منظر جانبي لعمارة المدرسة الصوليتية الثانية التي بها الدراسة الآن والتى انتهت عمارتها في عام ١٣٤٥ هـ
وطلاب العلم فيها
أصبحت المدرسة مركزا للطلاب من كل حدب ومنبعا للعلوم والمعارف، وهي أول مدرسة نظامية على الإطلاق في الجزيرة العربية تأسست على يد ذلك الرجل العظيم.
стр. 632
وتتكون المدرسة من ثلاثة مباني - المبنى الأول المدرسة التي بنيت على نفقة الأميرة الهندية صولت النساء .. والمبنى الثانى خصص لإيواء خمسين طالبا وقد بنيت على نفقة محسن هندى مسلم اسمه مير واجد حسين من مدينة بتنه في الهند وتم بناء هذا المبنى الذى سمى دار الإقامة في عام ١٢٩٣ هجرية.
أما المبنى الثالث فهو المسجد وقد استعملت فيه الأحجار التي نتجت من هدم دار الكتب الملكية في ساحة الحرم المكي الشريف وتفصيل الأمر، أن دار الكتب الملكية كانت مبنية في ساحة الحرم المكي بالقرب من بئر زمزم وكان وجود هذا المبنى يضايق المصلين وخاصة في أيام الحج فرأى عثمان باشا نورى والي الحجاز ضرورة إزالته وكتب بذلك إلى وزارة الأوقاف في القسطنطينية وإقامة مبنى آخر للمكتبة في مكان آخر ولما عرض الأمر على السلطان عبد الحميد خان وافق على ذلك وتم نقل المكتبة إلى مبنى مجاور كما تم هدم المبنى الذى كان قائما في ساحة الحرم. وتقدم الشيخ رحمت الله إلى عثمان نورى باشا والي الحجاز بطلب شراء الأحجار المختلفة عن هدم هذا المبنى لاستعمالها في بناء مسجد للمدرسة الصوليتيه فوافق الوالي على هذا الطلب واشترى الشيخ رحمت الله هذه المخلفات واستغلها في بناء المسجد الذى يسر الله بناءه على أجمل وجه بحضور بعض المهندسين الهنود فظهر المسجد بقبابه العالية تحفة معمارية إسلامية وتم بناء المسجد في سنة ١٣٠٤ للهجرة.
دسائس وعقبات
كانت المدرسة الصوليتيه منذ تأسيسها تقوم على تبرعات إثرياء المسلمين في الهند وكان من ضمن أغراضها احتضان أبناء المهاجرين المسلمين وخاصة من مسلمي الهنود ليتلقوا بها علومهم الدينية والدنيوية بطريقة منظمة ليعودوا إلى الهند فيعلموا أبناء المسلمين هناك ما تعلموه في مكة المكرمة.
стр. 633
[صورة]
المدخل الجميل لمسجد المدرسة الصوليتية المؤسس في عام ١٣٠٢ هـ وعليها أبيات شعرية رائعة للشاعر الشيخ محمد نظيف التركي.
[صورة]
منظر لأول عمارة للمدرسة الصوليتية أنشئت في عام ١٢٩٠ هـ وفيها بدأت الدراسة يوم الأربعاء الموافق ١٥/ ٨/ ١٢٩٠ هـ.
стр. 634
وكانت القنصلية الإنجليزية في جدة تعرف الكثير من ماضي الشيخ رحمت الله في محاربة التبشير المسيحى وأثره الكبير في الثورة ضد الإنجليز في الهند تبث الدسائس ضد المدرسة ومؤسسها فتنشر الأراجيف عن الأغراض. من وجود هذه المؤسسة التي تقوم على نفقات الهنود من خارج الحجاز، ولقد تأثر والي الحجاز عثمان نورى باشا في ذلك الزمن ببعض هذه الدسائس فكتب إلى القسطنطينية محذرا من الشيخ رحمت الله ومدرسته وجاء الأمر السلطاني على غير ما كان يتوقع الوالي فسافر الشيخ رحمت - الله واستقبل في الاستانة استقبالا عظيما وأنعم عليه السلطان بلقب ركن الحرمين الشريفين وخلع عليه وقدمت له الهدايا والأموال السخية.
ولما قابل السلطان عبد العزيز خان أبدى السلطان رغبته في تقرير منحة مالية سنوية للمدرسة لمعاونتها على أداء رسالتها فأجابه الشيخ شاكرا لأنعمه قائلا: أن لجلالة السلطان في أرض الحرم مشاريع عظيمة النفع ينفق عليها بسخاء ومشاريع لم تكتمل بعد وهذا كاف في فضل السلطان.
وأن مسلمي الهند يقومون بالإنفاق على المدرسة راغبين الثواب من الله، وأرجو جلالة السلطان أن لا يحرمهم من هذا الثواب.
ويبدو أن ما كان يرد للمدرسة من تبرعات مسلمي الهند كان يسد متطلبات المدرسة، ودار الإقامة فلم يرغب الشيخ في الحصول على المعونة السلطانية، ولعل لديه أسبابا أخرى للاعتذار (١).
تجديد الدراسة في حلقة الشيخ رحمت الله
كانت حلقة الشيخ رحمت الله في المسجد الحرام كما يصفها الأستاذ مسعود سليم رحمة الله مدير المدرسة الصوليتيه بمكة، لا يقتصر التدريس فيها على العلوم الدينية كما هو الحال بالنسبة لحلقات الدروس بالسجد الحرام في ذلك الزمان.
стр. 635
يقول الأستاذ محمد مسعود: فعزم على إدخال علوم وكتب جديدة وتعريف الطلاب بما لم يعهدوه في محيط العلم والتدريس، فشرع في تدريس المنطق والفلسفة الإسلامية وعلمي الكلام والمناظرة وعلم الهيئة واقليدس الهندسة، وعلم الفلك، وطلب لها الكتب من الهند، وكان يوما مشهودا في تاريخ العلم بالحرم المكي الشريف الذى شرع فيه العلامة الشيخ رحمت الله في تدريس كتاب حجة الله البالغة، ومقدمة ابن خلدون وما أشبه ذلك من الكتب في العلوم آنفة الذكر.
فتهافت عليه جموع الطلاب، وأصبحت حلقته منهلا عذبا أقبل عليه طلاب العلم والمعرفة وظل يقوم بالتدريس فترات طويلة ومتعددة في الحرم الشريف وفى داره.
التلامذة والمتخرجون
لهذا فقد تخرج على يديه العدد الكبير من العلماء والقضاة وأهل الإفتاء ممن يشار إليهم بالفضل والكمال في تاريخ مكة.
وقد أورد الشيخ محمد مسعود أسماء الطلاب الذين تخرجوا على يد الشيخ رحمت الله فكان على رأسهم المرحوم الشريف الحسين بن علي ملك الحجاز ومؤسس الدولة الهاشمية في سنة ١٣٣٤ للهجرة في مكة المكرمة.
ولقد ضمن القائمة التي أوردها الأستاذ محمد سليم مسعود القضاة ورجال الفتيا والعلماء والمدرسين بالمسجد الحرام نذكر منهم على سبيل المثال:
فضيلة الشيخ عبد الله سراج
قاضى القضاة مفتى الأحناف وشيخ العلماء بمكة المكرمة ثم رئيس وزراء الأردن في عهد الملك عبد الله بن الحسين ملك الأردن.
الشيخ أحمد أبو الخير مرداد
شيخ الخطباء والعلماء بمكة المكرمة والمدرس بالمسجد الحرام.
الشيخ عبد الرحمن الشيبي
стр. 636
سادن بيت الله الحرام والمدرس بالمسجد الحرام.
السيد عبد الله محمد الزواوى
مفتى الشافعية بمكة المكرمة والمدرس بالمسجد الحرام ورئيس مجلس الشورى.
السيد عابد حسين المالكي
مفتى المالكية والمدرس بالسجد الحرام.
الشيخ عبد الله أحمد أبو الخير
مفتى الأحناف وقاضى المحكمة الشرعية والمدرس بالمسجد الحرام.
الشيخ محمد علي سليمان مرداد
الإمام والخطيب والمدرس بالمسجد الحرام.
الشيخ أمين محمد علي مرداد
إمام وخطيب المسجد الحرام ونائب رئيس محكمة مكة.
الشيخ أسعد أحمد دهان
قاضي المحكمة الشرعية الكبرى بمكة وقاضى الطائف والمدرس بالمسجد الحرام.
الشيخ أحمد أبو الخير عطار
صاحب التآليف الشهيرة في الأسانيد
الشيخ عبد الرحمن حسن العجمي
قاضى محكمة الطائف والمدرس بالمسجد الحرام.
الشيخ عبد الله محمد الغازى
المدرس بالمسجد الحرام والمدرسة الصوليتيه ومؤرخ مكة المعروف.
الشيخ عبد الستار الدهلوى الكتبى
المدرس بالمسجد الحرام وصاحب التآليف النافعة في تاريخ علماء مكة المكرمة.
نكتفى بهذا القدر من الأسماء التي وردت في هذه القائمة لقضاة مكة المكرمة وعلمائها ومدرسي المسجد الحرام بها لنورد بعض الأسماء للرجال الذين تخرجوا على يد الشيخ ثم قاموا بتأسيس المدارس في الهند ونشر العلم بها.
стр. 637
الشيخ أحمد الدين جكوالي
مؤسس مدرسة مظهر العلوم بكراتشي
العلامة شرف الحق صديقي
المناظر المعروف وصاحب المؤلفات في الرد على النصارى
الشيخ ضياء الدين عبد الوهاب المدراسى
مدير مدرسة الباقيات الصالحات في ديلور بجنوب الهند.
