← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

لهم أنه ليس قليلا بالنسبة لما تبرع به الشيخ محمد رضا فتحمس الداعي وسجل عشرين ريالا أخرى وسواء أكانت القصة حقيقية أم من خيال الأستاذ حمزة ﵀ وأغلب الظن أنها حقيقية فإن إيرادها على هذا النحو في هذا الشعر الضاحك كان مناسبة يتفكه بها مجتمع جدة كلها، فكاهة تخلو من الحرج والبذاء (١) وهنا قصيدة تبدأ بهذه الأبيات: ماذا وقوفك بالأطلال والدمن … موزع النفس بين الشعر والشجن يرمي بك الوجد في صحراء مجدبة … طوت حياتك طي البحر للسفن تهيم فيها شريدًا لا قرار له … وترسل الدمع مدرارا بلا ثمن ثم يقول بعدها (بعزقت) عمرك لا الأحباب منك دنوا … ولا بلغت مكانا في ذوى الفطن الكاسبين ملا يينا وما كدحوا … وأنت في قفص من عقلك الزِّمن تمرجلوا واستغلوا كل سانحة … من المصالح في سرٍّ وفى علن وقدت انت رعيل الفن متكئا … على مبادئ سقراط واهر من ومنها: وكان درسك فيها لو فطنت له … درسا تفيق به من سكرة الوسن إذ قام يصرخ والملقاط في يده … كالسيف يهتز في كف بن ذى يزن وجاء من كركون الريع ضابطه … على الزعيق وحشد من ذوى حسن وكان يوما تشاطرناه بهدلة … وكنت فيه وحدى دافع الشلن كيوم وقعتنا بعد الغداء على … قرشين لم يدفعا في مطعم البُيِنِ خرجت فيه بلوح الكتف منخلعا … ورحت خلفك فيه دارم الأذن

стр. 492

تجاربٌ وحشة خضنا معاركها … وكان شعرك فيه مصدر المحن اما لنا غير قرض الشعر مشغله … نقضى بها فضل عمرينا على سنن إلا وظيفة نرجوها ولو صغرت … نقضي بها دين راعي العيش واللبن ونستردُّ بها في الناس سمعتنا … بعد الضياع بلا شعر ولا سفن وحسبنا ما لقينا من بهادلها … وأنها مهنة من أخسر المهن ويقول في آخرها فما وراءك إلا النحس ملتطم … الأمواج في دهمل ارطالا ودهملني وأيه لزوم كلامي منت عارفه … مذ ضاع عمرك بين الشام واليمن وداب ضهرك بين الآخذين به … رقعا تمثَّلت فيه لعبة الأنِنِ قد شدتها من صميم الفن أبنية … فهل بنيت بها حوشا من اللبن بل نمت في دكة الزيدان منطرحا … على البلاط طوال الصيف كالورن لا انت ضيف فيرجى يوم رحلته … ولا انت في نفقات البيت ذا شطن وزغت من فندق التيسير لا هربا … من نامس الليل بل من اجرة السكن باظت حياتك ماضيها وحاضرها … ما دام شعرك فيها عقدة الكفن وخضت من غمرات الصبر أحلكها … في قهوة السد أو فى مقعد اللبني والقصيدة كما يرى القارئ صورة لشاعرين صديقين يندبان حظهما العاثر بعد أن صفرت أيديهما من المال، كما خلت أوقاتهما من العمل، وكيف تعرضا للفضائح في مركز الشرطة بالريع - والريع كما لابد وأن يعلم القارئ هو باب الريع في مدينة الطائف وهو مسرح هذه القصيدة أما المعركة التي تعرضا فيها لخلع الكتف وورم الأذن فهى في مطعم بُينُ وبُينُ هذا كما لابد أن يعلم القارئ صاحب مطعم شهير للأكل الجاوى في مكة المكرمة أما الأنن الذى ورد في البيت: وداب صهرك بين الآخذين به … رقعا تمثلت فيه لعبة الانن الأنَنِ هذه لعبة شعبية يغمض فيها أحد اللاعبين عينيه، ويضربه أحد اللاعبين حوله وعليه أن يمسك اليد التي صفعته أو على الأقل يميزها فإن اهتدى إليه حل

стр. 493

الضارب محله وإذا فتح المضروب عينيه هز الجميع حوله أياديهم وهم يقولون إننن، إننن أما الزيدان فهو صديقنا الكاتب والمؤرخ الأستاذ محمد حسين زيدان والمعروف للجميع وكان له منزل قروى في مدينة الطائف ولعلهما كانا ضيفين عليه. أقول والقصيدة كما ترى فصيحة في جملة تعابيرها بإستثناء بعض الألفاظ التي وضعناها بين قوسين والفارق بين ما نظمه قنديل من الشعر الضاحك أن قصائد قنديل تغلب عليها العامية ألفاظا ومصطلحات وأمثالا، بينما يحتفظ حمزة بالألفاظ الفصيحة .. باستثناء بعض الكلمات وعلى أى حال فإن ما نظمه حمزة من هذا النوع من الشعر لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة عددا بينما أن قنديل نظم الكثير من هذه القصائد والرباعيات حتى أصبحت له دواوين كاملة منها.

стр. 494

حمزة شحاتة والعواد المعركة الشعرية العظيمة التي دارت بين الشاعرين حمزة شحاتة والعواد في النصف الثانى من الخمسينات أو في أوائل الستينات أن لم تخنى الذاكرة معروفة في أوساط الأدباء، دارت رحى هذه المعركة على صفحات جريدة صوت الحجاز قصائد شعرية تبادلها الطرفان بعد أن رمز كل منها لنفسه باسم مستعار أخذ حمزة لنفسه اسم الليل رمزا واتخذ العواد لنفسه اسم الساحر العظيم رمزا وبدأت المعركة بقصائد رمزية ينتصر فيها كل منهما لنفسه تحت ستار الحرب بين عناصر الطبيعة وما إليها وقد تحولت المعركة بعد ذلك إلى هجاء مقذع تناول الأعراض ولم يكن ينشر بصحيفة صوت الحجاز وإنما كان يكتب باليد ويوزع على أحياء مكة (١) ونواديها وشاع أمر هذا الهجاء وذاع حتى بلغ إلى سمع المعنيين في الحكومة فخاف الشاعران وطوى كل منهما هذه الصفحة السوداء بعد أن انزلق معهما في هذا الطريق الأستاذان أحمد قنديل ومحمود عارف وكانت القصائد التي نظمها حمزة في هذه المعركة ونشرها مفقودة بينما أن العواد اثبت قصائده في ديوانه الشعرى لعلها تحت عنوان (يد الفن تحطم الاصنام وهي تمثل، جزءًا هاما من شعر العواد ويسرني أن أذكر هنا أني وجدت القصائد التي نظمها حمزة ضمن المجموعة التي احتفظ بها صديقنا وصديقه الشيخ محمد نور جمجوم وإنه ليسرني هنا أن اثبت بعض مقاطعها، وحينما يتم نشر ديوان حمزة شحاتة وتنشر فيه هذه القصائد سيتمكن الدارسون لشعر الشاعرين من الحكم في هذه المعركة الشعرية التاريخية إذا صح هذا التعبير. ملحمة هذه الملحمة تتكون من سبعة عشر مقطوعة كل مقطوعة تتألف من خمسة أبيات، وهي تصور مفاخرة بين البحر والعاصف يرويها الليل، وقد رمز حمزة لنفسه بالعاصف ولخصمه العواد بالبحر وتبدأ الملحمة هكذا:

стр. 495

حدث الليل والحديث شجون … وحديث العظيم لهوٌ وجَدُّ تتلهى به نفوس الخليلين … ويعنى بلبه المستمد قال: كانت عناصر الكون كالاحياء قدما تروح فيه وتغدوا لم يقيد كل بقانونه الصارم … والقيد حاكم مستبد فتلاحت يوما وجدبها الشر … وللشَّرِّ ثورة ما تُحَدِّ وادعى كل عنصر قصب السبق … وادلى بحجة المتحدى قالت النار، انني عنصر الفتك … إذا اورت المطامع زندى اتلقى الحديد بالجاحم المودى … واردى الصلاب إن جد جدى ويعيد الاجرام حرَّى رمادا … وينير السبيل ضوءًا ويهدى انا للكون بدء تاريخه النابض … مذ قلت يا حياة استعدى هكذا قالت النار فاجاب التراب أنه هو العنصر الذى صنع منه الإنسان والوحش والنبت فهو سر البناء ولم يكن للوجود أصل لو لم يكن التراب فاندفع البحر غاضبا قائلا: قال ماذا الست من يطفئ النار … إذ آذنت بوشك شبوب الذى يسكن العناصر أن ثارت … وتعنوا من خيفة ووجيب والذى اغرق الشواطئ لو شاء … وجاز الأمداء غير هيوب ثم يقول: حدث الليل قال واندفع البحر يظن الشطآن كل الوجود ومنها من له بالجبال ترميه بالهزء … صنيع القوى بالمكدود

