استقينا المعلومات التي نوجزها للقارئ في الصحفات التالية: -
بقى المسجد الحرام ما يقرب من أربعة قرون بعد عمارة السلطانيين سليم ومراد العثمانيين في عام ٩٨٤ إلى أن بدأت العمارة السعودية في عام ١٣٧٥ وكان السبب الأول لهذه العمارة هو التكاثر المتصاعد في جموع الحجاج الوافدين إلى مكة المكرمة
стр. 379
لأداء فريضة الحج، وقد أورد الكتاب الذي أصدره اتحاد المهندسيين الإستشاريين الباكستانيين في عمارة المسجد الحرام بيانا لأعداد الحجاج الأجانب القادمين إلى مكة خلال خمسين عاما نستطيع أن نستخلص منه الحقائق الآتية:
كان تعدداد الحجاج الأجانب خلال السنوات ١٣٤٦ - ١٣٦٨ أقل من مائة ألف حاج وأعلى الأرقام كان في الأعوام ١٣٤٦ - ١٣٤٨ حيث كان تعداد الوافدين على التوالى:
٩٦٢١٢ سنة ٤٦
٩٠٧٦٤ سنة ٤٧
٨١٦٦٦ سنة ٤٨
ثم هبط الرقم إلى أقل من النصف خلال السنوات ١٣٥٠ - ١٣٥٤ أما عام ١٣٥٩ فقد سجل أدنى رقم وهو ٩٠٢٤ وذلك بأسباب الحرب العالمية الثانية.
ومنذ عام ١٣٦٩ تجاوزت أعداد الوافدين مائة ألف حاج واستمر التصاعد إلى أن واصل إلى ذروته في عام ١٣٧٤ حيث بلغ تعداد الوافدين ٢٣٢٩٧١ حاجا.
وبهذا التصاعد الذى بدا أنه سيستمر كانت الحاجة ماسة إلى توسعة المسجد الحرام توسعة كبيرة تستوعب هذه الأعداد المتزايدة بعشرات الألوف بل ومئاتها في قابل الأعوام.
وكانت عمارة المسجد الحرام من أغلى أماني جلالة الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ وخاصة بعد أن وفقه الله تعالى إلى عمارة المسجد النبوى الشريف لهذا فقد اقترنت هذه الأمنية العظيمة مع الحاجة الداعية إلى توسعة المسجد الحرام، فصدر الأمر الملكي إلى المعلم محمد بن لادن بنقل المعدات التي استعملت في عمارة المسجد النبوي الشريف إلى مكة المكرمة استعداد للشروع في عمارة الحرم المكي الشريف، وقد بدأ المعلم محمد بن لادن باختيار المهندسين الذي يقومون بعمل التصميم اللازم للعمارة الجديدة وأسند هذا العمل في بداية الأمر إلى المهندس مصطفى مؤمن وكان من المتخصصين في العمارة الإسلامية فقدم تصميما
стр. 380
دائريا للمسجد الحرام باعتبار أن القبلة هي الكعبة وأن المصلين يدورون حولها ولكن هذا التصميم لم يحز القبول.
التصميم
فأسند الشيخ محمد بن لادن هذا العمل إلى المهندس طاهر الجوينى فقدم تصميما مثمنا يقتضى إزالة المسجد العثمانى القائم إزالة تامة وتخفيض مساحة الجزء المكشوف إلى النصف ثم جرى تعديل هذا التصميم بحيث يزال القسم الغربي من المسجد العثماني فحسب ولكن المرحوم الملك فيصل بن عبد العزيز أبدى رغبته في الاحتفاظ بالمسجد العثماني كاملًا وهذا هو الذى تم بالفعل.
وبدأ العمل في الرابع من شهر ربيع الثانى ١٣٧٥ من جهة المسعى وأجياد وحول طريق القشاشية وتم نزع ملكية العقارات الكثيرة التي كانت قائمة في هذه المناطق والتى كانت تحيط بالمسجد الحرام إحاطة السوار بالمعصم وكان الساعون بين الصفا والمروة يؤدون نسكهم في شارع تقوم الحوانيت المتصلة على جانبيه وتعتلى فوقها الدور فهدمت هذه الدور والدكاكين وأصبح مكانها فضاء استعدادا للعمل الذى وضع الملك سعود بن عبد العزيز حجره الأساسي في شهر شعبان من سنة ١٣٧٥ هـ.
ثم بدأ العمل في العمارة على مراحل:
المرحلة الأولى: تم فيها بناء القسم الخاص بالسعى بين الصفا والمروة وإيصاله بالمسجد الحرام.
