حتى تنتهي أشواط طوافهم، فظل الناس يتناوبون الصلاة مرة، والطواف مرة إلى مطلع الفجر، تحت إشراف عبيد الكعبة (٢٣).
أمسكوا رحمكم الله:
وأمر خالد القسري بتخصيص رجل يتحرى طلوع الفجر فوق أبى قبيس فإذا بان الفجر نادى بأعلى صوته: أمسكوا رحمكم الله (٢٤).
التفريق بين الرجال والنساء في الطواف:
وأمر خالد بالتفريق بين الرجال والنساء في الطواف وأجلس عند كل ركن حرسًا معهم السياط وذلك على أثر ما نقل إليه من قول بعض الشعراء:
يا حبذا الموسم من موفد … وحبذا الكعبة من مشهد
وحبذا اللاتي يزاحمننا … عند استلام الحجر الأسود
أمر خالد بالتفريق في المطاف بين الرجال والنساء وقال ردًّا على هذا الشاعر: ألا إنهن لا يزاحمنك بعد هذا (٢٥).
الثلج يُحمَل إلى الرشيد في مكة:
حج هارون الرشيد تسع حجج وفي عام ١٧٩ هـ سار من مكة إلى مِنًى فعرفات ماشيًا وأكمل حجه ماشيًا، وذكروا أن الرشيد أول
стр. 702
خليفة حُمِل إليه الثلج إلى مكة، وكان هذا الثلج الطبيعى يحمل من الأقاليم الباردة، فيرسل إلى الخلفاء في بغداد، ثم استطاعوا المحافظة عليه حتى أوصلوه إلى مكة للرشيد (٢٦).
الرشيد يبني أول مظلة للمؤذنين في المسجد الحرام:
وفي عهد الرشيد أنشأ أمير مكة مظلة للمبلِّغين - المؤذنين - فوق سطح المسجد، وكانوا قبل ذلك يؤذنون فوق السطح لا يظلهم شئ من الشمس أو المطر (٢٧).
الحجز بين النساء والرجال في المسجد:
قام عامل الخليفة المعتز بإضاءة المطاف، واتخذ للنساء مكانًا يُحجزن فيه خلف أعمدة ربط بينها بالحبال (٢٨).
الملك المسعود يبني القبة الحديدية على مقام إبراهيم:
وكان الملك المسعود ابن الملك الكامل الأيوبي بنى القبة الحديدية الموجودة على مقام إبراهيم - ولا تزال باقية إلى اليوم - وكانت قبته قبل ذلك غير ثابتة، فقد كانوا ينقلون حجر المقام إذا اشتد الزحام إلى داخل الكعبة أو أحد أركان المسجد (٢٩).
أقول: لقد أُزيلت القبة الحديدية، وكانت أشبه ما تكون بغرفة
стр. 703
صغيرة من الحديد المشغول تعلوها قبة صغيرة وكان حجر المقام في داخلها، فأُزيلت القبة بكاملها توسعة للمطاف، ووضع حجر المقام في مكانه الحالي في مواجهة الحِجْر - حِجْر إسماعيل - داخل إناء بلوري شفاف يعلوه هلال من الذهب الخالص وتم هذا في ١٨ رجب سنة ١٣٨٧ هـ (٣٠).
شجرة الدر أول من حج بالمحمل:
قدمت شجرة الدر - ملكة مصر - للحج على رأس قافلة الحجاج المصريين، وكان يقلها (محمل) على شكل هودج، اتخذ فيما بعد شعارًا لقافلة المصريين، ثم قلدهم فيه بعض الأمم من المسلمين (٣٠).
أقول: لم يذكر المؤلف السنة التي حجت فيها شجرة الدر، وقد تولت المُلك في مصر سنة ٦٤٨ هـ وقُتلت سنة ٦٥٦ هـ كما هو مفصل في المراجع التاريخية الكثيرة، وهذه المراجع لا تذكر إطلاقا حج شجرة الدر، فإذا كان هذا الحج قد وقع فعلا فيكون ذلك في منتصف القرن السابع الهجري بين سنة ٦٤٨ و ٦٥٦ للهجرة (٣١).
وجاء في الدرر الفرائد المنظمة:
أن طريق الحج القديم الذي كان يسلكه الحجاج من عيذاب إلى جدة والذي استمر نحو مائتي عام من بضع وخمسين وأربعمائة إلى بضع
стр. 704
وستين وستمائة انقطع في أيام الخليفة المنتصر بالله، إلى أن كسا الظاهر ركن الدين بيبرس البيرقداري الكعبة وعمل لها مفتاحًا ثم أخرج قافلة الحج في البر سنة بضع وستين وسمائة، أي بعد وفاة شجرة الدر ببضع سنين (٣٢).
ويقول صاحب مرآة الحرمين: إن أول محمل خرج من مصر سنة ٧٠٠ هـ (٣٣).
هذا ما رأينا إيضاحه عن أول محمل وصل إلى مكة المكرمة. وقد استمر المحمل المصري شعارا للحجاج المصريين إلى أن وقع القتال بسببه في مِنًى بين أمير الحج المصري والإِخوان من حجاج نجد، ثم أُبطلت هذه العادة، وكان المصريون يبعثون كسوة الكعبة مع المحمل، وبعض المال من الأوقاف الموقوفة على الحرمين الشريفين بصعيد مصر، وقد فصلنا ما يتعلق بذلك في أعلام الحجاز (٣٤).
نظام سير قافلة المحمل:
إذا وصل المحمل إلى عُجرة أو عُجر - بين القاهرة والسويس - يأمر أمير المحمل بكتابة أسماء أكابر الحجاج ويرتب سيرهم في مكان معين من القافلة، ويضع على طليعة القافلة، وعلى ساقتها العساكر، وتوضع الأموال في وسطها خشية من اللصوص (٣٥).
стр. 705
مدة الرحلة من مصر إلى مكة:
تستغرق رحلة قوافل الحجاج من مصر إلى المدينة المنورة نحو شهر ونصف، وما يقرب من أربعين يوما من الشام إلى المدينة المنورة (٣٦).
الحج بالمراكب الشراعية من السويس إلى جدة:
كانت قوافل الحجاج تقطع الطريق البري بين مصر والحجاز فلما كان عام ١٣٠١ هـ اتخذ الحج المصرى طريقه من السويس إلى جدة في المراكب الشراعية (٣٧).
محمل اليمن:
أرسل اليمنيون محملًا إلى مكة مع حُجّاجهم ووصل هذا المحمل في إمارة الشريف أبى نمي الثاني من سنة ٩٤٨ - ٩٩٢ هـ، وكان الذى أحدث هذا المحمل هو والي العثمانيين في اليمن مصطفى باشا النشار، وكان اليمنيون يرسلون مع المحمل هداياهم إلى مكة وأميرها (٣٨).
محمل الروم:
قلد العثمانيون أهل مصر والشام في إرسال المحامل فأرسلوا محملًا روميًّا خاصًّا بهم سنة ٩٢٣ هـ وهي السنة التي بسطو فيها نفوذهم على الحجاز (٣٩).
стр. 706
أول صرٍّ لفقراء الحرمين:
أهدى السلطان محمد الأول العثماني هدايا نفيسة لصاحب مكة، ووَقَف باسم فقراء الحرمين أوقافا جعل يرسل غلتها سنويًّا في صرٍّ، فكان أول صرٍّ منظم عُيِّنَ لفقراء الحرمين (٤٠).
