من خزينة المالية برسم الطيب مع ما هو مخصص لها لغسيل الكعبة. وقد استمر الحال على ذلك في العصر الحاضر كما يقول الشيخ باسلامة. (١)
خدام الكعبة وأغوات الحرم
ذكرنا أن أول من رتب العبيد لخدمة الكعبة معاوية بن أبي سفيان ثم تبعه الولاة في ذلك إلى العصر الحاضر يقول الشيخ باسلامة.
والقائمون بخدمة الكعبة الآن هم الأغوات وليسوا مماليك لأحد بل هم أحرار قد اعتقوا من قبل أوليائهم ولهم مرتبات شهرية تصرف من خزينة الدولة. ولهم إدارة خاصة ورئيسهم منهم وقد جرى العرف بينهم أن يكون رئيسهم أقدمهم خدمة ولهم بيت مال خاص بهم ويتوارثون بعضهم بعضا. ووظائفهم منحصرة في تنظيف المطاف، وحجر إسماعيل ومقام إبراهيم والفرش الحجرى المحيط بمدار المطاف الذى عليه مقامات الأئمة ولهم وظائف أخرى مثل وضع الشماعدين على باب الكعبة من الغروب إلى بعد صلاة العشاء ومن طلوع الفجر إلى الاسفار وكانوا قبل دخول الكهرباء بالمسجد الحرام يضيئون القناديل التي على الاساطين المحاطة بصحن المطاف والمقامات الأربعة.
ولهم نظام خاص في تسلسل الوظائف يسيرون عليه من أقدم الأزمان ونوجز هذه الوظائف فيما يلي:
حينما يبدأ الأغا العمل في الخدمة يسمى نفر ويستمر في ذلك ثم يرقى بالتسلسل حتى يصل إلى وظيفة شيخ المفتاح وهذه الوظيفة هي أمانة مفاتيح غرف الأدوات من شماعدين وأوانى تنظيف المطاف والحجر وأطراف الكعبة وغير ذلك. ثم يرقى إلى وظيفة (دورورى) وهي مراقبة الأغوات حال قيامهم بتنظيف الصحن وما حوله، ثم يرقى إلى رتبة ضابط ويسمى ضابط أول ويدخل في سلك البطالين ووظيفة البطالين كنس مدار المطاف وما يتبعه مع حجر إسماعيل وتنظيم صفوف المصلين
стр. 457
داخل الصحن والفرش الحجر المحيط بالصحن الذى عليه مقامات الأئمة فقط.
ثم يرقى إلى رتبة (خبزى) وهؤلاء الخبزية لا يتجاوز عددهم أحد عشر نفرا على الدوام فإذا مات أحدهم ارتقى إلى وظيفة أقدم البطالين خدمة ثم يرقى من الخبزيه فيبلغ وظيفة بيت المال الخاص لهم ثم يرقى إلى نقيب ثم يرقن إلى وظيفة شيخ الأغوات إذا خلت الوظيفة بوفاة الشيخ السابق. (١)
غسل داخل الكعبة
أول من غسل الكعبة هو الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه يوم فتح مكة، وذلك بعد إزالة الأصنام ومعالم الشرك التي كانت فيها، يقول مؤلف الكتاب فتجرد المسلمون في الأزر وأخذوا الدلاء وارتجزوا على زمزم وغسلوا الكعبة ظاهرها وباطنها فلم يدعوا أثرا من آثار المشركين إلا غسلوه ومحوه.
وقد صار غسيل الكعبة عادة جارية وسنة متبعة من عهد رسول الله ( ﷺ ) إلى العهد الحاضر. وتغسل الكعبة كما يقول المؤلف مرتين في العام مرة قبيل الحج ومرة في الثانى عشر من شهر ربيع الأول.
أقول والذى أعرفه أن موعد الغسيل الثانى للكعبة هو في شهر رجب من كل عام، ويتم غسل أرض الكعبة وجدرها إلى ارتفاع قامة الإنسان بماء الورد الممزوج بماء زمزم وتطيب جدران الكعبة بعطر العود كما تجمر الكعبة بالعود والند والعنبر، بعد تجفيف أرضيتها ويحضو عادة الملوك والأمراء وكبار رجال الدولة والأعيان لغسيل الكعبة ويشاركون فيها تبركا مع رئيس الحجبة والمسئولين عن شئون المسجد الحرام ولا تزال هذه العادة سنة متبعة حتى هذا اليوم. (٢)
سرقة مفتاح الكعبة
جاء في تاريخ السنجارى أن سادن البيت الشيخ عبد الرحمن الشيبي فتح الكعبة
стр. 458
للنساء في اليوم السابع والعشرين من شهر رمضان سنة تسعمائة وست وسبعين على ما جرت به العادة في ذلك الزمان فسرق مفتاح الكعبة من حجره وهو مصفح بالذهب. يقول السنجارى فوقعت الضجة وأغلقت أبواب الحرم وفتشت الناس فلم يظفروا بالمفتاح.
قال السنجارى ثم وجده سنان باشا باليمن مع رجل أعجمي فأخذ الرجل وكبست داره فوجد عنده المفتاح وغيره من السرقات التي أقر بها فقطع رأسه وأعيد المفتاح إلى السادن.
اشتعال ثوب الكعبة
ذكر الشيخ باسلامة أن حريقا وقع في ثوب الكعبة في يوم الثالث والعشرين من شهر شعبان سنة ١٣٤٤ أثناء الحرب التي وقعت بين الشريف الحسين بن علي والجنود الأتراك المحاصرين في قلعة أجياد بمكة المكرمة بعد أن أعلن الشريف الحسين نفسه ملكا على الحجاز وانفصل عن دولة الخلافة العثمانية.
وكان الجنود الأتراك يطلقون القنابل من مدافعهم باتجاه المسجد الحرام لأن رجال الحسين كانوا يحتلون الدور المجاورة للمسجد الحرام، وبعضهم اتخذ من منائر المسجد الحرام مكانا يطلقون منه نيران بنادقهم على قلعة أجياد. وكانت القنابل التي يقذفها الأتراك تصيب قباب المسجد الحرام وخاصة في باب الزيادة وباب أم هانئ.
وقد وقعت شظية من إحدى القذائف على الكعبة المعظمة من الجهة الجنوبية قريبا من سطح الكعبة واشتعلت النار في ثوب الكعبة قرب الحجر الأسود وقد فزع الناس لذلك فزعا شديدا وتجمعوا في المسجد الحرام من كافة أطراف مكة فسارع سادن البيت الشيخ محمد صالح شيبي بإرسال ابنه محمد ففتح الكعبة وصعد الناس فاطفأوا النار في لحظة. (١)
هذا الحديث الطويل عن الكعبة المعظمة هو الخلاصة لكتاب الشيخ حسين
стр. 459
عبد الله باسلامة تاريخ الكعبة المعظمة الصادر في سنة ألف وثلاثمائة وأربع وخمسين قبل ما يقرب من نصف قرن، وهو من أهم الكتب في موضوعه وهو يمتاز بأنه قد جمع كلما كتب عن الكعبة المعظمة في كتاب واحد يجعل القارئ ملما بتاريخها منذ فجر التاريخ وربما قبل ذلك حتى اليوم.
والكتاب هام ومفيد لأنه يؤرخ لا قدس بيت لله على سطح الأرض ومفيد بما احتواه من الحقائق التاريخية كما أنه لا يخلو من الحوادث الطريفة عبر هذه القرون الطويلة.
وهو كما ذكرنا مكمل لكتاب الشيخ باسلامة الذى تحدثنا عنه قبل تاريخ عمارة المسجد الحرام ومن المعلوم أن للشيخ باسلامة مؤلفات كثيرة ذكرها الشيخ محمد نصيف في ترجمته (١) ولكنى أود أن أذكر أنه لو لم يكن للشيخ باسلامة سوى هذين الكتابين اللذين تحدثت عنهما لكان ذلك جديرا بتسجيل اسمه بين الأعلام من المؤرخين في هذا المجال.
ذكرياتي عن الشيخ حسين باسلامة
سمعت باسم الشيخ حسين باسلامة لأول مرة حينما ثارت المعركة الأدبية بينه وبين الأستاذ محمد حسن عواد على صفحات جريدة صوت الحجاز في الخمسينات من القرن الهجرى الماضي إن لم تخني الذاكرة على أثر ظهور كتاب الشيخ حسن باسلامة تاريخ النهضة الإسلامية مع العلم والمدنية كان العواد (٢) ﵀ قد انتقد هذا الكتاب حين ظهوره وأجاب عليه المؤلف الشيخ حسين باسلامة وثارت بين الرجلين معركة عظيمة استمرت زمنا طويلا وشغل بها الناس، ولعل العواد وهو المجدد في الأدب كان ينظر إلى الشيخ باسلامة على أنه من الطبقة التي تسلك نهج القدامى من المؤرخين في الأسلوب والتعبير، وليس هذا مجال
стр. 460
الحكم بين الرجلين فكلاهما قد غادر هذه الحياة الدنيا إلى رحاب الله الذى نسأله لهما الرحمة والغفران.
وقد رأيت الشيخ باسلامة حينما انتقلت إلى مكة المكرمة بها وكنت من المواظبين على ارتياد المكتبات بباب السلام وكان هو يحضر لزيارة الأستاذ عبد الله فدا ﵀ وهو أديب وصاحب مكتبة فكنت أراه في الأصائل يجلس في مكتبة الفدا ويتجاذبان أطراف الحديث.