المرحلة الثانية: تم فيها توسيع منطقة المطاف إلى شكلها الحالى كما أقيمت السلالم الحالية لبئر زمزم.
ولقد كان المطاف حول الكعبة بيضاوي الشكل بمحاور كبيرة وصغيرة وكان موضعه في مواجهة الكعبة يشكل عنق زجاجة تسبب ازدحام الطائفين كما كانت قبة زمزم التي يعتليها المؤذنون تواجه باب الكعبة والركن الذى به الحجر الأسود وقد
стр. 381
أزيل المبنى الخشبي للمقام وأبدل بالصندوق الزجاجى الذى وضع به المقام في موضعه السابق أما قبة زمزم فقد أزيلت تماما وجرى تأخير مدخلها إلى ما بعد منطقة الطواف وعمل للبئر مدخل من الصحن ينزل إليه بسلالم كثيرة، أما المؤذنون فقد بنى لهم مبنى خاص على حدود المطاف ووسع هذا المبنى بحيث أصبح يشمل قسما خاصا للأذان والبث التلفزيونى. وقد تم عمل البدروم في شارع المسعى على عمق أربعة أمتار لأن أساسات التحميل وجدت على هذا العمق.
ثم تم تجديد الحرم القديم وشطفت أركانه لتسمح بإنشاء البوابات الرئيسية الثلاثة وشقت الطرق المحيطة بالحرم الشريف كما أنشئت الميادين المحيطة به وكذلك الدكاكين.
وقد استخلصنا البيانات الآتية للمعارة السعودية وهي تبين مساحة المسجد قديما وحديثا ومقدار استيعابه للمصلين والطائفين في الأوقات المختلفة.
كانت مساحة المبنى القديم للمسجد الحرام ككل ٢٩١٠٠ مترا مربعا وكان المسقوف منها ١١٤٥٠ مترا مربعا.
أما العمارة السعودية الجديدة فقد أضافت إلى المبنى السابق المساحات الآتية: -
٤٦١٠٠ المساحة المغطاة داخل الحرم والمتصلة بالأبواب.
٤٦١٠٠ المساحة المغطاة في الدور العلوى.
١٣٢٥٠ المناطق المكشوفة المبلطة حول الحرم الشريف.
٣١٢٠٠ مساحة البدروم وفيه أماكن فسيحة للصلاة علاوة على ما مائتين وخمسين غرفة للخدمات وللزمازمة.
١٣٦٦٥٠
ويرتفع الدور الأول عن الدور الأرضى حوالى اثنى عشر مترا يرقى إليها
стр. 382
بواسطة ثلاثة عشر سلما كبيرا. ويرتفع جدار مبنى الحرم للدورين أربعة وعشرين مترا.
أما مقدار استيعاب المسجد الحرام للمصلين فقد قدره تقرير مكتب الخبراء الإستشاريين الذى ننقل عنه هذه المعلومات كما يلى:
عدد المصلين
١١٤٥٠ مساحة المبنى القديم للحرم المسقوف.
٩٦٦٥٠ مساحة المبنى الجديد للحرم في الدوريين المسقوفين.
٢٣٣٥٠ صحن المسجد والمناطق المحيطة به.
١٣١٤٥٠
وقد قدرت أعداد المصلين على أساس حجم سجادة الصلاة العادية إذا ما فرشت في المسجد ولكن الحرم بتسع في المواسم الدينية مثل شهر رمضان ومواسم العمرة إلى مائتى ألف مصل، أما في زمن الحج فإن عدد المصلين داخل المسجد والأرصفة المحيطة به يصل إلى ٣٣٠ ألف بل إلى أربعمائة ألف مصل في وقت واحد - كما يقول تقرير الإستشاريين الباكستانيين.
عدد الطائفيين
تبلغ سعة المطاف الحالي ٣٠٥٨ مترا مربعا حول الكعبة ويتسع المطاف لحوالي ثمانية آلاف وخمسمائة طائف.
أما في وقت الحج فإن المطاف يتسع لأربعة عشر ألف طائف حيث يستعمل الطائفون الممرين المؤديان إلى المطاف وسعتها ٤١٥٤ مترا.
الرخام
ونورد فيما يلي بعض المعلومات الخاصة بالرخام الذى استعمل في فرش المسجد وجدارنه وأعمدته.