الشيخ عبد الأول الجوتيورى
صاحب المؤلفات النافعة والشهير بمصلح بنغال
الشيخ عبد الرحمن الآله ابادى
شيخ القراء بالهند
الشيخ محمد هاشم اشعرى
مؤسس جمعية نهضة العلماء باندونيسيا
العلامة الشيخ محمد علي
مؤسسة مدرسة دار العلوم بالهند
الشيخ أبو الخير الفاروقي الهندى
المصلح والمربي الشهير ومن علماء الهند
ولقد كان كذلك بين تلاميذ الشيخ من قاموا بتأسيس المدارس في مكة المكرمة ذاتها نذكر منهم الأسماء الآتية:
الشيخ عبد الخالق محمد حسين البنقالي
مؤسس مدرسة دار الفائزين بمكة المكرمة
الشيخ عبد الحق القارى
مؤسسة المدرسة الفخرية بمكة المكرمة
الشيخ محمد حسين الخياط
стр. 638
مؤسس المدرسة الخيرية بمكة المكرمة والمدرس بالمسجد الحرام
وأود أن أذكر أن القائمة التي أوردها السيد محمد مسعود سليم تضم واحدا وخمسين أسما من العلماء والقضاة والمدرسين بالمسجد الحرام وممن تسلم بعضهم المراتب العالية وقد اكتفينا منهم بالأسماء التي أوردناها للدلالة على عظيم فضل الشيخ رحمت الله وما صنع الله من البركة على يديه ومن أراد الاستزادة فله أن يرجع إلى المقدمة التي كتبها السيد محمد مسعود سليم ﵀ والتى أورد فيها القائمة كاملة لكتاب إظهار الحق والذى استقينا من مقدماته جميع المعلومات الواردة في هذه الترجمة وبالله التوفيق.
عودة إلى المدرسة الصوليتية:
انتظمت الدراسة في المدرسة الصوليتيه في بداية المحرم من سنة ١٢٩١ هـ (١) ولا تزال المدرسة قائمة برسالتها منذ أكثر من مائة واثنتي عشرة عاما في مكة المكرمة أخرجت المدرسة خلالها أجيالا من المتعلمين شغل الكثير منهم وظائف التدريس في المدرسة نفسها وفى المسجد الحرام وفى مدارس مكة المكرمة، كما تولى بعضهم مناصب القضاة في مكة وجدة والطائف وغيرها من مدن المملكة، وصدرت لبعضهم المؤلفات النافعة في العلوم الشرعية خاصة، فكانت هذه المدرسة منارة من منارات العلم في البلد الحرام شع نورها إلى أقطار كثيرة.
ولقد سبقت المدرسة الصوليتيه جميع المدارس الأخرى في الحجاز بعقود من السنين فمدارس الفلاح التي قامت النهضة التعليمية في الحجاز على أكتافهاتم تأسيسها في عام ١٣٢٣ هـ بينما تم تأسيس المدرسة الصوليتية في عام ١٢٩١ هـ وإذا كانت مدارس الفلاح قد أخرجت الأجيال التي ساهمت في نهضة البلاد من كافة جوانبها وشغل متخرجوها الأعمال الحكومية والتجارية والتعليمية بمختلف وجوهها فإن المدرسة الصوليتية أخرجت الرجال المتخصصين في العلوم الدينية ممن
стр. 639
أقاموا حلقات التدريس في المسجد الحرام خاصة وتولوا وظائف القضاء الشرعي ولهذا فأنا نستطيع القول بإن المدرسة الصوليتية كانت مدرسة متخصصة في العلوم الدينية بينما كانت الفلاح مدارس عامة أخرجت المتعليمن في كافة المجالات.
وقد أورد السيد محمد سليم بن محمد مسعود أسماء مائة من المتخرجين في المدرسة الصوليتية بينهم خمسة عشر قاضيا أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر.
الشيخ أحمد بن عبد الله القارى
القاضي بمكة وجدة وعضو هيئة رئاسة القضاء وعضو مجلس الشورى ومؤلف المجلة الشرعية الذى أفردنا له ترجمة خاصة ضمن أعلام الحجاز.
الشيخ حسن سعيد اليماني
عضو هيئة رئاسة القضاة في مكة المكرمة ثم قاضي القضاة في مدينة سومطره ووالد معالى الشيخ أحمد زكي يماني.
الشيخ يحيى أمان
قاضى مكة المكومة والمدرس في المسجد الحرام.
الشيخ محمد نور كتبي
قاضى المدينة المنورة
الشيخ حامد القارى
قاضى الطائف
الشيخ سراج محمد نور ششه
قاضى تبوك
الشيخ بكر كمال
قاضى الطائف
الشيخ حسن محمد المشاط
عضو هيئة التمييز والمدرس في المدرسة الصوليتيه
كما أن من بينهم ثمانية متخرجين قاموا بتأسيس المدارس الإسلامية في أنحاء
стр. 640
مختلفة من أندونوسيا وغيرها من البلاد الإسلامية، والكثير منهم عمل في وظائف التدريس بالمسجد الحرام والمدرسة الصوليتيه نفسها وغيرها من المدارس في مكة المكرمة.
وهكذا يظهر لنا بوضوح المنحى التخصصى الذي اتجهت إليه المدرسة الصوليتية فأخرجت لمكة المكرمة وللبلاد الإسلامية هؤلاء الرجال الذين كانوا في زمنهم مصابيح علم وهداية.
وهنا مسألة يجب التنبيه إليها وهي أن المدرسة وحتى الجامعة على عظم أهميتها ليست وحدها العامل الأساسي في نبوغ وظهور المبرزين.
إن المدرسة تعطى الطالب الأساس الذي يبنى عليه علمه وهذا البناء يعتمد على الجهد الفردى للطالب وعلى طموحاته وتطلعاته واجتهاداته، ولو كانت المدارس تخرج العباقرة والنوابغ لامتلأت الدنيا بالعباقرة والنابغين، ولظهر النقص في الأيدي العاملة والطبقات المعتادة ممن يقومون بمختلف الأعمال العادية في دنيا الناس.
وأود كذلك أن أشير إلى أن الطريقة التي كانت تتم بها الدراسة في الماضى وقبل افتتاح المدارس النظامية والتى كانت تعتمد أساسا على حلقات الدرس في المسجد الحرام أو في المسجد النبوى الشريف أو المساجد الأخرى لم يكن الطلاب يعتمدون فيها على أستاذ واحد وإنما يتنقلون بين حلقات المشايخ ليتلقوا عن كل واحد منهم علما تخصص فيه، وقد تشتد علاقة الطالب بأستاذه فيتلقى عنه بالملازمة الطويلة الكثير من العلم فتكون نسبته إليه هي الغالبة.
إن العصر الذى نتحدث عنه كانت تتفشى فيه الأمية، وكان المتعلمون فيه هم الصفوة القليلة النادرة، لهذا فإن نظرتنا إلى هؤلاء الرجال الذين حاولوا تبديد ظلمات الجهالة في تلك الأزمان تتسم بالإكبار والتقدير، لأن علمهم كان جهادا حقيقيا في نشر العلم، ولما كانت نياتهم قد حسنت ونفوسهم قد صفت فإن الله
стр. 641
منظر القباب الجميلة لمسجد الصوليتية على الطراز الإسلامي المغولى في الهند بنيت على أيدى الصناع الهنود في عام ١٣٠٢ هـ، وفى المسجد ظل قسم تحفيظ القرآن الكريم زهاء ٧٥ سنة متوالية.
[صورة]
تعالى قد أتاح لهم التغلب على المصاعب التي وقفت في طريقهم، وبارك لهم في جهودهم حتى بعد وفاتهم فلا تزال هذه المدارس مفتوحة الأبواب تؤدى رسالتها الطيبة في نشر العالم بين الناس رغم اختلاف الأوقات وتطاول الزمن.
لقد رأينا أنه كان من أسباب تأسيس المدرسة الصوليتيه بمكه إخراج علماء من
стр. 642
أبناء المهاجرين وخاصة من أبناء مسلمي الهند ليتعلموا القرآن الكريم وعلومه، والسنة النبوية الشريفة وعلومها ليعودوا إلى بلادهم فينشروا هذا العلم بين الناس في وسط طغت عليه في ذلك الزمان سطوة المبشرين الذين يعملون جاهدين لصرف الناس عن الإسلام وإدخالهم في المسيحية، ولقد حققت المدرسة الصوليتيه هذه الغاية أو بعضا مثها فرأينا بين متخرجيها من تلاميذ مؤسسها من قاموا بفتح المدارس الإسلامية في بعض بلاد الهند واندنوسيا.
ولكن العمل الطيب كالعطر يفوح ريحه أينما حل فلا ينشق شذاه حامله فحسب وإنما ينشق الناس من حوله هذا الشذى العاطر، كما تمر ببستان الورد فيحمل إليك الهواء من حوله الطيب والشذى، وهكذا كانت المدرسة الصوليتيه نفحة عطرة في رحاب البيت العتيق أخرجت لنا العلماء والقضاة والمدرسين، وكانوا مصدر خير وبركة لكل من تلقى العلم عنهم أو اتصلت أسبابه بأسبابهم.
وهكذا يؤتى العمل الطيب أكله ثمرا جنيا طيبا بتوفيق الله وعونه.
