← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

واثنين وأربعين ألف ريال منها ثلاثمائة وثمانية وخمسين مليونا وتسعمائة وخمسة عشر ألف ريال قيمة ملكيات العقار المنزوع ومائتين واثنين وستين مليونا وسبعمائة وعشرين ألف ريال تكاليف العمارة. إصلاح الكعبة المشرفة وقد جرى إصلاح الكعبة المشرفة بعد عامين من بدء العمل في العمارة حيث كانت الأخشاب الحاملة لسقفى البيت العتيق قد تآكلت بفعل القدم وتقلبات الجو، بعد أن مضى على آخر إصلاح لسقف الكعبة ثلاثمائة وثمانية وثلاثين عاما. وقد تم إزالة سقف الكعبة المصنوع من الخشب وصنع بدله سقف من الخرسانة المسلحة وكذلك تم إصلاح الكمر الخشبي الذي يقع تحت السقف العلوى بمقدار ١.٣٥ وهذا الكمر الخشبي في الواقع هو السقف الثانى للكعبة وكذلك تم إصلاح الجدران الداخلية وواجهاتها الرخامية وبدأ الإصلاح في يوم الثامن عشر من شهر رجب وانتهى في الحادى عشر من شهر شعبان عام ١٣٧٧ للهجرة. تاريخ بدء العمل ونهايته استغرق العمل في العمارة السعودية للمسجد الحرام عشرين عاما حيث بدأ العمل الفعلى في الرابع والعشرين من شهر ربيع الثانى سنة ١٣٧٥ هـ وتم الانتهاء من هذه العمارة المباركة العظيمة في شهر رجب من سنة ١٣٩٦ للهجرة. أن العمارة السعودية للمسجد الحرام هي من أعظم المآثر التاريخية للدولة السعودية ممثلة في مؤسسها العظيم المعفور له الملك عبد العزيز وأبنائه الملك سعود والملك فيصل والملك خالد ﵏ جميعا وجزاهم خير الجزاء على عملهم الطيب إنه على ما يشاء قدير. وأود أن أذكر أن يد الإصلاح والعناية لا تزال ممتدة إلى المسجد الحرام حتى الآن فهناك التوسعة المقررة لعمل الميادين حول المسجد الحرام والتى جرى الإعداد لها

стр. 387

وبدأ العمل في نزع ملكيات الدور والعماير المنوى إنشاء هذه الميادين في مكانها ليكون المسجد الحرام محاطا بالميادين الفسيحة التي ستكون مكانا طبيعيا لاستيعاب المصلين في زمن الحجاج علاوة على المنظر الجمالي الذى ستظهر معالمه بعد أحداثها. وإذا كان من كلمة أخيرة تقال في هذا الشأن فهي أن لجلالة الملك فيصل بن عبد العزيز ﵀ الفضل في الاحتفاظ بالعمارة العثمانية للمسجد الحرام بإصراره على إبقائها وعدم المساس بها الأمر الذى يستطيع به المشاهد رؤية تطور العمارة الإسلامية عبر القرون ممثلة في أقدس بقعة على سطح الأرض.

стр. 388

تاريخ الكعبة المعظمة للشيخ حسين عبد الله باسلامة كتاب آخر اسمه (تاريخ الكعبة المعظمة) يتحدث عن عمارة الكعبة وكسوتها وسدانتها وكلما يتعلق بشؤونها وهو كتاب ضخم يقع في أربعمائة صفحة، وهذا الكتاب مكمل لكتابه الذى تحدثنا عنه "تاريخ عمارة المسجد الحرام" وقد أصدره بعده بعام أو عامين ثم أعادت تهامه طبعه مرة أخرى في عام ١٤٠٢ هـ. والكتاب فريد في موضوعه فهو خاص بالكعبة المعظمة قبلة المسلمين في صلواتهم ومهوى أفئدتهم في دعائهم وتوجههم إلى ربهم، وهي أمل كل مسلم على سطح هذه الأرض في الوفود إليها حاجا ومعتمرا وزائرا لبيت الله، مطوفا به ومصليا فيه، وساعيا بين الصفا والمروة وواقفا بعرفات والمشاعر الكريمة المقدسة. يتحدث الكتاب حديثا طويلا عن البيت الحرام منذ فجر التاريخ بل من قبل التاريخ المعروف فيتحدث عن بناء آدم للبيت كما يتحدث عن بناء الملائكة له ثم بناء شيث فبناء إبراهيم ﵇ وهو البناء الذى نجد سنده التاريخي الصحيح في القرآن. وقد خلص المؤلف من استعراض جميع الروايات التي تتعلق ببناء الكعبة المعظمة قبل بناء إبراهيم ﵇ إلى أنها روايات لا يمكن القطع بصحتها،

стр. 389

كما لا يمكن القطع بأنها غير صحيحة والشيء الثابت الوحيد أنه كان هناك بناء للبيت قبل بناء إبراهيم ﵇ الا أنه لا يمكن القطع بنسبته تاريخيا إلى من قام ببنائه، ولهذا فإن الأمر الثابت الذى اعتمد عليه المؤلف هو بناء إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه للبيت حيث يمكن اعتباره الأساس الذي تؤيده النصوص القرآنية والأحاديث الواردة في الصحيح من السنة النبوية ثم في كتب التاريخ والسير. والكتاب كما ذكرت يستعرض تاريخ الكعبة المعظمة وكلما يتعلق بها وما ينسب إليها حتى يصل إلى منتصف القرن الرابع عشر للهجرة الذى أصدر فيه المؤلف هذا الكتاب الفريد. وقد رأيت أن ألخص للقاريء الأطوار التاريخية المختلفة للكعبة المعظمة منذ بناء الخليل ﵇ لها إلى عصرنا الحاضر كما وردت في كتاب الشيخ باسلامة لأهمية الموضوع لكل مسلم، ولأهل هذه البلاد خاصة حيث شرفهم الله تعالى أن يكونوا من أهلها فلا أقل من أن يعرفوا ولو بصورة موجزة تاريخ أقدس بقعة فيها. وسيرى القارئ أن هذا التاريخ مملوء بالعبر كما أنه لا يخلو من الحوادث والطرائف التي تستشير شوق القارئ إلى المزيد. بناء إبراهيم للكعبة كان مكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية وكانت السيول تأتيه فتأخذ عن يمينه وشماله. وجاء إبراهيم ﵊ إلى مكة من الشام وخاطب ابنه إسماعيل. يا إسماعيل إن الله أمرنى بأمر قال إسماعيل فاصنع ما أمر ربك قال إبراهيم وتعيننى قال إسماعيل وأعينك. قال إبراهيم فإن الله أمرني أن أبنى بيتا هنا، وأشار إلى أكمة ترتفع على

стр. 390

ما حولها، بدأ البناء وجعل إسماعيل يأتى بالحجارة وإبراهيم يبنى حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر. مقام إبراهيم فوضعه فقام عليه إبراهيم - فسمى ذلك الحجر - مقام إبراهيم، وإقدامه ﵇ ظاهرة فيه واستمر يناول الحجارة لإبراهيم وهو يبنى البيت وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وجعلا يدوران بالبناء للبيت وهما يرددان هذا الدعاء. صفة بناء إبراهيم بلغ إبراهيم من الأساس أساس آدم ﵇، وجعل طول البيت في السماء تسعة أذرع وعرضه في الأرض - المقصود دورة البناء - ثلاثين ذراعا وذلك بذراعهم، وكان موضع الحجر في بناء إبراهيم داخلا في البيت، وبناه بحجارة بعضها على بعض - المقصود أن البناء كان رضمًا لم تدخله مواد أخرى كالأخشاب وغيرها مما يتماسك به البناء - ولم يجعل له سقفا، وجعل للبيت بابا، وحفر له بئرا عند باب خزانة البيت يلقى فيها ما يهدى إلى البيت. ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ ورأى إبراهيم ﵇ على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة، وأطل من هذه الغمامة مثل الرأس فكلمه فقال يا إبراهيم ابن على ظلى أو على قدرى، ولا تزد ولا تنقص وفى ذلك يقول الله تعالى ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. الحجر الأسود بنى إبراهيم البيت وبقي موضع يحتاج إلى حجر لإكمال البناء وأمر إبراهيم

стр. 391

إسماعيل أن يذهب إلى الوادى فيحضر الحجر المطلوب وذهب إسماعيل إلى الوادى فنزل جبريل ﵇ من السماء بالحجر الأسود وكان قد رفع إلى السماء حين غرقت الأرض بالطوفان وعاد إسماعيل فرأى الحجر الأسود وقد وضع في مكانه وسأل أباه من جاءك بهذا؟ قال إبراهيم من لم يكلنى إليك ولا إلى حجزك. (١) جرهم والعماليق انتشر العمران في مكة بعد بناء البيت ومرت أطوار تاريخية أصبح فيها أمر مكة إلى قبيلتي جرهم والعماليق وكانت تثور الحروب بين القبيلتين فتارة تكون الغلبة لهذه القبيلة وأخرى لتلك ومما يذكر عن هاتين القبيلتين أن ملك جرهم الحارث بن مضاض هو أول من ولي البيت وكان ينزل بقيقعان وهو جبل شهير بمكة يقع في الجهة الغربية من المسجد الحرام ويقابل جبل أبي قبيس المطل على المسجد الحرام وكان كل من دخل مكة بتجارة عشرها عليه ملك جرهم. وذلك للداخل من أعلا مكة، وكان ملك العماليق السميدع بن هود بن حدرة بن مازن وكان ينزل أجياد من أسفل مكة وكان يعشر التجارة الداخلة إلى مكة من أسفلها. ومن هذا يتبين لنا أن الرسوم الجمركية على البضائع الداخلة إلى البلاد يرجع تاريخها إلى أزمان ممعنة في القدم. وكان آخر ملوك مكة هو الحارث بن مضاض الأصغر الذى تنسب إليه القصيدة الشهيرة. كان لم يكن بين الجحون إلى الصفا … أنيس ولم يسمر بمكة سامر (٢) بناء قصي للكعبة وقد انتهى أمر مكة إلى قصي بن كلاب الذى اجتمع أمر قريش على ولايته عليهم ويبدو أن البيت قد تخرب بعوامل القدم ومرور الزمان فجمع قصي نفقة ثم