стр. 383
١ - يغطى الرخام المستعمل في الأرضيات ما مساحته ١١٥٤٥٠ مترا مربعا كما يغطى ستين ألف مترا مربعا من الجدران والأعمدة وحواجز السطح والشرفات والسلالم البالغ عددها ثمانية وستين سلما وكذلك الجزء السفلي من جدران المآذن السبع، كما يغطى ثمانية آلاف مترا من المناطق المكشوفة حول الحرم وبذلك يبلغ مجموع الرخام المستعمل في العمارة الجديدة ١٨٣٥٥٠ مترا مربعا ويستخرج الرخام من محاجر في وادى فاطمة قرب مكة المكرمة، ومن محاجر المدركة وفرسان في الشواطئ الجنوبية للمملكة العربية السعودية ويتم نقله إلى جدة حيث يقطع ويلمع تحت إشراف خبير إيطالى وفنيين مصريين. أما الحجر الصناعي فتستخدم في صبه الأحجار المحلية ويقوم بهذا العمل صناع مصريون وسوريون.
صحن المسجد
يبلغ طول صحن المسجد مائة وستة أمتار وعرضه مائة وثلاثة وستين مترا.
المسعى
يبلغ طول المسعى ٣٩٣ مترا وعرضه عشرون مترا وهو مكون من دورين ويبلغ ارتفاع المسعى ١١.٢٥ إحدى عشر مترا وربع المتر ..
أبواب المسعى
وللمسعى ستة عشر بابا منها خمسة أبواب في الجانب الغربى بعد باب السلام واحد عشر بابا في الجانب الشرقي في مواجهة شارع القشاشيه.
أبواب المسجد
أما أبواب المسجد الحرام الرئيسية فهي ثلاثة باب السلام في الجانب الشمالي ومنه يصل الداخل إلى الركن العراقي للكعبة المشرفة وباب العمرة في الجانب
стр. 384
الغربى وهو يفضي إلى الركن الشامى للكعبة، وباب الملك عبد العزيز في الجهة الجنوبية وهو يفضي إلى محور الركن اليماني للكعبة ويقابل الحجر الأسود كما يقابل القبة على الصفا.
صناعة الأبواب
وقد تم صنع هذه الأبواب الرئيسية الثلاث في مصر كما صنع فيها باب صغير واحد أما بقية الأبواب فقد صنعت في إيطاليا خلال الفترة من عام ١٣٨٦ - ١٣٩٠.
والأبواب مصنوعة من هيكل من الصلب مغطى بالنحاس المزخرف أما الجواجز فمصنوعة من الالمنيوم المؤكسد.
وتبلغ مساحة سطح الأبواب المعدنية أكثر من ستة الاف وستمائة متر مربع كما تبلغ مساحة الحواجز على واجهات الأبواب الخارجية والدربزينات والفواصل خمسة آلاف وأربعمائة متر مربع.
المآذن
وللمسجد الحرام سبعة مآذن، مئذنتان عند كل باب من الأبواب الرئيسية الثلاثة والمأذنة السابعة عند باب الصفا، وقد بنيت هذه المآذن بالخرسانة المسلحة وكسيت بالرخام وبالحجر الصناعى ويبلغ ارتفاع المئذنة الواحدة ستة وتسعين مترا عن سطح الأرض، وتمثل هذه المآذن معالم بارزة لقاصدى المسجد الحرام من مسافات بعيدة علاوة على ما ترمز إليه من المعانى الروحية حيث تنقل الأذان إلى مسامع المسلمين.
الخطوط والذهب
بخط كوفى واضح ظاهر في القشرة الذهبية على أرضية بيضاء تتكرر رسوم خطية في كل أنحاء المبنى الجديد للحرم وقد وضع فوق كل مدخل إطار مستطيل
стр. 385
كتبت فيه البسملة - بسم الله الرحمن الرحيم - وفى قاعة الصلاة الفسيحة كتبت كلمة - الله - لا إله إلا الله محمد رسول الله.
أما في قبة الصفا فتوجد آيات قرآنية مذهبة على شريط متواصل متداخل. وقد استعملت قشرة ذهبية في كتابة الآيات كما استعمل الذهب في تغطية الأهلَّة في أعلى المآذن فهي مغطاة بقشرة من الذهب كما كسيت قاعدة القبة الزجاجية لمقام إبراهيم بطبقة سميكة من الذهب.
المواد
وقد بلغت الكميات المستعملة من الأسمنت العادى في المبنى الجديد مائة ألف وسبعمائة طن كما استعملت كميات كبيرة من الأسمنت الأبيض في صناعة الحجر الصناعى وأعمال التبليط والموزاييك.
أما كمية الحصى الذى استعمل في الخراسانات فقد بلغت مائتين وإحدى عشر ألفا وثلاثمائة متر مكعب.
كما بلغت كميات الحديد الذى استعمل في البناء سبعة عشر ألف وثلاثمائة طن.
