ومعه بعض قبائل اليمن، واستعد حسن اغا للدفاع عن المدينة وأخرج المدافع الكبيرة ونصبها على الكدوة وصارت خيله تخرج كل ليلة وتعسُّ إلى الرغامة.
وصلت سرية من جيش شريف مكة إلى غليل ولجأوا إلى وسيلة أخرى فأرسلوا كتابا إلى الشريف أحمد رئيس جند حسن اغا وجعلوا له مقدارا معلوما من المال ليفسد الجنود على الاغا، وتم التواطؤ بين الشريف أحمد وقائد سرية أمير مكة وأوعز إليهم أن يهاجموا البلدة من الباب اليماني لضعف وسائل الدفاع فيه. وبادر هو بالهجوم مع السرية الواردة من مكة فتمكنوا من الاستيلاء على جدة في نهاية جمادى الآخرة.
وقد استسلمت لهم البلدة بعد أن قتلوا جملة من الأتراك وأخرجوهم من البلدة ولم يبق في يد والي جدة إلا القلعة التي أحاطت بها جيوش شريف مكة ولما أيقن قائد القلعة أن القلعة لا تحميه خرج منها من الباب المطل على البحر وخاض في البحر بخيله وتوجه بمن معه إلى رابغ ومنها إلى مصر وبذلك انتهت ولاية حسن اغا على جدة. (١)
غزو الأحباش لجدة
وإكمالا لما حدث من الوقائع الحربية بجدة نذكر أن الأحباش قاموا بغزو جدة بحرا في سنة ١٨٣ للهجرة وأوقعوا بأهلها فخرج الناس من مكة يومئذ غزاة في البحر وعليهم أميرهم عبد الله بن محمد بن إبراهيم المخزومي الذى ولي مكة لهارون الرشيد العباسي (٢).
وكذلك غزاها إسماعيل الاخيضر سنة ٢٥٦ للهجرة فنهبها وقتل أهلها قتلا ذريعا. (٣)
تعداد سكان جدة
اختلف المؤرخون في تعداد سكان مدينة جدة فقدرهم ناصر خسرو في عام
стр. 562
٤٤٢ للهجرة بخمسة آلاف نسمة وقدر الرحالة المستشرق بوركهات سكان جدة في سنة ١٢٣٠ ما بين اثني عشر ألفًا، وخمسة عشر ألفا وفي سنة ١٢٧٧ قدر مالتزن عدد سكان جدة لما حج إلى مكة بخمسة عشر ألفا، وفي سنة ١٢٨١ قدرهم هوجلين بأربعين ألفا، وقدرهم فانديك باثنى عشر ألف نسمة، وفي سنة ١٣٠١ قدرتهم دائرة معارف البستانى بثمانية عشر ألف نسمة، وقدر عدد سكان جدة في مطلع هذا القرن الهجرى سنة ١٣٠٠ هـ محمد صادق باشا بخمسة وعشرين ألف نسمة، وكذلك كان تقدير إبراهيم رفعت باشا، وفي سنة ١٣٢٧ هـ قدرهم محمد لبيب البتانوني بخمسين ألفًا بينهم عشرة آلاف من الأجانب المسلمين بين فرس وحضارمة وهنود وبخاريين، أما الافرج فيبلغ عددهم مائة أو يزيد قليلا وأغلبهم من الاروام. وفي سنة ١٣٣٠ هـ قدرتهم دائرة المعارف البريطانية بعشرين ألفا، وفي سنة ١٣٣١ هـ قدرتهم دائرة المعارف الإسلامية بنحو ثلاثين ألفا من العرب المختلطين بالتكارير ونحو ٥٠ نصرانيا. وقدرهم محمد فريد وجدى في دائرة معارفه بنحو ثلائين ألف نسمة. (١)
عدد الأجانب في جدة
في سنة ١٣٥٥ هـ الموافق لسنة ١٩٣٧ م ذكرت دائرة المعارف البريطانية أنه كان بجدة من الأجانب ما يأتي:
٥٠ أمريكيا - ١٩ ايطاليا - ٤٤ بريطانيًا - ٥ روس - ٥ فرنسيين - ١١ هولنديًا وفي سنة ١٣٧٥ هـ قدرت دائرة المعارف البريطانية سكان جدة بمائة وستين ألف نسمة، وقدرتهم دائرة المعارف الامريكية في سنة ١٣٧٦ هـ بستين ألف نسمة، وقدرهم توتشل بثمانين ألف نسمة وجاء في هامش الصفحة أن عددهم الفعلى ١١٢ ألف نسمة ونشر قارى اوين ممثل شركة الزيت العربية الامريكية مقالا في مجلة المنهل ذكر فيه أن الخبراء يقدرون عدد سكان جدة قبل عشر سنوات بخمسة وثلاثين ألفا. ويقدرونهم اليوم سنة ١٣٧٩ هـ بثلاثمائة وخمسين ألفًا أو نصف
стр. 563
مليون، وقدرهم عبد الله عبد الجبار في كتابة التيارات الأدبية الحديثة في قلب جزيرة العرب بأربعمائة ألف وقدرت منظمة الصحة العالمية في الإحصاء الذى قامت به العدد بمائة وستة آلاف في سنة ١٣٨١ هـ وورد فيه أن ٣٥% منهم من الأجانب معظمهم من العمال وأصحاب الحرف. ودل المصور الجغرافي لجدة سنة ١٣٦٨ هـ أن تعداد السكان يقدرب ٢٤٤٠٠ نسمة وأن تعدادهم سنة ١٣٧٥ هـ كان ٩٤٢٠٠٠ وفي سنة ١٣٧٩ هـ وصل إلى ١٠٦٠٠٠ والإحصاء الذى أجرى سنة ١٣٨٢ هـ أظهر أن عدد السكان قد بلغ ١١٤٠٠٠.
تعداد المباني في جدة
أما بالنسبة لتعداد المباني في جدة على اختلاف أنواعها فإن الكتاب يضم هذه المعلومات:
جاء في كتاب الجواهر المعدة للحضراوي أن دكاكين جدة تزيد على خمسة آلاف ومقاهيها تزيد على المائة وجاء في نشرة إحصاء السكان والمؤسسات التي أصدرتها وزارة المالية والاقتصاد الوطني في ذى القعدة سنة ١٣٨٢ هـ أن عدد مباني جدة - ٣٢٣١٧ مبنى (١) وعدد شوارع جدة حاليا ١٣١ شارعا، هذا في عام ١٣٨٣ هـ (٢).
شارع قابل
وفي زمن حصار الملك عبد العزيز آل سعود لجدة باع الملك علي بن الحسين هذا الشارع لسليمان قابل بثلاثة آلاف جنيه ذهبا وأعطاه سليمان قابل ارزا وشعيرا بدلا من النقود المشار إليها ومن ثم صار الشارع ملكا له. (٣)
البحر الأحمر
يبتدئ البحر الأحمرمن خط عرض ٣٠ شمالا من خليج السويس وينتهى عند ٤٠/ ١٣ جهة باب المندب ويبلغ طوله نحو ٢١٥٠ كيلو مترا وعرضه في المتوسط
стр. 564
٢٨٠ كيلو متر ويتسع فيما بين مدينتي جازان شرقا ومصوع غربا ويبلع نحو ٣٤ كيلو متر.
وتبلغ أعماقه بالقرب من السواحل نحو ٢.٢٠٠ قدم وتنحدر إلى أن تصل إلى زهاء ٦٦٠٠ قدم ويبلغ امتداد السواحل في المملكة العربية السعودية ما يزيد عن ١٠٠٠ ميل.
الماء في جدة
كانت جدة تعاني من شح الماء عبر القرون وفي القرن العاشر الهجري قام السلطان قانصوه الغوري بجلب الماء العذب إلى جدة من وادى قوص الواقع شمال الرغامة وتبعد الرغامة عن جدة ساعتين سيرا على الأقدام ولكن هذا الماء كان يتعرض للملوحة إذا شحت الأمطار ويعذب بكثرتها، فلما دخل القرن الحادي عشر الهجري انقطعت العين ثم أجريت ثم انقطعت مرة أخرى في القرن الثالث عشر الهجري، وذلك تبعا للتطورات السياسية والأمنية التي تتعرض لها البلاد ولتوفير الصيانة والتنظيف وإهمالهما. وفي سنة ١٢٧٠ هـ، قام التاجر فرج يسر بإعادة إجراء العين بعد إصلاحها وجمع لذلك التبرعات من التجار واستمر جريانها إلى سنة ١٣٠٤ هـ وفي سنة ١٣٠٦ هـ تم إيصال الماء إلى جدة بأمر من السلطان عبد الحميد الثاني فوصل الماء إلى جدة في عهد الوالى التركي صفوت باشا وسميت هذه العين بالحميدية نسبة إلى السلطان عبد الحميد الثاني، ولكن الاسم الذى غلب على هذه العين لدى أهل جدة هو العين الوزيرية وكانت هذه العين تنبع من سفوح الجبال الشرقية لجدة والتى تبعد مسافة نصف ساعة عن جدة، وبنيت لهذه العين مناهل في انحاء متفرقة من مدينة جدة ليأخذ الناس منها حاجاتهم من الماء كما تأخذ البواخر منها حاجتها كذلك.
تقطير الماء من البحر
تكرر انقطاع الماء عن مدينة جدة فجلبت الحكومة التركية في سنة ١٣٢٥ هـ أول آلة لتقطير مياه البحر وكان أهل جدة يسمونها الكنداسة، ولم تكن هذه الكنداسة كافية لسقيا مدينة جدة فكانت موردا مساعدا للصهاريج الموجودة في جدة والآبار الأخرى. وقد تعرضت هذه الآلة للخراب حينما انقطع الفحم
стр. 565
الحجرى الذى كان وقودها في عام ٤٣ و ١٣٤٤ هـ وفي سنة ١٣٤٦ هـ استوردت الحكومة السعودية آلتين مقطرتين بدلا من الآلة البخارية.
عين العزيزية
اجتمع أهل جدة في ١٣٦٧ هـ وقرروا جمع المال من أثريائهم لجلب الماء إلى جدة بعد أن تكرر انقطاع العين العزيزية عنها وقد جمع الأهالي نصف مليون ريال واستقدموا خبيرا انجليزيا لهذه الغاية ولما علم جلالة الملك عبد العزيز بالأمر أمر بجلب الماء على حسابه وكلف الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية بهذا المشروع وقد جلب الماء من عيون وادى فاطمة بعد الاتفاق مع أهلها على ذلك وتعاقدت الحكومة مع شركة جلاتلي هنكي الإنجليزية على تنفيذ المشروع وبدئ العمل به في منتصف عام ١٣٦٧ هـ وفي غرة المحرم ١٣٦٧ هـ وصل الماء إلى جدة منقولا بالأنابيب بطول خمسه وستين كيلو مترا وبذلك انتهت قصة انقضاع الماء التي دامت عبر القرون (١).