стр. 392

هدم الكعبة فبناها بنيانا لم يبن أحد ممن بناها قبله مثله وسقفها بخشب الدوم الجيد وبجريد النخيل. (١) أقول وإذا صح ما ورد عن بناء قصي للكعبة فإن هذا البناء لم يتجاوز الحد الذى قام عليه بناء إبراهيم ﵇، وسنرى أن قريشا حينما قامت ببناء الكعبة إنها اعتمدت على بناء إبراهيم لها وزادت ارتفاعها تسعة أذرع حيث كان بناء إبراهيم يرتفع تسعة أذرع فرفعت قريش البناء تسعة أذرع أخرى فكان طوله في السماء ثمانية عشر ذراعا، واقتصروا من عرضها ستة أذرع وشبر لقصور النفقة لديهم وجعلوا مكانها الحجر - حجر إسماعيل ﵇ بسكون الراء - ورفعوا بابها وجعلوا في داخلها ستة دعائم في صفين ثلاثة في كل صف من الشق الذى في الحجر إلى الشق اليماني وجعلوا في ركنها الشامي عند مدخلها درجة يصعد منها إلى أسطحها وجعلوه سطحا وجعلوا فيه ميزابا يصب في الحجر (٢). بناء قريش للكعبة أجمرت امرأة الكعبة فطارت شارة من مجمرها في ثياب الكعبة فاحترقت فتشاورت قريش في أمر هدمها وهابوه فقال الوليد وفى رواية أبو وهب بن عمرو بن عائد المخزومي وهو خال النبي ﷺ وكان شريفًا إن الله لا يهلك من يريد الإصلاح فارتقى على ظاهر البيت ومعه العباس فقال اللهم لا نريد إلا الإصلاح ثم هدم فلما رأوه سالما تابعوه. قالوا وأقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانوا قريبا من جده انكسرت فخرجت قريش لتأخذ خشبها فوجدوا الرومي الذى فيها نجارا وكان اسمه باقوم وكان يتجر إلى بندر وراء ساحل عدن فانكسرت سفينته بالشعيبة فقال لقريش أن أجريتم عيرى من عيركم إلى الشام أعطيتكم الخشب ففعلوا وقدموا به وبالخشب ليبنوا به

стр. 393

البيت فهدمت قريش الكعبة وكانت مبنية بالرضم ليس فيها مدر وكانت قدر ما تقتحمها العناق وكانت ثيابها توضع عليها تسدل سدلا وكانت ذات ركنين كهيئة الحلقة وذكروا أن السيل كان يأتي فيصيب الكعبة فيتساقط من بنائها وكان رضمًا فوق القامة وبنوها بحجارة الوادى فرفعوها في السماء عشرين ذراعا وكان قد سرق كنز الكعبة فأرادوا تسقيفها. النبي ﷺ يشارك في بناء الكعبة عن عمرو بن دينار قال سمعت جابر بن عبد الله رضى الله عنهما يقول - لما بنيت الكعبة ذهب العباس والنبي ﷺ ينقلان الحجارة فقال العباس للنبي ﷺ اجعل إزارك على رقبتك فخرَّ إلى الأرض فطمحت عيناه السماء فقال أرني إزاري فشده عليه، وكانوا يضعون أزرهم على أعناقهم يحملون عليها الحجارة فإذا دنوا من الناس لبسوا أزرهم فلما وقع ما وقع للنبي ﷺ سأله عمه ما شأنك؟ قال نهيت أن أمشي عريانا قال العباس فكتمته حتى أظهر الله نبوته. قريش تبني الكعبة من طيب مالها ولما أجمعت قريش أمرها في هدم الكعبة وبنائها قام أبو وهب بن عمرو عائد المخزومى فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيه مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة لأحد من الناس قال ابن إسحق ووهب خال النبي ﷺ وكان شريفا، وكانت النفقة على الكعبة قد قصرت بقريش فتركوا موضع الحجر وأحاطوه بجدار وقد جاء ذلك في حديث عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت سألت رسول الله ﷺ عن الجدار أمن البيت هو؟ قال نعم قلت فما لهم لم يدخلوه في البيت قال ألم ترى قومك قصرت بهم النفقة، قلت فما شأن بابه مرتفعا؟ قال ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية فأخاف أن تنكسر قلوبهم أن أدخل الجدار في البيت وأن ألصق بابه بالأرض.

стр. 394

الحجر الأسود لما بلغ البناء موضع الركن أرادت كل قبيلة أن تستأثر بوضع الحجر الأسود في مكانه فاختصموا حتى وصل بهم الأمر إلى الإعداد للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملؤة دما وتعاقدواهم وبنو عدي بن كعب على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة فسموا لعقة الدم ثم اجتمعوا وتشاوروا واتفقوا ورضوا بأول داخل من باب بني شيبة فدخل النبي ﷺ فقالوا هذا الأمين كلنا نرضى به فحكموه في ذلك فوضع الحجر في ثوب وأمر واحدا من كل قبيلة أن يأخذ بطرف الثوب ثم وضعه في موضعه بيده الكريمة. وقريش تقسم البناء أجزاء وتجزأت قريش الكعبة فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة وما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم ابني عمر بن هصيص بن كعب بن لؤى، وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي ولبني أسد بن عبد بن قصي ولبني بن كعب بن لؤى وهو الحطيم. كنوز الكعبة وكان في بطن الكعبة جب تحفظ فيه الهدايا التي تهدى للكعبة وقد سرق من الكعبة حلة وغزال من ذهب كان عليه در وجوهر قالوا وكان فيها قرنى الكبش الذى افتدى به إسماعيل ﵇ فلما عزموا على هدم الكعبة أخرجوا هذه الكنوز وجعلوها عند أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، وأخرجوا هبل وكان على الجب الذى في داخل الكعبة نصبه عمرو بن لحي - ونصب عند المقام، وهناك رواية تقول أنه كان في داخل الكعبة أفعى كبيرة مخيفة فلما أذن الله بهدم الكعبة أرسل إليها طائرا عظيما فأخذها من الكعة فقذف بها في أجياد. (١)

стр. 395

بناء عبد الله بن الزبير للكعبة أرسل يزيد بن معاوية جيشا إلى مكة لحرب عبد الله بن الزبير الذى استولى على الحجاز وبايعه أهله خليفة عليهم بعد موت معاوية ووصل هذا الجيش بقيادة الحصين بن نمير فاستولى على مكة كلها إلا المسجد الحرام، ولجأ ابن الزبير وأصحابه إلى المسجد فبنوا حول الكعبة خصاصا (بيوتا من القصب) ورفافا من الخشب كما نصبوا خياما يكتنون فيها من حجارة المنجنيقين الذين نصبا على أخشبى مكة أبي قبيس وقعيقعان وكان الحصين قد قدر على أصحابه عشرة آلاف حجر يرمون بها الكعبة وكانوا يرمون ويرتجزون، وأخذت حجارة المنجنيقين تنصب على الكعبة حتى تخرقت كسوتها فصارت كأنها جيوب النساء ترتج من أعلاها إلى أسفلها، واستمرت الحجارة تتساقط على الكعبة أياما. احتراق الكعبة وفى ليلة السبت لثلاث خلون من ربيع الأول عام ٦٤ ذهب رجل من أصحاب الزبير يوقد نارا في بعض تلك الخيام بين الركن الأسود والركن اليمانى، والمسجد يومئذ ضيق فطارت شرارة في الخيمة فاحترقت الخيام والتهب المسجد حتى تعلقت النار بالبيت فاحترق، وكان يوما شديد الرياح والكعبة يومئذ مبنية ببناء قريش مدماك من خشب الساج ومدماك من حجارة من أسفلها إلى أعلاها وعليها الكسوة فطارت الرياح بلهب تلك النار، واحترقت كسوة الكعبة واحترق خشب الساج الذى بين البناء. وهناك رواية أخرى تقول أن أصحاب الحصين بن نمير رموها بالنفط فاحترقت ولكن الحصين وجماعته من أهل الشام ينكرون ذلك. وقد احترق مع الكعبة الحجر الأسود حتى اسود لونه، وكان لونه مثل لون المقام وتصدع الحجر ثلاث فرق فانشطرت منه شظية كانت عند بعض آل شيبة بعد ذلك بدهر طويل، وقد شده

стр. 396

ابن الزبير بعد ذلك بالفضة إلا تلك الشظية من أعلاه وضعفت جدر الكعبة حتى أنها لتنقض من أعلاها إلى أسفلها ويقع الحمام عليها فتتناثر حجارتها، وهي مجردة متوهية من كل جانب. فزع أهل مكة وأهل الشام جميعا لما أصاب الكعبة، وتركها ابن الزبير ليراها الناس، ويروا ما صنع أهل الشام بها. موت يزيد بن معاوية وبقي الحصين بن نمير محاصرا ابن الزبير حتى وصل الخبر إلى مكة بنعي يزيد بن معاوية في ليلة الثلاثاء هلال ربيع الآخر. وعلم عبد الله بن الزبير بوفاة يزيد قبل أن يعلم الحصين بذلك، عندها أرسل ابن الزبير رجالا من أهل مكة من قريش وغيرهم فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد ورجال من بني أمية إلى الحصين بن نمير فكلموه وعظموا عليه ما أصاب الكعبة وقالوا إن ذلك منكم وقد رميتموها بالنفط فأنكروا، وقالوا للحصين لقد توفي أمير المؤمنين فعلى ماذا تقاتل؟ ارجع إلى الشام حتى ترى ماذا يجتمع عليه رأى صاحبك يعنون معاوية بن يزيد. والحصين يرتحل ولم يزالوا به حتى لان لهم ثم ارتحل الحصين من مكة إلى المدينة لخمس ليال خلون من ربيع الآخر. وعبد الله بن عمرو بن العاص يبكي لما ارتحل جيش الحصين بن نمير دخل عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما المسجد الحرام والكعبة محترقة تتناثر حجارتها فوقف ومعه ناس غير قليل فبكى حتى أن دموعه تحدر كحلا في عينه من إثمد كأنه رؤوس ذباب على وجنته.