стр. 496

شامخات إذا تطامن بحر … أو تنزى به عرام الحقود من له بالنجوم بالبدر بالشمس اليست بصيرة وهو اعمى من له بالطيور تسبح في الجو خفافا معنى وروحا وجسما من له بالنسيم بالريح بالعاصف تغزو الحياة حربا وسلما ثم: حدث الليل قال واستقبل العاصف هذا الطاغى الجهول وهما همَّ فارتَدَّ فارتمى فطوى الدنيا حياة ومسرحا وخضمَّا هذه هي المعركة مفاخرة بين العناصر تنتهى بالعاصف يثور على البحر فيطويه فاذ بالبحر يلفظ كلما اشتمل عليه وإذا شطآنه ساكنة هادئة، وإذا به يرجف من هول ما لقي من العاصف فيرتد إلى قرار مهين. واستنجد البحر فلانا أو قال طودا أشمَّا معلنا ضعفه وقد آنس الموت عيانا يدعو الضراعة حزما وترامى إليه يلتمس العون والقى قياده واستذما قال هيهات أن يجير من العاصف طود يرى غرورك جرما بيد اني محاول لك ما رمت وملق على سجاياى غرما هكذا وسط البحر الطود حتى يرحمه العاصف مما حل به من المصائب والخذلان، فيمشى الطود بالوساطة الكريمة التي تنتهى بعفو العاصف عن البحر فكم كان هذا العاصف كريما عظيما. حدث الليل قال ما أكرم العاصف، ما أكرم القوى الرحيما والقصيدة كما ترى فن مبدع في وصف خواص العناصر الطبيعية في أسلوب مفعم بالحماسة والمفاخرة يذكرنا بالملاحم اليونانية في الالياذة عن أساطير اليونان. ولم يكتف حمزة بهذه الملحمة التي لخصناها عن البحر والعاصف والتى يرويها بلسان الليل فاتبعها بملحمة عظمى تتكون من خمس وأربعين مقطوعة وتزيد

стр. 497

أبياتها على مائتين وعشرين بيتا ووجهها إلى الساحر العظيم تتناول الموضوع ذاته بأساليب شتى ولن نقتبس منها خشية الاطالة. وفي القصيدة الثالثة - الليل والشاعر - تحول فيها الشاعر إلى تمجيد الليل، بعد أن استكملت ملاحم البحر والعاصف اغراضها فيما يبدوا - فاتخذ الليل رمزا له واكتفى باقتباس بعض أبياتها: يا ليل يا ليل الهوى والرؤى … يا ملتقى الفن وديوانه ويا شعاع السحر يا نبعه … ومشعل الفكر وربانه يا نافث الفتنة رفافة … وعبقر الشعر ودهقانه تلقِّن المطرب الحانه … وتلهم الشاعر اوزانه رداؤك الأسود ملقٍ على … الدنيا رؤى الحسن وأفنانه وإلى جانب ما ذكرنا قبل هناك ثلاث قصائد أولاها بعنوان ضلاله، والثانية موجهة إلى الصنم الخاوى وعصبته والثالثة بعنوان إلى، والقصائد في مجموعها كسب للأدب والشعر لأن التنافس بين الشاعرين حفزهما إلى الإبداع، والشعر لا يصدر إلا عن حوافز عظيمة، والحافز هنا هو طلب النصر في معركة أدبية يشاهدها الناس ويترقبونها وتسرى أنباؤها في كل مكان. أن القصائد التي نظمها حمزة في هذه المعركة الشعرية تمثل ديوانا قائما بذاته يتميز بوحدة الموضوع، كما يتميز بالشاعرية الأصيلة والإجادة البارعة لشاعر عظيم. حمزة وبناته تزوجت شيرين وتركت بيت أبيها وكانت تقوم بوظيفة الأم وسيدة البيت فهى الأخت الكبرى لاخواتها الصغار، ولقد سجل حمزة واقع البيت بهذه القصيدة الجميلة التي يوجهها إلى شيرين: وكما تركت البيت ما زالا … قلقا واعباء وأطفالا ومعاركا بين الصغار غدا … حُلم النظام بهن أطلالا

стр. 498

أخذت كتابى ضيعت قلمي … شدت يدى قفزت على ظهرى ذات الحياة وربما اختلفت … عما كرهت، ونحن لا ندرى * * * فإذا الصباح اطل خضناها … حربا يكون وقودها اختى عامان مرَّا أو لعلهما … هذى تقول حذاؤها ضاعا زلفى تسائل اين مريلتي … وسهام تبحث عن حقيبتها وتصيح ليلى لم اجد قلمي … فتجيبها نجلا بدمعتها وأنا صحوت فلم أجد كتبي … ويجد أهل البيت في الطلب كلثوم وهناك قصيدة بعنوان كلثوم وفيها يتحدث الشاعر إلى طفلة لا أدرى مكان قرابتها منه ولكن في القصيدة لمسة إنسانية رقيقة لا يملك القارئ الا امشاركة الشاعر شعوره إزاء هذه الطفلة التي تعلق بها ويوجه إليها حديثه قائلا: حدقي في عابسا أو طروبا … لا تراعى لظاهرى أو تسرِّى لك مني صدر رحيب وإن … ضاق بما في الحياة ذرعا فقرِّى والصقى وجهك الصغير بكتفي … وكلى لليدين تجميش صدري وإذا شاقك الوصول إلى رأسي … لكي تعبثي قليلا بشعرى فاقفزى قفزة المجازف في رفق … تكوني في لحظة فوق ظهري وافعلي بي ما شئت وافترضيني … لعبة بادلتك فرأ بكرِّ فقريبا ستصبحين فتاة … لا ترى الشمس حسنها ذات خدر ليت شعرى ماذا تكون حياتى … أن خلت منك يا نضارة عمرى اقسمي لي بحب أمك الا … تتناسي في يوم عرسك ذكرى ومنها: سوف أحيا نعم ولكن حياة … تتهادى بها أعوامل قهر

стр. 499

قانعا من اليم عيشي بالذكرى … أداوى مريرها بالأمر وأقدر أن هذه القطعة من شعر الشاعر في صدر شبابه قبل أن يتزوج وأن يصبح أبا لخمس بنات، وهي على أى حال من أعذب الشعر وأطربه. الحنين إلى الوطن هاجر الشاعر إلى مصر وابتعد عن الوطن وطالت غربته فكان الحنين يعاوده إلى مغانى بلاده وفى هذه القطجة بعنوان وج يعبر الشاعر عن هذا الحنين، ووج كما يعلم القراء هو واد مشهور في مدينة الطائف. وج أن وُجًا وسامح الله وجا … لم يدع لي إلى السلامة نهجا كان ليلي به مسيلا من النور … يغشى جوانب العيش وهجا فانا اليوم بعده في ظلام … انتحيه وعمرا اطويه لجا بين قيدين من حنين وعجز … كلما قرت المراجع لجا يا رمال الوادى الحبيب تناسيت … طويلا هذا العليل المسجَّى أنه جارك القديم ونجواه … لعهد من الوفاء مرجى اطلقت ذكرياته دمع عينيَّ … بما سرَّ في هواك واشجى اترانى إليك استقبل الفجر … ملاذا بعدوتيك ومنجى كذب العيش بعد يومك يا وج … مريرا والعمر بعدك فجا الشعر الحر لحمزة شحاتة قصائد قليلة من الشعر الحر ولكنها لا تتجاوز أَصابع اليد الواحدة وجميعها مما أنتجه الشاعر وهو في مصر والمتأمل في بعض هذه القصائد يجد أنها تحتفظ بالموسيقية بل أنها تلتزم في بعض المقاطع بالقوافي حتى ليخيل للقارئ انها من الشعر العمودى وإن تعددت فيها الأوزان والقوافي وسنورد بعض المقاطع منها استكمالا لتصوير جوانب شعر حمزة شحاتة.

стр. 500

أما أنا فقد انتهيت … وشربت من حلو الكؤوس ومرها حتى ارتويت … وبلغت من غايات حبك ما كرهت بما اشتهيت … وافقت من حلمي الجميل على الحقيقة … وهي كابوس ثقيل وتسللت من حاضرى … أوهام ماضيك الحفيل وفرغت من رهب الخيال … فلا أشتياق ولا غليل وإذا كان الشعر الحر يتخذ هذا السمت فلا اعتراض عليه وعلى أى حال فإن الحكم على ما أنتجه حمزة شحاتة من هذا الشعر سواء انتظمت فيه الموسيقية أو لم تنتظم بالقياس إلى المجموعة الضخمة من قصائده الغراء من الشعر العمودى، هذا الحكم سيكون ميسورا للنقاد والقراء حينما تنشر هذه القصائد مع ما ينشر من شعره كله بإذن الله. الكلمة الأخيرة وبعد فكل هذا الذى قدمته للقارئ إنما هو زهرات مقتطفة من هذه الروضة الغناء لشاعر عظيم، ظهرت عبقريته الشعرية منذ بواكير إنتاجه وهو في مطلع الشباب، وريق العمر، وهو يذكرك حينما تقرأه بفحول الشعراء العرب في العصر العباسي أمثال مهيار الديلمي والشريف الرضي واضرابهما من كبار الشعراء والقارئ للديوان يجد هذه الملامح واضحة في شعره، ديباجة مشرقة وكلمات ناصعة وسلاسة تركيب، وتدفق كل هذا تنتظمه عاطفة شعرية حارة تحس فيها

стр. 501

بهذا الوهج الذى انصهرت فيه عواطف الشاعر وأحاسيسه حتى خرج إلى الناس بيانا هو الإبداع الذى لا يتأتى إلا للموهوبين والعبقريين. عازف العود هذا ولعل مما يحسن ذكره أن حمزة ﵀ كان إلى جانب إبداعه في الشعر والأدب عازف عود مجيد، وقد كانت له مكتبة للتسجيلات يحتفظ بها ويرجع إليها وكانت هذه المعزوفات مسجلة على الاسطوانات، فلم يكن الكاسيت قد عرف يومها لأكابر الموسيقيين العرب والشرقيين وكان يستمع إليها كلما كان يعزف بانتظام. لقد كان فنانا أصيلا، أخذ بجوانب متعددة من الفنون فهو كاتب، شاعر، عازف، مفكر فنان هذا وقد توفى حمزة في القاهرة في ١٢/ ١٢/ ١٣٩٠ هـ ونقل جثمانه إلى مكة المكرمة حيث دفن بها. رحم الله حمزة شحاتة وغفر له فلقد كان من أعلام الشعراء ليس في الحجاز فحسب وإنما في بلاد العرب جميعا. * * *