ولم يذكر المؤلف تاريخ هذا الصرّ، وقد ساق الخبر ضمن حوادث سنة ٨٢٤ هـ.
أول مطبعة للنقود بمكة:
وُلِّي الشريف علي بن عنان إمارة مكة سنة ٨٢٧ هـ واصطحب معه من مصر مطبعة لضرب النقود، فضربت النقود باسمه على أثر وصوله إلى مكة، وقد بقى في إمارة مكة عامًا واحدًا (٤١).
نشأة الطوافة بمكة:
حج السلطان قايتباي في سنة ٨٨٤ هـ، ولم يحج من ملوك الشراكسة غيره، فتقدم القاضي إبراهيم بن ظهيرة لتطويفه وتلقينه الأدعية.
يقول الأستاذ السباعي: ولم يذكر المؤلفون مطوّفا قبل القاضي كان يلقن الحجاج في مكة فيما قرأته من تواريخ مكة ..
ويقول كذلك: ولعل صناعة التطويف ابتدعت في هذا العهد
стр. 707
لأن الشراكسة بحكم جهلهم اللغة العربية وميلهم إلى الأبهة والبذل كانوا يفضلون أن يعتمدوا على من يخدمهم، ويدلهم على مشاعر الحج ويتلو أمامهم أدعيته (٤٢).
أقول: هذا ما ذكره الأستاذ السباعى، ولي رأي آخر في نشأة الطوافة بمكة، رأيت أن أوضّحه هنا:
من المعلوم أن كثيرًا من القادمين إلى الحج يتخلَّفون في مكة المكرمة لأسباب كثيرة، منها الرغبة في مجاورة البيت الحرام لطلب العلم أو لقصد العبادة، فقد كان عمر بن الخطاب - ضى الله عنه - ينادي في الناس بعد انقضاء الحج: يا أهل الشام شامكم، ويا أهل اليمن يمنكم، ولم يكن هناك من القوانين ما يمنع الراغب في الإِقامة من تحقيق رغبته، وفي تصوري أن هؤلاء المتخلفين في مكة والمجاورين بها، كانوا يستقبلون الوافدين من أهل بلادهم فيستضيفونهم ويعينونهم على أداء المناسك، وقد تطور الأمر فيما بعد حينما أخذ أمراء مكة يمنحون المطوفين صكوكًا بتحديد الأجناس، والأماكن لقاء مبالغ معينة من المال، وقد أخبرني الشيخ محمد جعفر لبنى رئيس لجنة قضايا المطوفين وكان هذا في الخمسينات من القرن الهجري الرابع عشر أن أَقْدم تقرير اطلع عليه في الطوافة تقرير بيت صحرة مطوفي العجم، وقال: إن هذا التقرير يعود إلى ستمائة سنة مضت أي في منتصف القرن التاسع الهجري كما يدل على أن موضوع الطوافة كان قد وصل إلى الحد الذي يتدخل فيه أمراء مكة فيصدرون به الصكوك لأشخاص بعينهم.
стр. 708
وإذا كان السلطان قايتباي احتاج إلى من يلقّنه أدعية الطواف، ألم يكن حجاج الهند مثلا في حاجة إلى مثل ذلك وهم لا يعرفون اللغة العربية؟
أما ما ذكره الأستاذ السباعي من أنه لم يقرأ فيما قرأ من تواريخ مكة أن أحدًا لقَّن الحجاج الأدعية في المطاف قبل السلطان قايتباي، فلعلَّ السر في ذلك أن حج رجل مثل السلطان قايتباي لابد وأن يذكره مؤرخو مكة ويذكرون ما صاحبه من تقدم قاضى مكة الشيخ ابن ظهيرة لتطويف السلطان.
إنني أرجح أن موضوع الطوافة أقدم كثيرا مما ذكره الأستاذ السباعي، وقد بدأ كما تصورت باستضافة المجاورين بمكة للحجاج القادمين من بلادهم، ثم تطور شيئًا فشيئًا مع كثرة القادمين إلى مصلحة تجارية أجريت لها التنطيمات من قِبَل أمراء مكة بمنح بعض الأشخاص حق تطويف بعض الأجناس، بل وبعض البلدان مما يعرفه السادة المطوفون قبل إنشاء مؤسسات الطوافة، ولعل أحدًا منهم يفيدنا في هذا الأمر بما يعرف.
وقد ذكر الأستاذ السباعي بعد ذلك أن أَقْدم تقرير في الطوافة اطلع عليه هو تقرير آل جاد الله بتوقيع الشريف غالب في عام ١٢٠٥ هـ، وقد ذكرت قبل أن تقرير بيت صحرة أقدم كثيرًا من ذلك كما أخبرني الشيخ محمد جعفر لبني رئيس قضايا المطوفين في أوئل العهد السعودي.
يقول المؤلف: وتوسع الشريف عون الرفيق في توزيع البلاد
стр. 709
الإسلامية إلى أقسام تقرر لها مطوفون فكان كل مطوف مسئولا عن البلد التي خصصت له إلخ (٤٣) ..
أول جراية من الغلال ترسل إلى مكة:
كان السلطان سليم أول من رتب أول جراية من الغلال ترسل إلى مكة، فقد رتب للصدقة في مكة مقدارًا عظيما من القمح وظل يرسله سنويًّا إلى مكة بصورة منتظمة وقد زادت هذه الغلال فيما بعد حتى أصبحت تكفي أهل مكة من العام إلى العام (٤٤).
وقد ذكر المؤلف أن أول جراية من القمح وصلت إلي الحجاز كانت مقدارها: سبعة آلاف أردب، منها ألفان للمدينة، وخمسة آلاف لمكة، وقد دعا أمير المحمل الرومي مصلح الدين إلى أجتماع حضره قاضي مكة صلاح الدين بن ظهيرة الشافعي وقضاة المذاهب الثلاثة بمكة، ونائب جدة، وبعض الأعيان، وقرأ عليهم المرسوم السلطاني الخاص بتوزيع هذه الغلال، واستشارتهم في كيفية إتمام ذلك. وبعد عرض الأمر على الشريف بركات الذى فوَّض المجتمعين في اتخاذ ما يرونه لهذه الغاية، اتفقوا على عمل سجلات دونت فيها أسماء البيوت في كل محلة وتعداد ما في هذه البيوت من الرجال والنساء والأطفال والخدم واستثنى من ذلك التجار والسوقة والعسكر، وقد بلغ تعداد السكان عدا من ذكر اثنا عشر ألف نسمة وقد خص كل فرد أربع كيلات فتسلموا حصصهم
стр. 710
مضافًا إلى ذلك دينار ذهب .. ثم تزايد هذا القمح حتى صار معاش أهل مكة منه (٤٥).
وفي عهد السلطان سليم بك زيدت الغلة سبعة آلاف أردب أخرى تحمل من الأوقاف السلطانية في مصر على ظهور الجمال إلى السويس ثم تشحن في السفن السلطانية إلى جدة أو ينبع (٤٦).
شرب الدخان في مكة:
في سنة ١١١٢ هـ عرفت مكة الدخان ثم التنباك، وقد انتقلت هذه العادة من مصر إلى مكة، والمعروف عن بعض المؤرخين أن شجرة الدخان ظهرت أول ما ظهرت في عام ٩٩٩ هـ (٤٧).
وفي سنة ١١٤٩ هـ أصدر الشريف مسعود أمير مكة أمره بمنع شرب الدخان علانية، وأمر بعقوبة كل من يجاهر بشربه في الأسواق أو المقاهى أو المحلات العامة، وصار الموظفون يتعقبون الناس لتنفيذ الأمر الذي أيده علماء مكة.
يقول المؤلف: فكانوا يعقدون المجالس في بيوتهم يتعاطونه.
وقد قيل: إن الشريف مسعودًا كان يعتقد تحريمه، كما قيل: إن الدوافع إلى ذلك هو تبذل الناس وتجاهرهم به في المجالس أمام كبار القوم وعلمائهم (٤٨).
стр. 711
أول قنصل في جدة:
وصل أول قنصل إنكليزي إلى جدة عام ١٢١٦ هـ لمباشرة أعمال القنصلية فيها، فاتخذ دارًا خاصة بذلك رفع فوقها العلم البريطاني، ثم تبعه قنصل للفرنسيين ثم للروس (٤٩).
وحدات العملة العثمانية:
وحدة العملة القرش وهو نوعان: قريق صاغ، وقرش شُرُكْ، والقرش الصاغ يساوي مائة وعشرين ديوانيًّا، والقرش الشرك يساوي أربعين ديوانيًّا، والريال المجيدي يساوي عشرين قرش صاغ و ٦٠ شرك (٥٠).
الحجاج يركبون البحر من السويس إلى جدة:
كان الحجاج يصلون إلى مكة بطريق البر من الشام أو مصر، فكانوا يأتون بالطريق البري من العقبة والمويلح وضبا والوجه فينبع النخل ثم يتوجهون إلى المدينة ثم إلى مكة بالطريق البري، وفي سنة ١٣٠١ هـ قامت المراكب المصرية بنقل الحجاج من السويس إلى جدة (٥١).
وقد ذكر المؤلف بعد ذلك أن نقل الحجاج بالبواخر بدأ في سنة ١٢٩١ هـ ولم يذكر مصدره، ومن المعلوم أن كلمة الباخرة تطلق
стр. 712
على البواخر التي تسير بالبخار، أما المراكب الشراعية فيطلق عليها سفن أو مراكب (٥٢).
وكان حجاج الهند يصلون إلى مكة برًّا من إيران والعراق ثم ركبوا السفن الشراعية في أوائل هذا العهد أوائل القرن الرابع عشر الهجري من ميناء سورت بجوار بمبي (٥٣).
أقول: في هذا العهد كانت المراكب الشراعية موجودة في الحجاز، وكانت تبحر من ميناء جدة فتدخل المحيط الهندي مارة بعدن - المكلا - وتصل إلى بومباي لتحمل منها الحبوب وأنواع المأكولات إلى جدة، وكانت تسافر وتعود في الأوقات التي لا تكون فيها فيضانات بحر الهند ولم تكن هذه المراكب معدة لنقل الحجاج، وإنما خصصت للبضائع.
تأسيس التكية المصرية:
أسس محمد علي باشا والي مصر التكية المصرية بمكة أثناء حكم المصريين للحجاز عام ١٢٣٨ هـ (٥٤).
أقول: وكان للمصريين تكية بالمدينة المنورة ولابد أنها أُسست في ذلك الوقت، والتكية تقدم طعامًا يوميًّا للفقراء، وكانت هذه التكايا منتشرة في البلاد الإِسلامية في ذلك الزمان.
стр. 713
أول دار بنيت بالزاهر - الشهداء -:
كان الوالي أحمد عزت باشا الذي تولى الولاية للأتراك في مكة في أواخر عام ١٢٦٩ هـ أول من بنى دارًا في الزاهر بجوار الشهداء وجعلها منتزها له (٥٥).
محجر مكة الصحي في الزاهر:
في عام ١٢٨٨ هـ ظهر وباء بالمدينة المنورة، وكان الزوار من أهل مكة قد ذهبوا للزيارة الرجبية إلى المدينة المنورة فلما عادوا حجزتهم الحكومة في (كرنتينة) أعدتها بالزاهر (٥٦).
التعليم العسكري في مكة:
أصدر أمير مكة الشريف عبد الله بن محمد بن عبد المعين أمرًا على أهالي مكة بالحضور إلى المكان الذي أُعد للتدريب على الأعمال العسكرية في مكة، وتلقِّي الدروس الحربية، واشترك في هذا التدريب أولاد الشريف عبد الله وبنو عمومتهم برئاسة عون باشا - أمير مكة فيما بعد - كما اشترك فيه الناس من جميع الطبقات (وقد شوهد العلماء وطلبة العلم والأعيان، وأصحاب الحِرَف وأهل الحارات ينزلون إلى ساحة التعليم صفوفًا متراصة يتلقون تعاليم الجندية على أساتذتهم من ضباط الأتراك وكان ذلك في عام ١٢٩٤ هـ، وقد جعل لذلك لباس خاص
стр. 714
يتكون من قميص وبنطلون من قماش يسمونه - مُلَّا - وجعلوا العقال - فوق العمامة وغطاءًا للرأس.
ويذكر المؤلف أن السبب الذي حدَا بالعثمانيين إلى فرض التعليم العسكري في مكة هو اشتباكهم في حرب مع الروس، ولكن هذا التعليم لم يطل أمده إلا نحو أربعة أشهر (٥٧).
أقول: كان الأتراك ينظرون إلى الحجاز على أنه بلد المقدسات الإِسلامية العظيمة، ويعاملون سكانه معاملة خاصة تعفيهم من الجندية، كما تحرمهم من التعليم، ويغدقون عليهم بالغلال التي تكفي معيشتهم، وهذه السياسة أساءت إلى البلاد أكثر مما أفادت.
أول جريدة في الحجاز:
أول جريدة صدرت في الحجاز - جريدة الحجاز - أصدرها الاتحاديون في العهد العثماني في مكة بعد إعلان الدستور العثماني، وكانت تحرر باللغتين العربية والتركية، ثم أصدر أحد موظفى الأتراك جريدة أخرى طبعت في نفس المطبعة سماها: شمس الحقيقة، وكانت تحرر كذلك باللغتين العربية والتركية، وتتناول بالنقد بعض المسئولين في مكة، وظلت كذلك إلى إمارة الحسين بن علي الذي أغضبه أُسلوبها فهدد صاحبها بالقتل واضطره إلى الهرب من البلاد.
أما جريدة الحجاز وهي الجريدة الرسمية فقد ظلت تصدر في مكة
стр. 715
إلى أن ثار الحسين على العثمانيين فانتقل صدورها إلى المدينة وظلت تصدر بها وكان يحررها السيد حمزة غوث الذي كان مستشارا للملك عبد العزيز ثم سفيرا للملكة العربية السعودية في إيران، وقد أوقفت هذه الجريدة بعد خروج العثمانيين من المدينة (٥٨).
جريدة القبلة:
لما قام الحسين بن علي بالثورة على الأتراك وأسس الدولة الهاشمية في مكة أصدر بها جريدة القبلة وكان يتولى تحريرها السيد محب الدين الخطيب ثم الشيخ الطيب الساسي، وكان يعمل فيها الأستاذ حسين الصبان، وكان الحسين يشرف بنفسه على سياستها، وقيل: إنه كان يحرر بيده بعض مقالاتها.
جريدة الفلاح:
كما أذن الحسين لعمر شاكر من سوريا بإصدار جريدة في مكة اسمها: الفلاح، وكانت تسير على سياسة جريدة القبلة.
المجلة الزراعية:
وأمر الحسين بإصدار مجلة زراعية صغيرة (٥٩).
أقول: السيد محب الدين الخطيب من أوائل الدعاة الإسلاميين في القرن الرابع عشر الهجري، وأصدر أول مجلة إسلامية في القاهرة
стр. 716
هي مجلة الفتح، وكانت تصدر أسبوعية كما أصدر مجلة أدبية راقية هي الزهراء، وأسس كذلك في مصر المطبعة السلفية بمشاركة عبد الفتاح قتلان وكانت تطبع الكتب القيمة من التراث.
أول مجلس للبلدية:
تأسس أول مجلس للبلدية في مكة سنة ١٣٢٦ هـ، وكان المحتسب هو الذي يقوم بوظيفة البلدية، فيحكم السوق ويشرف على تنظيم العمران (٦٠).
إضاءة الحرم المكي بالكهرباء:
استورد الحسين بن على أول ماكينة كهربائية أضاءت المطاف، وكان قد أدخل قبل ذلك الإضاءة بالنور الأبيض بالمصابيح الغازية التي كانت تسمى في الحجاز - الأتاريك - وذلك في سنة ١٣٣٥ هـ، ثم أتبع إضاءة المطاف بشراء ماكينة كهربائية أكبر قوة فشملت الإِضاءة المطاف وبعض جوانب المسجد (٦١).
سبك النقود في مكة:
أنشأ الحسين بن علي بعد توليه عرش الحجاز دارًا لسبك النقود الهاشمية سنة ١٣٣٤ هـ، وضرب الدينار الهاشمي من الذهب والريال
стр. 717
الهاشمي وأجزاءه من الفضة، والقرش، وأجزاءه من النحاس الأحمر (٦٢).
طبع الطوابع في مكة:
وأنشأ الحسين بن علي دارًا لطبع الطوابع البريدية بعد اعتلائه عرش الحجاز (٦٣).
لعل الأصح أن نقول: إن الحسين أصدر الطوابع الهاشمية بعد اعتلائه عرش الحجاز وطبعها في مكة في المطبعة التي أنشأها الوالي التركي عثمان باشا نوري والتى كانت في أجياد خلف مبنى الحميدية، وقد أزيل مبناها في توسعة الحرم المكي الشريف (٦٤).
إصلاحات في مكة:
أنشأ الحسين بن علي مظلة بين الصفا والمروة، ووسع في بعض الطرق العامة، واجتث عقبة الحجون وأنشأ الشارع اليوسفى في مكة بجوار الشارع الفيصلي (٦٥).
أقول: كذلك أنشأ الشريف الحسين بن علي الشارع الذي سمي فيما بعد شارع قابل بجدة، وكان حين إنشائه أحدث الشوارع في مدينة
стр. 718
جدة، وقد اشتراه آل قابل من نجله الملك على بن الحسين خلال الحرب السعودية الهاشمية. كما أمر الحسين بردم البحر في الجهة الغربية الملاصقة للسجن في جدة وأنشأ فيها دارًا سميت المنتزه، وقد اشتراه آل الفضل، ثم اشتراها صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله الفيصل، وشيد مكانها عمارات الفيصلية بجوار فندق البحر الأحمر في جدة (٦٦).
سكة حديد الحجاز:
رغب السلطان عبد الحميد العثماني في ربط أجزاء البلاد العثمانية بسكة حديدية فقرر مد الخط الحديدي من دمشق الشام إلى المدينة المنورة، على أن يتصل مدّه بعد ذلك إلى جدة ومكة، وقد وجه السلطان نداءًا إلى العالم الإسلامي للتبرع لهذا المشروع العظيم، وقد كانت الاستجابة لنداء الخليفة عظيمة لا في البلاد التي تنضوي تحت الحكم العثماني، وإنما في البلاد الإسلامية عامة، فتأسست الجمعيات من كل قطر، وقد ألَّف الهنود وحدهم نحوًا من ١٦٦ جمعية لجمع التبرعات واشتد الحماس للمشروع في مصر والشام والعراق والصين وبلاد البلقان وفي أكثر بلاد أفريقيا، واجتمع من حصيلة التبرعات سبعمائة وخمسين ألف ليرة عثمانية، كدفعة أولى وبوشر في مدّ الخطوط وإقامة الجسور، واستمر العمل نحو ثماني سنوات حيث وصل أول قطار إلى المدينة المنورة في الثالث من شعبان عام ١٣٢٦ هـ الموافق ٢٨ أغسطس عام ١٩٠٨ م، وتبلغ المسافة بين المدينة ودمشق
стр. 719
١٣٢٠ كيلو مترًا عدا المساحة بين درعا وضبعا، وأخذ الحجاج يصلون إلى المدينة مستعملين سكة حديد الحجاز، وتحققت لهذا الخط نقلة تاريخية في سفر الحجاج إلى الحجاز.
استمر خط حديد الحجاز في العمل إلى أن أعلن الاتحاديون الدستور، وخلعوا السلطان عبد الحميد فتوقف النشاط في هذا المضمار، وحاول الاتحاديون استئناف العمل بإيصال الخط إلى جدة فمكة، ولكن التبرعات التي كانت تتدفق للمشروع ذهبت بها أعاصير السياسة كما يقول المؤلف.
أقول: جاءت الحرب العالمية الأولى وعمد الإنجليز إلى تخريب خطوط سكة حديد الحجاز بين المدينة والشام ليعطلوا على الأتراك الوسيلة الجيدة القوية لنقل معداتهم وجيوشهم، وكانت هناك فرقة في جيش الأمير فيصل بن الحسين يقودها الكولونيل لورنس تقوم بمهمة نسف خطوط سكة حديد الحجاز وتعطلها (٦٧).
يقول المؤلف: وعندما انتهت الحرب العالمية الأولى كان الخط قد تخرب كثير من أجزائه، وكان في استطاعة المسلمين أن يعيدوا إصلاحه، إلا أن البلاد التي كان يمر الخط في أرضها قد تقسمت إلى مناطق هيمن على بعضها الفرنسيون كما هيمن على بعضها الإنجليز، وبقى القسم الحجازي تحت سيطرة حكومة الشريف الحسين بن علي وأبت الدول الأجنبية أن تعترف بوقفية خط إسلامي يمر في أراضيها،
стр. 720
كما شعرت أنه ليس من مصلحتها أن تجتمع أطراف المسلمين في جزء كبير من بلاد العرب على هذا الخط، لهذا ذهبت كل محاولة لإعادة إصلاح الخط أدراج الرياح.
أقول: وبعد الحرب العالمية الثانية استردت سوريا استقلالها، كما استرد الأردن استقلاله، ونشطت الدول المعنية في سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية إلى دراسة إعادة إصلاح سكة حديد الحجاز، وعقدت لذلك الاجتماعات الكثيرة في عواصم الدول المعنية إلا أن هذه الاجتماعات لم تسفر عن شيء يعيد لسكة حديد الحجاز نشاطها القديم.
الحسين بن علي يحاول إصلاح الخط:
حاول الحسين بن علي إصلاح الأجزاء الموجودة في الحجاز، فعمر أجزاءه المتصلة بالمدينة، واستطاع أن يسيّر القاطرات عليه فوصلت أول قاطرة إلى المدينة في عام ١٩١٩ م، ثم عجزت عن استئناف السير لأن أعمال الإصلاح الفنية لم تكن مستوفاة، وليس لدى الحسين ما يكفي للقيام بأعبائه فعاد الجزء الحجازى إلى الخراب ووضعت حكومات فلسطين وسوريا والأردن أيديها على ما لديها من أجزاء أخرى ومعدات تابعة.
وقد ذكر المؤلف بعد ذلك ما يلي: بعد محاولات طويلة دامت نصف قرن اتفقت الحكومات العربية على إصلاحه، وَرَسَتْ مناقصته على إحدى الشركات في عام ١٣٨٣ هـ وينتظر أن يبدأ العمل (٦٨).
стр. 721
أقول: لقد مضى على هذا الذي ذكره المؤلف أكثر من ربع قرن ولم يتم شئ في هذا الأمر. وفي تصوري أن وجود إسرائيل في قلب البلاد العربية وامتداد خط حديد الحجاز داخل أراضى فلسطين التي تغتصبها إسرائيل من أكبر الأسباب التي دعت الحكومات العربية إلى إيقاف البحث في إصلاح الخط حتى الآن.
стр. 722
أسماء بعض حارات مكة وتعليلها:
القشاشية: منسوبة إلى الشيخ القشاشي، وقد كان يسكن مكة حوالي القرن الحادي عشر (٦٩).
شعب علي: كان يسمى شعب ابن يوسف، وكانت فيه دور بنى هاشم (٧٠).
المعابدة: وكانت تسمى شعب الصفي، صفي السباب أكمة في المعابدة تشرف على الخرمانية (٧١).
القرارة: وكانت تسمى قرارة المَدْحى. يقول السباعي: ولعل أطفال قريش كانوا يلعبون فيها المَدْحى وهو ما يشبه البرجو عندنا.
الفلق: كان يسمى فلق ابن الزبير. يقول السباعي: فلقه الزبير بن العوام ليصل الطريق بين بساتينه بجوار المعلاة اليوم وبيوته التي اشتراها بسويقه.
أقول: الصحيح أن الذي فلق الجبل هو عبد الله بن الزبير بعدما بويع بالخلافة في مكة ودان له الحجاز والعراق. وليس هو الزبير بن العوام.
بئر بليلة والسد: كانوا يسمونه أجياد الكبير، أما السد فكانوا يسمون أجياد الصغير.
стр. 723
أقول: لا تزال منطقة أجياد تحتفظ باسمها القديم فأهل مكة يطلقون عليها كلمة جياد بحذف الألف، ويتفرع من أجياد بئر بليلة والسد كما هو معلوم، وسمى جياد أجيادًا لخروج الرجال منها والجياد حينما اختلفت جُرهم وقطورا وتقاتلوا (٧٢).
الشبيكة: كانت بئرا بين مكة والزاهر، ولم ينتشر العمران في الشبيكة وحارة الباب وجرول إلا في القرون الأخيرة (٧٣).
الحفائر: كانوا يسمونها الحَزَنَةُ وهي ضد السهلة، والذي حفر الحفائر وسهلها للمشاة هو خالد البرمكي في عهد بني العباس ليجعلها تختصر الطريق إلى بستان له بناه فيما بعد في جرول الخلفية أو جرول الخضراء.
جرول: كانت تسمى جرول الخلفية وجرول الخضراء لوجود البساتين فيها (٧٤).
جبل عمر: كان يسمى أعاصير، وكان هذا اسمه قبل أن ينسب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضى الله تعالى عنه - (٧٥).
شعب عامر: كان يسمى المطابخ ويقال له شعب ابن عامر.
أقول: وقد اختصر أهل مكة التسمية فسموه شعب عامر (٧٦).
стр. 724
الروضة: وكانت تسمى الأُقحوانة، وقد ذكرنا عن الأُقحوانة في بساتين مكة (٧٧).
الشهداء: وكانت تسمى فخ (٧٨).
المدعى: كان يسمى - ردم بني جمح - وقد ردمت الأرض في المدعى لمنع السيل من دخول المسجد الحرام، وذالك على أثر دخول السيل المعروف بسيل أم نهشل في السنة السابعة عشر للهجرة، واقتلاعه لمقام إبراهيم حيث وجدوه في أسفل مكة، فأمر عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - بردم الأرض فردمت بالتراب والصخر والعظام (٧٩).
الجودرية: نسبة إلى الجَدر - بفتح الجيم كسرها - وهو نبات رملي، لعله كان ينبت في ذلك المكان لقلة العمران فيه فسميت الجودرية بالتصغير، ويقول الأستاذ عاتق البلادي: إن الجودرية منسوبة إلى الجودري، وهو لحاف من قطن ملبس بالقماش وكان شارع الجودرية محلا لبيع هذه الألحفة الجوادر (٨٠).
الهجلة: كانت تسمى سوق الحطب (٨١).
بركة ماجد: كانت تسمى ماجل أبى صلابة، والماجل في اللغة
стр. 725
كل ماء في أصل جبل أو وادٍ، وبركة المسفلة كانت ماجلا لأبي صلابة، ثم سميت بركة الماجل، وحرَّفها الناس فقالوا بركة ماجن أو ماجد (٨٢).
قوز النكاسة: صحة الاسم قوز المكاسة، يقول عنه الأستاذ عاتق البلادي: رمل بجوار كدي بمسفلة مكة، واسمه مشتق من المكس، ولعل المكوس تؤخذ عنده من حجاج اليمن، والعامة تخطئ في اسمه فتقول: قوز النكاسة (٨٣).
الشبيكة: سميت بهذا الاسم لأنها كانت موضع اشتباك وقتال عدة مرات في الهجوم على مكة والدفاع عنها، ويقول الأستاذ حمد الجاسر: إن الشبيكة نسبة إلى رجل اسمه شبيكة الحسنى (٨٤).
الزاهر: اسمه قديمًا وادي فخ، وقد كان ضاحية من ضواحي مكة (٨٥).
الطندباري: يرجح أن صحة الاسم التُّنْضُباوي (٨٦).
السليمانية: نسبة إلى أحد علماء مكة الشيخ محمد بن سليمان المغربى (٨٧).
الشيخ محمود: نسبة إلى الشيخ محمود بن آدم الذي كان مدفونا
стр. 726
بجرول أمام البازان، وقد سمى كثير من المؤرخين منطقة جرول باسم الشيخ محمود (٨٨).
ربع الرسان: صحة التسمية - ريع الرسام - ولعله سمى بذلك لأن البضائع التي كانت تصل من جدة يؤخذ عليها الرسوم الحكومية في ذلك المكان وهو أحد الأكدية بمكة، وكان اسمه كدى بالفتح والقصر (٨٩).
стр. 727
بعض الحوادث الغريبة في مكة
بين الوالي والسادن:
أرسل خالد بن عبد الله القسري والي مكة إلى سادن الكعبة عبد الله بن شيبة وسأله أن يفتح له الكعبة في وقت لم ير عبد الله أن يفتحها فيه، فلما امتنع أمر الوالي بالسادن فضُرِب مائة سوط، وذهب السادن إلى الخليفة سليمان بن عبد الملك بالشام فشكى الوالي، فكتب سليمان إلى خاله محمد بن هشام أن يضرب خالدًا مائة سوط ففعل (٩٠).
يومان في عرفة:
في حج سنة ٦٨٨ هـ وقف الناس بعرفات يومي الجمعة والسبت، لاختلاف ثبوت الرؤيا لدى أمير الركب الشامي عنها، لدى الشيخ محمد الطبري شيخ الفقه في الحجاز، وليست هذه أول حادثة من نوعها، فقد تكرَّر مثلها عدة مرات في تاريخ مكة، ذلك أن كل ركب كان يعتمد فتوى خاصة به، ولو كان مصدر الفتوى بين المسلمين موحدًا لما وُجِد مثل هذا الاختلاف (٩١).
أقول: تتريث الحكومة السعودية في إثبات رؤية هلال ذي الحجة لعدة أيام على اعتبار أن القادمين برًّا إلى مكة قد يكونوا شاهدوا الهلال، ومن ثم يجري إثبات ذلك بالطريقة الشرعية، ثم يعلن موعد ثبوت الهلال والوقوف بعرفات.
стр. 728
الوقوف بعرفة يومين:
وفي سنة ٨١١ هـ وقف أمير الحج الشركسي - المصري - بعرفة، وبعد أن أفاض منها، بعد غروب الشمس ثم عاد إليها ليستأنف الوقوف في اليوم الثاني لأنه لم يثبت عنده صحة الوقوف في اليوم الأول (٩٢).
مائة حجة جمعة:
في سنة ٧٢٥ هـ وقف الناس بعرفات يوم الجمعة، كانت هذه الحجة تتمة مائة حجة حصل الوقوف فيها بعرفات يوم جمعة من عام الهجرة إلى هذا العام (٩٣).
الضرائب الجمركية في مكة:
أورد الفاسي في شفاء الغرام بيان المكوس التي كانت تفرض على البضائع الجمركية في مكة، في القرن الثامن الهجرى في عهد أميرها عجلان بن رميثة وكان بعضها يؤخذ عينًا، والبعض يؤخذ نقدًا، والنقد هنا على أساس النقد المسعودي في اليمن. يؤخذ على حمل الجمل من الحنطة مُدَّانِ بكيل مكة (٩٤)، كما يؤخذ على حمل البصل ثلاثة دنانير مسعودية، وهذا يدل على غلاء البصل من جهة، وربما أنه لم يكن يزرع بالحجاز، لأنَّ الرسوم على البصل فادحة جدًّا.
стр. 729
أما السمن والعسل والخضروات فيؤخذ عليها ما يساوي الخُمس، أي عشرين بالمائة من أثمانها، ويؤخذ على سلة التمر دينار مسعودي واحد.
وقد علق الفاسي على فداحة هذه الرسوم فقال: إن الناس كانوا يعانون شدة من ذلك، وقد بلغه أن بعضهم استورد شاة فلم تساو المقدار المقرر لها (٩٥).
أقول: إن أمراء مكة في حاجة إلى مورد لتغطية نفقات الدولة، وصرف مرتبات جنودها وموظفيها، وكان بعض الأمراء يتغالون في فرض هذه الضرائب، وقد وضعت المكوس على الحجاج في بعض الأوقات، وتدخل بعض ملوك المسلمين لدى أمراء مكة لرفع هذه المكوس لقاء أن يدفع لهم مبالغ معينة من النقود سنويًّا، ومن الحبوب، ولكن الأمور لم تكن منتظمة ولا مضمونة، لهذا كانت هذه الضرائب ترفع ثم تعود، وتقل أو تعتدل ثم تكثر.
موت الناس داخل الكعبة:
ذكر صاحب خلاصة الكلام أنه مات في جوف الكعبة أربعة وثلاثين رجلا في سنة ١٢٨١ هـ بسبب شدة الزحام (٩٦).
محمل من حلب:
في حج عام ٧٩٧ هـ وصل حجاج الشام ومعهم محمل من حلب (٩٧).
стр. 730
نصب الخيام في المسجد الحرام:
في أوائل القرن التاسع الهجري ٨٠٩ هـ أهدى بعض الملوك المسلمين إلى المسجد الحرام بعض الخيام وطلب إقامتها في صحن المسجد ليستظل بها المصلون من الشمس يوم الجمعة، وقد أمر أمير مكة حسن بن عجلان بإقامة هذه الخيام فنصبت، ثم عدل عنها بعد ما رئي أن بعض المصلين يتعثرون في حبالها (٩٨).
الجدب وغلاء الأسعار:
وقع جدب شديد في الحجاز في سنة ٨١٥ هـ فغلت الأسعار، وبيعت غرارة الحنطة بعشرين دينارًا ذهبًا كما بيعت البطيخة بدينار (٩٩).
تصدير الفلفل إلى مصر:
وفي هذا العام ٨١٥ هـ قلَّ وجود الفلفل في مكة كما قلَّ وجوده في مصر، فأرسل صاحب مصر يطلب شراءه من مكة فوجد أن سعر وسق البعير يبلغ قيمته ٢٢٥ مثقالا من الذهب بينما كانت قيمته لا تزيد عن ٦٠ مثقالا، ومع هذا فقد أمر صاحب مصر أن يحمل إليه ما قيمته خمسة آلاف دينار (١٠٠).
الخيول في المسجد الحرام:
غضب أمير الحج المصري على أحد غلمانه في مكة سنة ٨١٧ هـ فسجنه، وثار زملاؤه من الغلمان والقواد، فهاجموا المسجد
стр. 731
الحرام وانطلقوا راكبين خيولهم من باب إبراهيم والناس في صلاة الجمعة حتى وصلوا إلى مقام الحنفية، فثار الحجاج والأتراك بهم وقاتلوهم قتالًا شديدًا حتى أجلوهم عن المسجد، واستغل النهَّابون الفرصة فأوقعوا في الناس سلبًا ونهبًا، وأمر أمير الحج المصري بإغلاق أبواب المسجد وتسميرها عدا الأبواب التي تحاذي منزله ليدخل منها هو وأتباعه، ثم أدخلت خيله المسجد الحرام وجعلت بالرواق الشرقي، فباتت الخيل في المسجد تلوثه بروثها وبولها، ورأى أمير مكة الشريف حسن بن عجلان أن الحرم قد انتهك، وأُهينت كرامته، فاجتمع كبار أهالي مكة وأعيان الحجاج، وعرض عليهم الأمر، واتفق الرأي على انتداب شخص يبلغ أمير الحج المصري استياء الأمير والناس مما حدث، وإجلاء الخيول عن المسجد، وقد أصلح أمير الحج المصري من أمره ليأمر غلمانه، وطهَّر المسجد من خيولهم وقذارتها (١٠١).
أقرل: إن أمير الحج المصري أكثر رعونة وحمقًا من غلمانه، الذين ثاروا وتظاهروا ضد ما أنزله بواحد منهم فلم يجدوا مجالًا لإِظهار غضبهم واحتجاجهم إلا في ساحة المسجد الحرام فدخلوا إليها بخيولهم حتى وصلوا إلى مقام الحنفي قريبا من الكعبة المشرفة، والناس في صلاة الجمعة، وبدلًا من أن يعالج أمير الحج المصري الأمر بما يجب من الحكمة والتعقل، أمر بتسمير أبواب المسجد الحرام ولم يترك إلا الأبواب التي يدخل منها وأتباعه، ثم لم يكتف بذلك فترك خيله تبيت في رواق المسجد وتلوثه بقذارتها.
стр. 732
لو كان أمير الحج المصري هذا وغلمانه على شئ من الوعي بقداسة المكان لحفظوا للمسجد الحرام حرمته وعرفوا له مكانته، فتجنبوا أن يجعلوه ساحة قتال، ثم مربط فرسان، وليت شعري ألم يحضر هو وهم لأداء فريضة الحج؟ فهل عرفوا ما هو الحج وآدابه وشعائره؟ ومن الطريف أن الغلام الذى أدبه أميره، والذى وقعت بسببه هذه المآسى اسمه جرادًا، وفي ذلك يقول شاعر مكي من شعراء هذا العصر:
وقع الغلاء بمكة … والناس أضحوا في جهاد (١٠٢)
والخير قلَّ فها هموا … يتقاتلون على جراد
وهي تورية لطيفة من الشاعر استغل فيها اسم الغلام في بيتيه الظريفين.
بوابو المسجد الحرام من الفقهاء والقضاة:
كان الفقهاء والقضاة تسند إليهم الوظائف في أبواب المسجد الحرام، وفي عهد الشريف حسن بن بركات من ٨٠٩ - ٨٢٩ هـ صدر مرسوم بقفل أبواب المسجد الحرام بعد الموسم باستثناء أربعة أبواب، فضاق الناس بذلك واشتكوا، فصدر الأمر بعزل بوابى المسجد القدامى وكانوا من الفقهاء والقضاة، وأن يعين بدلًا منهم من عامة الناس، وألزموا بملازمة الأبواب والنوم بجوارها (١٠٣).
стр. 733
الضرب عقوبة إلقاء القمائم:
في أوائل القرن العاشر الهجري - ٩١٣ - ٩١٥ هـ - كان المكلف بأمر التنظيفات في مكة يمر بشوارعها وأزقتها فإذا وجد تحت بيت أحدهم شيئًا من القمامة، دعا صاحب البيت وأمر بضربه على رجليه، وقد فعل ذلك بعدة أشخاص. أورد ابن فهد صاحب كتاب بلوغ القرى أسماءهم، فكفَّ الناس عن إلقاء القمائم في الطرق العامة (١٠٤).
موكب السلطان الناصر بن قلاوون:
حج سلطان المماليك الناصر بن قلاوون فكان في موكبه أحواض من خشب زرعت فيها الخضروات والبقول والشمومات، وحملت على الجمال، كما كانت في موكبه أفران لإِصلاح الخبز والسميد والكماج، وقد أَحصيت حمول الشعير في الموكب فبلغت مائة وثلائين ألف أردب (١٠٥).
أقول: لم يذكر المؤلف السنة التي حج فيها الملك الناصر ويفهم من مجرى الحوادث أن ذلك كان في أوائل القرن التاسع الهجري من ٨٢٠ - ٨٢٤ هـ، وقد أوردنا الخبر لطرافته فحسب.
الثيران تجرف تراب المسجد:
في أوائل القرن التاسع الهجري تراكمت طبقات من التراب في المسجد فاستعان المسئولون بالثيران لجرف هذا التراب، ثم نقلوه
стр. 734
إلى المسفلة، ووضعوا مكانه بطحاء نظيفة مغربلة نقلوها من ذي طوى ووادي الطندباوي (١٠٦).
كل واشكر:
لما حج السلطان قايتباي سنة ٨٨٤ هـ انتدب أمير مكة الشريف بركات من يستقبل السلطان في الحوراء وهي قريبة من ميناء - أملج - ومُدَّ للسلطان سماط عربى حوى المآكل الكثيرة وكان من بينها صنف من الحلوى أعجب به السلطان فسأل عن اسمه فقيل له: كل واشكر (١٠٧).
جفل الفرس فسقطت عمامة السلطان:
لما حج السلطان قايتباي عام ٨٨٤ هـ وصل موكبه إلى باب السلام الخارجي، فتخطى السلطان عتبة الباب بفرسه، فجفل الفرس فسقطت عمامة السلطان عن رأسه، ويقول ابن فهد مؤرخ مكة: إن هذا كان تأديبًا من الله لأنه يتعين على السلطان أن يترجَّل ويدخل محرما مكشوف الرأس (١٠٨).
بين الشريف والسادن:
استأذن سادن البيت الشيخ عبد الرزاق الشيبي أمير مكة الشريف الحسن بن أبي نمي، للسفر إلى الهند فأنشده الشريف بيت
стр. 735
الطغرائي في قصيدته المشهورة:
فيم اقتحامك لُجَّ البحر تركبه … وأنت تغنيك عنه مَصّةُ الوَشَلِ
فأجاب السادن من القصيدة نفسها على الفور:
أريد بسطة كف أستعين بها … على قضاء حقوق لِلْعُلَا قِبَلِي
فاستحسن الشريف بديهة السادن وأمر له بألف دينار (١٠٩).
الفرس للأمير وحده:
في سنة ١٠٤٣ هـ وقع بمكة وباء للخيل، ففنيت الخيل بمكة حتى لم يبق فيها إلا فرس واحد جعلوه لركوب الأمير زيد بن محسن، أما بقية الأشراف فكانوا يمتطون الحمير (١١٠).
مهدي من فارس:
كان خطيب المسجد الحرام يخطب الجمعة في مكة في ١٦ رمضان عام ١٠٨١ هـ، فهاجمه رجل فارسي مستلا سيفه يريد قتله، وهو يصيح بالفارسية: إنه المهدي، فحال المصلون دونه، وتكاثروا عليه، وأوسعوه ضربًا حتى وقع مغشيًّا عليه، ثم سحبوه حتى انتهوا به إلى المعلاة فأوقدوا النار فيه وأحرقوه (١١١).
جمل فوق المنبر:
يقول المؤلف: (وفي ٢٢ ذي الحجة عام ١٠٨١ هـ) سال
стр. 736
وادي إبراهيم بمكة على أثر مطر عظيم، واقتحم السيل المسجد حتى انتهي إلى ما يوازي نصف الكعبة، وأزاح بعض الأعمدة عن أمكنتها، ومن غريب الاتفاق أن السيل حمل أحد الجمال حتى استقر به فوق المنبر، فلما انكشف الماء في الصباح، وجدوا الجمل في مكانه من أعلى المنبر، وراح ضحية هذا السيل عدد كبير من الحجاج وخربت بسببه بيوت كثيرة (١١٢).
شيخ الحرم يأمر بجلد الإمام:
كان الشيخ تاج الدين القلعي يؤم المصلين بالمسجد الحرام، وحدث أن تأخر في فجر يوم الخامس عشر من ربيع الثاني عام ١٠٩٧ هـ عن الحضور، وانتظر المصلون طويلا، فتقدم أحد المجاورين للصلاة بالناس، وكان والي جدة شيخ الحرم لذلك العهد أحمد باشا مع المصلين، فلما علم بإبطاء الشيخ القلعى غضب لذلك واستدعاه إلى مدرسة الداودية وأمر بضربه علي رجله.
وثار أئمة المسجد لكرامتهم فشكوا الأمر إلى الشريف أحمد بن زيد أمير مكة، وطلبوا إعفاءهم، أو تردُّ كرامتهم بتأديب شيخ الحرم، وأحيل الأمر إلى مفتى البلاد الشيخ عبد الله عتاقي (فأفتى بتعزير من أهان أهل العلم) وتدارك الباشا الأمر فاسترضى الشيخ القلعي وطيَّب خاطره وصحبه إلى داره فتنازل عن دعواه.
شيخ الحرم ينتقم من المفتي:
وأسرَّ شيخ الحرم للمفتي فتواه بتعزيره فأُقيمت شكوى إلى الباشا
стр. 737
بأن المفتي أحدث لبيته - مجرى - قصبة في جدار المسجد، وبالكشف على الجدار لم تثبت صحة الدعوي، ولكن شيخ الحرم استحضر المفتى وسبَّه، وضربه حتى أدماه، وداسه برجله .. وذهب المفتى إلى الشريف يشكو ما فعل به شيخ الحرم، ولجأ شيخ الحرم بعله أن فعل بالمفتى ما فعل، لجأ إلى بيت القاضي - وهو من الأتراك عادة - فأرسل الشريف إلى القاضي بطلب حجز الباشا حتى يقضى الشرع فيه، وضج الأهالي في مكة، وتألبوا جماعات جماعات حول بيت القاضي، وأخذ بعضهم يحصب النوافذ بحصباء الحرم.
عزل شيخ الحريم:
وأخيرا لجأ شيخ الحرم إلى الشريف أحمد أمير مكة فاسترضى المفتي وكتب إلى الخليفة بما فعله الباشا الأحمق مع إمام المسجد، ومفتى مكة فصدر الأمر بعزله عن ولاية جدة ومشيخة الحرم (١١٣).
بين أشراف مكة ووالي جدة:
وردت بعض الغلال للأشراف في مكة سنة ١٠٩٤ هـ فاستولى على بعضها والي جدة التركي واغتنم الأشراف فرصة حضوره إلى مكة للحج، فمنعوا خروجه من مكة حتى يعيد إليهم ما أخذه منها، فتفاقم الشرُّ، وأصرَّ الأشراف حتى نزل الوالي على أمرهم وسلم إليهم ما يستحقونه، وتعهد بعدم العودة إلى ما كان (١١٤).
стр. 738
إجلاء النصارى عن جدة:
وفي عهد الشريف أحمد أصدر شيخ الحرم، والي جدة أمره بأن لا يبقى في جدة غير مسلم، وشدَّد في تعقبهم، فغادر جدة غير المسلمين عن آخرهم، ولم يبق منهم إلا من أعلن إسلامه (١١٥).
أقول: هذا الوالي اسمه أحمد باشا وقد تكررت منه التصرفات الحمقاء مع إمام المسجد الحرام، ثم مع مفتي مكة مما أسلفنا إيضاحه، فليس بمستغرب منه أن يأمر بإجلاء النصارى عن مدينة جدة، وقد انتهى أمره إلى العزل كما سبق إيراده.
صدقة أغنياء الهند:
في أواخر عهد الشريف عبد الكريم بن محمد بن يَعْلى - من سنة ١١١٦ - ١١٢٣ هـ أرسل أغنياء الهند مبلغ خمسة لكوك - خمسمائة ألف روبية - وزعت بمكة صدقة لأهلها، فوزعت بينهم، فنال مكة من ذلك خير كثير (١١٦).
أقول: سبحان من بيده خزائن كل شئ، لقد أدركت الروبية وكل سبع روبيات تساوي جنيهًا ذهبًا، هذا في أواسط القرن الرابع عشر الهجري، وقد أرسل أغنياء الهند هذه الصدقة العظيمة إلى مكة قبل حوالي ثلاثة قرون ولابد أنها كانت تساوي أكثر كثيرا مما عَرَفْتُ عن أثمانها، وقد دار الزمن دورته، فالمعونات ترسل من هذه البلاد للبلاد
стр. 739
الإِسلامية بالملايين الكثيرة، ولقد أغنى الله تعالى البلاد وأهلها عن تلقى الصدقات، وأصبح الإنفاق على مشاريع الحج وخدمة الحجاج من أكبر بنود النفقات. فالحمد لله أولا وآخرا.
حرمة بيوت كبار الأشراف:
هاجم أمير مكة الشريف محمد بن عبد الله بن سعيد - ١١٤٤ هـ - بيت الشريف عبد العزيز من آل بركات لأن أحد الأشراف التجأ إلى بيته، وكان قد أمر هذا الشريف بمغادرة مكة فلم يمتثل، وطلب صاحب المنزل إمهال الشريف اللاجئ إلى الليل فأبى وأحاط البيت بخيله ورجاله وأطلق الرصاص على نوافذ البيت، فأصاب الرصاص بعض الأشراف المجتمعين في الدار فتواثبوا للفتنة، وتدارك الأمر بعض الأشراف فعاد الشريف محمد إلى داره واجتمع الأشراف في دار الشريف عبد المحسن العبدلي - جد الأشراف العبادلة - ورأى عبد المحسن أن يعرض على أمير مكة استرضاء أصحاب البيت المهاجم على قواعدهم المعروفة فندبوا من عرض عليه تقديم خمسة وعشرين من جياد الخيل، ومثلها من العبيد، وستين من الإبل، وأن يأتي في أعقاب ذلك إلى البيت المهاجم معترفًا بخطه معتذرًا عما حدث.
وقد امتثل أمير مكة لهذا الحكم وقدَّم الترضية المطلوبة (١١٧).
إبعاد الأجانب:
في سنة ١١٤٩ هـ أمر أمير مكة الشريف مسعود بن سعيد بأن يغادر المهاجرون مكة بعد أن اتخذها المهاجرون - دارًا للسكنى -
стр. 740
وضيقوا على أهلها في عيشتهم، واستولوا على كثير من مرافقها التجارية، فأصدر أمره بالنداء العام في أسواق مكة بمغادرة المهاجرين، وأغلظ في عقوبة من يتخلف منهم فرحلوا (١١٨).
أقول: وهكذا يعيد التاريخ نفسه فنرى أن الأنظمة الحاضرة تفرض على القادمين للحج والعمرة المغادرة بعد أداء مناسكهم، ولقد تنبه لهذا الأمر عبقري هذه الأمة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فأمر بالمناداة في مكة بعد الحج: (يا أهل الشام شامكم، ويا أهل اليمن يمنكم) (١١٩).
لعن الرافضة:
في سنة ١١٥٧ هـ أمر أمير مكة الشريف مسعود بن سعيد بلعن الرافضة فوق المنابر، وذلك أن ملك العجم - نادر شاه - أرسل إلى الأمير مسعود عالمًا من أئمة علماء الشيعة بكتاب يقول فيه: "إننا اتفقنا مع الخليفة العثماني على الدعاء لنا على منبر مكة، وأن يظهر مذهبنا الجعفرى فيها، وأن يصلي إمامنا في المسجد بجوار المذاهب الأربعة" وتوعَّد الشريف مسعود في كتابه. إن لم يتم ما طلب، وكان - نادر شاه - كاذبًا في ادعائه الاتفاق مع الخليفة العثماني على ذلك، لأنه كان قد خرج على العثمانيين واستولى على بعض ممالكهم في العراق.
اشتد الأمر على الأمير مسعود، وعم الاستياء مكة، واضطربت