مؤلفات الشيخ رحمت الله: -
أهم مؤلفات الشيخ رحمت الله هو كتاب إظهار الحق الذى سلف الحديث عنه والذى ألفه بتكليف من السلطان العثماني عبد العزيز خان وبإشارة من رئيس وزرائه خير الدين باشا التونسي، وكان قد سبقهما إلى هذا الطلب شيخ علماء مكه السيد أحمد زيني دحلان وقد تضمن هذا الكتاب الرد الوافي على مفتريات النصارى ضد الإسلام ودحض مفترياتهم وإثبات التحريف الذى وقع في الإنجيل، وإبطال معتقداتهم في التثليث وقد ترجم الكتاب إلى لغات كثيرة وأعيد طبعه مرات عديدة وآخر طبعة له هي الطبعة التي قامت بنشرها إدارة الشئون الدينية بدولة قطر وأشرف على طبعة فضيلة الشيخ عبد الله الأنصاري مدير الشئون الدينية هناك وقام على تحقيقه الدكتور عمر الدسوقى وهي في مجلدين كبير بن تزيد صفحاتهما عن الألف ومائتي صفحه وقد توج الكتاب بمقدمات أربع كتبها كل من الشيخ عبد الله الأنصاري والعلامة السيد أبو الحسن على الحسني الندوى والسيد محمد
стр. 643
مسعود سليم ﵀ مدير المدرسة الصولتية بمكة المكرمة والدكتور عمر الدسوقي أستاذ الأدب بجامعة القاهرة ومن هذه المقدمات استقينا جميع المعلومات الخاصة بالشيخ رحمت الله والتى أوردناها في هذه الترجمة وقد صدر الكتاب في ١٦ من ذى الحجة سنة ١٤٠٠ هـ
وقد أورد السيد محمد مسعود سليم قائمة بمؤلفات الشيخ رحمت الله باللغات المختلفة نوردها فيما يلى: -
١ - إزالة الشكوك مجلدان باللغة الأوردية.
٢ - إعجاز عيسوى باللغة الأوردية.
٣ - البروق اللامة باللغة العربية.
٤ - تقليب المطاعن باللغة العربية.
٥ - معدل اعوجاج الميزان باللغة الأوردية.
٦ - إزالة الأوهام باللغة الفارسية.
٧ - أحسن الأحاديث في إبطال التثليث باللغة العربية.
٨ - البحث الشريف في إثبات النسخ والتحريف باللغة العربية.
٩ - معيار الحق.
وقد طبعت هذه المؤلفات جميعها في الهند وهي في الرد على الديانة المسيحية، وعاشر المؤلفات ومسك ختامها هو كتاب إظهار الحق الذى سبق الحديث عنه والذى يعتبر من أعظم المؤلفات في بابه، وقد أثنى عليه كثير من علماء المسلمين منهم السيد رشيد رضا صاحب المنار والشيخ عبد الرحمن الجزيري عضو لجنة هيئة كبار العلماء في مصر كما استشهد به وأشاد بما فيه كثير من علماء المسلمين في الهند (١).
والمتأمل في أعمال الشيخ رحمت الله وفى تاريخه يجد أن الرجل قد نذر نفسه أولا
стр. 644
لمحاربة دسائس المبشرين ودحض مفترياتهم على الإسلام، وإثبات التحريف في الكتب التي بين أيديهم، وإبطال عقيدة التثليث التي يؤمنون بها والتى تتنافى مع صفاء عقيدة التوحيد، وبعد أن استقر به المقام في مكة تفرغ للتدريس في المسجد الحرام ثم اختتم عمله الطيب أحسن ختام بتأسيس المدرسة الصولتية في رحاب البيت العتيق.
أن الدين كله لله، وإن الله تعالى أرسل رسله جميعا من عهد آدم برسالة واحدة في مختلف الأزمان تقوم على توحيده جلت ذاته وتقدست صفاته وعلى إفراده بالألوهيه، وتنزهه عن الولادة والولد وتفرده بالعظمة الكاملة وأمر عباده بإخلاص العبادة له وحده وباتباع ما جاءت به رسله من شرائع تتعلق بعبادته ﷻ ، وبتنظيم الأمور بين الناس ليعمر هذا الكون وليعيش الناس في محبة وسلام، ولكن بعض من ضلت عقولهم وفسدت عقائدهم من أهل الديانات السابقة حرفوا فيما أوحى به الله إلى أنبيائه ورسله ولم يكتفوا بهذا التحريف فأخذوا ينشرون ضلالاتهم بين المسلمين، ونسوا أنهم بهذا يحاربون الله تعالى في الألوهية الواحدة وفى تعاليمه السامية.
ولا تزال هذه الضلالات تتخذ أشكالا شتى في عالم اليوم مما تتفتق عنه أفكار شياطين الإنس وتتستر تحت أسماء الشيوعية، والحرية الفكرية والدعوات العنصرية إلى جانب الحقد الصليبي، والخبث اليهودى الذى بدأ يتحول إلى سرطان في عالمنا العربي.
ولن يستطيع المسلمون الوقوف في وجه هذه التيارات الكافرة الضالة المضلة إلا بالرجوع إلى عقيدتهم الصافية يهتدون بهديها ويحتمون بها ويدافعون عنها فيظفروا بنصر الله الذى وعدهم به والذى أنزله على نبيه وأوليائه في شتى العصور والأزمان.
مرض الشيخ رحمت الله ووفاته
مرض الشيخ رحمت الله بعينيه وعلم السلطان عبد الحميد خان بمرض الشيخ
стр. 645
فطلب حضوره إلى القسطنطينية ليعالج تحت رعاية السلطان وسافر إلى هناك ونصحه الأطباء المختصون بإجراء عملية إزالة الماء من العين وكانت العملية في ذلك الزمان من العمليات الخطيرة ولكن الشيخ رغب عن إجراء العملية وعاد إلى مكة المكرمة ولكن المرض اشتد في عينيه فأجريت له العملية في مكة ولم تكلل بالنجاح وأصبح الشيخ بعد ذلك عاجزًا عن القراءة فكان يملي رسائله على حفيده الذى استقدمه من الهند ليكون تحت رعايته كما يقرأ له هذا الحفيد الرسائل الواردة وما يرغب الشيخ في الاطلاع عليه، ولم ينجب الشيخ رحمت الله ذرية ولكنه ترك خلفه الكثير من الأبناء الروحيين الذين نهلوا من موارد علمه وفضله.
وفى الثانى والعشرين من شهر رمضان من عام ١٣٠٨ للهجرة الموافق الأول من شهر مايو عام ١٨٩١ للميلاد لبى الشيخ رحمت الله نداء ربه فدفن في مكة المكرمة في مقبرة المعلاة بعد حياة حافلة بالجهاد بالجنَان والبيان في سبيل الدفاع عن العقيدة الإسلامية ونشرها بين الناس ﵀ وأحسن جزاءه في جنات الخلد.
هذا ولا يزال أحفاد الشيخ رحمت الله يقومون على هذا الصرح العلمي الذى أسسه جدهم الأكبر في مكة المكرمة يتبع الخلف منهم آثار السلف ويحفظون هذه الشعلة المضيئة في بلد الله الحرام فجزاهم الله خير الجزاء.
стр. 646
الشيخ محمد طاهر الكردي
стр. 647
الشيخ محمد طاهر الكردي
قصير القامة معتدل الجسم، ناتئى الجبهة تشوب بياضه صفرة خفيفة، تزين وجهه لحية سوداء حليق شعر العارضين في عينيه حول خفيف تستره نظارة للقراءة، يرتدى الجبة الحجازية ويعتم بعمامة تستر الرأس والأذنين وهو بهذا يتخذ سيماء العلماء المكيين.
ولد بمكة المكرمة في عام ١٣٢١ للهجرة وتلقى تعليمه بمدرسه الفلاح بمكة وتخرج منها في عام ١٣٣٩ هـ وفى عام ١٣٤٠ هـ سافر بصحبة والده الشيخ عبد القادر الكردي إلى القاهرة حيث التحق بالأزهر الشريف ويقول الشيخ طاهر في ترجمته التي كتبها عن نفشه فاشتغل هناك بالعلوم الدينية والعربية كما اشتغل بتعلم الخطوط العربية بأنواعها وما يتعلق بها من الرسم والزخرفة والتذهيب بعد أن التحق بمدرسة تحسين الخطوط العربية الملكية، ولما عاد من القاهرة اشتغل بتعليم الخط العربى بالمدارس ولذلك يعرف بالخطاط انتهى ما كتبه الشيخ طاهر عن نفسه نقلا عن كتابه التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم.
عرفت الشيخ طاهر الكردي في النصف الثانى من الخمسينات بمكة المكرمة، وكان صديقا حميما لعمى الشيخ عبد الله مغربى ﵀ وكنت أعرف أنه اشتهر بجمال الخط، وكان يحضر إلى متجر عمي وإلى داره بصورة يومية تقريبا، كما كان
стр. 648
يصاحبه إلى الحج كل عام، وكان مظهر الشيخ طاهر متزمتا متوقرا ولكنه إذا خلا بأصحابه تحول إلى شخص آخر كثير الدعابة والمرح.
وكان الشيخ طاهر قد عاد من القاهرة بعد أن أكمل دراسته في الأزهر الشريف ولكنه لم يعمل فقد كانت الأعمال شحيحة والوظائف محدودة والركود يسود الحالة الاقتصادية.
مصحف مكة المكرمة
وفى أواخر الخمسينات أو أوائل الستينات حضر الشيخ محمد طاهر الكردى إلى مكتب المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان بالطائف وطلب مقابلة الشيخ محمد سرور ليتحدث إليه في أمر ما، فطلبت منه الانتظار قليلا حتى حضر الشيخ فقدمته إليه، وقلت فيما قلته أنه بارع في الخط براعة فائقة.
قال الشيخ طاهر للشيخ محمد سرور: أنني عزمت علي كتابة القرآن الكريم بخط يدى، وأزيد أن أقدم هذا المصحف إذا انتهيت منه إلى جلالة الملك عبد العزيز.