стр. 397

ويعظ الناس وقال يا أيها الناس والله لو أن أبا هريرة أخبركم انكم قاتلوا ابن نبيكم بعد نبيكم ومحرقوا بيت ربكم لقلتم ما من أحد أكذب من أبي هريرة، انحن نقتل ابن نبينا ونحرق بيت ربنا فقد فعلتم، لقد قتلتم ابن نبيكم وحرقتم بيت الله فانتظروا النقمة، فو الله الذى نفس عبد الله بن عمرو بيده ليلبسنكم الله شيعا وليذيقن بعضكم بأس بعض يقولها ثلاثا. رفع عبد الله بن عمرو رضى الله تعالى صوته في المسجد فما في المسجد أحد إلا وهو يفهم ما يقول فإن لم يكن يفهم فإنه يسمع هذا الصوت. ثم قال عبد الله بن عمرو: أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، فوالذى نفس عبد الله بن عمرو بيده لو قد البسكم شيعا واذاق بعضكم بأس بعض لبطن الأرض خير لمن عليها لمن لم يامر بالمعروف ولم ينه عن المنكر. ابن الزبير يستشير الناس في هدم الكعبة وجمع ابن الزبير وجوه الناس وأشرافهم فشاورهم في هدم الكعبة. انقسم الناس في آرائهم فاشار فريق بهدمها منهم جابر بن عبد الله وكان قد جاء معتمرا، وعبيد بن عمير، وعبد الله بن صفوان بن اميه وغيرهم. ولكن أكثر الناس لم يوافقوا على الهدم، وكان أبرز هؤلاء عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال لابن الزبير دعها على ما أقرها رسول الله ﷺ فاني أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها، ثم يأتى بعد ذلك آخر فلا تزال أبدا تهدم وتبنى، وأمر عبد الله ابن الزبير بالخصاص التي كانت حول الكعبة فهدمت وبالمسجد فكنس مما فيه من الحجارة والدمار وتبين أن الكعبة قد مالت حيطانها مما اصابها من حجارة المنجنيق كما تبين أن الركن قد اسود واحترق وتقطع ثلاثة أجزاء. فتذهب حرمة هذا البيت من قلوبهم ويتهاون الناس بحرمتها ولا أحب ذلك ولكن ارقعها.

стр. 398

ابن الزبير يرد على ابن عباس قال الزبير، والله ما يرضى أحدكم أن يرقع بيت أبيه وأمه فكيف أرقع بيت الله سبحانه وأنا أنظر إليه ينقض من أعلاه إلى أسفله حتى إن الحمام ليقع فتتناثر حجارته. ابن الزبير يحزم أمره على الهدم أقام ابن الزبير أياما وهو يفكر ويشاور ثم أجمع أمره على الهدم، وكان يحب أن يكون هو الذي يعيد البيت على قواعد إبراهيم كما قال رسول الله ﷺ في وصفه لعائشة رضى الله تعالى عنها. ابن الزبير يجمع المؤن قبل مباشرة الهدم سأل ابن الزبير رجلا من أهل العلم عن المواضع التي أخذت قريش حجارة الكعبة منها حين قامت ببنائها، قالوا له أن حجارة الكعبة أخذت من حراء ومن ثبير والمقطع وهو الجبل المشرف على الطريق ومن قافية الخندمة، ومن جبل حلحله المشرف على ذى طوى وهو عند الثنية البيضاء في طريق جده ومن جبل بأسفل مكة على يسار ما انحدر من ثنية بنى عضل ويقال له مقطع الكعبة - يقول الشيخ باسلامة والظاهر أن هذا الجبل هو المسمى في العصر الحاضر - جبل الكعبة - وهو واقع على يمين الداخل ومن مردلة من حجرها يقال له الملجوى. أمر ابن الزبير بنقل الاحجار التى يحتاج إليها في بناء الكعبة من الجبال التي ذكرنا وأرسل رجلا إلى صنعاء فاشترى قصة بأربعمائة دينار ليكون بناء الحجارة بها. ابن الزبير يخرج كنوز الكعبة لما استكمل ابن الزبير إعداد المؤن اللازمه للبناء عمد إلى كنوز الكعبة وكان

стр. 399

فيها الحلي والثياب والطيب فوضعها في خزانة الكعبة في دار شيبة ابن عثمان. وأهل مكة يغادرونها إلى منى والطائف ثم عزم على هدم الكعبة فخاف بعض أهل مكة أن ينزل عليهم العذاب لهدمها ففارقوا مكة إلى منى والبعض ذهب إلى الطائف، ولم يعودوا إليها إلا بعد أن تم الهدم وبوشر في البناء وكان ممن ترك مكة ابن عباس ولم يعد إليها حتى اكتمل بناؤها. ابن الزبير يباشر هدم الكعبة بنفسه أمر ابن الزبير العمال بهدم الكعبة فتلكأوا ولم يجترئ أحد منهم على مباشرة الهدم فعلاها بنفسه وأخذ المعول وأعمله في الهدم وبدأت الحجارة تتساقط والناس ينظرون إليه فلما رأوا أنه لم يصب بسوء اجترأوا على الهدم، وارقى ابن الزبير فوق الكعبة عبيدا من الأحباش يشاركون في هدمها، رجاء أن يكون فيهم الحبشى الذى قال فيه رسول الله ﷺ - يخرب الكعبة ذو السريقتين من الحبشة - عملت المعاول في هدم الكعبة فلم تترجل الشمس حتى الصقت بالأرض وجعل ابن الزبير الحجر الأسود في ديباجة وادخله في تابوت وقفل عليه ووضعه عنده في دار الندوة، وكان في بعض جدار الكعبة قرنا الكبش الذى فدى به إسماعيل بن إبراهيم ﵉، فلما هدمت الكعبة كشف ابن الزبير عن القرنين فوجدهما مطليين بمشق فتناولهما فلما مسهما همدا من الأيدى، وقيل أن قرني الكبش احترقا لما احترقت الكعبة وقد تم هدم الكعبة في يوم السبت نصف جمادى الآخرة من ذلك العام عام ٦٥ للهجرة. نصب الخشب حول الكعبة وتغطية بالستور وأرسل عبد الله بن عباس رضى الله عنهما إلى ابن الزبير يقول: لا تدع الناس

стр. 400

بغير قبلة انصب لهم حول الكعبة الخشب واجعل عليه الستور حتى يطوف الناس من ورائها ويصلون إليها ففعل ذلك ابن الزبير وقال اشهد لسمعت عائشة رضى الله تعالى عنها تقول - وذكر حديثهما المتقدم. الكشف عن أساس إبراهيم لما تم الهدم كشف ابن الزبير عن أساس بناء إبراهيم ﵇ للكعبة فوجده داخلا في الحجر نحوا من ستة أذرع وشبر كأنها أعناق الأبل آخذ بعضها ببعض فإذا تحرك الحجر من القواعد تحركت الأركان كلها .. فدعى ابن الزبير خمسين رجلا من وجوه الناس وأشرافهم وأشهدهم على ذلك الأساس فادخل رجل من القوم يقال له عبد الله بن مطيع العدوى عتلة كانت في يده في ركن من اركان البيت فتزعزعت الاركان كلها جميعا. أشهد ابن الزبير أشراف الناس ووجوه أهل مكة على أساس إبراهيم ﵇ للكعبة، ثم أمر بالبناء على ذلك الأساس، ووضع حداث باب الكعبة على مدماك الشاذروان الملاصق بالأرض، وجعل الباب الأخر بازائه في ظهر الكعبة مقابله، وجعل عتبته على الحجر الأخضر الطويل الذى في الشاذروان الذى في ظهر الكعبة قريبا من الركن اليماني وكان الناس يطوفون من وراء الستور والبناة يبنون في الداخل. وضع الحجر الأسود في الركن فلما بلغ البناء موضع الركن أمر ابن الزبير بنقر موضعه في حجرين من تحته ومن فوقه بمقدار حجم الركن وامر ابنه عباد بن عبد الله بن الزبير وجبير بن شيبه بن عثمان أن يجعلوا الركن في ثوب وخاطبهم قائلا، إذا دخلت صلاة الظهر فاحملوه واجعلوه في موضعه واخبرهم أنه سيطيل في صلاته فإذا فرغتم من وضعه فكبروا حتى اخفف صلاتي، وكان ذلك في يوم شديد الحر، فلما أقيمت الصلاة كبر ابن

стр. 401

الزبير وصلى الركعة الأولى خرج عباد وجبير بالحجر من دار الندوة واخترقا الصفوف حتى ادخلاه في موضعه من البناء فلما اقراه في موضعه وطرقا على الحجرين كبرا، لما سمع ابن الزبير التكبير خفف صلاته، وهكذا تم وضع الحجر الأسود في مكانه من الركن وقد ذكرنا أن الحجر الأسود انقسم إلى ثلاثة شظايا من تأثير الحريق فشد ابن الزبير الشظيتين اللتين وجدهما من الحجر بالفضة أما الشظية الثالثة فقد بقيت عند بعض آل شيبة دهرا طويلا. غضب بعض الناس لعدم إشراك القبائل في وضع الحجر الأسود تسامع الناس بما كان من أمر وضع الحجر من قبل عباد بن الزبير وشيبة بن جبير والناس في صلاة الظهر فغضب بعضهم أن لم تدع قبائل قريش لوضع الحجر كما تم حين بناء قريش للكعبة، ولكن ابن الزبير انفذ الأمر في هدوء وسرية تامتين منعا للخوض في الأمر. زيادة ابن الزبير في طول البناء هذا وقد ابلغ ابن الزبير طول بناء الكعبة سبعة وعشرين ذراعا وكانت ثمانية عشر ذراعا في بناء قريش وتسعة أذرع قبل بناء قريش فكانت زيادته في طولها تسعة أذرع عن بناء قريش وجعل عرض جدارها ذراعان، وجعل فيها ثلاث دعائم في صف واحد وكانت قريش في الجاهلية جعلت فيها ست دعائم في صفين وبناها بالرصاص المخلوط بالورس. تزيين الكعبة بالرخام واستقدم ابن الزبير رخاما من صنعاء اسمه البلق فجعله في الروزن الذى في سقف الكعبة للضوء.

