النقص الهام في الكتاب
ولكن الكتاب يخلو من الحوادث السياسية خلوا تاما، يخلو من ذكر الخلفاء الذين حكموا البلد الأمين والعهود السياسية المختلفة التي مرت عليه والحروب التي نشبت فيه وهو بهذا يفقد الصفة التاريخية التي يقوم عليها اسم الكتاب أو على الأقل يفقد جزءا هاما من هذه الصفة لخلوه من الحوادث السياسية التي تتعلق بمكة المكرمة موضوع الكتاب.
عذر ساذج
ولقد أدرك المؤلف خلو كتابه من هذه الحوادث فاعتذر عن ذلك اعتذارا ساذجا إذا صح هذا التعبير فلقد جاء في الجزء الأول من كتابه في خطبة الكتاب بالحرف الواحد: -
(والسبب الذى من أجله تركت ذكر حوادث الحروب بمكة هو أن ذلك يعرضنى إلى ذكر مساوئ من سبقنى بالإيمان من أموات المسلمين وهم قد قدموا إلى ما عملوا، وقد قال ﷺ اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم، وأيضا لابد إذا ذكرت ما وقع بين فلان وفلان أقع في غيبتهم والغيبة حرام للأحياء والأموات، قال الله تعالى ولا يغتب بعضكم بعضا، ثم إن ذكر الحروب من اختصاص المؤرخين السياسيين وأنا لا أعرف في السياسة شيئا منذ الصغر فالحمد الذى عافانى منها لاشتغل بما هو أنفع وأصلح لمثلي، ففي الصحيحين، كل ميسر لما خلق له وللتين قوم وللجميز أقوام فالسياسة مطلوبة بل واجبة لكن على طبقة خاصة هي طبقة الملوك والوزراء والأمراء الذين بيدهم الحل والعقد انتهى مكتبه المؤلف بنصه (١).
стр. 667
وردنا على ذلك هو أن ذكر الحوادث والحروب التي وقعت بمكة المكرمة لا تقتضى من المؤلف أن ينال القائمين بها بالغيبة والتعريض، والمؤرخ أمام الحوادث التي ينقلها ويسجلها إزاء طريقين أن يذكر الحوادث منسوبة إلى مصادرها ويكتفى بذلك، أو يذكر الحوادث ويعلق عليها أو ينقل تعليقات من سبقه من المؤرخين عليها فإذا كان في هذه الحوادث ما يسبب الحرج للمؤلف كأن يكون اختلاف الرأى فيها وفى أسبابها كبيرا، ولم يفتح الله عليه بشيء يجعله يرجح الرأى الصائب أو الأكثر صوابا ففى وسعه الاكتفاء بذكر الحوادث والإمساك عن التعليق عليها، تاركا للقارئ اتخاذ الحكم الذى تهديه إليه قراءته للحوادث وأسبابها، وإن كان المؤلف ممن أوتي الشجاعة لإبداء الراي الصائب فله أن يسجله ويتحمل تبعاته.
أما تجنب ذكر الحوادث تفاديا لهذا الحرج أو للسبب الذى ذكره مؤلف كتاب التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم فهو كما ذكرت من الأسباب التي تخرج الكتاب عن الصفة التي أراد المؤلف أن تكون لكتابه.
إن الحوادث السياسية والحروب هي مادة التاريخ إذا صح هذا التعبير، فالحروب هي التي غيرت وتغير وجه العالم وكلما كانت الحروب كبيرة وواسعة كلما كان التغيير أشمل وأعم.
ترى لو لم تخرج الجيوش الإسلامية من الجزيرة العربية في صدر الإسلام فتديل من عرش الأكاسرة في فارس والعراق، وتديل دولة الروم في الشام وفى مصر ماذا كان حال هذه البلاد، وهل أصبحت العراق والشام ومصر والأردن وفلسطين ولبنان بلادا عربية إسلامية؟.
ولا نريد الإكثار من سرد الأمثلة ولكني اكتفى بأن أقول أن الحرب العالمية الأولى جلبت الاستعمار للبلاد العربية كلها والحرب العالمية الثانية أخرجت الاستعمار من البلاد العربية كلها، ومن كثير من البلدان في آسيا وافريقيا، فالحروب ليست شرا مطلقا وإنما قد ينتج منها الخير الكثير.
стр. 668
والحروب إذا كانت دفاعا عن عقيدة أو وطن فهي حروب مقدسة مفروضة على الناس، والقتل إذا كان دفاعا عن عرض أو مال فهو قتال شريف كريم ولا غبار عليه، نستطيع أن نقول أن كتاب الشيخ طاهر الكردى يمكن أن يكون اسمه الصحيح بعد أن خلا من أهم عناصر التاريخ وهي الحوادث السياسية والحروب يمكن أن يكون اسمه، التاريخ القويم لآثار مكة والبيت الكريم، ولو أن المؤلف سماه كذلك لما كان هناك مجال للاعتراض عليه بحال من الأحوال.
وبعد فإن الكتاب كما ذكرت يحتل مكانة قيمة بين الكتب التي تؤرخ للبلد الكريم وللبيت الحرام وهو مرجع هام لهذه الآثار المقدسة وتطوراتها التاريخية وهو يمتاز بالإحاطة والشمول والدقة المبينة على المشاهدة والبحث وهو جهد مشكور للمؤلف رحمه الله تعالى يسلكه في عداد المؤرخين لآثار مكة المكرمة والبيت الحرام فجزاه الله عن ذلك خير الجزاء.
مؤلفاته الأخرى
إن الشيخ طاهر كردى رجل متعدد الجوانب وقد تحدثنا عن أهم جوانبه في هذه الصفحات ولقد اطلعت على كتاب مطبوع له اسمه أدبيات الشاى والقهوة والدخان وعجبت كيف يتفرغ الرجل للتأليف في هذه الأمور فالكتاب يذكر تاريخ الشاي والقهوة وما قيل فيهما من الشعر وكيف يصنع الشاي وأدواته وما إلى ذلك، ولا شك أن جمع هذه الطرائف فيه كثير من الجهد ولكن الشيخ طاهر الكردى هو الشيخ طاهر الكردى الذى استطاع أن يعبر عن جانب آخر من جوانب شخصيته الاجتماعية التي ذكرتها في صدر هذه الصفحات.
وهناك ناحية أخرى في الرجل هي الناحية الشعرية فكتابة التاريخ القويم يتضمن أرجوزة نظمها في تاريخ بناء الكعبة المعظمة وأراجيز أخرى في مواضيع تتعلق بكتابه هذا، وإذا كان لابد من التعليق عليها فأقول أن هذه الأراجيز تشبه أَراجيز المتون التي كنا نحفظها كأرجوزة ابن مالك في النحو والخريدة في التوحيد،
стр. 669
والتى كانت تفرض علينا في المدارس وهي كلام منظوم لا يمت إلى الشعربادنى صلة والشيخ طاهر ﵀ إنما يعبر عن ناحية أخرى من نواحى شخصيته المتعددة الجوانب كما سبق أن ذكرنا، فلنأخذه كما أراد الله له أن يكون، هناك الكتب الدينية التي ألفها الشيخ طاهر الكردى وأهمها كما ذكرت هو كتاب التفسير المكي في أربعة أجزاء وهذا الكتاب لا يزال مخطوطا ولم يتح لى الاطلاع عليه ولهذا لا أستطيع الحديث عنه، وحبذا لو عنيت بالبحث عنه وعن مؤلفات الشيخ طاهر الأخرى إحدى الجهات المعنية في بلادنا بنشر الكتب كالنوادي الأدبية وغيرها وعهدت إلى المختصين بالموضوعات التي تعالجها هذه المؤلفات بدراستها ونشر ما يستحق النشر منها إفادة للناس وإحياء الذكرى الرجل الذى قضى حياته منكبا على التأليف.
بقية التاريخ القويم
لقد ذكرت أنني اطلعت على أربعة أجزاء من كتابه القيم الجامع، التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم والذى تحدثت عنه، بما فيه الكفاية في الصفحات السابقة والكتاب كما يظهر لم يتم ولقد ذكر المؤلف أن الجزء الخامس يتحدث عن الحج وهذا الجزء لم يطبع بعد ولست أدري إن كان لدى صديقنا الشيخ أحمد مجاهد الذى طبع الأجزاء الأربعة على نفقته جزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء، لست أدري إن كان هذا الجزء الخامس وربما غيره مما يكمل به الكتاب موجود لدى صديقنا الشيخ أحمد مجاهد وهو يعتزم إصدار هذه البقية إكمالا للمكرمة العظيمة التي قام بها أم إن هذه الكتب لا تزال ضمن مخطوطات الشيخ طاهر ﵀، وعلى أى حال فإن نشر ما بقي من كتاب التاريخ القويم فيه من الفائدة ما يكمل العمل الطيب الذى بدأ به الرجل والذى يعتبر مع كتابته للمصحف الكريم من أجل الأعمال التي أداها والتى تسلكه في عداد الأعلام من الرجال.
وقد توفى الشيخ طاهر الكردي في ليلة الاثنين بتاريخ ٢٣ ربيع الثاني من عام
стр. 670
١٤٠٠ هـ بمستشفى بخش بجدة، ونقل في اليوم التالى إلى مكة المكرمة، ﵀ وأحسن جزاءه لقاء ما بذل من الجهد في كتابة كتابه الكريم والعناية بتاريخ البلد الأمين وبيت الله الحرام أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا.
стр. 671
مصادر الكتاب
موسوعة تاريخ مدينة جدة
للأستاذ عبد القدوس الأنصاري
مجلة الأحكام الشرعية
للشيخ أحمد القاري، بتحقيق الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان والدكتور محمد إبراهيم أحمد علي.
أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة للمؤلف.
نفثات من أقلام الشباب الحجازى.
للأساتذة هاشم الزواوى. وعبد السلام الساسي، وعلي حسين فدعق.
في ظلال الصراحة.
للأستاذ عبد السلام الساسي
نظرات في الأدب المقارن
للأستاذ عبد السلام الساسي
الشعراء الثلاثة.
للأستاذ عبد السلام الساسي
شعراء الحجاز في العصر الحديث
للأستاذ عبد السلام الساسي
الموسوعة الأدبية (ثلاثة أجزاء).
جمع عبد السلام الساسي.
стр. 672
نفحات الإسلام من البلد الحرام
للسيد علوى عباسى المالكي.
فتح القريب المجيب على تهذيب الترغيب والترهيب
للسيد علوى عباس المالكي.
إبانة الأحكام.
للسيد علوى المالكي والسيد حسن سليمان النورى
ملامح الحياة الاجتماعية في الحجاز.
في القرن الرابع عشر للهجرة
للمؤلف.
رسائل إلى ابنتى شيرين.
لحمزة شحاتة.
رفات عقل
للأستاذ حمزة شحاتة، إعداد الأستاذ عبد الحميد مشخص.
المجموعة الشعرية المخطوطة.
للأستاذ حمزة شحاتة.
تاريخ عمارة المسجد الحرام.
للشيخ حسن عبد الله باسلامة.
تاريخ الكعبة المعظمة.
للشيخ حسين عبد الله باسلامة.
المسجد الحرام (ثلاثة مجلدات).
أصدرتها وزارة المالية والاقتصاد الوطني تحتوى على التقرير الشامل لمشروع التوسعة السعودية للمسجد الحرام.
الباب الجديد للكعبة المشرفة.
الكتيب المصور الذى الذى أصدرته وزارة الحج والأوقاف للباب الذهبي الجديد
стр. 673
الذى وضع للكعبة المشرفة.
مجلة المنهل.
إعداد متفرقة من المجلة الشهرية التي يصدرها الأستاذ عبد القدوس الأنصاري.
إظهار الحق (مجلدين) للشيخ ﵀ بن خليل العثماني الكيلانى.
أكبر مجاهد في التاريخ.
للشيخ محمد سليم بن محمد سعيد.
تطور الصحافة في المملكة العربية السعودية.
للأستاذ عثمان حافظ.
آثار المدينة المنورة.
لعبد القدوس الأنصاري
وفاء الوفاء
للسمهودى
المماليك للدكتور السيد الباز العريفي
تاريخ الخلفاء أمراء المؤمنين.
للسيوطى
قيام دولة المماليك الأولى في مصر والشام
للدكتور أحمد مختار العبادى.
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
محمد طاهر الكردى
أدبيات الشاى والقهوى والدخان.
محمد طاهر الكردى
تاريخ الخط العربي وآدابه
محمد طاهر الكردى
стр. 674
محمد علي مغربي
أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة وبعض القرون الماضية
١٣٠١ - ١٤٠٠ هـ
١٨٨٣ - ١٩٨٠ م
الجزء الثالث
стр. 675
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤١٠ = ١٩٩٠ م
مطبعة المدنى المؤسسة السعودية بمصر
٦٨ شارع العباسية - القاهرة. ت: ٨٢٧٨٥١
стр. 676
أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة وبعض القرون الماضية
стр. 677
بسم الله الرحمن الرحيم
стр. 678
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين والنبيين، الهادي إلى صراط مستقيم وبعد .. فهذا هو الجزء الثالث من أعلام الحجاز، تحرَّيت فيه إلى جانب الحديث عن بعض أعلام هذا العصر الذي نعيش فيه، الحديث عن بعض أعلام العصور الماضية، دراسةً لآثار أصحابها، ولقد كانت هذه الآثار حفيلة بالكثير الذي لا نعرف عنه إلا القليل، أكثرها مخطوط استخرجته من المخطوطات في مكتبات مكة المكرمة والمدينة المنورة، وأوضحت عنه ما يجب إيضاحه .. فالقارئ لترجمة السيد جعفر البيتي شاعر الحجاز في القرن الثاني عشر الهجري يخرج من هذه الترجمة بتصوُّر وافٍ للحياة في المدينة المنورة، وفي مدينة ينبع التي عاش فيها البيتي يضع سنين، ولقد كان البيتي سجلًّا صادقًا لأحداث العصر الذي عاش فيه، وقد وجدنا في شعره ما لم نجده في كتب مؤرخي هذا العصر من أحداث سياسية واجتماعية، أبدع البيتي في تسجيل وقائعها في قصائد من الشعر هي أشبه بالملاحم، ورأيت إكمالا للصورة التي سجلها البيتي لأحداث عصره في المدينة المنورة وينبع أن أسجل أحداث هذا العصر في مكة المكرمة وجدة ليخرج القارئ بتصوُّرٍ كامل عن الحياة السياسية في القرن الثاني عشر الذي ولد فيه البيتي وفيه مات.
وكما حفلت ترجمة البيتي بأحداث القرن الثاني عشر فإن ترجمة أحمد محمد الحضراوي وهو مؤرخ مكثر ولد في منتصف القرن الثالث عشر وتوفي في الثلث الأول من القرن الرابع عشر، هذه الترجمة
стр. 679
استعرضت بعض مؤلفات الحضراوي وهي كثير، ولكني أخذت منها ما يُمثِّل الحياة السياسية والاجتماعية في الفترة التي عاشها الحضراوي في مكة المكرمة فنقلت ما سجَّلَه عن الولاة العثمانيين في الحجاز خلال النصف الثاني من القرن الثالث عشر، وما كان لهم من آثار في حياة مكة السياسية والاجتماعية، وأضفت إلى ذلك تلخيص كتابين للحضراوي أحدهما: عن مدينة جدة، والثاني: عن مدينة الطائف، وكلا الكتابين يتحدث عن نشأة هاتين المدينتين وما وقع فيهما من أحداث وخاصة في منتصف القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الهجري، وبعض هذا الذى ذكره الحضراوي في كتابيه جديد على المثقفين فضلا عن جمهرة القراء، ذلك أن هذه الكتب المخطوطة ودراستها هي من عمل المتخصصين في هذه الدراسات.
هذا ما رأيت أن أذكره عن المخطوطات، ولا يفوتني أن أذكر ما استخلصته من كتاب الأستاذ أحمد السباعي عن تاريخ مكة، من الأوليات التي حدثت في مكة المكرمة، والأسماء القديمة لحارات مكة، ومعالمها والحوادث الطريفة والغريبة التي وقعت فيها، مما آمل أن يجد فيه القارئ بعض المتعة والفائدة، أما الأحداث السياسية في كتاب السباعي فلم أذكرها لأن الكتاب مطبوع ومتداول، وأود للقارئ أن يقرأه ليطَّلع على تاريخ مكة وأحداثها بقلم السباعي لا بقلمى.
ولقد كان من رأى بعض الأصدقاء أن أُفرغ جزءًا خاصًّا من أعلام الحجاز للحديث عن القرن الماضى أو بعض القرون الماضية ولكني وأقولها مخلصًا: إننى في تنقيبي عن تاريخ الحجاز وأعلامه كالباحث في الحفريات، إذا ظفر بشئ من آثار القرون الماضية أظهرها للناس، وتاريخ
стр. 680
الحجاز في القرون المتأخرة مفقود أو في حكم المفقود، فإذا عثرنا على بعض هذا المفقود فمن الأولى أن نخرجه للناس، وبعض العلم خير من الجهل، ثم إنني بإظهار ما أتوصل إليه وطبعه في كتاب أكون قد عملت على حفظه وتسجيله، ليكون نواة لمن يأتي بعدي يضم إليه ما يتوصل إليه، أما بقاؤه في خزانتي رجاء استكماله فقد يكون في ذلك ما يعرضه للفقد والنسيان، لهذا فقد أضفت إلى اسم هذا الجزء من أعلام الحجاز ما يدل على محتوياته فسميته: "أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر الهجري وبعض القرون الماضية" وأود أن أذكر أن هذه التسمية ليست حرفية، وإنما هي من باب إطلاق اسم البعض على الكل، فأنا لم أتحدث عن كل أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر وإنما تحدثت عن بعضهم، ولعلى تحدثت عن القليلين الذين عرفتهم، أو تيسر لي الاطلاع على أخبارهم، كما أني لم أتحدث إلا عن البيتي من أعلام القرن الثاني عشر، وبعض الرجال الخضرمين الذين عاصروا النصف الثاني من القرن الثالث عشر، وتوفوا في القرن الرابع عشر مثل: الحضراوى، والشيخ عبد الرحمن سراج مفتى الأحناف بمكة المكرمة، فالتسمية ليست حرفية كما ذكرت، وأرجو أن يهبني الله تعالى من القوة ما يمكنني من مواصلة الحديث عن أعلام الحجاز في هذا القرن.، وفي القرون الماضية، وأن يُسَدِّدَ خُطَاي وينير طريقى في استخراج هذا التاريخ كله أو بعضه، وإظهاره للناس.
وقبل أن أختم حديثي في هذه المقدمة أودُّ أن أكرر ما ذكرته في الجزء الأول من أعلام الحجاز، أن هؤلاء الأعلام الذين تحدثت وأتحدث
стр. 681
عنهم هم بشر من البشر، لم يسلموا من الشوائب أو النقص، وإننى تعمدت أن أذكر الحسنات، وأغضي عن السيأت، عملا بالحديث الشريف: "اذكروا محاسن موتاكم"، والكمال صفة من صفات الله تعالى وليست من صفات البشر إلا لمن اصطفاه الله تعالى من رسله وأنبيائه، والله أسأل أن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم مبرأة من الغرض والمرض والحمد لله رب العالمين ..
٢٩ من ذى القعدة ١٤٠٩ هـ
محمد علي مغربي
стр. 682
أعلامُ الحجَاز في القرن الرابع عشر للهجرة وبعض القرون الماضية
стр. 683
الأستاذ أحمد السباعي
стр. 684
أحمد السبَاعِي
وصفه:
طويل القامة، أسمر اللون، متوسط البنية، عظيم الأنف والشفتين، في وجهه آثار جدري أصابه صغيرًا، له لحية صغيرة خفيفة، يرتدي العباءة العربية والعقال، وكان في شبابه يرتدي الكوفية الحجازية والشال يلفه على الرأس.
تاريخ مولده ووفاته:
ولد في شهر ذي الحجة سنة ١٣٢٣ هـ بمكة المكرمة، وتوفي بها في ١٦ ذي الحجة سنة ١٤٠٤ هـ ودفن بمقبرة المعلاة عن عمر بلغ الإِحدى وثمانين عامًا.
دراسته ووظائفه:
تلقى السباعى تعليمه في مكة المكرمة، فدخل الكتّاب لبعض الوقت ثم انتقل إلى المدرسة، وتخرج منها ليعمل بالتدريس في مدارس مكة المكرمة، وحينما تأسست الشركة العربية للطبع والنشر في الخمسينات من القرن الماضى اختاره الشيخ محمد سرور الصبان مديرًا للشركة المذكورة، وكانت تقوم بطبع الكتب المدرسية، وكان السباعي من المعنيين بهذا الأمر، وكان من أول مؤلفاته سلم القراءة العربية وهي سلسلة صدرت في ستة أجزاء وكان إلى جانب هذه الحياة الفكرية يعمل في مهنة الطوافة للحجاج المصرين.
стр. 685
اتصاله بالصحافة:
حينما صدرت جريدة صوت الحجاز في مكة الكرمة في صفر سنة ١٣٥٠ هـ أُسندت رئاسة تحريرها إلى نخبة من الشبان هم الأساتذة: عبد الوهاب آشى، ومحمد حسن عواد - رحمهما الله -، والأستاذ محمد حسن فقى - مد الله في حياته -.
وفي جريدة صوت الحجاز نشر السباعى مقالاته الأولى مثل أدباء جيله، ولما كان مهتما بالتعليم فقد أسند إليه الأستاذ محمد سعيد العامودي الأديب الكبير كتابة الموضوعات الخاصة بالتعليم، وكان معجبًا بآرائه فالتحق محررًا بصحيفة صوت الحجاز (١)، وكان الأستاذ حمزة شحاتة الأديب الشهير معجبًا بما يكتبه السباعى في جريدة صوت الحجاز، وكانت كتابته تتسم بالبساطة والوضوح فقال عنه شحاتة: إنه كاتب المستقبل. وبعدما انتقلت ملكية جريدة صوت الحجاز إلى الشركة العربية للطبع والنشر التي أسسها معالي المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان اختار معاليه أحمد السباعى مديرًا للشركة، كما اختار الأستاذ أحمد قنديل - يرحمه الله - لرئاسة تحرير صوت الحجاز.
وفي الخمسينات من القرن الماضي نشر الأستاذ أحمد قنديل في صوت الحجاز قصيدة بتوقيع مستعار، وفسَّرها البعض تفسيرًا سيئًا، فأقصي عن رئاسة تحرير الجريدة فتولى أحمد السباعي رئاستها بصورة مؤقتة
стр. 686
مع احتفاظه بعمله في إدارة الطبع والنشر، ولكن السباعي لم يستمر في رئاسة التحرير لملاحظات لوحظت على سكرتير التحرير الأستاذ حسين خزندار، فأُسندت رئاسة تحرير صوت الحجاز إلى الأستاذ فؤاد شاكر رئيس تحرير أم القرى فسمى نفسه عميد الصحافة.
معرفتي بالسباعي:
وفي منتصف الخمسينات من القرن الماضى انتقلت للعمل بمكة المكرمة سكرتيرًا خاصًّا لمعالي المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان، وكان من ضمن مهام عملي الإِشراف على حسابات الشركة العربية للطبع والنشر التي أسسها معاليه، والتى يتولى إدارتها الأستاذ السباعي .. كنت أتردد على إدارة جريدة صوت الحجاز يوميا تقريبا لزيارة صديقى الأستاذ أحمد قنديل - يرحمه الله -، وفي إدارة صوت الحجاز عرفت السباعي فرأيت فيه رجلا كثير الحيوية تغلب الفصحى على كلامه، بينما تنم حركاته عن طبع مكي صميم يسلكه في عداد أبناء البلد الذين طبعتهم مهنة التدريس بطابعها فكان طرازًا خاصًّا من الناس يجمع بين خصائص طبع ابن البلد، وعقلية المدرس المواكب للجديد في الحياة.
وبحكم إشرافي على حسابات الشركة التي كان يديرها السباعي ﵀ وقع بيني وبينه ما يقع عادة بين الأحياء، فكان ينقم على الآراء والملاحظات التي أُقدمها لرئيس الشركة عن الشركة وأعمالها.
مضت الأيام وسار كل منا في طريق، وانتقلت إلى جدة وأسست عملي التجاري بها وأصدر هو كتابه العظيم "تاريخ مكة"، كنت يوما في مجلس صاحب السمو الملكى الأمير عبد الله بن عبد الرحمن بالرياض
стр. 687
وجاء ذكر كتاب السباعي "تاريخ مكة" .. وكان في المجلس رجلان أحدهما: من أوائل الوزراء السعوديين، والثاني: من كبار موظفي الدولة وكان يومها يشغل منصبا كبيرًا في الرياض، وتوجه سمو الأمير عبد الله بن عبد الرحمن إلى الرجلين يسألهما عن كتاب "تاريخ مكة" ولكنَّ أحدا منهما لم يستطع الحديث في الأمر لأنهما لم يكونا قد عرفا أو سمعا بالسباعي ولا بكتابه العتيد.
والتفت سموه إلىَّ وكنت في ناحية قصية في المجلس وقال مُستغربًا، أليس هذا تاريخ بلادكم ألم تقرأوه؟ قلت لسموه: إن "تاريخ مكة" كتاب عظيم لولا أنه مختصر ثم أضفت:
كنت أتمنى لو أن المؤلف أطال نَفَسَ القول ليكون كتابه أشفى للغلة، قال سموه: ولكن ما هو هذا السباعي؟ وكان يشير إلى تعليقاته على الأحداث والرجال التي وردت في الكتاب.
قلت: إن كُتَّابَ التاريخ ينقسمون إلى قسمين: قسم: يورد الحوادث ويترك للقارئ أن يستخلص منها ما يشاء، والقسم الآخر: يورد الحوادث ثم يورد رأيه فيها، والسباعي من هذا القسم الأخير.
وعدت إلى فندق اليمامة بالرياض فوجدت السباعي ﵀ في غرفة المائدة ويبدو أن شخصًا ما نقل إليه ما دار في مجلس سمو الأمير عبد الله بن عبد الرحمن فأقبل عليّ محيِّيًا فقلت له: إني وصفت "تاريخ مكة" بأنه مختصر فقال ﵀ مختصر .. إنه فهرست .. وكانت هذه الحادثة سببا في إصلاح ما فسد بيني وبينه قبل ربع قرن كما كانت هذه آخر مرة ألقاه فيها ﵀.
стр. 688
مؤلفات السباعي:
أصدر السباعي كتابه: "تاريخ مكة" في جزءين وهو أهم مؤلفاته وسنفرد عنه حديثًا خاصًّا بعد، أما مؤلفاته الأخرى فهي:
خالتي كدرجان.
دعونا نمشي.
صحيفة السوابق.
فكرة.
المرشد إلى الحج والزيارة.
أبو زامل وهو قصة الجيل الماضي.
الأمثال الشعبية في مدن الحجاز (وقد طبع عدة مرات).
سلم القراءة العربية (في ستة أجزاء).
أوراق مطوية.
قال وقلت.
سِبَاعيات (في جزءين).
مطوّفون وحجاج.
أيامي.
فلسفة.
يوميات مجنون (٢).
هذا عدا المقالات الكثيرة التي نشرت له بالصحف.
стр. 689
إصدار الصحف:
وأصدر السباعى جريدة الندوة التي أُدمجت مع جريدة حراء بعد ذلك، حيث صدر قرار بإدماج الصحف، واحتفظت الندوة باسمها، ثم تخلَّى السباعي عن حصته في الندوة للأستاذ صالح محمد جمال، وأصدر بعد ذلك مجلة قريش، واستمر في إصدارها إلى أن صدر نظام المؤسسات الصحفية فتوقفت عن الصدور.
كتاب "تاريخ مكة ":
أصدر السباعي كتابه "تاريخ مكة"، أصدر الجزء الأول منه سنة ١٣٧٢ هـ، وأصدر الجزء الثاني منه سنة ١٣٧٨ هـ، وأُعيد طبعه مرات عديدة، وكان ضمن الدفعة الأولى من الأدباء السعوديين الذين حصلوا على جائزة الدولة التقديرية للآداب ولست أشك أن كتاب "تاريخ مكة" هو الذي رشَّحه للجائزة فحصل عليها بجدارة واستحقاق. نستطيع أن نصف كتاب "تاريخ مكة" بأنه كتاب عظيم استعرض فيه المؤلف تاريخ مكة منذ نشأتها الأولى من عهد إسماعيل ﵇ وحتى نهاية الدولة الهاشمية واستهلال الدولة السعودية الثانية عام ١٣٤٤ هـ، وقد تقلب على مكة خلال هذه القرون دول ورجال ووقع فيها حروب وقتال، ولم تكن مصادر المؤلف سهلة ميسورة بل كان الكثير منها مفرَّقًا في مخطوطات مطمورة في المكتبات، وقد وصف السباعى ما عاناه في جمع ما تفرق من هذا التاريخ وضم أشتاته في المقدمة الأولى لكتابه حيث قال:
قد نجد في خزائن التراث الإِسلامى مطولات لا علاقة لها بمكة،
стр. 690
ولكن آفاقها الواسعة وفنونها المتنوعة تسوقها أحيانًا إلى الاستطراد في شيء هام له علاقة بمكة، فإذا استطاع المطلع أن يقتنص الاستطرادات من هذا النوع فإنه سيستنتج مادة لها قيمتها في الكتابة عن تاريخ مكة، ولا يتيسر هذا إلا لمتفرغ يقضي سني حياته في القراءة واقتناص ما يصادفه فيها (٣).
ومع ذلك فقد استطاع السباعي أن يجمع أشتات هذا التاريخ في كتاب يقرأه القارئ في أبواب يستعرض فيها الدول التي حكمت مكة وارتبطت مكة بها سياسيًّا، ولقد استعان المؤلف بمن سبقه من المؤرخين، وإن كان المطبوع من مؤلفات هؤلاء المؤرخين يصل إلى حدود وأزمان معينة، فلجأ إلى المخطوطات وبعضها عظيم القيمة، وأكثرها لا يستحق ما ينفق في قراءته من وقت، أو يبذل في سبيله من عناء، وقد قضى السنوات الطوال وهو يقرأ ويدوِّن كلما يصادفه في مذكراته فاجتمع له كما يقول مع السنين مدونات لا حصر لها من جميع الألوان غثها وسمينها (٤)، ثم عكف بعد ذلك على اختيار المادة الصالحة من هذه المدونات وترتيبها حسب العصور وعلق عليها بما أملته عليه الحوادث والأيام، فاستوى له في النهاية كتابه العظيم.
إنه جهد تنوء به العصبة أُولو القوة ولكن السباعي قام به وحيدًا فردًا .. إننى أُقدر قيمة الكتاب الذى أقرأه بما يضيف إلى معلوماتي من الجديد والمفيد، ولقد كان كتاب "تاريخ مكة" بالنسبة لي وأكاد أجزم
стр. 691
أنه بالنسبة لكل من يقرأه عظيم الفائدة، زاخرًا بالمعلومات.
ولعلى وأنا من المهتمين بتاريخ الحجاز عامة ومدنه خاصة، ومكة أهم مدنه بل أهم مدن العالم لعلي وأنا بهذه الصفة أكثر تقديرًا لما بذله السباعى من جهد، وما أنفقه من عمر في جمع مادة هذا التاريخ وتبويبها ثم إخراجها إلى الناس.
وهذا الكتاب فيما أعلم هو أول كتاب يؤرخ لمكة منذ عهد إسماعيل ﵇ وحتى هذا العهد الذي نعيش فيه، وهو أول مؤرخ يكتب لنا هذا التاريخ بأسلوب العصر الذي نعيش فيه. أقول هذا وأنا أعرف مصادر الكتاب ومن أهمها كتاب "خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام" للسيد أحمد زيني دحلان وهو من الكتب المطبوعة والقريبة العهد نسبيًّا، وكتاب "إفادة الأنام بأخبار البلد الحرام" للشيخ عبد الله غازي وهو من الكتب الموسوعية المخطوطة وغيرهما.
إن التاريخ ينقل، ولو لم ننقل عمن سبقنا من المؤرخين لما استطعنا أن نكتب إلا ما شهدنا، ولكن التاريخ كما ينقل فإنه ينقد ويبحث ويغربل إذا صح هذا التعبير، فما أكثر الأكاذيب التي تصادفنا في كتب التاريخ وما أكثر الأغراض التي تملي هذه الأكاذيب والتي يدركها الناقد الخبير، وأستطيع أن أقول: إن كتاب السباعي من الكتب القليلة في تاريخ مكة التي حاول فيها المؤلف أن يلتزم جانب الحيدة، وأن يقدّم لنا الحوادث مع تعليقه عليها في أسلوب يجمع بين الإِيجاز والصدق.
وبعد هذا الإِطراء الذي يستحقه الكاتب والكتاب، لعل هناك من يسأل هل خلا كتاب "تاريخ مكة" من المؤاخذات؟ ونرد على السؤال بسؤال آخر هل هناك كتاب يخلو من المؤاخذات، إذا استثنينا
стр. 692
الكتب المقدسة؟ أن السباعي نفسه يعتبر أن كتابه هذا ما هو إلا المقدمة الوجيزة لتاريخ مكة، مهَّد بهذه المقدمة لمن سيأتي بعده فيوفِّي هذه المباحث حقها فيقول السباعى:
ولا شك أن ما يكتبه الكاتب بعدى سيمتاز بجودة الخطوة التالية وحسبي أني مهدت له السبيل، وأيقظت فيه فكرة البحث (٥).
وإني لأتمنى أن يحقق الله للسباعي أمنيته هذه فتخرج لنا الأيام كتبًا كثيرة لا في تاريخ مكة وإنما في تاريخ الحجاز كله.
كنت أتمنى لو أن السباعى خرج في تأليفه من التخصيص إلى التعميم فألف لنا تاريخ الحجاز وهو كتاب لم يولد بعد، وقد كتب عن مكة، وهي عاصمة الحجاز بل عاصمة الإسلام، رارتبطت بها مدن الحجاز الأخرى: جدة، والمدينة، والطائف، وينبع، وغيرها من المدن، ولكن مكية السباعى أبت عليه إلا أن يفرد مكة بكتابه فكان "تاريخ مكة".
هذه أمنيةٌ وليس في الأماني ما يضير.
والثانية: أن الكتاب مختصر، وقد وصفه السباعي بأنه فهرست فليس هذا بجديد على المؤلف ولكني أستطيع أن أقول: إنه مختصر مفيد، ها نحن نعود إلى الإطراء ونحن نتساءل عن المؤاخذات: إني أعترف بأن إعجابي بتاريخ مكة قد حوَّل المؤاخذات في عينيَّ إلى حسنات فلا يلومنَّ لائم إلا نفسه، وهذا هو الميدان فليخرج لنا كتابا مثله ونحن نغدق عليه ما أغدقنا من المديح والثناء.
стр. 693
هناك مسألة أخو هي مراجع السباعى التي أخذ منها والتى اعتمد عليها، والتاريخ بالذات كما ذكرنا ينقل وينقد ومن الواجب أن يشير المؤلف إلى المصدر الذي استقى منه الحادث إشارة واضحة تشمل الكتاب والجزء والصفحة؟ واسم المؤلف وتاريخ الطبعة، وهذا نقص ملموس في تاريخ مكة إذا رغب الناقد أن يخضعه للمقاييس الحديثة في التأليف، وقد أدرك السباعى ذلك فقال: إنه اعتمد على المدوّنات التي دوّنها خلال السنين وإنه لو أراد الرجوع إليها لاقتضاه هذا عمرًا جديدًا، ولهذا فقد اكتفى بسر مصادره في نهاية الكتاب. وقال: إنه اقتدى في ذلك بالدكتور طه حسين، وردّنا على السباعي: إن طه حسين ذكر في مقدمة ما ألَّف في هذا الباب إنه لا يكتب تاريخًا موثّقًا، وإنما هي آراء عنَّت له بعد قراءته للكتب التي ذكرها، وطه حسين حينما يقول هذا ينفى عن مؤلفاته هذه الصفة العلمية التي هو من أعرف الناس بها.
أراد طه حسين أن يعبّر عن آراء معيَّنة زيَّن له هواه أنها تمثل الجرأة وحرية الرأي، ولكنه يعرف أنها إذا ما أُخضعت لموازين النقد التاريخى تذوب كما يذوب الزبد في أعقاب الموج، فكتب ما كتب واكتفى بذكر مصادره دون تدقيق أو ترتيب.
ولم يذهب السباعي مذهب طه حسين، ولا سلك سبيله فالفرق بينهما هو الفرق بين من يكتب وهو يريد الوصول إلى غاية حدَّدها، وبين من يكتب وهو يريد أن يتحرَّى الحق والصدق فيبرزهما إلى الناس.
وبعد فإن هذا النقص في كتاب السباعي لا يُنقص في نظري من قيمته، ولا يغضُّ من مكانته، وإن تدارُك هذا الأمر ليس بالعسير
стр. 694
فالمصادر التي أشار إليها في طبعته الأخيرة من الكتاب تساعد على الوصول إلى الأصل الذي استقى منه، وقد رجعت إلى كثير من هذه المراجع فوجدتها حيث أشار إليها.
وبعد فقد أطلنا الحديث عن تاريخ مكة وآن لنا أن نقلب صفحاته لنقرأ فيها أو لنوجز الموجز ونختصر الفهرست فهيا بنا نقرأ في هذا السفر النفيس:
البناء في مكة:
كان البناء في عهد جُرهم وقطورا عبارة عن مضارب من الشعر بعيدًا عن البيت الحرام في سفوح الجبال وبين الأودية.
أول بيت في مكة:
وأول من بنى بيتًا بمكة سعيد بن عمرو السهمى وقد قيل في ذلك:
وأول من بنا بمكة بيته … وسوَّر فيها مسكنًا بأثافي (٦)
في عهد قريش:
وفي عهد حكومة قريش حلَّت البيوت المبنية بالحجر والطين محل بيوت الشعر، وظلت بعيدة عن البيت الحرام في أعلى مكة أو شواطئ السيل في أسفلها (٧) ولم يكونوا يربعون البيوت بحيث تقوم على سقوف مربعة
стр. 695
كما هو الحاصل في بناء البيوت اليوم وأول من بنى بيتًا مربَّعا: حميد بن زهير، فقال الناس:
ربَّع حميد بيتا … إما حياة وإما موتا (٨)
أبواب البيوت:
وكانوا لا يصنعون الأبواب لبيوتهم ويتركونها شارعة مفتوحة، ويجعلون أمامها العرصات لينزل فيها الحجاج والمعتمرون، وأول من بوَّب بيته في مكة: حاطب بن أبى بلتعة.
وحينما أخذوا يصنعون الأبواب للبيوت لم تكن الغرفة جميعها مبوّبة، وإنما يقتصرون على تبويب بعض الغرف ليضع فيها الحجاج أمتعتهم خشية عليها من السرقات (٩).
قصيّ أول من أباح البناء حول الكعبة:
لما ولي قصيّ بن كلاب أمْرَ مكة خط للكعبة ساحة توازي صحن المسجد - المطاف اليوم - وأباح للناس أن يبنوا بيوتهم حول مذار الكعبة من الجهات الأربع، وكانوا قبل قصيّ لا يبيحون لأنفسهم السكنى أو المبيت بجوار الكعبة .. وأمر قصيّ أن يجعلوا بين بيوتهم مسالك يصلون منها إلى ساحة الكعبة، وكان أهم الطرق التي حول الكعبة طريق شيبة وهو مكان باب بنى شيبة.
"باب بنى شيبة أُزيل لتوسعة المطاف في التوسعة السعودية الأولى للمسجد الحرام".
стр. 696
عمر بن عبد العزيز ينهى عن تأجير البيوت في مكة ومِنًى:
في خلافة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أمر واليه على مكة عبد العزيز بن عبد الله أن ينهى الناس عن كراء بيوت مكة، كما أمر بتسوية بيوت مِنًى، فجعل الناس يدسُّون إليهم الكراء سرًّا (١٠).
الإِضاءة في المسجد وبين الصفا والمروة:
أمر الخليفة عبد الملك بن مروان عامله على مكة خالد القصري بإضاءة ما بين الصفا والمروة، كما أمره باتخاذ مصباح كبير مقابل الركن الأسود، ثم أنشأ للمصباح عمودًا، وهو أول مصباح اتخذ في المسجد رسميًّا. فقد كان بعض جيران المسجد قبل ذلك يضع على بيته مصباحا لينتفع الناس بضوئه في المسجد.
ويذكر الأرزقي أن جده عقبة بن الأزرق كان يضع على طرف داره مصباحا يضئ لأهل الطواف، حتى كان خالد بن عبد الله القسري الذي منعه أن يضع المصباح، ووضع بدله مصباح زمزم فيما يقابل الركن الأسود (١١).
بناء ظفائر للبيوت الملاصقة للمسجد الحرام:
في خلافة عبد الملك بن مروان سنة ٨٠ هـ دهم المسجد سيل عظيم، اخترق جدار بعض الدور المحيطة بالمسجد، فأرسل الخليفة مالًا عظيمًا لواليه على مكة عبد الله بن سفيان، وأمره أن يبنى ظفائر للبيوت
стр. 697
الملاصقة للمسجد تحول دون اختراق السيل لها (١٢).
معاوية يرتب العبيد لحدمة المسجد الحرام:
كان معاوية أول من رتب العبيد للخدمة في المسجد الحرام، ويذكر المؤرخون أن العبيد في هذا العهد كانوا يرتبون صفوف المسجد ويقومون بحراسته (١٣).
البساتين حول مكة:
كانت مكة محاطة بالبساتين وكان من أشهرها - الليط - وهو أسفل مكة قريبًا من بركة ماجل في المسفلة كما يرى السباعي، بينما يقدر الأستاذ رشدي الصالح ملحس أنه "خلف القشلة العسكرية، وكان أهل مكة يتخذون من الليط منتزها لهم، وكان في الليط - أُقحوانة (١٤) - يجلس أهل مكة حولها في العشيّ يلبسون الثياب المحمرة والمورَّدة والمطيَّبة، وفي هذه الأقحوانة يقول الشاعر:
من ذا يسائل أين منزلنا … فالأقحوانة منا منزل قمن
إذ نلبس العيش صفوًا ما يكدِّره … طعن الوشاة ولا ينبو بنا الزمن
وشعب خُمْ، وهو يتصل بالمسفلة اليوم، وكان مزروعا فيه عدة بساتين تتصل بالليط ثم تتصل بجرول.
стр. 698
وكان أهل مكة يخرجون إلى حائط الحمام بجوار المعلاة، فقد كان لهم هناك نخيل وزروع، وكانت بساتين مكة تمتد إلى الخرمانية بقرب ما نسميه المعابدة، ثم تمضى إلى المحصب في الطريق المؤدي إلي مِنًى.
وكان لهم في المحصب دكة يجتمع المتنزهون فيها أصيل كل يوم وكانت تشرف على نخيل باسق وبساتين تحتضنها شعاب الوادي الممتدة إلى مِنًى .. وكانت لهم بساتين في وادي فخ ونسميه الشهداء - اليوم: - وأخرى بوادى طوى في امتداده من الحجون إلى ريع الكحل وبساتين غير هذه في ضواحى مكة العليا إلى مزدلفة. فعرفة (١٥).
سور مكة:
بنى القرشيون في أواخر عهدهم ما يشبه السور في أعلى المدَّعى وبوَّبوه، ولم يثبت أنهم بنوا مثله في ناحية أخرى منها (١٦).
أقول: أرجح أن مكة سورت من الناحية الأخرى في موضع حارة الباب، وكان للسور باب في ذلك الموضع سميت الحارة باسمه والله أعلم (١٧).
стр. 699
أُوليات في مكة
أول أمير لمكة:
أول أمير وُلِّي على مكة عتَّاب بن أُسيد ولاه النبي صلوات الله وسلامه عليه مكة عام الفتح وأوصاه بأهل مكة فقال: "أتدري على مَن ولَّيتك يا عتَّاب؟ على جيران بيت الله فاستوصي بهم خيرا" وفرض له كل يوم درهمًا (١٨).
أول أمير للحج في الإِسلام:
ولَّى النبي ﷺ أبا بكر في السنة التاسعة إمارة الحج، حيث تخلف صلوات الله وسلامه عليه في المدينة، فسار أبو بكر من المدينة ومعه جموع المسلمين من المهاجرين والأنصار ليقود الحج في ذلك العام فكان أول أمير للحج في الإِسلام (١٩).
أول قاض بمكة:
اختار الرسول صلوات الله وسلامه عليه معاذ بن جبل عام الفتح في السنة الثامنة للهجرة فولَّاه القضاء في مكة (٢٠).
أول والٍ تركي في مكة:
تولى ولاية مكة في خلافة المعتصم سنة ٢٢٦ هـ أشناس التركي،
стр. 700
وهو أول تركي تولى شأن مكة، ويقول المؤلف: إن ولايته كانت فخرية، وكان ينيب عنه من يقوم بأعبائها (٢١).
وكان المعتصم أول خليفة عربي اعتمد على الأتراك واقتناهم وبذل الأموال في شرائهم من سمرقند وفرغانة وألبسهم الديباج ومناطق الذهب وأسند إليهم مناصب الدولة وولَّاهم بعض النواحي، وآثرهم على الفرس والعرب وبلغ من حفاوة المعتصم بأشناس هذا أنه حينما أراد الحج فوَّض إليه ولاية كل بلد يدخلها حتى ينتهي إلى مكة ثم يعود منها، وبهذا دخلت مكة في ولاية أشناس ذلك العام، ودعي باسمه على منابرها ولكنه أقام على الحج محمدًا بن داود بن عيسى نائبًا عنه، وكانت أم المعتصم تركية (٢٢).
إدارة الصفوف حول الكعبة:
أول من أدار الصفوف حول الكعبة خالد بن عبد الله القسري والي مكة لعبد الملك بن مروان، وقد كان الناس يصلون القيام في رمضان خلف مقام إبراهيم على خطوات بعيدة منه، ويتركون المطاف، وخلفهم المقام لمن أراد الطواف، فلما تولى خالد بن عبد الله القسري، أمر أن يصلي الإِمام خلف المقام مباشرة، وأن تدور صفوف المصلين حول الكعبة من جميع جوانبها، فلما قيل له: إن ذلك يمنع الطائفين من طوافهم، أمر أن لا يطوف الطائفون إلا بعد ترويحتين، ولا يقوم المصلون
стр. 701
حتى تنتهي أشواط طوافهم، فظل الناس يتناوبون الصلاة مرة، والطواف مرة إلى مطلع الفجر، تحت إشراف عبيد الكعبة (٢٣).
أمسكوا رحمكم الله:
وأمر خالد القسري بتخصيص رجل يتحرى طلوع الفجر فوق أبى قبيس فإذا بان الفجر نادى بأعلى صوته: أمسكوا رحمكم الله (٢٤).
التفريق بين الرجال والنساء في الطواف:
وأمر خالد بالتفريق بين الرجال والنساء في الطواف وأجلس عند كل ركن حرسًا معهم السياط وذلك على أثر ما نقل إليه من قول بعض الشعراء:
يا حبذا الموسم من موفد … وحبذا الكعبة من مشهد
وحبذا اللاتي يزاحمننا … عند استلام الحجر الأسود
أمر خالد بالتفريق في المطاف بين الرجال والنساء وقال ردًّا على هذا الشاعر: ألا إنهن لا يزاحمنك بعد هذا (٢٥).
الثلج يُحمَل إلى الرشيد في مكة:
حج هارون الرشيد تسع حجج وفي عام ١٧٩ هـ سار من مكة إلى مِنًى فعرفات ماشيًا وأكمل حجه ماشيًا، وذكروا أن الرشيد أول
стр. 702
خليفة حُمِل إليه الثلج إلى مكة، وكان هذا الثلج الطبيعى يحمل من الأقاليم الباردة، فيرسل إلى الخلفاء في بغداد، ثم استطاعوا المحافظة عليه حتى أوصلوه إلى مكة للرشيد (٢٦).
الرشيد يبني أول مظلة للمؤذنين في المسجد الحرام:
وفي عهد الرشيد أنشأ أمير مكة مظلة للمبلِّغين - المؤذنين - فوق سطح المسجد، وكانوا قبل ذلك يؤذنون فوق السطح لا يظلهم شئ من الشمس أو المطر (٢٧).
الحجز بين النساء والرجال في المسجد:
قام عامل الخليفة المعتز بإضاءة المطاف، واتخذ للنساء مكانًا يُحجزن فيه خلف أعمدة ربط بينها بالحبال (٢٨).
الملك المسعود يبني القبة الحديدية على مقام إبراهيم:
وكان الملك المسعود ابن الملك الكامل الأيوبي بنى القبة الحديدية الموجودة على مقام إبراهيم - ولا تزال باقية إلى اليوم - وكانت قبته قبل ذلك غير ثابتة، فقد كانوا ينقلون حجر المقام إذا اشتد الزحام إلى داخل الكعبة أو أحد أركان المسجد (٢٩).
أقول: لقد أُزيلت القبة الحديدية، وكانت أشبه ما تكون بغرفة
стр. 703
صغيرة من الحديد المشغول تعلوها قبة صغيرة وكان حجر المقام في داخلها، فأُزيلت القبة بكاملها توسعة للمطاف، ووضع حجر المقام في مكانه الحالي في مواجهة الحِجْر - حِجْر إسماعيل - داخل إناء بلوري شفاف يعلوه هلال من الذهب الخالص وتم هذا في ١٨ رجب سنة ١٣٨٧ هـ (٣٠).
شجرة الدر أول من حج بالمحمل:
قدمت شجرة الدر - ملكة مصر - للحج على رأس قافلة الحجاج المصريين، وكان يقلها (محمل) على شكل هودج، اتخذ فيما بعد شعارًا لقافلة المصريين، ثم قلدهم فيه بعض الأمم من المسلمين (٣٠).
أقول: لم يذكر المؤلف السنة التي حجت فيها شجرة الدر، وقد تولت المُلك في مصر سنة ٦٤٨ هـ وقُتلت سنة ٦٥٦ هـ كما هو مفصل في المراجع التاريخية الكثيرة، وهذه المراجع لا تذكر إطلاقا حج شجرة الدر، فإذا كان هذا الحج قد وقع فعلا فيكون ذلك في منتصف القرن السابع الهجري بين سنة ٦٤٨ و ٦٥٦ للهجرة (٣١).
وجاء في الدرر الفرائد المنظمة:
أن طريق الحج القديم الذي كان يسلكه الحجاج من عيذاب إلى جدة والذي استمر نحو مائتي عام من بضع وخمسين وأربعمائة إلى بضع
стр. 704
وستين وستمائة انقطع في أيام الخليفة المنتصر بالله، إلى أن كسا الظاهر ركن الدين بيبرس البيرقداري الكعبة وعمل لها مفتاحًا ثم أخرج قافلة الحج في البر سنة بضع وستين وسمائة، أي بعد وفاة شجرة الدر ببضع سنين (٣٢).
ويقول صاحب مرآة الحرمين: إن أول محمل خرج من مصر سنة ٧٠٠ هـ (٣٣).
هذا ما رأينا إيضاحه عن أول محمل وصل إلى مكة المكرمة. وقد استمر المحمل المصري شعارا للحجاج المصريين إلى أن وقع القتال بسببه في مِنًى بين أمير الحج المصري والإِخوان من حجاج نجد، ثم أُبطلت هذه العادة، وكان المصريون يبعثون كسوة الكعبة مع المحمل، وبعض المال من الأوقاف الموقوفة على الحرمين الشريفين بصعيد مصر، وقد فصلنا ما يتعلق بذلك في أعلام الحجاز (٣٤).
نظام سير قافلة المحمل:
إذا وصل المحمل إلى عُجرة أو عُجر - بين القاهرة والسويس - يأمر أمير المحمل بكتابة أسماء أكابر الحجاج ويرتب سيرهم في مكان معين من القافلة، ويضع على طليعة القافلة، وعلى ساقتها العساكر، وتوضع الأموال في وسطها خشية من اللصوص (٣٥).
стр. 705
مدة الرحلة من مصر إلى مكة:
تستغرق رحلة قوافل الحجاج من مصر إلى المدينة المنورة نحو شهر ونصف، وما يقرب من أربعين يوما من الشام إلى المدينة المنورة (٣٦).
الحج بالمراكب الشراعية من السويس إلى جدة:
كانت قوافل الحجاج تقطع الطريق البري بين مصر والحجاز فلما كان عام ١٣٠١ هـ اتخذ الحج المصرى طريقه من السويس إلى جدة في المراكب الشراعية (٣٧).
محمل اليمن:
أرسل اليمنيون محملًا إلى مكة مع حُجّاجهم ووصل هذا المحمل في إمارة الشريف أبى نمي الثاني من سنة ٩٤٨ - ٩٩٢ هـ، وكان الذى أحدث هذا المحمل هو والي العثمانيين في اليمن مصطفى باشا النشار، وكان اليمنيون يرسلون مع المحمل هداياهم إلى مكة وأميرها (٣٨).
محمل الروم:
قلد العثمانيون أهل مصر والشام في إرسال المحامل فأرسلوا محملًا روميًّا خاصًّا بهم سنة ٩٢٣ هـ وهي السنة التي بسطو فيها نفوذهم على الحجاز (٣٩).