الكعبة الذى هو بين بئر زمزم وباب بني شيبة فشعر به حرس المسجد الحرام فاعتقلوه ثم أعدم عقوبة له كما حدث لأمثاله ممن تجرأوا على الحجر الأسود في مختلف أزمان التاريخ بحيث أصبح ذلك سنة متبعة.
يقول الشيخ باسلامة ثم لما كان يوم ٢٨ ربيع الثانى من عام ١٣٥١ حضر جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود من مصيفه بالطائف قبل توجهه إلى الرياض ومعه رئيس هيئة القضاء الشرعي الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، وحضر أيضا الشيخ عبد الله الشيبي نيابة عن والده رئيس السدنه المرحوم الشيخ عبد القادر الشيبي وحضر كذلك بعض الأعيان، ثم أحضر مدير الشرطة العام محمد مهدى بك تلك القطعة التي اقتلعها ذلك الفارسي التعيس وعمل الأخصائيون مركبا كيماويا مضافا إليه المسك والعنبر وضعه الأخصائيون لتثبيت تلك القطعة ثم وضع جلالة الملك عبد العزيز بيده قطعة الحجر في محلها وأثبتها الأخصائيون إثباتا محكما. (١)
стр. 422
كسوة الكعبة
تعددت الروايات في أمر كسوة الكعبة وقد استنتج الحافظ ابن حجر من هذه الروايات أن أول من كسى الكعبة إسماعيل ﵇ ثم عدنان وهو الجد الأعلى للرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه ثم تبع ملك اليمن واسمه أسعد.
وفى كسوة تبع للكعبة أنه كان وقومه أصحاب أوثان يعبدونها فسار إلى مكة بقومه حتى إذا كان قريبا منها بين عسفان وامج أتاه نفر من هذيل فقالوا له - أيها الملك ألا ندلك على بيت مال وأثر أغفلته الملوك قبلك فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة؟
قال تبع بلى - قالوا بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده .. قالوا وإنما أراد الهذليون بذلك هلاك تبع وجيشه لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك بسوء قبله.
أجمع تبع أمره على السير إلى مكة والاستيلاء على الكنوز النفيسة التي وصفها له الهذليون فاستشار حبرين كان عنده باليمن يعلمان ما جاء في الكتب.
قال الحبران لتبع: ما أرادا القوم إلا هلاكك وهلاك جندك، وما نعلم بيتا لله اتخذه في الأرض لنفسه غيره، ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن ومن معك جميعا.
стр. 423
قال تبع فماذا تأمرانني أن أصنع إذا أنا قدمت عليه؟
قالا تصنع عنده ما يصنع أهله، تطوف به وتعظمه وتكرمه وتحلق رأسك عنده وتذلل له حتى تخرج من عنده.
قال تبع للحبرين فما يمنعكما أنتما من ذلك؟
قالا - أما والله أنه لبيت أبينا إبراهيم وإنه كما أخبرناك، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالآوثان التي نصبوها.
استمع تبع لنصيحة الحبر بن وعاقب الهذليين بقطع أيديهم وأرجلهم ثم سار إلى مكة، فلما وصل إليها طاف بالبيت ونحر عنده وحلق رأسه، وأقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر بها الذبائح لأهل مكة ويسقيهم العسل.
ورأى تبع في منامه أن يكسو البيت فكساه الخصف وهي ثياب غلاظ وقيل نسيج من الخوص والليف وهو الأقرب إلى إسم الخصف (١) ثم رأى تبع في منامه أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافير ثم رأى أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء والوصائل وهي ثياب حبرة من صنع اليمن، وجعل للكعبة بابا يغلق وقال تبع في ذلك شعرا:
وكسونا البيت الذى حرم الله … ملاءًا معضدا وبرودا
وأقمنا به من الشهر عشرا … وجعلنا لبابه اقليدا
وخرجنا منه نؤم سهيلا … قد رفعنا لواءنا معقودا
أقول وهذه الأبيات تدل على أن إقامة تبع بمكة طالت حتى بلغت شهورا عشرة كما وردت في البيت الثانى.
стр. 424
وتروى النوار بنت مالك أم زيد بن ثابت رضى الله عنه قالت: رأيت على الكعبة قبل أن ألد زيد بن ثابت وأنابه نسئ مطارف خز خضراء وصفراء وكرار وأكسية من أكسية الأعراب وشقاق شعر والكرار هي الخيش الرقيق واحدها كر.
ويبدو أن الناس قبل الإسلام كانوا يكسون الكعبة تقربا فكل من أراد كسوتها وضع الكسوة التي عليه فعلقها بها فكنت تجد معلقا على وجه الكعبة الأكسية من الحرير والخيش والشعر وغيرها من مختلف الثياب التي تهدى إليها وتعلق عليها. وكانت هذه الأكسية تتكاثر على الكعبة وربما حفظ بعضها في خزانة الكعبة فإذا بلى شيء من الأكسية المعلقة عليها أزيل ووضع مكانه، وكان الطيب يهدى إلى الكعبة فتضمخ به كما يهدى إليها العود فتجمر به.
وفي وقت من الأوقات كانت قريش تفرض كسوة الكعبة على القبائل بقدر احتمالها فتسهم كل قبيلة بما فرض عليها من هذه الكسوة حتى نشأ أبو ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكان يتجر مع اليمن فأثرى ثراء عظيما فكان يكسو الكعبة سنة وتكسوها قبائل قريش سنة، وكان يأتى بالكسوة من أرض السكاسك باليمن وكانت هذه الكسوة حبرة جديدة واستمر على ذلك حتى مات وكانت قريش تسميه العدل لأنه عدل بفعله فعل قريش كلها واستمر هذا الاسم لأبنائه من بعده فكانوا يسمون بنو العدل.
وقيل أن أول من كسى الكعبة الديباج خالد بن جعفر بن كلاب، قالوا أنه أصاب لطيمة في الجاهلية فيها نمط ديباج فأرسل به إلى الكعبة فنيط عليها وقيل أن أول من كساها الديباج نتيلة بنت حبان والدة العباس بن عبد المطلب قيل أنها أضلت ابنها العباس، وقيل شقيقه ضرارا بن عبد المطلب فنذرت أن وجدته أن تكسو البيت فرده عليها رجل من جزام فكست الكعبة ثبابا بيضا. (١)
стр. 425
كسوة الكعبة في الإسلام
أما كسوة الكعبة في الإسلام فقد ورد أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه كساها الثياب اليمانية ثم كساها أبو بكر وعمر وعثمان القباطي، وهي ثياب من صنع مصر كانت معروفة في ذلك الزمان، ثم كساها الحجاج الديباج بأمر عبد الملك بن مروان.
ويبدو أن كسوة الكعبة لم تكن تتم بشكل دورى في مواعيد فعينة، لهذا فإن الناس كانوا يساهمون في كسوتها فقد روى أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه كان يكسو بدنه القباطي والحبرات كان يحرم بها فإذا كان يوم النحر نزعها ثم أرسل بها إلى شيبة بن عثمان سادن البيت فناطها - علقها - على الكعبة. وروى أن عمر رضى الله تعالى عنه كان يكسو الكعبة القباطي يوصي عليها من مصر تحاك له هناك وفعل بعده ذلك عثمان فلما كان عهد معاوية كساها القباطى كما كان يفعل عمر وكساها الديباج فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء وتكسى القباطى في آخر شهر رمضان وأجرى معاوية لها وظيفة من الطيب لكل صلاة وكان يبعث بالطيب والمجمر والخلوف في الموسم وفى رجب وأخدمها معاوية عبيدا بعث بهم إليها فكانوا يخدمونها وعلى هذا فإن كسوة الكعبة انتظمت في عهد عمر رضي الله تعالى عنه حيث تحاك من مصر وترسل إليها ثم صارت تكسى في عهد معاوية مرتين في العام.
وكان يزيد بن معاوية وعبد الله بن الزبير يكسوان الكعبة الديباج المصنوع من خراسان فلما ولي عبد الملك بن مروان الخلافة كان يكسوها الديباج ويرسل به من الشام إلى المدينة فينشر يوما في مسجد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه على أساطين المسجد ثم يطوى ويبعث به إلى مكة وكذلك كان يبعث بالطيب وبالمجمر - العود - إلى مسجد رسول الله ﷺ ، وكان الديباج إذا وضع على الكعبة يوم التروية علق على نصفها دون أن يخاط فتبدوا الكعبة وكانها محرمة كما هي العادة اليوم، فإذا أتم الناس حجهم وصدروا من منى أكملت كسوتها فإذا كان يوم العاشر من محرم أتموا الكسوة بخياطة أثواب الكعبة عليها فبدت كاملة وتبقى كسوة الديباج
стр. 426
على الكعبة إلى آواخر رمضان فتكسى القباطي المصرية لاستقبال عيد الفطر - القباطي هي نسيج حريرى من صنع مصر واليمن - فلما ولي المأمون العباسي الخلافة صار يكسوها الديباج الأحمر يوم التروية والقباطى يوم هلال رجب والديباج الأبيض في السابع والعشرين من رمضان.
وكان الخلفاء والملوك يكتبون أسماءهم على كسوة الكعبة كما هي العادة الجارية إلى يومنا هذا وكانت هذه الكسوة غالبا من الديباج والقز الرقيق وبألوان مختلفة فيها الأبيض والأحمر والأصفر، وكان بعض الخلفاء والملوك يحضرون الكسوة معهم إذا حضروا للحج ويتنافسون في ذلك.
وفى سنة سبعمائة وثلاثة وأربعين للهجرة أوقف عليها الملك الصالح إسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون قريتين من نواحى القاهرة يقال لهما - بيسوس وسندبيس اشتراهما بماله من وكيل بيت المال ووقفها كلها على كسوة الكعبة ولم تزل تكسى من هذا الوقف كما يقول ابن حجر في فتح البارى إلى سلطنة الملك المؤيد شيخ سلطان العصر.
