المجلة تصدر كل شهرين مرة إلا في بعض الشهور التي تتجمع فيها المواد فيصدر بها عدد خاص لكل شهر، وعلى أي حال فإن هذا الدمج قابله زيادة عدد الصفحات وكثرة المواد التي تحتويها. وإلى جانب تطور المجلة هذا من الناحية المادية فإن المحتوى كان دائما يزخر بالمواد الثقافية في شتى فنون العلم والأدب وبعض هذه المواد كان يتميز بالتحقيق والتدقيق وخاصة في المباحث التاريخية والأثرية واللغوية التي كان عبد القدوس نفسه يرحمه الله يعنى بها.
وقد حظيت مجلة المنهل بتقدير كثير من العلماء والباحثين من خارج المملكة العربية السعودية فكانوا يرسلون إليها بعضا من آثارهم تقديرا لدورها البارز في نشر العلم والأدب والدين. وقد احتفظ عبد القدوس للمنهل بمكانتها الطيبة بابتعاده عن المهاترات وترفعه عن الإسفاف في الجدل أو الخروج عما رسمه للمجلة من حدود البحث في نطاق مقارعة الحجة بالحجة والمجادلة بالحسنى، وتخير النافع والمفيد. ولقد كان لاحتفاظ المجلة بهذا المستوى أكبر الأثر في استثنائها حين صدور قرار دمج الصحف وتحويلها إلى مؤسسات فكانت المنهل هي المجلة الوحيدة التي استثنيت من بين جميع المجلات والصحف التي كانت تصدر في المملكة العربية السعودية وبقيت خالصة باسم صاحبها دون شريك، ولقد كان هذا الاستثناء سببا في احتفاظ المنهل بملامحها الخاصة دون تغيير.
المنهل مرجع هام
وأستطيع أن أقول أن إعداد المنهل عبر هذه العقود من السنين تعتبر مرجعا هاما لكثير من الشخصيات والمباحث ولقد رجعت إليها في ترجمتى للسيد عبيد مدني ﵀ في أعلام الحجاز كما رجعت إليها فيما أنا بسبيل إعداده من ترجمة للشيخ أحمد إبراهيم غزاوى الشاعر المعروف يرحمه الله، وستبقى مرجعا للباحثين بما تضمه بين جوانبها من كنوز الثقافة والعرفان، وإني لارجو أن يعنى الأستاذ نبيه الأنصارى بالسير بها على خطى والده الكريم وأن يحافظ على تطويرها مادة ومعنى وهو
стр. 527
القادر على ذلك بعون الله.
مؤلفات عبد القدوس
ألف عبد القدوس ﵀ مؤلفات كثيرة نثبت هنا أسماءها:
التوأمان - قصة اجتماعية
آثار المدينة المنورة
بين التاريخ والآثار
الأنصاريات - ديوان شعر
بناة العلم في الحجاز وهو ترجمة للسيد أحمد فيض آبادى مؤسس مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة.
موسوعة تاريخ جدة وهو كتاب ضخم في تاريخ جدة.
الملك عبد العزيز في مرآة الشعر وهو البحث الذى قدمه إلى مؤتمر الأدباء السعوديين الأول الذى عقد بمكة المكرمة في ٣/ ٤/ ١٣٩٤ هـ
تاريخ الكعبة المعظمة قبل الإسلام
شاعر العرب عبد المحسن الكاظمي
إصلاحات في لغة الكتابة والأدب
بنو سليم
رحلة في كتاب من التراث
التحقيقات المعدة بحتمية ضم جدة.
مع ابن جبير في رحلته
طريق الهجرة النبوية
تحقيق أماكن مجهولة بالحجاز وتهامه.
والقسم الأكبر من هذه المؤلفات يتسم بطابع التحقيق التاريخي، ويدل على اهتمامات عبد القدوس ﵀ بالآثار والتاريخ أما القسم الآخر فيدل على
стр. 528
اهتماماته بالتحقيقات اللغوية والأدبية وهي مكملة لاهتماماته التاريخية والأثرية.
هذا هو المطبوع من مؤلفاته ولقد ترك بعض المؤلفات التي لم تطبع فمنها ما قد كمل وما هو تحت الإكمال، ولن تتسع هذه الترجمة للكتابة عن كل هذه المؤلفات لذا فقد اخترت الكتابة عن أضخم كتبه وهو موسوعة تاريخ مدينة جدة والذى بذل الكثير من الجهد والوقت في جمعه وتحقيقه.
وكذلك عن كتابه الهام آثار المدينة المنورة الذى ظهرت طبعته الأولى قبل نصف قرن ولنبدأ بآثار المدينة المنورة
آثار المدينة المنورة
لعبد القدوس ﵀ كتاب صغير الحجم ولكنه عظيم القيمة والقدر هو كتاب آثار المدينة المنورة الذى ألفه قبل نصف قرن، فقد ظهرت طبعته الأولى في سنة ١٣٥٣ هـ، وعبد القدوس يومها في الثلاثين من العمر ثم أعيد طبعه في عام ١٣٧٨ هـ وطبع للمرة الثالثة في سنة ١٣٩٣ هـ وقد قسم الكتاب إلى عشرة أقسام هي كما يلي: -
١ - قسم الدور
وقد تحدث فيها المؤلف أولا عن الدور التي نزل بها الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه أول وصوله إلى المدينة المنورة وهي دار كلثوم بن الهدم وسعد بن خيثمه بقباء ثم دار أبي أيوب الأنصارى التي اتخذها ﴿ ﷺ ﴾ مسكنا إلى أن بنى دوره بجوار المسجد. كما تحدث عن دور عبد الله بن عمر وجعفر الصادق وعثمان بن عفان وأبي بكر الصديق ودار ريطة ودار خالد بن الوليد وعمرو بن العاص ودار مروان بن الحكم. وحدد المؤلف مواقع هذه الدور مستشهدا بالأدلة التاريخية التي توصل إليها.
стр. 529
٢ - قسم القصور
أما عن القصور الأثرية فقد تحدث الكاتب عن قصر سعيد بن العاص الذى لا تزال آثاره باقية حتى اليوم تشهد بماضٍ عريق لهذا القصير الذى قال الشاعر في وصفه:
القصر فالنخل فالجماء بينهما … أحلى إلى القلب من أبواب جيرون
وزين حديثه عن القصر بصورة فوتوغرافية لبقاياه الشاهدة بماضيه الغابر التليد. وكذلك تحدث عن قصر عاصم والسد الذى بناه بجوار قصره.
٣ - قسم الحصون
وفى هذا القسم تحدث المؤلف عن حصن كعب بن الأشرف في بنى النضير وأثبت له أو على الأصح لبقاياه صورة فوتوغرافيه، وقد زار عبد القدوس ﵀ الحصن ثلاث مرات ليتثبت من أن هذه البقايا هي حصن كعب بن الأشرف، وليست بقايا حصن آخر أو منازل أخرى ويقص علينا الشكوك التي قامت في نفسه، والأدلة التي توصل إليها بعد البحث في كتب التاريخ والاستفسار من سكان المنطقة من الأحياء، وكذلك الأمر بالنسبة لأطم الضحيان الذى أثبت صورة فوتوغرافية لبقاياه وهو لاحيحة بن الجلاح وما ذكرناه عن اطم ألضحيان ينطبق على أطم أبي دجانة الساعدي الأنصارى.
٤ - قسم المساجد
تحدث فيه المؤلف عن مسجد قباء ومسجد الجمعة والمسجد النبوي الشريف ومسجد المصلى أو مسجد الضمان ومسجد الفتح ومسجد ذباب ومسجد القبلتين ومسجد بني ظفر ومسجد السقيا ومسجد الإجابة ومسجد السجدة ومسجد الشمس.
стр. 530
المسجد النبوى الشريف
وقد رأيت أن استخلص للقارئ بعض المعلومات عن المسجد النبوى الشريف لما لهذا المسجد من مقام عظيم في نفوس المسلمين عامة ولأثره البالغ في تاريخ الإسلام.
١ - بني المسجد النبوي الشريف في السنة الأولى للهجرة على يدى النبي صلوات الله وسلامه عليه وكان بناؤه بسيطا بالغ البساطة كان أساسه الحجارة وجدره من اللبن وعمده من جذوع النخل وسقفه الجريد وكانت مساحته نحوا من ٣٥ مترا من الجنوب إلى الشمال و ٣٠ مترا من الشرق إلى الغرب وقد اشترك المسلمون في البناء وشاركهم في ذلك النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
٢ - زاد النبي ﴿ ﷺ ﴾ في المسجد في السنة السابعة للهجرة فأصبح مربعا.
٣ - زاد عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه في المسجد في السنة السابعة عشرة للهجرة خمسة أمتار في الجنوب وعشرة أمتار في الغرب و ١٥ مترا في الشمال.
٤ - جدد عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه في عمارته في سنة ٢٩ للهجرة فبناه بالحجارة والجص والعمد المحشوة بالحديد وسقفه بالساج وزاد في الشرق والغرب والشمال والجنوب، يقول المؤلف وهي منتهى الزيادات بجنوبي المسجد حتى الآن.
٥ - جدد الوليد بن عبد الملك عمارة المسجد في عام ٨٨ للهجرة وانتهت العمارة في سنة ٩١ للهجرة، وزاد فيه من الغرب والشرق وأدخل حجر أمهات المؤمنين في المسجد وأقام الدائر المخمس على الحجرة، وعمره بالحجارة المطابقة، والجص والعمد، ونقش جدرانه بالفسيفساء والمرمر وسقفه بالساج وذهبه.
٦ - زاد المهدى العباسي في عام ١٦١ هـ فيه وانتهت عمارته في سنة ١٦٥ هـ ولم يذكر المؤلف مقدار هذه الزيادة.
٧ - وقع حريق في المسجد النبوي الشريف فقام الخليفة المستعصم بتجديده وبدأت العمارة في سنة ٦٥٥ للهجرة وانتهت في عصر الظاهر بيبرس البندقدارى.
стр. 531
أقول ولإيضاح الأمر نذكر أن الخليفة العباسى المستعصم أمر بتجديد عمارة المسجد النبوي الشريف وبدأت العمارة في سنة ٦٥٥ هـ وفى عام ٦٥٦ هاجم التتار بقيادة هولاكو بغداد واجتاحوا وأسرفوا في قتل أهلها حتى يذكر أن عدد القتلى بلغ أكثر من ألف ألف نسمة - مليون قتيل - وقتلوا الخليفة رفسا.