ثم رأيت الشيخ باسلامة مع أعضاء مجلس الشورى في جلسة طويلة دعى فيها الشيخ محمد سرور الصبان ﵀ أعضاء المجلس جميعا إلى عشاء في بستانه بالطائف وكانت هذه الجلسة حافلة بالطرائف التي كانت تحفل بها مجالس الأعيان والأفاضل من المكيين وكان مما يدور فيها ويتندر به الحاضرون أن أحدهم ينشد بيتا من الشعر فينشد الثانى بيتا يبدأ بالحرف الأخير من البيت الأول وينشد الثالث بيتا يبدأ بالحرف الأخير من إنشاد الثانى وهكذا حتى يكتمل الإنشاد من قبل الحاضرين جميعا في المجلس ولتمثيل هذه المجالس للقارئ نفترض أن أول من ابتدأ الانشاد أنشد البيت الآتى:
عيون المهابين الرصافة والجسر … جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فينشد الثانى بيتا يبدأ بالراء المكسورة فيقول مثلا:
ريم على القاع بين البان والعلم … أحلّ سفك دمى في الأشهر الحرم
فينشد الثالث بيتا يبدأ بالميم فيقول:
من راقب الناس مات غما … وفاز باللذة الجسور
وهكذا يستمر الحاضرون في الإنشاد دون توقف وإلا تحول الإنشاد إلى التالى وهكذا كان يتخلل هذه الجلسات الكثير من المرح والطرائف فإذا انتهى الإنشاد اختاروا حرفا من الحروف وبدأوا بالسؤال عن اسم مدينة مثلا يبدأ بهذا الحرف ولنفترض أن هذا الحرف هو الألف فتذكر اسم المدينة (الطائف - فيسئل مثلا ما هي ميزتها؟ فيجيب ارتفاعها ثم يسئل من تعرف فيها؟ فيكون الجواب مثلا
стр. 461
أميرها؟ ثم يسئل ما الذي يعجبك فيها؟ فتقول أعنابها؟ وهكذا يمضى المجلس في هذه الندوة الطريفة وكثيرا ما يعجز المجيب عن الإجابة بنفس الحرف فيضطر إلى أن يجيب إجابة مضحكة يتندر عليه السامرون.
أقول رأيت الشيخ حسين باسلامة ﵀ في هذا المجلس وكان بعض الحاضرين يلح عليه في الأسئلة وكان يجيب ببديهة حاضرة وظرف وجرأة وكان يشاركه تلك الصفة تلك اللية المرحوم الشيخ أحمد إبراهيم الغزاوى وكان سكرتيرا لمجلس الشورى رحم الله الجميع فلعل كل من حضرتلك الجلسة قد صاروا إلى رحاب الله تعالى فقد مضى عليها ما يقرب من نصف قرن من الزمان.
توفى الشيخ حسين باسلامة في عام ١٣٥٩ للهجرة كان قد فارق هذه الحياة الدنيا فقد أبقى له ذكرا خالدا في مؤلفاته التي تحدثنا عن أهمها هذا الحديث الطويل الذى يستحقه كتاباه تاريخ عمارة المسجد الحرام وتاريخ الكعبة المعظمة.
رحم الله الشيخ حسين باسلامة وأجزل جزاءه في دار الخلد لقاء ما بذل من جهد في سبيل العلم النافع المفيد.
стр. 462
حمزة شحاتة
стр. 463
حمزة شحاتة
طويل القامة ممتلئ الجسم أسمر اللون أقنى الأنف واسع العينين يضع على عينيه نظارة طبية وهو لا يستطيع الرؤية بدون هذه النظارة أصلع الرأس، تزين وجهه لحية صغيرة، حليق العارضين، جسيم وسيم متناسق الأعضاء له قامة رياضية، عرفته في النصف الثانى من الأربعينات وكان يرتدى الثوب القصير وتحته السروال الطويل الذى يشبه البنطلون، وهذا هو زى الشباب الذين عاشوا في الهند يتعلمون أو يعلمون (١) وكان حمزة واحدا منهم كما سيأتى بعد. وفوق الثوب يرتدى الكوت الطويل ويضع على رأسه كوفية حجازية ويضع الشال على كتفيه أو يعتم به اتقاء للشمس، وعلى أي حال فقد كانت له هيئة متميزة في ملابسه، وكان أنيق الملبس دائما يختار الألوان الهادئة والأقمشة الجيدة، وأذكر أن أستاذا مصريا كان يعمل في المدرسة السعودية الابتدائية في جدة اجتمع به مرة فوصفه لأحد أصدقائنا قائلا - الأفندى اللي هيأته كويسة - وذلك تمييزا له عن الآخرين وربما لم يكن يعرف اسمه، وعلى أي حال فإن حمزة أصبح فيما بعد يرتدى العباءة العربية والعقال خاصة بعد أن عمل موظفا في وزارة المالية بمكة المكرمة، ومديرا للنقليات الحكومية
стр. 464
في عهد معالي وزير المالية الأسبق الشيخ عبد الله السليمان يرحمه الله.
ولد بمكة في سنة ١٣٢٨ هـ وتلقى مبادئ تعليمه بها أولا، ثم في مدرسة الفلاح بجدة وكان الشيخ عبد الرؤوف جمجوم عميد آل الجمجوم (١) قد سافر إلى مكة وكانت تربطه بعلي شحاتة ومحمد نور شحاتة أشقاء حمزة صلات صداقة وعمل، وحينما انتقل آل شحاتة إلى مدينة جدة كان بيتهم ملاصقا لبيت الجمجوم، وكان الشيخ عبد الرؤوف يعنى عناية خاصة بالغلام حمزة شحاتة ﵀ حتى أنه كلف إحدى بناته بالعناية بحمزة ومذاكرة دروسه فكان يقضي أوقات فراغه كلها بدار آل الجمجوم، وأتم حمزة دراسته في مدرسة الفلاح وكانت مدة الدراسة بها ست سنوات، وقد أدركته وهو طالب في آخر مراحل الدراسة بالفلاح وأنا مبتدئ بها ثم سافر إلى الهند ليعمل في دار آل زينل هناك وأقام في مدينة بومباي عدة سنوات ثم عاد بعد انتهاء الحرب السعودية الهاشمية ليتسلم أولى وظائفه الحكومية سكرتيرا للمجلس التجارى بجده الذى كان يرأسه الشيخ سليمان قابل (٢) لم تطل مدة عمل حمزة يرحمه الله بالمجلس التجارى فقد كان من النمط القلق الذى لا يستطيع الاستمرار، وكانت طموحاته وتطلعاته تدفعه إلى التغيير.
وقد جاء هذا التغيير بإلحاح من أخيه المرحوم الشيخ محمد نور شحاتة الذى أسس شركة للنقل بالسيارات في أوائل العهد السعودى تعمل بين مكة المكرمة والمدينة المنورة لنقل الحجاج وكانت هذه الشركة تسمى شركة السلام (٣) وقد أخبرني حمزة أنه اضطر مرة إلى قيادة السيارة اللورى من جدة إلى المدينة المنورة والعودة بها بعد أن لاقت شركتهم كما لاقت غيرها من الشركات المصاعب الكثيرة
стр. 465
من السائقين الأجانب الذين كانوا يتولون قيادة تلك السيارات .. وما لبثت هذه الشركة أن انضمت كما انضم غيرها من الشركات إلى الشركة العربية للسيارات، ولكن محمد نور وحمزة شحاتة كانا قد عملا في استيراد وبيع قطع الغيار للسيارات وفي هذا العمل بالذات اتصلت أسبابي بأسباب حمزة شحاتة يرحمه الله في النصف الثانى من الأربيعينات في جدة، حيث كنت أعمل في شركة القناعة للسيارات وكانت تبيع قطع الغيار للسيارات كما تبيع المحروقات والإطارات الخاصة بالسيارات وبحكم تجانس العمل كان يزورنا الشيخ محمد نور شحاتة وكذلك حمزة فاتصلت أسبابي بأسبابه وتوثقت عرى الصداقة بيني وبينه.
كان حمزة نمطا فريدا من الأدباء لم يكن يشبهه غيره وكان ساحر الحديث يمتلك قلوب سامعيه وأفكارهم وكانت لغة حديثه أقرب إلى الفصحى منها إلى العامية ولكنها الفصحى المحببة التي لا تصدمك منها لفظه موحشة أو كلمة غريبة قاسيه، وكان يمزج أحاديثه بالطرائف والنكات في أسلوب أخاذ.
وكان إذا كتب لا يختلف كثيرا عنه حينما يتحدث وكانت رسائله قطعا أدبية رائعة، ولو جمعت هذه الرسائل التي كان يبعثها إلى أصدقائه الكثيرين لتكونت منها مجلدات ولكانت فنا عجبا في أدب الرسائل، وقد جمعت ابنته شيرين الرسائل التي كان يرسلها إليها وأصدرتها في كتاب يحمل هذا العنوان - إلى ابنتي شيرين - وحسنا فعلت السيدة شيرين بجمعها لهذه الرسائل وحسنا فعلت تهامة بطبعها ونشرها بين الناس.
أن هذه الرسائل تمثل فترة من حياة حمزة شحاتة هي لعلها فترة الكهولة في حياته ولو جمعت كل الرسائل التي كتبها في صدر شبابه ورجولته لرأينا فيها (العجبُ العاجب)، فلقد كان حمزة أحسن من يعبر عن عواطفه وخوالجه، ولقد كان يكتب الي كما كان يكتب إلى قنديل، وإلى عزيز ضياء، والى عبد الله عريف وإلى محمد عمر توفيق وإلى الأخ الشيخ محمد نور جمجوم وإلى غيرهم من أصدقائه الكثيرين، وبالنسبة لرسائله إلي فإني فقدتها كلها، فقدت بين الكثير من
стр. 466
أوراقي الضائعة، ولعلها تكون موجودة بين ركام الأوراق الكثيرة التي لا أستطيع فرزها والتي لا أعرف مكانها، على أي حال كان حمزة فريدا في أحاديثه وفريدا في رسائله (يشابهه أحد)، ولا يشبه أحدا فهو صاحب أسلوب خاص في الحديث وفي الكتابة على سواء. توثقت الصلة بينى وبينه عقودا من السنين فكنت ألقاه أصيل كل يوم وصدر كل مساء حينما كان بجدة ولكن حمزة ما لبث أن غاب عن جده مرتين، مرة بدون اختيار منه والمرة الثانية باختياره.
أما المرة الأولى فقد كان أحد المعتقلين الذين رحلوا إلى الرياض في أوائل الخمسينات وكان من بينهم الكثير من شباب مكة وجده أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الأساتذه محمد حسن عواد، وعبد الوهاب آشي، والشيخ سليمان أبو داود، والشريف محمد مهنا وعبد العزيز جميل وغيرهم، وعلى أى حال فإن التحفظ على هذا الفريق من الناس كان من باب الاحتياط فما لبث جلالة الملك عبد العزيز ﵀ أن أطلقهم، وقد روى لي المرحوم الشيخ إبراهيم السليمان بن عقيل رئيس ديوان النائب العام لجلالة الملك في الحجاز في تلك الأيام رواية طريفة أذكرها هنا للتاريخ.