وعلى ذكر الكنداسة نورد هنا بعض أبيات من قصيدة المرحوم محمد سعيد العتيبي في الكنداسة:
يا ذوى الرأى والحجي والكياسة … خلصونا من دوشة الكنداسة
كلكم تأخذون بالدَّسِّ ماءًا … ونشوف النجوم من أجل كاسه
ومنها
كل عشرين طابقون حمارا … ويل من عضِّه الحمار وداسه
منظر يضحك الخواجات منه … والأديب اللبيب من هز رأسه
ويضم الكتاب كثيرا من المعلومات التي تجمع بين الطرافة والغرابة وقد اخترنا منها ما يلى: (٢)
стр. 566
امتيازات الحضارمة في جدة
جاء في مذكرات المرحوم الشيخ محمد صالح بن علي باعشن أن كثيرا من تجارات جدة كانت بيد الحضارمة وأن لهم تقاليدهم الموروثة في جدة وكانت لهم مكانة في المجتمع باعتبارهم من رجالاته وكانت الدولة العثمانية تقدر لهم هذه المكانة وكانوا يمتازون عن سكان المدن الأخرى في الحجاز - مكة والمدينة وغيرها من مدن الحجاز - بإن دعاواهم وتركاتهم وبيع وشراء دورهم تتم عند شيخ السادة ولا يتعرضهم وال ولا قاضٍ.
وقد صدر بذلك فرمان سلطاني في سنة ١٢٣٧ هجرية من السلطان محمود خان وبقى هذا الامتياز ساريا في العهد العثماني ثم في العهد الهاشمي، ولما تولى الملك عبد العزيز أمر الحجاز طلب منه الحضارمة إبقاء امتيازاتهم لهم فوافق على ذلك ولكنهم اختلفوا فيما بينهم في أمر المشيخة وكانت اجتماعاتهم تتم في دار الشيخ محمد صالح باعشن ولم يتفقوا على شئ فضاعت امتيازاتهم وتغير الأمر بالنسبة إليهم (١).
ثروات البحر
وصف الرحالة الحميري جدة وضخامة الثراء بها فقال وفي أعلى منازلها قباب محكمة ويذكر أهلها أن من بلغ كسبه مائة ألف دينار بنى على داره هذه القبة ليعلم أن كسبه قد بلغ العدد المذكور (٢).
صادرات جدة
وصف بطرس البستانى تجارة جدة بأنها متسعة جدا تجرى على الأكثر بواسطة مراكب انجليزية ومراكب عثمانية ووطنية صغيرة محمولها نحو ٨٠ طنا وأن من صادراتها البن والصمغ والطيوب والبلسم والبخور والسنا والعاج والعطر والخيار شنبر وصدف اللؤلؤ وتروس السلاحف وريش النعام والتمور والسكاكين والخزف والجلود.
стр. 567
رأس المال
يقول الشيخ محمد صالح بن علي باعشن: وكان من يبلغ رأس ماله ستة عشر ألف ريال يعتبر تاجرا ناحجا مرموقا. (١).
اللؤلؤ في جدة
وقد ذكر توتشل أن بعض اللآلى وجدت على طول البحر الأحمر قرب جدة إلى الجنوب ولكن الغوص لم يكن حتى الآن أحد المشروعات الناجحة. (٢).
واردات جدة
حددت دائرة المعارف الإسلامية واردات جدة بأنها كانت بعد فتح قناة السويس بمقدار مليون وخمسمائة ألف جنيه ذهب (٣).
وذكرت دائرة المعارف المطبوعة سنة ١٩٦٠، أن استيرادات جدة من البضائع في سنة ١٩٥٥ م بخمسة ملاين جنيه.
صادرات المملكة وواردتها في سنة ١٣٧٩ هـ
ذكر تقرير رئيس الغرفة التجارية بجدة الأرقام التالية:
٣.٣١٣.٥٠٦٧٤٤ ريال صادرات المملكة في سنة ١٣٧٩ هـ
٩١٧.٦٣٢٧٠٢ ريالا واردات المملكة في العام المذكور. (٤)
حارة المظلوم - سبب التسمية
في سنة ١١٣٤ هـ وقعت بالمدينة المنورة فتنة أهلية أتهم أغوات المسجد النبوي فيها العالم الديني السيد عبد الكريم البرزنجي بأنه من مشعلي الفتنة ورؤوسها وصدر الأمر من السلطنة بقتل السيد البرزنجي ومن اتهم معه من زعماء الفتنة ومثيريها. وبقي السيد عبد الكريم البرزنجي بالمدينة خائفا ولم تلجأ الدولة إلى القبض عليه في المدينة وتنفيذ حكم القتل فيه تحسبا لما قد ينجم عن ذلك من
стр. 568
القلاقل، ويبدو أن لمكانة الرجل الدينية الأثر الأكبر في تحسب الدولة لذلك.
لهذا فقد أغروا به من زين له الخروج من المدينة والانتقال إلى جدة حيث أنها آمن له من المدينة، وقرر السيد البرزنجي الخروج من المدينة والانتقال إلى جدة فلما وصل إلى مكة في طريقه إلى جدة قبض عليه الوزير أبو بكر باشا وأرسله إلى جدة فحبس بقلعتها وقتل خنقا وألقي بجسده في سوق جدة يوما كاملا وكان قتله بهذه الصفة الشنيعة ثم إلقاؤه في السوق قد أثار حنق أهل جدة وسخطهم على الحكومة العثمانية فسموه المظلوم وسميت المحلة التي ألقى بها جسده محلة المظلوم من يومئذ إلى اليوم.
يقول المؤلف أما كتاب السلاح والعدة في فضل جدة فيسمى البقعة التي في داخل السور بالجهة الشمالية باسم بقعة المظلوم نسبة إلى عفيف الدين مظلوم المدفون فيها (١) أقول والرواية الأولى تتفق مع ما سمعته من بعض العارفين بتاريخ جدة من أهلها والله أعلم.
باب المغاربة - سبب التسمية
وكان هذا الباب يقع أمام عمارة معرض الجفالي، ولعل منشأ التسمية أنه كان مدخل حجاج المغاربة أيام كانت تفرض عليهم رسوم حج باهظة من قبل أمراء مكة، كما حدثنا ابن المجاور الدمشقي من أهل القرن السابع الهجري في كتابه تاريخ المستبصر، وقد أفادنا ابن المجاور بأن صلاح الدين الأيوبي أنفذ من مصر إلى الأمير مكثر أربعة آلاف اردب حنطة (والأصح ستة آلاف أردب حنطة) إلى جدة وإلى مكة وقال له خذ هذا القدر واترك عن المغاربة الجزية مع دية الكلب فأزال الأمير مكثر ذلك كله في سنة ست وثمانين وخمسمائة ثم أراد الأمير قتادة أن يرد الشئ إلى أصله - يعنى أخذ الجزية من المغاربة فأدركه الموت وارتفع عنهم. وقد وصف ابن جبير الأندلسي الذى حج في زمن إمارة الأمير مكثر ما كان يمنى به الحجاج من إرهاق في أخذ المكوس على أشخاصهم "وكان مقدار الجزية سبعة يوسفية على كل رأس كما كان القواد في جدة يأخذون من كل رأس منهم يوسفيا".
стр. 569
قال ابن جبير ولولا ما تلافي الله به المسلمين في هذه الجهات الحجازية بصلاح الدين لكانوا من الظلم في أمر لا ينادى وليده لا يزجر شديده فإنه رفع ضرائب المكوس عن الحجاج وجعل عوض ذلك مالا وطعاما يأمر بتوصيلها إلى أمير مكة، فمتى أبطأت عنهم تلك الوظيفة المترتبة لهم، عاد هذا الأمير إلى ترويع الحاج بسبب المكوس واتفق لنا من ذلك أن وصلنا إلى جدة فامسكنا بها خلال ما خوطب مكثر الأمير المذكور فورد أمره أن يضمن الحاج بعضهم بعضا ويدخلوا إلى حرم الله فإن ورد المال والطعام اللذان برسمه من قبل صلاح الدين وإلا فهو لا يترك ماله قبل الحاج، ثم قال ابن جبير - والذى جعل له صلاح الدين بدلا من مكس الحاج الفى دينار والفي أردب من القمح وهو نحو الثمانمائة قفيز بالكيل الاشيبلي عندنا حاشا اقطاعات اقطعها بصعيد مصر وبجهة اليمن لهم بهذا الرسم المذكور، ولولا مغيب هذا السلطان العادل صلاح الدين بجهة الشام في حروب له هناك مع الأفرنج لما صدر عن هذا الأمير المذكور ما صدر في جهة الحاج. (١)
أوليات في جدة
الفرنجة - القنصليات الأجنبية
في سنة ١٢٥٢ هـ كان وصول أول قنصل انجليزي إلى جدة وتوطنه بها ونصبه أول علم للأجانب بها فكانت القنصليات الأجنبية في جدة تابعة لبريطانيا وفرنسا والنمسا وروسيا وهولندا وبلجيكا وإيران وكان للحكومة البولندية قنصلية في جدة وانقطعت العلاقة معها بعد استيلاء الروس على بولندا، أما العلاقة السياسية مع روسيا فقد بدأت في ١٦ فبراير سنة ١٩٢٦ م وانقطعت في سنة ١٩٣٨ م. (٢)
وكان للمسيحيين في جدة نظام خاص في لباسهم وتنقلهم كما يظهر في الفقرة التالية.
стр. 570
المسيحيون في جدة
ويوجد مسيحيون يقيمون في جدة وهناك يونانيون قليلون يعملون في التجارة، وكان قدومهم إلى جدة من مصر وكانوا مجبرين في أيام الشريف على ارتداء لباس خاص وكانو ممنوعين من الوصول إلى باب مكة في مدينة جدة وعندما حكم الأتراك الحجاز أزيل هذا النظام الدقيق، والآن للمسيحي كامل الحرية في التنقل في جدة وإذا مات لا يدفن في جدة لأنها تعتبر أرضا تابعة للأرض المقدسة ويوجد محل خاص في الجزر الصغيرة يؤذن لهم في الدفن به. (١)
أما اليهود فقد طردوا من جدة كما يظهر من الفقرة التالية.