عدد العمال
وكان يعمل في عمارة المسجد الحرام خلال الأعوام ١٣٧٥ - ١٣٧٧ ما بين ألف ومائة إلى ألفين وخمسمائة عامل يوميا بينهم حوالى خمسمائة من العمال المهرة.
وقد نقص هذا العدد إلى النصف خلال الأعوام ١٣٧٨ - ١٣٩٢ نصفهم تقريبا من العمال المهرة والفنيين. أما في الأعوام الثلاثة الأخيرة للمشروع فكان عدد العمال نحوا من مائتى عامل نصفهم من الفنيين والعمال المهرة.
تكاليف العمارة الجديدة
بلغت التكاليف الإجمالية للعمارة الجديدة ستمائة وواحد وعشرين مليونا وستمائة
стр. 386
واثنين وأربعين ألف ريال منها ثلاثمائة وثمانية وخمسين مليونا وتسعمائة وخمسة عشر ألف ريال قيمة ملكيات العقار المنزوع ومائتين واثنين وستين مليونا وسبعمائة وعشرين ألف ريال تكاليف العمارة.
إصلاح الكعبة المشرفة
وقد جرى إصلاح الكعبة المشرفة بعد عامين من بدء العمل في العمارة حيث كانت الأخشاب الحاملة لسقفى البيت العتيق قد تآكلت بفعل القدم وتقلبات الجو، بعد أن مضى على آخر إصلاح لسقف الكعبة ثلاثمائة وثمانية وثلاثين عاما. وقد تم إزالة سقف الكعبة المصنوع من الخشب وصنع بدله سقف من الخرسانة المسلحة وكذلك تم إصلاح الكمر الخشبي الذي يقع تحت السقف العلوى بمقدار ١.٣٥ وهذا الكمر الخشبي في الواقع هو السقف الثانى للكعبة وكذلك تم إصلاح الجدران الداخلية وواجهاتها الرخامية وبدأ الإصلاح في يوم الثامن عشر من شهر رجب وانتهى في الحادى عشر من شهر شعبان عام ١٣٧٧ للهجرة.
تاريخ بدء العمل ونهايته
استغرق العمل في العمارة السعودية للمسجد الحرام عشرين عاما حيث بدأ العمل الفعلى في الرابع والعشرين من شهر ربيع الثانى سنة ١٣٧٥ هـ وتم الانتهاء من هذه العمارة المباركة العظيمة في شهر رجب من سنة ١٣٩٦ للهجرة.
أن العمارة السعودية للمسجد الحرام هي من أعظم المآثر التاريخية للدولة السعودية ممثلة في مؤسسها العظيم المعفور له الملك عبد العزيز وأبنائه الملك سعود والملك فيصل والملك خالد ﵏ جميعا وجزاهم خير الجزاء على عملهم الطيب إنه على ما يشاء قدير.
وأود أن أذكر أن يد الإصلاح والعناية لا تزال ممتدة إلى المسجد الحرام حتى الآن فهناك التوسعة المقررة لعمل الميادين حول المسجد الحرام والتى جرى الإعداد لها
стр. 387
وبدأ العمل في نزع ملكيات الدور والعماير المنوى إنشاء هذه الميادين في مكانها ليكون المسجد الحرام محاطا بالميادين الفسيحة التي ستكون مكانا طبيعيا لاستيعاب المصلين في زمن الحجاج علاوة على المنظر الجمالي الذى ستظهر معالمه بعد أحداثها.
وإذا كان من كلمة أخيرة تقال في هذا الشأن فهي أن لجلالة الملك فيصل بن عبد العزيز ﵀ الفضل في الاحتفاظ بالعمارة العثمانية للمسجد الحرام بإصراره على إبقائها وعدم المساس بها الأمر الذى يستطيع به المشاهد رؤية تطور العمارة الإسلامية عبر القرون ممثلة في أقدس بقعة على سطح الأرض.
стр. 388
تاريخ الكعبة المعظمة
للشيخ حسين عبد الله باسلامة كتاب آخر اسمه (تاريخ الكعبة المعظمة) يتحدث عن عمارة الكعبة وكسوتها وسدانتها وكلما يتعلق بشؤونها وهو كتاب ضخم يقع في أربعمائة صفحة، وهذا الكتاب مكمل لكتابه الذى تحدثنا عنه "تاريخ عمارة المسجد الحرام" وقد أصدره بعده بعام أو عامين ثم أعادت تهامه طبعه مرة أخرى في عام ١٤٠٢ هـ.