ثم ساروا إلى الشام فالتقى بهم المصريون بقيادة قطز في عين جالوت وهزم الله التتار على يد جيش المسلمين في الخامس عشر من رمضان سنة ٦٥٨ هـ، ثم تولى الظاهر بيبرس البندقدارى السلطنة في مصر بعد أن قتل قطز ومد نفوذه إلى الحجاز فقام بعدة إصلاحات بالحرم النبوى الشريف وأرسل الكسوة إلى الكعبة كما أرسل الصدقات والزيت والشموع، ويبدو أنه بدأ سياسته في مد نفوذه إلى الحجاز بإكمال العمارة في المسجد النبوى الشريف التي بدأها الخليفة المستعصم العباسي في سنة ٦٥٥ هـ. (١)
٨ - جدد الملك الناصر محمد بن قلاوون سقفه شرقي رحبته وغربيها وزاد رواقين في السقف الجنوبي مما يلى الرحبة عام ٧٧٥ و ٧٠٦ و ٧٢٩ للهجرة.
٩ - وقد تم تجديد الرواقين المذكورين آنفا في عهد الأشرف برسباى عام ٨٣١ للهجرة.
١٠ - جدد الظاهر سقف الروضة وسقوفا أخرى عام ٨٥٣ للهجرة (٢)
١١ - عمره قايتباى سنة ٨٧٩ هـ.
١٢ - قام بعمارته العظمى المنتهية في أواخر القرن التاسع الهجرى.
стр. 532
أقول والظاهر مما ذكره المؤلف أن قايتباى قام بعمارتين للمسجد الأولى في سنة ٨٧٩ هـ والثانية التي وصفها بالعظمى هي التي انتهت في سنة ٨٧٩ هـ.
١٣ - جدد السلطان سليمان كامل الجدار الغربي من حذاء باب الرحمة إلى المنارة السليمانية سنة ٩٧٤ هـ كما هو منقوش بعلو الجدار المذكور من الداخل قرب باب الرحمة، وبنى المحراب السليماني عام ٩٣٨ هـ والمحراب النبوي على ما يبدو من هيئته.
١٤ - عمره السلطان سليم الثاني سنة ٩٨٥ هجرية.
١٥ - بنى السلطان محمود القبة على القبر الشريف ثم أمر بترميمها ودهنها باللون الأخضر الذى لا تزال تصبغ به إلى اليوم وذلك في سنة ١٢٣٣ كما ورد في مرآة الحرمين لإبراهيم رفعت، وقد ذكر المؤلف نقلا عن كتاب مرآة الحرمين لأيوب صبرى المؤلف باللغة التركية والمطبوع في الآستانة سنة ٣٠٥ هجرية ما ملخصه:
في عهد السلطان محمود خان الثانى وجد في القبة الخضراء تشقق، بسبب عدم متانة جدرانها، وعدم متانة حزامها العلوى، فأمر السلطان محمود بهدمها من قواعدها، وبناها على قواعد مثبتة ورفع بناءها الحالي.
ويعلق المؤلف على ذلك قائلا، ويتضح من ذلك أن القبة التي بناها قايتباي هي غير هذه القبة الخضراء الحالية ويؤيد أن القبة الخضراء الحالية عثمانية البناء هذا الهلال الموضوع فوقها وهو شعار الدولة العثمانية كما هو معروف.
أقول: والذى استطعت إستخلاصه مما نقلناه آنفا هو أن السلطان قايتباى بنى القبة الخضراء على القبر الشريف في عمارته العظمى للمسجد والتى انتهت في أواخر القرن التاسع الهجرى، ثم أن هذه القبة ظهر فيها التشقق في عهد السلطان محمود خان في سنة ١٢٣٣ هجرية فقام بهدمها وإعادة بنائها ومن ثم اتخذت هذه العمارة الطابع العثماني الذى أشار إليه المؤلف وعلى هذا فإن القبة الخضراء المقامة على القبر الشريف يرجع تاريخها إلى أواخر القرن الهجرى التاسع والله أعلم.
١٦ - قام السلطان عبد المجيد العثماني بالعمارة الكبرى للمسجد في عام ١٢٦٥
стр. 533
هـ وانتهت في عام ١٢٧٧ هـ وفى هذه العمارة فتح الباب المجيدى وسمي باسم فاتحه السلطان عبد المجيد العثماني.
الترميمات في المسجد
١ - رمم فخري باشا الوالي التركي المحرابين النبوي والسليماني ورمم البئر التي كانت في صحن المسجد عام ١٣٣٦ هـ ومعلوم أن هذه البئر قد طمت.
٢ - رمم المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود أرض المسجد مما يلى رحبته في الجهات الأربع عام ١٣٤٨ هـ ووضع أطواقا حديدية على بعض الأساطين التي حدث فيها تشقق بغربي الرحبة وشرقيها وذلك في سنة ١٣٥٠ هـ.
٣ - رممت الحكومة المصرية المسجد في سنة ١٣٥٤ هـ من غلة أوقاف الحرمين الشريفين بمصر ولم يورد المؤلف تفاصيل هذا الترميم.
العمارة السعودية للمسجد النبوى الشريف
على أثر ظهور الخراب في بعض أعمدة المسجد النبوى الشريف أمر الملك عبد العزيز ﵀ بتوسعة المسجد النبوى الشريف وقد أصدر أمرا بذلك بتاريخ ٥ رمضان ١٣٦٨ هـ وبدئ بتنفيذ العمارة السعودية في ٥ شوال ١٣٧٠ هـ.
هدم الدور والأماكن المحيطة بالمسجد
وبدأ المشروع بهدم الدور والأماكن المحيطة بالمسجد بعد انتزاع ملكيتها وتعويض أصحابها تعويضا سخيا وبلغت الدور والأماكن المنزوعة للتوسعة وللميادين والشوارع المحيطة بالمسجد ٢٢٩٥٥ مترا مسطحا.
استمر العمل في البناء من ٥ شوال ١٣٧٠ هـ وانتهى في أوائل ١٣٧٥ هـ وقدرت المواد التي استعملت في العمارة السعودية بثلاثين ألف طن من الأسمنت والحديد والأخشاب والمؤن حملتها إلى ميناء ينبع أكثر من ثلاثين باخرة ونقلت
стр. 534
بالسيارات الضخمة من ميناء ينبع إلى المدينة المنورة، وأقيم مصنع خاص لأعمال الموازييك في منطقة ذى الحليفة وجلب له المهندسون والأخصائيون.
وبلغ عدد العاملين في عمارة المسجد النبوى ألفا وخمسمائة عامل يشاركهم مائتي صانع ويشرف عليهم أربعة عشر مهندسا جميعهم من الدول الإسلامية من مصر وسوريا والباكستان والسودان واليمن وحضرموت علاوة على السعوديين وبلغت مجموع الزيادة التي تمت في العمارة السعودية للمسجد ستة آلاف وأربعة وعشرين مترا.
مراحل الزيادات في المسجد النبوى الشريف
وننقل فيما يلى مراحل الزيادات التي تمت في مساحة المسجد النبوى الشريف منذ تأسيسه على يدي الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه وحتى هذا الوقت الحاضر كما أثبتها المؤلف وهي موضحة بالأمتار:
أمتار مربعة
٢٤٧٥ مساحة بناء النبي ﴿ ﷺ ﴾
١١٠٠ زيادة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه.
٤٩٦ زيادة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه
٢٣٦٩ زيادة الوليد بن عبد الملك الأموى.
٢٤٥٠ زيادة المهدى العباسى
١٢٠ زيادة الملك الأشرف قايتباى
١٢٩٣ زيادة السطان عبد المجيد العثمانى
١٠٣٠٣ مجموع المساحة العامة للمسجد قبل التوسعة السعودية
٦٠٢٤ الزيادة السعودية الحالية الأولى
والواقع أن العمارة السعودية تنقسم إلى قسمين، القسم الأول هو هدم بعض
стр. 535
أجزاء المسجد القديم وإعادة تعميرها وكذلك ترميم بعض أجزائه والقسم الثانى هو التوسعة التي زيدت في مساحة المسجد وقد أوضح المؤلف ذلك كما يلى:
٦٠٢٩ مقدار التوسعة السعودية
٦٢٤٧ مقدار الأجزاء القديمة التي هدمت وأعيد تعميرها وهي الجهات الثلاث
١٢٢٧١
٤٠٥٦ مساحة الجهة القبلية - الجنوبية - الباقية من البناء القديم.
١٦٣٢٧ المجموع الكلي لمساحة المسجد النبوى حاليا.
معلومات عامة عن المسجد
أساطين المسجد ونوافذه
يبلغ عدد الأساطين في المسجد النبوى الشريف قبل العمارة السعودية ٣٢٧ أسطوانة: يبلغ عدد الأعمدة في العمارة السعودية ٤٧٤ عمودا محيطة بالجدار و ٢٣٢ عمودا مستديرا. يبلغ طول كل من الجدار الغربى والشرقي للمسجد ١٢٨ مترا ويبلع طول الجدار الشمالي ٩١ مترا. يبلغ عدد النوافذ في الجدار القبلى للمسجد أربعة عشر نافذة مكونة من شبكة حديدية في منتهى الدقة والجمال وأمام الواجهة الشريقة نافذة تطل على دار عبد الله بن عمر.
المحراب العثمانى
يقع المحراب العثمانى قبلي المسجد وهذا المحراب هو الزيادة التي زادها الخليفة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في المسجد ويدخل إليه من باب السلام وفيه محراب الإمام وفى نهاية المحراب موضع الزيارة للقبر الشريف.
стр. 536
المحراب النبوي - والروضة الشريفة
يقع المحراب النبوى في شرقي المنبر وما بين المنبر والقبر الشريف هو الروضة ومساحة الروضة ٢٢ مترا في عرض ١٥ مترا، وفى الجانب الغربي من المحراب كتب بخط نافر هذا مصلى رسول الله ( ﷺ ).
يقول المؤلف وشكل بناية هذا المحراب ينبئ بأنه قرين المحراب السليماني في طراز العمارة وقد حصل فيه ترميم أيام فخرى باشا وبعدها.
المحراب السليماني
أما المحراب السليماني فيقع في غربي المنبر وهو على شكل المحراب النبوي في زخرفته وبنائه وقد بناه السلطان سليمان العثماني في سنة ٩٣٨ هـ كما يظهر من الكتابة المثبتة فيه وقد رمم في عهد الوالي التركي فخري باشا إبان الحرب العالمية الأولى.
المنبر
يقع غربي المحراب النبوي وبه اثنتا عشرة درجة ثلاث بخارجه وتسع بالداخل وهو مصنوع من المرمر وظاهره مغمور بالتذهيب والنقوش الفائقة وفوقة قبة لطيفة تقوم على أربعة أعمدة مضلعة من المرمر، وقد أمر ببنائه السلطان مراد العثماني وأرسل إلى المدينة سنة ٩٩٨ هـ كما هو مثبت على بابه شعرا ويتم طلاء المنبر والمحراب في المسجد النبوى الشريف بالذهب.
الحجرة النبوية الشريفة
وكانت تسمى قديما المقصورة ومساحتها من الشمال إلى الجنوب ستة عشرا مترا ومن الشرق إلى الغرب خمسة عشرا مترا وقد أمر ببنائها الملك الأشرف قايتباي وجعل لها السور الخارجي من النحاس الأصفر ووضع عليها القبة الداخلية وهي مبنية بالحجر الأسود والأبيض وتقع فوق الحجرة الشريفة وللسور الخارجى المعروف
стр. 537
بالشباك باب قبلي أي جنوبي ويسمى باب التوبة، ويقول المؤلف وعليه صفيحة فضية مرقوم عليها تاريخ صنعها سنة ١٠٢٦ هـ.
أقول: لعل المقصود وهو تاريخ صنع الباب المذكور.
والمحجرة الشريفة باب في الشمال يقال له باب التهجد.
وباب في الشرق يدعى باب فاطمة. وكذلك باب في الغرب.
صب الرصاص حول الحجرة
وقد حفر الملك العادل نور الدين الشهيد سنة ٥٥٧ هـ خندقا عميقا حول الحجرة وصب فيه الرصاص للحيلولة بين الجسد الشريف ومن يريد الوصول إليه.
الكوكب الدري
وكانت الهدايا تهدى إلى الحجرة النبوية الشريفة، وقد ذكر المؤلف نقلا عن كتاب مرآة الحرمين لإبراهيم رفعت باشا أن من ضمن ما كان في الحجرة الشريفة من الذخائر قطعتان كبيرتان من الألماس نقلتا إلى الاستانة خلال الحرب العالمية الأولى ولم تعادا إلى الآن.
حجرة فاطمة
وبشمالي الدائر المخمس في داخل الشباك حجرة فاطمة أو قبرها - والأصح أن فاطمة دفنت في بقيع الغرقد كما يقول المؤلف - وبخلف هذه الحجرة محراب يقال له محراب فاطمة.
محراب التهجد
وفى شمال الشباك من الخارج محراب يسمى محراب التهجد جدد في عهد
стр. 538
السلطان عبد المجيد وقد أزيل أخيرا.
الصُّفَّة
وتسمى في الوقت الحاضر دكة الأغوات وكانت هي المكان الذى يجلس فيه فقراء المهاجرين في حياة النبي ﴿ ﷺ ﴾ وهي مواجهة لمحراب فاطمة وهي عبارة عن دكة طولها ١٢ مترا في عرض ٨ أمتار تعلو عن الأرض التي حولها بنصف متر. وعليها داربزين من الصفر وبجانبها إلى الشرق مخزن أمامه دكة كانت معدة لجلوس شيخ الحرم النبوي في أيام الدولة العثمانية.
المآذن
مآذن المسجد خمس أربع منها شامخة وهي:
١ - الرئيسية بالجنوب من المسجد بناها قايتباي.
٢ - منارة باب السلام بالجنوب الغربي منه.
٣ - السليمانية شرقي الباب المجيدي.
٤ - الشكلية بشماله.
٥ - منارة باب الرحمة وقد أزيلت وضم مكانها إلى رحبة باب الرحمة وكان بناؤها في عهد قايتباى وهي أقصر من جميع المآذن وقد حصل في كل المآذن ترميم في العمارة السعودية الجديدة.
أبواب المسجد النبوي الشريف
كان للمسجد خمسة أبواب كعدد مآذنه قبل التوسعة السعودية وهذه الأبواب هي:
باب السلام في الجنوب الغربي وكان يسمى باب مروان.
باب الرحمة بالشمال الغربي وكان يقال له باب عاتكة.
باب النساء وهو يقابل باب الرحمة من المشرق وكان يسمى باب ريطة باب جبريل بحذاء باب النساء من الجنوب.
الباب المجيدى بشمال شرقي المسجد ونسبته إلى السلطان عبد المجيد العثماني الذى عمر في عهده المسجد النبوي العمارة التي سبقت التوسعة السعودية مباشرة.
стр. 539
وقد زيد في التوسعة السعودية خمسة أبواب هي: -
باب الصديق أبي بكر وهو بثلاث فتحات متلاصقة ويقع بين باب السلام وباب الرحمة غرب المسجد.
باب الملك وله ثلاث فتحات متلاصقة أيضا ويقع كسابقه في غرب المسجد.
باب عمر بن الخطاب في شمال المسجد الغربي.
باب عثمان بن عفان في شمال المسجد الشرقي.
باب عبد العزيز وهو ذو ثلاث فتحات متلاصقة وموقعه في الجهة الشرقية من المسجد النبوي.
جدران المسجد
هي بصفة عامة مبنية من الحجر الأسود المنحوت المطابق وهي في غاية المتانة وسمكها نحو ٣ أمتار وكلها مطلية بالجير داخلا وخارجا وهذا الوصف للجدران في العمارة العثمانية وقد هدم بعضها في العمارة السعودية وبنيت بقوالب الأسمنت وطليت من الداخل والخارج بالدهانات.
إنارة المسجد النبوي
كانت الإنارة في المسجد النبوى تعتمد على قناديل الزيت التي لا تزال بقاياها معلقة في العوارض الحديدية بين أعمدة المسجد، كما كانت الشموع توقد في المسجد للإضاءة إلى جانب القناديل، وأول من أضاء المسجد النبوي بالكهرباء هو السلطان عبد المجيد الثانى العثماني الذى بعث مكينة كهربائية لإضاءة المسجد وكان بدء الإنارة بالكهرباء يوم ٢٥ شعبان ١٣٢٦ هجرية وهو يوم الاحتفال بإفتتاح السكة الحديدية الحجازية بالمدينة المنورة.
ولما قدمت المكينة المذكورة أهدى الحاج الشاوي الجزائري المغربي مكينة جديدة لإضاءة المسجد الشريف وبقيت هذه المكينة مستعملة كما يقول المؤلف إلى سنة ١٣٥٣ هجرية وهي سنة تأليف كتابه هذا.
стр. 540
التوسعة الثانية للمسجد النبوي
لقد ظهرت الحاجة إلى توسعة المسجد النبوي الشريف على أثر تكاثر الحجاج عاما بعد عام وكذلك لسهولة المواصلات بين مدن المملكة مما سهل للمواطنين القدوم إلى المدينة المنورة بطريق الجو والبر ولهذا فقد جرى الإعداد للتوسعة الثانية للمسجد وتم نزع ملكيات كثير من المباني والأماكن ويقول المؤلف أن هذه التوسعة ستتم باتجاه الغرب وستمتد من الجدار الغربي للمسجد إلى الشارع العيني بطول يبلغ مقداره ١٦٥ مترا كما ستمتد من الجنوب الغربي إلى الشمال الغربي حتى محلة الساحة ويبلغ مجموع مساحة التوسعة الجديدة ما يزيد على ستة وعشرين ألف متر وتزيد قيمة التعويضات فيها على خمسين مليون متر.
هذا ما كتبه المؤلف في سنة ١٣٩٣ هـ في آخر طبعة لكتابه القيم الذى نتحدث عنه، وقد تم نزع ملكيات أخرى حول المسجد النبوي الشريف كما وألحقت مساحات كبيرة من الأرض به وأحيطت بالأسوار وأضيئت بالكهرباء وأعدت للصلاة والمأمول أن تجرى العمارة الجديدة المنوية وأن تتم كما تمت سابقتها في المسجد النبوي والمسجد الحرام وفق الله ولاة الأمور وأعانهم على إتمام ذلك أنه سميع مجيب.
وقد تحدث المؤلف في كتابه القيم عن أودية المدينة وعيونها ومحلاتها الشهيرة إلى غير ذلك من المباحث الهامة والقيمة التي نكتفي بالإشارة إليها خشية الإطالة ونحيل الراغب في الاستزادة إلى هذا الكتاب الصغير في حجمه والكبير في قدره ومحتواه.
أن كتاب آثار المدينة المنورة الذى الله عبد القدوس ﵀ وهو في الثلاثين من العمر من الكتب النادرة في موضوعه وهو خلاصة جهد عظيم ودأب وتحقيق كبيرين، ولقد كنت أتمنى لو أنه ﵀ أفاض في بعض المواضيع التي عالجها لكن ذلك أشفى لنفس القارئ وأكثر فائدة لأن هذه المباحث العزيزة يتشوق إليها
стр. 541
الراغب في المعرفة وهي مرتبطة بتاريخ المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى ومنطلق الجهاد ومهبط الوحي ومستقر صحابة رسول الله ومن تبعهم من اعلام الإسلام.
وأخيرا فإن هذا الذى ذكرت لا ينقص من قيمة الكتاب فالمؤلف كان يكتب الآثار ولم يكن يكتب التاريخ ولكل كاتب أسلوبه فيما يكتب وطريقته فيما يعالج من الأمور.
أن الكتاب من المراجع الهامة التي لم يؤلف مثلها في بابها ولهذا يقرأ على توالى السنين والأيام.
موسوعة تاريخ مدينة جدة
ألف عبد القدوس كتاب تاريخ مدينة جدة وظهرت طبعته الأولى في سنة ١٣٨٣ هـ بطلب من رئيس بلدية جدة ثم أصدر طبعته الثانية في سنة ١٤٠٠ باسم موسوعة تاريخ مدينة جدة وأضاف إليه إضافات كثيرة كما ذكر لي أن للكتاب جزءا ثانيا هو بسبيل إعداده وإظهاره للناس وهذا الجزء هو لتاريخ جدة بعد عام ١٣٨٣ هـ حيث شهدت المدينة بعد هذا التاريخ الكثير من التطور والامتداد بحيث أصبحت تسابق الزمن في تطورها واتساعها كما سبقت المدن الأخرى بما نالته من عناية في جميع الأحوال.
ولقد أخبرني نجله الأستاذ نبيه أن القسم الأكبر من الجزء الثاني من هذا الكتاب قد أتمه عبد القدوس ﵀ قبل وفاته وأنه كان قد حدد مواد المواضيع الباقية لهذا الجزء لإكمالها.
على أي حال فإن الجزء الأول بين أيدينا والذى يحتوى على ما يقرب من ألف صفحة والمحلى بكثير من الصور وبعضها نادر وبعضها قديم يمثل الجهد الضخم الذى بذله المؤلف في إعداده وتأليفه. وبعد هذه المقدمة عن الكتاب فلنتحدث عن مدينة جدة التي هي موضوع الكتاب.
стр. 542
قدم مدينة جدة
تعددت الروايات التي أوردها المؤلف عن قدم مدينة جدة فبعض الروايات يذكر أن عمرو بن معد بن عدنان نزل بها واتخذها له ولقومه سكنا ومرعى، وعمرو هذا هو قضاعه ويستشهد على ذلك بأن أحد أحفاده - جدة بن حزم بن ريان بن حلوان بن عمرو بن الحارث بن قضاعة ولد بجدة فسمى باسم الموضع الذى ولد فيه.
وحدد عاتق بن غيث البلادى في معجم معالم الحجاز مساكن قضاعة ومراعيها من شاطئ البحر وما دونها إلى منتهى ذات عرق إلى حيز البحر من السهل والجبل. ويحدد الأستاذ عبد القدوس هذا التاريخ بصورة تقريبية إلى القرن الثاني قبل الميلاد. (١)
بناء الفرس لمدينة جدة
أما الرواية الثانية فتذكر أن الفرس - العجم - هم الذين بنوا مدينة جده في عهد ملكهم يزدجرد وبنوا عليها سورا من الحجارة عرضه خمسة عشر شبرا كما أحاطوها بخندق من الماء يدور حول المدينة بما يجعل وضعها الجغرافي في شكل شبة جزيرة. ويحدد المؤلف هذا التاريخ بمنتصف القرن السادس الميلادي. (٢)
أما سبب بناء فرس لمدينة جدة فهو خراب الميناء الفارسي سيراف ورغبة ملك الفرس في إيجاد ميناء آخر بدلا عنه. وهناك رواية أخرى تجعل بناء القرس لمدينة جده مرتين المرة الأولى ممعنة في القدم والثانية هي التي تمت في عهد الملك يزدجرد في القرن الميلادي (٣).
على أى حال فإن ارتباط مدينة جدة بالفرس يبقى واضح المعالم خلال القرون المتتالية بعد الإسلام كما ورد على ألسنة الرحالة والمؤرخين مما سنتعرض له بعد.
стр. 543
جدة قبل الإسلام
فإذا تركنا العهود الممعنة في القدم التي أشرنا إليها نجد ذكرا لشاطئ جده قبيل الإسلام حينما اعتزمت قريش بناء الكعبة قبل الإسلام بعد احتراقها فعلموا أن سفينة لبحار رومي كسرت قريبا من شاطئ جدة وقد بعثت قريش فاشترت أخشاب السفينة وأحضرت صاحبها باقوم وكان نجارا ليساعدهم في بناء الكعبة وهذا البناء هو الذى وضع الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه فيه - الحجر الأسود - بيده الشريفة حين اختلفت قبائل قريش في الأمر كما هو معلوم وكان هذا قبل البعثة النبوية بخمس سنين (١).
جدة في العهد الإسلامي الأول
فإذا وصلنا إلى العهد الإسلامي وجدنا أن أهل مكة طلبوا من الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه أن يجعل ميناء مكة في ساحل جدة بدلا من الشعيبة، ويتطرق المؤلف إلى الشعيبة ويناقش ما ورد في بعض الروايات من أنها ميناء مكة قبل جده ويخلص إلى القول أن جدة هي المدينة وهي الميناء القديم وأن الشعيبة لا تعدوا أن تكون قرية صغيرة كل ميزتها أن ميناءها لا تكثر فيه الشعاب المرجانية التي تضطر السفن في ميناء جدة للرسو بعيدا عنها وأن الخليفة المهدى العباسي اختارها - الشعيبة لرسو السفن التي تحمل الرخام المرسل لعمارة الحرم المكي الشريف في عهده لهذه الغاية ليسهل نقله من السفن إلى مكة ويقول المؤلف أن بعض هذا الرخام لا يزال حتى اليوم مدفونا في رمال الشعيبة. (٢)
стр. 544
جده في روايات الرحالة والمؤرخين
وصف البلخي المتوفى سنة ٣٢٢ هجرية جدة في كتابه ذكر المسافات والأقاليم. بأنها كثيرة التجارات والأموال وليس بالحجاز بعد مكة أكثر مالا وتجارة منها وقوام تجارتها الفرس (١).
ووصفها البشارى في كتابه احسن التقاسيم في معرفة الأقاليم بانها:
مدينة حصينة عامرة آهلة أهلها أهل تجارات ويسار، خزانة مكة مطرح اليمن ومصر وأهلها في تعب من الماء وقد غلب عليها الفرس، ولهم بها قصور عجيبة وازقتها مستقيمة ووضعها حسن شديدة الحر جدا. (٢)
أقول ولإيضاح ما ذكره البشاري في وصف جدة أنها مطرح اليمن ومصر - أن هذا الوصف كان لجدة في القرن الرابع الهجرى، ولقد كانت جدة حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي الموافق للقرن الثالث عشر الهجرى مطرحا لمصر واليمن والقصد بالمطرح هنا أن البضائع التي ترد إلى مصر من الهند تطرح بمدينة جدة، ثم يجرى نقلها بالسفن الشراعية إلى القاهرة وذلك قبل حفر قناة السويس في منتصف القرن التاسع عشر للميلاد. والواقع أن تجار جدة كانوا يحتفظون بهده البضائع في السفن التي كانت عبارة عن مخازن عائمة ثم يصدرونها إلى مصر بطريق البحر إلى ميناء السويس حسب الحاجة (٣).
ونعود بعد هذا الاستطراد الإيضاحي لنتابع وصف الرحالين لمدينة جدة عبر القرون، وصف ناصر خسرو جدة في القرن الخامس الهجرى بأنها مدينة جميلة محصورة في داخل سورها الحصين كما لفت الانتباه إلى عدم وجود الأشجار والزرع بها رغم ازدهارها العمراني، وعلل ناصر خسرو ذلك إلى ندرة وجود الماء العذب
стр. 545
بها، وقدر ناصر خسرو سكان مدينة جدة بخمسة آلاف ووصف أسواقها بأنها نظيفة جدا ولها بابان مما يلى مكة، وباب البحر وقال أن أميرها مملوك لأمير مكة الذى هو في نفس الوقت أمير المدينة المنورة (١) واسمه أبو المعالي بن أبي الفتوح.
فإذا وصلنا إلى القرن السادس الهجرى نجد الرحالة الأندلسي الشهير ابن جبير يقدم لنا وصفا مخالفا كل المخالفة لوصف من سبقه من الرحالين في القرنين الماضيين فعمارتها الضخمة استحال أكثرها إلى خصاص أما أهلها الذين وصفوا بالثراء وكثرة المال فيصفهم بأنهم يستخدمون أنفسهم في كل مهنة لتحصيل لقمة العيش فكان منهم من يكري الجمال ومنهم من يبيع اللبن أو الماء للحجاج وإذا لم يكن لأحدهم شيء مما ذكر فهو يلتقط التمر من الشوارع أو يحتطب الحطب من ضواحى البلد ويبيع ما جمع، وربما تناول نساؤهم الشريفات ذلك بأنفسهن (٢).
ويعلق المؤلف على وصف ابن جبير بأن الحالة السياسية المضطربة في العالم الإسلامي واشتغال السلطان صلاح الدين الأيوبي بالحروب الصليبية في فلسطين ومهاجمة الصليبين للسواحل الإسلامية كل هذا أدى إلى الاضطراب السياسي الذى انعكست آثاره على الحالة الاقتصادية مما أدى إلى رحيل ثراة جدة وسراتها بأموالهم وأهليهم وخدمهم إلى مكان أمين وأن هذا الرحيل أخلى مدينة جدة من عناصر الثروة والقوة بها فلم يبق فيها إلا الضعفاء الذين ليست لهم القدرة على الهجرة أو القلة القليلة المتمسكة بالبقاء في البلاد رغم المتاعب والصعاب (٣)
ابحر
ومن الأخبار الطريفة في رحلة ابن جبير وصفه لمرسى ابحر الذى رسى المركب
стр. 546
القادم به ابن جبير فيها فيقول وفى عشي يوم الأحد ثانى ربيع الآخر أرسينا بمرسى يعرف بابحر وهو على بعض يوم من جدة وهو من اعجب المراسي وضعا وذلك أن خليجا من البحر يدخل إلى البر والبر مطيف به من كلتا حافتيه فترسى الجلاب به من قرارة هادئة (١).
عودة إلى الرحالين
قدم المؤرخ العربي جمال الدين أبو الفتح بن يوسف بن يعقوب المعروف بابن المجاور إلى الحج بعد ابن جبير بنحو قرن من الزمان فوصف جدة بأنها مدينة صغيرة على ساحل البحر مزدحمة الحجاج وذكر أن الماء بها قليل وأنه يجلب إليها من أماكن بعيدة كما ذكر أن أهلها من نسل العجم وأن ابنيتها من الحجر الكاشور ومن الخوص وأنه يوجد بها خانات من الخوص تؤجر فيها الغرف للمسافرين، وقال أن بها خانيين كبير بن متقابلين بمخازن كبار وأنه كان تجبى بها رسوم - ضرائب - للعقار من قبل سلطان مصر مقابل تعمير كل بيت مبني بالخوص ومقدار هذه الرسوم العقارية هي ثلاثة دراهم على كل بيت (٢)
والمتأمل يرى أن وصف ابن المجاور الدمشقي يقترب من وصف الرحالة السابقين باستثناء وصف ابن جبير، الذى يقول المؤلف أنه ربما أنزل في هذه الخانات المبنية من الخوص فأخذ الانطباع القاتم عن المدينة وأحوال أهلها.
أهل جدة يرحلون منها
ويقدم المجاور الدمشقي قصة تحمل في طياتها أسباب ترك ثراة جدة لمدينتهم في سنة ٤٧٣ هـ ليقول ما معناه:
أرسل أمير مكة إلى شيخ تجار جدة يطلب منه إرسال حمل من الحديد فامر شيخ
стр. 547
التجار غلامه بإرسال الحديد إلى مكة وأرسل الغلام الحديد المطلوب فلما وصل إلى صاحب مكة وجد أن الحمل الذى أرسل كان من الذهب الخالص وقد علاه الصدأ من طول بقائه فتغير لونه فظنه الغلام حديدا فبعثه على أنه من الحديد، ولكن والي مكة الذى عرف أن الذهب في مخازن تجار جدة موجود على شكل قضبان من الحديد طمع في حمل آخر فأرسل إلى شيخ التجار يطلب حملا آخر من نفس الصنف، وقد تنبه التاجر فاستدعى غلامه الذى أرسل الحمل الأول وسأله عن الحديد الذى أرسله إلى مكة فقال حمل حديد اصفرَّ بتشديد الراء.
أيقن شيخ التجاران الحمل الذى أرسل إلى صاحب مكة كان من الذهب الخالص وليس من الحديد كما أيقن بأطماع أمير مكة وما تجره هذه الأطماع عليه على تجار المدينة جميعا، وهنا تختلف الرواية، فتقول إحدى الروايتين أن أمير مكة الأمير داود بن إبراهيم هاجم جدة بالأعراب وحاصرها فهرب التجارب بأموالهم واهليهم وكلما يملكون، والرواية الأخرى تقول أن شيخ التجار استشار أحد كبار السن في المدينة فأشار عليه بالنزوح من المدينة فنزح تجار جدة بكل ما يملكونه وركبوا البحر فسكن قوم منهم السرين والراحة وعتر والجرعة والدرعة والشميد وجزيرة ذهبان وكسران وبنو موسى وباب موسى، ويعلق ابن المجاور على القصة فيقول فلما خلت الأرض من الأحباب ملكها الأعراب. (١)
ويعلق المؤلف على ذلك أن هجرة أهل جدة نتيجة لمحاصرة الأعراب لها كانت جماعية وأنها كانت إلى ناحية الجنوب لأن أكثر الأسماء التي أوردها الدمشقي هي من مدن اليمن.
أقول والمتأمل في الرواية التي أوردها ابن المجاور لا يطمئن إلى حكاية الحديد الذى طلبه أمير مكة فأرسل إليه حمل ذهب بدلا منه فالذهب مهما كثر عند شيخ
стр. 548
التجار أو أي ثري لا يلقى في المخازن حتى لا يفرق بينه وبين الحديد، ولقد أدركت الناس يبنون الغرف السرية في بيوتهم أو متاجرهم ليودعوا بها ما يخشون عليه ولكن الحقيقة التي يمكن استخلاصها من رواية ابن المجاور أن حصار الأعراب والبادية لمدينة جدة طمعا في ثروات أهلها وعدم اطمئنان الناس إلى وجود الحماية الكافية لهم تجاه هذا الغزو هي التي دفعتهم إلى الرحيل بأولادهم وثرواتهم هذا إذا صحت الرواية وليس هناك ما يمنع صحتها.
وذكر ابن المجاور كذلك شيئا عن الرسوم التي كانت مفروضة على الحجاج المغاربة والتى تستوفى منهم بأمر والي مكة المكرمة كما ذكر أن بعض الحجاج الذين لم يستطيعوا دفع الرسوم جرى إيقافهم في جزيرة قريبة من جدة (١).
أما الرحالة الشهير ابن بطوطه الذى قدم إلى الحج بعد قرن من قدوم ابن المجاور لها في القرن الثامن الهجرى فيقدم لنا وصفا يشبه وصف ابن جبير فيذكر أن سكان المدينة قليل بحيث لا يجتمع النصاب لصلاة الجمعة فسبحان مغير الأحوال.
ويعلل المؤلف هذا الانحدار المؤسي الذي آلت إليه أحوال جدة إلى اضطراب الأحوال السياسية في العالم الإسلامي فالأندلس يتقاسمها المسيحيون وبنو نصر، والصوماليون الوثنيون انتزعوا الساحل المناوح لمدينة جدة، والحجاز نفسه كان طعمة سائغة لأطماع ونزوات أمرائه الأشراف وكانوا شيعا ذوى أهواء متفرقة، والبادية في الحجاز تعيث فسادا في الأرض بدون رادع أو زاجر، ويد السلاطين خارج الحجاز قاصرة عن أن تمتد إليهم لإعادة استقرارا الأمن إلى ربوعه، فلا غرو أن يهبط كما يقول المؤلف مستوى التجارة البحرية في البحرين الأحمر والأبيض الذين تعتمد عليهما تجارة جدة في تقدمها وازدهارها، وهكذا فإننا نرى أن فقدان الأمن في المدينة بسبب تنازع وتسلط البادية وأطماعها أدخل الرعب
стр. 549
إلى قلوب الناس فتركوا ديارهم ورحلوا بأموالهم وذرياتهم إلى حيث يجدون الأمن والاطمئنان.
البرتغاليون يهاجمون جدة
في سنة ٩٤٨ للهجرة هاجم البرتغاليون مدينة جدة بحرًا بنية الاستيلاء عليها وكان الاستعمار الغربي قد بدأ يزاول نشاطه في احتلال الشرق الأقصى والأوسط والاستيلاء على البلاد الهامة في آسيا وأفريقيا وكان البرتغاليون هم أول الشعوب الغربية المستعمرة للبلاد البعيدة، وكانت نواياهم قد أصبحت معلومة بعد أن استولوا على أجزاء من الهند، كما حاولوا الاستيلاء على بعض مدن المغرب العربي، ولما كان الله تعالى قد تكفل بحماية الحجاز من هذه الشرور لأنه موضع المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة فقد ألهم الله السلطان قانصوه الغورى قبل ذلك بتحصين مدينة جدة ضد الغزو المنتظر وكان الحجاز في تلك الحقبة تابعا لولاية سلاطين المماليك في مصر. أمر السلطان قانصوه الغورى بإحاطة مدينة جدة بسور حصين وبناء القلاع في مواجهة البحر وتزويدها بالمدافع الحربية وبالرجال لصد المغير بن على المدينة وأرسل جيشا من الترك والمغاربة للدفاع وعهد برئاسة الجيش إلى حسين الكردي الذى أمر أهالى المدينة عامة بالمشاركة في بناء السور وتم بناؤه في سنة ٩١٥ للهجرة ولكن البرتغاليون لم يفدوا للغزو الا في سنة ٩٤٨ للهجرة الموافقة لسنة ١٥٥٩ للميلاد.
دفع البرتغاليون حملتهم البحرية من الهند إلى جدة وكانت مدينة جدة مستعدة للدفاع عن المدينة وكان أمير مكة الشريف أبو نمي على علم بخطورة الحالة فترك الحج وحضر إلى جدة مع جنوده والمتطوعين من الناس لمواجهة الغزاة فحاصر البرتغاليين وأصلاهم نارا حامية وشاركت القلعة البحرية التي كانت في مواجهة السور بإطلاق النيران من المدافع ولم يجد البرتغاليون سبيلا إلى المدينة فلاذوا بالفرار مخلفين الذخائر والسلاح.
وقد شكر السلطان سليمان للشريف أبي نمى صنيعه هذا وقدر عمله الطيب
стр. 550
وجهاده في صد البرتغاليين عن مدينة جدة مدخل مكة المكرمة ودهليز الحرمين الشريفين (١).
أقول لقد أدركت سو رجدة الذى كان يحيط بها إحاطة السوار بالمعصم والذى أزيل في سنة ١٣٦٤ تقريبا كما أدركت القلعة البحرية التي ورد ذكرها وكانت قد تحولت إلى سجن جدة (٢) ولم يبق من آثارها سوى ملامح البناء القديم.
الشريف والوالي
انتقل الحكم في الحجاز من سلاطين مصر إلى دولة الخلافة بالقسطنطينية وكان لما أبداه الشريف أبو نمي أمير مكة من استبسال في صد الغزاة النصارى عن مدينة جدة أثره الطيب لدى السلطان فأصبح الحكم في الحجاز مشتركا بين شريف مكة والوالي التركي الذى تعينه السلطنة بمرسوم من الخليفة، وكان لابد لهذه الازدواجية في الحكم أن تظهر آثارها منافسة بين الشريف والوالي وكان لكل منهما أنصاره ورجاله وكان الشريف يقيم بمكة ويعين وكيلا له بجدة والوالي يقيم بجدة وكان لكل من الشريف والوالي أنصاره الذين يلجأ إليهم في دار الخلافة وهكذا يقع الشد والجذب وتعانى المدينة من جراء التنافس بين الحزبين هزات تهدد أمنها واقتصادها وقد أورد المؤلف بعض الأمثلة على ذلك.
كان أمير مكة في سنة ١١٨٢ هـ الشريف مساعد وطمع شريف آخر هو الشريف أحمد بن الشريف عبد الكريم في الأمارة ولم يجد وسيلة لذلك إلا إظهار الشريف مساعد بمظهر الرجل العاجز عن السيطرة على الأعراب والبدو الذين يتبعون أمير مكة عادة فهاجم الشريف أحمد مدينة جدة بواسطة البدو لنهب أموال تجارها ودافعت جدة عن نفسها متحصنة بسورها واصلت المهاجمين نارا حامية ولكن المهاجمين أطلقوا على المدينة قنابل المدافع وسهام الكبريت الموقد في رؤوسها كالرياش فاحترقت عشش جدة.
стр. 551
ويرى المؤلف أن الوالي التركي كان ضالعا في هذه المؤامرة وإلا ما تمكن المهاجمون من أحداث الحريق في جدة (١).
ولكن المؤلف لم يعط مصدرا تاريخيا لهذا الاستنتاج والذى أراه أن الطمع في إمارة مكة هو الذى أحدث الحريق وليس من المعقول أن يساعد الوالي الشريف الذى يمهد لعهده بالإخلال بالأمن وحصار مدينة تجارية كبيرة كمدينة جدة والله أعلم.
والواقع أن الفتن بين ولاة مكة من الأشراف كانت أظهر من الخلافات بين الوالي التركي والشريف المكي وأخطر وقد أورد المؤلف بعد ذلك حادثة توضح هذا الرأى نوجزها فيما يلى:
في سنة ١١٨٥ هـ كان شريف مكة أحمد بن سعيد وكان وكيل الأمارة في جدة التاجر الشهير يوسف قابل أحد أعيان جدة ودهاتها كما يصفه المؤلف غضب شريف مكة على وكيله هذا فعهد بوكالته في جدة إلى حسين بن إبراهيم الشامي وكان حاضرا في مجلس الشريف بمكة وأمره أن يتوجه إلى جده ليقبض على يوسف قابل ويضعه في الأغلال ويتولى وكالة إمارة مكة بدلا منه. يقول المؤلف ولحسن حظ يوسف قابل وسوء حظ شريف مكة أن صديقا للتاجر يوسف قابل كان حاضرا بالمجلس وسمع في شأن صديقه ما سمع هذا الصديق هو الشريف سرور بن مساعد فأسرع بالسفر إلى جدة وأخبر صديقه يوسف قابل بما يراد به، وكان سرور ابن مساعد يطمع في إمارة مكة كما أن يوسف يريد دفع الأذى عن نفسه فاتفقا أن يمد يوسف قابل الشريف سرور بالمال الوفي ليستولى على إمارة مكة ويعزل الشريف أحمد بن سعيد، وهكذا تمكن الشريف سرور بمساعدة يوسف قابل من عزل شريف مكة والاستيلاء على إمارتها لإبقاء يوسف قابل وكيلا للإمارة بجدة. (٢)
стр. 552
ويذكر المؤلف أن قبائل حرب اشتبكت في قتال مع أمير مكة الشريف سرور بن مساعد في سنة ١١٩٥ للهجرة وأن مدينة جدة قد وقفت إلى جانبه وأنجدته في هذه الحروب ولكنه كذلك لا يعطى تفصيلا عن هذا الأمر (١).
الإنكليز يقذفون جدة بالقنابل
في سنة ١٢٧٤ للهجرة أرسل الإنجليز بعض قطع الأسطول إلى مدينة جدة وقذفوا المدينة بالقنابل وذلك على أثر مقتل القنصل الانكليزي والقنصل الفرنسي وبعض الفرنجة من قبل الأهالى والسبب في ذلك هو أنه سرت أشاعة بأن القنصل الإنجليزي دعس بقدمه علم الدولة العثمانية فاعتبر الأهالي ذلك إهانة للإسلام وقام عبد الله المحتسب ومعه جماعة من الأعيان بتهييج الأهالي على الإفرنج فأقدموا على قتل القنصليين كما ذكرنا ورأت انكلترا أن تنتقم لمقتل قنصلها ومن معه بإرسال أسطولها إلى جدة ولم تكن المدينة مستعدة لمقابلة الأسطول الإنجليزي فتدخلت الحكومة العثمانية في الأمر ووعدت الإنجليز بالتحقيق في الحادث ومعاقبة المعتدين وتم بالفعل القبض على المحرضين وصدر الأمر بقتل المحتسب وسعيد العامودى ونفي الآخرين إلى جزيرة قبرص وإطفاء الفتنة (٢).
إرسال الأسطول الإنجليزي مرة أخرى إلى جدة
وفى سنة ١٣١١ للهجرة أرسل الانجليز قطعا من اسطولهم مرة أخرى إلى جدة أثر قتل الأعراب لوكيل القنصل الإنجليزي وقد جرح في هذه الحادثة كذلك وكيل القنصل الفرنسي والقنصل الروسي وتدارك الشريف عون الرفيق أمير مكة الأمر قبل أن يستفحل فحضر إلى جدة وعالج الأمر صلحا وعادت المراكب الانجليرية
стр. 553
دون أن تتعرض للمدينة بأذى (١)
هجرة أهل جدة إلى مكة
في سنة ١٣٣١ هجرية هاجر كثير من سكان جدة إلى مكة خشية من أن تتعرض المدينة لمهاجمة الأسطول الإيطالى من البحر وذلك على إثر نشوب الحرب بين الدولة العثمانية وإيطاليا في طربلس الغرب، ويبدو أنه وردت بعض الأخبار بذلك ولكن شيئا من ذلك لم يحدث (٢).
الانجليز يضربون جدة بالقنابل
وفى سنة ١٣٣٤ للهجرة أطلقت البوارج الإنجليزية قنابلها على المدينة واستهدفت بالذات الثكنة العسكرية التي كانت الحامية التركية معتصمة بها وذلك على أثر إعلان الشريف الحسين بن علي الثورة على الحكومة التركية وقد قاومت الحامية التركية خمسة عشر يوما فاستقدم الانجليز بعض الطائرات التي ألقت منشوراتها على المدينة محذرة ومنذرة وكان الشريف الحسين قد حاصر جدة برًّا فلما طال الأمر اتصل الشريف الحسين بأهلها وأنذرهم بضرورة التسليم وتم ذلك بالفعل واستسلمت الحامية التركية وغنم الشريف الحسين الأسلحة والذخائر الموجودة لديها في جدة وتم نقلها إلى مكة لمحاربة الحامية التركية المعتصمة بقلعة أجياد (٣).
جدة مقرا للملك علي بن الحسين
وفى سنة ١٣٤٣ هـ على أثر خروج الملك حسين بن علي من الحجاز بعد أن
стр. 554
خلعه أهل الحجاز عن الملك وتولية ابنه الملك علي بن الحسين ملكا على الحجاز اتخذ الملك علي من جدة عاصمة له وكانت جدة معرضة للحصار من قبل جيوش السلطان عبد العزيز آل سعود الذى استولى على الطائف واستسلمت مكة له دون حرب وكانت الحرب مستمرة بين الهاشميين والسعوديين في جدة إلى إن تم الصلح بين الطرفين في جمادى الثانية ١٣٤٤ هـ وغادر الملك على جدة نهائيا ٣ جمادى الثانية ١٣٤٤ هـ ثم دخلها السلطان عبد العزيز آل سعود - جلالة الملك عبد العزيز ﵀ وانتهت بذلك المحنة التي تعرضت لها البلاد (١).
وهكذا طاف بنا المؤلف عبر التاريخ لنرى كيف تقلبت الأحوال بمدينة جدة عسرا وشرا وحربا وسلما وخوفا وأمنا فسبحان من له البقاء والدوام والعزة والملكوت.
كان الحكم في الحجاز وخاصة في العهد العثماني مناصفة - إذا صح هذا التعبير - بين أمراء مكة الذين جرت العادة على إسناد الإمارة إليهم وهم من الأشراف، والولاة الأتراك الذين تختارهم الحكومة العثمانية وترسلهم من قبلها. وكان أمير مكة يعين له وكيلا في جدة يطلق عليه لقب - الوزير - وكان أمراء مكة من الأشراف يناط بهم شئون البادية والأعراب والمحافظة على الامن وخاصة في الطريق بين مكة وجدة وبينهما وبين المدينة الذى تعبره قوافل الحجاج إلى جانب إدارة الأمور في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.
وكان مقر الولاة الأتراك في جدة وكان هؤلاء منوطا بهم الشؤون الإدارية والمالية المتعلقة بجباية الضرائب الحكومية والرسوم الجمركية وإدارة شئون جدة من النواحى الإدارية والعسكرية والمالية، وكان لأشراف مكة معاليم تدفع لهم من واردات جدة ويبدو أن هذه المعاليم مرتبطة بنسبة ما يتحقق من الواردات التي كان أهمها الرسوم الجمركية ولما كانت الواردات المالية تستوفى بجدة فإن شريف مكة يتسلم استحقاقاته بواسطة وزيره في جدة من الوالي التركي.
стр. 555
وكانت هذه الازدواجية في السلظة بين الوالي التركي والشريف المكي توجد الكثير من التنافس لرغبة كل طرف بالاستئثار بالسلطة الكاملة، ولهذا فإن تاريخ جدة حافل بالكثير من الحوادث التي وصل الأمر فيها بين الشريف والوالي إلى الحروب ونحن ننقل هنا بعض الحوادث الهامة الواردة في الكتاب عن هذه الأمور لأهميتها التاريخية التي تنبئ عما كانت عليه أحوال البلاد من الاضطراب في تلك العصور.
حكام جدة
كان حسين الكردي حاكم جدة من قبل السلطان قانصوه الغوري وهو الذى بنى بأمر السلطان قانصوه سور جدة وقلعتها البحرية التي صدت البرتغاليين حينما هاجموا البلدة وكان حسين الكردي هذا جبارا صارما فعندما أمره قانصوه ببناء السور فرض على عامة أهالي البلدة وتجارها المشاركة في البناء وحمل الطين والأحجار حتى أتم السور في أقل من عام وقد حدث أن أحد البنائين تأخر يوما في الحضور فأمر حسين الكردي ببناء السور عليه وهكذا دفن الرجل حيا تحت هذا السور.
وقد انفصل الحجاز عن حكم السلطان الغوري وانتقلت السلطة إلى السلطان سليم أول السلاطين العثمانيين الذين الذى حكموا الحجاز في سنة ٩٢٣ ويبدو أن الشكوى من حسين الكردي وجبروته وصلت إلى مسامع السلطان فأصدر أمره إلى والي جدة قاسم الشرواني بإغراق حسين الكردي في بحر جدة ونفذ الشرواني أمر السلطان فربطت على ظهره صخرة وألقي في البحر (١).
قيطاس بك
وفى سنة ١٠٦٠ ولي حكم جدة غيطاس أو قيطاس بك وهو أحد مماليك رضوان العقادي أمير الحج المصرى ولّاه سيده إمارة جدة نكاية بالشريف زيد أمير مكة فدس أنفه في شؤون الأمارة وأخذ يناصر الشريف عبد العزيز بن الشريف إدريس
стр. 556
على أمير مكة ويغريه بالاستيلاء عليها حتى انتهى الأمر إلى نشوب قتال عظيم بين الطرفين في مكان يقع قريبا من السيدة ميمونة أم المؤمنين ﵂ وقد أصيب عدد كبير من الجانبين.
ولما اشتد القتال وخشي الشريف عبد العزيز من الهزيمة طلب الأمان لنفسه ولقيطاس بك ومن معهما فأعطاهما الشريف زيد الأمان وأرسل مع غيطاس أشخاصا يوصلونه إلى جدة وبعد ذلك صدر الأمر بعزل غيطاس بك وترحيله إلى مصر مع الشريف عبد العزيز الذى نآمر معه. (١)
حسين باشا
وفى سنة ١٠٧٩ أسندت الدولة إلى حسين باشا أمر جدة ومشيخة الحرم المكي والنظر في أمر مكة وكان هذا الوالي طموحا، غاضب الشريف سعد بن زيد أمير مكة وعاكسه في توزيع الصرِّ المرسل معه لمستحقيه ولم يعتن به ثم توسط بينهما بعض أمراء الحج فتواصلا على مضض وحذر، وبعد انتهاء حج عام ١٠٧٩ عاد إلى جدة مقر إمارته وظهر منه شقاق كبير على أمير مكة الشريف سعد وبارزه بالعداوة وقطع معاليمه من جدة - المعاليم - هي المخصصات المالية التي كانت مخصصة لشريف مكة بأمر السلطان - ثم قدم إلى مكة في حج ١٠٨١ فلما كان اليوم الثالث من منى أطلقت عليه رصاصة وقيل ثلاث رصاصات فأصيب في فخده عند جمرة العقبة في وقت الغروب وهو منحدر إلى مكة فوقع من حصانه فاحتمله العسكر إلى التخت ونزلوا به إلى مكة بعد أن قتلوا من وجدوه تجاههم من الحجاج الفقراء إلى أن وصلوا إلى بيته في باب الباسطية بمكة.
وبلغ الخبر الشريف سعدا فنزل من منى بمن معه من العسكر والأشراف في لباس الحديد، واستعدت عساكر حسين باشا للحصار وجعلوا المدافع على باب السدرة ورباط الباسطية ومن جهة باب الشبيكه بمكة. واجتمع أمراء الحج بالشريف فأخبرهم أنه لم يعلم بهذا ولم يأمر - وطلب الشريف محاسبة حسين باشا
стр. 557
عن استحقاقه الذي منعه حسين باشا بدون حق. ووكل الشريف وكيلا من قبله فأقام الدعوى لدى قاضي مكة على الباشا وأحضرت دفاتر بندر جدة فصح للشريف عند الباشا مبلغ ٢٤٠٠٠ قرش وتوسط الأمراء بينهما فأخذ الشريف عشرة آلاف وسامح في الباقي، ثم توجه حسين باشا عائدا إلى جدة في السابع عشر من ذى الحجة وتوجه منها إلى المدينة المنورة وكان يضطرم غيظا على شريف مكة فاستدعى الشريف أحمد بن محمد الحارث بن الحسين بن أبي نمي وولاه شرافة مكة وألبسه الخلعة في الروضة الشريفة ونادى له في البلد وأمر بالدعاء له على المنبر.
وأرسل إلى جدة يطلب الذخيرة والسلاح ليتوجه إلى مكة لخلع الشريف سعد وبلغ الشريف سعدا ما حدث فسافر من مكة إلى ينبع لقتال حسين باشا ثم توالت الحوادث حتى ورد عزل حسين باشا إلى الشريف سعد وجاءته البشرى بإمداده بالذخيرة والخزانة التي طلبها حسين باشا فارسلت إليه من جدة، ثم وافى خبر العزل حسين باشا فتوجه من المدينة إلى غزة وتوفي بالطريق. (١)
الأشراف يشكون أمير مكة إلى الوالي سليمان باشا
وفى سنة ١١١١ أسندت ولاية جدة إلى سليمان باشا واستمرت ولايته لها إلى سنة ١١١٨ وخلال هذه السنوات اختلف الأشراف مع أمير مكة الشريف سجد، وأخذوا يعيثون في الأرض فسادا فتعرضوا لنهب المسافرين بين مكة وجدة من الحجاج وغيرهم وكان أمير مكة الشريف سعد قد امتنع عن دفع استحقاقات الأشراف إليهم فكاتبهم الوالي سليمان باشا ووعدهم بضمان حقوقهم وإعادتها إليهم وطلب منهم تأمين طريق مكة للحجاج فانصاع الأشراف لرغبة الوالي وأمنوا الطريق بل وصار البعض منهم يصطحبون القوافل في ذهابها إلى مكة وإيابها محافظة عليها وكتب الوالي إلى الشريف بما فعل
стр. 558
وطلب منه اطلاق حقوق الأشراف إليهم، ولكن الشريف سعيدا أمير مكة لم يحفل
بالأمر فما كان من الأشراف إلا أنهم اجتمعوا وعزلوا الشريف سعيد وولوا بدلا منه الشريف عبد المحسن وتجمع الأشراف قرب جدة في منطقة غليل وأرسلوا إلى سليمان باشا يذكرونه بوعده لهم وبما تم الاتفاق عليه معهم وطلب منهم سليمان باشا الدخول إلى جدة فدخل بعضهم وبقى البعض الآخر في غليل على حذر.
ويبدو أن سليمان باشا كان من دهاة الرجال وقد أحكم خطته فاستبقى الأشراف في جدة وكتب إلى الشريف سعيد أمير مكة وكذلك إلى والده رسالة يقول فيها:
أن الأشراف نزلوا غليلا لمحاصرة جدة ومنعهم أهلها من الماء (١) وربما يحدث منهم خلاف على البندر - مدينة جدة - وليس لنا قدرة على دفعهم، وأرجو أن تخرجوا إليهم ونحن من عندنا معكم أو تدفعوا ما هو لهم من المعاليم ليرجعوا عما هم فيه من مضرتنا ومضرتكم وليدخلوا تحت الطاعة، وإن كنتم عاجزين عن ذلك فأخرجوا من البلاد فقد نعين لها من يقوم بحفظها.
إن المتأمل في رسالة الوالي يجدها مبطنة بالتهديد فهو يخيره بين القضاء على مشكلة الأشراف الذين يعبثون بالأمن إما بالقوة ويعده بالمساعدة على ذلك، أو بالحسنى بدفع مالهم من استحقاقات وفى حالة عدم استجابته لأي الأمرين يدعوه إلى ترك إمارة مكة لأنه يصبح عاجزا عن القيام بواجباته.
وركب الشريف سعيد رأسه فكانت إجابته لسليمان باشا - ليس لهم عندنا إلا السيف أو يرضون بالحيف.
لم يضع سليمان باشا وقتا فاستدعى الشريف عبد المحسن بن أحمد بن زيد فعقد له إمارة مكة بحضور القاضي والأشراف والأعيان وهيأ له كل ما يحتاجه من عساكر خيالة ومشاة وأمن له المرتبات اللازمة من المطعم والمشرب، وكتب إلى المدينة المنورة
стр. 559
بإمرته فنودى به أميرا لمكة وخطب باسمه على المنبر النبوي كما كتب إلى قبائل حرب وإلى شمال الحجاز وإلى اليمن والطائف بإمرته فأطاعوا. ولكن والي مكة الجديد بقي بجدة لأن الأمير الشريف سعيد ما زال بها.
ولم يرضخ الشريف سعيد للأمر الواقع فقابل الكيد بالكيد إذ استصدر فتوى شرعية من قاضى مكة المكرمة بإبطال البيعة للشريف عبد المحسن وبعزله هو وسليمان باشا من منصبيهما، ولكن سليمان باشا كان فيما يبدو قد استصدر أمرا سلطانيا بإطلاق يده في تولية إمارة مكة من يشاء وعزل من يشاء وكان قد أعذر إلى الشريف سعيد برسالته التي أرسلها إليه.
أبرز سليمان باشا الأوامر السلطانية بتفويضه في أمر ولاية إعارة مكة فلم يستطيع الشريف سعيد أن يفعل شيئا واضطر في نهاية الأمر إلى الخروج من مكة ليدخلها الشريف الجديد عبد المحسن بن أحمد بن زيد.
وكما ولي سليمان باشا الشريف عبد المحسن بن أحمد بن زيد فإنه قام بعزله عن منصب الأمارة وتولية الشريف عبد الكريم بن محمد بدلا منه، ويقول المؤلف أن الباشا شعر أن الشريف عبد المحسن يعمل على التخلص من نفوذ الباشا.
وعلى أى حال فإن هذه الوقائع تظهر قدرة هذا الوالى على السيطرة على حكام مكة من الأشراف واخضاعهم لنفوذه استنادا إلى ما بيده من تفويض من السلطان، وقد اقترنت ولاية سليمان باشا بالقضاء على تمرد المتمردين من الأشراف والبدو سواء بالحسنى كما رأينا في تأمينه طريق القوافل بين مكة وجدة وبالقوة حينما جرد حملة بحرية قوامها السفن الشراعية على الشريف عبد الله بن عبد الكريم الذى استولى على مدينة ينبع وكذلك حملة بحرية أخرى على الشريف سعد والد الشريف عبد الكريم الذى حاول انتزاع القنفذة بواسطة الأعراب في الجنوب ولكن الشريف سعيدا لم يهدأ بالا حتى استصدر أمرا من السلطان بإعادته إلى الإمارة مرة أخرى وفوجى سليمان باشا بأمر السلطان الذى رضخ له فبايع الشريف سعيدا بالإمارة وبذل الشريف سعيد لسليمان باشا الأمان ولكن هذا لم يلبث أن استصدر
стр. 560
فرمانا من السلطان أحمد بعزل الشريف سعيد وتولية الشريف عبد الكريم مكانه، وهكذا انتصر سليمان باشا الوالي الداهية أخيرا وأجلس صديقه الأمير عبد الكريم على دست الأمارة في سنة ١١١٧ للهجرة (١).
شريف مكة يهاجم جدة
أدت الخلافات المتفاقمة بين أمراء مكة من الاشراف وولاة جدة من الترك إلى حدوث احتكاكات أدت إلى هجوم أشراف مكة بجيوشهم على مدينة جدة ومحاصرتها وإجبار الوالي التركي على الهرب من جدة.
فقد أسندت ولاية جدة سنة ١١٤٦ إلى الوالي علي باشا وحدثت بينه وبين الشريف مسعود أمير مكة منازعات بسبب المقررات الخاصة للشريف في بندر جدة وقدمت جنود الشريف مسعود لمحاصرة جدة وكان الوالي قد استعد لهذا الحصار ونشبت المعارك إلا أن وكيل شريف مكة في جدة وأنصاره فيها أشاروا على قائد جيش الشريف مسعود بمهاجمة المدينة من الجهة الجنوبية لضعف الدفاع في تلك الجهة وبالفعل تمكن الجنود والمهاجمون من التسلل من الثغرات الضعيفة في السور وأصبحوا داخل المدينة، فلاذ الوالي التركي بالفرار بحرا وتمكنت جيوش أمير مكة الشريف مسعود من الاستيلاء على جدة وبإلحاح من الشريف مسعود تم عزل الوالي التركي وأرسلت القسطنطينية واليا آخر. (٢)
وقد حدث نفس الشيء بالنسبة للوالي الذى عينته مصر في سنة ١١٨٣ هـ واسمه حسن اغاشبكة - ويبدو أن المصريين تمكنوا من استعادة بعض سلطتهم في الحجاز في ذلك الوقت فتوجه الوالي إلى وادى فاطمة ثم إلى جدة ولكن الشريف أحمد بن سعيد أمير مكة لم يكن راضيًا عن وصول هذا الوالي المصري فأرسل إليه يأمره بالخروج من جدة فلم يقبل فأرسل إليه جيشا يزيد على أربعة آلاف مقاتل
стр. 561
ومعه بعض قبائل اليمن، واستعد حسن اغا للدفاع عن المدينة وأخرج المدافع الكبيرة ونصبها على الكدوة وصارت خيله تخرج كل ليلة وتعسُّ إلى الرغامة.
وصلت سرية من جيش شريف مكة إلى غليل ولجأوا إلى وسيلة أخرى فأرسلوا كتابا إلى الشريف أحمد رئيس جند حسن اغا وجعلوا له مقدارا معلوما من المال ليفسد الجنود على الاغا، وتم التواطؤ بين الشريف أحمد وقائد سرية أمير مكة وأوعز إليهم أن يهاجموا البلدة من الباب اليماني لضعف وسائل الدفاع فيه. وبادر هو بالهجوم مع السرية الواردة من مكة فتمكنوا من الاستيلاء على جدة في نهاية جمادى الآخرة.
وقد استسلمت لهم البلدة بعد أن قتلوا جملة من الأتراك وأخرجوهم من البلدة ولم يبق في يد والي جدة إلا القلعة التي أحاطت بها جيوش شريف مكة ولما أيقن قائد القلعة أن القلعة لا تحميه خرج منها من الباب المطل على البحر وخاض في البحر بخيله وتوجه بمن معه إلى رابغ ومنها إلى مصر وبذلك انتهت ولاية حسن اغا على جدة. (١)
غزو الأحباش لجدة
وإكمالا لما حدث من الوقائع الحربية بجدة نذكر أن الأحباش قاموا بغزو جدة بحرا في سنة ١٨٣ للهجرة وأوقعوا بأهلها فخرج الناس من مكة يومئذ غزاة في البحر وعليهم أميرهم عبد الله بن محمد بن إبراهيم المخزومي الذى ولي مكة لهارون الرشيد العباسي (٢).
وكذلك غزاها إسماعيل الاخيضر سنة ٢٥٦ للهجرة فنهبها وقتل أهلها قتلا ذريعا. (٣)
تعداد سكان جدة
اختلف المؤرخون في تعداد سكان مدينة جدة فقدرهم ناصر خسرو في عام
стр. 562
٤٤٢ للهجرة بخمسة آلاف نسمة وقدر الرحالة المستشرق بوركهات سكان جدة في سنة ١٢٣٠ ما بين اثني عشر ألفًا، وخمسة عشر ألفا وفي سنة ١٢٧٧ قدر مالتزن عدد سكان جدة لما حج إلى مكة بخمسة عشر ألفا، وفي سنة ١٢٨١ قدرهم هوجلين بأربعين ألفا، وقدرهم فانديك باثنى عشر ألف نسمة، وفي سنة ١٣٠١ قدرتهم دائرة معارف البستانى بثمانية عشر ألف نسمة، وقدر عدد سكان جدة في مطلع هذا القرن الهجرى سنة ١٣٠٠ هـ محمد صادق باشا بخمسة وعشرين ألف نسمة، وكذلك كان تقدير إبراهيم رفعت باشا، وفي سنة ١٣٢٧ هـ قدرهم محمد لبيب البتانوني بخمسين ألفًا بينهم عشرة آلاف من الأجانب المسلمين بين فرس وحضارمة وهنود وبخاريين، أما الافرج فيبلغ عددهم مائة أو يزيد قليلا وأغلبهم من الاروام. وفي سنة ١٣٣٠ هـ قدرتهم دائرة المعارف البريطانية بعشرين ألفا، وفي سنة ١٣٣١ هـ قدرتهم دائرة المعارف الإسلامية بنحو ثلاثين ألفا من العرب المختلطين بالتكارير ونحو ٥٠ نصرانيا. وقدرهم محمد فريد وجدى في دائرة معارفه بنحو ثلائين ألف نسمة. (١)
عدد الأجانب في جدة
في سنة ١٣٥٥ هـ الموافق لسنة ١٩٣٧ م ذكرت دائرة المعارف البريطانية أنه كان بجدة من الأجانب ما يأتي:
٥٠ أمريكيا - ١٩ ايطاليا - ٤٤ بريطانيًا - ٥ روس - ٥ فرنسيين - ١١ هولنديًا وفي سنة ١٣٧٥ هـ قدرت دائرة المعارف البريطانية سكان جدة بمائة وستين ألف نسمة، وقدرتهم دائرة المعارف الامريكية في سنة ١٣٧٦ هـ بستين ألف نسمة، وقدرهم توتشل بثمانين ألف نسمة وجاء في هامش الصفحة أن عددهم الفعلى ١١٢ ألف نسمة ونشر قارى اوين ممثل شركة الزيت العربية الامريكية مقالا في مجلة المنهل ذكر فيه أن الخبراء يقدرون عدد سكان جدة قبل عشر سنوات بخمسة وثلاثين ألفا. ويقدرونهم اليوم سنة ١٣٧٩ هـ بثلاثمائة وخمسين ألفًا أو نصف
стр. 563
مليون، وقدرهم عبد الله عبد الجبار في كتابة التيارات الأدبية الحديثة في قلب جزيرة العرب بأربعمائة ألف وقدرت منظمة الصحة العالمية في الإحصاء الذى قامت به العدد بمائة وستة آلاف في سنة ١٣٨١ هـ وورد فيه أن ٣٥% منهم من الأجانب معظمهم من العمال وأصحاب الحرف. ودل المصور الجغرافي لجدة سنة ١٣٦٨ هـ أن تعداد السكان يقدرب ٢٤٤٠٠ نسمة وأن تعدادهم سنة ١٣٧٥ هـ كان ٩٤٢٠٠٠ وفي سنة ١٣٧٩ هـ وصل إلى ١٠٦٠٠٠ والإحصاء الذى أجرى سنة ١٣٨٢ هـ أظهر أن عدد السكان قد بلغ ١١٤٠٠٠.
تعداد المباني في جدة
أما بالنسبة لتعداد المباني في جدة على اختلاف أنواعها فإن الكتاب يضم هذه المعلومات:
جاء في كتاب الجواهر المعدة للحضراوي أن دكاكين جدة تزيد على خمسة آلاف ومقاهيها تزيد على المائة وجاء في نشرة إحصاء السكان والمؤسسات التي أصدرتها وزارة المالية والاقتصاد الوطني في ذى القعدة سنة ١٣٨٢ هـ أن عدد مباني جدة - ٣٢٣١٧ مبنى (١) وعدد شوارع جدة حاليا ١٣١ شارعا، هذا في عام ١٣٨٣ هـ (٢).
شارع قابل
وفي زمن حصار الملك عبد العزيز آل سعود لجدة باع الملك علي بن الحسين هذا الشارع لسليمان قابل بثلاثة آلاف جنيه ذهبا وأعطاه سليمان قابل ارزا وشعيرا بدلا من النقود المشار إليها ومن ثم صار الشارع ملكا له. (٣)
البحر الأحمر
يبتدئ البحر الأحمرمن خط عرض ٣٠ شمالا من خليج السويس وينتهى عند ٤٠/ ١٣ جهة باب المندب ويبلغ طوله نحو ٢١٥٠ كيلو مترا وعرضه في المتوسط
стр. 564
٢٨٠ كيلو متر ويتسع فيما بين مدينتي جازان شرقا ومصوع غربا ويبلع نحو ٣٤ كيلو متر.
وتبلغ أعماقه بالقرب من السواحل نحو ٢.٢٠٠ قدم وتنحدر إلى أن تصل إلى زهاء ٦٦٠٠ قدم ويبلغ امتداد السواحل في المملكة العربية السعودية ما يزيد عن ١٠٠٠ ميل.
الماء في جدة
كانت جدة تعاني من شح الماء عبر القرون وفي القرن العاشر الهجري قام السلطان قانصوه الغوري بجلب الماء العذب إلى جدة من وادى قوص الواقع شمال الرغامة وتبعد الرغامة عن جدة ساعتين سيرا على الأقدام ولكن هذا الماء كان يتعرض للملوحة إذا شحت الأمطار ويعذب بكثرتها، فلما دخل القرن الحادي عشر الهجري انقطعت العين ثم أجريت ثم انقطعت مرة أخرى في القرن الثالث عشر الهجري، وذلك تبعا للتطورات السياسية والأمنية التي تتعرض لها البلاد ولتوفير الصيانة والتنظيف وإهمالهما. وفي سنة ١٢٧٠ هـ، قام التاجر فرج يسر بإعادة إجراء العين بعد إصلاحها وجمع لذلك التبرعات من التجار واستمر جريانها إلى سنة ١٣٠٤ هـ وفي سنة ١٣٠٦ هـ تم إيصال الماء إلى جدة بأمر من السلطان عبد الحميد الثاني فوصل الماء إلى جدة في عهد الوالى التركي صفوت باشا وسميت هذه العين بالحميدية نسبة إلى السلطان عبد الحميد الثاني، ولكن الاسم الذى غلب على هذه العين لدى أهل جدة هو العين الوزيرية وكانت هذه العين تنبع من سفوح الجبال الشرقية لجدة والتى تبعد مسافة نصف ساعة عن جدة، وبنيت لهذه العين مناهل في انحاء متفرقة من مدينة جدة ليأخذ الناس منها حاجاتهم من الماء كما تأخذ البواخر منها حاجتها كذلك.
تقطير الماء من البحر
تكرر انقطاع الماء عن مدينة جدة فجلبت الحكومة التركية في سنة ١٣٢٥ هـ أول آلة لتقطير مياه البحر وكان أهل جدة يسمونها الكنداسة، ولم تكن هذه الكنداسة كافية لسقيا مدينة جدة فكانت موردا مساعدا للصهاريج الموجودة في جدة والآبار الأخرى. وقد تعرضت هذه الآلة للخراب حينما انقطع الفحم
стр. 565
الحجرى الذى كان وقودها في عام ٤٣ و ١٣٤٤ هـ وفي سنة ١٣٤٦ هـ استوردت الحكومة السعودية آلتين مقطرتين بدلا من الآلة البخارية.
عين العزيزية
اجتمع أهل جدة في ١٣٦٧ هـ وقرروا جمع المال من أثريائهم لجلب الماء إلى جدة بعد أن تكرر انقطاع العين العزيزية عنها وقد جمع الأهالي نصف مليون ريال واستقدموا خبيرا انجليزيا لهذه الغاية ولما علم جلالة الملك عبد العزيز بالأمر أمر بجلب الماء على حسابه وكلف الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية بهذا المشروع وقد جلب الماء من عيون وادى فاطمة بعد الاتفاق مع أهلها على ذلك وتعاقدت الحكومة مع شركة جلاتلي هنكي الإنجليزية على تنفيذ المشروع وبدئ العمل به في منتصف عام ١٣٦٧ هـ وفي غرة المحرم ١٣٦٧ هـ وصل الماء إلى جدة منقولا بالأنابيب بطول خمسه وستين كيلو مترا وبذلك انتهت قصة انقضاع الماء التي دامت عبر القرون (١).
وعلى ذكر الكنداسة نورد هنا بعض أبيات من قصيدة المرحوم محمد سعيد العتيبي في الكنداسة:
يا ذوى الرأى والحجي والكياسة … خلصونا من دوشة الكنداسة
كلكم تأخذون بالدَّسِّ ماءًا … ونشوف النجوم من أجل كاسه
ومنها
كل عشرين طابقون حمارا … ويل من عضِّه الحمار وداسه
منظر يضحك الخواجات منه … والأديب اللبيب من هز رأسه
ويضم الكتاب كثيرا من المعلومات التي تجمع بين الطرافة والغرابة وقد اخترنا منها ما يلى: (٢)