اليهود في جدة
وكان اليهود وهم سماسرة هذا البلد ولكنهم طردوا منذ سبعين عاما لسوء أخلاقهم ونزحوا إلى اليمن وصنعاء على ما يقوله بوركهارت. وبوركهارت مستشرق سويسري تسمى بإسم إبراهيم عبد الله وتزيى بزي المسلمين ودخل جدة ومكة والمدينة ووصف موسم الحج وصفا بارعا في كتاب سماه السفر إلى بلاد العرب وظهر باللغة الإنجليزية سنة ١٨٢٩ م. (٢)
وتعليقا على ذلك أقول أن ما يتعلق بالمسيحين ربما كان في العهود السابقة للحكم العثماني والتى تبدأ في أواخر القرن العاشر الهجري والمقصود بكلمة أيام الشريف الواردة في الخبر هو شريف مكة. لقد أدركت المسيحيين في العهد الهاشمي واوائل العهد السعودى وهم يعيشون حياة عادية في ملابسهم وتحركاتهم وكانت لهم شركاتهم واعمالهم أما بالنسبة لمدافنهم فقد كانت لهم مقبرة في جدة في الجهة الجنوبية قرب الميناء ولا تزال موجودة حتى هذا اليوم، أما عن اليهود فلم يكن بجدة إلا يهودي واحد اسمه ماركو وكان له دكان في شارع متفرع من السوق الكبير وقد رحل من جدة بعد أن تزوجت ابنته الخواجه نقولا وكان يونانيا مسيحيا على
стр. 571
غير رضاء منه فترك جدة غاضبا إلى غير رجعة.
إضاءة الشوارع
وأضيئت شوارع جدة بالمصابيح الغازية في أول عهد الحرية في سنة ١٣٢٧ هـ وكان المتصرف سوريا أقول والمقصود بعهد الحرية هو الانقلاب الذى قام به الأحرار العثمانيون وكان شعاره حرية مساواة عدالة وكان حزيهم يسمى حزب الاتحاد والترقى. (١)
دخول فن التصوير الفوتوغرافي
يقول المؤلف: حدثني الشيخ محمد نصيف بأنه في سنة ١٣٠٠ هـ أخذ رسمه - فوتوغرافيا - وهو ابن ستة أشهر المستشرق الهولندي سفوك هوجرنة الذى كان يومئذ نزيل جدة قادما إليها من مصر وكان ذلك برغبة من جدة الشيخ عمر نصيف. (٢)
الحسبة والمحتسب
المحتسب هو المتصرف في شئون المدينة وبيده مفاتيح أبوابها وهو المسئول عنها وكان لديه مراكب مؤلفة من بغال وحمير وجمال ولديه رجال شجعان مسلحون لنشر الأمن في البلدة وإذا حدث أمر هام في الليل مثلا فإن الكتب الرسمية التي يكتبها حاكم جدة إلى إمارة مكة في هذا الشأن لا ترسل إلا مع رجل خاص من رجالات المحتسب. وكانت إمارة مكة تبيع الحسبة لطلابها مقابل مبلغ من المال يدفعه المحتسب لخزانة أمير مكة وربما كان الحال في جدة شبيها بذلك في بعض الظروف. وكانت لحسبة في عام ١٢٧٠ هـ تدور بين ثلاثة أشخاص من أهل جدة هم محمد طويل جد محمد الطويل ﵀ وعبد الله محتسب وآخر من بيت جاسر.
وفي مطلع القرن الهجري الرابع عشر حولت الحسبة إلى رئاسة بلدية جدة مثل سواها من مدن الحجاز.
стр. 572
قبر حواء
كان موضع هذا القبر هيكلا عبدته قضاعة قبل الإسلام وبقي أثره بعد الإسلام فأقيم القبر مكانه، ولقد حاول الشريف عون الرفيق هدم هذه القبة - قبة قبر حواء - وقام قناصل الدول في وجهه حيال عزمه المذكور وحيلولتهم بالتفاهم الودى بينه وبين تنفيذ ما عزم عليه بحجة أن حواء ليست أم المسلمين وحدهم بل ويشاركهم في بنوتها جميع البشر من الاجناس غير الإسلامية. (١)
أقول وهذا الخبر فيه شيء من الغرابة والله أعلم.
تقييم الكتاب
وبعد فهذا الحديث الطويل عن جدة هو ما رأيت نقله من موسوعة تاريخ مدينة جدة وهو من أهم الكتب التي ألفها المرحوم الأستاذ عبد القدوس الأنصارى فتتبع كلما يتعلق بمدينة جدة في كتب الرحلات والمؤرخين والجغرافيين ودوائر المعارف إضافة إلى أبحاثه الخاصة في شتى المجالات حديثها وقديمها والاتصال بالعارفين من أهلها كالشيخ محمد نصيف والشيخ محمد صالح بن علي باعشن رحمهما الله وهما من كبار أهل جدة الذى يجمعون بين العلم والخبرة ومعاصرة الأحداث، والتنقيب عن المذكرات والكتب المخطوطة في تاريخ جدة واستخلاص المعلومات منها. أن الكتاب حجة في موضوعه ولقد بذل فيه المؤلف من الجهد والوقت ما لم يبذله سواه من أهل جدة أو غيرها مما يجعله مرجعا قيما لكل مؤرخ أو دارس والكلمة الأخيرة في هذا الكتاب هي استحثات الأستاذ نبيه الأنصاري ابن المرحوم عبد القدوس في إكمال ما بدأه والده واخراج الجزء الثاني من هذه الموسوعة الضخمة في تاريخ جدة.
стр. 573
المعارك الأدبية
خاض عبد القدوس ﵀ معارك أدبية كثيرة أولها فيما اذكر مع الأستاذ محمد حسن عواد يرحمه الله حينما أصدر عبد القدوس كتابه التوأمان وكان رأي الأستاذ عواد فيه سيئا ودارت المعركة في جريدة صوت الحجاز بين الأديبين، وقد أصدر عبد القدوس كتابه هذا ولعله أول كتبه في مطلع شبابه وكان العواد قد فرض نفسه في دنيا الأدب وذاع اسمه وصيته.
أما المعارك الأخرى فلقد كانت مع الأستاذ حمد الجاسر والأستاذ عبد الله بن خميس ولعلها أن لم تخني الذاكرة تتعلق بابحاث تاريخية وأثرية .. وعلى أي حال فليس من غرض هذه الترجمة الحكم بين عبد القدوس وغيره من الأدباء والعلماء وإنما أعطاء صورة عن حياته الأدبية والعلمية.
ولقد كان الرجل فيما أعلم موضوعيا في هذه المعارك يترفع عما يسف من الكلام ويلتزم أدب البحث ولكنه يجهر بما يعتقد أنه الصواب رحم الله الأنصارى وعوادا وغفر لهما وأمد الله في حياة الأديبين الكبير بن حمد الجاسرو عبد الله بن خميس فهما من أعلام الأدب والعلم في هذه البلاد.
الكلمة الأخيرة
وإذا كانت هناك كلمة اخيره تقال في آثار عبد القدوس ﵀ فلعل المنهل الذى رعاه عبد القدوس شابا ورجلا وشيخا هو الموسوعة الحقيقية لمعارفه وتحقيقاته، وهي المرجع الضخم لأدبه وعلمه، وهو كذلك من أهم المراجع لكثير من الأدباء والعلماء الأموات منهم والأحياء.
لقد وهب عبد القدوس ﵀ نفسه للأدب والعلم والتحقيق والبحث فقضى
حياته كلها في عمل دائب مفيد وترك لنا هذا التراث الضخم من الأبحاث والتحقيقات سواء في كتبه الخاصة أو فيما كان ينشره في مجلته العظيمة المنهل خاصة وفي الصحف الأخرى عامة وهو بهذا الدأب يصور لنا حياة رجل العلم الذى وهب
стр. 574
حياته كلها للعلم النافع المفيد.
مرضه ووفاته
مرض عبد القدوس ﵀ مرضا شديد تردد فيه على المستشفيات في جدة والرياض ويبدو أن العلة كانت قد استعصت على العلاج وآذان مصباح حياته بالانطفاء فتوفى في ليلة الثاني والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة ١٤٠٣ هـ عن عمر يناهز الثمانين عاما ودفن بمكة المكرمة في مقبرة المعلاة بعد أن صلى عليه صلاة الظهر من يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، تغمده الله برحمته الواسعة وأنزله منازل رضوانه وتقبل منه عمله الطيب في خدمة الأدب والعلم أنه سميع الدعاء ..
стр. 575
عبد الله باشا باناجه
стр. 576
عبد الله باشا باناجه
معتدل القامة نحيف البدن حنطي اللون واسع العينين، أقنى الأنف، مهيب المنظر يكسو الشيب لحيته وعارضيه وشاربه وحاجبيه، يرتدى الجبة والعمامة الألفي وتحتها الشاية وهي اللباس الخاص بالتجار في ذلك الزمان.
ولد بمدينة جدة في الفترة حوالي عام ألف ومائتين وسبعين للهجرة، وسافر بصحبة والده التاجر يوسف باناجة الذى نفي مع من نفي من تجار جدة إلى جزيرة قبرص على اثر غزو الأسطول الإنجليزي لميناء جدة إثر قيام الأهالي بقتل القنصل الإنجليزي والقنضل الفرنسي وبعض الفرنجة في جدة.
وتفصيل هذه الموقعة أن شائعة انطلقت في مدينة جدة في ذلك الزمان مفادها أن القنصل الإنجليزي دعس العلم العثماني بقدمه في إحدى البواخر الراسية في الميناء، واعتبر الأهالى أن هذا العمل الذى قام به القنصل الإنجليزي إهانة للعَلمَ الذى هو رمز الإسلام فقتلوه وقتلوا معه القنصل الافرنسي كما قتل في هذه الحادثة بعض الافرنج المقيمين بجدة ونهبت دورهم.
استشاطت حكومة الانجليز غضبا لما حل بقنصلها وغيره من الفرنجة. فأرسلت بعض قطع أسطولها إلى ميناء جدة، وأطلقت بعض هذه القطع قنابلها على
стр. 577
المدينة فالحقت الخراب ببعض أجزائها، ولم تستطع القلعة البحرية مقابلة هذا الهجوم بما لديها من مدافع قديمة وأسلحة أكل عليها الدهر وشرب.
وقد رأت الدولة العثمانية أن من الحكمة تسوية هذه المسألة فاجرت تحقيقا في الحادث الخطير وعاقبت القائمين به والمحرضين عليه بالقتل والنفي، وقد نفذ القتل في عبد الله المحتسب الذى كان محتسب مدينة جدة - المحتسب هو رئيس البلدية - وسعيد العامودي وغيرهم وكان من ضمن المنفين الشيخ يوسف باناجة والد المترجم (١).