والكتاب فريد في موضوعه فهو خاص بالكعبة المعظمة قبلة المسلمين في صلواتهم ومهوى أفئدتهم في دعائهم وتوجههم إلى ربهم، وهي أمل كل مسلم على سطح هذه الأرض في الوفود إليها حاجا ومعتمرا وزائرا لبيت الله، مطوفا به ومصليا فيه، وساعيا بين الصفا والمروة وواقفا بعرفات والمشاعر الكريمة المقدسة.
يتحدث الكتاب حديثا طويلا عن البيت الحرام منذ فجر التاريخ بل من قبل التاريخ المعروف فيتحدث عن بناء آدم للبيت كما يتحدث عن بناء الملائكة له ثم بناء شيث فبناء إبراهيم ﵇ وهو البناء الذى نجد سنده التاريخي الصحيح في القرآن.
وقد خلص المؤلف من استعراض جميع الروايات التي تتعلق ببناء الكعبة المعظمة قبل بناء إبراهيم ﵇ إلى أنها روايات لا يمكن القطع بصحتها،
стр. 389
كما لا يمكن القطع بأنها غير صحيحة والشيء الثابت الوحيد أنه كان هناك بناء للبيت قبل بناء إبراهيم ﵇ الا أنه لا يمكن القطع بنسبته تاريخيا إلى من قام ببنائه، ولهذا فإن الأمر الثابت الذى اعتمد عليه المؤلف هو بناء إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه للبيت حيث يمكن اعتباره الأساس الذي تؤيده النصوص القرآنية والأحاديث الواردة في الصحيح من السنة النبوية ثم في كتب التاريخ والسير.
والكتاب كما ذكرت يستعرض تاريخ الكعبة المعظمة وكلما يتعلق بها وما ينسب إليها حتى يصل إلى منتصف القرن الرابع عشر للهجرة الذى أصدر فيه المؤلف هذا الكتاب الفريد. وقد رأيت أن ألخص للقاريء الأطوار التاريخية المختلفة للكعبة المعظمة منذ بناء الخليل ﵇ لها إلى عصرنا الحاضر كما وردت في كتاب الشيخ باسلامة لأهمية الموضوع لكل مسلم، ولأهل هذه البلاد خاصة حيث شرفهم الله تعالى أن يكونوا من أهلها فلا أقل من أن يعرفوا ولو بصورة موجزة تاريخ أقدس بقعة فيها.
وسيرى القارئ أن هذا التاريخ مملوء بالعبر كما أنه لا يخلو من الحوادث والطرائف التي تستشير شوق القارئ إلى المزيد.
بناء إبراهيم للكعبة
كان مكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية وكانت السيول تأتيه فتأخذ عن يمينه وشماله.
وجاء إبراهيم ﵊ إلى مكة من الشام وخاطب ابنه إسماعيل.
يا إسماعيل إن الله أمرنى بأمر
قال إسماعيل فاصنع ما أمر ربك
قال إبراهيم وتعيننى قال إسماعيل وأعينك.
قال إبراهيم فإن الله أمرني أن أبنى بيتا هنا، وأشار إلى أكمة ترتفع على
стр. 390
ما حولها، بدأ البناء وجعل إسماعيل يأتى بالحجارة وإبراهيم يبنى حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر.
مقام إبراهيم
فوضعه فقام عليه إبراهيم - فسمى ذلك الحجر - مقام إبراهيم، وإقدامه ﵇ ظاهرة فيه واستمر يناول الحجارة لإبراهيم وهو يبنى البيت وهما يقولان:
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وجعلا يدوران بالبناء للبيت وهما يرددان هذا الدعاء.
صفة بناء إبراهيم
بلغ إبراهيم من الأساس أساس آدم ﵇، وجعل طول البيت في السماء تسعة أذرع وعرضه في الأرض - المقصود دورة البناء - ثلاثين ذراعا وذلك بذراعهم، وكان موضع الحجر في بناء إبراهيم داخلا في البيت، وبناه بحجارة بعضها على بعض - المقصود أن البناء كان رضمًا لم تدخله مواد أخرى كالأخشاب وغيرها مما يتماسك به البناء - ولم يجعل له سقفا، وجعل للبيت بابا، وحفر له بئرا عند باب خزانة البيت يلقى فيها ما يهدى إلى البيت.
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾
ورأى إبراهيم ﵇ على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة، وأطل من هذه الغمامة مثل الرأس فكلمه فقال يا إبراهيم ابن على ظلى أو على قدرى، ولا تزد ولا تنقص وفى ذلك يقول الله تعالى ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
الحجر الأسود
بنى إبراهيم البيت وبقي موضع يحتاج إلى حجر لإكمال البناء وأمر إبراهيم