стр. 402

الأبواب والميزاب قالوا وكان باب الكعبة قبل بناء ابن الزبير مصراعا واحدا فجعله ابن الزبير مصراعين طولهما احد عشر ذراعا من الأرض إلى منتهى اعلاها اليوم وجعل الباب الآخر الذى في ظهرها بازائه وجعل إليها درجة في بطنها في الركن الشامي من خشب معرجة تصعد فيها إلى ظهرها وجعل في سطحها ميزابا يصب في الحجر. تطييب الكعبة وكسوتها لما أتم ابن الزبير بناء الكعبة خلق - طيَّب - جوفها بالعنبر والمسك ولطخ جدارها بالمسك من الخارج من اعلاها إلى أسفلها، وسترها بالديباج وقيل بالقباطي. ويفرش حول الكعبة بالحجارة وبقيت حجارة من بناء الكعبة ففرشت حول البيت واديرت بمقدار عشرة أذرع تاريخ انتهاء البناء. وكان الفراغ من عمارة الكعبة المعظمة في سابع عشر من شهر رجب من نفس العام عام خمس وستين للهجرة. ابن الزبير يطلب من الناس أن يعتمروا ويتصدقوا لما أتم ابن الزبير عمله العظيم خاطب الناس قائلا: من كان لي عليه طاعة فليعتمر من التنعيم شكرا لله ، ومن قدر أن ينحر بدنة فليفعل، ومن لم يقدر فليذبح شاة، فمن لم يقدر فليتصدق بقدر طَوْله. خرج ابن الزبير يمشى حافيا وخرج معه رجال من قريش مشاة منهم عبد الله بن صفوان وعبيد بن عمير فأحرم وأحرم الناس معه من أكمة أمام مسجد عائشة بمقدار غلوة - ومسجد عائشة على مقربة من المسجد المنسوب لعلي - وجعل ابن الزبير طريقه على ثنية الحجون المفيضة إلى المعلاة، ولبى حتى نظر البيت فلما

стр. 403

طاف بالكعبة استلم الأركان الأربعة جميعا، وقال إنما كان ترك استلام هذين الركنين الشامي والغربي لأن البيت لم يكن تاما. يقول ابن فهد القرشي وبقيت هذه العمرة سُنَّةَ عند أهل مكة في هذا اليوم يعتمرون في كل سنة من هذه الاكمة يقصد من الينبوع فما دونها. ابن الزبير ينحر مائة بدنة وكانت فرحة ابن الزبير وأهل مكة فرحة عظيمة بإعادة بناء الكعبة فأهدى ابن الزبير في ذلك اليوم مائة بدنة نحر بعضها في جهة التنعيم والبعض الآخر في طرف الحل ولم يبق من أشراف مكة وذوى الاستطاعة فيها إلا من أهدى ونحر، ولم ير يوم كان أكثر عتيقا ولا أكثر بدنة منحورة أو شاة مذبوحة، ولا صدقة من ذلك اليوم، وأقام أهل مكة يطعمون، ويتنعمون وينعمون شكرا لله على ما أنعم من التيسير في بناء بيته الحرام على الصفة التي كان عليها حين بناه إبراهيم الخليل ﵇. تحلية أساطين الكعبة بالذهب قالوا وجعل ابن الزبير على الكعبة وأساطينها صفائح الذهب كما جعل مفاتيحها ذهبا، كما قالوا أنه أدخل الرصاص والورس في بناء الكعبة. هكذا أعاد ابن الزبير رضى الله تعالى عنه بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ﵇ وكان الاختلاف هو أن طول جدار الكعبة في بناء إبراهيم تسعة أذرع فجعلها ابن الزبير سبعًا وعشرين ذراعا وجعل لها سقفا ولم يكن لها سقف في بناء الخليل ﵇، وجعل في ركنها الشمالي درجا يصعد عليه إلى سطحها وحلاها بالذهب وغير ذلك مما أسلفنا بيانه فجزاه الله على عمله الطيب خير الجزاء (١). بناء الحجاج للكعبة المعظمة تأبى السياسة ألا أن تدس أنفها في كل أمر فلم تمض عشر سنوات على بناء

стр. 404

عبد الله بن الزبير للكعبة المعظمة حتى اختلفت الأمور فعادت جيوش الشام مرة أخرى إلى مكة بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفى وحاصرت ابن الزبير في المسجد وضربت الكعبة بالمنجنيق مرة أخرى وحارب ابن الزبير حتى قتل فلما استتب الأمر في مكة للخليفة الأموي عبد الملك بن مروان كتب إِليه الحجاج بن يوسف عن الزيادة التي أحدثها بن الزبير في بناء الكعبة ووصف حديث عائشة رضوان الله تعالى عنها الذى اعتمد عليه الزبير في إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم وصف هذا الحديث بأنه مفترى على عائشة وأن الزبير يزعم أنه سمعه منها فكتب إليه عبد الملك، إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شئ أما ما زاد في طوله - طول بناء البيت - فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر فرد إلى بنائه، وسد الباب الذى فتحه، ولم يكذب الحجاج خبرًا فسارع إلى نقض الزيادة التي أدخلها ابن الزبير رضى الله تعالى في الكعبة، والتى أعادها بها إلى ماكانت عليه حين بناها الخليل ﵇ وأعاد بناء الكعبة في الجدار الذى من جهة الحجر - حجر إسماعيل وهو بمقدار ستة أذرع وشبر كما قام بسد الباب الغربى في ظهر الكعبة عند الركن اليماني وهكذا أعيدت الكعبة إلى ما كانت عليه حين بناء قريش لها، أما ما أحدثه ابن الزبير من الطول في البناء فبقي على حاله. عبد الملك يندم بعد فوات الآوان ويلعن الحجاج ولقد ندم عبد الملك بن مروان على تعجله في الإذن للحجاج بنقض ما بناه الزبير من الكعبة فقد وفد عليه الحارث بن عبد الله في خلافته فقال له عبد الملك: ما أظن أبا خبيب - يقصد ابن الزبير سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها؟ قال الحارث: بلى أنا سمعته منها. قال عبد الملك: سمعتها تقول ماذا؟ قال الحارث: قالت: قال رسول الله ﷺ إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه فإن بدا لقومك من بعدى

стр. 405

أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه - فأراها قريبا سبعة أذرع - وتكملة هذا الحديث أنه قال ﷺ لها - ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض شرقيا وغربيا، وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ قالت عائشة: لا. قال النبي صلوات الله وسلامه عليه تعززا أن لا يدخلها إلا من أرادوا فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه حتى يرتقي حتى إذا كاد أن يدخلوه دفعوه فسقط. قال عبد الملك للحارث: أنت سمعتها تقول هذا قال الحارث: نعم. فنكث ساعة بعصاه ثم قال وددت أنى تركته - يقصد ابن الزبير وما تحمل، وقال أبو أويس أخبرني غير واحد من أهل العلم أن عبد الملك ندم على إذنه للحجاج في هدمها ولعن الحجاج. والحقيقة أن حديث عائشة رضوان الله تعالى عليها ثابت في كتب السنة، وكان الأحرى بعبد الملك بن مروان أن يتقصى الأمر قبل أن يحكم فيه وهو يعرف الحجاج وما جبل عليه من الحقد والبطش فالمسألة تتعلق هنا بهيبة البيت وقدسيته، حيث يجب عدم تعرضه للهدم والتغيير في غير موجب، وقد رأينا ابن العباس وهو من هو في فقهه وعلمه ينصح ابن الزبير أن يقوم بترقيع الكعبة، أى ترميمها وأن لا يقوم على الهدم، ثم يترك مكة إلى الطائف فلا يعود إليها إلا بعد إتمام بناء البيت مرة أخرى. لا تجعل كعبة الله ملعبة للملوك وهذا الذى فعله ابن عباس رضى الله تعالى عنهما هو ما أفتى به الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة حينما سأله هارون الرشيد وقيل أبوه المهدى العباسي ماذا يرى في هدم الكعبة وردها إلى بناء عبد الله بن الزبير. قال الإمام مالك - يا أمير المؤمنين لا تجعل كعبة الله ملعبة للملوك، لا يشاء أحد

стр. 406

أن يهدمها إلا هدمها، فتذهب هيبة البيت من صدور الناس فتركها الرشيد. الطواف من خارج الحجر ولهذا فإن الطواف يكون من خارج الحجر - حجر إسماعيل - لأن ستة أذرع من الحجر مما يلى البيت تعتبر محسوبة من البيت بلا خلاف. خلاصة القول وخلاصة القول كما يقول المؤلف، فكل شيء فيها - الكعبة - بناء ابن الزبير إلا الجدار الذى في الحجر - حجر إسماعيل - فإنه بناء الحجاج - كما سد الحجاج الباب الذى ظهر في الكعبة، كذلك رفع الباب الشرقي الذى يدخل منه إليها اليوم بمقدار أربعة أذرع وشبر وكان يصل إلى الأرض، وكذلك الدرجة التي في باطن الكعبة والبابان اللذان عليها اليوم هما أيضا من عمل الحجاج. (١) السيل يهدم الكعبة بقيت الكعبة المعظمة على بناء ابن الزبير لها والتعديل الذى أحدثه بها الحجاج بن يوسف تسعمائة وأربع وستين عاما لم يصبها وهن ولا خراب باستثناء بعض المرمات البسيطة، بقيت الكعبة المعظمة كذلك إلى عام ١٠٣٩ للهجرة، ففى يوم الأربعاء التاسع عشر من شعبان عام تسع وثلاثين وألف للهجرة، هطل بمكة المكرمة مطر عظيم ابتدأ في الساعة الثانية صباحا - بالتوقيت الزوالى - واشتد نزوله بين صلاتي الظهر والعصر واتصل المطر إلى ليلة الخميس، يصاحبه برد عظيم. وفى آخر النهار من يوم الأربعاء هبط من جراء هذه الأمطار سيل عظيم لم يرد مثله في الأزمان القريبة، دخل السيل إلى المسجد الحرام وامتلأ المسجد بالماء، ودخل الماء إلى الكعبة المشرفة من بابها ووصل ارتفاع الماء إلى نصف جدار الكعبة، كما بلغ ارتفاعه إلى طوق القناديل، ودخل السيل بيوت أهل مكة المكرمة

стр. 407

وأخرج أمتعة هذه البيوت وذهب بها إلى أسفل مكة، ومات فيه خلق كثير من مختلف طبقات الناس وصل تعدادهم كما يقول أحمد بن علان ألف إنسان من كبير وصغير وجليل وحقير، وبقى ماء السيل تلك الليلة بالمسجد الحرام إلى الصباح .. وفى عصر يوم الخميس عشرين من شعبان عام ١٠٣٩ هـ سقط الجدار الشامي للكعبة، كما سقط بعض جداريها الشرقي والغربي كما سقطت درجة السطح بعد ذلك، ذعر الناس لما حدث من سقوط جدار الكعبة وضجوا وارتاعت القلوب لهول ذلك. وكان أمير مكة الشريف مسعود بن إدريس بن حسن قد حضر إلى المسجد صباح الخميس، وأمر بفتح سراديب المياه الخاصة بالحرم مما يلي باب إبراهيم وبعد أن تم تصريف معظم المياه عاد إلى داره باجياد ولكنه ما لبث أن عاد إلى المسجد فزعا حينما علم بسقوط جدار الكعبة وحضر معه أشراف مكة وعلماؤها وسادن البيت الشيخ محمد بن أبي القاسم الشيبي. أمر الشريف مسعود بإيقاد الشموع فأوقدت وأمر السادن بالدخول إلى الكعبة وإخراج القناديل الثمينة الخاصة بالكعبة، وكانت عشرين قنديلا من الذهب أحدها مرصع باللؤلؤ، كما أخرج الميزاب والمعادن الثمينة، وحفظت جميعها في دار سادن البيت بعد أن تم ضبطها. وفى اليوم التالى وهو يوم الجمعة ٢١ شعبان ١٠٣٩ حضر أمير مكة الشريف مسعود إلى المسجد الحرام ومعه أشراف مكة وعلماؤها واعيانها وباشروا في تنظيف المطاف وما حوله فباشر الخطيب خطبة الجمعة وأقام صلاتها بالناس في موضع المطاف. وبعد الفراغ من الصلاة شرعوا في جمع الحجارة التي سقطت من الكعبة المشرفة فنقلوها من المطاف ووضعوها في أماكن قريبة حتى تكون في متناول اليد عند إعادة البناء. كان الحجاز في ذلك العهد ضمن البلاد الإسلامية التابعة للخليفة العثمانى ولكنه كان مرتبطا في إدارته بمصر، وكان مقر الشرفاء أمراء مكة في مكة المكرمة، وكان مقر الولاة سواء أكان الوالي من قبل الخلافة العثمانى أو من قبل صاحب مصر

стр. 408

في جدة، وقد استدعى ما حدث السعي لإنقاذ الكعبة بإحضار مال عاجل من جدة فأرسل إلى صاحب مصر فيها فبعث خمسمائة دينار بصورة عاجلة. استفتاء الشريف علماء مكة في إصلاح الكعبة وقد حضر الشريف مسعود أمير مكة إلى المسجد الحرام وحضر لحضوره علماء البلد الأمين وأعيان الناس ومندوب من صاحب مصر فسأل أمير مكة العلماء الحاضرين الفتوى في إصلاح ما وهى من الكعبة وهل يجوز استعمال مال الكعبة في إصلاحها - والمقصود بيع القناديل الثمينة التي تحتويها خزانة الكعبة وغيرها مما أهدى إلى الكعبة - أم لا يجوز، ووجه السؤال مكتوبا إلى العلماء وعين لهم مكانا خاصا في باب الرحمة وقد اجتمع العلماء وتداولو الأمر ثلاثة أيام رجعوا فيها إلى المراجع الفقهية ثم أجابوا على السؤال بأن تعمر الكعبة من مالها، كما يجب المبادرة إلى العمارة ممن له أمارة على الحرمين الشريفين وأن المخاطب بهذا هو السلطان مراد خان ثم نائبه الشريف مسعود أمير مكة. وقد جهز أمير مكة وفدا للسفر إلى مصر لمقابلة صاحب مصر وعرض الأمر عليه مصحوبا بفتاوى العلماء وشهادة أعيان مكة لرفع الأمر إلى السلطان مراد خان. تنظيف المسجد وإحاطة الكعبة بسور من الأخشاب وفى نفس اليوم أمر الشريف مسعود المهندسين والفعلة بمباشرة تنظيف المسجد الحرام وباطن الكعبة مما أصابها من الأحجار والوحول المتراكمة، ووصلت من والي جده خمسمائة دينار أخرى لصرفها كذلك على التنظيف والإصلاح الابتدائى. وقد استغرف تنظيف المسجد الحرام مما أصابه من الوحول ما يقرب من شهر كامل فتم تنظيف المسجد والكعبة ثم أحيطت الكعبة بستارة من الخشب بعد إحضاره من جده وغيرها، وأمر الشريف مسعود بعمل ثوب أخضر كسيت به الأخشاب المحيطة بها ودخل الأمير إلى داخل الستار الخشبي فصلى في داخل

стр. 409

الكعبة ثم خرج وطاف بالبيت وذلك في السابع من شهر شوال عام ١٠٣٩ هـ. الاهتمام بإصلاح الكعبة وصل الوفد المرسل من مكة إلى مصر وقابل واليها محمد باشا الألباني فاهتم بالامر اهتماما عظيما ورأى المباشرة بعمارة الكعبة حتى قبل ورود أمر السلطان بذلك، فبعث من قبله مندوبا إلى مكة وخوله صلاحية تامة لاتخاذ التدبير المستعجلة للاصلاح، ووصل هذا المندوب إلى مكة المكرمة يوم ١٦ شوال وفى اليوم التالى لوصوله قابل أمير مكة الشريف مسعود وكان يصطحب معه خلعة سلطانية البسها لأمير مكة في المسجد الحرام. وكما اهتم صاحب مصر بالأمر فقد اهتم به السلطان مراد حينما وصل إليه الخبر فأرسل السلطان في شهر ربيع الثانى من عام أربعين بعد الألف رجلا اسمه السيد محمد أفندي قاضيا للمدينة المنورة ومعينا لعمارة الكعبة المشرفة وحينما وصل إلى مكة كان الشريف مسعود أمير مكة مريضا فاستقبله في بستان له خارج مكة المكرمة وألبسه الخلعة السلطانية وتوفى الشريف مسعود في الثامن عشر من ربيع الثاني عام أربعين وألف وقام بالأمر بعده الشريف عبد الله بن حسن بن أبي نمي. ووصلت المؤن اللازمة للعمارة من مصر في ٢١ من الشهر نفسه. العمل في بناء الكعبة وقد بدأ الاستعداد للعمل الجاد في بناء الكعبة في الأسبوع الأخير من شهر ربيع الثانى فأحاط النجارون الكعبة بسياج من الخشب للعمل من داخله وأخذوا من مدار المطاف نحو ستة أذرع لهذه الغاية. وكانت الأحجار الكبيرة التي اقتطعوها من جبل الكعبة المعروف حاليا قد أحضرت قريبا من باب العمرة وشرع النحاتون في نحتها. وهطل مطر بمكة في يوم السابع والعشرين من ربيع الثانى سقط على أثره حجران من الجدار الغربي وأحجار صغيرة أخرى مما دل على أن بناء الكعبة

стр. 410

جميعة قد وهى. وبالكشف على ما تبقى من بناء الكعبة ظهر أن الحاجة تدعو إلى إزالة البناء القديم جميعه وتشييدها على أسس جديدة واختلف الناس في ذلك. فالبعض يحبذ الهدم والبعض يميل إلى البناء على ما تبقى من البناء ولكن تغلبت فكرة الهدم الكامل في النهاية، فتم الشروع في الهدم في آخر يوم من شهر جمادى الأولى واستمر المهندسون والعمال في إزالة البناء القديم كله وهو بناء ابن الزبير إلى الثانى والعشرين من شهر جمادى الثانية ولم يبق في مكانه من بناء ابن الزبير إلا الحجر الأسود وذلك خشية عليه من التفتت، وقد تم قلع أحجار الشاذروان - الشاذروان هو حجر الأساس - كما نقضوا سقف الكعبة وحفظوا كسوتها وأبوابها وما زينت به من النحاس المموه بالذهب والرخام في مواضع أمينة. وفى ضحى يوم الأحد الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربعين بعد الألف بدأ العمل في صب الأساسات في جدار الكعبة الشامي، وأقيم لذلك احتفال حضره أمير مكة الجديد الشريف عبد الله ومعه أولاده كما حضر هذا الاحتفال مندوب السلطان مراد خان ومندوب صاحب مصر وكثير من علماء مكة وأعيانها وسادن البيت وشارك الجميع على سبيل التبرك في عمل الأساسات كما جرى ذبح الذبائح عند باب السلام وباب الصفا وباب إبراهيم تقربا إلى الله تعالى رجاء قبوله وتوفيقه. وقد استعملت الأحجار في المدماك الأول من البناء بسمك أربعة وعشرين قيراطا وفى المدماك الثاني بسمك اثنين وعشرين قيراطا وجرى صب الرصاص المذاب بين الأحجار لمساواتها وتقويتها. ولما بلغ البناء إلى موضع الحجر الذى يستلمه الطائف في الركن اليماني وضع ذلك الحجر في مكانه بعد أن ضخمه السادن بالعنبر والمسك وبخره بالعود وكان طرف الحجر الذى نحته انكسر من أعلاه فوضع في محل ذلك رصاص مذاب

стр. 411

ليكون مسامتا لباقي الأحجار واستمر البناء بغاية الدقة والإتقان إلى موضع الحجر الأسود فحضر مندوب السلطان مراد خان والشريف عبد الله بن الحسين بن أبي نمي أمير مكه وأولاده وجمع كبير من العلماء والأعيان وأصحاب الوظائف الكبيرة في الحرم وسادن بيت الله الحرام وذلك للاحتفال بتثبيت الحجر الأسود في موضعه من الركن. حادث مثير للحجر الأسود أخذ كبير المهندسين ومعه العلم عبد الرحمن زين الدين بأصبع الحديد ما أطاف بالحجر الأسود والفضة التي أحيطت بالحجر وكذلك بالجير الذى ألصق به وكان ولد أمير مكة الشريف محمد يتلقى هذه المواد بمحرمة في يده وهم يتلطفون في الأمر ولكن الذى كان بيده المعمول ضغط دون قصد على الحجر فإذا به ينقسم إلى أربع شظايا وكادت هذه الشظايا أن تسقط فلما رأوا ذلك أحضروا السيد على ابن بركات فهاله ما رأى من أمر الحجر كما هال الحاضرين ما علموا من ذلك وما شهدوا وأخيرا أجمع الرأى على إبقاء الحجر فى مكانه من الركن وإصلاحه دون إخراجه من موضعه خشية أن يتحول إلى شظايا صغيرة متفرقة أن هم أخرجوه من الركن، وإصلاحه دون إخراجه من العنبر واللاذن وأعادوا الفتات التي خرجت من الحجر أثناء التنظيف إلى مكانها منه ووضعوا عليه طوق الفضة الذى أعدَّ له وباشر إتمام ذلك أمير مكة وأكابر الحاضرين، ولكن مركب العنبر واللاذن لم يدم طويلا فلما حميت الشمس ذاب هذا المركب فأوقدت الشموع ليلا وعملوا مركبا آخر من كثير من المواد الثابتة وأضافوا إليها المسك والعنبر وتم إلصاق الشظايا مرة أخرى بهذا المركب الذى انتهى العمل فيه عند منتصف الليل وقد بلغت شظايا الحجر ثلاثة عشر فلقة الكبار منها أربعة وقد حدث في التاسع من شهر شوال أنه لوحظ تحرك طوق الفضة المطيف بالحجر الأسود وتخلخل أحجاره وربما كان ذلك من كثرة اللمس والتقبيل للحجر بعد أن كان محجوبا عن الناس بضعة شهور فأعيد صنع مركب آخر ملئت به الثغرات بين أحجاره ليتم تماسكها، وفى أول يوم من ذى

стр. 412

الحجة من هذا العام جرى دهن الحجر وطلى بالسندروس فصلح ما تخلخل منه. تاريخ انتهاء البناء في الكعبة هذا وقد استمر العمل في بناء الكعبة المعظمة ستة شهور ونصف، أورد الشيخ باسلامة تفاصيلها نقلا عن المصادر التاريخية الكثيرة يوما بيوم إلى أن انتهى العمل النهائى فيها ثانى أيام ذى الحجة من عام أربعين وألف وهذه العمارة التي قام بها السلطان مراد خان هي الباقية حتى هذا اليوم ولم يطرأ عليها سوى بعض الترميمات التي كان آخرها في سقف الكعبة في العهد السعودى عام ١٣٧٧ للهجرة. ونكمل الحديث عن بناء السلطان مراد للكعبة ببعض المعلومات المتعلقة بالموضوع: ١ - الباب الذى جعل للكعبة في هذه العمارة اشترك فيه أكثر من سلطان فقد أرسل السلطان بيبرس سلطان مصر بابا ثمينا من الخشب للكعبة، ثم قام السلطان سليمان العثمانى بتلبيسه بالفضة المموهة بالذهب. ٢ - تم تسقيف الكعبة بالأخشاب وبلغت الأعواد التي استعملت كحامل للسقف ثمانية وثمانين عودا وتم تلبيس هذه الأعواد بصفائح الخشب. ٣ - جعلت للكعبة ثلاثة بساتل من الخشب القوي وقد وصل البستل الأول وهو قطعة من دقل مركب وحمل من جده على عجل وجُرَّتْ باثنى عشر جملا، ولما وصلت إلى باب الصفا حملها اثنا عشر رجلا ثم ركبوا أربع بكرات بحبال قوية ليرفعو البستل إلى سقف الكعبة وهكذا فعلوا في البساتل الباقية، والبستل هو عمود ضخم من الخشب القوي الصالح لحمل الأثقال وقد تم دهن هذه العمد بالجير والزعفران وطليت بغراء الجلود. ٤ - للكعبة سقفان سقف يعلوه سقف.

стр. 413

٥ - الميزاب المركب في سطح الكعبة أرسله السلطان العثمانى أحمد خان هدية إلى الكعبة في سنة ألف وعشرين للهجرة وطوله ثلاثة أذرع ونصف الجزء البارز منه مصفح بالفضة المحلاة بالذهب وعليه اسم السلطان أحمد خان وقد بقي في مكة عشرين عاما ثم جرى تركيبه في العمارة الأخيرة التي أجراها السلطان مراد خان. ٦ - تم فرش سطح الكعبة بالرخام وكان قد تكسر من رخامه عشرر خامات أبدلت بعشر رخامات جديدة. ٧ - كان الجدار الذي بني به الحجر تم بناؤه في عمارة الملك الأشرف قانصوه الغورى من ملوك الجراكسه بمصر في القرن العاشر الهجرى، وقد أعيد بناء هذا الجدار في العمارة الأخيرة وفقدت رخامة من الرخام الملبس به البناء فأبدلت بغيرها - وكذلك أبدل الرخام المكسر في المطاف برخام سليم. ٨ - كان السلطان أحمد خان العثمانى قد بعث لوحا ذهبيا يعلق على أعلى باب الكعبة مكتوبا عليه باللون اللازوردى - الأزرق الفاتح - أن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعاملين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا - وتحت هذه الآيات ثلاث أبيات فيها تاريخ بعمل الحزام للسلطان أحمد خان وهو عام عشرين الف وهذه الثلاث أبيات تدل على الحالة التي كان فيها النظم الركيك يعتبر شعرا وكان هذا هو التفكير السائد في ذلك الوقت. اللوح ذا لما استرم فجددا … قد بدل السلطان أحمد عسجدًا فبدا له من جديد ذو جدا … الله انعم بالمجدد وايدا الهمت في تاريخه لما … بدا اللوح للسلطان أحمد جددا ٩ - لما تم تجديد بناء الكعبة المعظمة كتب تاريخ العمارة على لوحة رخامية كتب فيها "بسم الله الرحمن الرحيم"، ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، تقرب بتجديد هذا البيت العتيق إلى الله خادم الحرمين، وسائق الحجاج

стр. 414

بين البرين والبحرين السلطان ابن السلطان مراد خان بن السلطان أحمد خان بن السلطان محمد خان خلد الله تعالى ملكه وأيد سلطنته في أواخر شهر رمضان المبارك المنتظم في سلك شهور سنة أربعين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل التحية. وقد ألصقت تلك اللوحة على الجدار الغربى بداخل الكعبة المشرفة ومن المعلوم أن هذا التاريخ ليس هو التاريخ النهائى للعمل في البيت وربما كان تاريخ الانتهاء من البناء، لأن التاريخ النهائى لعمارة البيت كان في الثانى من ذى الحجة من نفس العام المذكور كما أسلفنا بيانه. ١٠ - زينت أرض الكعبة وجدرانها بالرخام الملون وفيها أربعة دعائم، والدرجة الصاعدة إلى السطح في بطن الجدار الشامي عليها باب صغير وعلى يسار الداخل كرسي من الخشب يجلس عليه فاتح البيت وقد كسيت من الداخل بحرير أحمر. ١١ - تبلغ مساحة الكعبة بالأمتار كما وردت في الكتاب كالتالى: - أ - طول الكعبة من وسط الجدار اليماني إلى وسط الجدار الشامي ١٠.١٥ ب - طول الكعبة من وسط الجدار الشرقي إلى وسط الجدار الغربى ٨.١٠ ج - يبلغ عرض جدار الدرجة التي بداخل الكعبة الواقعة في الركن الشمالي الشرقي المصعدة إلى سطح الكعبة من الشرق إلى الغرب مزين وثلاثين سنتما ومن الشمال إلى الجنوب مترا ونصف المتر. ١٢ - يوجد في داخل الكعبة سبعة ألواح من الرخام تحمل أسماء السلاطين والملوك الذين قاموا بعمارة فيها وهي كالتالى حسب الترتيب الذى أورده المؤلف. ١ - السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى في مستهل رجب عام أربع وثمانين وثمانمائة للهجرة. ٢ - والدة السلطان العثماني خان مصطفى بمباشرة أحمد بيك شيخ الحرم المكى في عام مائة وتسع بعد الألف. ٣ - الخليفة العباسى أبو جعفر المنصور عام تسع وعشرين وستمائة.

стр. 415

٤ - الملك المظفر صاحب اليمن الذى قام بتجديد رخام البيت المعظم عام ثماني وستمائة. ٥ - السلطان مراد خان بن السلطان محمد خان في شهر رمضان سنة أربعين وألف من الهجرة. ٦ - السلطان محمد خان الذى قام بتجديد سقف البيت الشريف وجميع داخل الحرم وخارجه سنة سبعين وألف. ٧ - السلطان الملك الأشرف أبو النصر برسباي سنة ستة وعشرين وثمانمائة. ١٣ - توجد في وسط الكعبة ثلاثة أعمدة من الخشب القوي التخين يقدر قطر تخن الواحدة منها بنصف متر ولون هذه الأعمدة بين الحمرة والصفرة وقد بقيت هذه الأعمدة ثلاثة عشر قرنا حيث وضعها عبد الله بن الزبير في بنائه للبيت وقد عمل لهذه الأعمدة قبل أربعين عاما دوائر من الخشب من أسفلها بإرتفاع متر ونصف من أرض الكعبة بعد أن ظهر بعض التصدع في هذه العمد التي عاشت طيلة هذه القرون كما يقول المؤلف في منتصف القرن الماضي. ١٤ - أرض الكعبة مفروش بالرخام الأبيض والقليل منه ملون أما جدارها فهو مكسو برخام ملون ومزركش بنقوش لطيفه. ١٥ - وصف المؤلف الستارة الحمراء التي بداخل الكعبة والتى أهديت لها من السلطان عبد العزيز خان عام ١٢٩٠ للهجرة ومكتوب عليها بالنسيج الأبيض - لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷻ ، ثم سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، ثم يا حنان يا سلطان يا حنان يا سبحان - وهذه الأسماء مكتوبة على شكل دوائر وتوجد ستارة أخرى على باب الدرجة المصعدة إلى سطح الكعبة من الداخل وهي من الحرير الأسود ومطرزة بالقصب الفضي المذهب. (١) الحجر الأسود أفرد المؤلف فصلا خاصا في كتابه تحت عنوان - خبر الحجر الأسود - استعرض

стр. 416

فيه الحوادث للحجر ونبدأ بالحادثة الشهيرة التي أخذ فيها القرامطة الحجر من مكة وساروا به إلى هجر وغيبوه هناك اثنتين وعشرين عاما - يقول المؤلف نقلا عن التقي القاسي في شفاء الغرام وعن ابن فهد في إتحاف الورى ما ملخصه. أن أبا طاهر سليمان بن ربيعة الحسن القرمطي صاحب البحرين دخل مكة في شهر ذى الحجة سنة ثلاثمائة وسبعة عشرة للهجرة وكان قد حضر للحج بالناس نيابة عن الخليفة العباسي عمر بن الحسن بن عبد العزيز وفاجأ القرمطي هذا الناس بأن دخل المسجد الحرام يوم التروية أو معه تسعمائة رجل من أصحابه وكان يمتطى فرسا له وبيده سيف مسلول يقول ابن فهد فصفر القرمطي لفرسه فبال عند البيت وأسرف هو أصحابه في قتل الحجاج وأسرهم ونهبهم وكان الناس يطوفون والسيوف تأخذهم وقد بلغ عدد القتلى في المسجد الحرام ألفا وسبعمائة شخص في إحدى الروايات بينما بلغ في رواية أخرى ثلاثة عشر ألفا وأيا كان العدد فقد كانت حادثة رهيبة وفظيعة وقد امتلأ المسجد الحرام بجثث القتلى بعد أن امتلأ بهم بئر زمزم وحينما سمع أبو طاهر هذا الناس يصيحون - تقتل جيران الله في حرم الله؟ قال لعنه الله - ليس بجار من خالف أوامر الله ونواهيه وتلا الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. ثم صعد على باب الكعبة واستقبل الناس بوجهه وهو يقول: - إنا بالله وبالله أنا … يخلق الخلق وأفنيهم أنا قالوا وضرب بعض أصحابه الحجر بدبوس فانكسر، وقيل أن الذى ضرب الحجر الأسود بالدبوس أبو طاهر نفسه وصاح يا حمير - أنتم تقولون من دخل هذا البيت كان آمنا فأين الأمن وقد فعلت ما فعلت؟ وعطف دابته ليخرج فأخذ بعض الحاضرين بلجام فرسه وقد استسلم للقتل فقال له - ليس معنى الآية ما ذكرت وإنما معناها من دخل فأمنوه فلوى القرمطي فرسه ولم يرجع إليه. ثم استمر القتل والنهب من القرمطي وأصحابه في سكك مكة وظاهرها وشعابها من الحجاج المغاربة والخراسانين نيفا وثلاثين الفًا وسبى من النساء والصبيان مثل

стр. 417

ذلك ولم يقف أحد هذه السنة بعرفه ولا وفي نسكا إلا قوم يسيرون غرورًا فأتموا حجهم دون إمام وكانوا رجالة. ونهب أبو طاهر ورجاله أموال الناس وحلي الكعبة، وهتك أستارها وقسم كسوتها بين أصحابه قال ابن فهد ونهب دور مكة وقلع باب الكعبة، وأمر بقلع الميزاب وكان من الذهب الإبريز فصعد أحد رجاله ليقلعه فأصيب ببسهم في عجزه أطلق عليه من جبل أبي قبيس فسقط فمات، وقيل أن الرجل وقع على رأسه فمات. فقال القرمطي - اتركوه على حاله - يعني الميزاب فإنه محروس حتى يأتي صاحبه يعنى المهدى قالوا وأراد أخذ المقام فلم يظفر به لأن سدنة المسجد غيبوه في بعض شعاب مكة، فتألم لفقده فعاد عند ذلك على الحجر الأسود فقلعه جعفر بن أبي علاج البناء المكي بأمر القرمطى بعد صلاة العصر من يوم الاثنين رابع عشر ذى الحجه قالوا وقال عند ذلك شعرا يدل على عظيم زندقته حيث يقول: فلو كان هذا البيت لله ربِّنا … لصب علينا النار من فوقه صبا لأنا حججنا حجة جاهلية … محللة لم تبق شرقا ولا غربا وأنا تركنا بين زمزم والصفا … جنايز لا تبغي سوى ربها ربا قالوا وقلع القرمطي قبة زمزم وأقام هو وأصحابه بمكة أحد عشر يوما ثم انصرف إلى بلده هجر وحمل معه الحجر الأسود يريد أن يجعل الحج عنده، قال ابن فهد وهلك تحت الحجر أربعون جملا وبقى موضع الحجر الأسود من الكعبة خاليا يضع الناس فيه أيديهم للتبرك. وكان القرمطي يخطب بمكة لعبد الله المهدى صاحب المهدية بأفريقية. أقول - أن ما يلفت النظر في هذه الروايات التي سقناها عن القرمطي والمنقولة

стр. 418

عن ابن فهد أن تعداد جيش القرمطي كان تسعمائة رجل وقد عاث هذا الفساد كله في أقدس بقعة على وجه الأرض وقتل الألوف من الحجاج والأهليين، وسبى الألوف المؤلفة كذلك من الصبيان والنساء، وهتك حرمة البيت الحرام وبقى أحد عشر يوما ولم يتصد لقتاله ومناجزته أحد ترى ألم يكن لدى أمير مكة من الجنود والحرس من يتصدى لهؤلاء المفسدين في الأرض وقد حضر الحج مندوب الخليفة ومعه حتما من الجند والحرس من كان ينضم إلى أمير مكة وجنده، كما ينضم إليهم المتطوعون من أهل مكة والحجاج. ولقد ذكر ابن فهد ضمن أسماء القتلى أمير مكة ابن محارب كما ذكر أسماء كثير من الأعلام الذين قتلوا في هذه المعركة الفظيعة. على أي حال - يبدو أن هذا القرمطي اعتمد على مفاجأة الناس باعتدائه الفظيع الغاشم الذى تم في اليوم الثامن من ذى الحجة، وفى قلب المسجد الحرام، ويبدو أن هذه المفاجأة أذهلت الناس فشلت عقولهم كما شلت حركتهم، كما أن مقتل ابن محارب أمير مكة كان من أكبر الأسباب في استرسال القرمطي هذا وأصحابه في القتل والإفساد دون رادع أو واعز، أما تعداد القتلى والأسرى والسبايا فإن المبالغة فيه واضحة لا يفتقر تبينها إلى عناء، والناس في أمثال هذه الحوادث يعظمون الأمور ويبالغون في الروايات وقد ينطقون الناس ما لم ينطقوا أو يقولوا، ولكن الحادثة مهما صاحب روايتها من المبالغة والتهويل كانت من أسوأ الحوادث التي مرت في تاريخ المسجد الحرام وأفظعها، وهي سبة لهذا القرمطي وأصحابه ولعنة تلحقهم عبر الأزمان والدهور. إعادة الحجر ذكرنا أن هذا القرمطي الفاجر اللعين كان يخطب لعبد الله المهدى صاحب أفريقية قالوا فلما بلغ المهدى ذلك كتب إلى القرمطي يقول - والمعجب من كتبك

стр. 419

إلينا ممتنا علينا بما ارتكبت واجتريت باسمنا من حرم الله وجيرانه بالأماكن التي لم تزل الجاهلية تحرم الدماء فيها وإهانة أهلها ثم تعديت ذلك إلى أن قلعت الحجر الذى هو يمين الله في الأرض يصافح بها عباده، وحملته إلى أرضك ورجوت أن نشكرك على ذلك، فلعنك الله ثم لعنك الله ثم لعنك، والسلام على من يسلم المسلمون من لسانه ويده. لما وصل هذا الكتاب من الخليفة العبيدى عبد الله المهدى انحرف القرامطة عن طاعة العبيدين قالوا وأقام الحجر بالإحساء اثنتين وعشرين سنة يستميلون الناس إليهم، ثم يئسوا فردوه فلما كان يوم النحرمن سنة ثلاثمائة وتسعة وثلاثين وافى سنبر بن الحسن القرمطي مكة ومعه الحجر الأسود فلما صار بفناء الكعبة ومعه أمير مكة أظهر الحجر من سفط وعليه ضباب فضه. وقد قيل أن الخليفة المقتدر العباسي اشترى الحجر من أبي سعيد الجنابي بثلاثين ألف دينار ولكن الناقل لهذه الرواية نجم الدين بن فهد ردها. قالوا ولما رد سنبر هذا الحجر إلى مكانه وجرى شده بالجص الذى أحضره معه قال سنبر - أخذناه بقدرة الله، ورددناه بمشيئة الله. ونظر الناس إلى الحجر فتبينوه وأقبلوا عليه يقبلونه ويحمدون الله تعالى على رده إلى مكانه من البيت الحرام. وقد جرى إخراج الحجر بعد بضعة شهور من إعادته إلى مكة وتطويقه بالفضة كما كان عليه الحال في خلافة عبد الله بن الزبير وقد وقعت حوادث كثيرة للحجر الأسود عبر التاريخ نذكر منها ما يلي: ١ - ذكر ابن فهد القرشى في حوادث سنة ٣٦٣ أنه بينما كان الناس في وقت القيلولة وشدة الحر وانقطاع حركة الطواف بالبيت إلا من رجل أو رجلين شوهد رجل عليه ملابس بالية يغطى رأسه ويسير رويدا حتى دنا من الركن فأخذ معولا وضرب به الركن ضربة شديدة حتى ظهر أثرها فيه ورفع يده ليضرب الضربة الثانية فابتدره رجل من السكاسك من أهل اليمن وكان يطوف بالبيت فطعنه

стр. 420

بخنجر طعنة عظيمة فسقط أرضا وأقبل الناس من نواحي المسجد ونظروه فإذا هو رجل رومي يحمل معولا عظيما حديد السن وقد جعل له مال كثير على ذهاب الركن فأخرج من المسجد الحرام وجمع الحطب الكثير فأحرق بالنار. ٢ - وذكر ابن الاثير في حوادث سنة ٤١٤ جاء إلى المسجد في يوم النفر الأول ولم يكن الناس عادوا من منى رجل أحمر اللون أشقر الشعر تام القامة جسيم طويل وبإحدى يديه سيف مسلول وبالأخرى دبوس فقصد الحجر الأسود بعد أن أتم الإمام صلاته يظهر كان يريد استلامه فضرب وجه الحجر ثلاث ضربات متواليات بالدبوس فتقشر وجه الحجر من تلك الضربات وسقطت منه شظايا صغيرة. وأقبل الرجل بوجهه متسائلا، إلى متى يعبد هذا الحجر الأسود ولا محمد ولا علي يمنعني عما أفعله فإنى أريد اليوم أهدم هذا البيت فتهيب الحاضرون الأقدام على الرجل، وكان قد وضع على باب المسجد عشرة من الفرسان لينصروه، ولكن رجلا من أهل مكة احتسب حياته فثار به فطعنه بخنجر وتكاثر عليه الناس فقتلوه وقطعوه إربا وأحرقوه بالنار وقتل جماعة ممن شاركوه وأعانوه وأحرقوا بالنار. قالوا وكان الظاهر منهم عشرين رجلا فثارت الفتنة وعلم أبو الفتوح أمير مكة بالأمر فأطفأ الفتنة التي كادت أن تعم المصريين لأن الرجل كان كما يقول ابن الأثير ممن استغواهم العبيدى حاكم مصر. ٣ - وجاء في منائح الكرم نقلا عن الشيخ محمد بن علان المكي أنه في عشر التسعين والتسعمائة جاء رجل أعجمي بدبوس فضرب الحجر الأسود، وكان الأمير ناصر جاوش حاضرا فطعن ذلك الأعجمي بالخنجر فقتله وأراد العجم المقيمون بمكة أن يثأروا له وزعموا أنه شريف فحال بينهم وبينه قاضي مكة حسين المالكي. ٤ - وقد أورد الشيخ باسلامة آخر الحوادث التي شهدها عن الحجر الأسود فقال: جاء رجل فارسي من بلاد الأفغان في آخر شهر المحرم سنة ١٣٥١ فاقتلع قطعة من الحجر الأسود وسرق قطعة من ستارة الكعبة، وقذعة فضة من مدرج

стр. 421

الكعبة الذى هو بين بئر زمزم وباب بني شيبة فشعر به حرس المسجد الحرام فاعتقلوه ثم أعدم عقوبة له كما حدث لأمثاله ممن تجرأوا على الحجر الأسود في مختلف أزمان التاريخ بحيث أصبح ذلك سنة متبعة. يقول الشيخ باسلامة ثم لما كان يوم ٢٨ ربيع الثانى من عام ١٣٥١ حضر جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود من مصيفه بالطائف قبل توجهه إلى الرياض ومعه رئيس هيئة القضاء الشرعي الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، وحضر أيضا الشيخ عبد الله الشيبي نيابة عن والده رئيس السدنه المرحوم الشيخ عبد القادر الشيبي وحضر كذلك بعض الأعيان، ثم أحضر مدير الشرطة العام محمد مهدى بك تلك القطعة التي اقتلعها ذلك الفارسي التعيس وعمل الأخصائيون مركبا كيماويا مضافا إليه المسك والعنبر وضعه الأخصائيون لتثبيت تلك القطعة ثم وضع جلالة الملك عبد العزيز بيده قطعة الحجر في محلها وأثبتها الأخصائيون إثباتا محكما. (١)

стр. 422

كسوة الكعبة تعددت الروايات في أمر كسوة الكعبة وقد استنتج الحافظ ابن حجر من هذه الروايات أن أول من كسى الكعبة إسماعيل ﵇ ثم عدنان وهو الجد الأعلى للرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه ثم تبع ملك اليمن واسمه أسعد. وفى كسوة تبع للكعبة أنه كان وقومه أصحاب أوثان يعبدونها فسار إلى مكة بقومه حتى إذا كان قريبا منها بين عسفان وامج أتاه نفر من هذيل فقالوا له - أيها الملك ألا ندلك على بيت مال وأثر أغفلته الملوك قبلك فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة؟ قال تبع بلى - قالوا بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده .. قالوا وإنما أراد الهذليون بذلك هلاك تبع وجيشه لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك بسوء قبله. أجمع تبع أمره على السير إلى مكة والاستيلاء على الكنوز النفيسة التي وصفها له الهذليون فاستشار حبرين كان عنده باليمن يعلمان ما جاء في الكتب. قال الحبران لتبع: ما أرادا القوم إلا هلاكك وهلاك جندك، وما نعلم بيتا لله اتخذه في الأرض لنفسه غيره، ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن ومن معك جميعا.

стр. 423

قال تبع فماذا تأمرانني أن أصنع إذا أنا قدمت عليه؟ قالا تصنع عنده ما يصنع أهله، تطوف به وتعظمه وتكرمه وتحلق رأسك عنده وتذلل له حتى تخرج من عنده. قال تبع للحبرين فما يمنعكما أنتما من ذلك؟ قالا - أما والله أنه لبيت أبينا إبراهيم وإنه كما أخبرناك، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالآوثان التي نصبوها. استمع تبع لنصيحة الحبر بن وعاقب الهذليين بقطع أيديهم وأرجلهم ثم سار إلى مكة، فلما وصل إليها طاف بالبيت ونحر عنده وحلق رأسه، وأقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر بها الذبائح لأهل مكة ويسقيهم العسل. ورأى تبع في منامه أن يكسو البيت فكساه الخصف وهي ثياب غلاظ وقيل نسيج من الخوص والليف وهو الأقرب إلى إسم الخصف (١) ثم رأى تبع في منامه أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافير ثم رأى أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء والوصائل وهي ثياب حبرة من صنع اليمن، وجعل للكعبة بابا يغلق وقال تبع في ذلك شعرا: وكسونا البيت الذى حرم الله … ملاءًا معضدا وبرودا وأقمنا به من الشهر عشرا … وجعلنا لبابه اقليدا وخرجنا منه نؤم سهيلا … قد رفعنا لواءنا معقودا أقول وهذه الأبيات تدل على أن إقامة تبع بمكة طالت حتى بلغت شهورا عشرة كما وردت في البيت الثانى.

стр. 424

وتروى النوار بنت مالك أم زيد بن ثابت رضى الله عنه قالت: رأيت على الكعبة قبل أن ألد زيد بن ثابت وأنابه نسئ مطارف خز خضراء وصفراء وكرار وأكسية من أكسية الأعراب وشقاق شعر والكرار هي الخيش الرقيق واحدها كر. ويبدو أن الناس قبل الإسلام كانوا يكسون الكعبة تقربا فكل من أراد كسوتها وضع الكسوة التي عليه فعلقها بها فكنت تجد معلقا على وجه الكعبة الأكسية من الحرير والخيش والشعر وغيرها من مختلف الثياب التي تهدى إليها وتعلق عليها. وكانت هذه الأكسية تتكاثر على الكعبة وربما حفظ بعضها في خزانة الكعبة فإذا بلى شيء من الأكسية المعلقة عليها أزيل ووضع مكانه، وكان الطيب يهدى إلى الكعبة فتضمخ به كما يهدى إليها العود فتجمر به. وفي وقت من الأوقات كانت قريش تفرض كسوة الكعبة على القبائل بقدر احتمالها فتسهم كل قبيلة بما فرض عليها من هذه الكسوة حتى نشأ أبو ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكان يتجر مع اليمن فأثرى ثراء عظيما فكان يكسو الكعبة سنة وتكسوها قبائل قريش سنة، وكان يأتى بالكسوة من أرض السكاسك باليمن وكانت هذه الكسوة حبرة جديدة واستمر على ذلك حتى مات وكانت قريش تسميه العدل لأنه عدل بفعله فعل قريش كلها واستمر هذا الاسم لأبنائه من بعده فكانوا يسمون بنو العدل. وقيل أن أول من كسى الكعبة الديباج خالد بن جعفر بن كلاب، قالوا أنه أصاب لطيمة في الجاهلية فيها نمط ديباج فأرسل به إلى الكعبة فنيط عليها وقيل أن أول من كساها الديباج نتيلة بنت حبان والدة العباس بن عبد المطلب قيل أنها أضلت ابنها العباس، وقيل شقيقه ضرارا بن عبد المطلب فنذرت أن وجدته أن تكسو البيت فرده عليها رجل من جزام فكست الكعبة ثبابا بيضا. (١)

стр. 425

كسوة الكعبة في الإسلام أما كسوة الكعبة في الإسلام فقد ورد أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه كساها الثياب اليمانية ثم كساها أبو بكر وعمر وعثمان القباطي، وهي ثياب من صنع مصر كانت معروفة في ذلك الزمان، ثم كساها الحجاج الديباج بأمر عبد الملك بن مروان. ويبدو أن كسوة الكعبة لم تكن تتم بشكل دورى في مواعيد فعينة، لهذا فإن الناس كانوا يساهمون في كسوتها فقد روى أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه كان يكسو بدنه القباطي والحبرات كان يحرم بها فإذا كان يوم النحر نزعها ثم أرسل بها إلى شيبة بن عثمان سادن البيت فناطها - علقها - على الكعبة. وروى أن عمر رضى الله تعالى عنه كان يكسو الكعبة القباطي يوصي عليها من مصر تحاك له هناك وفعل بعده ذلك عثمان فلما كان عهد معاوية كساها القباطى كما كان يفعل عمر وكساها الديباج فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء وتكسى القباطى في آخر شهر رمضان وأجرى معاوية لها وظيفة من الطيب لكل صلاة وكان يبعث بالطيب والمجمر والخلوف في الموسم وفى رجب وأخدمها معاوية عبيدا بعث بهم إليها فكانوا يخدمونها وعلى هذا فإن كسوة الكعبة انتظمت في عهد عمر رضي الله تعالى عنه حيث تحاك من مصر وترسل إليها ثم صارت تكسى في عهد معاوية مرتين في العام. وكان يزيد بن معاوية وعبد الله بن الزبير يكسوان الكعبة الديباج المصنوع من خراسان فلما ولي عبد الملك بن مروان الخلافة كان يكسوها الديباج ويرسل به من الشام إلى المدينة فينشر يوما في مسجد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه على أساطين المسجد ثم يطوى ويبعث به إلى مكة وكذلك كان يبعث بالطيب وبالمجمر - العود - إلى مسجد رسول الله ﷺ ، وكان الديباج إذا وضع على الكعبة يوم التروية علق على نصفها دون أن يخاط فتبدوا الكعبة وكانها محرمة كما هي العادة اليوم، فإذا أتم الناس حجهم وصدروا من منى أكملت كسوتها فإذا كان يوم العاشر من محرم أتموا الكسوة بخياطة أثواب الكعبة عليها فبدت كاملة وتبقى كسوة الديباج
следующие страницы →