وقد توفي الشيخ يوسف باناجه في منفاه بجزيرة قبرص فعاد عبد الله باناجه مع أخيه عبد الرحمن ووالدتهما إلى جده، وكان اخوهما الأكبر محمد باناجه هو الذى يشرف على شئون العائلة منذ نفي والدهم من البلاد. ونشأ عبد الله باناجه في جدة وتعلم أولا في قبرص حينما كان والده منفيا بها وربما أتاح له هذا تعلُّم اللغة التركية هناك فقد كانت الجزيرة تحت حكم الأتراك وبها جالية تركية إسلامية كبيرة وعلى أي حال فقد نال من العلم ما كانت تسمح به ظروف ذلك الزمان، ولما بلغ مبلغ الشباب عظم الخلاف بينه وبين أخيه الأكبر محمد الذى هو رئيس العائلة وكان جافي الطبع شديدا في تصرفاته فلم يستطع عبد الله العيش مع أخيه هذا فهاجر إلى مدينة الاستانة - اسطنبول - عاصمة الخلافة العثمانية وهي في أوج مجدها وازدهارها.
واشتغل عبد الله باناجه بتجارة المجوهرات من اللآلئ والأحجار الكريمة، وكان لهذه التجارة سوقها الرائج إذا جمع صاحبها بين حسن الاختيار وجمال التنسيق وصاحب ذلك الكياسة وحسن السياسة.
ووجد عبد الله باناجه طريقه إلى بلاط الخليفة وقصوره بما تحمله من نفيس الجواهر وكريم اللآلئ فاصبح مقربا إلى البلاط ولم يمض طويل وقت حتى عيَّنه
стр. 578
السلطان عبد الحميد عضوا في مجلس المبعوثان وأنعم عليه بلقب الباشوية الرفيعة في ذلك الزمان فأصبح اسمه - عبد الله باشا باناجه - وهو الوحيد فيما أعلم من أهل الحجاز الذي حصل على هذه الرتبة الرفيعة العالية بما لها من امتيازات واوسمة باستثناء بعض أشراف مكة المكرمة الذين منحت لهم رتبة الباشوية من السلطان في ذلك الزمان.
بزغ نجم الفتى وطابت له الإقامة في عاصمة الخلافة وتزوج بها واقتنى الضياع وطالت إقامته هناك حتى يئسر أهله وإخوته من رؤيته بينهم في جدة مرة أخرى، ولكن للأقدار أحكامها التي تغير ما قدر الناس لأنفسهم وما أرادوا، مات محمد باناجه الأخ الأكبر، وأصبح عبد الله هو رئيس العائلة فعاد إلى وطنه مرة أخرى ليكون على رأس البيت الذي تركه شابا وكانت هذه العودة سببا في كلما حققة بيت باناجه وما ناله من شهرة وذيوع صيت، كانت العائلة تسكن في بيت صغير في منطقة سوق الندى وحول هذا البيت بيوت صغيرة أخرى متناثرة وإلى جانبها أرض خالية ترمى فيها النفايات. اشترى عبد الله باناجه باشا البيوت الصغيرة المحيطة بدار أسرته كما اشترى في الأرض المهملة وهدم الجميع لينشيء مكانها بيت العائلة الكبير الموجود حاليا بسوق الندى وليبني حوله المخازن الخاصة بالبضائع وليكون سفله مكاتب للعمل التجارى، وعلوه للسكن وكان هناك بيت صغير متصل بمسجد الحنفي وهو من أقدم المساجد في جدة، وملاصق لبيت باناجه فاشتراه الباشا ليجعل منه مقصورة للصلاة متصلة بالمسجد ومحجوزة عنه بشباك كبير من الحديد، وشيد في نفس الوقت صالة فخمة والحقها بهذه المقصورة وكان في تصرفه هذا مثالا للذكاء وبعد النظر.
كان آل باناجه يستعلمون المقصورة في صلاتهم اليومية فإذا أذن الظهر والعصر تركوا مكاتبهم واجتمعوا في هذه المقصورة يصلون بصلاة أمام المسجد وهم يشاهدون المصلين كما يشاهدهم المصلون كان هذا في الأيام العادية، أما في يوم الجمعة فإن الأمر يختلف اختلافات تاما. لقد أصبحت هذه المقصورة ملتقى الولاة
стр. 579
والحكام والأعيان، يفد الوالي التركي والقائمقام ومدير الشرطة وكبار الأعيان لصلاة الجمعة في مقصورة آل باناجه فإذا انقضت الصلاة انتقل المجتمعون إلى الصالة الكبيرة المؤثثة بأجمل الأثاث للاستراحة وفيها تدار عليهم أكواب القهوة والشاي وينطلق بخور العود، وتدور الأحاديث التي تتعلق بأهم الأحداث كما تدور المجاملات وليس هذا فحسب كانت، المقصورة مكانا أمينا للشخصيات الهامة من الملوك والعظماء الذين يصلون إلى جدة وتدركهم الجمعة بها، ولقد شهدت كثيرا من الملوك الذين عاصرتهم يصلون الجمعة في مقصورة آل باناجه.
الملك الشريف الحسين بن علي ملك الحجاز.
السلطان وحيد الدين آخر سلاطين آل عثمان الذي زار الحجاز بدعوة من الشريف الحسين بعد خلعه من العرش. الملك الشريف علي بن الحسين الذي خلف أباه الشريف الحسين على عرش الحجاز.
الملك الإمام عبد العزيز بن سعود ملك الحجاز وسلطان نجد بعد فتح الحجاز.
الملك سعود بن عبد العزيز … الملك فاروق ملك مصر حين زيارته الأولى للحجاز.
السلطان القعيطي سلطان حضرموت حينما حضر للحج. وغيرهم من الحكام وأولى السلطان.
وفي الجمعات التي يصلى فيها أحد الملوك يستعد آل باناجه أعظم استعداد لاستقبال الضيف الكبير فيجهز المجلس ويرش الحوش الذي يدخل منه الموكب ويصطف الجند حول المنزل وفي سوق الندى المحيط بالدار، فإذا أقبل الضيف استقبله الرسميون ومعهم كبير العائلة وأهمَّ أفرادها وانطلق أمامه حملة المباخر ينطلق منها شذى العود. فإذا استقر المقام بالضيف الكبير قدمت له القهوة العربية وأديرت أكوابها على الحاضرين ورش الحاضرون بماء الورد، ثم قدمت أكواب الشراب الحلو الذي يحتفظ به آل باناجه لهذه المناسبات وهو من أحسن الأشربة وأجودها.
стр. 580
فإذا أذن للصلاة قام الجميع إلى المقصورة لأداء الصلاة بعد الاستماع إلى الخطبة فإذا انقضت الصلاة عاد المصلون إلى المجلس مرة أخرى لتدار عليهم القهوة وأكواب الشاى بينما ينطلق الشذى العاطر من بخور العود وبعد الاستراحة يودع الضيف الكبير بكل مظاهر الإجلال والإكبار.
وعلى ذكر هذه المقصورة فإن أول من بنى المقاصير للصلاة من الخلفاء هو الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان رضى الله تعالى عنه وذلك بعد أن تعرض لمحاولة قتله من قبل الخوارج في ١٧ رمضان سنة أربعين للهجرة. ذلك أن ثلاثة من الخوارج اجتمعوا واتفقوا فيما بينهم على أن كل الفتن العظيمة التي يعانى منها المسلمون سببها هو الخلاف بين علي ومعاوية وعمرو بن العاص فتعاهد الثلاثة على أن يقوم كل منهم بقتل واحد من هؤلاء، وقتل الإمام علي رضوان الله تعالى عليه بيد الشقي عبد الرحمن بن ملجم وهو خارج إلى المسجد ينادى لصلاة الفجر - الصلاة الصلاة.
ونجا عمرو بن العاص ﵁ لأنه مرض ليلتها فلم يخرج إلى الصلاة وأناب عنه من يصلي الفجر بالناس فقتله عمرو بن بكر التميمي الخارجي وهو يظنه عمروا. أما معاوية رضى الله عنه فقد أصاب السيف موضع جلوسه وكان جسيما فجرح ولكنه نجا من القتل وكان الذي ضربه بالسيف هو البرك بن عبد الله التميمي الخارجي. بعد هذه الحادثة أقام معاوية رضوان الله تعالى عليه مقصورة يصلى فيها وكلف من يقوم على حراستها أثناء الصلاة.
ولقد رأيت الملك عبد العزيز يرحمه الله يصلى في مقصورة آل باناجه وعلى باب المقصورة يقف عبد أسود طوال شاهرا سيفه ومن خلف جلالته يقوم الحرس شاهرين سيوفهم.
ومما تحتفظ به الذاكرة أن الشريف الحسين حينما وصل مع السلطان وحيد الدين إلى دار آل باناجه لصلاة الجمعة كانا يستقلان عربة تجرها الخيول وكان الملك علي بن الحسين يصل إلى المسجد وهو يمتطى السيارة. أما الملك عبد العزيز رحمه الله
стр. 581
فقد شاهدته في أول جمعة صلاها في مدينة جدة خرج ماشيا من بيت نصيف الشهير تتقدمه مجموعة ضخمة من الرجال ربما يصل عددهم المائة ومن خلفه مجموعة أخرى بنفس العدد وهم يحملون أسلحتهم، وعاد بنفس الموكب وكان طريقه من بيت نصيف مرورا بشارع قابل ثم بالسوق الكبير إلى سوق الندى حيث يقع بيت آل باناجة وكان الحرس يملؤون الساحة الكبيرة للبيت والتي زينت ببوابة ضخمة وواسعة جدا من الخشب المتين القوى المنقوش وكان الناس يملؤون الطرقات والشوارع التي بها الموكب في الذهاب والإياب.
نعود بعد هذا الاستطراد إلى عبد الله باشا باناجه فنقول أنه كما أسس هذا البيت في مدينة جدة بمقصورته التي دخلت التاريخ كما أسلفنا عنها من حديث، اشترى في مكة بيتًا بل قصرا عظيما آخر كان يقع في مواجهة الحرم الشريف أمام باب علي، في منطقة الصفا وكان ملحقا بهذا البيت بيت صغير آخر يطل على شارع القشاشيه أمام بيوت علي باشا التي كان تشغلها مدارس الفلاح بمكة المكرمة في ذلك الزمان.
وقد أزيل بيت باناجه الكبير والبيت الآخر مع كافة البيوت التي كانت موجودة في منطقة المسعى والقشاشيه وأدخلت في التوسعة السعودية العظيمة التي تمت للمسجد الحرام، وكان هذا البيت في منطقة المسعى قرب الصفا وقبل العلامة الخضراء التي يمر فيها الساعون بين الصفا والمروة.