قال الشيخ محمد سرور: إنها فكرة حسنة ولكن لي رأيا في الموضوع أقوله لك. أنك لو قدمت هذا المصحف المخطوط بعد إتمامه إلى جلالة الملك عبد العزيز فسيكون له الوقع الحسن لدى جلالته وسيكافئك عليه مكافأة حسنة، ولكن الفكرة أن هذا المصحف سيبقى مخطوطا في خزانة الملك عبد العزيز أمدا طويلا، ولديك هنا شركة تأسست حديثا لتقوم بشئون الطباعة والنشر وأشار الشيخ محمد سرور إلى كاتب هذه الترجمة، فلماذا لا تتفق مع هذه الشركة على شراء هذا المصحف الذى تنوى كتابته لتقوم هذه الشركة بطبعه ونشره بين الناس؟.
وأبديت موافقتى على الفكرة كما أبدى الشيخ طاهر ﵀ ترحيبه بها وواعدته الاجتماع في داري بعد الغروب.
وكنت أنا والمرحوم الصديق عبد الله باحمدين قد اشترينا مطبعة الشركة العربية للطبع والنشر وموجودات الشركة من الورق وما إليه بعد أن تعرضت للخسارة
стр. 649
شهورا عديدة، وبحثت الموضوع مع المرحوم الشيخ عبد الله باحمدين واتفق الرأى على أن كتابة المصحف ستكون بداية لعمل عظيم فهو أول مصحف يكتب في مكة المكرمة، ويطبع فيها وينشر منها، حيث نزل القرآن أول ما نزل في مهبط الوحي في مكة المكرمة.
وحضر الشيخ طاهر إليَّ بعد الغروب وتم الاتفاق بيني وبينه على كتابة المصحف الشريف، وكان الاختلاف الوحيد بيننا هو أنه حدد المدة اللازمة لإتمام كتابة المصحف في حدود عامين، وكنت أنا متعجلا أرغب إتمام هذا العمل خلال عام واحد، ولما رأى الشيخ طاهر ﵀ إلحاحي قال لي إن هذا عمل بالغ الدقة، وأنني لا أستطيع الإقدام عليه إلا وأنا في حالة نفسية متهيئة له التهيأ الكامل ثم أردف قد ابدأ بالكتابه واستمر فيها أياما أو أسابيع ولكن قد يطرأ ما يمنعني عن الإمساك بالقلم أياما وأسابيع أخرى، فدعني أتصرف بما يمليه عليَّ مزاجي ولا تنس أن الخط عمل فني، مثل الرسم، والشعر والكتابة، والفنان لا يقدم على ممارسة فنه إلا إذا تهيأت له الأسباب النفسية أولا، وكنت أعرف إنما يقوله الأستاذ طاهر صحيح كل الصحه فوافقت عليه.
هذا وقد طلب الشيخ طاهر ورقا معينا وأقلاما وأحبارا معينة، وكان الزمن زمن حرب ولكن الله تعالى يسر الأمر فوجدنا كلما طلبه في مكة المكرمة.
وبدأ العمل واتفقنا أن يكون المصحف موافقا للرسم العثماني، ومضت الشهور وكنت كلما رأيت الشيخ طاهر سألته ماذا فعل؟ فيجيب أنه مستمر في عمله، وكان قد أحضر لي بعض الصفحات من أوائل ما كتب وأطلعني عليها، ثم عاد بعد أسابيع وأطلعني على نفس هذه الصفحات وقد كتبت مرة أخرى بخط أحسن وقال أن هذا هو الفارق بالنسبة لمزاج الخطاط حينما يكتب.
ولا أريد الإطالة على القارئ فقد انتهى الشيخ طاهر من كتابة القرآن الكريم بعدما يقرب من ثلاثة أعوام، وقبل الانتهاء كنا قد تقدمنا إلى الحكومة نطلب تأليف لجنة لتصحيح المصحف الذى قام بكتابته الشيخ طاهر ﵀ فألفت
стр. 650
الحكومة لجنة كبيرة مكونه من الشيخ عبد الظاهر أبو السمح إمام المسجد الحرام في ذلك الوقت والشيخ صالح حجازى شيخ القراء بمكة المكرمة، والمرحومين السيد محمد شطا والسيد إبراهيم النورى من وزارة المعارف، وقد باشرت اللجنة عملها، وللتاريخ فإن الشخص الوحيد من بين أعضاء هذه اللجنة الذى تفرغ للمراجعة والتصحيح وأعطى هذا العمل جهده وكامل اهتمامه هو المرحوم السيد إبراهيم النورى من وزارة المعارف، وحينما عرضنا عليه مكافأة مقابل هذا الجهد اعتذر عن قبولها فاعتبرناه مساهما في الشركة التي تألفت لهذا الغرض بنسبة معينة وقد ألفنا شركه خاصة لطبع القرآن ونشره في مكة المكرمة أسميناها شركة مصحف مكة المكرمة واستوردنا لها مطبعة خاصة من أمريكا ولا تزال الشركة تحمل هذا الاسم حتى اليوم.
أوشك العمل في كتابة المصحف على الانتهاء كما أوشك التصحيح أن ينتهى وذات يوم اتصل بى المرحوم الشيخ عبد الله باحمدين تلفونيا وطلب مني الحضور إلى مكة المكرمة حيث يجرى عرض المصحف على صاحب السمو الملكي الأمير فيصل النائب العام لجلالة الملك المعظم لأول مرة، وذهبنا لمقابلة سموه في قصره بالمعابدة في ظاهر مكة وتقدم السيد إبراهيم النوري ﵀ بتقديم نسخة المصحف إلى سمو الأمير فيصل وكنا المرحوم عبد الله باحمدين وأنا نقف معه، وأبدى سموه إعجابه وقال أنه عمل عظيم، ثم اقترح سموه أن يعرض هذا المصحف على جلالة المغفور له الملك عبد العزيز وقال: أنني سأتحدث إلى رئيس الحرس الملكي وأظن أن اسمه كان إبراهيم جودت ليدخلكم على جلالة الملك عبد العزيز.
عدت إلى جدة وبعد عدة أيام أبلغني المرحوم الشيخ عبد الله باحمدين أنهم دعوا على عجل للحضور إلى القصر وأنهم عرضوا المصحف على جلالة الملك عبد العزيز فسر جلالته به كثيرا، وأثنى على القائمين بالأمر، ونفح كلا منهم مبلغا من المال تعبيرا عن تقدير جلالته وإعجابه.
стр. 651
كانت الحرب العالمية الثانية تقترب من نهايتها، وكنت مضطرا لظروف صحية عائلية أن أسافر إلى مصر وأبقى بها بضعة شهور، وكنت حريصا أن أصطحب المصحف معي لعمل اكليشيهات له من النحاس والزنك توطئة لطبعه، ولم يكن عمل الاكليشهات متوفرا في البلاد في ذلك الزمان، وضعت المسودة المخطوطة للمصحف في حقيبة خاصة حملتها معي إلى مصر، وكان لابد من أخذ رخصة من الأزهر الشريف بطبع المصحف ليكون معتمدا في جميع البلاد الإسلامية في ذلك الوقت.
اتصلت في مصر بصديقنا الأستاذ صادق سعيد بازرعة وأسرته من كبار التجار الحضارمة الذين أقاموا السنوات الطوال في مصر واصبحوا مصريين بحكم الإقامة الطويلة لآبائهم وبحكم الميلاد لهم ولأبنائهم وكانت الأسرة تعمل في تجارة الصابون البنِّ والبهارات التي يستوردونها من فلسطين وعدن وافريقيا والهند وكانت لهم وكالة كبيرة في الجمَّالية كما كانوا يتمتعون بسمعة عالية في الوسط التجارى في مصر. قال صديقنا الأستاذ صادق بازرعة هذه المسألة لا يصلح لها إلا السيد محمد عرفة شيخ المسجد الحسينى، كان ذلك في رمضان وجامع سيدنا الحسين قريب من وكالة بازرعة فذهبنا وأدينا صلاة العصر وشرحنا الموضوع للسيد محمد عرفة، وكان يحضر للحج وكنت أراه في مكة المكرمة، وهو رجل يجمع بين وقار العلم وحدة الذكاء وكانت صلاته بطبقات المجتمع المختلفة قوية ومتينة، فتجد في غرفته الملحقة بالجامع الحسينى العِلْية من الناس من الباشوات والبكوات إلى عامة الناس وأوساطهم، استدعى السيد محمد عرفه ابنه وكان موظفا بوزارة الأوقاف وقال له أريدك أن تحضر لي غدا الشيخ محمد علي الضباع شيخ المقارئ المصرية ليصلي العصر هنا، والتفت إلي قائلا وستصلي العصر معنا هنا ياحاج .. فشكرته واجتمعنا في صلاة العصر في اليوم الثاني، الشيخ الضباع وأنا وصادق سعيد بازرعه، وأخبر السيد عرفة الشيخ الضباع بالغرض الذى دعاه من أجله، وأوصاه بنا خيرا، واتفقنا مع الشيخ الضباع على الأجر الخاص بالتصحيح كما جرى
стр. 652
الاتفاق مع المصنع الذى يعمل الاكليشيهات حيث ترسل الصفحات التي يتم تصحيحها من الشيخ الضباع إلى المصنع فإذا تم عمل الزنكات طبعت عليها نماذج وأرسلت للشيخ مرة أخرى ليعيد تصحيحها، وتستمر هذه العملية إلى أن يتم عليها التصحيح النهائى للمصحف مع اتمام صنع الاكلشيهات، ثم تصدر الرخصه من مشيخة المقارئ المصرية بالطبع. مكثت بضعة شهور في مصر وأنا اتردد اسبوعيا وبعض الأحيان في كل ثلاثة أيام على الشيخ الضباع في بيته بالجيزة وعلى المصنع الذي يصنع الاكليشهات في شارع عبد العزيز وكان صاحب المصنع ارمنيا شهيرا بصناعة الحفر وقد جعلنا الأكليشهات بحجمين احدهما المقاس المتوسط العادي والثانى المقاس الصغير وتم التصحيح النهائى أخيرا بعد أن كادت اطارات السيارة الصغيرة الهيلمان التي تقلني إلى الجيزة وتعيدني منها كادت اطاراتها تذوب من كثرة الغدوُّ والرواح، وكانت السيارات كما كانت الاطارات عزيزه في أيام الحرب العالمية الثانية وغالية الاثمان. انتهت الاكليشهات وبدأت أفكر في الطريقة التي يمكن بها تصديرها من القاهرة إلى الحجاز وكانت القيود على التصدير بالغة الشدة وادركت أنني لو اتبعت الطرق المعتادة لتعبت بالغ التعب دون نتائج مفيدة.