ولقد كانت الحالة السياسية في البلاد الإسلامية تنعكس آثارها على كسوة الكعبة كما كان الحال بالنسبة للخطبة والدعاء للخليفة مما سلف تفصيله في حديثنا عن المنبر والخطبة في المسجد الحرام فكان صاحب النفوذ الأكبر من السلاطين والملوك هو الذى تقدم كسوته فيكسى بها البيت الحرام فلقد ذكرنا ما كان من أمر إرسال الكسوة من مصر من ريع القريتين اللتين أوقفهما الملك الصالح إسماعيل لهذا الغرض، ولقد حاول ملك الشرق شاه بروخ في عهد سلطنة الملك الأشرف برسباي أن يكسو الكعبة وطلب الأذن له بذلك من الملك الأشرف فلم يقبل فراسله أن يسمح له بكسوة الكعبة من الداخل فأبى فكتب إليه مرة أخرى أن يرسل الكسوة إليه وهو يرسلها من قبله وتكسى بها الكعبة ولو يوما واحدا لأنه نذر كسوتها ويريد الوفاء بنذره، قالوا واستفتى الملك الأشراف علماء العصر فتوقف الكثيرون منهم عن الجواب، وأفتى بعضهم بعدم الجواز ممالأةً لهوى السلطان وقال
стр. 427
بعضهم أن خشي الفتنة فيجاب منعا للضرر، وتوفى الملك الأشرف دون أن يسمح لسلطان الشرق بالوفاء بنذره.
وفى بعض الأحيان كانت تكسى الكعبة من قبل ملكين من ملوك المسلمين في وقت واحد كما حدث لكسوة نظام الملك وزير السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي فأرسل بها إلى مكة وجعلت فوق كسوة أبي النصر.
وكان لملوك اليمن دور في هذا التنافس بين ملوك المسلمين فكانوا يرسلون بالكسوة إلى الكعبة فتكسى بها إذا كانت القوة والنفوذ في ركابهم أو تحفظ ويظفر بالكسوة صاحب القوة والسلطان.
وكانت بعض الكساوى توضع في داخل الكعبة، بل أن الكعبة كانت تكسى من الداخل ولكن لبس بصورة منتظمة، كما تكسى الحجرة النبوية بالمسجد النبوي الشريف بصورة غير منتظمة. ولكن ما يلفت النظر أن الوقفية التي أوقفها الملك الصالح إسماعيل بن الناصر قلاوون استمرت دهورا طويلة حتى حينما تحولت السلطة إلى الخلافة العثمانية فقد أبقى سلاطين العثمانيين المتعاقبين على هذه الوقفية بل وزاد السلطان سليمان بن السلطان سليم خان عدة قرى بمصر وأوقفها كذلك على كسوة الكعبة الشريفة وهي سبع قرى ذكرها مؤلف مرآة الحرمين وذكر أسماءها.
وفى عهد محمد علي باشا خديوى مصر جرى حل هذه الوقفية في أوائل القرن الثالث عشر للهجرة وتعهدت الحكومة المصرية بصنع الكسوة من مالها العام يقول المؤلف ولا يزال ذلك دأبها إلى الآن.
ومن أطرف الحوادث التي تتعلق بالكسوة أن هذه الكسوة كانت تصل مع ركب الحجاج المصريين وتحفظ ضمن أمتعتهم وقد سرقت بعض أجزاء الكسوة في أحد الأعوام ولم يستطع أمير الحج المصرى استرداد هذه الأجزاء إلا بعد أن بذل المال الكثير في سبيل هذه الغاية، وبعدها صار العمل على تسليم الكسوة لسدنة بيت
стр. 428
الله الحرام لحفظها لديهم إلى أن يحين وقت إسدالها على البيت الحرام. (١)
مصر تمتنع عن إرسال الكسوة
ولقد أورد المؤلف صورة الوقفية الخاصة بهذه القرى التي أوقفها الملك الصالح إسماعيل والسلطان سليمان خان العثمانى، كما أورد ماتغله هذه القرى من المال وهو يكفى لكسوة البيت في كل عام وكسوة الحجرة النبوية الشريفة وكسوة داخل الكعبة في كل خمسة عشرعاما مرة بل وتفيض كثيرا كما ذكران حلَّ هذا الوقف من قبل محمد علي باشا والي مصر في أوائل القرن الثالث عشر الهجرى نتج عنه امتناع خديوى مصر عن إرسال الكسوة كما حدث في عهد الشريف الملك حسين بن علي وكذلك في أوائل عهد جلالة الملك عبد العزيز آل سعود وتفصيل ذلك.
أن اختلافا وقع بين الحكومة المصرية وحكومة الشريف الحسين بن على ملك الحجاز في سنة ١٣٤١ يقول المؤلف فلما وصل المحمل المصرى في باخرة خاصة إلى جدة وكان معه كسوة الكعبة وحنطة الجراية وحرس المحمل وبعثة طبية منع الشريف الحسين دخول البعثة الطبية إلى مكة المكرمة فعادت الباخرة التي تحمل الكسوة الشريفة وحنطة الجراية وما يتبعها من الصرر والصدقات وذلك في آخر شهر ذى القعدة من سنة ١٣٤١ للهجرة، ولقد استطاع الشريف الحسين التغلب على الوضع الخاص بالكسوة فابرق إلى أمير المدينة المنورة أن يرسل كسوة الكعبة الشريفة التي كانت الحكومة التركية أودعتها في المدينة إلى ثغر رابغ على وجه السرعة وأرسل الحسين احدى بواخره المسماة رشدي إلى ثغر رابغ لنقل الكسوة إلى جدة ومن ثم جرى الإسراع بنقلها إلى مكة المكرمة وتم كل هذا في سرية تامة وفى سرعة بالغة فكانت الكسوة معلقة على الكعبة المعظمة في اليوم العاشر من ذى الحجة.
يقول المؤلف، وقد حدثت ضجة عظيمة في مصر وتساءلت الصحافة المصرية
стр. 429
كيف أمكن عمل الكسوة وإحضارها في عشرة أيام ولم يدر بخلد الصحافة المصرية أن الكسوة كانت موجودة بالمدينة المنورة من العهد التركى حيث قامت الحكومة التركية بصنع كسوة متقنة للكعبة ظنا منها أن الحكومة الإنجليزية ستمنع وصول الكسوة إلى الكعبة بعد دخول تركيا الحرب مع المانيا ضدها بعد إعلانها الحماية على مصر وأرسلت هذه الكسوة بالسكة الحديدية برا إلى المدينة المنورة ولكن الحكومة المصرية لم تمنع إرسال الكسوة المعتادة بل أرسلتها وكتبت عليها اسم السلطان حسين كامل سلطان مصر فاتفق الشريف الحسين مع الوالي التركي في مكة على نزع اسم السلطان حسين ووضع اسم السلطان محمد رشاد خان العثماني وقام آل الشيبي بهذا العمل وبقيت الكسوة التركية بالمدينة المنورة فقام الحسين بإحضارها بينما كان المصريون حائرين كيف استطاع معمل للنسيج في رابغ أن يصنع الكسوة في عشرة أيام بينما لا تستطيع مصانع أوروبا صنع ذلك في شهور، وكان مراسل رويتر في جدة قد أبرق بوصول الكسوة من ميناء رابغ. هذا وقد سارع الشريف الحسين بعمل الكسوة للكعبة الشريفة في العراق وجرى نسجها من القيلان وكسيت بها الكعبة في عام ١٣٤٢ لأن حكومة مصر امتنعت عن إرسالها، وفى عام ١٣٤٣ استولى جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود على مكة المكرمة واستمرت الحرب إلى منتصف جمادى الآخرة عام ١٣٤٤ فكسيت الكعبة بالكسوة المصنوعة من القيلان التي صنعها الشريف الحسين لها في عام ١٣٤٣ هـ.
وبعثت الحكومة المصرية الكسوة في عام ١٣٤٤ ولكن حدثت حادثة المحمل في موسم حج ذلك العام بمنى وكادت أن تكون معركة حربية بين الجنود المصريين وجموع الإخوان من أهل نجد الذين ثاروا لرؤية البدع ممثلة في المحمل المصرى والحجاج يتبركون به وبالجمل الذى يحمله الأمر الذى يعتبر مجافيا لصفاء العقيدة الإسلامية وسلامتها، وتطور الأمر إلى استعمال السلاح من قبل جنود المحمل المصرى والإخوان، وما أن علم الملك عبد العزيز ﵀ بالأمر حتى سارع بنفسه
стр. 430
فوقف في ميدان المعركة معرضا نفسه للخطر وطلب من جموع الإخوان إغماد سلاحهم والعودة إلى السكينة حفاظا على أرواح الحجاج وعلى حرمة المشعر الحرام. وكان ذلك في ليلة التاسع من ذى الحجة ومقذوفات حرس المحمل المصرى من مدافع ورشاشات وبنادق تمطر نيرانها هنا وهناك حتى أمكن تغليب الحكمة وسكون الحال.
وفى العام التالى ١٣٤٥ هـ لم تبعث الحكومة المصرية بالكسوة فسارعت الحكومة السعودية ممثلة في شخص الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية بعمل كسوة مؤقته للكعبة من الجوخ الأسود الفاخر ومبطنة بالقلع القوى، كما صنع الحزام المعتاد للكعبة والمكتوب عليه الآيات بأسلاك الذهب والفضة وكذلك ستارة باب الكعبة ولم يأت العاشر من ذى الحجة إلا وكانت هذه لكسوة قد علقت على الكعبة المعظمة وتم هذا كله في بضعة أيام وهكذا فإن عزائم الرجال تخلق المستحيل (١).
إنشاء مصنع الكسوة بمكة المكرمة
لما رأى جلالة الملك عبد العزيز أن موضوع كسوة البيت قد دخل في إعمال السياسة أمر بإنشاء دار خاصة لكسوة الكعبة المعظمة في مكة المكرمة، وأولى وزير المالية الشيخ عبد الله السليمان اهتمامه للأمر فبنيت دار خاصة للكسوة على أرض مساحتها ألفا وخمسمائة متر بمحلة أجياد وتم البناء خلال ستة شهور، واستقدم عمال الحياكة كما استقدمت المواد اللازمة للكسوة وتطريزها من الهند كما استوردت الأنوال الخاصة للحياكة وعددها اثنى عشر نولا، كما بلغ عدد الصناع من النساجين والمطرزين أربعين عاملا وعشرين تابعًا وعين الشيخ عبد الرحمن. مظهر الموظف إذ ذاك مترجما بوزارة الخارجية مديرا لدار الكسوة وكان الشيخ إسماعيل الغزنوي أحد علماء الهند هو الذى أشرف على استيراد الأنوال والعمال الخاصتين بالعمل وتمت حياكة الثوب الجديد للكعبة بنفس الجودة والإتقان التي كانت ترد بها
стр. 431
الكسوة من مصرو كتب عليه اسم الملك عبد العزيز ﵀ ولم يحل موسم الحج إلا وكانت الكسوة المصنوعة في مكة المكرمة حاضرة لتعلق على الكعبة المشرفة في موعدها المعتاد كل عام.