كان هذا البيت ملكا للحكومة المصرية كما علمنا حتى قيل أن فيه - مهلكا - يرمي فيه من يراد إهلاكه والعياذ بالله.
حدثني الأستاذ عبده صالح باناجه قال: كان في الدور العلوي الكشك الكبير (١) وكان في جانب منه باب مقفول لا يفتح أبدا، قال وكانوا يخوفوننا منه قائلين هذا الباب المهلك يفتح الباب ثم يدفع فيه من يراد به الهلاك فيهوى إلى حيث لا يرى
стр. 582
بعد ذلك والعياذ بالله.
وسواء أصحت الرواية التي ذكرت للأستاذ عبده. أم لم تصح فلقد كان بيت باناجة بيتا عظيما وقصرا منيفا هو الآخر دخل التاريخ في زمنه، فحينما حضر الخديوى عباس خديوى مصر للحج نزل فيه بمكة المكرمة وكان عبد الله باشا باناجه في مصر في ذلك الزمان على ما سيأتي تفصيله بعد. وكذلك نزل فيه السلطان القعيطي حينما حضر للحج وكان نزوله في جدة في بيت آل باناجه. ومما لا شك فيه أن الكثير بن من العظماء قد نزلوا في بيتهم بمكة. وكان آل باناجه يتركونه مفتوحا طيلة العام ويوظفون من يقوم بالعناية به وخدمة النزلاء فيه وكانوا كما لست في حاجة لأن أقول ينزلون به إذا قدموا إلى مكة كما ينزل به أصدقاؤهم وضيوفهم.
وكان أهم من هذا وذاك أن الناس في مكة يعتبرونه مكانا صالحا للندوات الكبيرة والاجتماعات.
أقام فيه شباب مكة المكرمة وأدباؤها حفلة تكريمية للشاعر الأستاذ خير الدين الزركلي حينما حفر إلى مكة في أوائل العهد السعودي وألقيت فيه القصائد والكلمات الترحيبية وألقى فيها الأستاذ خير الدين قصيدة له مشهورة مطلعها.
حي الحجاز ونجدا - حيا بها مكرميه، ونشرتها الصحف في حينها.
كان هذا البيت مقرا لهذه الاجتماعات وأمثالها مما لسنا بسبيل حصره ولكننا نكتفي بالإشارة إليه في وقت لم يكن في مكة كلها مكان مهيؤ لمثل ذلك في مثل موقعه الفريد بجوار المسجد الحرام.
أن ما لفت نظرى في سيرة عبد الله باشا باناجه هي عصاميته العجيبة التي انتهت به من شاب مهاجر من بلده وهو مغاضب لأهله ليشق طريقه في أعظم عواصم الدنيا في زمانه حتى يصل إلى المكانة المرموقة التي وصل إليها ثم يعود إلى بلاده فينفق الكثير من ماله في سبيل المجد الذي يرفع من مقامه ومن سمعة بلده.
لست أشك أن عبد الله باشا باناجه قد أفاد من المجد والسمعة وربما جر عليه
стр. 583
هذا الكثير من المنافع بأسباب صلته بالملوك والحكام وليس هذا بالأمر الذي يخدش من قيمة العمل الذي أداه ما دام لم يستغل هذه الصلات في الإضرار بالناس أو الإثراء على حسابهم بل أن هذه الصلاة مطلوبة وحسنة لأها مفيدة للناس فإن أمثال هؤلاء الرجال يكونون لسان من لا يستطيع إيصال صوته إلى الحكام والولاة وهم بهذا يستطيعون أن يرفعوا الظلم والحيف عن الناس أو يجلبوا لهم الراحة والخير.
نعود مرة أخرى إلى عبد الله باشا باناجه فنقول - حينما عاد عبد الله باناجه باشا إلى جدة كان أمير مكة هو الشريف عون باشا الرفيق وقد اتصلت صلة الباشا القادم من دار الخلافة بالشريف المعين من السلطان وظل عبد الله باشا باناجه على صلة حسنة بأمراء مكة من الإشراف حتى ولي الملك الشريف الحسين بن علي في عام ١٣٣٤ هـ فآثر الهجرة إلى مصر، ولعله خشي على نفسه من الشريف لسابق صلته بالأتراك. ولكنه كان من الذكاء والألمعية بحيث دفع ابن أخيه أحمد أفندي باناجه ليعمل في خدمة العهد الجديد وقد اختاره الشريف الحسين بن علي وزيرا لماليته وكان يطلق عليه الوزير الحضرمي وقد تحدث عنه المؤرخ الكبير أمين الريحاني في مؤلفه القيم - ملوك العرب - حديثا شقيا.
هاجر عبد الله باشا إلى مصر ولكنه كان رجلا ألمعيا يستطيع أن يهيء لنفسه مكانا في أى بلد ينزل فيه أو هو كما قال الشيخ الأفغاني - لا يعدم الأسد أينما ذهب فريسته.
أقام عبد الله باشا بمصر في بيت بشارع المدارس ثم اشترى منزلا فخمًا بالعباسية وكانت المحل المختار لسكنى عظماء مصر وسراتها، فانتقل إليه، وكان هذا البيت مفتوحا لاستقبال أصدقاء آل باناجه القادمين من الحجاز للعلاج أو للترويح عن النفس وكان فيه مكان مخصص للضيوف وفيه مأدبه عشاء كل ليلة ممدودة للحاضرين. وانتقلت الأسرة بكاملها إلى مصر في الفترة التي قامت فيها الحرب بين السلطان عبد العزيز والهاشميين ثم عادت بعد ذلك إلى الحجاز حينما
стр. 584
استقر الأمر في الحجاز للملك عبد العزيز ﵀.
كانت الحكومة المصرية قد صادرت بيت أحمد عرابي باشا الذي قام بالثورة على الإنجليز والخديوى في عهد الخديوى توفيق باشا، وكان هذا البيت يقع في ميدان الفلكي، الذي يسمى كذلك ميدان الأزهار واشترى الباشا بيت عرابي باشا من الحكومة المصرية وهدمه وشيد مكانه عمارة كبيرة شغل معظم أدوارها الأطباء ومعظم حوانيتها الصيادلة وغيرهم وكانت هذه العمارة تعتبر في زمانها من أحسن العقار في موقعها ومردودها، واشترى كذلك العمارات والعزب والفدادين على النيل وكانت من أجود الأراضي الزراعية.
كان الرجل محظوظا وكان المعيا صادق الفراسة والتقدير وطارت شهرته بين أرباب العقار وتجاره قالوا كان يخرج أصيل كل يوم بالعربة المطهمة التي تجرها الخيل للترويح والنزهه وشعر بالحاجة إلى النزول في مكان ما فترجل من العربة وأخذ يمشى في أرض فضاء، ولم يشعر إلا وبعض الناس قدموا إليه وعلى وجوههم آثار الارتباك .. كانوا يريدون شراء عقار أو ضياع في المنطقة، وحينما رأوا الباشا أدركوا أنه حضر لنفس الغرض وأنه سيضايقهم ويرفع عليهم الأسعار أو يحرمهم من الشراء، فاشتروا أنفسهم منه يطلبون منه التنازل مقابل الألوف من الجنيهات، فتنازل وهكذا جاء الرزق إليه من حيث لم يحتسب.
كانت ممتلكات آل باناجة من العقار في مصر عظيمة وكان إيرادها يبلغ أربعين ألف جنيه مصري سنويا - وكان الجنيه المصرى في ذلك الزمان أغلى من الجنيه الذهب - وكان عقارهم في جدة أحسن العقار وإنني أنقل هنا ما كتبته في كتابي ملامح الحياة الاجتماعية في الحجاز - عن عقار آل باناجه الذي آلت ملكيته إلى الشيخ عبد الرحمن باناجة - شقيق عبد الله باشا باناجه.
وكانت أحسن الدور موقعا واجملها بناء تؤجر في جدة على السفارات الأجنبية
وكان للشيخ عبد الرحمن باناجه يرحمه الله نصيب الأسد في هذه البيوت التي تستأجرها السفارات وكانت تسمى القنصليات في ذلك الوقت لأن درجة التمثيل
стр. 585
كانت على مستوى القنصلية ثم تحولت فيما بعد إلى درجة الوزير المفوض، نقول كان آل باناجه يملكون معظم البيوت التي تقع في باب جديد أمام البحر - شارع الملك عبد العزيز أمام فندق البحر الأحمر إلى فندق قصر جدة حاليا - وكانت السفارة المصرية تسكن في موضع عمارة النشار حاليا وإلى جانبها الدار التي لا تزال موجودة وقد اشتراها الشيخ عبد الرحمن الصير في وكان يسكنها السفير أو الوزير الإيطالي وقد بنيت هذه الدار خلال ستة شهور بعقد مع السفارة الإيطالية والى جانبها كان هناك بيت آخر كان مقرا للقنصيلة الإيطالية ثم حلت فيه السفارة السورية بعدما نالت سوريا استقلالها وهذا البيت هو الذي يقوم محله الآن فندق انترناشونال الذى بناه المرحوم الشيخ عبده باجبير بعد شرائه من آل باناجه - ثم جاء فيه ما يأتي.
وكانت هناك بيوت صغيرة لآل باناجه كذلك كانت مقرا للمستر توتشل الذى سعى في إحياء العمل في منجم الذهب وأسس شركة التعدين الامريكية السعودية ثم أصبح مقرا للبنك الهولندى ثم للبنك العربى، وقد اشتراه مع الدار المجاورة له وما يتبعها الشيخ أحمد عشماوي مؤسس شركة الأسواق السعودية كما ذكرنا قبل، هذه البيوت جميعها كانت ملكا لآل باناجة وكانت أجورها تتراوح بين مائتين وثلاثمائة جنيه ذهب سنويًا للبيت الواحد. وكان هذا يعتبر إيجارا عاليا يغبط عليه أصحابه، انتهى ما نقلناه من كتابنا ملامح الحياة الاجتماعية في الحجاز.
ولعل مما يحسن ذكره أن عبد الله باشا باناجه لم ينجب طيلة حياته فآلت ملكية ثروة آل باناجة إلى شقيقه وشريكة المرحوم الشيخ عبد الرحمن باناجه بعد وفاته ولقد كان عبد الله باشا باناجة رجلا ثاقب النظر بعيد التفكير يسابق الزمن فيختار أحسن المواقع لإنشاء عقاراته فهذه البيوت التي ذكرناها والتى كانت تسكنها القنصليات الأجنبية كانت مطلة على البحر في مدينة جدة من ناحيتى الغرب والشمال، أسرع ﵀ إلى شرائها وتعميرها بحاسته الذكية في الوقت الذى لم يكن يفكر الناس في شرائها لأنهم كانوا يعتبرون حارة اليمن في ذلك الوقت أفضل الأماكن
стр. 586
للاستغلال حيث يقطن وكلاء الأندنوسيين والهنود وحيث تؤجر البيوت لسكن هؤلاء الحجاج فيستفيد أصحاب البيوت من هذه الأجور الموسمية إلى جانب سكناهم طيلة العام، ولقد كانت البيوت في حارة اليمن والشوارع فيها تتحول إلى سوق للحجاج حيث يسكن الحجاج في بيوت الوكلاء وذلك قبل إنشاء مدينة حجاج البحر وتحويل الحجاج إليها لهذا فإن حارة الشام كانت مخصصة للسكن الخاص وكذلك حارة المظلوم، وقبل أن نختم الحديث عن عقار آل باناجه لابد أن نذكر أن عبد الله باشا كان قد شيد بيتا بل قصرا في مدينة الطائف على الطراز التركي وهو على شكل باخرة وقد أدركت الناس في الطائف يسمونه الباخرة وهو فى منطقة السلامة قريبا من الثكنة العسكرية وله فناء واسع لابد وأنه كان حديقة في الماضي وله بعض الملحقات وعلمت أن الوالي التركي كان ينزل فيه إذا ذهب إلى الطائف للاصطياف وربما كان هذا الوالي هو أحمد راتب باشا، وقد بقي هذا البيت إلى ما قبل سنوات حيث آلت ملكيته إلى صديقنا الشيخ صدقه كعكى ..
والبيت رائع الهندسة جميل البناء مرتفع السقوف، كثير النوافذ وقد صنعت سقوفه جميعها من الخشب المصقول وقد تناولنا فيه طعام الغذاء ذات صيف بدعوة من الشيخ صدقه وحينما اخبر في أنه سيزال في التوسعة التي ستتم في مدينة الطائف كان أسفى عليه عظيما لأنه كان معلما من معالم الطائف، ولعله قد أزيل فيما أزيل من المباني والآثار.
وعلى ذكر الوالي راتب باشا نقول أنه كان آخر الولاة العثمانين في عهد الخلافة العثمانية وحينما أجبر السلطان عبد الحميد على التنازل عن العرش غادر الحجاز، قالوا وكان أحمد الهزاز - والد صديقنا الشيخ عمر أحمد الهزاز يحقد على راتب باشا فذهب إليه وصفعه على وجهه انتقاما منه وتحقيرا له بعد أن أصبح لا حول له ولا طول، وسبحان المعز المذل الذى يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء.
هذا وقد توفي عبد الله باشا باناجة بمدينة القاهرة في عام ١٣٤٤ للهجرة وقد تجاوز الثمانين عاما بعد مرض طويل، وآلت ملكية آل باناجه من التجارة والعقار
стр. 587
إلى الشيخ عبد الرحمن باناجه كما ذكرنا قبل، وقد أدركت الشيخ عبد الرحمن باناجه في الأربيعينات والخمسينات وهو رجل أشيب نحيف البدن شديد الشبه بأخيه عبد الله باشا ولعله كان في الثمانينات وظل يقوم على إدارة هذه التجارة الواسعة ويشرف على كل كبيرة وصغيرة في أمور العمل وفى أمور العائلة الكبيرة التي يرأسها فقد وهبه الله الكثير من الأولاد والبنات وشاهد الأحفاد وربما أبناء الأحفاد، وكان بيت باناجه في عهده يحتفظ بمجده وثرائه وبكلما خلفه اخوه عبد الله باشا ﵀ فلقد كان الرجل حصيفا، وكان آل باناجه يعدون أعظم بيوت جدة التجارية ثراء ولعله كان أعظم بيوت المملكة كلها ثراء في عهده.
وتوفى عبد الرحمن باناجه ﵀ في عام ١٣٥٧ هجرية وقام بالأمر أبناؤه محمد صالح وعمد سعيد وما لبث أن توفى ابنه أحمد ثم لحقه ابنه الثانى محمد صالح وبدأت التغيرات الكبيرة تظهر في الشثون التجارية بعد الحرب العالمية الثانية وظهرت طبقة جديدة من التجار خرجت عن الطور التقليدي الذى كان معروفًا للتجار القدماء واتصلت بالعالم الواصع، وكان حتما على كل تاجر أن يساير التطور الجديد ويتواكب معه، وإلا جرفه التيار وأصبح مثله كما يقول الشاعر:
تقدمتني أناس كان خطوهم … وراء خطوي لو أمشي على مهلي
هاجر آخر كبار العائلة المرحوم محمد سعيد باناجة إلى مصر مكتفيا بما يدره عقار أسرته الواسع هناك من دخل وبهجرته إلى مصر انتهى أمر البيت التجارى الكبير في جدة، واشتغل الجيل الجديد من آل باناجه بأعمال مختلفة أتجه بعضهم إلى أعمال خاصة صغيرة واتجه البعض إلى الوظائف وتقسم العقار الكبير وبيع معظمه. وانطوت صفحة عظيمة من الثراء والجاه استمرت ما يقرب من مائة عام. ولكني ألمح الآن بسرور عظيم بوادر الحياة والنشاط تدب بين أبناء الجيل الحاضر من هذه الأسرة الكريمة فقد رأيت وسمعت عن مؤسسات متعددة تحمل هذا الاسم الطيب في أماكن مختلفة من مدينة جدة وإني لأرجو أن يستعيد هذا الجيل من شباب الأسرة السمعة الطيبة والنجاح الذى حققه أجدادهم وآباؤهم من قبل.
стр. 588
وقبل أن أختم الحديث عن عبد الله باشا باناجه أذكر أنه أنشأ رباطا في حارة الشام بمدينة جدة لإيواء الأرامل والسيدات اللاتي لا عائل لهن ولا يزال هذا الرباط قائما يؤدى مهمته الإنسانية منذ عشرات السنيين. ولعل ما كتبناه عن المقصورة العائدة لآل باناجه والصالة التابعة لها ما يدفع المختصين بشئون الأثار للاهتمام بها وتعميرها والمحافظة عليها باعتبارها من المعالم التاريخية لمدينة جدة.
رحم الله عبد الله باشا باناجه رحمة واسعة فلقد كان مثال الشاب العصامي الطموح، ولقد أسس لنفسه ولأسرته مجدا سلكه في عداد أعلام الرجال.
стр. 589
السيد عبيد عبد الله مدني
стр. 590
السيد عبيد عبد الله مدني
طويل القامة ممتلئ الجسم أبيض اللون تشوبه بياضة حمرة عرفته في العهد السعودي يلبس العباءة العربية والعقال، ويضع على عينيه نظارة طبية.
ولد السيد عبيد مدني بالمدينة المنورة في أواخر العهد العثماني للحجاز في عام ١٣٢٤ للهجرة وكانت أسرته تتميز بالثراء والوجاهة، ووالده السيد عبد الله مدني هو الذى أسس في العهد العثماني أول فندق بالمدينة المنورة فكان المنزل المختار لكبار زوار المدينة المنورة، كما كان يستقبل ضيوف الدولة باعتباره النزل الفريد من نوعه في دار الهجرة على صاحبها أفضل الصلوات وأتم التسليم.
لمحة عن تاريخ الفنادق في المدينة المنورة
وهذا الفندق الذى أسسه السيد عبد الله مدني هو الذى استأجره الشيخ عطا الياس مؤسس فنادق التيسير بمكة وجدة والمدينة خلال العهد السعودي في أواخر الستينات، ويبدو أن آل المدني أوقفوا استعماله كفندق بعد نهاية الحكم العثماني وكان يقع في باب المجيدى، وقد أزيل هذا الفندق في التوسعة التي أجريت للمسجد النوي الشريف في العهد السعودي ولقد كان الناس ينزلون في بيوت الأدلاء الذين يقومون بمصاحبتهم في زيارة المسجد النبوى الشريف والآثار بالمدينة
стр. 591
المنورة ويتولى هؤلاء الادلاء إنزال القادمين من الزوار في بيوتهم وإطعامهم والعناية بهم بدءًا من وصولهم إلى المدينة إلى حين ارتحالهم عنها، وكان الناس في الحجاز يسمون هؤلاء الأدلاء المزورين نسبة إلى الزيارة، وكانت معظم الأسر في مكة وجدة لهم أدلاء معينون تستمر الصلة بهم وتتوارث جيلا بعد جيل.
كان هذا في العهد الماضي قبل أن يسهل الاتصال بين مدن الحجاز وبين بعضها ثم بدأ العهد الفندقي في المدينة المنورة كما ذكرنا بافتتاح فندق التيسير في نفس مبنى الفندق الذى أسسه السيد عبد الله مدنى ثم أقدم الناس على افتتاح الفنادق الكثيرة في العقود التالية حتى أصبحت المنطقة المحيطة بالمسجد النبوى الشريف مكتظة بالفنادق على اختلاف أنواعها ودرجاتها، ونعود بعد هذا الاستطراد إلى صاحب الترجمة فنقول:
تلقى السيد عبيد مدني دراسته الابتدائية حينما يقع في المدرسة الفيصلية الهاشمية وحصل على شهادتها ثم التحق بالمدرسة الراقية التي افتتحت في العهد الهاشمي لينتقل إليها الطلاب الحاصلون على الشهادة الابتدائية كمرحلة ثانية في الدارسة ولكن هذه المدرسة الراقية لم يطل بقاؤها إذا لم يطل عمرها أكثر من بضعة شهور، ولقد كان في مكة المكرمة في العهد الهاشمي كذلك مدرسة تحمل هذا الاسم ويبدو أنها كانت أحسن حظا وأطول عمرا من شقيقتها الصغرى في بالمدينة المنورة.
انتقل السيد عبيد بعد ذلك إلى الدراسة في السجد النبوى الشريف في حلقة الشيخ محمد الطيب بن إسحق الأنصاري في عام ١٣٣٧ للهجرة وهو في الرابعة عشرة من العمر وكان الشيخ محمد الطيب الأنصاري يلقى الدروس المعتادة في المسجد النبوي الشريف في العلوم الدينية بما تستلزمه هذه الدراسة من علوم النحو واللغة، وكان الرجل إلى جانب تضلعه في علوم الدين واسع الاطلاع على روائع الشعر والأدب، فإذا لمس من بعض طلابه الميل القوي إلى الأدب أو البحث أخذ بيده لتنمية هذه الملكة فيه، وقد حدثنى المرحوم الشيخ ضياء الدين رجب وكان من
стр. 592
تلاميذ الشيخ الأنصاري أن الشيخ الطيب كان يطلع على ما ينظمه تلميذه ضياء الدين من الشعر وأنه كان دائم التوجيه له، يبصره بمواقع الخطأ كما يبصره بمواقع الإجادة، ولقد لفت نظرى أن كثيرا ممن عرفت أسماؤهم من أعلام الرجال في المدينة المنورة كانوا من تلاميذ الشيخ الطيب أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر إلى جانب السيد عبيد مدني والشيخ ضياء الدين رجب رحمهما الله العلامة الصديق الأستاذ عبد القدوس الأنصاري صاحب ورئيس تحرير مجلة المنهل الغنية عن التعريف وفضيلة الشيخ محمد الحركان وزير العدل الأسبق وأمين عام رابطة العالم الإسلامي حاليا. والأستاذ عبد الحق نقشبندى وغيرهم، ولقد ترك الشيخ الطيب أثره الطيب في نفوس طلابه فكلهم تحدث عن هذا الأثر فكان منهم العلماء والقضاة والأدباء والشعراء وأخيرا فإن الشيخ الطيب هو والد الدكتور عبد الرحمن الأنصاري رئيس قسم الآثار بجامعة الملك سعود بالرياض.