وفي ذلك الوقت بالذات وصل جلالة المغفور له الملك عبد العزيز في زيارته الرسمية إلى مصر وكان بصحبته معالى الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية الاسبق، وكذلك المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان ورأيت أن الله تعالى قد هيأ الأسباب بهذه الزيارة الملكية لتصدير اكلشيهات المصحف دون عناء شرحت الأمر لمعالي الشيخ محمد سرور ﵀ فقال لي أكتب ما تريد من الكتب بالتوصية على هذا الأمر وهاتها لتوقيعها، كان الشيخ محمد سرور الصبان تربطه صلة صداقة عظيمة بالسياسى المصرى المعروف إبراهيم عبد الهادى باشا وكان وزيرا من أبرز وزراء الوفد في ذلك العهد، وكتبت الكتاب المطلوب لإبراهيم باشا بلسان الشيخ محمد سرور اشرح له الوضعية، كما كتبت كتابا آخر بنفس المعنى إلى مكرم عبيد باشا وزير المالية، وكان هو الوزير المختص الذى تتبعه الجمارك والتراخيص الخاصة
стр. 653
بالتصدير، وذهبت أولا إلى إبراهيم عبد الهادي باشا وأخذ سكرتيره الرسالة ودخل بها إلى الوزير.
وعاد ليتصل أمامي تلفونيا بسكرتير وزير المالية وكان اسمه الأستاذ حسن الاعور ويوصيه بلسان الباشا بالاهتمام بالامر، وقابلت الأستاذ حسن الاعور في وزارة الماليه وسلمته كتاب الشيخ محمد سرور، فعاد ليتصل امامي بصندوق النقد الذي كان يقع في ميدان الاوبرا ويبلغهم توصية مكرم باشا وزير الماليه بعمل كل التسهيلات لتصدير الاكلشيهات الخاصة بالقرآن الكريم.
حصلت على الترخيص المطلوب في مدى ثلاثة أيام ولو لم يهئ الله الأسباب بزيارة المغفور له جلالة الملك عبد العزيز وحضور معالى الشيخ محمد سرور لربما استغرق الحصول على الترخيص الشهور الطوال.
أنه القرآن الكريم، وأنه تيسير الله تعالى للقائمين على نشره بين الناس، وحينما كنت أفكر في اجراءات التصدير خطر لي أن اختصر الوقت وضعت الاكلشيهات في حقيبة خاصة وأرسلت هذه الحقيبة ضمن حقائب الشيخ محمد سرور الذى كان من القائمين على ترتيب شئون الرحلة الملكية إلى مصر، ووصلت الحقيبة إلى مكة بسلام وأصبحت الاكلشيهات جاهرة للطبع، وكان المرحوم عبد الله باحمدين قد سافر إلى امريكا وتعاقد لشركة المصحف على شراء المطبعة الأولى التي سيطبع عليها القرآن الكريم في مكة المكرمة.
ووصلت المطبعة، وحدث أن السيد إبراهيم النورى ﵀ احيل إلى المعاش بناءا على طلبه فوجدنا أنه اصلح الناس للقيام على إدارة شركة مصحف مكة المكرمة وهو الذى بذل جهدا مشكورا في تصحيح النسخة الخطية التي كتبها الشيخ طاهر كردى.
وهكذا سلمت مقاليد الشركة إلى السيد إبراهيم النورى ﵀ لعد أن تم تأسيس الشركة بصورة قانونية، وكانت باكورة أعمالها طبع القرآن الكريم ونشره لأول مره في مكة المكرمة بعد أن تمت كتابته فيها، وهذه السابقة التاريخية العظيمة
стр. 654
هي التي اختص بها الله الشيخ محمد طاهر الكردى لأنه كان الخطاط الذى كتب القرآن الكريم في مكة المكرمة وهيأ الله تعالى لهذه النسخة التي كتبها أن تطبع في مكة المكرمة وتنشر منها لا في مكة وحدها ولا في المملكة العربية السعودية فحسب، وإنما في سائر بلاد الإسلام، فمصحف مكة المكرمة أصبح يطلب في جميع البلاد الإسلامية من اندنوسيا وباكستان والشرق الأقصى كله، إلى افريقيا كلها.
إن الشيخ طاهر كردى رجل محظوظ فالمصاحف التي كتبت في مكة المكرمة كثيرة وبعضها محفوظ في مكتبات مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكثير منها اجمل خطا من المصحف الذى كتبه الشيخ طاهر الكردى ولكن الله تعالى إذا أراد أمرا هيأ له الأسباب .. وقد هيا الله للمصحف الذى خطه الشيخ طاهر الكردي أسباب الذيوع والانتشار فتأسست له شركة خاصة قام أصحابها على اعداده للنشر واتخذوا الأسباب الكفيلة بهذا النشر حتى تم لهم الأمر بعد الجهد والنصب.
ولقد مضى على تأسيس شركة مصحف مكة المكرمة ما يقرب من أربعين عاما وهي توالى نشر الكتاب الكريم من مكة المكرمة وتستورد له المطابع الواحدة تلو الأخرى مسايرة تطور الطباعة في العصر الحديث، ولعلي لا أذيع سرا حينما اذكر أن شركة مصحف مكة المكرمة، لم تكتف بالمصحف الذى كتبه الشيخ طاهر الكردى وإنما عمدت إلى طبع مصاحف أخرى بخط اجمل كثيرا من خط الشيخ طاهر ﵀، كما استكتبت خطاطا شهيرا بجمال الخط واتقانه لكتابة مصحف لها، ولكن المصحف الذى كتبه الشيخ طاهر لا يزال يحتل مكانه في قلوب الناس، ويكفي أن نذكر أن شركة مصحف مكة قد قامت بطبع كمية من المصحف الذى كتبه الشيخ طاهر في حجم كبير جدا وجلدته تجليدا فاخرا وكانت هذه الطبعة ولا تزال تقدم هدية لجميع الملوك والرؤساء وكبار الزوار المسلمين القادمين إلى المملكة كما أنه يقدم من ضمن الهدايا المهتازة لكبار المسئولين السعوديين في زيارتهم للبلاد الإسلامية.
стр. 655
طاهر كردى الخطاط
وما دمنا بصدد الحديث عن حسن كتابة الشيخ طاهر الكردى وجودة خطه فلابد أن نتحدث عن جانب آخر من جوانب شخصيته الكثيرة الجوانب فالرجل كان ممن تلقوا تعليمهم في الأزهر الشريف، ثم التحق بمدرسة تحسين الخظوط العربية الملكية وتتلمذ على كبار الخطاطين فيها، حتى أتقن الخط بأنواعه المختلفة وحينما عاد إلى المملكة كان مدرسا للخط بمدارسها، بل الأستاذ الأول للخط فيها، وله كراريس مطبوعة كما يظهر ذلك من ثبت مؤلفاته التي كانت توزع على التلاميذ من ضمن الكتب المدرسية لينسجوا على منوالها في تعلمهم لفن الخط، ولقد بلغ من إتقان الشيخ طاهر لفنون الخط أنه كان يكتب بعض قصار السور مثل سورة الإخلاص على حبة من الأرز وقد أهداني بعض هذه الحبات من الأرز المكتوب عليها بعض قصار السور، وقد فقدت ضمن ما فقد من اوراقي ولكن صديقنا الشيخ محمد نور جمجوم رجل الأعمال المعررف لا يزال يحتفظ بعبة من الأرز بكتابة طاهر الكردى ﵀ وقد اطلعني عليها في هذه الأيام ولعل عمرها يزيد عن الأربعين عاما.
وللشيخ طاهر ﵀ لوحاث فنية من كتاباته ولحسن الحظ أنه صورها في كتابه الكبير التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم، والذى سنتحدث عنه بعد واكتفى هنا بذكر ما نشر من مؤلفاته في فن الخط نقلا عن ثبت مؤلفاته المنشورة في كتابه أدبيات الشاى والقهوة والدخان: -
١ - تاريخ الخط العربي وآدابه.
٢ - الهندسة المدرسية - ويقول الشيخ طاهر أنه كان مقررا في مدارس المملكة.
стр. 656
٣ - رسالة في الدفاع عن الكتابة العربية في الحروف والحركات.
٤ - كراسة الحرمين في تعليم خط الرقعة - سبعة أجزاء.
٥ - حسن الدعابة فيما ورد في الخط وأدوات الكتابة.
٦ - مجموعة الحرمين في تعليم خط النسخ - جزء واحد.
٧ - لوحة فنيه جميلة فيها صور الكعبة المشرفة لاشهر بناياتها.
٨ - لوحات في الخطوط العربية.
٩ - نفحة الحرمين في تعليم خطي النسخ والثلث.
وإذا تأملنا في أسماء هذه المؤلفات وجدنا أن الرجل عالم خط إذا صح هذا التعبير.