قال: كان صاحب السمو الملكي الأمير فيصل - جلالة الملك فيصل فيما بعد - في زيارة والده المغفور له جلالة الملك عبد العزيز في الرياض، وحينما قرب موعد عودته إلى الحجاز وكان لا يستطيع العودة الا إذا أذن له الملك عبد العزيز ﵀، وكان هذا الإذن يصدر ابتداء من الملك عبد العزيز بمعنى أن آداب الأسرة المالكة لم تكن تسمح لمن يرغب في السفر أن يستأذن الملك فيه، وإنما يصدر الأذن من الملك نفسه حينما يرى أن المدة التي قضاها الزائر في الرياض قد تمت وأن عليه أن يعود إلى عمله بالحجاز.
قال الشيخ إبراهيم: قال جلالة الملك عبد العزيز لسمو الأمير فيصل، يمكنك الآن أن تعود إلى الحجاز فقد طال غيابك عنه.
قال سمو الأمير فيصل، ولكن كيف أعود إلى الحجاز وكثير من أهل الحجاز هنا
стр. 467
في المصمك؟ (١) هناك أمر جلالة الملك عبد العزيز بإطلاق سراحهم فوصلوا إلى الحجاز قبل عودة سمو الأمير فيصل إليها ﵀.
عاد حمزة من الرياض إلى مكة وبقى بها بعض الوقت وكتبنا له مهنئين وجاءتنا رسائله بنفس الأسلوب الساحر الساخر، لم يؤثر النفي في نفسه وعلمت أنه كان يقوم في بعض الأحيان بطبخ الطعام لزملائه في المصمك وكان حمزة من أكثر الناس إجادة في صنع الطعام وتذوقه يرحمه الله.
هذه هي المرة الأولى التي غادر فيها جدة مختارا بعد أن عرفته ولكنه لم يلبث أن عاد إليها أما المرة الثانية فقد ذهب إلى مكة للعمل سكرتير اللشيخ محمد سرور الصبان بطلب منه.
وكان حمزة كما ذكرت لا يطيق البقاء في عمل واحد حتى ولو كان هذا هو العمل التجاري الذى يمتلكه هو وأخوه، ولعل خلافا دب بين الأخوين رأى حمزة معه أن يترك عمله التجارى ليعمل سكرتيرا خاصا للشيخ محمد سرور الصبان، وقد بقي حمزة في هذا العملى عاما واحدا أو نحو ذلك إن لم تخني الذاكرة في تحديد الوقت. وكان من ضمن أعمال السكرتارية لدى الشيخ محمد سرور الصبان ﵀ الإجابة على عشرات الرسائل التي ترد إليه يوميا من شتى أنحاء المملكة ومن مختلف طبقات الناس وكثير منها يتعلق بمعاملات لهم في وزارة المالية وفى شئون خاصة بهم، وضاق حمزة ذرعا بهذا العمل الروتيني فطلب من الشيخ محمد سرور إعفاءه ولكن الشيخ محمد سرور لم يوافق على إعفائه وما زال حمزة يلح حتى وافق الشيخ محمد سرور على إجابة الطلب، ولكنه ألزمه أن يختار له من يقوم بعمل السكرتارية بدلا منه، وكتب الي حمزة ﵀ يعرض علي العمل لدى الشيخ محمد سرور في مكة فاعتذرت بادئ ذى بدئ لأن ظروفى العائلية لم تكن تسمح لي بالانتقال إلى مكة، وعاد حمزة إلى جدة ثم طرأ ما جعلني أقبل العمل لدى الشيخ
стр. 468
محمد سرور في مكة وانتقلت إليها وكان ذلك في شهر ذى القعدة عام ١٣٥٥ هـ، عاد حمزة مرة أخرى للعمل مع أخيه في جدة ولم يمض على هذه العودة الكثير من الزمن حتى رأيت حمزة يسافر إلى أبها وجيزان بصحبة المرحوم الشيخ عبد العزيز جميل وكان يعمل هناك مديرا لماليات وجمارك جيزان وتوابعها.
كانت هذه الرحلة رحلة تفقد للمنطقة وأحوالها وكان لحمزة صديق آخر في أبها هو المرحوم طلعت وفا الذى كان مديرا لشرطة أبها والذى وصل فيما بعد إلى منصب مدير الأمن العام في مكة المكرمة.
وقضى حمزة بضعة شهور وهو يتنقل بين جيزان وأبها وصبيا وأبو عريش ورجال المع ثم عاد إلى مكة المكرمه بصحبة الشيخ عبد العزيز جميل الذى نقل رئيسا لماليات وجمارك الأحساء وتوابعها، وبعد هذه العودة عهد معالي الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية الأسبق إلى حمزة بإدارة سيارات النقليات الحكومية وبقي فيها بضعة شهور، ثم انتقل بعد ذلك للعمل في ديوان المحاسبة في وزارة المالية.
ثم ترك العمل في وزارة المالية وعاد إلى جدة لإدارة العمل التجارى مع شقيقه محمد نور، الذى ما لبث أن سافر إلى مصر واستقر بها، إبان الحرب العالمية الثانية.
كان حمزة يحلم بالهجرة إلى مصر والاستقرار بها، وكان خياله الخصيب يصور له جمال الحياة على شاطئ النيل، وإمكانية النجاح الاقتصادى الكبير في أرض الكنانة.
ونسيت أن أذكر أن حمزة جاء إلى مصر قبل ذلك مريضا وكنت في القاهرة في تلك الأيام، فبعث إلي من يخبرني بوصوله إلى القاهرة ونزوله في مستشفى مورو بالدقى، وأسرعت إليه فوجدته في سرير المرض وقد أجريت له عملية استئصال الزائدة الدودية وكنت أزوره يوميا وكان هذا في عام ١٩٤٢ مـ خلال الحرب العالمية الثانية وترك المستشفى بعد أن تماثل للشفاء، ولكنه لم يعد إلى جدة وتزوج بإحدى الفتيات المصريات وبقي هناك بضعة شهور، وحينما حان أوان عودته إلى الحجاز سافر وطلب إليها أن تلحق به فيما بعد، ولكنها لم تحضر.
стр. 469
وكانت ابنته الطفلة شيرين في القاهرة في حضانة أمها هناك وكانت هي بكر أولاده من زوجته الأولى التي تزوجها في جدة، وكان حريصا على ضمها إليه بعد أن تعذرت سبل الوفاق بينه وبين زوجته وأسرتها.
تهيأت الأسباب لسفره إلى مصر فسافر إليها مع بناته وأسرة أخيه جميعا ونزلوا أول نزولهم في مدينة حلوان ثم استقر بهم الأمر في القاهرة وكان هذا في عام ١٣٦٤ هجرية وكنت هناك وكنت أرى حمزة تقريبا في كل يوم، وكان أخوه الشيخ محمد نور قد اشترى قطعة أرض في الدقى وكانت البعثات السعودية تسكن في دار مؤجرة وكان القائمون على شئون البعثة يتمنون لو أنهم سكنوا في دار مملوكة لأحد السعوديين، وقام حمزة وأخوه محمد نور ببناء دار للبعثات السعودية على جزء من الأرض المملوكة لهما بالدقى وأصبحت هذه الدار مقرا للبعثات السعودية ثم تعين حمزة محاسبا لإدارة البعثات لبعض الوقت ولكنه ما لبث أن ترك العمل في دار البعثات.
وعاد إلى مكة بناء على طلب الشيخ محمد سرور الصبان رحمه الله تعالى ليكون أول رئيس لنقابة السيارات في عهدها الجديد في ١٣٧٢ هـ ولم تطل إقامته في هذا العمل كما لم تطل في أي عمل مارسه من قبل.
كان قلق النفس لا يستقر على حال، كانت طموحاته تتمرد على العمل الروتيني الرتيب، وكانت أفكاره أقوى من واقع حياته، كانت تلك هي ضريبة العبقرية التي تتحدى القيود والأعراف.
وعاد حمزة أخيرا ليستقر في القاهرة، وقد استشرت الخلافات بينه وبين أخيه حتى بلغت حد القطيعة، قلت له يوما إن وفاقك مع أخيك وتعايشكما ملزم لكما جميعا فأنتما لم تنجبا ولدًا، كل ذريتكما من البنات فاطويا صفحة الخلاف، وليضع أحدكما يده في يد الآخر، ولكنهما كانا عنيدين.
ولقد ضعف بصر حمزة في السنوات الأخيرة فكان إذا خرج صحبته صغرى بناته وكان قد أصيب بانفصال الشبكية، كما أصيب قبله أخوه محمد نور بها، وفقد كل
стр. 470
منهما بصره في آخر حياته غفر الله لهما.
إن فقد حمزة لبصره في آخر حياته أثر في نفسه وأستطيع أن أقول إنه أدخل الكثير من التغيير على أفكاره، ويتضح هذا في حديثنا عن رسائله إلى ابنته شيرين.
إلى ابنتي شيرين
اسم الكتاب الذى يضم ستين رسالة كتبها حمزة إلى كبرى بناته بعد أن غادرت مصر عائدة إلى الحجاز إثر زواجها، وهذه الرسائل تظهر بجلاء الحب الكبير الذى يربط شيرين بأبيها فقد أصبحت له كل شئ البنت وسيدة البيت والصديقة التي يتحدث إليها ويبثها مكنون صدره وأفكاره، وليس هذا بغريب على أى حال وقد اخترت بعض المقتطفات من بعض الرسائل التي كتبها حمزة إلى شيرين وهي تمثل أسلوبه في كتابة الرسائل كما تمثل أفكاره وخوالجه.
وأبدأ بالنماذج التي تمثل حالته النفسيه فهو يقول في الرسالة (٣٠) لقد تحطمت قبل أن أبدأ قصة حياتى التي شغلنى عنها ولوعي بإنقاذ الغرقى وإطفاء الحرائق (١).
ويقول في الرسالة الرابعة: تمت عزلتى الآن ولم تعد لي علاقة بأحد إلا بالمقدار الذى لا يزيد عما يتهيأ لأي نزيل في فندق صغير. ومنها:
أننا في سفينة أو أتوبيس وكل الفرق أن الرحلة أطول، أنني أشعر بضغط الوحدة ضغطا مخيفا أراني غريق أتخبط وأرسل صرخات الهلع، وأسمع أصوات ضحكات السخرية ممن يتظاهرون بإنقاذي.
أبدا أبدا لم أعد اقوى على احتمال هذا الشقاء وحدى بلامعين، أنني أبدأ الفكرة ولا أعرف كيف أتمها، وفى الليل عندما يهدأ كل شيء وينام، أظل أنا كالآلة الدائرة تدور بلا نهاية (٢).
стр. 471
ويقول في الرسالة العاشرة: بعد أن فقد البقية الباقية من بصره فيما أظن.
أني لا أنام الليل أبدًا حتى الساعة السابعة أو الثامنة، لا تسألي لماذا؟ فأنا لا أعرف شيئا يقتضى هذه الأرق الثابت، ربما كانت الشيخوخة، أو طبيعة إنعدام الشاغل الليلي كالقراءة والتلهي بنظم الشعر أو على الأصح ما اصطلح الناس على تسميته بالشعر لتمييزه بأنه الكلام غير المألوف، وربما كانت طبيعة الوحدة، والشعور بالظلمة التامة، ويظهر أن وقتا كافيا للاعتياد لم يمر على هذه التجربة القاسية (١).
ويقول في الرسالة السابعة والعشرين:
لا تتأثري إنها النهاية الطبيعية لإنسان لم يسر على الطريقة التي يسير عليها الآخرون، بل ظل يحلم بأن يعلو على مستوى الطين والتراب ويخالف معرفته للحقيقة التي فهمها الجهلاء والأغبياء على الوجه السليم، لا تظني أنني أبكي بهذه الكلمات.
أني أضحك وأقهقه ساخرًا بنفسي لأني كنت الغبي الذى يتهمه الناس بالفطنة، والضحك بهذا الأسلوب هو العزاء الوحيد الذى بقي لي (٢).
والرسائل تتضمن أفكارا وآراء كثيرة تستوقف القارئ والمتأمل.
يقول في الرسالة الرابعة عشر:
إن غايات الحياة والعقل والقدرة لا تنتهى، وهذا ما يجعل الحياة تجددا مستمرا، ومتعة دائمة وأمجادًا مضيئة (٣) ويقول في الرسالة الثامنة:
إن شقاء الإنسان وعذابه ليس نتيجة لأخطائه، هناك أناس يخطئون دائما، ولا يفعلون إلا الخطأ ولكنهم لا يدفعون ثمن أخطائهم، ويعيشون في انفصال
стр. 472
عنها وعن تأثيراتها، وأناس لا يخطئون على الأقل لأنهم لا يجدون الوقت، ولا الإمكان للخطأ مع ذلك فهم في عذاب بأخطاء غيرهم، إن العاطفة البشرية أقل الأشياء أمانا وثباتا، ولاسيما عندما تتوهج انفعالاتنا بها. وفى هذه الرسالة كذلك يقول:
ما يعزينا أن الناس لا يموتون، ولاسيما عندما يفقدون حبهم، وإن العلاقات لا تنتهى إذا حدث إشكال.
إن الإنسان يعيش طويلا وهو يحمل مرض موته ويصارعه، والعلاقة تعيش بين قلبين متنافرين وربما يجئ ظرف يتغير فيه التنافر إلى حب (١)
وفى الرسالة العاشرة يقول:
لا تصدقي إن كلمة الطموح تعني شيئا من الجشع، وهو التطلع إلى المزيد .. إن مطالبنا في الحياة لا يمكن أن تريحنا ما لم نضع لها حدا بالبساطة والقناعة. أقول تريحنا لأن لاشئ يتعب ويجهد كالرغبة في المزيد هذا ينطبق على كل شيء.
أن طلب المزيد لا يحقق الأحلام بقدر ما يقضي عليها، يقضي عليها ليحلم بغيرها بما لم يتحقق بعد (٢) ويقول في الرسالة الحادية عشر.
عندما نفعل خيرا للغير ينبغي لنا أولا أن لا ننتظر أو نتقبل جزاء عليه من غير الله، وأن نحتمل ما يقابلنا من مكاره أقلها الجحود (سوء الجزاء) إلا إذا عافانا الله من التعرض لها إن احتمال مغارم الخير وما قد يجره علينا من البلاء مضاعفة لجزائنا عليه من الله (٣).
ويقول في الرسالة الثامنة عشر
هناك إشاعات يرفضها العقل تتوفر لها القدرة بإستمرار على قتل الحقائق وعلى
стр. 473
التشكيك في الواقع وتزييفه، وهي ليست أكثر من إشاعات ترفضها كل مقاييس العقل والمنطق والواقع الملموس.
يقول كذلك في هذه الرسالة:
كثير من الانتصارات باهظ التكاليف أكثر كثيرا من أية هزيمة. وفيها أيضا يقول.
إن بعض الظروف تضع الإنسان فجاة أمام مثير من نوع ما فتكون الاستجابة المتسرعة مانعة من صحة التقدير والتروى ولا غرابة في هذا (١).
ولقد كان حمزة يفكر في العودة إلى الحجاز ويبدوا أنه كان يتحدث بآماله هذه إلى شيرين حينما كانت معه في القاهرة ولا غرابة في هذا وقد عبر عن سعيه للهجرة إلى مصر والإقامة بها ثم سعيه للنزوح عنها والعودة إلى بلاده تعبيرا ساخرا طريفا في الرسالة السادسة عشر قال:
وصف مفكر الرجل الأمريكى من الطبقة العادية بأنه يقضى نصف عمره في الريف في محاولة الانتقال إلى المدينة، ويقضى النصف الآخر في محاولة العودة إلى الريف، وهذا بالضبط ماحدث لي ولم أعد بعد إلى الريف (٢).
إلى جانب رسائل إلى ابنتي شيرين كتاب آخر نشرته تهامة كذلك مشكورة لحمزة شحاتة، بعنوان رفات عقل، وهي عبارة عن مذكرات كان يكتبها حمزة لنفسه كما يقول الأستاذ عبد الحميد مشخص الذى استخلصها من بين أوراقه المتناثرة، وليست هي مذكرات بالمعنى الذى يسبق إلى ذهن القارئ لأنها عبارة عن أفكار وآراء في شكل مفكرات أو مذكرات يرجع إليها فيما بعد وحسنا فعل الأستاذ عبد الحميد مشخص بجمعها ونشرها، فهي تصور حمزة شحاتة الكاتب والمفكر ويفتتح حمزة الحديث في هذه المذكرات بسؤال عنوانه من أنا؟ فيقول:
يبدو لي أنني لم أستقبل حياتي منذ وعيت حتى هذه الساعة .. كنت أعيش
стр. 474
متأثرا بجملة الظروف والدوافع والمقاومات .. أسير .. وأتقهقر .. وأقف ..
وأحيانا أعدو بجنون. وحيث يتاح لي أن أتأمل ذاتي أرى أنني أداة تملى عليها مقدرات حركتها وسكونها، لم أشعر قط بتحرير إرادتي، وحين بدا للآخرين أنني اكتهلت بحكم السن، وإتساع أفق التجربة، وجدت أن ما يسمى الإرادة فينا، ليس إلا حاصل ظروف وعوامل ينسحق فيها ما هو ذاتي وداخلى تحت وطأة ماهو خارجي.
فإذا قلت الآن بصدق أنني أجهل من أنا .. أو ما أنا فلأنى لم أستقبل قط ما أستطيع أن أسميه حياتي ولكيلا يعتبر كلامي عن حياتى كلاما يكتنفه الغموض أقول .. إنني كنت كالجندي الذى قضى أيامه ولياليه في التدريب والاستعداد لمعركة لم يقدر له أن يخوضها، أو كالمتعلم الذى قضى شطر عمره للتخصص في مجال معين وقضى الشطر الثاني عاملا غير ثابت في كل مجال غير مجال تخصصه. هذا هو أنا، وهذا ما استقبله واستدبره من حياة هذا الإنسان (١).
ويقول تحت عنوان لم أنتم لأية مدرسة:
أحب أن أوضح أننى قرأت الكثير، كل شئ وصل إلى يدى .. تأثرت وانفعلت بكل ما كان له صدى في نفسي وفكرى ولم ألتزم منهجا معينا ففاتني التخصص في أي شئ، كما فاتنى الاحتراف.
ومنها يقول لم أمارس الأدب على أنه وسيلة، ولا على إنه غاية، وإنما كان تنفيسا عن شعورى بمرارة العيش وحرارة القلب (٢)
ويقول عن الأدب والمجتمع مايلي:
سيظل الأدب فنا قوامه الجمال والتأثير والفكرة والعاطفة وهدفه الإنسان متابعًا لتحولاته، قائدا لمشاعره، موجها لاهتماماته.
стр. 475
وفيها يقول: أن الإنسان هدف الوجود وغايته ومغزاه والإنسان وعلاقاته بالطبيعة مجتمعين أو متفرقين هدف الأديب والفنان. ومنها - والأدب في خدمة المجتمع لا يكون ولن يكون أدبًا متجردا من جمال الفن، وفن الجمال (١).
وقد تضمن كتاب رفات عقل المقدمة التي كتبها حمزة لكتاب شعراء الحجاز في العصر الحديث للمرحوم الأستاذ عبد السلام الساسي وفى هذه المقدمة يتحدث حمزة عن رأيه في الشعر وعن الفوارق بين الكاتب والخطيب والشاعر فيقول: والشاعر يستهدف ما شاء في حياة الفكر والخيال والشعور وحركة النفس وخلجاتها، واستجاباتها وحقائقها وأوهامها، أو في حياة الواقع والقانون والمنطق والقاعدة والعمل والتكوين والرأى والعقيدة ولكن من هذا السبيل، وبهذا الأسلوب سبيل الجمال وأسلوبه الخاص.
ويصف الشعر بأنه: الترف الحافل بمعاني القدرة المعبرة وذخائرها النفيسه في أبهى الحلل والأثواب حتى بساطته وهي أسمى صفاته وغاياته إنما تكون ترف البساطة الفنية بالمزخورات، لا فقرها العارى أو المتكلف.
ومنها - ولو سألنا الآن - ما هي أغراض الشعر لوجدنا أنها الجمال والتأثير وإبداع الصور واستعادتها لتوشيتها وجلائها، وتلوين الحقائق والأفكار أو صنعها أو صنعهما لا ما شاءت المذاهب والطاقات والكتاب يضم قصائد لثلاثين شاعرا حجازيا يقول حمزة عنهم في هذه المقدمة:
وبعد فإن من شعراء هذه المجموعة من لا يفخر الحجاز وحده بهم ويتيه، بل كل بلد عربى وهم السرحان وعواد وقنديل وحسين عرب وإشباههم في معظم السمات وفى بعضها دون جملتها.
ومنهم من يستحق الرثاء، ومنهم مستوجب التعزير حتى يعلن التوبة عن رفع عقيرته يمثل هذا الهراء ظنه شعرا فأفسد به أو كاد جو هذه المجموعة الرقيق حتى
стр. 476
أوشك أن يتحول به إلى جو مظاهرة من المظاهرات التي يغلب عليها عنصر الرعاع والدهماء (١).
ويتحدث عن القديم والجديد فيقول:
التزام القديم هروب طبيعى من مشقات الجديد، ولكن من حسن الحظ أن الحياة هي التي تتولى دائما دفع الإنسان إلى الإمام مكرها كان أو راضيا. إن الشعوب التي تتوقف عن السير مع تيار الحياة والتغيير تضطر بعد إلى أن تعدوا لاهثة بجنون لكي تعوض ما فاتها من الوقت وفى هذا العَدْو الاضطرارى مزالق الخطأ وكبواته (٢).
وهذه مقتطفات أخرى نختتم بها هذه المقتبسات:
الذى يسيء إلى من أحسن إليه ليس شريرا .. أنما هو نذل.
إذا كان الطعام ردئيا أو قليلا تنعدم المجاملات على المائدة.
إن للنذل ضميره أيضا .. ولكنهما دائما على وفاق.
العمل لا يقتل مهما كان شاقا وقاسيا ولكن الفراغ يقتل حتى أنبل ما في الإنسان.
إن من لا يندفع إلى الأمام. يدفعة تيار الحياة إلى الوراء.
أن الفاقه تقتل أشرف الدواعى في النفس.
لو كان للتاريخ أن يسألنا ماذا تنتظرون؟ لقلنا المعجزة وهذا صحيح ولكن أتراه ميسورا (٣).
وهناك كتاب ثالث أصدرته تهامة لحمزة شحاتة بعنوان - الرجولة عماد الخلق الفاضل - وهذا الكتاب عبارة عن محاضرة طويلة ألقاها حمزة يرحمه الله في مقر جمعية
стр. 477
الإسعاف الخيرى بمكة المكرمة في شهر ذى الحجة عام ١٣٥٩ (١) وأستطيع أن أقول إني عايشت كتابة هذه المحاضرة أو على الأصح هذا البحث القيم، كما استمعت إليها مع الجمهور الذى حضر لاستماعها وكان حمزة يرحمه الله يشكو ألمًا في الحلق قبل إلقاء المحاضرة بيوم وقد عرض علي أن ألقيها نيابة عنه فاعتبرتها مزحة من مزحاته، وقد ألقاها واستغرق إلقاؤها أربع ساعات كما يقول الأستاذ عزيز ضياء مقدم الكتاب، وكان الشيخ محمد سرور رئيس جمعية الإسعاف يفضل لو أن حمزة جزأها وألقاها في عدة محاضرات بدلا من محاضرة واحدة لأن الوقت طال فعلا وهو يتكلم ولكن أحدا من الحاضرين لم يترك المكان أو الاستماع.
على أي حال إن القارئ لهذا الكتاب يشعر أنه أكثر من محاضرة تلقى في مكان عام يحضره جمهور متفاوت الثقافة والفهم والذوق، ولقد أحسنت تهامة بإصدار هذه المحاضرة في كتاب فهو للقراءة المتأملة المتأنية، وليس للإلقاء في حشد من الناس، ولو حاولت أن أصور المحاضرة أو ألخصها لما استطعت ولجاء هذا التصوير أو التلخيص في صورة مبتورة لا أرضى عنها ولا يرضى عنها أحد لهذا فإنني انصح القراء بقراءتها قراءة متأنيه والتأمل في معانيها في هدوء وأكتفى بأن أقتبس نتفا صغيرة منها وأنا أحذر القارئ سلفا وأعترف له بأنها لا تهدف إلى شيء أكثر من تشويقه إلى هذه القراءة وتحبيبه فيها فلنبدأ الاقتباس وأمرنا إلى الله - يقول الكتاب:
لا تكون النظرة إلى حقائق الحياة والفكر خالصة، إلا من أناس يرون أنفسهم فوق قيودها وقوالبها وهؤلاء يدعون بالمجانين تارة، وبالفلاسفة وقادة الفكر تارة، لأن حظ الصفات والمبادئ والنزعات يرتبط بحظ الداعين إليها والمتصفين بها من الإنجاح والفشل.
ويقول: ونحن نحلم بالقمم الشامخة، ولكنا نرجو أن نصحح مقياسا من
стр. 478
مقاييسنا الفكرية ولو بالشك فيه، لأن الركود في تاريخ أمة تتطلع إلى ما وراء حدودها الجامدة شر من الخطأ.
ويقول كذلك:
والإيمان بالفضيلة قديم، كما أن الكفر بالرذيلة قديم، والحرب بينهما لا تزال قائمة، ما تهدأ لها ثائرة وهي سجال بينهما، ميدانها النفس الإنسانية تارة ومجال الحياة الظاهرة تارة أخرى وستبقى سجالا هكذا إلا إن أراد الله، فإذا انهزمت الرذيلة في مجال الحياة الظاهر لم تنهزم في مجالها الباطن فعرشها ما يزال موطد الأركان في النفوس.
ثم يقول: ولا مراء في أن الإيمان الكامل الصحيح بالفضيلة معرفة وعمل تقتضيه هذه المعرفة وإرادة وحرية.
ويقول أيضا:
وحب الوطن فضيلة ولا شك، هو فضيلة المتوحش والهمجى والاجتماعى والمتمدن وفضيلة قد تتسع وتمتد حتى تكون أساسا لحب الموطن العام للبشرية كما كان حب المأوى الخاص أساسا لحب الموطن الجماعى فالموطن القومي فهل كان أساسها إلا الضرورة؟ وهل كان الوطن عند الإنسان القديم إلا هذه المعاني وإلا قرابة مدلولاتها من حياته؟
ويقول كذلك:
كان الناس يتحاربون على سطح الأرض، صاروا يتحاربون في أعماق البحار وفى أجواء الفضاء.
كانوا يفتتحون المدن بالقوة، صاروا يفتتحونها، ويفتتحون النفوس والأفكار بتسميم عقائدها بالدعاية.
كانت الحرب حرب أجساد، صارت حرب أعصاب وعقول وأفكار، ليس هذا هو الفارق بين الأمس واليوم إنما هو الفارق بين إنسان الأمس وإنسان اليوم.
تقدم الذكاء والعقل والعلم، هزم القوانين المسلحة وهزأ بها لأنه أقوى منها.
стр. 479
ويقل أيضا:
كانت في حياة محمد ﷺ تضحية صادقة إلى آخر حدود طاقة النفس الإنسانية واحتمالها. كانت حياء يدفع الناس ألَّا ينهزموا في مواطن الجهاد، أمام الكثرة وأمام الموت المحقق كانت حياء لا يترك الغنى يأكل حتى يشبع الضعيف. وكانت مثلا أعلى تضربه قطعة لحم كما تضربه قافلة ضخمة يجلبها عثمان للتجارة فينفقها للحياء.
قطعة من لحم تطوف على بيوت الأنصار والمهاجرين مطافها الطويل حتى تعود إلى الأول، وكانت مثلا تضربه شربة ماء يدفحها جريح يعالج سكرات الموت، يستحي أن يشرب وهو يسمع أنين أخيه الجريح فيقول حياؤه ربما كان أحوج إليها مني فتدور يدفعها جريح إلى جريح حتى تعود إلى دافعها فإذا هو قد مات وإذا هم قد ماتو.
وأمسك عن الاقتباس بعد هذا الإبداع الذى نقلت إليكم صورة باهتة منه لتقرأوا بأعينكم وتستمتعو بقلوبكم.
أن كتاب الرجولة عماد الخلق الفاضل يمثل حمزة شحاتة كاتبا مفكرا رائع الأسلوب بعيد الغور ثاقب النظرات فإذا أردتم أن تعرفوا حمزة شحاتة الكاتب المفكر فاقرأوا هذا الكتاب.
ونكتفى الآن عن نثر حمزة شحاتة بما كتبناه عن رسائله ومذكراته وكتابه الأخير لنفتتح الحديث عن شعره وهو في القمة ليس بين شعراء بلادنا وحسب ولكن بين شعراء العرب في الوطني العربى كله.
стр. 480
حمزة شحاتة الشاعر
عرفت حمزة شحاتة في أواخر الأربعينات وكان يومها في العشرين من عمره وكان في هذه السن الباكرة شاعرا مرموقا يحتل مكانه بين كبار الشعراء في الحجاز وقد أطلعنى حمزة على قصائد له نظمت قبل ذلك بسنوات وهي في نفس المستوى العالي الذى عرف به شعره فيما بعد، لقد ذكرت في تراجمى لكثير من الأعلام أن بداياتهم دائما كانت تبشر بالإجادة والإبداع، أما حمزة فكان الإبداع سمته البارزة مند أن عرف الناس شعره، فهل أخفى هو ما لا يرتضيه من بداياته حتى يظهر للناس بالصورة المشرقة التي أراد بها أن يواجه الناس؟
أن كان ذلك فهو دليل جديد على تمكن حمزة من ناحية الفن الذى يزاوله فلا يطلع الناس منه إلا على الجودة والإبداع.
لقد تأخرت في الكتابة عن حمزة لأني لم أجد المراجع التي أرجع إليها بالنسبة لشعره، فلقد كان كلما نشر في حياته بعض القصائد المتداولة والتى سجلت في بعض المراجع ولكنها لا تطفئ الغلة لمن يعرف مقدار ما نظم من الشعر وخاصة بعد رحيله إلى القاهرة وبقائه بها السنوات الطوال.
والقصائد الوحيدة التي نشرت بانتظام كانت هي المباراة الشعرية التي حدثت بينه وبين الأستاذ محمد حسن عواد في صوت الحجاز والتى سنتحدث عنها حديثا مستقلا فيما بعد.
وهذه المجموعة على تعدد القصائد فيها وكثرة تعداد أبياتها لا تمثل إلا جانبا واحدا من الجوانب الشعرية لحمزة، وهو متعدد الجوانب فالحديث عنها لا يكون إلا حديثا مبتورا، لهذا فأني لجأت إلى الصديق الشيخ محمد نور جمجوم رجل الأعمال المعروف وهو صديق عمر الشاعر وصفيه ووصيه بعد وفاته لجأت إليه حيت علمت إنه يحتفظ لديه بمجموعة كبيرة من قصائد حمزة شحاتة، وكان الشيخ محمد نور جمجوم عند حسن الظن به فوضع بين يدي المجموعة الكاملة لشعر حمزة شحاتة وأضاف إليها القصائد المطبوعة بعد وفاته بعنوان "شجون لا تنتهى" وكذلك بعض
стр. 481
المؤلفات التي سجلت بعض قصائد حمزة، وكان لاطلاعى على المجموعة المكتوبة بخط الشاعر أكبر الأثر في تشجيعى على إظهار ترجمته وهي تحمل صورة لا أقول كاملة ولكني أرجو أن تكون وافية بإذن الله.
وقبل كل هذا أود أن أذكر أن صديقنا الشيخ محمد نور جمجوم باحتفاظه بهذه الثروة الشعرية ومحافظته عليها طيلة هذه العقود من السنين قد أسدى يدا عظيمة للشعر في هذه البلاد سيذكرها له المعنيون بتاريخ الأدب والشعر وخاصة حينما يظهرها إلى النور مجموعة بين دفتي كتاب كبير بإذن الله، والآن فلنفتتح صفحات هذا الكتاب أو هذه المجموعة التي ستكون كتابا لنختار من هذه العقود الثمينة بعض اللآلئ التي نتحف بها القراء، من هذا الكنز المخبوء.
نظم حمزة في فنون الشعر المختلفة وأبدع فيها أيما إبداع، والقارئ لمجموعة أشعاره يخرج بانطباع يصورا الشاعر متشائما بالحياة، هازئا بما اصطلح الناس على الاحتفال به والتطلع إليه حتى ليذكرك بالمعرى.
ما أرى في البقاء إلا علالات خيال مآلها التنغيص
والردى صائد النفوس فما فر كناس منه ولم ينج عيص
فعلام العناء يضني المجدين ويصلاه طاعم وخميص
يا لها رحلة برانا بها الجهد ولكن قد عز فيها النكوص
هذه زفرة متشائمة يرى فيها الشاعر أن لا جدوى من السعي في هذه الحياة والعناء فيها فالردى بالمرصاد لم ينج منه كبير ولا صغير.
ولكن متى وصل الشاعر إلى هذا، أنه جدَّ وكافح فلم يصل به السعي إلى نيل ما يريد.
قطعنا سبيل الغمر جهدا وراحة … نروم منى ضنت بهن العواقب
فها نحن والآمال رهن مصيرها … فلول روت مأساتهن الغياهب
ومنها
شقينا بما قد كان في مشرق الصبا … فها نحن في ما كان والعمر غارب
стр. 482
مرامي نضال طول الايْن عمرها … فطالت به آصارنا والمتاعب
إلى أين لا تدري وقد أبهم السرى … سوى أنَّ وهمًا في الدجنة ضارب
وفيم وغايات لمساعي موارد … تطيب بها للناعمين المشارب
ويختتم هذه القصيدة بهذا البيت:
وتقضى بما تلقى نفوس كريمة … وتدفن في ظل الخمول مواهب
وهذه قصيدة أخرى تذكرنا بأبي العلا كذلك
علام بكى الباكون في الحيِّ هالكا … وكل وجود شعلة سوف تطفأ
وهل يعقل المفجوع في غمرة الأسى … مقالك أن الصبر للحزن تطفأ
إلا ربَّ شاك من مساءة يومه … تطامن لليوم الذى هو أسوأ
تنبأت بالأحداث قبل وقوعها … فما حاطني مما حذرت التنبؤ
ومنها
تسائلني كيف انتهيت إلى الرضا … وما علمت أن العزائم تصدأ
أهبت بعزمي فاستجاب فردني … لسالف طوارى حياء ومبدأ
تشبهت بالساعين عزما واهبة … فأخرني أني عجلت وابطأوا
ومنها:
رأيت دروب العيش شتى لمن وعى … مسالكها واحترت من أين أبدأ
وقد حَظِيَ اللاهون بالصيت والغنى … فشادوا وسادوا وانتشوا وتبوأوا
وهذه قصيدة عنوانها إلى صديق
من ذاكر العهد إلى ذاكر … تحية الشاعر للشاعر
فيها الهوى الماضي بآثاره … مكتومها المطويِّ والظاهر
والود والصدق وذكرى المنى … في يومنا أو أمسنا الغابر
стр. 483
ومنها:
تحية الباكي على ما مضى … والهازئ الكافر بالحاضر
تؤوده أعباء إحساسه … مما يرى في كونه السادر
من صور العيش وأسراره … أعيت على القائف والزاجر
مكرورة في أبد آبد … مطوية في لجه الزاخر
من أين؟ لا تدرى وحتى متى؟ … وأين مرسى فلكها الحائر
ما هي؟ ما الغاية من قذفها … على متون الثبج الثائر
ومنها:
تحية المفجوع في قلبه … وفكره وحظه العاثر
عاف الهوى والحسن مذ جافيا … إيمانه بالخلق الطاهر
وجانب الناس لما هاله … من شبه الفاضل بالفاجر
ويقول أخيرا
تحية الشاكي إلى مثله … والساهر المكدود للساهر
عاشا على ضنك سواء فما … هانا لمستعل ولا هاجر
حالاهما حال على سوئها … خليقة بالفخر من فاخر
وحلقا في الجو لم يعبآ … بجارح ينقض أو كاسر
ونكتفي بما أوردناه من هذه الصور المتشائمة لننتقل إلى صور أكثر إشراقا وأوفر بهجة تتجلى في شعره الغزلى الرائع.
يقول في قصيدة بعنوان نفيسه وهي من شعره في المهجر - في مصر -:
الهمت والحب وحمي يوم لقياك … رسالة الحسن فاضت من محياك
من أين يا أفقي السامي طلعت بها … حقيقة ما اجتلاها النور لولاك
стр. 484
كانت بنفسي وقد طال المدى حلما … فصورته لعينى اليوم عيناك
لم أشهد الحسن يبدو قبل مولدها … إلا صناعة أصباغ وأشراك
حتى برزت به في ظل معجزة … يضاعف الصدق معناها بمعناك
ومنها:
يا شاطئ النيل ما فاضت شواطئه … سكرا وعربدةً ألا ليلقاك
ولا استهل شراع فوق صفحته … مغالبا وجده الا ليلقاك
ولا سرت عبر مجراه نسائمه … إلا لتلثم في صمت الدجى فاك
ولا تنفَّس فجر في خمائله … إلا ليملأ عينيه بمرآك
ومنها:
يا منحة النيل يا أحلى روائعه … هل أنت من سحره أم قد تبناك
وهل ترعرعت طفلا في معابده … أم كاهن في ربا سيناء ربَّاك
أم كنت لؤلؤه في يمّه سحرت … فصاغك اليمَّ مخلوقا وأنشاك
أم أنت حورية ضاقت بموطنها … فهاجرته صنيع المضنك الشاكي
أم أنت روح ملاك حلَّ في امرأة … فخافك الملأ الأعلى فأقصاك
فضمَّك النيل في رفق فهمت به … حبا ووثَّقت نجواه بنجواك
ومنها:
يا فجر يا بدر يا زهر المنى ابتسمت … يا خمر يا جمر في إحساسي الذاكي
ما كنت قبلك إلا صادحا صمتت … به الهموم فلما لحت غنَّاك
ومنها:
الحب قلبان في مسراهما التقيا … فكيف الزمنى قيدى وخلَّاك
وفيم انفذ في قلبي إرادته … وقادني لمصيرى إذ تحاماك
لم يعطني منك إلا الحسن همت به … حتى استردك غيْر أنا وحاباك
стр. 485
وأين قلبك لم أسمع لخفقته … صدى ألم يعنه أني معنَّاك
ومنها:
يا بنت حواء هل بالدنِّ باقية … تغني فيشربها من ليس ينساك
فقد حملت غليل الوجد مرتضيا … نعماك ودا فلم أظفر بنعماك
اظمأتني وصرفت الكأس ظالمة … عني بثغر على الحالين ضحاك
ومنها:
طامنت من كبريائي فيك فاحتكمي … فالحب أرخص من قدرى وأغلاك
أنت الحياة بلونيها محببة … فما أرقك في نفسي وأقساك
فليت لي منك بالدنيا وما وسعت … يوما تجود به للوصل مسراك
والقصيدة طويلة تبلغ المائة بيت أو تزيد وكلها من هذا النسق العالي عاطفة ثائرة متدفقة، وديباجة مشرقة ناصعة وتسلسلا عذبا كالغدير الصافي لا تصدمك فيه لفظة موحشة أو كلمة نابية أو معنى دخيل وفوق كل هذا وذاك تحس فيه بهذا الوهج الذى يصهر القلب، ويثير العاطفة ويسيطر على الإحساس وهذا هو الشعر في صورته الرفيعة الحافلة بالجمال.
حمزة وقنديل
وهذه قصيدة أخرى بعنوان "لم أهواك" ولهذه القصيدة قصة يحسن بنا أن نذكرها فقد نشر الشاعر الأستاذ أحمد قنديل يرحمه الله قصيدة في صوت الحجاز بعنوان - "مالذي فيك" ومطلعها:
مالذي فيك يا معيدا إلى القلب صباه من بعد أن عاد كهلا
وهي من غرر شعر القنديل وقرأها حمزة وأعجب بها أيما إعجاب وكأنما كان هذا الإعجاب بالقصيدة وما تضمنته من المعاني الجميلة الرائعة باعثا له على نظم قصيدة لم أهواك ومطلعها:
стр. 486
يا حبيبي يا ملتقى السحر والفتنة … يا غالبي على أمر نفسي
لم كانت ولا أسومك لوما … قسمتي في هواك قسمة وكسى
الانى آثرت في حبك القاهر … عزى ذهبت تطلب تعسى
ثم يتساءل:
لم أهواك؟ أيها المفعم النفس شجونا وحيرة وشقاء
الحسن؟ فالحسن في البدر والزهرة أندى وقعا وأضفى رواء
أم لمعنى شفت مفاتنك العذبة عنه فكاد أن يتراءى
فالمعاني في الكون ليست على الإنسان وقفا إلا هوى ودعاء
ومنها:
فتراها في قطعة الأرض والصخرة شعرا لم يبله الترديد
وتراها في نامة الظبي للظبية سحرا يبدى وحبا يعيد
وتراها فيما ترى من جميل … وقبيح وهين وعظيم
صورا حية يناجيك منها … ألف وجه من كالح ووسيم
كل وجه دنيا بتاريخه النابض … تصبي بحادث وقديم
وفضاء لا يعرف الحد والقيد … ولا وغرة الضنى والسهوم
ومنها:
أتراني أهواك حقا؟ فما فيك لمثلي معنى يمازج حسي
أم تراني اهواك زورا؟ فلم يصبح قلبي على هواك ويمسى
أم تراني أحب فيك وما أشعر نفسي وأنت عندى نفسي
لأنا منك في سبيل من الحيرة … تضني عقلي وتثقل حدسي
والقصيدة طويلة في أكثر من ستين بيتا وهي حافلة بهذه المعاني التي يتساءل فيها الشاعر لم يهوى حبيبه ويدفعه هذا التساؤل إلى الشك ولكن الإحساس الذى
стр. 487
يعانيه يرده إلى دنيا الواقع وبين هذا الشك وتساؤلاته، والواقع وإحساساته تتجلى هذه الروائع التي أبدعها الشاعر فنا معجبا وشعرا مطربا يشرق فيه الفكر، كما تشرق فيه العاطفة أيما إشراق.
وما دمنا نتحدث عن علاقة القنديل بحمزة وهما صديقان حميمان جمعت بينهما الصداقة في آواخر الأربعينات فهناك قصيدة أخرى لحمزة أو على الأصح قصيدة للقنديل أوحت إلى حمزة بنظم قصيدة من أجمل قصائده، هذه القصيدة هي قصيدة جدة وهي من مشهور شعر حمزة، وقد سجلت بعض أبياتها في نصب في مغنى الكورنيش على ساحل البحر الأحمر في جدة.
أما قصيدة قنديل فقد نشرت كذلك في صوت الحجاز وأعجب بها حمزة فكانت سببا في إظهار رائعته الشهيرة عن جدة. وقصيدة قنديل مطلعها:
لك يا جدة الحبيبة في القلب مكان محبب مألوف
طار فيه صدى الجديدين بالأمس وما زالت الحياة تطوف
أما قصيدة حمزة فمطلعها:
النهى بين شاطئيك غريق … والهوى فيك حالم ما يفيق
ورؤى الحب في رحابك شتى … يستفزُّ الأسير منها الطليق
ومعانيك في النفوس الصديَّات … إلى ريِّها المنيع رحيق
سحرته مشابه منك للخلد … ومعنى من حسنه مسروق
كم يكرَّ الزمان متئد الخطو … وغصن الصبا عليك وريق
هذا وإني لأخشى أن الاقتباس هنا يفسد تسلسل المعنى فالقصيدة وحدة كاملة مترابطة الأجزاء ولوتركت لنفسي لأثبتها كاملة ولست أقصد لهذا وإنما أنا أرمي إلى إعطاء القارئ صورة مصغرة عنها فليرجع إليها كاملة من أراد الاستمتاع حقا بما فيها من المعاني والصور الرائعة.
ومنها
أنت دنياي رفافة بمنى الروح … وكونٌ بالمعجزات نطوق
стр. 488
رضى القيد في حماك فؤاد … عاش كالطير دأبه التحليق
ما تصبته قبل حبك يا جدة … دنيا بسحرها أو عشيق
حبذا الأسر في هواك حبيبا … بهوى الفكر والمنى ما يفيق
منهجى فيه منهج الطائر الآلف … ينزوا به الجناح المشوق
فإذا همَّ اشغلته فروض … من هواه واثقلته حقوق
وهذا معنى جديد في حب الوطن صاغه الشاعر في هذه الصورة البارعة الساحرة تابى طبيعة مزاج الشاعر إلا أن تظهر في هذه القصيدة كما تظهر في كل شعره فيقول:
كم معنى مثلي يطارحك الحب … فينبو به السبيل الزليق
ودعيٌّ يصطك في فمه القول … عثارا مكانه مرموق
أمن العدل أن يشاركني فيك … جبان عما اريغ فروق
وقصاراه في هواك هوانا … أمل ضارع ووجه صفيق
لا تلومي على عتابك حرًّا … قلبه منك بالجراح شريق
والقصيدة كذلك في نحو ستين بيتا وهي من أروع الشعر وأعذبه، وأودُّ هنا أن أنبه القارئ إلى أن مجاراة شاعر لشاعر في النظم في موضوع معين لا يعيب الشاعر ولا ينقص من مكانته، فالشعر فن يتصل بالعاطفة في صورها المختلفة وقد يتفق الشعراء في المعانى بل وفى الألفاظ وفى الموسيقية الشعرية ولكن هذا لا يقدح في قدراتهم وللنقاد مقاييس يلجأون إليها في هذه المواقف ليس هنا مكان بسطها، وبالنسبة للشاعرين فكلاهما عبر عن الموضوع بإسلوبه الخاص، وهو أسلوب متميز عن أسلوب الآخر، وقد تصرف حمزة في كلا الحالتين تصرف الشاعر القادر المتمكن، ولقد كان شوقي يعارض قدامى الشعراء في روائعهم فينسج قصائده على مثل القافية والوزن، وقال الرافعى ﵀ واصفا ذلك من شوقي فأراهم غباره ووليَّ ولكنه وقف عند المتنبي، وقول الرافعى هذا كان في مجال الأكبار لما صنع شوقي وليس في مقام الأزراء عليه.
стр. 489
ونكمل الآن حديثنا عن حمزة والقنديل بالشعر الضاحك الذى اشتهر به قنديل فنقول إن حمزة نظم هذا الشعر ولكنه احتفظ فيه باللفظ الفصيح ولم يلجأ إلى اللهجة العامية كما فعل قنديل وأذكر هنا بعضا من قصائده التي عثرت عليها في هذه المجموعة التي تصور هذا النوع من الشعر الضحاك ولكني أنقل هنا من كتابي أعلام الحجاز ما ذكرته عن بداية قنديل في نظم هذا الشعر وعن القصيدة التي نظمها حمزة منه في مناسبة من المناسبات، كانت دار الهلال في القاهرة تصدر مجلة أسبوعية اسمها الفكاهة وهي مجلة فكاهية كما يدل عليها اسمها، وكان يتولى رئاسة تحريرها الأستاذ حسين شفيق المصرى وهو شاعر مجيد وزجال مصرى معروف، وكان الأستاذ حسين شفيق فيما أعرف هو أول من نشر الشعر الضاحك في أسلوب عامي، ولكن هذا الشعر العامي كان يحتفظ بالوزن والقافية، وكانت الطريقة أنه يفتتح القصيدة بمطلع قصيدة من عيون الشعر العربى القديم ثم ينسج على منوالها كلاما موزونا مقفى تختلط فيه العامية بالعربية الفصحى وكانت مواضيع هذا الشعر دائما انتقادية ولكنها في أسلوب فكاهي مقبول، وكنا نجتمع في مكة المكرمة مع الأستاذين حمزة شحاتة وأحمد قنديل رحمهما الله وجاء يوما ذكر هذا الشعر الذى كان يسميه الأستاذ حسين شفيق المصرى الشعر الحلمنتيشي - فسأل حمزة قنديل أن كان يستطيع النظم على هذا النسق فأجاب قنديل بالإيجاب وفى اليوم التالي بدأت المحاولات الأولى للقنديل في هذا الشعر وكانت موفقة جدا وما هي إلا فترة بسيطة حتى بدأ القنديل في نشرها في صوت الحجاز ووجدت صدى شعبيا واسعا واستقبالا حسنا .. الخ
ثم قلت بعد ذلك ولعل معظم القراء بل والأدباء لا يعرفون أن المرحوم الأستاذ حمزة شحاتة ينظم هذا الشعر ولكنه لم يستمر عليه، وإنما نظمه مرة واحدة أو مرتين وله قصيدة جميلة أذكر بعض أبياتها فيما بعد، وهذه القصيدة لها قصة لا بأس من إيرادها، فقد عُلم أن العراق سيرسل بعثة كشافة إلى المدينة المنورة ومكة، ولعل ذلك في زمن الحج وارادت الحكومة أن تكرم كشافة العراق فأعدت لهم برنامجا
стр. 490
حافلا كان من ضمنه إقامة حفل تكريم لهم في جدة وتولى الأخ الشيخ محمد عبد الله رضا يومها أمر ترتيب هذا الحفل الشعبي فأرسل دعوة إلى شباب مدينة جدة للحضور إلى منزله ودعاهم للتبرع لإقامة هذا الحفل، ولكن المرحوم حمزة شحاتة لم يدع إلى هذا الاجتماع مع أننا كنا جميعا على علم بالحفل الذى كان سيقام في بيت نصيف، وكان صديقنا المرحوم الأستاذ حسين محمد نصيف - مؤلف كتاب ماضي الحجاز وحاضره - يخبرنا يوميا عن هذا الحفل ويحثنا على الحضور فيه، وغضب حمزة لعدم دعوته من قبل الشيخ محمد عبد الله رضا فأنشأ قصيدة ضاحكة صور فيها ما وقع من المجتمعين للتبرع في أسلوب ضاحك جميل والقصيدة أخذ مطلعها من قصيدة أبي تمام المشهورة:
بسيفك يعلو الحق والحق أغلب … ويضرب سيف الله أيان تضرب
وبالأمس قد أرسلت حتة دعوة … إلى فتية بالصالحات تحزبوا
فلم تك إلا ساعة أو دقيقة … تجاروا سراعا بعدها وتكركبوا
ومنها يصف كيف حاول المجتمعون الهرب حينما علموا أن عليهم التبرع للحفل:
وبصوا إلى الباب الكبير ليهربوا … ولكن باب الدارما منه مهرب
لأن حواليه الحضارم وقَّفٌ … وفى يد كل منهمو كان شبشب
ثم يصف ملابسات التبرع
فقام فتى منهم حريئ حجنجل … فجاد بربع ريال فانبروا وتعجبوا
وقالوا استحى ياسي فلان فإنه … قليل ومن يكتب قليلا يؤنب
فقال لهم ليش نسبتي تقتضى كدا … فإن راقكم قولي وإلا فاحسبوا
فبان حماس فوق وجه زعيمهم … فسجل عشرينا وقد كاد يغضب
والقصة أن المرحوم الأستاذ محمد لارى - والد الأستاذ رضا محمد لارى - كان من ضمن من حضروا الاجتماع فجاد بربع ريال فقال المجتمعون أنه قليل فقال
стр. 491
لهم أنه ليس قليلا بالنسبة لما تبرع به الشيخ محمد رضا فتحمس الداعي وسجل عشرين ريالا أخرى وسواء أكانت القصة حقيقية أم من خيال الأستاذ حمزة ﵀ وأغلب الظن أنها حقيقية فإن إيرادها على هذا النحو في هذا الشعر الضاحك كان مناسبة يتفكه بها مجتمع جدة كلها، فكاهة تخلو من الحرج والبذاء (١) وهنا قصيدة تبدأ بهذه الأبيات:
ماذا وقوفك بالأطلال والدمن … موزع النفس بين الشعر والشجن
يرمي بك الوجد في صحراء مجدبة … طوت حياتك طي البحر للسفن
تهيم فيها شريدًا لا قرار له … وترسل الدمع مدرارا بلا ثمن
ثم يقول بعدها
(بعزقت) عمرك لا الأحباب منك دنوا … ولا بلغت مكانا في ذوى الفطن
الكاسبين ملا يينا وما كدحوا … وأنت في قفص من عقلك الزِّمن
تمرجلوا واستغلوا كل سانحة … من المصالح في سرٍّ وفى علن
وقدت انت رعيل الفن متكئا … على مبادئ سقراط واهر من
ومنها:
وكان درسك فيها لو فطنت له … درسا تفيق به من سكرة الوسن
إذ قام يصرخ والملقاط في يده … كالسيف يهتز في كف بن ذى يزن
وجاء من كركون الريع ضابطه … على الزعيق وحشد من ذوى حسن
وكان يوما تشاطرناه بهدلة … وكنت فيه وحدى دافع الشلن
كيوم وقعتنا بعد الغداء على … قرشين لم يدفعا في مطعم البُيِنِ
خرجت فيه بلوح الكتف منخلعا … ورحت خلفك فيه دارم الأذن
стр. 492
تجاربٌ وحشة خضنا معاركها … وكان شعرك فيه مصدر المحن
اما لنا غير قرض الشعر مشغله … نقضى بها فضل عمرينا على سنن
إلا وظيفة نرجوها ولو صغرت … نقضي بها دين راعي العيش واللبن
ونستردُّ بها في الناس سمعتنا … بعد الضياع بلا شعر ولا سفن
وحسبنا ما لقينا من بهادلها … وأنها مهنة من أخسر المهن
ويقول في آخرها
فما وراءك إلا النحس ملتطم … الأمواج في دهمل ارطالا ودهملني
وأيه لزوم كلامي منت عارفه … مذ ضاع عمرك بين الشام واليمن
وداب ضهرك بين الآخذين به … رقعا تمثَّلت فيه لعبة الأنِنِ
قد شدتها من صميم الفن أبنية … فهل بنيت بها حوشا من اللبن
بل نمت في دكة الزيدان منطرحا … على البلاط طوال الصيف كالورن
لا انت ضيف فيرجى يوم رحلته … ولا انت في نفقات البيت ذا شطن
وزغت من فندق التيسير لا هربا … من نامس الليل بل من اجرة السكن
باظت حياتك ماضيها وحاضرها … ما دام شعرك فيها عقدة الكفن
وخضت من غمرات الصبر أحلكها … في قهوة السد أو فى مقعد اللبني
والقصيدة كما يرى القارئ صورة لشاعرين صديقين يندبان حظهما العاثر بعد أن صفرت أيديهما من المال، كما خلت أوقاتهما من العمل، وكيف تعرضا للفضائح في مركز الشرطة بالريع - والريع كما لابد وأن يعلم القارئ هو باب الريع في مدينة الطائف وهو مسرح هذه القصيدة أما المعركة التي تعرضا فيها لخلع الكتف وورم الأذن فهى في مطعم بُينُ وبُينُ هذا كما لابد أن يعلم القارئ صاحب مطعم شهير للأكل الجاوى في مكة المكرمة أما الأنن الذى ورد في البيت:
وداب صهرك بين الآخذين به … رقعا تمثلت فيه لعبة الانن
الأنَنِ هذه لعبة شعبية يغمض فيها أحد اللاعبين عينيه، ويضربه أحد اللاعبين حوله وعليه أن يمسك اليد التي صفعته أو على الأقل يميزها فإن اهتدى إليه حل
стр. 493
الضارب محله وإذا فتح المضروب عينيه هز الجميع حوله أياديهم وهم يقولون إننن، إننن أما الزيدان فهو صديقنا الكاتب والمؤرخ الأستاذ محمد حسين زيدان والمعروف للجميع وكان له منزل قروى في مدينة الطائف ولعلهما كانا ضيفين عليه.
أقول والقصيدة كما ترى فصيحة في جملة تعابيرها بإستثناء بعض الألفاظ التي وضعناها بين قوسين والفارق بين ما نظمه قنديل من الشعر الضاحك أن قصائد قنديل تغلب عليها العامية ألفاظا ومصطلحات وأمثالا، بينما يحتفظ حمزة بالألفاظ الفصيحة .. باستثناء بعض الكلمات وعلى أى حال فإن ما نظمه حمزة من هذا النوع من الشعر لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة عددا بينما أن قنديل نظم الكثير من هذه القصائد والرباعيات حتى أصبحت له دواوين كاملة منها.
стр. 494
حمزة شحاتة والعواد
المعركة الشعرية العظيمة التي دارت بين الشاعرين حمزة شحاتة والعواد في النصف الثانى من الخمسينات أو في أوائل الستينات أن لم تخنى الذاكرة معروفة في أوساط الأدباء، دارت رحى هذه المعركة على صفحات جريدة صوت الحجاز قصائد شعرية تبادلها الطرفان بعد أن رمز كل منها لنفسه باسم مستعار أخذ حمزة لنفسه اسم الليل رمزا واتخذ العواد لنفسه اسم الساحر العظيم رمزا وبدأت المعركة بقصائد رمزية ينتصر فيها كل منهما لنفسه تحت ستار الحرب بين عناصر الطبيعة وما إليها وقد تحولت المعركة بعد ذلك إلى هجاء مقذع تناول الأعراض ولم يكن ينشر بصحيفة صوت الحجاز وإنما كان يكتب باليد ويوزع على أحياء مكة (١) ونواديها وشاع أمر هذا الهجاء وذاع حتى بلغ إلى سمع المعنيين في الحكومة فخاف الشاعران وطوى كل منهما هذه الصفحة السوداء بعد أن انزلق معهما في هذا الطريق الأستاذان أحمد قنديل ومحمود عارف وكانت القصائد التي نظمها حمزة في هذه المعركة ونشرها مفقودة بينما أن العواد اثبت قصائده في ديوانه الشعرى لعلها تحت عنوان (يد الفن تحطم الاصنام وهي تمثل، جزءًا هاما من شعر العواد ويسرني أن أذكر هنا أني وجدت القصائد التي نظمها حمزة ضمن المجموعة التي احتفظ بها صديقنا وصديقه الشيخ محمد نور جمجوم وإنه ليسرني هنا أن اثبت بعض مقاطعها، وحينما يتم نشر ديوان حمزة شحاتة وتنشر فيه هذه القصائد سيتمكن الدارسون لشعر الشاعرين من الحكم في هذه المعركة الشعرية التاريخية إذا صح هذا التعبير.
ملحمة
هذه الملحمة تتكون من سبعة عشر مقطوعة كل مقطوعة تتألف من خمسة أبيات، وهي تصور مفاخرة بين البحر والعاصف يرويها الليل، وقد رمز حمزة لنفسه بالعاصف ولخصمه العواد بالبحر وتبدأ الملحمة هكذا:
стр. 495
حدث الليل والحديث شجون … وحديث العظيم لهوٌ وجَدُّ
تتلهى به نفوس الخليلين … ويعنى بلبه المستمد
قال: كانت عناصر الكون كالاحياء قدما تروح فيه وتغدوا
لم يقيد كل بقانونه الصارم … والقيد حاكم مستبد
فتلاحت يوما وجدبها الشر … وللشَّرِّ ثورة ما تُحَدِّ
وادعى كل عنصر قصب السبق … وادلى بحجة المتحدى
قالت النار، انني عنصر الفتك … إذا اورت المطامع زندى
اتلقى الحديد بالجاحم المودى … واردى الصلاب إن جد جدى
ويعيد الاجرام حرَّى رمادا … وينير السبيل ضوءًا ويهدى
انا للكون بدء تاريخه النابض … مذ قلت يا حياة استعدى
هكذا قالت النار فاجاب التراب أنه هو العنصر الذى صنع منه الإنسان والوحش والنبت فهو سر البناء ولم يكن للوجود أصل لو لم يكن التراب فاندفع البحر غاضبا قائلا:
قال ماذا الست من يطفئ النار … إذ آذنت بوشك شبوب
الذى يسكن العناصر أن ثارت … وتعنوا من خيفة ووجيب
والذى اغرق الشواطئ لو شاء … وجاز الأمداء غير هيوب
ثم يقول:
حدث الليل قال واندفع البحر يظن الشطآن كل الوجود
ومنها
من له بالجبال ترميه بالهزء … صنيع القوى بالمكدود