ونعود بهد هذا الاستطراد عن الشيخ الطيب الأنصاري إلى السيد عبيد مدني ﵀، لنواصل الحديث عنه.
رائد الأدب الحديث بالمدينة المنورة
يصف الأستاذ عبد القدوس الأنصارى السيد عبيد بأنه رائد الأدب الحديث في المدينة المنورة (١) في البحث الطويل الذى كتبه عنه في مجلة المنهل والذى نوجزه فيما يلى:
كانت الحياة الأدبية في مدينة الرسول صلوات الله وسلامه عليه حتى بداية الأربعينات من القرن الهجرى الرابع عشر راكدة ركودا يشبه السبات، لقد ألف الناس ما تعودوا عليه من هذا الشعر الذى يحفل بالمحسنات البديعية، وذلك النثر الذى تضيع أغراضه في متاهات السجع الرخيص وهكذا تضيع المعانى والمقاصد
стр. 593
في هذه المتاهات والمبالغات، وكانت محاولة الخروج على هذا النمط تعتبر مغامرة تعرض صاحبها للمتاعب وربما ألصقت به التهم، فالإنسان عدو ما يجهل.
وكان السيد عبيد مدني ﵀ قد تمكن من اللغة والنحو بما درسه من روائع الأدب القديم شعره ونثره سواء على يد شيخه الطيب الأنصاري أو على يد صديق والده الشيخ محمد العمري وكان شاعرا مجيدا كما يصفه الأستاذ عبد القدوس ويبدو أنه كان على اطلاع واسع على هذه الروائع من الشعر القديم، وكان هناك رافدا آخر أسهم في تكوين الحاسة الأدبية لدى السيد عبيد، وهذا الرافد يتمثل في المكتبة الحافلة التي ورثها عن والده السيد عبد الله مدني والتى كانت تضم بين جوانبها الكثير من المؤلفات الحديثة في ذلك العهد، مثل دائرة المعارف للأستاذ فريد وجدى، ومؤلفات الأديب المفتن مصطفى لطفي المنفلوطي صاحب النظرات والعبرات والفضيلة والبعث إلى جانب دواوين شوقي وحافظ وسامي البارودي وجميل صدقى الزهاوى من شعراء ذلك العصر المبرزين.
نهل الشاب عبيد من هذه المناهل العذبة فتنسم ذهنه منها نسيم الحرية وانتعشت نفسه بهذا الأريج الطيب من عطور الثقافة والفن، شعرا رائعا، ونثرا رائقا، ومعاني جميلة واضحة لا تتعثر بين قوافي السجع ولا تتسربل بسرابيل الجناس والبديع، ولا يطغى اللفظ على المعنى، وأراد الشاب عبيد مدني أن يكتب كما يكتب هؤلاء الكتاب الذين قرأ أدبهم وأن ينظم الشعر كما نظمه هؤلاء الشعراء، وبدأت محاولاته على استحياء وحذر، الاستحياء من أن يكون ما يكتب وما ينظم لا يصل إلى الجودة التي ينشدها، والحذر من أن تلصق به تهمة الفرمسونية والخروج عن المألوف، والفرمسونية هذه كما وصفها الأستاذ عبد القدوس وكما أدركنا آثارها في مطلع الشباب هي الانحراف عن جادة الدين، فقد ربط الجامدون بين كل تغيير في أسلوب الكتابة والشعر وبين البعد عن الدين وهو سلاح كان يشهره الجامدون على الراغبين في التجديد وأراد الشاب عبيد أن يشرك صديقه وزميله في حلقة الشيخ الأنصاري فيما يقرأ ليكون هذا سبيلا إلى إشراكه معه فيما يكتب وينظم،
стр. 594
وأسرَّ إلى زميله عبد القدوس بما يريد ولكن عبد القدوس لم يتقبل هذه الدعوة بادئ بدء لأنه لم يكن قادرا على تقبل هذا الجديد الذى لم تتفتح نفسه له، ولأنه كان لا يزال يعيش فيما ألف واعتاد، ولكن هذا الإحجام ما لبث أن تحول إلى تقبل على حذر ثم إلى استمتاع بما يقرأ ويستمع، ثم إلى إقدام فكان هو المصلي كما يصف نفسه في ريادة الأدب الحديث بالمدينة المنورة وكان المجلي هو صاحب هذه الترجمة السيد عبيد مدني ﵀.
لم يكن في المدينة حتى ذلك الوقت صحيفة واحدة تنقل إلى الناس ما ينتجه الأدباء والشعراء وكانت هناك الوسيلة الوحيدة التي درج عليها الناس قبل ظهور المطبعة وهي تداول ما يكتب بين الناس فإن كان الناس بعجبون بما يقرأون كثر تداول هذا الأثر وانتشاره وانتشر ذكر صاحب هذا الأثر بين الناس وإن كان هذا الأثر يتنافر مع ما ألف الناس كان هذا ادعى إلى حرص الناس على تداوله والتشهير بصاحبه، وربما انقسم الناس في أمره بين فادح ومادح وكل هذا مدعاة لانتشارا هذا الجديد بين الناس.
ومما تحتفظ به الذاكرة من ذلك العهد أن شاعرا مجهولا نظم قصيدة هجاء في إحدى الشخصيات الشهيرة بمدينة جدة فانتشرت القصيدة وذاعت بعض أبياتها على كل لسان مع أنها كانت سقيمة اللفظ مختلة الأوزان، وهكذا كان ينتشر بين الناس كل جديد بالغا ما بلغ من السوء أو الإتقان.
وفى هذا الجو الحافل بروائع الفكر والعلم بدأت بواكير الشاب السيد عبيد مدني الشعرية تتفتح كما بدأت أفكاره وطموحاته تظهر فيما يكتب وبدأ أسمه يظهر في المدينة المنورة كأديب جريئ وشاعر مجدد، ولقد استطاع السيد عبيد أن يتغلب على ما واجهه من اعتراض وانتقادات بالصبر والحكمة وبما عرف عن أخلاقه الشخصية ولعل لمكانة أسرته الاجتماعية أعظم الأثر في تجنبه المتاعب والمصاعب، ولسائل أن يسأل لماذا لم يظهر أثر السيد عبيد مدني وغيره من أدباء المدينة المنورة ضمن الآثار التي ظهرت في كتاب أدب الحجاز وكتاب المعرض الذى نشر في عام
стр. 595
١٣٤٤ هـ ولقد أجاب الأستاذ عبد القدوس على هذا السؤال فقال أن ذلك العهد كان عهدا انعزاليا فقد كانت المدينة المنورة تعيش داخل أسوارها ولم يكن هناك اتصال بين الأدباء في كل من مكة المكرمة وجدة والطائف، وأن أول اتصال بين أدباء المدينة المنورة وأدباء مكة إنما تم في عام ١٣٤٨ هـ حينما قام بزيارة المدينة المنورة الشاعر والأديب المكي الأستاذ محمد عمر عرب ﵀ ونستطيع أن نعلل هذا التأخر في الاتصال في العهد الهاشمي لأسباب أهمها صعوبة المواصلات بين المدينة المنورة ومكة وجدة فالمسافة بين البلدين مكة والمدينة تبلغ خمسمائة كيلومتر وكانت وسائل الانتقال بين البلدين هي الجمال والخيل والحمير، وكان أسرع هذه الوسائل يقطع الطريق بين البلدين في أسبوع وكان الناس يخرجون في مجموعات وكانت هذه المجموعات تسمى الركبان وأحدها ركب وكان الركب الواحد يضم المئات، وكان لمكة ركبها كما كان لجده ركبها وكان الركب يستعين ببعض الأدلاء من البادية على الأصح ببعض الحماة لضمان سلامته وعدم التعرض له بسوء وكان الركب إلى ذلك يصطحب المنشدين من ذوى الأصوات الجميلة وكان هؤلاء المنشدون ينشدون القصائد، الخاصة بهذه المناسبات وأغلبها من المدائح النبوية المعروفة وما شابهما، كما كان الركب يقضى بعض الوقت في أماكن معينة في الطريق وخاصة في بدر التي وقعت فيها أول معركة فاصلة في الإسلام.
ولكني في الواقع لا أستطيع تعليل تأخر الاتصال بن أدباء المدينة المنورة وأدباء مكة الكرمة وجدة في العهد السعودي بعد ظهور السيارات واستعمالها للسفر بين البلدين وذلك أن الحركة الأدبية الحديثة في المدن الأخرى مكة وجدة والطائف ولدت قوية في مطلع العهد السعودي وكان الفضل في ظهورها للمرحوم الشيخ محمد سرور الصبان الذى قام برعاية الحركة الأدبية ونشرها على الناس (١) ومن
стр. 596
المؤكد أن الحركة الأدبية في مكة بدأت في العهد الهاشمي وأتيح لها الظهور والانتشاربين الناس في مطلع العهد السعودي.
السيد عبيد عضو مجلس الشورى
عين السيد عبيد عضوا بالمجلس الإداري بالمدينة المنورة ثم مديرا لأوقاف المدينة المنورة ثم عين عضوا بمجلس الشورى بمكة المكرمة عن المدينة المنورة ولقد أدركت السيد عبيد مدني حينما انتقلت إقامته إلى مكة المكرمة لتمثيل بلده في مجلس الشورى، وكان نظام المجلس يقضي أن تمثل كل مدينة بعضو أو أكثر في المجلس وكان يتم اختيار العضو بالانتخاب ولعل الشيخ سعود دشيشه هو أول من مثل المدينة المنورة في مجلس الشورى وإليه يعود الفضل في رفع رسم الكوشان الذى كان تتقاضاه الدولة قبل ظهور الزيت للسفر بين مكة والمدينة حينما خاطب الملك عبد العزيز ﵀ قائلا: يا طويل العمر لقد وحدت المملكة جميعها فلماذا يدفع المسافر من المدينة أو إليها ضريبة على السفر داخل مدن المملكة، فتم رفع هذه الضريبة عن السفر بين مدن المملكة وبعضها على السعوديين (١).