الخطاطون الذين أدركتهم
وعلى ذكر الخط أود أن أذكر أن الناس في الحجاز في النصف الأول من القرن الهجرى الرابع عشر وبعد خروج الأجيال الأولى من المتعلمين في مدارس مكة المكرمة وجدة والمدينة كانوا يهتمون بالخط وإتقانه وذلك قبل ظهور الآلآت الكاتبة العربية، وكان لهذا الخط أساتذته الذين يتقنون أنواعه واذكر أن المرحوم الشيخ حمزة عجاج وهومن متخرجى الفلاح كان يحضر إلى مدرسة الفلاح بجدة ويعلمنا الخط في السنة الثانية الابتدائية في أوائل الأربعينات ولم يكن موظفا بالمدرسة وإنما كان يعمل في إحدى الداوائر الحكومية أو البيوت التجارية ولعله كان يؤدى هذه الخدمة لمدرسة الفلاح دون مقابل نظرا لصلة الصهارة التي تربطه بآل جمجوم وكلاء مدارس الفلاح في ذلك الزمان، وما ذاك إلا لما كان يمتاز به من حسن الخط وإتقانه.
كما أذكر أن الأستاذ إبراهيم توفيق كاتب عدل جدة الأسبق يرحمه الله كان من أجمل تلاميذ مدرسة الفلاح خطا وقد احتاجت المدرسة إليه فلم يكمل دراسته وتحول من تلميذ بالمدرسة إلى أستاذ يعلم التلاميذ الخط، بعدما كان يقتعد مكانه بينهم تلميذا من التلاميذ.
стр. 657
أهل مكه يرسلون أولادهم إلى الخطاط
وكان معروفا أن أهل مكة المكرمة يرسلون أولادهم إلى الخطاط لتعلم الخط وإتقانه وذلك جنبا إلى جنب مع تعليمهم القرآن الكريم ومبادئ العلوم، وكانت مكاتب الخطاطين في باب السلام قبل إدخاله في توسعة المسجد الحرام في العهد السعودى حيث كان باب السلام مركزا للكتبة وباعة الكتب وكان بعض الخطاطين يجلسون كذلك في المسجد الحرام لهذه الغاية.
الشيخ سليمان الفزاوى وتاج الفزاوى
وكان الشيخ سليمان الغزاوى ﵀ أشهر خطاط في الحجاز كله وقد أدركته في الأربعينات حينما انتقل هو وأخوه الشيخ تاج الغزاوى إلى جدة خلال الحرب السعودية الهاشمية بأسرتيهما، وكان الشيخ سليمان رجلا أشيب رقيق البدن ولكنه كان في هذه السن يحتفظ باجادته بل وبابداعه في الخط، وكان باب البنط في جده وباب مكة قد حليا بآيات قرآنية مكتوبة بخط الشيخ سليمان الغزاوي يرحمه الله ولا زلت أذكر الآية الكريمة التي تقابل القادم إلى جدة من البحر والداخل من الباب الوحيد إلى المدينة وهو باب البنط "ادخلوها بسلام آمنين" وتحتها توقيعه بخط واضح، وهي من أجمل ما رأيت من الخطوط، ولقد اشتغل الشيخ سليمان الغزاوى بتعليم الخط في مدرسة الفلاح بمكة وحين انتقل إلى جدة كما أسلفنا كان كذلك يعلم تلاميذ الفلاح بها، ولقد كان من نصيبى أن أكون تلميذا لأخيه الشيخ تاج غزاوي الذى كان كذلك معلما للخط في مدارس الفلاح بمكة وحينما حضر إلى جدة باشر تعليم الخط فيها، ويبدو أن الشيخ سليمان اختص بتعليم الصفوف العليا في المدرسة واختص الشيخ تاج بالصفوف الأولى فيها. رحمهما الله جميعا.
стр. 658
الشيخ عبد الله متبولي
وأذكر من الخطاطين الجيدين في مدينة جدة المرحوم الشيخ عبد الله متبولي والد الأستاذ عبد المجيد متبولي من أوائل طلبة البعثات السعودية من مدينة جدة، وكان الشيخ عبد الله متبولي يعمل كاتبا لدى آل أجبير وكانوا من أكبر تجار مدينة جدة في أوائل الأربعينات وكان جارا لدكاكين والدي وأعمامي في منطقة باب مكة حيث لا يزال بيت المتبولي علما لفن البناء القديم في تلك المنطقة يزورها الأجانب ويصورونه، وكان الشيخ عبد الله متبولي بحكم هذا الجوار يعلمني وأخي الخط وكان شديدا يخافه تلاميذه، وكان التجار بصورة خاصة يحرصون على أن تكون دفاتر حساباتهم ورسائلهم التجارية مكتوبة بخط جميل للغاية فكان الناس يحرصون على إتقان الخط وتجويده.
الدوائر الحكومية
وكانت الدوائر الحكومية تهتم باسناد تحرير رسائلها إلى كتاب اشتهروا بجودة الخط وجماله وكان في كل دائرة قسم يدعى - قلم التحرير - واذكر أن قائممقامية جدة كان يدير قلم التحرير فيها المرحوم الشيخ على طه رضوان - الذى أصبح فيما بعد مساعدا لقائم مقام جدة - والشيخ محمود ابار الذى انتقل من قائم مقامية جدة إلى ديوان النيابة العامة بمكة المكرمة، كما كان في قلم تحرير مالية جدة المرحوم الشيخ حسن أبو العز وهو كذلك من أصحاب الخطوط الجميلة وهكذا فإن الدوائر الحكومية كانت تعتبر الرسائل التي تصدر عنها هي الوجه المعبر الذى يجب أن يتصف بالجودة والإتقان.
أدوات الكتابة
ولم تكن أقلام الحبر السائل والناشف قد وصلت إلى البلاد فكان الناس
стр. 659
يعتمدون على أقلام البوص وَيبرْوُنَ هذه الأقلام بحيث تصبح للقلم سِنَّةٌّ صغيرة مفشوخة وكلما كان القلم حسن البراية والحبر جيدا كلما ساعد هذا على إتقان الكتابة وحسنها، أما الأحبار فكانت ترد في شكل مسحوق أسود ويحُلُّ هذا المسحوق بالماء ويوضع فيه خرقة من القماش الخفيف تسمى الزِّيَّة، حتى إذا غمس القلم في الدواة لم يخرج به من الحبر ما يلوث الورق أويد الكاتب.
الحبر نيشان الكاتب
وعلى أى حال فقد كان وجود الحبر في ثياب الكاتب أو آثاره في يده لا تعتبر عيبا وكان هناك مثل متداول يقول - الحبر نيشان الكاتب.
التراب هو النشاف
ولما كان الحبر سائلا فإنهم كانوا يستعملون في تجفيفه التراب ويضعونه في علبة صغيرة فيها خروق كثيرة بحيث يخرج منها هذا التراب الذى يجفف الحبر ولا يفسد جمال الخط.
وكانوا يتفنون في اقتناء أصناف أدوات الكتابه وخاصة الدواة والأقلام، وبعض هذه الدوايات - مفرد دواة - كان من البلور الخالص الجميل. وبظهور الآلات الكاتبة وأقلام الحبر الناشفة والسائلة انتهى عهد إتقان الخطوط وتحسينها بل وانتهى عهد إتقان الأبلاء لأن مراقبة الخط كانت تتبع مراقبة الكتابة نفسها وسلامتها من الأخطاء الإملائية.
تاريخ الخط العربي وآدابه
وسنتحدث هنا قليلا عن كتابه "تاريخ الخط العربي وآدابه" هو أهم مؤلفات الشيخ طاهر الكردى في فن الخط وقد طبع الطبعة الأولى في شهر محرم من سنة سبع وخمسين وثلاثمائة وطف، ثم أعادت الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون طبعه مرة أخرى في هذا العام ١٤٠٢ هـ وحسنا فعلت فإن الكتاب يكاد أن يكون
стр. 660
موسوعة عن الخط العربي وكلما يتعلق به.
تحدث فيه المؤلف عن نشأة الخط وتطوره مدعما ذلك بالصور والمراجع التي استقى منها المعلومات التي توصل إليها، ومن أطرف ما أورده المؤلف في هذا الشأن أن التعبير بالكتابة بدأ بطريقة التصوير قبل الكتابة بالحروف المعروفة وكانت الكتابة الصورية تقوم على الرمز ويقول المؤلف في شرح ذلك، ومثال الكتابة الصورية أنك إذا أردت تدوين واقعة حرب مثلا فترسم أرضا ذات أغراس وإلى جانبها صور النقود وما أشبه ذلك وهذا ما جرى عليه أكثر الأمم التي كانت قديما في مصر واشور وغيرها، ولما اتسعت عمارتهم اصطلحوا على بعض الرسوم للدلالة على معان كلية ليس لها صورة في الخارج.
وقد أثبت المؤلف صور هذه الرسومات التي اصطلح عليها (١) وقد تحدث المؤلف عن الخطوط في اللغات الهندية وما تفرع عنها من الخط الآرامي والسنسكريتي والسرياني كما تحدث عن الخط الهيروغلوفي موضحا كلما يكتبه في هذا المجال بصور لهذه الخطوط وترجمة للحروف والكلمات إلى اللغة العربية.
كما تحدث عن الخط الاشورى والكلداني وأول المكتشفين لهذه الخطوط وأثبت صورا للصخور التي تحمل هذه الخطوط من المسند الآرامي وأنواع الخطوط المختلفة.
كما وضع سلسلة تبين تطور الخط العربى من بدء ظهوره حتى وصوله إلينا بشكله الحاضر وهو يبدأ كالآتي: -
الخط المصرى - الفينيقي - الآرامي - المسند - الصفوى - الثمودي - اللحياني - الحميري - الكندي - النبطي - الحيرى - الانباري - الحجازى - (٢).
ثم يتحدث المؤلف عن اللغات التي تكتب في الوقت الحاضر بالخط العربي
стр. 661
وقد عدد اثنتي عشرة لغة تندرج كلها تحت اسم اللغات التركية وسبع لغات تندرج تحت اسم اللغات الهندية وأربع لغات تندرج تحت اسم اللغات الفارسية، وسبع لغات تندرج تحت اسم اللغات الافريقية.