وفى عام ١٣٤٧ هـ عينت الحكومة السعودية مديرا لدار الكسوة ويدعى الحاج محمد خان واشترطت عليه تعليم العمال السعوديين وتدريبهم وتم بالفعل الحاق الشباب الراغبين في تعلم هذه الصناعة بالدار وفي عام ١٣٥٢ هـ أصبح جميع عمال الدار من الشباب السعودى وقد أتقنوا هذه الصناعة إتقانا كاملا بحمد الله.
أقول وقد تم بناء دار عظيمة للكسوة في مدخل مدينة مكة المكرمة قبل بضعة أعوام وهي تابعة في إدارتها لوزارة الحج والأوقاف وتقوم هذه الدار بصنع كسوة الكعبة الشريفة وما يبتعها في كل عام. (١)
* * *
стр. 432
باب الكعبة
قيل أن أول من جعل للكعبة بابا ملك اليمن واستدل على ذلك بما جاء في الشعر الذى روى عنه.
وأقمنا به من الشهر عشرا … وجعلنا لبابه اقليدا
ولقد كان بناء تبع للبيت قبل بناء قريش لها، فلما عمرتها قريش جعلت لها بابا بمصراعين ولما بنى ابن الزبير الكعبة جعل لها بابا بمصراعين وكان طول ذلك الباب أحد عشر ذراعا، فلما أعاد الحجاج بناء الكعبة على ما كانت عليه قبل بناء ابن الزبير لها ردم وبنى تحت بابها فجعل الباب ستة أذرع وشبر.
وفى سنة مائة وأربع وتسعين للهجرة أرسل الخليفة الأمين محمد بن هارون الرشيد ثمانية عشر ألف دينار إلى سالم بن الجراح عامله على الصوافي في مكة وأمره أن يجعلها صفائح على باب الكعبة، فقلع عامل الأمين ما كان من الصفائح على باب الكعبة وزاد عليها من الثمانية عشر ألف دينار التي أرسلها الأمين فضرب على الباب الصفائح والمسامير وكذلك على حلقتى باب الكعبة وعلى الفيازير والعتب.
ووصف الأرزقى باب الكعبة في عصره في أوائل القرن الثالث فذكر أن طوله ستة أذرع وعشرة أصابع وعرض ما بين درفتى الباب ثلاثة أذرع وثمانى عشرة
стр. 433
أصبعا. والباب من خشب الساج المتين وملبس بصقائح الذهب المنقوش، وعلى الباب أربعة عشرة حلقة من حديد مموهة بالفضة في كل درفة سبع حلقات. والمسامير المضروبة على الباب مموهة بالذهب المنقوش، وباطن الباب ملبس بالفضة.
وبعث المعتصم العباسى في سنة ٢١٩ للهجرة قفلا للكعبة ثمنه ألف دينار وأرسل إلى الحجبة عامل مكة صالح بن العباس فدعاهم ليقبضوا القفل الذى أرسله المعتصم ويسلموه القفل القديم على باب الكعبة ليرسله إلى الخليفة فأبوا وطلبوا منه أن يأذن لهم بالخروج إلى الخليفة فخرجوا إليه وكلموه فترك لهم قفلها وأعطاهم القفل الذى بعث به إليها فقسموه بينهم، أقول ولعل الأصح أنه ترك لهم القفل القديم فقسموه بينهم.
وفى سنة خمسمائة وخمسين للهجرة بعث المقتفي العباسي بابا للكعبة مصفحا بالنقرة المذهبة وأخذ المقتفي الباب الذى كان قائما على الكعبة فصنع منه تابوتا لنفسه أوصى أن يدفن فيه إذا مات وقيل أن الباب الأول عمل منه تابوت لوزير المقتفي جمال الدين المعروف بالجواد وحمل فيه إلى المدينة ودفن بها.
هذا وقد تنافس الملوك والخلفاء في صنع الأبواب للكعبة عبر عصور التاريخ ونحن نذكر هنا بعضا منها.
صنع الملك المظفر صاحب اليمن بابا للكعبة وعليه صفائح الفضة وقد بلغت زنتها ستون رطلا ولم يذكر الفاسي تاريخ هذا الباب.
وفي سنة سبعمائة وثلاثة وعشرين صنع الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر بابا للكعبة مصفحا بالفضة وكان عليه من الفضة خمسة وثلاثين ألفا وثلاثمائة درهم والباب مصنوع من خشب السنط الأحمر، وقد أمر صاحب مصر بقلع الباب الذى صنعه الملك المظفر صاحب اليمن وتركيب الباب الذى أرسله قلاوون بدلا منه.
وفى سنة سبعمائة وواحد وستين أمر الملك الناصر حسن بن الناصر قلاوون بصنع باب الكعبة بمكة المكرمة وهو من خشب الساج وما لبث أن قلع منها في سنة
стр. 434
سبعمائة وست وسبعين لتحليته وأعيد إليها الباب الذى صنعه أبو الملك الناصر قلاوون ثم أعيد الباب الذى صنعه الناصر حسن بعد إتمام تحليته في سنة سبعمائة وواحد وثمانين وهذا الباب كان يحمل اسم الملك الناصر محمد بن قلاوون في أسفله واسم حفيده الملك الأشرف شعبان حسين في بعض فبادين الباب وفى جانب آخر من الباب كتب اسم الملك المؤيد أبي النصر شيخ صاحب مصر وما لبث أن حضر بعض خواص الملك المؤيد للحج في سنة ثمانمائة وستة عشر فأضاف حلية إلى جانب آخر من باب الكعبة من الفضة وطلاها بالذهب وكتب عليها اسم الملك المؤيد.
وهكذا نرى الملوك يتنافسون في نقش أسمائهم على باب الكعبة ويغيرون أبوابها ليكون لهم شرف ذكر أسمائهم على هذه الأبواب حتى رأينا بابا واحدًا يكتب عليه أسماء أربعة من ملوك مصر.
سرقة الفضة من أبواب الكعبة
وذكر قطب الدين في الأعلام أنه أدرك الباب الشريف مصفحا بالفضة، قال وكان يختلس من فضته أوقات الغفلة من قل دينه وخفَّتْ يده إلى أن انكشف سفل الباب الشريف عن خشب الباب، وقبض على من يفعل ذلك أكثر من مرة كما يقول قطب الدين المكي في الأعلام وحبسوا وبهدلوا، وجرى عرض الأمر على السلطان سليمان خان في سنة تسعمائة وستة عشر فأمر بتصفيح الباب الشريف بالفضة بعد أن أخرجوا الفضة التي كانت مصفحة على الباب وزادوا عليه فضة أخرى وجعلت صفائح وسمرت بمسامير الفضة وصفحت الفضة بالذهب.
باب الكعبة في العهد العثمانى
في سنة تسعمائة وثلاثة وخمسين أمر السلطان سليمان العثمانى بقلع الباب الذى عمله السلطان محمد بن قلاوون وعمل بابا غيره حلاه بحلية كثيرة. وفى سنة ألف وأربع وأربعين أمر السلطان مراد خان بن السلطان أحمد والي مصر أن يصلح ما وقع في سطح الكعبة المشرفة من الخلل وأن يجعل لها بابا جديدا وأن يرسل إليه الباب
стр. 435
القديم، وفى السابع عشر من ربيع الأول سنة خمس وأربعين بعد الألف وصل مندوب السلطان لهذا الغرض وجرى قلع باب الكعبة ووضع محله بابا من الخشب لم يكن محلى بشيء بل وضعت عليه ستارة بيضاء، وقد وزنت الفضة التي كانت على الباب المقلوع فبلغت زنتها مائة وأربعة وأربعين رطلا، وقد استعملت هذه الفضة في تحلية باب جديد للكعبة كتب عليه اسم السلطان مراد خان بن السلطان أحمد خان وتم تركيب هذا الباب في شهر رمضان من سنة خمس وأربعين بعد الألف.
وأرسل الباب القديم إلى السلطان مراد، وجدد السلطان أحمد خان حلية باب الكعبة في سنة ألف ومائة وتسعة عشر وكتبوا تاريح التجديد مضافا إليه اسم السلطان أحمد خان.
يقول المؤلف وهذا الباب الأخير الذى عمله السلطان مراد خان هو الباب الموجود على الكعبة المشرفة في العصر الحاضر وهو الذى تم تركيبه في شهر رمضان من سنة خمس وأربعين بعد الألف.
أقول هذا ما ذكره المؤلف الشيخ باسلامة في الخمسينات من القرن الرابع عشر للهجرة وهو يدل على إن هذا الباب الأخير الذى صنع بأمر السلطان مراد خان قد استمر مركبا على الكعبة ما يزيد عن أربعة قرون.
ولقد تم صنع أكثر من باب للكعبة المشرفة في العهد السعودى وكان آخرها الباب الذى أمر بصنعه المرحوم الملك خالد بن عبد العزيز يرحمه الله وقد استعمل فيه كثير من الذهب مع ارتفاع أسعاره وعلو إثمانه في العصر الحاضر، وحبذا لو استطعنا الحصول على المعلومات التاريخية الصحيحة الخاصة بهذا الموضوع وإمثاله مما تم في المسجد الحرام والكعبة المعظمة لوصل ما انقطع من هذا التاريخ الهام لعمارة المسجد الحرام والكعبة المعظمة بعد كتابي الشيخ حسن باسلامة رحمة الله عنهما. (١)
بعد كتابة ما تقدم اطلعت على الكتيب الذى أصدرته وزارة الحج والأوقاف في
стр. 436
٢٢ العقدة سنة ١٣٩٩ هـ عن أبواب الكعبة في العهد السعودى وخاصة الباب الحالى الذى صنع في عهد المرحوم الملك خالد بن عبد العزيز ومن هذا الكتيب نقلنا المعلومات التالية.
باب الكعبة في العهد السعودى
الباب الأول في عهد الملك عبد العزيز
في عام ١٣٦٤ هـ أمر جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود بصنع باب للكعبة المعظمة وتم صنع الباب المذكور من الالمنيوم بسماكة ٢.٥ سم وبمقياس ٣١٠ × ١٦٨ سنتمتر ويتكون الباب المذكور من درفتين تتألف كل درفة من ثلاث قطع طولية تم صبها وتجهيزها في مكة المكرمة واستخدمت قضبان الحديد من خلف كل درفة لدعمها وربط القطع بعضها ببعض وهي ظاهرة من الخلف، كما ترتبط كل درفة بثلاث مفصلات من الحديد الصلب مثبتة على إطار - حلق من الحديد المتين - وضم صنع الوجه الخارجى للباب من الواح الفضة الخالصة المطلية بالذهب والمثبت على قاعدة خشبية من خشب التيك بسماكة ٢.٥ سم.
وقد صنعت الزخرفة ولوحات الخطوط في محل شيخ الصاغة بمكة المكرمة في ذلك الوقت المرحوم محمود يوسف بدر وبإشرافه كما قام بوضع الرسم والخط الشيخ عبد الرحيم أمين.
أما الجوانب فكانت مصنوعة أول الأمر من الخشب الجاوى سماكة ٦ سم وفوقها كذلك الزخرفة واللوحات التي تحمل أسماء الله الحسنى بشكل بيضوى وعددها ثلاثة عشر لوحة من الفضة المطلية بالذهب، وقد استغرق صنع الباب المذكور ثلاث سنوات وفي عام ١٣٩٥ هـ جرى تغيير القاعدة الخشبية لجوانب الباب حيث استبدلت بها صفائح من الألمنيوم المسكوب وذلك بعد فك اللوحات التي تحمل أسماء الله الحسنى والزخرفة وإعادتها إلى وضعها السابق.
الباب الثانى في عهد الملك خالد بن عبد العزيز
ظل الباب الذى أمر بصنعه الملك عبد العزيز ثلاثة وثلاثين عاما قائما في مكانه
стр. 437
من الكعبة المعظمة. وفى شهر جمادى الأولى من عام ١٣٩٧ هـ تشرف المرحوم الملك خالد بن عبد العزيز بالصلاة في جوف الكعبة المعظمة فلاحظ قدم الباب ووجوب تغييره فأصدر أمره إلى وزير الحج والأوقاف بأن يتم صنع باب للكعبة المعظمة الخارجى وكذلك الباب الداخلي للكعبة - باب التوبة من الذهب الخالص.
تصميم الباب
اتفقت وزارة الحج والأوقاف مع المهندس المعمارى المسلم منير الجندى أخصائى التصميمات والعمارة الإسلامية للمشاركة في التصميمات والدراسات الخاصة بالبابين ومتابعة التنفيذ وقد بلغت قيمة الدراسات ثلاثمائة ألف ريال.
وقد تم اختيار التصميم النهائى الذى روعي فيه أن يكون منسجما مع الزخرفة التي تتميز بها ستارة الباب وكان خط الثلث هو العنصر الهام المميز في هذه الزخرفة.
وروعي صنع داوئر لكتابة الأيات القرآنية الكريمة مع أضافات الزخاف في الزوايا العلوية بحيث يبدوا الباب غنيا بالفن الإسلامي بزخارفه العريقة وقد قام بكتابة الخطوط الشيخ عبد الرحيم أمين الذى تولى خطوط الباب السابق في عهد الملك عبد العزيز ﵀، وكان اهتمام صاحب السمو الملكى الأمير فهد بن عبد العزيز - جلالة الملك فهد - في ذلك الوقت عظيما في اختيار التصميم الأمثل ومتابعة تنفيذ العمل حيث قام سموه بزيارة موقع العمل الذى عهدت به الدولة إلى أحمد إبراهيم بدر شيخ الصاغة بمكة المكرمة والذى أقام ورشة خاصة لصناعة البابين. وكتبت أسماء الله الحسنى وعددها خمسة عشر في دوائر فوق الباب وفى جانبيه الأيمن والأيسر.
وكتبت الآيات القرآنية الكريمة على لوحات من الذهب الخالص مزخرفة بطريقة النقش. ويبلغ ارتفاع باب الكعبة المشرفة أكثر قليلا من ثلاثة أمتار ويقارب عرضه المترين أما سماكة الباب فتبلغ نصف متر وهو مكون من درفتين،
стр. 438
ويتألف هيكل الباب من قاعدة خشبية سمكها عشرة سنتمترات من خشب التيك ووزنه النوعي ٤٠.٨ سم ٢ وزودت نهاية الباب بعارضة من الأسفل لمنع دخول المطر إلى داخل الكعبة المشرفة وتحتوى على قضيب خاص يضغط حرف الباب على العتبة عند الإغلاق.
وقد ثبتت صفائح الذهب على هذه القاعدة الخشبية بوضع مادة لاصقة ركبت بطريقة تضمن استمرار التصاق الذهب بالخشب إلى فترة غير محدودة وتم كذلك صنع قفل الباب بنفس مواصفات القفل القديم مع تناسب التصميم الخاص بالباب الجديد. ولكى يتم تركيب الباب بسهولة أعد إطار من الصلب صنع خيصيصا وثبتت عليه المفصلات بحيث تتحمل كل درفة ما يزيد على خمسمائة كيلو جرام وجهزت المفصلات على عجلات دائرية لسهولة الحركة.
باب التوبة
أما الباب الداخلى الكعبة المشرفة وهو باب التوبة فقد جرى تصميمه مطابقا للباب الرئيسى من حيث الزخرفة وطريقة الكتابة بحيث يظهر التجانس بين البابين ويبلغ إرتفاع باب التوبة ٢.٣٠ مترين وثلاثين سنتما وعرضه ٧٠ سم وصنعت قاعدته من نفس الخشب ولكنه أقل سماكة من باب الكعبة بمقدار سبعة سنتمترات.
التكاليف
وقد بلغت تكاليف صنع البابين ثلاثة عشر مليونا وأربعمائة وعشرين ألف ريال خلاف قيمة الذهب الذى قدمته مؤسسة النقد العربي السعودى والذى بلغ مائتين وثمانين كيلو جراما عيار ٩٩٩.٩.
مدة الصنع
بدأ العمل في صنع البابين اعتبارا من غرة ذى الحجة ١٣٩٨ هـ واستغرق العمل عاما كاملا.
стр. 439
الكتابة التي على الباب
أسماء الله
فوق الباب يا واسع يا مانع يا نافع
الجانب الأيمن يا عالم يا عليم يا حليم
يا عظيم يا حكيم يا رحيم
الجانب الأيسر يا غني يا مغنى يا حميد
يا مجيد يا سبحان يا مستعان
وأضيفت في الزاويتين العلويتين زخارف متميزة لإبراز شكل قوس محيط بلفظ الجلالة - الله ﷻ واسم رسول الله - محمد ( ﷺ ) والآيات القرآنية الكريمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ادخلوها بسلام آمنين، جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام.
رب أدخلني مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا، كتب ربكم على نفسه الرحمة، وقال ربكم ادعوني أستجب لكم.
ويلي ذلك حشوتان على شكل شمستين مشرقتين وسطهما كتابة "لا إله إلا الله محمد رسول ( ﷺ ) على شكل بروز دائرى. وكتب تحت الحشوتين العلويتين الآية الكريمة.
﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
كما كتبت العبارات التاريخية التالية بخط صغير:
"صنع الباب السابق في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود سنة ١٣٦٣ هـ".
وتحتها "صنع هذا الباب في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك خالد بن
стр. 440
عبد العزيز آل سعود سنة ١٣٩٩ هـ.
وكتب في الدرفة اليمنى تشرف بافتتاحه بعون الله تعالى الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود في الثانى والعشرين من ذى العقدة سنة ١٣٩٩ هـ
وفى الدرفة اليسرى "صنعه أحمد إبراهيم بدر بمكة المكرمة، صممه منير الجندى، واضع الخط عبد الرحيم أمين.
وقد تم صنع هذا الباب بإشراف مباشر من معالى وزير الحج والأوقاف الشيخ عبد الوهاب عبد الواسع الذى عهد إليه جلالة المرحوم الملك خالد بهذا العمل التاريخي العظيم.
والباب المذكور هو الباب الحالي للكعبة المعظمة.
الحفرة التي أمام الكعبة
الحفرة التي أمام الكعبة المعظمة من الجهة الشرقية بين الركن الشامي وباب الكعبة والتى تسمى في الوقت الحاضر - المعجن - وردت فيها روايات كثيرة أشهرها رواية تقول أنها المصلى الذى صلى فيه جبريل بالنبي ( ﷺ ) حين فرضت عليه الصلوات الخمس، وهناك رواية تقول أنها موضع حجر مقام إبراهيم بعد بنائه للكعبة المشرفة وأن النبي ( ﷺ ) هو الذى أخر المقام بعد ذلك وقيل في سبب تسميتها بالمعجن أنها المكان الذى عجن إسماعيل فيه الطين لبناء الكعبة حين بناء البيت المعظم يقول المؤلف ولا يوجد ما يؤيد صحة هذا الخبر، وقد ذكر ابن جبير في رحلته سنة خمسمائة وثمانية وسبعين أنها كانت مصبا للماء الذى تغسل به الكعبة ولم يقل بذلك أحد غيره وربما ظن ابن جبير ذلك حينما رأى الماء الذى تغسل به الكعبة يتجمع فيها.
وتبلغ مساحة هذه الحفرة أربعة أذرع طولا من الشمال إلى الجنوب وعرضها من الشرق إلى جدار الكعبة ذراعان وسدس ذراع وعمقها نصف ذراع كل ذلك بذراع الحديد.
стр. 441
وقد أمر بتلبيسها بالرخام أبو جعفر المنصور المستنصر بالله سنة ستمائة وواحد وثلاثين كما هو مثبت في لوحة بها كما ورد في تحصيل المرام للقطبي.
ميزاب الكعبة
أول من وضع ميزابا للكعبة قريش حين قامت ببنائها قبل خمس سنوات من البعثة النبوية ذلك أن بناء الخليل إبراهيم للكعبة لم يجعل لها سقفا ولهذا فلم تكن هناك حاجة للميزاب وفى بناء ابن الزبير للكعبة وضع لها ميزابا وجعله يصب في حجر إسماعيل وكذلك فعل الحجاج بن يوسف وأول من حلى الميزاب بالذهب الوليد بن عبد الملك ونذكر هنا شيئا عن الميزاب في العهود المختلفة.
١ - ذكر الأزرقي أن الشريف رميثة صاحب مكة عمل ميزابا للكعبة طوله أربعة أذرع وسعته ثمانية أصابع في ارتفاع مثلها وأن هذا الميزاب كان ملبسا بصفائح الذهب من داخله وخارجه.
٢ - أرسل رامشت بن الحسين الفارسي صاحب الرباط المشهور بمكة في سنة خمسمائة وتسع وثلاثين ميزابا وركب في الكعبة في هذا العام ويبدو أن الميزاب السابق كان قد تلف.
٣ - في سنة خسمائة وواحد وأربعين أرسل الخليفة العباسى المقتفي ميزابا ركب بالكعبة وقلع الميزاب الذى كان ركبه رامشت الفارسي.
٤ - كذلك أرسل الناصر العباسي ميزابا كتب عليه اسمه وهو من خشب مبطن بالرصاص في موضع جريان الماء وظاهره محلى بالفضة.
٥ - قام سودون باشا بتعمير الميزاب ضمن العمارة التي أجراها في المسجد الحرام سنة سبعمائة وواحد وثمانين.
٦ - أمر السلطان سليم بعمل ميزاب حُلِّيَ بالفضة وطلي بالذهب وركب في سنة تسعمائة وتسع وخمسين وأمر السلطان بنقل الميزاب القديم إلى خزانة الروم فتعرض
стр. 442
له بنو شيبة - سدنة البيت - فأعطوا مقابله فضة بوزنه من بندر جدة وقد قدر الوالي والقاضي قيمة ذلك بألفين وثمانمائة درهم فضة.
٧ - أرسل السلطان أحمد خان ميزابا في سنة ١٠٢٠ وتم تركيبه في عمارة السلطان مراد بعد عشرين عاما من أرساله كما أسلفنا بيانه.
٨ - آخر ميزاب مركب في الكعبة هو الميزاب الذي بعثه السلطان عبد المجيد خان ابن السلطان محمود خان وقد صنع هذا الميزاب في القسطنطينية وجاء به الحاج رضا باشا وركب في سنة ألف ومائتين وست وسبعين للهجرة في ولاية أمير مكة الشريف عبد الله بن محمد بن عون، وحمل الميزاب القديم إلى الأبواب العالية، والميزاب الجديد مصفح بالذهب ويقدر وزنه بنحو خمسين رطلا.
وهذا الميزاب هو الموجود في الكعبة إلى العصر الحاضر كما يقول الشيخ باسلامة حيث لم يحدثنا التاريخ أنه وضع ميزاب بعد هذا الميزاب والله أعلم. (١)
حجر إسماعيل
حجر إسماعيل هو الحائط المبني على شكل نصف دائرة والواقع شمال الكعبة، جاء في تاريخ الأزرقي أن إبراهيم ﵇ جعل الحجر إلى جنب البيت عريشا من أراك تقتحمه العنز، وقيل أنه كان زربا لغنم إسماعيل. ومساحة المستقيم من الحجر كما ذرعه الشيخ باسلامة في عام ١٣٥٢ للهجرة تسعة أذرع بذراع اليد منها ستة أذرع وشبر تعتبر من داخل الكعبة لأن هذه الستة أذرع هي التي تركتها قريش من البيت حين بنائه لقصور النفقة لديهم، ولما بنى ابن الزبير البيت لأدخلها فيه ثم جاء الحجاج فنقض بناء ابن الزبير وأعاد الحجر إلى ما كان عليه في بناء قريش وقد سبق تفصيل كل ذلك، وآخر مرة بنى فيها الحجر في عصر السلطان عبد المجيد خان الثانى سنة ألف ومائتين وستين للهجرة.
ولا يجوز الطواف من داخل الحجر كما أسلفنا من أن ستة أذرع وشبر منه تعتبر من البيت - وهذه المساحة هي الملاصقة للجدار الشمالي للكعبة والتى هي في الوقت
стр. 443
الحاضر تعتبر مدخلا إلى الحجر أما بقية المساحة فهى الحجر.
وقد سمى بعض المؤرخين الحجر بالحطيم وعللوا ذلك بأنه مال حطم من الكعبة ولم يدخل فيها بينما ذكر بعض المؤرخين أن الحطيم هو ما بين الركن الأسود والمقام وزمزم لأن الناس يزدحمون على الدعاء فيه ويحطم بعضهم حطما، والدعاء فيه مستجاب.
وقد تواترت روايات كثيرة أن إسماعيل ﵇ دفن في الحجر بجوار أمه هاجر ولكن الشيخ باسلامة يقول أنه لا يوجد ما يثبت صحة ذلك رغم تواتر روايات المؤرخين له ويعزى ذلك إلى طول المدة بين بناء إبراهيم ﵇ للبيت وبين العهد الإسلامي حيث أن بناء إبراهيم ﵇ للبيت كان قبل ألفي عام.
وأول من زين حجر إسماعيل بالرخام هو الخليفة أبو جعفر المنصور العباسى في عام ١٤٠ هـ وجدده الخليفة المهدى العباسي في سنة ١٦١ وفى عام ٢٤١ أمر بتجديده الخليفة المتوكل العباسى بعد أن رث رخامه، وفى هذا العام ٢٤١ بعث أحمد بن طريف مولى العباس بن محمد الهاشمي الرخامة الخضراء التي في الحجر تحت الميزاب وبعث معها رخامة أخرى خضراء وضعت في سطح الكعبة وقد وصفت الرخامة الخضراء هذه بأنها من الرخام الثمين النادر.
وفى عام ٢٨٣ عمر الحجر المعتضد العباسي وألبسه الرخام من داخله وخارجه كما عمره الناصر العباسي وفرشه بالرخام في سنة ٥٧٦.
وقد توالى تعمير الحجر وتزيينه على مدى عصور التاريخ من خلفاء المسلمين وملوكهم فكان من بينهم الملك المظفر صاحب اليمن، والناصر محمد بن قلاوون في سنة ٧٨١ والملك الظاهر برقوق صاحب مصر في سنة ٨٠١ وأبو النصر قانصوه الغورى في سنة ٩١٧. وفى سنة ٨٢٢ عمره القائد علاء الدين عمارة حسنة وكان قد تداعى للسقوط وفى سنة ٨٢٦ عمر بامرزين الدين مقبل القديدى بالجبس وأصلح الكثير من رخامه. وفى سنة ٨٣٣ أحضر سودون المحمدى ستين ذراعا من الرخام من مصر لتعمير الحجر.
стр. 444
قال التقي الفاسي وقد خفي علينا شيء كثير من خبر عمارة الحجر من دولة المعتضد العباسي إلى خلافة الناصر فإنه لا يبعد أن يخلو في هذا الزمن الطويل من عمارة والله أعلم.
ثم قال وممن عمره الوزير جمال الدين المعروف بالجواد وذلك في عشر الخمسين وخمسمائة وذكر نجم الدين بن فهد القرشي في حوادث سنة ٨٨١ أنه تم تغيير رخام الحجر داخلا وخارجا ولم يذكر العامل لذلك.
وجاء في الارج المكي لعلي بن عبد القادر الطبري وعمَّره - الحجر - من ملوك آل عثمان السلطان محمد خان بن السلطان مراد خان كما عمره السلطان مراد خان بن السلطان أحمد خان في سنة ١٠٤٠ والسلطان عبد المجيد خان في سنة ١٢٦٠ وفى سنة ٩١٦ أصدر السلطان الغورى أمره بهدم الحجر وإعادة بنائه يقول ابن فهد القرشي وكان الحجر كله بالرخام داخلا وخارجا ولم يكن به ما يعاب إلا أن الله قدر بالتلاعب فبنى من داخله بالحجارة ومن خارجه بالرخام فظهر الخلل فيه في سنة ٩١٧ فأرسل السلطان رخاما ومرخمين بالبحر وصلوا مكة في آخر رمضان وشرعوا في يومهم في إعادته بالآجرِّ والرماد ثم نقض ذلك ثانى يوم وأعيد الحجارة والجبس والرصاص وكتب على علوه في الرخام الأبيض أسماء من عمروه من الملوك وتاريخ عماراتهم وعمارته الأخيرة.
كسوة الحجر
وأرسل جقمق الجركسي في القرن التاسع كسوة لدائر خارج الحجر من حرير أسود ككسوة الكعبة الشريفة ولم توضع عليه ثم وصلت بعدها بعام كسوة لدائر الحجر من الداخل فألبست الكسوة للحجر من داخله وخارجه. وتعتبر كسوة الحجر هذه كما يقول الشيخ باسلامة الأولى والأخيرة في بابها حيث لم أقف فيما وقفت عليه أن أحدا كسى حجر إسماعيل كما تكسى الكعبة المعظمة ولا بعده، فكان قد تفرد بذلك ثم يقول الشيخ باسلامة والظاهر أنها لم تدم كثيرا ولم تجدد من قبله والله أعلم بذلك.
стр. 445
آخر عمارة للحجر:
وجاء في منائح الكرم أنه في سنة ١٢٨٣ حصل تجديد نصف أرض الحجر من المقام الحنفى وذلك في سلطنة السلطان عبد العزيز خان وأمير مكة الشريف عبد الله بن محمد بن عون. وهذه العمارة هي آخر ما تم من عمارة للحجر إلى عصر المؤلف في أوائل النصف الثانى من القرن الرابع عشر للهجرة والله أعلم.
مساحة الحجر:
قام بذرع الحجر إبراهيم رفعت باشا مؤلف كتاب مرآة الحرمين فذكر القياسات الآتية:
ارتفاع جدار الحجر ٣١.١ متر عرض الجدار من الأعلى ١.٥٢ متر وعرضه من الأسفل ١.٤٤ متر وسعة الفتحة التي بين طرفه الشرقى إلى آخر الشاذروان ٣٠.٢ متر.
وسعة الفتحة التي بين طرفه الغربى ونهاية الشاذروان ٢.٢٣ متر.
والمسافة بين طرفي الدائرة ثمانية أمتار ووراء الحطيم بمسافة ١٢ مترا المطاف.
والمسافة بين منتصف جدار الكعبة الشمالى ووسط تجويف الحطيم ٨.٤٤ مترا.
وقد اخترت ما ذكره صاحب مرآة الحرمين لأنه أحدث قياس للحجر ولأنه استعمل المتر وكسوره فيه بينما استعمل المؤرخون السابقون الذراع وهو قد يختلف من شخص وآخر، لأنه بذراع اليد والله أعلم. (١)
سدانة الكعبة المعظمة:
كانت سدانة الكعبة المعظمة بعد بناء إبراهيم الخليل ﵇ إياها بيد ابنه إسماعيل ﵇ ثم بعد وفاته صارت لولده ثابت بن إسماعيل إلى أن
стр. 446
اغتصبها من ولده أخواله جرهم ومكثت السدانة في جرهم عدة قرون إلى أن اغتصبتها منهم خزاعة ومكثت في خزاعة عدة قرون إلى أن آل أمر مكة والكعبة المعظمة إلى قصي بن كلاب بن مرة القرشى وهو الجد الخامس للنبى ( ﷺ ) فاسترجعها من خزاعة بعد حرب دامية ثم صارت من بعده في ولده الأكبر عبد الدار ثم صارت في بنى عبد الدار جاهلية وإسلاما إلى أن آل أمر السدانة إلى شيبة بن عثمان بن طلحة واسمه عبد الله بن عبد العزى بن عثمان إلى العصر الحاضر يتوارثونها كابرا عن كابر.
عثمان بن طلحة يغلظ للنبى ( ﷺ -)
جاء في طبقات ابن سعد عن عثمان بن طلحة قال كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس فأقبل النبي ( ﷺ ) يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فأغلظت له ونلت منه فحلم عنى ثم قال: يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت قال عثمان فقلت لقد هلكت قريش يومئذ وذلت فقال بل عمرت وعزَّت ودخل الكعبة يقول عثمان فوقعت كلمته منى موقعا ظننت يومئذ أن الأمر سيصير إلى ما قال فلما كان يوم الفتح قال يا عثمان أئتنى بالمفتاح فأتيته به وأخذه منى ثم دفعه اليَّ.
خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم:
وقال - خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم يا عثمان أن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف.
أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها:
وفى رواية أن العباس بن عبد المطلب سأل النبي صلوات الله وسلامه عليه أن يجمع له الحجابة مع السقاية وذلك في فتح مكة حينما أخذ المفتاح من عثمان بن طلحة فقال بأبى أنت وأمى يا رسول الله أعطنا الحجابة مع السقاية فأنزل الله عز وجل
стр. 447
على نبيه ( ﷺ ) أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها - يقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه فما سمعتها من رسول الله ( ﷺ ) قبل تلك الساعة فتلاها ثم دعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال: غيبوه وفى رواية أعينوه ثم قال: خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله واعملوا فيها بالمعروف خالدة تالدة لا ينزعها من أيديكم إلا ظالم.
آل الشيبى
والشيبيون أو آل الشيبي الذين لهم سدانة البيت في العصر الحاضر هم من نسل شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وهو ابن عم عثمان بن طلحة لأن عثمان هذا لم يكن له ولد فانتقلت الحجابة إليه بعد وفاة عثمان بن طلحة الذى بقى في المدينة إلى وفاة النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه ثم عاد إلى مكة.
وقد أسلم شيبة يوم فتح مكة وشهد حنينا وقيل أسلم بحنين، قال الزبير كان شيبة قد خرج مع رسول الله ( ﷺ ) يوم حنين مشركا يريد أن يغتال رسول الله ( ﷺ ) غرة فأقبل يريده فرآه الرسول صلوات الله وسلامه عليه فقال يا شيبة هلم لا أم لك فقذف الله في قلبه الرعب ودنا من رسول الله ( ﷺ ) ووضع يده الكريمة على صدره ثم قال: اخسئ عنك الشيطان فأخذه ونزع فقذف الله في قلبه الإيمان فأسلم وقاتل مع رسول الله ( ﷺ ) كان ممن صبر معه يومئذ وكان من خيار المسلمين وحين أعطى صلوات الله وسلامه عليه مفتاح البيت أعطاه لعثمان وابن عمه شيبة هذا .. أقول وهذا يدل على أن شيبة أسلم يوم الفتح وليس يوم حنين وأيا كانت الرواية الصحيحة فإن الحجابة لأبناء أبي طلحة وقد توفى عثمان ولا ولد له فآلت الحجابة إلى ابن عمه شيبة وهي باقية في نسله إلى هذا اليوم وستبقى أبد الدهر حتى يرث الله الأرض ومن عليها مصداقا لقول الرسول الكريم خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم.
شيبة بن عثمان يحج بالناس
ومن الحوادث التاريخية التي تتصل بالحجابة أن عليا رضي الله تعالى عنه بعث
стр. 448
قثم ابن العباس في سنة تسع وثلاثين ليحج بالناس وأرسل معاوية في هذا العام يزيد بن شجرة فتنازعا فسعى بينهما أبو سعيد الخدرى ﵁ وغيره فاصطلحا على أن يقيم الحج والصلاة بالناس شيبة بن عثمان.
الحجابة لأكبر العائلة سنا
وقد سار آل الشيبي على قاعدة إسناد الحجابة لأكبر العائلة سنا وهكذا أصبح الأمر بها إلى هذا الوقت.
صحة نسب آل الشيبى
وقد ذكر الشيخ باسلامة أن بعض من يضمر السوء لآل الشيبي ادعوا في أوقات مختلفة انقطاع نسبهم محاولين بذلك سلب الحجابة منهم وأورد من البراهين ما يثبت هذه الأكاذيب والافتراءات فقال.
إن سدنة الكعبة المعظمة من أجلِّ وأعظم الوظائف التي يتنافس المتنافسون عليها بل أشد المتنافسين عليها الملوك والسلاطين فلو أن الأمر كما قاله ذلك المفترى بأن نسبهم قد انقطع في زمن هشام بن عبد الملك فلماذا ترك المنافسون هذه الوظيفة للمنتسبين لآل الشيبي بدون أن يستلبوها منهم كما استلبوا كثيرا من الوظائف التي هي أقل مكانة وسؤددا وفخارا؟ هل هنا قوة قاهرة تمنعهم غير قوة القاهر فوق عباده إلى آخر ما قال. (١)
стр. 449
هدايا الكعبة
كانت الهدايا الثمينة ترسل إلى الكعبة في مختلف العصور وأول ما ورد ذكر ذلك حين حفر عبد المطلب لبئر زمزم فوجد فيها غزالين من ذهب وجواهر وسيوفا كثيرة قيل أن الذى أهداها للكعبة ساسان بن بابل وقيل أنها كانت لجرهم وروي كذلك أن كعب بن لؤى القرشي أول من جعل في الكعبة السيوف المحلاة بالذهب والفضة ذخيرة للكعبة هذا ما كان من أمر هدايا الكعبة قبل الإسلام.
الهدايا في الإسلام
ذكر الأزرقي رواية عن الواقدى عن أشياخه قال، لما فتح عمر بن الخطاب ﵁ مدائن كسرى كان مما بعث به إليه هلالان فبعث بهما فعلقهما في الكعبة. أقول ولا نجد في كتب السير والتواريخ الموثوقة ذكرا لهذا الأمر وهو مما يستبعد على الخليفة الراشد عمر بن الخطاب فلقد كان حريصا على قسمة الفيء بين المسلمين مهما بلغ ثمنه ومهما كانت محتوياته ثمينة والله أعلم.
ونذكر هنا بعض هدايا الكعبة كما أوردها المؤلف:
بعث عبد الملك بن مروان الشمسيتين وقدحين من قوارير وضرب على الأسطوانة الوسطى بالذهب من أسفلها إلى أعلاها صفايح.
стр. 450
وبعث الوليد بن عبد الملك بقدحين.
أقول ولابد أن هذه الأقداح التي بعثها عبد الملك بن مروان وابنه الوليد من القوارير الثمينة النادرة.
وبعث الوليد بن يزيد بالسرير الزيني وبهلالين كتب عليهما اسمه وذلك في سنة إحدى ومائة.
وبعث أبو العباس السفاح أول الخلفاء العباسيين بالصفحة الخضراء.
وبعث أبو جعفر المنصور بالقارورة الفرعونية.
يقول المؤلف وكل هذا معلق في البيت.
وفي سنة مائة وست وثمانين وضع الخليفة هارون الرشيد قصبتين علقهما مع المعاليق وفيهما بيعة محمد وعبد الله ابنيه وما عقد لهما وما أخذ عليهما من العهود.
وبعث المأمون بالياقوتة التي كانت تعلق في كل سنة في وجه الكعبة في الموسم بسلسلة من الذهب.
وبعث المتوكل بشمسة عملها من ذهب تعلق في وجه الكعبة كل موسم.
ملك التبت يرسل سريره وصنمه
ذكر الأزرقي رواية عن سعيد بن يحيي البلخي قال: اسلم ملك من ملوك التبت وكان له صنم من ذهب يعبده في صورة إنسان وكان على رأس الصنم تاج من الذهب مكلل بخرز الجوهر والياقوت الأحمر والأخضر والزبرجد وكان على سرير من الفضة مربع مرتفع عن الأرض على قوائم وكان على السرير فرشة الديباج وعلى أطراف السرير أزرار من ذهب وفضة مرخاة والأزرار قدر الكرين في وجه السرير.
فلما أسلم ذلك الملك أهدى السرير والصنم إلى الكعبة فبعث به إلى أمير المؤمنين هدية للكعبة والمأمون يومئذ بمرو من خراسان فبعث به المأمون إلى الحسن بن سهل بواسط وأمره أن يبعث به إلى الكعبة فبعث به مع نصير بن إبراهيم الأعجمي وهو من أهل بلخ فقدم به إلى مكة في سنة ٢٠١ وحج بالناس تلك
стр. 451
السنة إسحق بن موسى بن عيسى بن موسى فلما صدر الناس من منى نصب ابن إبراهيم السرير وما عليه من الفرشة والصنم في وسط رحبة عمر بن الخطاب بين الصفا والمروة فمكث ثلاثة أيام منصوبا ومعه لوح من فضة مكتوب فيه "بسم الله الرحمن الرحيم".
هذا سرير فلان بن فلان ملك التبت أسلم وبعث بهذا السرير هدية إلى الكعبة فاحمدوا الله الذى هداه إلى الإسلام.
وكان يقف على السرير محمد بن سعيد ابن اخت نصير الأعجمي فيقرأه على الناس بكرة وعشية ويحمدوا الله الذى هدى هذا الملك إلى الإسلام. ثم دفع السرير والصنم إلى الحجبة آل الشيبي وأشهد عليهم بقبضة فجعلوه في خزانة الكعبة في دار شيبة بن عثمان.
وكيل أمير مكة يأخذ السرير والصنم ويسكه دراهم
بقي هذا السرير والصنم والتاج الذى أهداه ملك التبت في خزانة الكعبة عاما كاملا ثم استولى عليه يزيد بن محمد وكيل أمير مكة حمدون بن علي بن عيسى بن ماهان الذى استخلف يزيد على إمارة مكة حين خرج إلى اليمن، قالوا وأقبل إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد العلوي إلى مكة مقبلا من اليمن فسمع يزيد بأمره فخندق على مكة وسكها بالبنيان من أنقابها وأرسل إلى الحجبة فأخذ السرير وما عليه فاستعان به على حربه، وقال أمير المؤمنين يخلف لها وضربه دنانير ودراهم وذلك في سنة ٢٠٢ وبقى التارج واللوح في الكعبة إلى اليوم - يعنى في عصر الأزرقي.
إهداء الجواهر إلى الكعبة
قالوا وأهدي إلى الكعبة طوق من ذهب مكلل بالزمرد وبالماس وياقوته خضراء وزنها أربعة وعشرين مثقالا ودفعت هذه الهدية إلى الحجبة فكتبوا في أمرها إلى أمير المؤمنين المعتمد على الله، وأخذوا الدرة وأخرجوها وجعلوها في سلسلة من
стр. 452
ذهب في وسط الطوق مقابلة الياقوت والزمرد وجاء الكتاب من المعتمد بتعليقها مع معاليق الكعبة في سنة ٢٥٩.
تعليق بيعة أبناء الخلفاء
وكما أودع الرشيد بيعة الأمين والمأمون وعلقهما في الكعبة فقد أودع المعتمد قصبة من فضة فيها بيعة ابنه جعفر بن المعتمد وبيعة أبي أحمد الموفق.
إهداء القناديل الكعبة
وبعث المطيع العباسي قناديل للكعبة من الفضة ومعها قنديل من الذهب زنته ستمائة مثقال وذلك في سنة ٣٥٩. وفى سنة ٤٢٠ أهدى صاحب عمان إلى الكعبة قناديل ومحاريب مبنية زنة المحراب منها أكثر من قنطار وسمرت المحاريب في الكعبة مما يلى بابها.
وفى سنة ٦٣٢ أهدى للكعبة المنصور عمر بن علي بن رسول صاحب اليمن قناديل ذهب وفضة وفى سنة ٧١٨ بعث الوزير على شاه وزير السلطان أبي سعيد بن خدا بنده ملك التتر على يد الحاج مولا واح حلقتان مرصعتان باللؤلؤ والبلخش وكل حلقة زنتها ألف مثقال وفى كل حلقة ست لؤلؤات فاخرات وبينهما ستة قطع بلخش فاخر ولما أراد تعليق ذلك بباب الكعبة منعه بن أمير الركب المصرى في ذلك العام وقال لابد من الإذن بذلك من السلطان الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر.
وكان الوزير علي شاه المذكور قد نذر أن ظفر بخواجه رشيد الدولة وقتله أن يعلق على باب الكعبة معلقتين، وقيل أن أمير الركب المصرى إذن لمولا واح هذا بتعليق الحلقتين زمنا قليلا ثم رفعتا وأخذهما إذ ذاك رميثة بن ابي نمي من آل قتادة. وأهدى السلطان شيخ إدريس صاحب بغداد في سنة ٧٧٠ أربعة قناديل حجم كل قنديل منها مثل الدورق المكي اثنان منها من الذهب واثنان من الفضة وعلقت في
стр. 453
الكعبة فترة من الزمن ثم أخذها أمير مكة عجلان بن رميثه.
أين ذهبت هدايا الكعبة
قال التقي الفاسي، وأهدى بعد ذلك للكعبة قناديل كثيرة والذى في الكعبة الآن من المعاليق ستة عشر قنديلا منها ثلاثة فضة وواحد ذهب وواحد بلور واثنان نحاس والباقى زجاج حلبي وهي تسعة وليس في الكعبة الآن شيء من المعاليق التي ذكرها الأزرقي ولاما لم يذكره مما ذكرناه سوى الستة عشر قنديلا وليس فيها شيء من حلق الذهب والفضة التي كانت في أساطينها وجدارنها بسبب توالى الأيدي عليه من الولاة وغيرهم على ما ذكره الأزرقى في تاريخة ووقع ذلك بعده أيضا.
أقول ولعلم القارئ فإن التقى الفاسي من رجال القرن التاسع للهجرة وقد توفى عام ٨٣٢ هـ
الذين أخذوا أموال الكعبة
ذكر ابن فهد القرشي في كتابه إتحاف الورى في حوادث سنة ٢٠٠، قال وفى أول أيام المحرم بعدما تفرق الناس من مكة جلس الحسن بن الحسين الأفطس خلف المقام على نمرقة مثنية وأمر بالكعبة فجردها حتى بقيت حجارة مجردة ثم كساها كسوتين أنفذهما أبو السرايا من الكوفة من قز رقيق أحدهما صفراء والأخرى بيضاء مكتوب عليها:
"بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وأهل بيته الطيبين الأخيار أمر أبو السرايا الأصفر بن الأصفر داعية آل محمد ﷺ بعمل هذه الكسوة لبيت الله الحرام وأن يطرح عنه كسوة الظلمة من ولد العباس ليطهر من كسوتهم وكتب في سنة تسع وتسعين ومائة".
علق الأفطس هذه الكسوة التي وصف فيها ولد العباس بالظلم على الكعبة، ثم أخذ ما في خزانة الكعبة وكان مالا عظيما نقله إليه، وقال ما تصنع الكعبة بهذا
стр. 454
المال موضوعا لا ينتفع به نحن أحق به نستعين به وقسم المال مع كسوة الكعبة على أصحابه.
وفى سنة مائتين وواحد وخمسين أخذ إسماعيل بن إبراهيم الحسني ما في الكعبة من الذهب وما في خزانتها من الذهب والفضة والطيب والكسوة، يقول ابن فهد وذلك عقب فتنة عظيمة وقعت في مكة.
وفى سنة ٤٦٢ قطع أمير مكة أبو هاشم محمد بن جعفر المعروف بابن ابي هاشم الحسن خطبة المستنصر العبيدى صاحب مصر وأخذ قناديل الكعبة وستورها وصفائح الباب لما لم يصله شيء من جهة المستنصر العبيدى وأعاد الخطبة لبني العباس بعد قطعها من الحجاز نحو مائة سنة وخطب للخليفة القائم بأمر الله ثم للسلطان عضد الدولة.
وفى سنة ٥٨٦ أخذ أمير مكة داود بن عيسى بن فليته ما في الكعبة من أموال وطوقا كان يمسك الحجر.
هدية السلطان مراد
قال قطب الدين في الأعلام: أرسل السلطان مراد سنة ٩٨٤ ثلاثة قناديل من ذهب مرصعة بالجواهر لتعلق اثنان منها في سقف بيت الله تعالى والثالث في الحجرة - النبوية الشريفة فعلقا في الكعبة وهو أول من علق الذهب في الحرمين الشريفين من آل عثمان.
هدية ملكة بندر آشي
وقال الطبري المكي في الإتحاف: أرسلت ملكة بندر آشي خمسة قناديل ذهب للكعبة في إمارة الشريف سعيد أبي بركات سنة ١٠٩٤ فعلقت بها.
أقول وبندرآشي أو جزيرة آشى هي من جزر جاوا التي تسمى في الوقت الحاضر اندونيسيا.
стр. 455
الهدايا المعلقة في الكعبة
يقول الشيخ باسلامة ويوجد الآن معاليق كثيرة في سقف الكعبة غير أني لا أعلم عن حقيقهتها هل هي معمولة من ذهب أو فضة أونحاس كما أن آل الشيبي سدنة الكعبة المعظمة لا يعلمون بالضبط عن حقيقتها لقدم تعليقها ولعدم تعهدهم لها بالتمسيح والتنظيف أجيالا.
ثم يقول الشيخ باسلامة: وربما أنها من عهد بناء الكعبة الأخير إلى الآن لم تنقل من موضعها ولذلك تعذر علي أن أصفها وصفا صحيحا والله أعلم بحقيقتها (١).
تطييب الكعبة
ذكر التقي الفاسي في شفاء الغرام نقلا عن الأزرقي أنه روى عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت/ طيبوا البيت فإن ذلك تطهيره، وروى عنها أيضا أنها قالت: لأن أطيب الكعبة أحب إلي من أن أهدى لها ذهبا وفضة.
وقد ذكرنا أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ أجرى للكعبة وظيفة الطيب لكل صلاة وكان يبعث لها بالمجمر والخلوق في الموسم وفى رجب وأخدمها العبيد وتبعه في ذلك الولاة (٢).
وكان عبد الله بن الزبير يجمر الكعبة كل يوم برطل من مجمر ويجمر الكعبة كل جمعة برطلين وقد طيب الخليفة العباسى محمد المهدى الكعبة بالغالية والمسك والعنبر، وكان الملوك والسلاطين يرسلون إلى الكعبة بأجود أنواع الطيب والبخور ولما صارت ولاية البيت لسلاطين آل عثمان صار الطيب والبخور يرسل إلى الكعبة من القسطنطينية سنويا ضمن المرتبات التي خصصت للحرمين الشريفين، وفى عهد الشريف الملك الحسين بن علي خصص مبلغ من المال يصرف لرئيس السدنة
стр. 456
من خزينة المالية برسم الطيب مع ما هو مخصص لها لغسيل الكعبة. وقد استمر الحال على ذلك في العصر الحاضر كما يقول الشيخ باسلامة. (١)
خدام الكعبة وأغوات الحرم
ذكرنا أن أول من رتب العبيد لخدمة الكعبة معاوية بن أبي سفيان ثم تبعه الولاة في ذلك إلى العصر الحاضر يقول الشيخ باسلامة.
والقائمون بخدمة الكعبة الآن هم الأغوات وليسوا مماليك لأحد بل هم أحرار قد اعتقوا من قبل أوليائهم ولهم مرتبات شهرية تصرف من خزينة الدولة. ولهم إدارة خاصة ورئيسهم منهم وقد جرى العرف بينهم أن يكون رئيسهم أقدمهم خدمة ولهم بيت مال خاص بهم ويتوارثون بعضهم بعضا. ووظائفهم منحصرة في تنظيف المطاف، وحجر إسماعيل ومقام إبراهيم والفرش الحجرى المحيط بمدار المطاف الذى عليه مقامات الأئمة ولهم وظائف أخرى مثل وضع الشماعدين على باب الكعبة من الغروب إلى بعد صلاة العشاء ومن طلوع الفجر إلى الاسفار وكانوا قبل دخول الكهرباء بالمسجد الحرام يضيئون القناديل التي على الاساطين المحاطة بصحن المطاف والمقامات الأربعة.
ولهم نظام خاص في تسلسل الوظائف يسيرون عليه من أقدم الأزمان ونوجز هذه الوظائف فيما يلي:
حينما يبدأ الأغا العمل في الخدمة يسمى نفر ويستمر في ذلك ثم يرقى بالتسلسل حتى يصل إلى وظيفة شيخ المفتاح وهذه الوظيفة هي أمانة مفاتيح غرف الأدوات من شماعدين وأوانى تنظيف المطاف والحجر وأطراف الكعبة وغير ذلك. ثم يرقى إلى وظيفة (دورورى) وهي مراقبة الأغوات حال قيامهم بتنظيف الصحن وما حوله، ثم يرقى إلى رتبة ضابط ويسمى ضابط أول ويدخل في سلك البطالين ووظيفة البطالين كنس مدار المطاف وما يتبعه مع حجر إسماعيل وتنظيم صفوف المصلين
стр. 457
داخل الصحن والفرش الحجر المحيط بالصحن الذى عليه مقامات الأئمة فقط.
ثم يرقى إلى رتبة (خبزى) وهؤلاء الخبزية لا يتجاوز عددهم أحد عشر نفرا على الدوام فإذا مات أحدهم ارتقى إلى وظيفة أقدم البطالين خدمة ثم يرقى من الخبزيه فيبلغ وظيفة بيت المال الخاص لهم ثم يرقى إلى نقيب ثم يرقن إلى وظيفة شيخ الأغوات إذا خلت الوظيفة بوفاة الشيخ السابق. (١)
غسل داخل الكعبة
أول من غسل الكعبة هو الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه يوم فتح مكة، وذلك بعد إزالة الأصنام ومعالم الشرك التي كانت فيها، يقول مؤلف الكتاب فتجرد المسلمون في الأزر وأخذوا الدلاء وارتجزوا على زمزم وغسلوا الكعبة ظاهرها وباطنها فلم يدعوا أثرا من آثار المشركين إلا غسلوه ومحوه.
وقد صار غسيل الكعبة عادة جارية وسنة متبعة من عهد رسول الله ( ﷺ ) إلى العهد الحاضر. وتغسل الكعبة كما يقول المؤلف مرتين في العام مرة قبيل الحج ومرة في الثانى عشر من شهر ربيع الأول.
أقول والذى أعرفه أن موعد الغسيل الثانى للكعبة هو في شهر رجب من كل عام، ويتم غسل أرض الكعبة وجدرها إلى ارتفاع قامة الإنسان بماء الورد الممزوج بماء زمزم وتطيب جدران الكعبة بعطر العود كما تجمر الكعبة بالعود والند والعنبر، بعد تجفيف أرضيتها ويحضو عادة الملوك والأمراء وكبار رجال الدولة والأعيان لغسيل الكعبة ويشاركون فيها تبركا مع رئيس الحجبة والمسئولين عن شئون المسجد الحرام ولا تزال هذه العادة سنة متبعة حتى هذا اليوم. (٢)
سرقة مفتاح الكعبة
جاء في تاريخ السنجارى أن سادن البيت الشيخ عبد الرحمن الشيبي فتح الكعبة
стр. 458
للنساء في اليوم السابع والعشرين من شهر رمضان سنة تسعمائة وست وسبعين على ما جرت به العادة في ذلك الزمان فسرق مفتاح الكعبة من حجره وهو مصفح بالذهب. يقول السنجارى فوقعت الضجة وأغلقت أبواب الحرم وفتشت الناس فلم يظفروا بالمفتاح.
قال السنجارى ثم وجده سنان باشا باليمن مع رجل أعجمي فأخذ الرجل وكبست داره فوجد عنده المفتاح وغيره من السرقات التي أقر بها فقطع رأسه وأعيد المفتاح إلى السادن.
اشتعال ثوب الكعبة
ذكر الشيخ باسلامة أن حريقا وقع في ثوب الكعبة في يوم الثالث والعشرين من شهر شعبان سنة ١٣٤٤ أثناء الحرب التي وقعت بين الشريف الحسين بن علي والجنود الأتراك المحاصرين في قلعة أجياد بمكة المكرمة بعد أن أعلن الشريف الحسين نفسه ملكا على الحجاز وانفصل عن دولة الخلافة العثمانية.
وكان الجنود الأتراك يطلقون القنابل من مدافعهم باتجاه المسجد الحرام لأن رجال الحسين كانوا يحتلون الدور المجاورة للمسجد الحرام، وبعضهم اتخذ من منائر المسجد الحرام مكانا يطلقون منه نيران بنادقهم على قلعة أجياد. وكانت القنابل التي يقذفها الأتراك تصيب قباب المسجد الحرام وخاصة في باب الزيادة وباب أم هانئ.
وقد وقعت شظية من إحدى القذائف على الكعبة المعظمة من الجهة الجنوبية قريبا من سطح الكعبة واشتعلت النار في ثوب الكعبة قرب الحجر الأسود وقد فزع الناس لذلك فزعا شديدا وتجمعوا في المسجد الحرام من كافة أطراف مكة فسارع سادن البيت الشيخ محمد صالح شيبي بإرسال ابنه محمد ففتح الكعبة وصعد الناس فاطفأوا النار في لحظة. (١)
هذا الحديث الطويل عن الكعبة المعظمة هو الخلاصة لكتاب الشيخ حسين
стр. 459
عبد الله باسلامة تاريخ الكعبة المعظمة الصادر في سنة ألف وثلاثمائة وأربع وخمسين قبل ما يقرب من نصف قرن، وهو من أهم الكتب في موضوعه وهو يمتاز بأنه قد جمع كلما كتب عن الكعبة المعظمة في كتاب واحد يجعل القارئ ملما بتاريخها منذ فجر التاريخ وربما قبل ذلك حتى اليوم.
والكتاب هام ومفيد لأنه يؤرخ لا قدس بيت لله على سطح الأرض ومفيد بما احتواه من الحقائق التاريخية كما أنه لا يخلو من الحوادث الطريفة عبر هذه القرون الطويلة.
وهو كما ذكرنا مكمل لكتاب الشيخ باسلامة الذى تحدثنا عنه قبل تاريخ عمارة المسجد الحرام ومن المعلوم أن للشيخ باسلامة مؤلفات كثيرة ذكرها الشيخ محمد نصيف في ترجمته (١) ولكنى أود أن أذكر أنه لو لم يكن للشيخ باسلامة سوى هذين الكتابين اللذين تحدثت عنهما لكان ذلك جديرا بتسجيل اسمه بين الأعلام من المؤرخين في هذا المجال.
ذكرياتي عن الشيخ حسين باسلامة
سمعت باسم الشيخ حسين باسلامة لأول مرة حينما ثارت المعركة الأدبية بينه وبين الأستاذ محمد حسن عواد على صفحات جريدة صوت الحجاز في الخمسينات من القرن الهجرى الماضي إن لم تخني الذاكرة على أثر ظهور كتاب الشيخ حسن باسلامة تاريخ النهضة الإسلامية مع العلم والمدنية كان العواد (٢) ﵀ قد انتقد هذا الكتاب حين ظهوره وأجاب عليه المؤلف الشيخ حسين باسلامة وثارت بين الرجلين معركة عظيمة استمرت زمنا طويلا وشغل بها الناس، ولعل العواد وهو المجدد في الأدب كان ينظر إلى الشيخ باسلامة على أنه من الطبقة التي تسلك نهج القدامى من المؤرخين في الأسلوب والتعبير، وليس هذا مجال
стр. 460
الحكم بين الرجلين فكلاهما قد غادر هذه الحياة الدنيا إلى رحاب الله الذى نسأله لهما الرحمة والغفران.
وقد رأيت الشيخ باسلامة حينما انتقلت إلى مكة المكرمة بها وكنت من المواظبين على ارتياد المكتبات بباب السلام وكان هو يحضر لزيارة الأستاذ عبد الله فدا ﵀ وهو أديب وصاحب مكتبة فكنت أراه في الأصائل يجلس في مكتبة الفدا ويتجاذبان أطراف الحديث.
ثم رأيت الشيخ باسلامة مع أعضاء مجلس الشورى في جلسة طويلة دعى فيها الشيخ محمد سرور الصبان ﵀ أعضاء المجلس جميعا إلى عشاء في بستانه بالطائف وكانت هذه الجلسة حافلة بالطرائف التي كانت تحفل بها مجالس الأعيان والأفاضل من المكيين وكان مما يدور فيها ويتندر به الحاضرون أن أحدهم ينشد بيتا من الشعر فينشد الثانى بيتا يبدأ بالحرف الأخير من البيت الأول وينشد الثالث بيتا يبدأ بالحرف الأخير من إنشاد الثانى وهكذا حتى يكتمل الإنشاد من قبل الحاضرين جميعا في المجلس ولتمثيل هذه المجالس للقارئ نفترض أن أول من ابتدأ الانشاد أنشد البيت الآتى:
عيون المهابين الرصافة والجسر … جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فينشد الثانى بيتا يبدأ بالراء المكسورة فيقول مثلا:
ريم على القاع بين البان والعلم … أحلّ سفك دمى في الأشهر الحرم
فينشد الثالث بيتا يبدأ بالميم فيقول:
من راقب الناس مات غما … وفاز باللذة الجسور
وهكذا يستمر الحاضرون في الإنشاد دون توقف وإلا تحول الإنشاد إلى التالى وهكذا كان يتخلل هذه الجلسات الكثير من المرح والطرائف فإذا انتهى الإنشاد اختاروا حرفا من الحروف وبدأوا بالسؤال عن اسم مدينة مثلا يبدأ بهذا الحرف ولنفترض أن هذا الحرف هو الألف فتذكر اسم المدينة (الطائف - فيسئل مثلا ما هي ميزتها؟ فيجيب ارتفاعها ثم يسئل من تعرف فيها؟ فيكون الجواب مثلا