وهكذا تم انتخاب السيد عبيد مدني عضوا بمجلس الشورى لتمثيل بلده في المجلس، وكان يسكن في دار بمحلة أجياد قريبا من المسجد الحرام، وكانت داره تغص بالقادمين من المدينة، كما كان مقصد ذوي الحاجات منهم ممن لهم مطالب أو مصالح في دوائر حكومية، وكان الرجل عظيم الحياء وكان الشيخ محمد على ملطاني ﵀ صديقا للسيد عبيد فكان ينوب عنه في قضاء بعض هذه الحاجات وكان يوصل إلى الشيخ محمد سرور ﵀ بعض هذه المطالب وخاصة فيما يختص بطلبات الأركاب إلى المدينة المنورة، أو المساعدة من وزار المالية أو تعقيب بعض المعاملات وما إليها، وكان الشيخ محمد سرور ﵀ يعرف ما يتمتع به
стр. 597
السيد عبيد مدني من الأصالة والوجاهة ويقدر فيه خلق الحياء الذى يحول بينه وبين أن يطلب لنفسه أو لغيره شيئا فكانت هذه الطلبات التي يتقدم بها المرحوم الشيخ محمد على ملطاني نيابة عنه تحظى بالإجابة والقبول.
وفد مجلس الشورى إلى الملك عبد العزيز
وفى العهد الذى كان فيه السيد عبيد عضوا بمجلس الشورى قام وفد من أعضاء المجلس بزيارة المغفور له الملك عبد العزيز في الرياض، وكان جلالته في روضة التنهات ووصل الوفد وكان السيد عبيد قد أعدَّ قصيدة باسم وفد مجلس الشورى لإلقائها أمام جلالة الملك عبد العزيز وقد ألقى السيد عبيد القصيدة وكان من ضمن أبياتها هذا البيت:
عبد العزيز ومن إذا ذكر اسمه … وقف الجميع له وقام النادى
وما أن وصل السيد عبيد في إلقائه إلى هذا البيت حتى قام المجلس كلَّه تحية للملك عبد العزيز ﵀ وكان لهذه الالتفاتة من السيد عبيد ﵀ وقعها الطيب في نفس الملك عبد العزيز وفى نفوس كل من حضر ذلك المجلس الحافل، وقد نشرت هذه القصيدة حينها في جريدة أم القرى وتحدث الناس عنها كثيرا في ذلك الزمان، ولقد كان السيد عبيد ﵀ ممثلا للمدينة المنورة حقًا لم يترك مناسبة تمر إلا وهو يذكر المدينة المنورة وتطلعاتها وأذكر أنه ألقى كذلك أمام الملك عبد العزيز قصيدة دعاه فيه إلى زيارة المدينة المنور بعد أن طال غياب جلالته عنها فقال: ومن حق المدينة أن تزارا: ومما يؤسف له أن الكثير من شعر السيد عبيد لم يطبع للاستشهاد به، ولكنا سنعود للحديث عنه حينما نتحدث عن السيد عبيد الشاعر، وقد ذكرنا ما وعته الذاكرة من هذا الشعر حينما كان السيد عبيد عضوا بالمجلس.
وقد آثر السيد عبيد العودة إلى المدينة بعد أن طال شوقه إليها فتقدم باستقالته من المجلس ليعود إلى مسقط رأسه في طيبة التي أحبها الحب كله.
стр. 598
معلمة تاريخ المدينة المنورة
كان السيد عبيد مهتما بالكتب يحرص على اقتنائها وقرائتها وكان أكثر ما شغل اهتمامه هو تاريخ المدينة المنورة البلد الذى ولد فيه ونشأ وامتلاء قلبه بحبه وحب كلما يمثله هذا البلد الطيب من القداسات والأمجاد، لهذا فإن الكتب التاريخية كانت من أبرز ما يهتم به السيد عبيد ﵀ وقد تحدث أصدقاؤه المقربون عن الكتاب الذى ألفه السيد عبيد والذى سماه معلمة تاريخ المدينة المنورة.
يقول الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في مقاله المنشور بمجلة المنهل في تأبين السيد عبيد تحت عنوان وفيات الأعيان الصديق الكبير الذى فقدناه: يقول الأستاذ عبد القدوس ما نصه: كثيرا ما كنا نتحدث - يقصد مع السيد عبيد ﵀ عن ضرورة طبع كتابه الفذ "معلمة تاريخ المدينة المنورة" الذى قضى جل عمره في كتابته وتحقيقة وتزويده بأكبر قدر ممكن من المعارف عن تاريخ المدينة الشامل .. وقد دون تلك المعارف الثمينة في أجزاء ضخام حسنة الترتيب، جميلة البيان والتبويب، كل جزء منها في كتاب مستقل، ومن أجداها نفعا وأبعدها صيتا "تواريخ المدينة ومؤرخوها" وكان ﵀ يدخل إلى مكتبته الخاصة ويخرح لنا أجزاء هذا الكتاب النفيس الذى ملئ علما وحكمة، فنقرأه ونتدارسه ونراجعه فإذا هو كنز ثمين فألحُّ عليه في ضرورة القيام بنشره فيعد ويقول لي: لابد من مراجعة أخيرة لنصوصه وإكمال نواقصه ومن ثم نقدمه للطبع أن شاء الله".
انتهى ما نقلناه عن الأستاذ عبد القدوس وهو المؤرخ العالم الأديب الذى يتحدث عن خبرة بما اطلع عليه من أجزاء هذا الكتاب أو هذه الموسوعة عن تاريخ المدينة المنورة.
ويقول الأخ الأستاذ السيد علي حافظ أحد مؤسسي جريدة المدينة المنورة والأديب المعروف في رثائه الذي نشر بالعدد ٣٨٣٣/ ٢٦/ ١١/ ١٣٩١ هـ بجريدة المدينة المنورة عن هذا الكتاب مايلى:
وعكف ﵀ على تأليف تاريخ للمدينة عكف عليه يبحث ويدقق ويناقش
стр. 599
ويجمع المصادر من كل مكان مدة تزيد على عشر سنوات، وبلغ الكتاب حوالي اثنى عشر مجلدا رأيت بعضها وكان يعتزم طبعه هذا العام.
والسيد علي مد الله في حياته صديق مقرب إلى المرحوم السيد عبيد فهو كذلك يتحدث عن علم بما رأى.
ولا أكتم القارئ أني كنت أود أن أطلع على هذا الكتاب القيم ليكون ما أكتبه صادرا عن الانطباعات التي تحدثها القراءة في نفسي وقد طلبت من الأخ الأستاذ السيد علي حافظ الذى تفضل بامدادى بكثير من المعلومات في هذه الترجمة أن ييسر لي سبيل الاطلاع على مؤلفات السيد عبيد الشعرية والنثرية، واجلت الكتابة شهورا ولكن هذا المطلب لم يتحقق.
أن الكتاب كما يصفه الأستاذ عبد القدوس الأنصاري وكما كتب عنه الأستاذ السيد علي حافظ موسوعة ضخمة في تاريخ دار الهجرة وقد مد الله في عمر المؤلف فحشد فيها الكثير من التحقيقات حتى أنه أفرد في هذه الموسوعة جزءا خاصا بالمؤرخين الذين كتبوا عن المدينة المنورة، والكتاب بهذا الوصف جدير بأن يأخذ مكانه بين أهم الكتب التي ألفت عن دار الهجرة وإني لأرجو أن يتاح لهذا الأثر القيم أن يظهر إلى النور بعد طول احتجاب فلعله يكون خير أثر يحفظ اسم صاحبه في قادم الأزمان.
السيد عبيد الشاعر
عرف السيد عبيد ﵀ بالإجادة في الشعر بعد أن دانت له مفردات اللغة وبعد أن استوعب ما قرأ من روائع الشعر قديمه وحديثه والقليل الذى نشر من شعره ينبيء عن أصالة جمعت بين جزالة اللفظ، وسمو المعنى، وقد ذكر الأستاذ عبد القدوس أن السيد ﵀ جمع شعره في ديوان كبير اسمه المدنيات الكبرى، كما أن له مجموعة أخرى اسمها المدنيات الصغرى، وقد استشهد الأستاذ عبد القدوس بكثير من الشواهد من المدنيات الصغرى في البحث المستفيض الذى كتبه عن السيد عبيد ﵀ والذى نشر في المنهل في الجزء الثانى من المجلد التاسع
стр. 600
عشر في ربيع الأول عام ١٣٧٨ هـ بعنوان أعلام العلم والأدب في جزيرة العرب. وأوفى قبل كل شئ أن أذكر أن ما استطعت الحصول عليه من شعر السيد عبيد رحمه لا يعبر تعبيرا كاملا عن شاعريته ولكنه يعطى القارئ صورة عن هذه الشاعرية لا تطفئ الغلة ولا تبل الصدى ولكنها على أي حال خير من لا شئ.
ولقد اضطررت للبحث عن النماذج التي سأوردها للقارئ إلى الغوص في بطون أجزاء مجلة المنهل التي كان يخصها المرحوم السيد عبيد بنشر آثاره، كما نقلت بعض هذه النماذج من بحث الأستاذ عبد القدوس الأنصاري المنشور بمجلة المنهل والذى أشرت إليه آنفا.
وأكرر القول أن هذا الذى أورده للقارئ لا يعبر تعبيرا كاملا عن شاعرية الشاعر فأني أعلم أن له من القصائد الجياد الكثير الذى هو أجدر بالتقديم ولكن هذا هو ما استطعت الحصول إليه بعد البحث والجهد والذى رأيت أن أختم به هذه الترجمة التي طال أمد بقائها لديَّ دون إتمام وبعد فهذه هي النماذج ولا أقول المختارات التي استطعت الحصول عليها من شعر السيد عبيد مدني الشاعر.
نفثة مصدور
نظم الشاعر قصيدة خلال الحرب الهاشمية السعودية جاء فيها:
هبوا بني الوطن المقدس ابدلوا … هذا الجمود بيقظة وثبات
وتضامنوا أن التضامن قوة … ترقى الشعوب بها ذرى الغايات
ومنها:
هذه المدينة أصبحت العوبة … صماء بين زعانف وغواة
يستاقها النفر الرعاع ذليلة … لموارد الويلات والنكبات
الحكم فوضى والمطامع جمة … والشعب بينهما فريسة عات
حال تذوب لها الضمائر لوعة … والموت فيها أهون الحالات