ولا شك أن بعض هذه اللغات التي أشار إليها المؤلف وخاصة في تركيا الحديثة قد غيروا كتابتهم إلى الحروف اللاتينية منذ عهد مصطفى كمال بعد انتهاء دولة الخلافة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى وإعلان الجمهورية التركية الأولى ولكن يبقى بعد ذلك أن عدد من يكتبون بالحروف العربية في العالم كبيرا.
وقد قدر المؤلف في كتابه المطبوع قبل ما يقرب من نصف قرن عدد من يكتبون من غير العرب بالحروف العربية بأكثر من مائتين وخمسين مليونا من البشر فليت شعرى ما هو مقدار من يكتبون بها في الوقت الحاضر من العرب وغيرهم، أن التعداد يصل فيما أظن إلى خمسمائة مليون من البشر.
ثم تحدث المؤلف عن كتابة الرسائل في عهد النبي صلوات الله وسلامه عليه وأورد أسماء كتابه ونقش خاتمه الذى كانت تختم به رسائله كما تحدث بمثل ذلك عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من خلفاء المسلمين، وتحدث كذلك عن المشهورين من الخطاطين في أيام الأمويين والعباسيين ثم تحدث عن بدء ظهور التشكيل في الخط وتطوره، كما تحدث عن المواد التي كانت تستعمل في الكتابه من الجلد والقراطيس وأنواع الأقلام وأسمائها، وأنواع الخطوط المعروفة من النسخ والرقعة والثلث الكوفي والديواني وما إلى ذلك، وأثبت نماذج جميلة لكل هذه الخطوط بعضها بقلم المؤلف والكثير منها بقلم الخطاطين المشهورين الذين ينسب إليهم هذا الفن.
ثم تحدث المؤلف عمن اشتهر بالكتابة على الحبوب والبيض ولقد ذكرت أن الشيخ طاهر الكردى كان ممن يتقن الكتابة على الحبوب في صدر هذا البحث، ثم تحدث عن الآثار والكتابات التي عليها والنقود والعملات التي ظهرت في عهود الخلفاء الراشدين وما تلاهم وأورد صورا فوتوغرافيه للنقود في عهد الخلفاء الراشدين وعهد صلاح الدين وعهد هارون الرشيد وفي عهد الدولة الفاطمية، كما
стр. 662
أورد جداول بأسماء الخطاطين المشهورين مرتبة على الحروف الهجائية.
ومن أمتع فصول الكتاب الفصل الخاص بتراجم السلاطين الخطاطين وقد ذكر من بينهم الخليفة المستظهر بالله والخليفة المسترشد بالله وهما من خلفاء الدولة العباسية ثم سلاطين آل عثمان ثم سلاطين المسلمين الآخرين في شتى بقاع العالم الإسلامي، وأردف ذلك بتراجم الوزراء والباشوات من الخطاطين ثم بتراجم العلماء الخطاطين.
ثم تحدث عن النساء اللواتي اشتهرن بجودة الخط وإتقانه. وذكر فيما ذكره أن أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب تعلمت الكتابة من الشفاء بنت عبد الله العدوية التي تعلمت الكتابة من معاوية ويزيد ابنا أبي سفيان رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
كما أورد المؤلف تراجم للخطاطين القدماء والمحدثين وسجلا بأسمائهم والكتاب مزين بكثير من لوحات الخطوط الجميلة للخطاطين المختلفين وهو يقع في أكثر من خمسمائة وخمسين صفحة وتزيد قعداد اللوحات والصور المثبته فيه على مائة وخمسين لوحة وصورة.
أنه ليس كتابا عن الخط العربي وآدابه ولكنه يكاد أن يكون موسوعة تختص بالخط والكتابة وما يتفرع عنهما وهوعمل عظيم جاء نتيجة لجهود متواصلة وابحاث تتصف بالدأب والمثابرة وهو مرجع من أهم المراجع في هذا الفن العظيم.
طاهر كردى المؤلف
نعود بعد الاستطراد الطويل عن الخط الذى جرنا إليه الشيخ طاهر الكردى الخطاط لنتحدث عن جانب آخر من جوانب شخصيته المتعددة الجوانب فلقد كان الرجل مؤلفا مكثرا وقد أثبت في كتابه أدبيات الشاي والقهوة أسماء اثنين وعشرين كتابا مطبوعا عدا الكتب المخطوطة وأهمها التفسير المكي وهو في أربع مجلدات وغيرها مما لم يذكر شيئا عنه، وقد أوردنا أسماء مؤلفاته الخاصة بالخط ونثبت هنا
стр. 663
أسماء المؤلفات الأخرى التي وردت في هذا الثبت وهي المؤلفات المطبوعة:
١ - تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه.
٢ - إرشاد الزمرة لمناسك الحج والعمرة.
٣ - مقام إبراهيم ﵇.
٤ - منظومة في صفة أشهر بنايات الكعبة المشرفة.
٥ - تحفة العباد في حقوق الزوجين والوالد والأولاد.
٦ - دعاء عرفه.
٧ - تعليق مختصر على تاريخ مكه للقطبي.
٨ - صورة حجر مقام إبراهيم ﵇.
٩ - التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم.
١٠ - النسب الطاهر الشريف.
١١ - الأدعية المختارة.
١٢ - تبرك الصحابة بآثار رسول الله ﷺ .
١٣ - أدبيات الشاي والقهوة والدخان.
ولقد ذكر الشيخ طاهر أن مؤلفاته تبلغ اثنين وأربعين مؤلفا طبع نصفها تقريبا ونستطيع أن نقسم هذه المؤلفات حسب أسمائها إلى الأقسام الآتيه: -
أ - كتب تاريخية وهي الصفة الغالبة على المؤلف.
ب - كتب دينية.
جـ - كتب فنيه وهي التي تتعلق بالخط وفنونه.
د - كتب أدبية طريفة.
ولقد تحدثنا عن الخط وما يتعلق به بما يكفي للتعريف بشخصية الشيخ طاهر ﵀ في هذه الناحية.
стр. 664
طاهر كردى المؤرخ
ونتحدث الآن عن طاهر كردى المؤرخ فإن المستعرض لأسماء كتبه يجد أن المؤلفات التاريخية هي الصفة الغالبة على الرجل، ولعل تعمقه في هذه الناحية هو الذى ساعده على تأليف الكتب الدينية وطالما أن أهم كتبه الدينية وهو التفسير المكى لم يظهر إلى النور بعد فإن الحديث عن هذه الناحية من شخصية المؤلف لا يعتبر كاملا وحسبنا الإشارة إليها.
لقد تفضل الصديق أحمد مجاهد فبعث الي الأربعة أجزاء التي ظهرت على نفقته من أهم كتب الشيخ طاهر التاريخية وهو كتابه المسمى.
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
والكتاب موسوعة ضخمة عن مكة المكرمة وهو في أربعة أجزاء كل جزء يزيد عن الثلاثمائة صفحة من القطع الكبير الذى يساوى ضعفى حجم الكتب الكبيرة المعتادة، وهو يحتوى على صور كثيرة كما تتسم المعلومات التي أوردها المؤلف عن كل المواضيع التي عالجها بالشمول والإحاطة مستعينا في ذلك بما ورد في مؤلفات المؤرخين السابقين الذين ذكر أسماءهم وتراجمهم وتحدث عنهم ومدعما ما يصل إليه من آراء بالكتب الكثيرة التي رجع إليها والتى ذكر أسماءها ومواضع الاستشهاد منها.
وأهم من هذا وذاك أن المؤلف أتيح له ما لم يتح لغيره من المؤلفين فلقد عاصر الإصلاح الذى تم للكعبة المعظمة في عام ١٣٧٧ هـ كما عاصر التوسعة العظيمة للمسجد الحرام في العهد السعودى والتى بدأت في عام ١٣٧٥ هـ ولم يكن المؤلف معاصرا لهذه الأحداث التاريخية فحسب فما أكثر من عاصرها وإنما كان عضوا في اللجان الرسمية التي تألفت لهذه الإصلاحات وذلك لسابق اهتمامه بالمباحث التاريخية المتعلقة بالمسجد الحرام فلقد ألف قبل هذه الأحداث كتابا عن تاريخ
стр. 665
مقام إبراهيم ﵇ وحصل على إذن بفتح مقام إبراهيم ليطلع بنفسه على المقام من الداخل وألف رسالة وافية في صفة المقام وذرعه وأقوال المؤرخين عنه وموضعه وكلما يتعلق به.
هذه الاهتمامات للمؤلف كما ذكرنا هيأت الفرصه لاختياره عضوا في الهيئات الرسمية الخاصة أولا بإصلاح الخراب الذى حدث في الكعبة المشرفة كما ذكرنا ثم في الهيئة التي ألفت للتوسعة العظيمة للمسجد الحرام فيما بعد، وقد أتاح له هذا الاختيار أن يطلع على الكثير من المعلومات الدقيقة التي لم تتح لغيره من المؤرخين، فهو يقدم لنا وصفا دقيقا للآثار الدينية والمعمارية في المسجد الحرام مزودة بالمقاسات الدقيقة والصور الشمسية وذلك بعد استعراض المراحل التاريخية التي مر بها الأثر المذكور إذا صح هذا التعبير، بل أننا نجده بالنسبة لمقام الخليل إبراهيم. على سبيل المثال يقدم لنا وصفا يوميا دقيقا للكيفية التي سار عليها العمل في نقل المقام من موضعه السابق إلى الموضع الحالي بعد أن وضع في الصندوق الزجاجي الحالي ويتحدث عن الموضوع بتفصيل يشمل جميع التطورات التي صاحبت الفكرة من بدء تنفيذها إلى حين إتمامها.