стр. 502

عبد السلام طاهر الساسي

стр. 503

عبد السلام طاهر الساسي قصير القامة، نحيل الجسم، قمحي اللون، تكسو وجهه صفرة، واسع العينين، كبير الأنف ناتئ الجبهة، لم يكن يطلق لحيته ولكنه لم يكن من المواظبين على استعمال شفرة الحلاقة، فغالبا ما ترى الشعر النابت يكسو عارضيه وشاربه، ذكى تبدو أمارات الذكاء في عينيه. يرتدى الكوت ويعتمر بالعقال ولا يرتدى العباءة إلا في المناسبات والواجبات. ولد عبد السلام ﵀ في عام ١٣٣٥ هـ بالمدينة المنورة وتعلم القراءة والكتابة في كُتَّاب الشيخ محمد بن سالم وكان له كُتَابٌ لتعليم القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن في باب المجيدى داخل المسجد النبوى الشريف، وقد أزيل هذا الكُتَّابٌ مع الجزء الذى أزيل من المسجد النبوى الشريف حين أجراء العمارة التي أمر بها جلالة الملك عبد العزيز ﵀ وتمت في عهد جلالة الملك سعود بن عبد العزيز ﵀. مات والد عبد السلام صغيرا وتركه في كفالة أخيه الأستاذ عبد الله الساسي ﵀ وهو من رجال التعليم، انتقلت وظيفة عبد الله الساسي إلى مكة في عام ١٣٤٦ هـ فانتقل عبد السلام بصحبته إليها حيث ألحقه أخوه بمدرسة الفلاح بمكة المكرمة فحفظ القرآن الكريم وحصل على الإجازة بذلك ولكن عبد الله الساسي لم يستقر به المقام في مكة المكرمة فنقل إلى جده في عام ١٣٤٨ هـ وانتقل

стр. 504

عبد السلام معه إليها والتحق بالمدرسة السعودية فيها حتى حصل على الشهادة الابتدائية وتخرج منها. ونما هذه المدرسة اتصلت أسبابه لأول مرة بالمرحوم الأستاذ محمد حسن عواد الذى كان مدرسا بها بعد أن انقطع عمله بمدرسة الفلاح إثر ظهور كتابه خواطر مصرحة وما ثار بسببه من الجدل الذى أدى إلى محاكمته بعد (١). يقول عبد السلام وكان من أساتذته في هذه المدرسة الأستاذ محمود محمد شاكر والأستاذ الشيخ حسن أبو الحمائل أما الأستاذ محمود محمد شاكر فكان قد قدم مهاجرا من مصر بعد أن وقع بينه وبين الأستاذ الدكتور طه حسين ﵀ من الخلافات ما آثر به البعد عن بلده ولقد ألف الأستاذ محمود محمد شاكر وهو من أدباء مصر الكبار كتابين خصص واحدا منها للحديث عن معاركه مع طه حسين وغيره من أدباء مصر والتالى حول بحثه الخاص بالمتنبي الشاعر العظيم. بعد أنْ حصل عبد السلام على الشهادة الابتدائية انتقل مع أخيه مرةً أخرى إلى مكة المكرمة فعمل في وظائف كتابية صغيرة كثيرة كما كان الحال بالنسبة لأمثاله من حديثي التخرج، عمل بإدارة الأمن العام في مكة المكرمة كما عمل في إدارة سيارات الحكومة، وناسخا على الآلة الكاتبة في وزارة المالية ولم يطل به المقام في الحجاز فانتقل للعمل في منطقة الأحساء كاتبا في جمرك أم رضمه وانتقل منها إلى ممثلية المملكة في الدمام وكان هذا الاسم يطلق على المكتب الذى يقوم بالتنسيق بين الدولة وشركة ارامكو. وفى عام ١٣٦٠ هـ عاد إلى الحجاز فالتحق بالعمل في وظائف شتى بوزارة المالية حتى انتهى به الأمر إلى أن عين رئيسا لمكتب مشروع توسعة الحرم المكي الشريف (٢)

стр. 505

عشق عبد السلام ﵀ الأدب فكان يلتهم كلما يصل إلى يديه من الكتب والصحف، وعشق الأدباء المبرزين فاتصلت أسبابه بأسبابهم صديقا يمحضهم الحب الخالص، ويتحمل بدواتهم ونزواتهم كما يتحمل المحب دلال المحبوب ولكنه كان يجد مكانه بينهم كراوية متميز فريد. وكتب عبد السلام كما يكتب أمثاله في الصحف ولم يكن كلما يكتبه يجد طريقة إلى النشر ولكنه على أى حال بعلاقته الخاصة بالأدباء ورؤساء تحرير الصحف كان أحسن حظا من غيره من الناشئين. ولكن الميزة الكبرى التي تميز بها عبد السلام بين أبناء جيله ومن تلاهم هي الحماس الدائم والشديد لقضية الأدب والفكر، وقوة الحفظ التي كانت معلما من معالم حياته الأدبية إذا صح هذا التعبير. وقد ظهرت هذه الميزة حينما تولى الأشراف على الصفحة الأدبية في الندوة حينما كانت مملوكة للأستاذ صالح محمد جمال. كما ظهرت في مؤلفاته التي توالى ظهورها قبل عمله في الندوة وبعدها. وإذا استعرضنا هذه المؤلفات نجد معظمها مجموعات شعرية ونثرية للآخرين وهي كما أثبتها عبد السلام نفسه في الجزء الثانى من الموسوعة الأدبية. ١ - نفثات من أقلام الشباب الحجازى ١٣٥٥ وهو كتاب تعاون في إصداره مع صديقيه الأستاذ هاشم الزواوى وعلى حسين فدعق. ٢ - في ظلال الصراحة في عام ١٣٧٢ هـ. ٣ - نظرات في الأدب المقارن في عام ١٣٧٧ هـ. ٤ - الشعراء الثلاثة في عام ١٣٦٨ هـ. ٥ - شعراء الحجاز في العصر الحديث عام ١٣٧٠ هـ. ٦ - الموسوعة الأدبية وقد صدر منها ثلاثة أجزاء.

стр. 506

ولسنا بسبيل دراسة هذه المؤلفات أو نقدها، فليست الدراسة والنقد من أغراض هذه الترجمة المراد منها إعطاء صورة عن الشخصية التي تتحدث عنها وعن ملامحها البارزة. لم يكن الساسي ﵀ أديبا مبدعا ولكنه كان يعشق الإبداع، ولم يكن شاعرا ولكنه كان يحفظ روائع الشعر، ويرويها وهذه ميزته العظمى التي ظهرت في ما جمع من آثار في هذه المؤلفات التي ذكرنا أسماءها قبل. وإذا قرأت ما كتب الساسي أو كنت ممن يستمعون إليه حين يتحدث فستخرج بفكرة واحدة عنه هي حماسه العظيم للأدب والفكر، ولروائع الشعر وكان إذا انفعل تدافعت الكلمات في فمه لتنطلق من بين شفيته في سرعة وحماس وقد ظل هذا الحماس ملازما له طيلة حياته وبسببه أخرج ما أخرج من مؤلفات تجمع آثار الشعراء والأدباء، لهذا فإننا قبل أن نتحدث عن أهم مجموعة أخرجها للناس وهي الموسوعة الأدبية التي صدر منها حتى الآن ثلاثة أجزاء الأول والثانى منها على نفقته وهو محدود الموارد وقام النادى الأدبي في الطائف بطبع الجزء الثالث منها، وحديثنا عن الموسوعة الأدبية هذه هو لإعطاء القارئ فكرة موجزة عن محتوياتها وعن الجهد الذى بذله الساسي ﵀ في جمعها وإخراجها، سنتحدث أولا عن كتابين للساسي أحدهما شارك في تأليفه والآخر قام وحده بعبء تأليفه وإخراجه. نفثات من أقلام الشباب الحجازى هذا الكتاب كما يدل عليه اسمه نفثات من أقلام الشباب الحجازى اشترك في جمعه وتأليفه مع الساسي الصديقان السادة هاشم يوسف الزواوى وعلى حسن فدعق، ولعل نصيب صديقنا الأستاذ السيد هاشم في الجهد كان أوضح كما يظهر ذلك من المقدمة التي كتبها المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان لهذا الكتاب الذى طبع في أوائل عام ١٣٥٥ هـ. والكتاب مقتصر على نشر آثار طبقة معينة من الأدباء كانت في ذلك الزمان تضع خطواتها الأولى في الطريق الطويل، لتظهر في دنيا الفكر وبين حملة الأقلام،

стр. 507

ولست أشك أن الساسي ﵀ بما وهب من حماس دافق كان من المساهمين بحق في جمع هذه الآثار وأنه بذل من الجهد ما يستطيع في سبيل إظهار هذا الكتاب. هذا الكتاب ونحن نتحدث عن الساسي لا يخرج عن الأسلوب الذى تميز به والذى تحدثنا عنه وهو الحماسة والجمع ولكنه مختص بطبقة معينة من الكتاب والشعراء كانوا يعتبرون في ذلك الوقت الجيل الثانى أو الثالث من الأدباء بحكم أسنانهم ولهذا أعطى المؤلفون اسم الشباب لهذه الأقلام - نفثات من أقلام الشباب. الطريف في هذا الكتاب أن بعض من اشتركوا فيه أصبحوا فيما بعد من ذوي الأسماء اللامعة المحلقة مثل المرحوم عبد الله عريف، والعلامة الفاضل الشيخ حمد الجاسر، والأخ الصديق الأستاذ حسين عرب، وصديقنا الباحث الكبير الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار، وغيرهم ومن الطرائف الأخرى في هذا الكتاب أننا نقرأ شعرا للعلامة الشيخ حمد الجاسر وللصديق الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار وكذلك للمرحوم الأستاذ عبد الله عريف وهم الذين عرفوا بأبحاثهم الجادة والذين لم يشتهروا بالشعر أما بالنسبة لصديقنا الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار وكذلك اسمعنى قبل بضع سنوات قصيدة معجبة رجوت أن ينشرها، وأن يستثير هذا الوتر الآخاذ ليضرب عليه كلما تهيأت له الأسباب. أما صديقنا الأستاذ حسين عرب فقد أصبح من أعلام الشعراء في هذه البلاد ولكنه يختص نفسه بهذا الشعر أكثر مما يخص به الآخرين. أما الأستاذ حمد الجاسر مد الله في حياته فإنني أنقل هنا بعض أبيات من القصيدة التي نشرت له في هذه النفثات ومطلعها. عاش الشباب الذى للمجد قد طلبا … واستشعر الحزم حتى يدرك إلا ربا وجدَّ يدأب في تنفيذ خطته … ولم يهن عزمه عجزا وما رهبا ومنها: فتى العروبة هل في القوم مستمع … فبين جنبيَّ نار جمرها التهبا

стр. 508

إذا تذكرت ما قد فات من زمن … كنا برغم عدانا في الورى شهبا كنا الملوك لأهل الأرض نحكمهم … بالعدل طرا وكنا سادة نجبا العدل منتشر والجور منحدر … والعلم مزدهر والجهل قد غربا ولست أقول أن القصيدة من روائع الشعر، ولكني أقول أن هذه البداية كان يمكن أن تبشر بميلاد شاعر عظيم لو أن صاحبها استمر في إحياء هذه الملكة التي كانت من أحسن البدايات ولست أدرى أن كان اشتغال الشيخ حمد بالتحقيقات التاريخية العظيمة التي يضطلع بها عن الأماكن التاريخية في الجزيرة العربية قد صرفته عن الشعر أم أنه يعود إليه بعد الحين والحين ولكنه يطويه عن الناس كما يفعل صديقنا الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار. ونكتفى بهذا القدر في حديثنا عن النفثات لنتحدث عن كتاب آخر من مؤلفات الساسي هو. في الأدب المقارن ومساجلات الشعراء حينما قرأت عنوان هذا الكتاب ظننت أني سأقرأ بحثا في الأدب المقارن يعقده صديقنا الساسي ﵀ وإذا بي أفاجأ بأن الكتاب عبارة عن سؤال وجهه الساسي إلى كثير من الأدباء يطلب منهم المقارنة بين أدب العقاد وطه حسين وإبداء الرأى في أى الأديبين الكبيرين ينتهج الأسلوب العلمي في بحثه ودراساته، وجه هذا السؤال إلى كثير من أعلام الشعراء بينهم المرحومين الأستاذة أحمد إبراهيم الغزاوى ومحمد حسن عواد والسادة محمد سعيد العامودى وأحمد محمد جمال وغيرهم وقد أجاب السادة الأدباء فنشر الساسي إجاباتهم وليس هنا مجال البحث في الإجابات ولا في السؤال نفسه، ولكن الساسي يؤكد الرأى الذى ذكرته عنه وهو أنه جامع للأدب والشعر وليس مبتدعا فيه وليست هذه الصفة بالتى تنقص من قدره فكل امرئ ميسر لما خلق له، وقد حفلت كتب التراث في الأدب العربى بالروائع لما جمعه الرواة ويكفى أن تعلم أن ياقوت الحموى مؤلف الأغاني ومعجم الأدباء وغيرها من أمهات كتب التراث لم يؤثر عنه الكثير من الشعر والإنشاء،

стр. 509

كان الرجل خزانة أدب تنقله إلى الناس وتتوارثه الأجيال وقد احتل اسمه مكانه العظيم بهذه الصفة وحدها صفة الجمع والتدوين. ولست أقول أن الساسي يأتى في هذه المرتبة من الرواة ولكني أستطيع أن أقول أنه كان فرعا صغيرا في شجرة عظيمة، وان هذا الفرع الصغير فيه من الشذى والثمر ما يزكو ويطيب وعلى هذا الأساس وحده نقوّم عمل الساسي في الحفظ والجمع فإبداعه هو في حفظ الإبداع وجمعه ثم نشره على الناس. وكأنما أبت طبيعة الساسي عليه أن يقتصر كتابه في الأدب المقارن على إجابات الأدباء فأضاف إلى الكتاب بعض مساجلات الشعراء أنه عاشق شعر وقد ضمت هذه المساجلات الشعرية قصائد ومقطوعات شعرية للأساتذة العواد والغزاوى وحمزة شحاتة وأحمد قنديل ﵏ وحسين عرب وحسين سرحان مد الله في حياتهما ولعل بعض ما سجله الساسي في هذه المساجلات لم يرد فيما نشر من دواوين هؤلاء الشعراء، فهي بصورة من الصور يمكن أن تكون مما يرجع إليه الدارسون لشعر هؤلاء الشعراء. ونقتطف الآن شيئا من هذه المساجلات ونبدأها بالمساجلة بين الشاعرين الكبيرين محمد حسن عواد وأحمد إبراهيم الغزاوى: بعث العواد إلى الغزاوى يقول: أيها البلبل المغرد بالشعر … ألا أين ذلك التغريد؟ لم آثرت تنزوى الشهر … تلو الشهر مستعصيا عليك القصيد (ادلالا هجرته أم ملالا) … أم اتاه منك القلى والصدود لا تغادر فن النظيم يعانى … منك ما لا يطيقه المعمود فلقد كنت والنظيم شقيقين … وسيان منشد ونشيد وقد أجاب الغزاوى العواد بهذه الأبيات أيهذا الذى تواضع شكرا … إنما انت في البيان المجيد كيف لا أوثر السكوت وأصغى … لشعور يصوغه التجديد

стр. 510

أنا ما قلته تظالع ضعفا … والذى حكته الضليع الشديد وتعالى جد الآله فماذا … بعد فرقانه يحيط النشيد مازج الروح فهو حي … وهو الرشد والهدى والخلود ونجد في هذه المساجلات أن الشاعر الأستاذ حسين سرحان يوجه قصائده إلى الشعراء أحمد قنديل، حمزة شحاتة، فيقول في القصيدة المهداة إلى القنديل: أقتات من روحي وأشرب من دمى … إن كنت عالمة وإن لم تعلمى حتى إذا حم الردى لاقيته … غراد كمثل الطائر المترنم ومنها يا بنت ذى سيارة حسانة … تنساب في الترب إنسياب الأرقم لا تعنفى في القول اني فاهم … من غمرة الأحداث ما لم تفهمى ما هذه الدنيا وما غاياتها … ومن الذى تكوين كي الميسم؟ المال؟ اهون ما يكون طلابه … إن كنت اعبده عبادة درهم الجاه ايسر ما يكون مناله … لثقيل غنم أو لخفة مغرم ماذا وراء حياتنا .. تبابها … إن لم تتمَّ بجنة وجهنم؟ ويوجه إلى حمزة شحاتة قصيدة بعنوان سراب يقول فيها: انس وربك قد ملأن شغافا … حبا وهجن بك الهوى الرجافا هاتيك أم هاتيك؟ كل خريدة … هيفاء زانت ثوبها الهفهافا علقت بهن العين ذات عشية … فحبونها الاتحاف والالطافا يخطرن في بسط النسيم وقد رأى .... ما فيه فاستشفى بهن وشافى الحسن زخرف كل طرف رامل … والطيب فوق نشره الآنافا والقصيدة كلها كبقية شعر السرحان من هذا النمط العالي الفريد في أسلوبه ومعانيه ولقد سجل لنا الساسي استجابة حمزة شحاتة لقصيدة السرحان من نفس

стр. 511

الوزن والقافية وبنفس هذا النسق العالي في معانيه وأسلوبه يقول حمزة شحاتة: أفبعد ما سنح الخيال ووافى … ودَّعْنَ سرحك وانطلقن خفافا وعدت سوابق وُدِّهنَّ ذواهبا … بالبرء ليس وراءهن معافى من كل نافرة الهوى لم تقضها … حقا فكيف تميلها استعطافا ومنها يا أنت ما كل الغيوم تحملت … مطرا فشيمى العارض الوكافا ومنها صرنا إلى زمن ينازع قاعد … فيه الفخار الراحل الطوافا ليت الذى خلق المطامع كالها … للحالمين كما تراد جزافا أوليت ملتمس السلامة نالها … عرضا كما تجني الزهور قطافا ولقد استهوت هذه المساجدة صديقنا الأستاذ حسين عرب فوجه إلى حمزة شحاتة قصيدة من نفس الوزن والقافية يقول فيها: تركتك مسلوب الفؤاد مجافى … مضنى الهوى تتعجل الانصافا هيفاء ذابلة العيون كأنما … تسقيك من نظراتهن سلافا لاحت لعينيك العشية فانطوى … فيها خيالك هائما رفافا ومنها والغانيات وعودهنَّ خديعة … تبدى الوفاء وتضمر الاخلافا هن الرزان إذا خطون على الثرى … فإذا اسرن القلب طرن خفافا والقصد كما يرى القارئ ناصعة الأسلوب، فريدة المعاني، وليت شعرى مالذى يجعل صديقنا الأستاذ حسين عرب يضن بهذا الشعر أن يضمه كتاب أو ديوان ليكون غذاءا للقلوب والأذهان. ولقد اعدانا الساسي بإسلوبه فإذا بنا ننقل هذه الروائع من المساجلات التي أوردها في كتابه، ولم يكن في حسباني أن افعل،

стр. 512

فلست أترجم الآن لهؤلاء الشعراء حتى أنقل عنهم ولكن الساسي هو الساسي ﵀، عاشق شعر وناقل إبداع، فنحن ننقل عنه هذا الشعر وذلك الإبداع. الموسوعة الأدبية الموسوعة الأدبية هي أكبر الأعمال التي قام عبد السلام بعبئها ابتدأ فيها النشر للأدباء والشعراء على ترتيب الحروف الهجائية. فبدأ بحرف الألف في الجزء الأول وانتهى إلى حرف الغين في الجزء الثالث. وقد أحصيت عدد الأدباء والشعراء الذين تبدأ أسماؤهم بحرف الغين فكانوا خمسة وثلاثين ادبيا وشاعرا، ويكاد الجزء الثالث من الموسوعة أن يقتصر عليهم فهم يشكلون مائتين وسبع وخمسين صفحة من هذا الجزء البالغ مائتين وسبعين صفحة، كان عبد السلام نفسه ضمن الأسماء التي وردت في هذا الجزء ولكن الحيز الذى منحه لنفسه كان حيزا ضيقا للغاية فقد نشر لنفسه مقالين في خمس صفحات احدهما بعنوان وجوب التفرغ للأدب الخالص، لا ينبغى أن نظل عالة على ممارسة بعض أنواع الفن، هذان عنوانان لمقال واحد اما المقال الثانى فهو كذلك يحمل عنوانا طويلا هو نقد الأدب، والحياة النقد الزم ما يكون للبناء وضبط القواعد والأصول ونبذ المساوئ (١). كانت ميزة عبد السلام الأولى كما ذكرنا هي حماسة الشديد لقضية الأدب والفكر وكانت ميزته الثانية هي قوة الذاكرة التي تشبه الكمبيوتر فهي تحفظ كلما يلقى إليها وتختزنه، ولم يكن عبد السلام يكتفى بحفظ ما يعجبه من الشعر والنثر ولكنه كان يلقى ذلك إلى الناس رواية شعرية أو نثرية تصاحبها الحماسة والانفعال وكان يحتفظ بما يعجبه مما ينشر في الصحف ويختص به نفسه ليحفظه ويثرى به المجموعة الضخمة التي تختزنها ذاكرته العجيبة. ومن الطرائف التي أذكرها في هذا المجال إنه نشر لي قصيدة غزلية حينما كان

стр. 513

مشرفا على تحرير الصفحة الأدبية بالندوة، كانت القصيدة غزلية كما ذكرت تعود إلى عهد الشباب وكانت قد نشرت قبل سنوات طويلة في جريدة صوت الحجاز في الخمسينات، وكتبت إلى عبد السلام رسالة أعاتبه فيها على نشر هذه القصيدة التي جعلتني أشعر بالحرج أمام أولادى وأرسلت إليه قصيدة طويلة بعنوان التجاريب اشترى بها نفسي منه حتى لا يعود إلى نشر أمثال القصيدة السابقة، ولم يكن من عبد السلام إلا أن قام بنشر الرسالة والقصيدة معا .. ثم حضر إلى جدة فسألته عاتبا ما هو الداعي لنشر الرسالة؟ ألم تكتف بالقصيدة التي نشرت على حلقتين؟ قال في حماسة وانفعال هذا أدب الرسائل .. ثم أضاف وهذا هو رأى الأستاذ صالح جمال وإلى هنا نستطيع أن نعتبر الحادث عاديا، ولكن الذى حدث بعد ذلك أني كتبت إليه منذ عام تقريبا أخبره أننى أقوم بإعداد ديواني للطبع وسألته أن يبعث إلي بنسخ من القصائد التي يحتفظ بها من شعري أو التي تصل يده إليها. ولم يرد عبد السلام على هذه الرسالة وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي لا يرد فيها، وبعد فترة بسيطة أرسل الي الجزء الثالث من موسوعته الأدبية وبمطالعتها أدركت أن عبد السلام لم يمتنع عن الرد إلا لأنه أراد أن يحتفظ لموسوعته الأدبية بما لديه خاصة إذا كان البعض من أمثالي لا يحتفظون لأنفسهم بما يحتفظ به هو عنهم. ولقد كنت انتظر صدور الجزء الرابع من الموسوعة الأدبية وكنت على ثقة انني ساجد فيه بعضا مما فقدت، ولكن المنية أدركت عبد السلام ﵀ قبل إصدار الجزء الرابع الذى لعله يكمل موسوعته الأدبية واغلب الظن أن هذا الجزء مكتمل لديه لأنه ذكر في الجزء الأخير من الموسوعة أنها ستكون من أربعة أجزاء. ونعود الآن إلى الموسوعة نفسها أو إلى ماصدر منها من أجزاء. لقد ذكرت أن الجزء الثالث يضم آثار خمسة وثلاثين اديبا وشاعرا، ويضم الجزء الثاني آثار واحد وثلاثين أديبا وشاعرا، ولا شك أن الجزء الأول يضم هذا العدد أو ما يقرب منه، ولعل الجزء الرابع والأخير يضم مثل ذلك ونستطيع أن نقدر أن عدد

стр. 514

الأدباء والشعراء الذين تضمهم الأجزاء الأربعة من موسوعته الأدبية بحوالى المائة وعشرين أديبا وشاعرا وهو عدد ليس بالقليل. بعض هؤلاء الذين تضمهم الموسوعة من أصحاب الأسماء الجهيرة الذين فرضوا أسماءهم في دنيا الأدب والفكر ولكن آثارهم لم تجمع حتى ظهور مجموعة الساسي في كتاب أو ديوان، البعض منهم غادر هذه الحياة الدنيا ولم ينشر له ديوان مطبوع فالمجموعة على هذا الاعتبار تعتبر مرجعا من المراجع التي تنير سبيل الدارسين لآثار هؤلاء الشعراء والأدباء إلى أن ينتظم، لكل منهم مرجع يضم كلما انتج من أدب وشعر وعلى سبيل المثال فإن ما نشره الساسي لحمزة شحاتة وضياء الدين رجب قبل ظهر المجموعات الشعرية لهما. لم يضمه كتاب قبل ولا يزال ما نظمه صديقنا الأستاذ عبد الوهاب آشي مد الله في اجله من الشعر مطويا بين أوراقه إن لم يكن مفقودا بينما تطالعنا موسوعة الساسي بقصائد ومقطوعات جميلة للأستاذ الكبير. ولقد غادر الأستاذ عبد القادر عثمان ﵀ هذه الحياة دون أن تحتمع آثاره في كتاب فجاءت موسوعة الساسي لتضم بعضا من هذه الآثار وهذا وذلك ينطبق على كثير ممن تضمهم المجموعة من أسماء. ليست الموسوعة الأدبية عملا متكاملا ولكنها نواة طيبة للدراسين وخاصة بالنسبة لأولئك الذين عزفوا عن النشر أو الذين غادروا هذه الحياة ولم تجمع لهم آثار في كتاب مطبوع. قد يأخذ البعض على المجموعة أنها تضما آثارا لا وزن لها وهذا ليس عيبا فيها وقد كان الأجدر بالعمل الموسوعي أن تتفرغ له مجموعة من الرجال المتخصصين ولكني احكم سلفا بأن تحقيق مثل هذا الحلم لا يزال بعيد المنال. ولقد قام الساسي بجهده الخاص وحده بعبء إخراج هذه الموسوعة وجمعها وطبع الجزء الأول والثانى على نفقته الخاصة وهو محدود الموارد ولقد شكى مر الشكوى في مقدمة كل جزء منها مما لقيه من تحاهل الأدباء والشعراء وتثاقلهم في الاستجابة إليه وأنا بتجربتي الخاصة أصدق كما ذكره ﵀ في هذا المجال. نستطيع أن نعتبر الموسوعة الأدبية هي أهم عمل قام به الساسي يرحمه الله وهو

стр. 515

يستحق على هذا العمل الذى قام به بحب وإخلاص كل التقدير. شخصية الساسي عرفت عبد السلام ﵀ في منتصف الخمسينات من القرن الماضي واتصلت أسبابي بأسبابه حينما كنت أعمل بمكة المكرمة في مكتب الشيخ محمد سرور الصبان ﵀ فكنت أراه في معظم الأيام إما زائرا في المكتب أو في جريدة صوت الحجاز أو في منتزهات مكة في الأمسيات حيث يجتمع الأدباء والشعراء من الأصدقاء. كان الأستاذ أحمد قنديل ﵀ رئيسا لتحرير جريدة صوت الحجاز في منتصف الخمسينات وكنت إذا فرغت من عملي في آخر النهار: أمرَّ به في الجريدة ونخرج معا إلى المسفلة ثم ينتهى بنا المطاف في جرول حيث نبيت في مقهى هناك في ليالي الصيف هربا من الجو القائظ في مكة المكرمة وكان عبد السلام رفيقا ثالثا لنا في المبيت وأنني أنقل هنا من كتابي حبات من عنقود الطرفة التالية عن عبد السلام. كنا في ليالي الصيف نخرج إلى ظاهر مكة فنقضي الليل بعيدا عن البعوض والجو القائظ في البيوت، وكنا جماعة من الأصدقاء، الأستاذ أحمد قنديل وأنا والأستاذ عبد السلام الساسي وغيره من الأصدقاء، وكنا في تلك الأيام نتخذ من قهوة - العم حمزة - بالشهداء، وفى موضع جراج الشركة العربية للسيارات الآن، نزلا مختارا للعشاء والمبيت، نقضي الأصيل بالمسفلة مع أصدقائنا من الأدباء الكثيرين، ثم نعود إلى الشهداء فنأخذ عشاءنا من جرول، ونمضي به إلى العم حمزة فنجد المركاز مهيئا للمبيت، وكان عبد السلام ولا يزال أعجوبة من الأعاجيب فنقضي صدرا من الليل نسمع روايته للشعر، وحماسته للأدب، فتندر معه، وربما هجاه القنديل هجاء الأصدقاء الألداء .. ووفد علينا من جدة الأستاذ أحمد عمر عباس - يرحمه الله - موظفا جديدا في مكة، وانضم إلى الحلقة في مركاز العم حمزة، وفى الليلة الأولى التي وفد علينا فيها الأستاذ أحمد وكان ضيفا علينا قال أنه كان يعمل في شركة التعدين في مهد الذهب .. وإنه تعود أن يشرب قهوة باللبن كل

стр. 516

صباح وأبدى إنه لا طاقة له بالسير على الريق من الشهداء إلى القشاشية دون شرب هذه القهوة بالحليب. وعقدنا جلسة مستعجلة مع العم حمزة لبحث الموضوع، ولم يخيب العم حمزة أمل الأستاذ أحمد فأبدى استعداده لصنع القهوة وإحضارها قبل مطلع الشمس ليستيقظ الأستاذ أحمد فيجدها طوع يديه، وكان عبد السلام أكثر الحاضرين حماسا لهذه القهوة .. فلقد حاول معنا من قبل تناول شيء في الصباح ولم نوافقه بحال من الأحوال. وكان من عادة عبد السلام كل ليلة أن يحافظ على أمتعته فيضع الكوت والغترة تحت المخدة ويرفع الحذاء - أكرمكم الله - في جوانب الكرسي الذى ينام عليه، وكنا نعجب لهذا الحرص، ونتنذر عليه ولكنه أفهمنا أنه رقدي قديم، وليس حديث عهد بالنوم في المقاهى، وهو يعرف أصول الرقدية وقوانينهم والرقدي كما لابد وأن يعرف القارئ بضم الراء وتشديدها وفتح القاف دون تشديد هو مفرد راقد ويختص ذلك بمن تعود النوم في المقاهي، وهو اصطلاح لا تتنكر له اللغة الفصحى فيما أظن. ونام عبد السلام ليلتها في موجة عارمة من الفرح، ونسي في غمرة هذه الفرحة أن يقوم بالإجراءات الاحتياطية التي يتخذها لامتعته وحذائه، ونمنا. واستيقظت في الصباح الباكر على حركة قدوم العم حمزة بالقهوة واستيقظ عبد السلام وادخل قدميه في الحذاء، وصرخ صرخة مفزعة طارت منها بقية النوم من عيني، واستيقظ لها كل من في المقهى من الناس، وسألنا عبد السلام ما بك؟ ولكن اجاباته كانت مختلطة بالصراخ فلم نفهم شيئا، ولكنا أدركنا أن هناك حدثا إصابه، وسارعنا إليه فرفعناه إلى الكرسي فإذا بقدمه التي ادخلها في الحذاء يصب منها الدم وقد بدا عليها التورم والاحتقان ووجدنا في الحذاء عقربا. وتجمع الناس وفى السيارة الوحيدة الموجودة في المقهى في ذلك الصباح بعثنا عبد السلام إلى مستشفى أجياد لاسعافه ولم يشرب القهوة، ولم يتمتع بها، ومن مأمنه يؤتى الحذر. حيا الله صديقنا عبد السلام فلقد كان مصدر سرور حتى حينما

стр. 517

يتعرض للأذى .. وقاه الله من كل سوء. انتهى ما نقلناه من كتابنا حبات من عنقود الذى نشر في الحجة من عام ١٣٨٧ هـ. ونعود الآن إلى مواصلة الحديث عن شخصية الساسي فنتحدث عن دوره في المعركة بين الشاعرين الكبيرين حمزة شحاتة ومحمد حسن عواد رحمهما الله. صلة الساسي بالعواد وشحاتة عاصرت المعركة الشعرية التي نشبت بين المرحومين الاساتذه محمد حسن عواد وحمزة شحاتة والتى بدأت على صفحات صوت الحجاز ثم انتهت إلى الهجاء المقذع الذى لا يمكن نشره في الصحف فكانت القصائد تنسخ باليد، ولم تكن الآلات الناسخة موجودة إلا في دوائر الحكومة، وتوزع في أماكن معينة في مكة المكرمة وقد اشترك بعد ذلك في المعركة المرحوم الأستاذ أحمد قنديل متحزبا لصديقه الأستاذ حمزة شحاتة، والأستاذ محمود عارف مد الله في أجله متحزبا للعواد. كان حمزة مقيما في مكة المكرمة في تلك الأيام وكنت أنا وقنديل على صلة مستمرة به وكان ينظم القصيدة فيأخذها عبد السلام ويقوم بمساعدة البعض بكتابة عدة نسخ منها ويبدأ توزيعها على أناس يعرفهم في حارة الباب وأجياد، والقشاشيه والمسفلة والمعلاة وجرول وهكذا ومن المؤكد أنه كان يوصل القصيدة أولا إلى عواد الذى يقوم بدوره بالرد عليها ولعل عبد السلام كان يقوم معه بنفس الدور ولم يكن الساسي يظهر أنه كان على خلاف مع العواد، لم ألمس ذلك منه إطلاقا ولكنه كان متحمسا للمعركة باعتبارها معركة أدبية تثير شاعرية الشاعرين الكبيرين وتدفعهما إلى موالاة النظم والانتاج وان كان هذا الشعر يجافى الخلق الكريم فلقد اسرف الشاعران حين احتدمت بينهما المعركة في الهجاء ولم يكفَّا الا حينما شعرا بأن الأعين قد التفتت لرصدهما، وحسنا فعلا. ولست أشك أن عبد السلام كان مسرورا ومزهوا لصلته بالشاعرين الكبيرين ولقد كان يحب حمزة كما يحب العواد ولقد سمعته مرارا وهو يقسم على هذا الحب

стр. 518

وكان حمزة كذلك ولكنه لم يكن يعفيه من السخرية اللاذعة وكان عبد السلام يتقبل ذلك ضاحكا، ولقد كان قنديل ﵀ يطلق السجع الساخر مستخدما لقب الساسي فيه وهو يستمع إليه في سرور وجذل، أما عواد فقد هجا الساسي بقصيدة مقذعة خاصمه الساسي بسببها بعض الوقت ولكنه ما لبث أن عاد إلى الاتصال به والاشادة بأدبه وشعره في كل زمان ومكان. وكان الساسي على أى حال إنسانا سمحا يحب الناس ويكثر من الاتصال بهم ويألفه الناس ويحبونه ويكثرون ممازحته، ويتقبل هو ذلك المزاح ضاحكا وإذا غضب فما يلبث أن يفئ إلى الرضا والسكون. وكما كانت صلة الساسي قوية بكبار أدباء عصره فلقد كانت صلته قوية في كذلك بشباب الأدب وناشئته وكان الساسي يتخذ بينهم مركز الأستاذيه ويستقطب اهتمامهم بما يرويه لهم من أحاديث أصدقائه من كبار الأدباء والشعراء وبما ينشده لهم من محفوظاته الشعرية لهؤلاء الشعراء واخبارهم، ولهذا يمكن اعتبار الساسي همزة وصل بين كبار الأدباء وصغارهم في ذلك الزمان. ولابد أن نذكر أن الساسي لم يتزوج في سن مبكرة وحينما تزوج لم ينجب فخلت حياته من مسئوليات الولد وهموم العائلة، ولم يكن هناك إلا زوجه التي رأيتها ترافقه في إحدى رحلاته إلى لبنان ولقد ساعده هذا على التفرغ للأدب الذى أحبه طيلة حياته. والساسي على أى حال نشأ في أسرة تشتغل بالعلم والأدب فأخوه الأكبر المرحوم الشيخ الطيب الساسي كان رئيسا لتحريرة جريدة القبلة في العهد الهاشمي وقد هاجر مع من هاجر في بداية العهد السعودى ثم عاد ليعمل رئيسا لتحرير جريدة أم القرى في مكة المكرمة وهو رجل يتميز بالعلم والفضل. وأخوه الشيخ عبد الله الساسي الذى كفل عبد السلام وقام على تربيته كان مدرسا في مدارس المدينة المنورة وجدة ومكة ولقد أدركته في مكة المكرمة في منتصف

стр. 519

الخمسينات وهو مدير لإحدى المدارس الحكومية. والدكتور عمر الطيب الساسي الذى يصافح إسماع القراء في الإذاعة بحديثه عن الكتب والذى كان من أساتذة كلية الآداب بجامعة الملك عبد العزيز، وأظنه يعمل الآن في ألمانيا هو ابن شقيق عبد السلام ﵀ فلا عجب أن يكون عبد السلام متعلقا بالأدب والرواية وقد نشأ في هذه الأسرة الكريمة التي تعمل في هذا المجال. هذا وقد ألم المرض بصحة عبد السلام فبقى في داره لبعض الوقت ولكن المنية كان قد حانت حينها فأسلم الروح صباح الأربعاء ٢٣ ذى الحجة ١٤٠١ هـ ودفن في مكة المكرمة البلد التي نشأ فيها وأحبها وقضى معظم حياته بها. رحم الله عبد السلام رحمة واسعة فقد قضى حياته منشغلا بالأدب والشعر وعمل ما وسعه الجهد لتسجيل هذا الأدب وحفظه ثم أذاعته بين الناس، وحبذا لو قامت النوادى الأدبية بطبع الباقى من مؤلفاته وأهمها الجزء الرابع من الموسوعة الأدبية، وشعراء الحجاز في القرن الماضي الذى نوّه عنه في كتابه الأخير وبالله التوفيق.

стр. 520

عبد القدوس الأنصاري

стр. 521

عبد القدوس الأنصاري معتدل القامة، أقرب إلى الطول منه إلى القصر، معتدل الجسم أقرب إلى النحافة منه إلى الامتلاء شديد إسمرار الوجه عالي الجبين واسع العينين عظيم الشفتين. ولد الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في سنة ١٣٢٤ للهجرة بالمدينة المنورة وتوفى والده وهو فى الخامسة من العمر فكفله قريبه الشيخ محمد الطيب الأنصارى العالم والمدرس بالمسجد النبوي الشريف. تلقى عبد القدوس دروسه الأولى في قراءة القرآن الكريم بالمسجد النبوي الشريف وهو في السابعة من العمر وأتم حفظه في سنتين وكان يتلقى دراسته في مختلف الدورس الدينية في حلقات المسجد النبوي الشريف خاصة على يد أستاذه وكافله الشيخ محمد الطيب الأنصاري كما تعلم الكتابة على يد أحد الحطاطين الأتراك. وحينما بلغ السادسة عشرة من العمرة انتقل للدراسة بمدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة في عام ١٣٤١ هـ عند بداية تأسيسها وكان الشيخ الطيب الأنصاري مشرفا عليه وحصل على الشهادة النهائية منها في سنة ١٣٤٦ للهجرة. وبعد تخرجه من مدرسة العلوم الشرعية شغل بها وظيفة أستاذ الأدب العربي، ثم انتقل إلى العمل الحكومي فعمل بديوان الأمارة بالمدينة المنورة معاونا لرئيس

стр. 522

الديوان، وفى سنة ١٣٥٩ هـ عين رئيسا لتحرير جريدة أم القرى فانتقل عمله إلى مكة المكرمة فبقي بها إلى نهاية سنة ١٣٦١ هـ (١). حيث انتقل للعمل بديوان نائب جلالة الملك في مكة المكرمة، ثم عين سكرتيرا لمجلس الوكلاء وتنقل في الوظائف الإدارية إلى أن عين مستشارا في الديوان ثم مديرا للشئون المالية بديوان. رئاسة مجلس الوزراء ثم تفرغ بعد ذلك لأعماله الخاصة. ثقافته لم يكتف عبد القدوس بما تلقاه من العلوم في حلقات الشيخ الطيب الأنصارى بالمسجد النبوي الشريف ولا بما تعلمه في مدرسة العلوم الشرعية فلقد كان الشاب عبد القدوس محبا للقراءة منذ نشأته فأكب على ما كان يصل إلى يديه من كتب الأدب والشعر قديمه وحديثه يقرأ ويحفظ ويتحدث إلى زملاء دراسته وأصدقاء صباه في كل هذا الذى يصل إليه. ولقد كانت حلقة قريبه وكافله الشيخ الطيب الأنصاري تضم الكثير من شباب المدينة الذين لمعت أسماؤهم فيما بعد، وكان من زملائه في حلقة الشيخ الأنصاري الشيخ ضياء الدين رجب والسيد عبيد مدني والأستاذ عبد الحميد عنبر ﵏ ومعالي الشيخ محمد الحركان والأستاذ عبد الحق نقشبندى وغيرهم ممن نسأل الله لهم العافية والعمر المديد. (٢) كانت قراءات عبد القدوس الأولى تجعل الأدب القديم هو القدوة التي يحذو حذوها ولكن صلته بصديق صباه وزميله في حلقة الشيخ الطيب الأنصارى السيد عبيد مدني ﵀ فتحت له المجال للاطلاع على الأدب الحديث فقرأ دواوين شوقي وحافظ والزهاوى وسامي البارودى، كما قرأ مؤلفات المنفلوطي والرافعى فتفتحت أمامه الآفاق ليسلك هذا الطريق الجديد وكان لتشجيع صديقه السيد عبيد مدني الذى وصفه بأنه رائد الأدب الحديث في المدينة المنورة كما وصف نفسه

стр. 523

بأنه الرجل الثانى بعده في ريادة الأدب الحديث في مدينة الرسول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. ذكرياتي عن الأنصارى عرفت عبد القدوس ﵀ من مقالاته التي كان تنشر في صوت الحجاز أولا ثم من مجلة المنهل التي أصدرها في الحجة من عام ١٣٥٥ هـ وتوثقت صلتي به بما كنت أنشره في مجلة المنهل من قصص ومقالات وشعر ثم حضر إلى مكة المكرمة للحج في النصف الثاني من الخمسينات على ما أذكر ونزل ضيفا على معالى المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان الذى كنت سكرتيرا له فكنت أراه في كل يوم، وقد زادتني هذه اللقاءات معرفه به فرأيت فيه الأديب الذى يجمع بين الأدب والعلم، فكان أديبا محققا يزن الكلام الذى يكتبه ويقوِّم الكلام الذى يقرأه ويتنبه إلى مايقع فيه الكثيرون من أخطاء في اللغة في نطق بعض الكلمات وتصريفها ومن يتتبع مجلة المنهل يجد الكثير من هذا الذى أذكره مبثوثا بين صفحاتها، وكان الرجل إلى جانب هذا وذاك أديب الطبع والخلق فكان يتنزه في مجلسه وفى كلامه عما يسف به الكثيرون. غرامه بالآثار وكان مغرما بالآثار وتحقيقها وله في ذلك المؤلفات التي سنتحدث عنها بعد ومما أذكره عن ولعه بالآثار اني ذكرت له يوما وكنا نصطاف بالطائف ولعل ذلك كان في أوائل الستينات أني بينما كنت أسير في ضواحى الطائف عثرت على مقبرة وجدت بها شواهد على كثير من قبورها وقد كتب في هذه الشواهد أسماء المتوفين ومن أعجب ما رأيت شاهدا وضعه زوج ثكل زوجته وبعد أن ذكر اسمها وتاريخ وفاتها سأل الله أن يلحقه بها فكتب هذه الجملة "وألحق بها زوجها" واهتم عبد القدوس ﵀ بأمر هذه المقبرة وطلب أن أصفها له فأخبرته أنني كنت أمشى على غير جادة بعد عصر أحد الأيام وكانت الطائف محصورة بين أسوارها ولم يكن خارج

стр. 524

مسجد ابن العباس إلا بعض البيوت والبساتين وكانت الأرض خلوا من البناء بين شهار وحوايا وقروى والسلامة، وبعد إلحاح منه تواعدنا على الخروج معا، وكنا نسير على الأقدام، فلم يكن لواحد منا في ذلك الزمان ما يركبه من دابة فضلا عن السيارة والحمد لله على ما أعطى ووهب، وكنا في اكتمال الشباب ومطلع الرجولة قويين نشطيين فخرجنا وقضينا الوقت من بعد العصر إلى أن أدركنا الظلام نضرب على غير هدى ولم أستطع العثور على المقبرة التي رأيتها والتى حرص عبد القدوس ﵀ أن يراها. اطلاعه الواسع وكان عبد القدوس ﵀ واسع الاطلاع على الكتب قديمها وحديثها وكان يخص الكتب القديمة منها بكثير من اهتمامه ولعل ذلك يعود إلى ولعه بالتاريخ والآثار والمتتبع لمؤلفاته المطبوعة وآثاره المنشورة يدرك سعة اطلاعه وعظيم معرفته. أخبرني ﵀ أن مكتبته الخاصة تشغل شقة كاملة في العمارة التي يملكها والتى يدير منها مجلة المنهل وقال لي فيما قال أن كتب الرحلات في المكتبة أصبحت تشغل جزءا كبيرا منها. ومما أذكره في هذا الباب أنني كنت أقيم في مكة منذ عام ١٣٥٥ إلى عام ١٣٦٤ هـ وقد استلفت نظرى ما رأيته في المسجد الحرام مما لم يكن معهودا أو مذكورا في العهد النبوي وفيما تلاه مثل المطوفين الذين يقودون الطائفين بالبيت الحوام وبين الصفا والمسعى، وكذلك الحمام الموجود في المسجد الحرام وهو بلون واحد وشكل واحد مما يدل على أنه من فصيلة واحدة وكذلك الأغوات الذين ينظمون الصفوف في ساحة المطاف ويقومون على شئون النساء. استلفتت هذه الأمور كلها نظرى وبدأت أسأل عنها فضلاء المكيين وأبحث عن جذورها الأولى ومتى بدأت، وكنت أعد لذلك كتابا ذهبت مع كل أسف أصوله كما ذهب الكثير من أوراقى عبر السنين وكنت قد كتبت بعض الفصول عن بعض هذه المواضيع ونشرتها قديما في جريدة البلاد السعودية.

стр. 525

كما نشرت أخيرا شيئًا من ذلك في جريدة المدينة المنورة. ونعود بعد هذا الاستطراد إلى صديقنا المرحوم الأستاذ عبد القدوس، فقد كتبت إليه وهو في المدينة المنورة قبل انتقاله إلى مكة ورجوته أن يبحث في مكتبات المدينة المنورة عن كلما يتعلق بأغوات الحرمين ويزودنى به، ولم يكذب عبد القدوس ﵀ ظني فلما لم يجد كتابا باللغة العربية في هذا الشان أرسل الي بترجمة كتاب باللغة التركية في هذا الموضوع. اريد بذكر هذه الحادثة أن أثبت سعة اطلاعه ومدى اهتمامه بالأبحاث التاريخية والأثرية ﵀. مجلة المنهل أصدر عبد القدوس مجلة المنهل في ذى الحجة من عام ١٣٥٥ هـ وهو مقيم بالمدينة المنورة وقد اتخذ لها مقرا بشارع العنبرية قريبا من المسجد النبوي الشريف وكان يصدرها وهو يعمل بالوظائف الرسمية التي كان يتقلدها. ومجلة المنهل تمثل الكثير من شخصية عبد القدوس ﵀ فقد أصر على إصدارها واستمرارها رغم قلة الموارد ولست أشك أنه لقي الكثير من الصعوبات المالية خاصة حتى أبقاها مستمرة ما يقرب من نصف قرن دون كلل أو ملل، فالمنهل ليست من المجلات التي تحظى بإعلانات المؤسسات والشركات أو الأفراد ولقد كانت ارامكو تنشر بها إعلانات ثابتة لا أشك أن الباعث عليها هو التقدير لهذا العمل الثقافى الرائد ولم تكن الجدوى الإعلامية للإعلان في حسبانها. ومجلة المنهل كما يعلم قراؤها مجلة متخصصة تعنى بالشئون الثقافية والأدبية والعلمية فليس للإعلان فيها سوق رائج لأن قراءها طبقة خاصة من الناس. ولكن عبد القدوس استمر في إصدارها رغم العوائق بل واستمر في تطوير طباعتها عاما بعد عام فأخذت تساير المجلات الأخرى في الطباعة الأنيقة المزودة بالصور والرسوم مع جودة الورق وجمال الإخراج. والمنهل تصدر شهرية منذ بدء تأسيسها ولكني لاحظت في السنوات الأخيرة أن

стр. 526

المجلة تصدر كل شهرين مرة إلا في بعض الشهور التي تتجمع فيها المواد فيصدر بها عدد خاص لكل شهر، وعلى أي حال فإن هذا الدمج قابله زيادة عدد الصفحات وكثرة المواد التي تحتويها. وإلى جانب تطور المجلة هذا من الناحية المادية فإن المحتوى كان دائما يزخر بالمواد الثقافية في شتى فنون العلم والأدب وبعض هذه المواد كان يتميز بالتحقيق والتدقيق وخاصة في المباحث التاريخية والأثرية واللغوية التي كان عبد القدوس نفسه يرحمه الله يعنى بها. وقد حظيت مجلة المنهل بتقدير كثير من العلماء والباحثين من خارج المملكة العربية السعودية فكانوا يرسلون إليها بعضا من آثارهم تقديرا لدورها البارز في نشر العلم والأدب والدين. وقد احتفظ عبد القدوس للمنهل بمكانتها الطيبة بابتعاده عن المهاترات وترفعه عن الإسفاف في الجدل أو الخروج عما رسمه للمجلة من حدود البحث في نطاق مقارعة الحجة بالحجة والمجادلة بالحسنى، وتخير النافع والمفيد. ولقد كان لاحتفاظ المجلة بهذا المستوى أكبر الأثر في استثنائها حين صدور قرار دمج الصحف وتحويلها إلى مؤسسات فكانت المنهل هي المجلة الوحيدة التي استثنيت من بين جميع المجلات والصحف التي كانت تصدر في المملكة العربية السعودية وبقيت خالصة باسم صاحبها دون شريك، ولقد كان هذا الاستثناء سببا في احتفاظ المنهل بملامحها الخاصة دون تغيير. المنهل مرجع هام وأستطيع أن أقول أن إعداد المنهل عبر هذه العقود من السنين تعتبر مرجعا هاما لكثير من الشخصيات والمباحث ولقد رجعت إليها في ترجمتى للسيد عبيد مدني ﵀ في أعلام الحجاز كما رجعت إليها فيما أنا بسبيل إعداده من ترجمة للشيخ أحمد إبراهيم غزاوى الشاعر المعروف يرحمه الله، وستبقى مرجعا للباحثين بما تضمه بين جوانبها من كنوز الثقافة والعرفان، وإني لارجو أن يعنى الأستاذ نبيه الأنصارى بالسير بها على خطى والده الكريم وأن يحافظ على تطويرها مادة ومعنى وهو

стр. 527

القادر على ذلك بعون الله. مؤلفات عبد القدوس ألف عبد القدوس ﵀ مؤلفات كثيرة نثبت هنا أسماءها: التوأمان - قصة اجتماعية آثار المدينة المنورة بين التاريخ والآثار الأنصاريات - ديوان شعر بناة العلم في الحجاز وهو ترجمة للسيد أحمد فيض آبادى مؤسس مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة. موسوعة تاريخ جدة وهو كتاب ضخم في تاريخ جدة. الملك عبد العزيز في مرآة الشعر وهو البحث الذى قدمه إلى مؤتمر الأدباء السعوديين الأول الذى عقد بمكة المكرمة في ٣/ ٤/ ١٣٩٤ هـ تاريخ الكعبة المعظمة قبل الإسلام شاعر العرب عبد المحسن الكاظمي إصلاحات في لغة الكتابة والأدب بنو سليم رحلة في كتاب من التراث التحقيقات المعدة بحتمية ضم جدة. مع ابن جبير في رحلته طريق الهجرة النبوية تحقيق أماكن مجهولة بالحجاز وتهامه. والقسم الأكبر من هذه المؤلفات يتسم بطابع التحقيق التاريخي، ويدل على اهتمامات عبد القدوس ﵀ بالآثار والتاريخ أما القسم الآخر فيدل على

стр. 528

اهتماماته بالتحقيقات اللغوية والأدبية وهي مكملة لاهتماماته التاريخية والأثرية. هذا هو المطبوع من مؤلفاته ولقد ترك بعض المؤلفات التي لم تطبع فمنها ما قد كمل وما هو تحت الإكمال، ولن تتسع هذه الترجمة للكتابة عن كل هذه المؤلفات لذا فقد اخترت الكتابة عن أضخم كتبه وهو موسوعة تاريخ مدينة جدة والذى بذل الكثير من الجهد والوقت في جمعه وتحقيقه. وكذلك عن كتابه الهام آثار المدينة المنورة الذى ظهرت طبعته الأولى قبل نصف قرن ولنبدأ بآثار المدينة المنورة آثار المدينة المنورة لعبد القدوس ﵀ كتاب صغير الحجم ولكنه عظيم القيمة والقدر هو كتاب آثار المدينة المنورة الذى ألفه قبل نصف قرن، فقد ظهرت طبعته الأولى في سنة ١٣٥٣ هـ، وعبد القدوس يومها في الثلاثين من العمر ثم أعيد طبعه في عام ١٣٧٨ هـ وطبع للمرة الثالثة في سنة ١٣٩٣ هـ وقد قسم الكتاب إلى عشرة أقسام هي كما يلي: - ١ - قسم الدور وقد تحدث فيها المؤلف أولا عن الدور التي نزل بها الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه أول وصوله إلى المدينة المنورة وهي دار كلثوم بن الهدم وسعد بن خيثمه بقباء ثم دار أبي أيوب الأنصارى التي اتخذها ﴿ ﷺ ﴾ مسكنا إلى أن بنى دوره بجوار المسجد. كما تحدث عن دور عبد الله بن عمر وجعفر الصادق وعثمان بن عفان وأبي بكر الصديق ودار ريطة ودار خالد بن الوليد وعمرو بن العاص ودار مروان بن الحكم. وحدد المؤلف مواقع هذه الدور مستشهدا بالأدلة التاريخية التي توصل إليها.

стр. 529

٢ - قسم القصور أما عن القصور الأثرية فقد تحدث الكاتب عن قصر سعيد بن العاص الذى لا تزال آثاره باقية حتى اليوم تشهد بماضٍ عريق لهذا القصير الذى قال الشاعر في وصفه: القصر فالنخل فالجماء بينهما … أحلى إلى القلب من أبواب جيرون وزين حديثه عن القصر بصورة فوتوغرافية لبقاياه الشاهدة بماضيه الغابر التليد. وكذلك تحدث عن قصر عاصم والسد الذى بناه بجوار قصره. ٣ - قسم الحصون وفى هذا القسم تحدث المؤلف عن حصن كعب بن الأشرف في بنى النضير وأثبت له أو على الأصح لبقاياه صورة فوتوغرافيه، وقد زار عبد القدوس ﵀ الحصن ثلاث مرات ليتثبت من أن هذه البقايا هي حصن كعب بن الأشرف، وليست بقايا حصن آخر أو منازل أخرى ويقص علينا الشكوك التي قامت في نفسه، والأدلة التي توصل إليها بعد البحث في كتب التاريخ والاستفسار من سكان المنطقة من الأحياء، وكذلك الأمر بالنسبة لأطم الضحيان الذى أثبت صورة فوتوغرافية لبقاياه وهو لاحيحة بن الجلاح وما ذكرناه عن اطم ألضحيان ينطبق على أطم أبي دجانة الساعدي الأنصارى. ٤ - قسم المساجد تحدث فيه المؤلف عن مسجد قباء ومسجد الجمعة والمسجد النبوي الشريف ومسجد المصلى أو مسجد الضمان ومسجد الفتح ومسجد ذباب ومسجد القبلتين ومسجد بني ظفر ومسجد السقيا ومسجد الإجابة ومسجد السجدة ومسجد الشمس.

стр. 530

المسجد النبوى الشريف وقد رأيت أن استخلص للقارئ بعض المعلومات عن المسجد النبوى الشريف لما لهذا المسجد من مقام عظيم في نفوس المسلمين عامة ولأثره البالغ في تاريخ الإسلام. ١ - بني المسجد النبوي الشريف في السنة الأولى للهجرة على يدى النبي صلوات الله وسلامه عليه وكان بناؤه بسيطا بالغ البساطة كان أساسه الحجارة وجدره من اللبن وعمده من جذوع النخل وسقفه الجريد وكانت مساحته نحوا من ٣٥ مترا من الجنوب إلى الشمال و ٣٠ مترا من الشرق إلى الغرب وقد اشترك المسلمون في البناء وشاركهم في ذلك النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه. ٢ - زاد النبي ﴿ ﷺ ﴾ في المسجد في السنة السابعة للهجرة فأصبح مربعا. ٣ - زاد عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه في المسجد في السنة السابعة عشرة للهجرة خمسة أمتار في الجنوب وعشرة أمتار في الغرب و ١٥ مترا في الشمال. ٤ - جدد عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه في عمارته في سنة ٢٩ للهجرة فبناه بالحجارة والجص والعمد المحشوة بالحديد وسقفه بالساج وزاد في الشرق والغرب والشمال والجنوب، يقول المؤلف وهي منتهى الزيادات بجنوبي المسجد حتى الآن. ٥ - جدد الوليد بن عبد الملك عمارة المسجد في عام ٨٨ للهجرة وانتهت العمارة في سنة ٩١ للهجرة، وزاد فيه من الغرب والشرق وأدخل حجر أمهات المؤمنين في المسجد وأقام الدائر المخمس على الحجرة، وعمره بالحجارة المطابقة، والجص والعمد، ونقش جدرانه بالفسيفساء والمرمر وسقفه بالساج وذهبه. ٦ - زاد المهدى العباسي في عام ١٦١ هـ فيه وانتهت عمارته في سنة ١٦٥ هـ ولم يذكر المؤلف مقدار هذه الزيادة. ٧ - وقع حريق في المسجد النبوي الشريف فقام الخليفة المستعصم بتجديده وبدأت العمارة في سنة ٦٥٥ للهجرة وانتهت في عصر الظاهر بيبرس البندقدارى.
следующие страницы →