إن كتاب التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم هو موسوعة تاريخية وهامة لمكة المكرمة وللمسجد الحرام بما حواه من الكعبة المعظمة ومقام إبراهيم وكلما يتعلق بالمسجد الحرام وأماكن المناسك وهو يضم كلما أورده المؤرخون السابقون ثم يضيف إليه الجديد في عصر المؤلف وهو بهذه المثابة مرجع شامل عظيم القيمة لمن أراد التحقيق والبحث.
* * *
стр. 666
النقص الهام في الكتاب
ولكن الكتاب يخلو من الحوادث السياسية خلوا تاما، يخلو من ذكر الخلفاء الذين حكموا البلد الأمين والعهود السياسية المختلفة التي مرت عليه والحروب التي نشبت فيه وهو بهذا يفقد الصفة التاريخية التي يقوم عليها اسم الكتاب أو على الأقل يفقد جزءا هاما من هذه الصفة لخلوه من الحوادث السياسية التي تتعلق بمكة المكرمة موضوع الكتاب.
عذر ساذج
ولقد أدرك المؤلف خلو كتابه من هذه الحوادث فاعتذر عن ذلك اعتذارا ساذجا إذا صح هذا التعبير فلقد جاء في الجزء الأول من كتابه في خطبة الكتاب بالحرف الواحد: -
(والسبب الذى من أجله تركت ذكر حوادث الحروب بمكة هو أن ذلك يعرضنى إلى ذكر مساوئ من سبقنى بالإيمان من أموات المسلمين وهم قد قدموا إلى ما عملوا، وقد قال ﷺ اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم، وأيضا لابد إذا ذكرت ما وقع بين فلان وفلان أقع في غيبتهم والغيبة حرام للأحياء والأموات، قال الله تعالى ولا يغتب بعضكم بعضا، ثم إن ذكر الحروب من اختصاص المؤرخين السياسيين وأنا لا أعرف في السياسة شيئا منذ الصغر فالحمد الذى عافانى منها لاشتغل بما هو أنفع وأصلح لمثلي، ففي الصحيحين، كل ميسر لما خلق له وللتين قوم وللجميز أقوام فالسياسة مطلوبة بل واجبة لكن على طبقة خاصة هي طبقة الملوك والوزراء والأمراء الذين بيدهم الحل والعقد انتهى مكتبه المؤلف بنصه (١).
стр. 667
وردنا على ذلك هو أن ذكر الحوادث والحروب التي وقعت بمكة المكرمة لا تقتضى من المؤلف أن ينال القائمين بها بالغيبة والتعريض، والمؤرخ أمام الحوادث التي ينقلها ويسجلها إزاء طريقين أن يذكر الحوادث منسوبة إلى مصادرها ويكتفى بذلك، أو يذكر الحوادث ويعلق عليها أو ينقل تعليقات من سبقه من المؤرخين عليها فإذا كان في هذه الحوادث ما يسبب الحرج للمؤلف كأن يكون اختلاف الرأى فيها وفى أسبابها كبيرا، ولم يفتح الله عليه بشيء يجعله يرجح الرأى الصائب أو الأكثر صوابا ففى وسعه الاكتفاء بذكر الحوادث والإمساك عن التعليق عليها، تاركا للقارئ اتخاذ الحكم الذى تهديه إليه قراءته للحوادث وأسبابها، وإن كان المؤلف ممن أوتي الشجاعة لإبداء الراي الصائب فله أن يسجله ويتحمل تبعاته.
أما تجنب ذكر الحوادث تفاديا لهذا الحرج أو للسبب الذى ذكره مؤلف كتاب التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم فهو كما ذكرت من الأسباب التي تخرج الكتاب عن الصفة التي أراد المؤلف أن تكون لكتابه.
إن الحوادث السياسية والحروب هي مادة التاريخ إذا صح هذا التعبير، فالحروب هي التي غيرت وتغير وجه العالم وكلما كانت الحروب كبيرة وواسعة كلما كان التغيير أشمل وأعم.
ترى لو لم تخرج الجيوش الإسلامية من الجزيرة العربية في صدر الإسلام فتديل من عرش الأكاسرة في فارس والعراق، وتديل دولة الروم في الشام وفى مصر ماذا كان حال هذه البلاد، وهل أصبحت العراق والشام ومصر والأردن وفلسطين ولبنان بلادا عربية إسلامية؟.
ولا نريد الإكثار من سرد الأمثلة ولكني اكتفى بأن أقول أن الحرب العالمية الأولى جلبت الاستعمار للبلاد العربية كلها والحرب العالمية الثانية أخرجت الاستعمار من البلاد العربية كلها، ومن كثير من البلدان في آسيا وافريقيا، فالحروب ليست شرا مطلقا وإنما قد ينتج منها الخير الكثير.
стр. 668
والحروب إذا كانت دفاعا عن عقيدة أو وطن فهي حروب مقدسة مفروضة على الناس، والقتل إذا كان دفاعا عن عرض أو مال فهو قتال شريف كريم ولا غبار عليه، نستطيع أن نقول أن كتاب الشيخ طاهر الكردى يمكن أن يكون اسمه الصحيح بعد أن خلا من أهم عناصر التاريخ وهي الحوادث السياسية والحروب يمكن أن يكون اسمه، التاريخ القويم لآثار مكة والبيت الكريم، ولو أن المؤلف سماه كذلك لما كان هناك مجال للاعتراض عليه بحال من الأحوال.
وبعد فإن الكتاب كما ذكرت يحتل مكانة قيمة بين الكتب التي تؤرخ للبلد الكريم وللبيت الحرام وهو مرجع هام لهذه الآثار المقدسة وتطوراتها التاريخية وهو يمتاز بالإحاطة والشمول والدقة المبينة على المشاهدة والبحث وهو جهد مشكور للمؤلف رحمه الله تعالى يسلكه في عداد المؤرخين لآثار مكة المكرمة والبيت الحرام فجزاه الله عن ذلك خير الجزاء.
مؤلفاته الأخرى
إن الشيخ طاهر كردى رجل متعدد الجوانب وقد تحدثنا عن أهم جوانبه في هذه الصفحات ولقد اطلعت على كتاب مطبوع له اسمه أدبيات الشاى والقهوة والدخان وعجبت كيف يتفرغ الرجل للتأليف في هذه الأمور فالكتاب يذكر تاريخ الشاي والقهوة وما قيل فيهما من الشعر وكيف يصنع الشاي وأدواته وما إلى ذلك، ولا شك أن جمع هذه الطرائف فيه كثير من الجهد ولكن الشيخ طاهر الكردى هو الشيخ طاهر الكردى الذى استطاع أن يعبر عن جانب آخر من جوانب شخصيته الاجتماعية التي ذكرتها في صدر هذه الصفحات.
وهناك ناحية أخرى في الرجل هي الناحية الشعرية فكتابة التاريخ القويم يتضمن أرجوزة نظمها في تاريخ بناء الكعبة المعظمة وأراجيز أخرى في مواضيع تتعلق بكتابه هذا، وإذا كان لابد من التعليق عليها فأقول أن هذه الأراجيز تشبه أَراجيز المتون التي كنا نحفظها كأرجوزة ابن مالك في النحو والخريدة في التوحيد،
стр. 669
والتى كانت تفرض علينا في المدارس وهي كلام منظوم لا يمت إلى الشعربادنى صلة والشيخ طاهر ﵀ إنما يعبر عن ناحية أخرى من نواحى شخصيته المتعددة الجوانب كما سبق أن ذكرنا، فلنأخذه كما أراد الله له أن يكون، هناك الكتب الدينية التي ألفها الشيخ طاهر الكردى وأهمها كما ذكرت هو كتاب التفسير المكي في أربعة أجزاء وهذا الكتاب لا يزال مخطوطا ولم يتح لى الاطلاع عليه ولهذا لا أستطيع الحديث عنه، وحبذا لو عنيت بالبحث عنه وعن مؤلفات الشيخ طاهر الأخرى إحدى الجهات المعنية في بلادنا بنشر الكتب كالنوادي الأدبية وغيرها وعهدت إلى المختصين بالموضوعات التي تعالجها هذه المؤلفات بدراستها ونشر ما يستحق النشر منها إفادة للناس وإحياء الذكرى الرجل الذى قضى حياته منكبا على التأليف.
بقية التاريخ القويم
لقد ذكرت أنني اطلعت على أربعة أجزاء من كتابه القيم الجامع، التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم والذى تحدثت عنه، بما فيه الكفاية في الصفحات السابقة والكتاب كما يظهر لم يتم ولقد ذكر المؤلف أن الجزء الخامس يتحدث عن الحج وهذا الجزء لم يطبع بعد ولست أدري إن كان لدى صديقنا الشيخ أحمد مجاهد الذى طبع الأجزاء الأربعة على نفقته جزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء، لست أدري إن كان هذا الجزء الخامس وربما غيره مما يكمل به الكتاب موجود لدى صديقنا الشيخ أحمد مجاهد وهو يعتزم إصدار هذه البقية إكمالا للمكرمة العظيمة التي قام بها أم إن هذه الكتب لا تزال ضمن مخطوطات الشيخ طاهر ﵀، وعلى أى حال فإن نشر ما بقي من كتاب التاريخ القويم فيه من الفائدة ما يكمل العمل الطيب الذى بدأ به الرجل والذى يعتبر مع كتابته للمصحف الكريم من أجل الأعمال التي أداها والتى تسلكه في عداد الأعلام من الرجال.
وقد توفى الشيخ طاهر الكردي في ليلة الاثنين بتاريخ ٢٣ ربيع الثاني من عام
стр. 670
١٤٠٠ هـ بمستشفى بخش بجدة، ونقل في اليوم التالى إلى مكة المكرمة، ﵀ وأحسن جزاءه لقاء ما بذل من الجهد في كتابة كتابه الكريم والعناية بتاريخ البلد الأمين وبيت الله الحرام أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا.