وادي إبراهيم بمكة على أثر مطر عظيم، واقتحم السيل المسجد حتى انتهي إلى ما يوازي نصف الكعبة، وأزاح بعض الأعمدة عن أمكنتها، ومن غريب الاتفاق أن السيل حمل أحد الجمال حتى استقر به فوق المنبر، فلما انكشف الماء في الصباح، وجدوا الجمل في مكانه من أعلى المنبر، وراح ضحية هذا السيل عدد كبير من الحجاج وخربت بسببه بيوت كثيرة (١١٢).
شيخ الحرم يأمر بجلد الإمام:
كان الشيخ تاج الدين القلعي يؤم المصلين بالمسجد الحرام، وحدث أن تأخر في فجر يوم الخامس عشر من ربيع الثاني عام ١٠٩٧ هـ عن الحضور، وانتظر المصلون طويلا، فتقدم أحد المجاورين للصلاة بالناس، وكان والي جدة شيخ الحرم لذلك العهد أحمد باشا مع المصلين، فلما علم بإبطاء الشيخ القلعى غضب لذلك واستدعاه إلى مدرسة الداودية وأمر بضربه علي رجله.
وثار أئمة المسجد لكرامتهم فشكوا الأمر إلى الشريف أحمد بن زيد أمير مكة، وطلبوا إعفاءهم، أو تردُّ كرامتهم بتأديب شيخ الحرم، وأحيل الأمر إلى مفتى البلاد الشيخ عبد الله عتاقي (فأفتى بتعزير من أهان أهل العلم) وتدارك الباشا الأمر فاسترضى الشيخ القلعي وطيَّب خاطره وصحبه إلى داره فتنازل عن دعواه.
شيخ الحرم ينتقم من المفتي:
وأسرَّ شيخ الحرم للمفتي فتواه بتعزيره فأُقيمت شكوى إلى الباشا
стр. 737
بأن المفتي أحدث لبيته - مجرى - قصبة في جدار المسجد، وبالكشف على الجدار لم تثبت صحة الدعوي، ولكن شيخ الحرم استحضر المفتى وسبَّه، وضربه حتى أدماه، وداسه برجله .. وذهب المفتى إلى الشريف يشكو ما فعل به شيخ الحرم، ولجأ شيخ الحرم بعله أن فعل بالمفتى ما فعل، لجأ إلى بيت القاضي - وهو من الأتراك عادة - فأرسل الشريف إلى القاضي بطلب حجز الباشا حتى يقضى الشرع فيه، وضج الأهالي في مكة، وتألبوا جماعات جماعات حول بيت القاضي، وأخذ بعضهم يحصب النوافذ بحصباء الحرم.
عزل شيخ الحريم:
وأخيرا لجأ شيخ الحرم إلى الشريف أحمد أمير مكة فاسترضى المفتي وكتب إلى الخليفة بما فعله الباشا الأحمق مع إمام المسجد، ومفتى مكة فصدر الأمر بعزله عن ولاية جدة ومشيخة الحرم (١١٣).
بين أشراف مكة ووالي جدة:
وردت بعض الغلال للأشراف في مكة سنة ١٠٩٤ هـ فاستولى على بعضها والي جدة التركي واغتنم الأشراف فرصة حضوره إلى مكة للحج، فمنعوا خروجه من مكة حتى يعيد إليهم ما أخذه منها، فتفاقم الشرُّ، وأصرَّ الأشراف حتى نزل الوالي على أمرهم وسلم إليهم ما يستحقونه، وتعهد بعدم العودة إلى ما كان (١١٤).
стр. 738
إجلاء النصارى عن جدة:
وفي عهد الشريف أحمد أصدر شيخ الحرم، والي جدة أمره بأن لا يبقى في جدة غير مسلم، وشدَّد في تعقبهم، فغادر جدة غير المسلمين عن آخرهم، ولم يبق منهم إلا من أعلن إسلامه (١١٥).
أقول: هذا الوالي اسمه أحمد باشا وقد تكررت منه التصرفات الحمقاء مع إمام المسجد الحرام، ثم مع مفتي مكة مما أسلفنا إيضاحه، فليس بمستغرب منه أن يأمر بإجلاء النصارى عن مدينة جدة، وقد انتهى أمره إلى العزل كما سبق إيراده.
صدقة أغنياء الهند:
في أواخر عهد الشريف عبد الكريم بن محمد بن يَعْلى - من سنة ١١١٦ - ١١٢٣ هـ أرسل أغنياء الهند مبلغ خمسة لكوك - خمسمائة ألف روبية - وزعت بمكة صدقة لأهلها، فوزعت بينهم، فنال مكة من ذلك خير كثير (١١٦).
أقول: سبحان من بيده خزائن كل شئ، لقد أدركت الروبية وكل سبع روبيات تساوي جنيهًا ذهبًا، هذا في أواسط القرن الرابع عشر الهجري، وقد أرسل أغنياء الهند هذه الصدقة العظيمة إلى مكة قبل حوالي ثلاثة قرون ولابد أنها كانت تساوي أكثر كثيرا مما عَرَفْتُ عن أثمانها، وقد دار الزمن دورته، فالمعونات ترسل من هذه البلاد للبلاد
стр. 739
الإِسلامية بالملايين الكثيرة، ولقد أغنى الله تعالى البلاد وأهلها عن تلقى الصدقات، وأصبح الإنفاق على مشاريع الحج وخدمة الحجاج من أكبر بنود النفقات. فالحمد لله أولا وآخرا.
حرمة بيوت كبار الأشراف:
هاجم أمير مكة الشريف محمد بن عبد الله بن سعيد - ١١٤٤ هـ - بيت الشريف عبد العزيز من آل بركات لأن أحد الأشراف التجأ إلى بيته، وكان قد أمر هذا الشريف بمغادرة مكة فلم يمتثل، وطلب صاحب المنزل إمهال الشريف اللاجئ إلى الليل فأبى وأحاط البيت بخيله ورجاله وأطلق الرصاص على نوافذ البيت، فأصاب الرصاص بعض الأشراف المجتمعين في الدار فتواثبوا للفتنة، وتدارك الأمر بعض الأشراف فعاد الشريف محمد إلى داره واجتمع الأشراف في دار الشريف عبد المحسن العبدلي - جد الأشراف العبادلة - ورأى عبد المحسن أن يعرض على أمير مكة استرضاء أصحاب البيت المهاجم على قواعدهم المعروفة فندبوا من عرض عليه تقديم خمسة وعشرين من جياد الخيل، ومثلها من العبيد، وستين من الإبل، وأن يأتي في أعقاب ذلك إلى البيت المهاجم معترفًا بخطه معتذرًا عما حدث.
وقد امتثل أمير مكة لهذا الحكم وقدَّم الترضية المطلوبة (١١٧).
إبعاد الأجانب:
في سنة ١١٤٩ هـ أمر أمير مكة الشريف مسعود بن سعيد بأن يغادر المهاجرون مكة بعد أن اتخذها المهاجرون - دارًا للسكنى -
стр. 740
وضيقوا على أهلها في عيشتهم، واستولوا على كثير من مرافقها التجارية، فأصدر أمره بالنداء العام في أسواق مكة بمغادرة المهاجرين، وأغلظ في عقوبة من يتخلف منهم فرحلوا (١١٨).
أقول: وهكذا يعيد التاريخ نفسه فنرى أن الأنظمة الحاضرة تفرض على القادمين للحج والعمرة المغادرة بعد أداء مناسكهم، ولقد تنبه لهذا الأمر عبقري هذه الأمة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فأمر بالمناداة في مكة بعد الحج: (يا أهل الشام شامكم، ويا أهل اليمن يمنكم) (١١٩).
لعن الرافضة:
في سنة ١١٥٧ هـ أمر أمير مكة الشريف مسعود بن سعيد بلعن الرافضة فوق المنابر، وذلك أن ملك العجم - نادر شاه - أرسل إلى الأمير مسعود عالمًا من أئمة علماء الشيعة بكتاب يقول فيه: "إننا اتفقنا مع الخليفة العثماني على الدعاء لنا على منبر مكة، وأن يظهر مذهبنا الجعفرى فيها، وأن يصلي إمامنا في المسجد بجوار المذاهب الأربعة" وتوعَّد الشريف مسعود في كتابه. إن لم يتم ما طلب، وكان - نادر شاه - كاذبًا في ادعائه الاتفاق مع الخليفة العثماني على ذلك، لأنه كان قد خرج على العثمانيين واستولى على بعض ممالكهم في العراق.
اشتد الأمر على الأمير مسعود، وعم الاستياء مكة، واضطربت
стр. 741
الآراء في شأن ذلك، وأرسل الوزير التركي في جدة يطلب الرسول ليقتله، وامتنع الشريف مسعود عن تسليمه، وقال: إني سأحافظ عليه إلى أن أكتب إلى دار الخلافة وأتلقى جوابها، ولم يرض الوزير التركي، وشعر الشريف مسعود أنهم يتهمونه بالميل إلى المذهب الجعفري فأمر بلعن الرافضة ليبرئ ساحته، وقد صدر أمر الخليفة بعد ذلك بتسليم رسول ملك العجم إلى أمير الحج الشامي ليوصله إلى دار الخلافة في تركيا فسلمه الشريف مسعود إليه (١٢٠).
محنة الشيعة:
وصلت قافلة حجاج الشيعة سنة ١١٤٣ هـ متأخرة فلم تدرك الحج، وأقام الحجاج الشيعة في مكة ليحجوا في السنة التالية ١١٤٤ هـ، فزعم بعض العامة أنهم وضعوا النجاسة في الكعبة المعظمة، وثاروا لذلك، وثار بثورتهم العسكر، وقصد الثائرون القاضي، فهرب من فتنتهم، ثم قصدوا بيت المفتى فأخرجوه من بيته، كما أخرجوا غيره من العلماء ذوي الهيئات، واجتمعوا عند وزير أمير مكة الشريف محمد بن عبد الله بن سعيد، وطلبوا من الوزير إقامة الدعوى، دون أن يعينوا خصمًا معينًا، ثم استطاعوا أن ينتزعوا أمرًا من الوزير بإبعاد الشيعة من مكة وخرجوا إلى السوق ينادون بطردهم، ونهب بيوتهم، وذهبوا في اليوم التالي إلى بيت القاضي وطلبوا منه التوسط لدى الأمير بتأييد الأمر الصادر من الوزير بإبعاد الشيعة، فامتنع الأمير ثم اضطر إلى مجاراتهم خوف الفتنة العامة.
стр. 742
أقول: يبدو أن اتهام الشيعة بنجاسة الكعبة المعظمة، وصل إلى مسامع الناس فهاجت نفوسهم، وشاركهم العسكر في هذه الثورة النفسية، فخرجت الأمور من أيدي العقلاء وأولي الأمر، إلى أيدي العامة الذين تصرفوا مدفوعين بغيرتهم على الكعبة المعظمة، ولم يجد الأمير بدًّا من مجاراتهم مما يدل على أن الثورة على الشيعة شملت فريقًا كبيرًا ومؤثرًا من الناس في مكة.
وقد انتهى الأمر برحيل الشيعة إلى جدة والطائف انتظارًا لهدوء الفتنة، واستطاع أمير مكة أن يقبض على دعاة الفتنة، وأرسل إلى الهاربين فعادوا إلى مكة، ويقول مؤرخ مكة السيد زينى دحون نقلًا عن تاريخ الرضى: (أن ما حدث كان نتيجة لتعصب بعض أراذل الناس والأتراك، وأن أهل مكة الحقيقيين لم يكونوا راضين عن ذلك) (١٢١).
دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
كانت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد ظهرت في نجد وشاع أمرها بين القبائل، وكثر المنضمون إليها وقد بعث النجديون إلى مسعود - أمير مكة الشريف مسعود بن سعيد - يستأذنونه في الحج ببعض جوعهم فلم يوافق على دخولهم، وندبوا بعض علمائهم فناظروا علماء مكة ولم ينتهوا معهم إلى وفاق (١٢٢).
أقول: امتد حكم الشريف مسعود بن سعيد لمكة في إمارته الثانية عشرين عاما من سنة ١١٤٥ - ١١٦٩ هـ، وقد ظل منع أمراء مكة
стр. 743
للحج النجدي قائمًا. فقد ذكر المؤلف أن النجديين أرسلوا يستأذنون للحج في عهد خلفه الشريف مساعد بن مسعود ١١٦٥ - ١١٨٤ هـ فلم يؤذن لهم (١٢٣)، كما أنهم طلبوا من الشريف غالب الإِذن بالحج سنة ١٢٠٥ هـ، فمنعهم وهددهم بالقتال ثم أتبع القول بالفعل كما هو موضح في كتب التاريخ (١٢٤).
مهدي من البنغال يقتل خطيب المسجد الحرام:
كان خطيب المسجد الحرام الشيخ عبد السلام الحرشي يلقي خطة الجمعة فوق المنبر، فصعد إليه حاج بنغالي وطعنه بسكين فَرَتْ أمعاءه وقضت عليه واضطرب المسجد، وشاع في الناس أن المهدي ظهر بين المقام والركن، ثم تقدم أحد العلماء فأتم الخطبة وصلى بالناس، وقبض على الجاني حيث أودع السجن ثم أعدم شنقا، ويعلل المؤلف الحادثة بأن الرجل ربما كان مجنونا (١٢٥).
بيع الماء في عرفات:
كانت مكة تستقي مياهها من عين حنين التي أجرتها السيدة زبيدة زوجة الخليفة هارون الرشيد، وأم الخليفة الأمين، وكانت هناك عين أخرى هي عين نعمان تجري إلى عرفة، وقد خربت هده العيون وانقطع الماء عن مكة في أوائل عهد العثمانيين، ونقل المؤلف عن القطبي ما يلى: -
стр. 744
وكان التجار يتاجرون بالمياه في يوم عرفات في عام ٩٢٢ هـ فيبيعونه بأغلى الأثمان، وحججت في بعض السنين في خدمة والدى ففرغ الماء الذى كنا نحمله فاشتريت قربة صغيرة يحملها الرجل بإصبعه بدينار ذهب، يقول القطبى: فأمر سليمان باشا بإصلاح حنين حتى جرى الماء ودخل مكة، وانتهى إلى بركة ماجل في المسفلة، كما أصلح عين نعمان إلى عرفة سنة ٩٣١ هـ، وقد أُنشئت في عرفة بساتين ظلت تسقى بذلك الماء حتى صارت أرضها مرجة خضراء (١٢٦).
إيصال مجاري الماء إلى مكة:
نضبت المياه في عين زبيدة فأمر السلطان سليم عام ٩٧٠ هـ بإصلاح المجاري وتنطيفها، وبذل في ذلك الأموال الطائلة، ولما انتهى الإِصلاح إلى بئر زبيدة دون مكة، وجدوا أن الأرض الصخرية تحول دون الاستمرار في بناء المجاري، فحفروا حفرة هائلة في العمق حول الأرض الصخرية وأوقدوا فيها الحطب.
قبيلة حرب وأمير الحج المصري:
حدث أن تعرضت بعض قبائل حرب على أمير الحج المصري سنة ١٢٠٠ هـ، فأسر نفرًا منهم، وأصرَّ على كيهم بمحاوير محماة في خدودهم ليبقى ذلك وسما لهم يعرفون به، فتشفَّع فيهم بعض مشايخ جرب فأبى، وأجرى عملية الوسم، فصاح صائحهم (يا لقبائل حرب) فاجتمعوا من كل واد وأعملوا السيف في الحملة المصرية،
стр. 745
ومن يتبعها من الحجاج حتى لم ينج منها إلا من استطاع الهرب وكان أمير الحج أحد الهاربين (١٢٧).
أقول: يقول السيد أحمد زيني دحلان: إن قبائل حرب أدركوا أمير الحج المصري في موضع يقال له قوزة، وأرسلوا له يقولون: إن أردت السلامة فاجعل مقررات لمن جعلت في خدودهم العلامة، فامتنع، هناك صاح الأعراب وتجمعوا فحملوا على الحجاج حملة واحدة، فظهر على أمير الحج الذل والانكسار، ففر ومعه تجريدة من الخيل.
هذا ما رأيت تقديمه للقاريء من كتاب "تاريخ مكة"، وقد تجنبت التعرض للأحداث السياسية في مكة عبر القرون وهي تمثل القسم الأعظم من الكتاب، وأود للقاريء أن يقرأ تاريخ مكة بقلم مؤلفه فالكتاب ميسور ومتداول وهو مكتوب بلغة العصر وقراءته تجمع بين المتعة والفائدة ..
* * *
стр. 746
أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة وبعض القرون الماضية
стр. 747
أحمد بن محمد الحضراوي
стр. 748
أحمد بن محمد الحضراوي
اسمه وكنيته:
أحمد بن محمد بن أحمد بن عبده بن أحمد بن أحمد بن حسن بن سعد بن مسعود الحضراوي الشافعي وحضراوي نسبةً إلى محل ببلدة منصورة من أعمال مصر، بها قبة جده الكبير سعد الحضراوي (١٢٨).
مولده وهجرته وتعليمه:
ولد بثغر الإِسكندرية في جمادى سنة اثنتين وخمسين ومائتين وألف (هجرية)، ولما بلغ من العمر سبع سننين قدم به والده إلى مكة المكرمة وتوطناها ونشأ بها، وحفظ القرآن الكريم وأخذ العلم عن جملة من الأعيان، وكان جده أحمد بن عبده مفتى الأحناف ببلدة منصورة من أعمال مصر، كما أخبر هو بذلك.
وفي نشأته بمكة المكرمة تلقى العلم على أفاضل علماء مكة، منهم شيخ العلماء، ومفتى السادة الأحناف الشيخ جمال، والشيخ محمد سعيد بشارة، وتسلك في الطريقة الشاذلية على الشيخ الفاسى ثم المكي (١٢٩).
صفاته:
وصف الشيخ محمد المعصومي أستاذه أحمد الحضراوي في ذكرياته
стр. 749
عن علماء مكة التي نشرت بمجلة الحج فقال: كان رحمه الله تعالى من العلماء الزاهدين، فمن ورعه أنه كان يكتب للناس بالأجرة ويتقوت منها - من أجرة الكتابة - ولا يطمع في المناصب والوظائف وكان يقول: المجتهد قد يخطئ، وقد يصيب فضلا عن أمثالنا فكل الناس كما قال الإِمام مالك يؤخذ عنه، ولا يؤخذ عليه.
مؤلفات الحضراوي:
وُصِفَ الحضراوي في - المختصر من كتاب "نشر النور والزهر" - بأنه كان عالما فاضلا، صالحا، متواضعا، كاتبا، كتب بخطه الكثير من الكتب، واشتغل بتأليف التواريخ وله من التآليف:
(١) العقد الثمين في فضائل البلد الأمين.
(٢) رسالة في فضائل زمزم.
(٣) تاج تواريخ البشر وتتمة جميع السير - ثلاثة أجزاء - والموجود لديّ هما الجزء الأرل والجزء الثاني.
(٤) تراجم أفاضل القرن الثاني عشر والثالث عشر - جزءين - والموجود بعض أوراق من الجزءين.
(٥) تاريخ الأعيان - وأُرجّح - أنه نفس كتاب تراجم أفاضل القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجري.
(٦) ألفية في السيرة النبوية.
(٧) اللطائف في تاريخ الطائف.
(٨) الجواهر المعدة في فضائل جدة.
(٩) مباديء العلوم.
стр. 750
(١٠) رسالة أدبية في الحماسة على لسان أهل الطائف وجدة والمفاضلة بينهما.
(١١) نفحات الرضا والقبول في فضائل المدينة وزيارة الرسول.
(١٢) حسن الصفا فيمن تولى إمارة الحج (١٣٠).
(١٣) بشرى الموحدين في أمور الدين بخصائص سيد الأولين والآخرين ٣٢٢ صفحة.
(١٤) جواهر الانتخاب وفرائد الاكتساب في مختصر كتاب الاستيعاب لابن عبد البر.
(١٥) تخريج رواية أحاديث كشف الغمة (١٣١).
وقد علمت أن هناك مؤلفات أخرى للحضراوي لم ترد في كتاب المختصر من نشر النور والزهر، ولم ترد كذلك في الأعلام للزركلي وهي:
(١٦) الاختبارات البديعة في معرفة بعض سراة حفاظ الشريعة، وهو مختصر من كتاب تذكرة الحفاظ للإِمام الذهبي كما جاء في مقدمة الكتاب.
(١٧) هداية المؤمنين في حمل العصا باليمين.
стр. 751
ولعل من المناسب أن نذكر أن جميع مؤلفات الحضراوي مخطوطة باستثناء كتاب العقد الثمين في فضائل البلد الأمين، الذي ذكر الزكلي في الأعلام أنه مطبوع، ولم أطلع على هذا الكتاب بعد.
هذا ما اجتمع لدينا من مؤلفات الحضراوي، الذي يتميز بالإِكثار من التأليف، الأمر الذي يدل على أن الرجل كان منقطعا للكتابة والتأليف كما جاء في الوصف الذي وصفه به تلميذه الشيخ محمد المعصومي، والذي أوردناه آنفا.
وقد عرفت الحضراوي أو على الأصح عرفت شيئا عنه، من كتاب الجواهر المعدة في فضائل جدة، الذي قام بنشرة وتحقيقه والتعليق عليه صديقنا الشيخ حمد الجاسر في مجلته العظيمة العرب (١٣٢) فتاقت نفسي إلى معرفة المزيد من مؤلفات الرجل وآثاره، وقد تفضل الأخ الكريم الصديق الدكتوو عبد الوهاب أبو سليمان بتحقيق هذه الرغبة فأمدني بنسخة من مخطوطة اللطائف في تاريخ الطائف، كما أمدني ببعض أجزاء من مخطوطة: تاج تواريخ البشر وتتمة جميع السير.
وقد رأيت بعد الاطلاع على ما وصل إليّ من مؤلفات الحضراوي أن ألخص من مؤلفاته ما يلي:
(١) الباب الثالث من كتاب "تاج تواريخ البشر وتتمة جميع السير"
стр. 752
وهو الخاص بولاة مكة المشرفة وجدة من (الباشوات) من طرف الدولة العلية العثمانية بعد خروج الدولة المصرية، وهذا القسم يبدأ من سنة ١٢٥٥ هـ وينتهي في سنة ١٣٠٢ هـ، وهذه الفترة عاصرها الحضراوي وعاش في مكة معظمها فهو يكتب عن علم ومعاصرة، والكتاب مخطوط في ثلاثمائة وأربع وسبعين صفحة وعدد الأسطر واحد وثلاثين سطرا في كل صفحة والقسم الذي اخترت الكتابة عنه يبدأ من صفحة (٢١) وعدد صفحاته ست وعشرين صفحة وخطه مقروء وحروفه كبيرة واضحة وأصله بمكتبة مكة المكرمة ١٢٢/ تاريخ.
(٢) "الجواهر المعدة في فضائل جدة" التي نشرها الأخ الصديق الشيخ حمد الجاسر في مجلة العرب والتي وصفها بقوله: ولعل هذه الرسالة تحوي جُلَّ ما يتعلق بتاريخ جدة، فهى أوفى ما اطلعت عليه في الموضوع (١٣٣).
(٣) "اللطائف في تاريخ الطائف" وهو مخطوط في اثنتين وتسعين صفحة في كل صفحة ثلاثة وعشرون سطرا بخط واضح حسن، وأصل الرسالة موجود بمكتبة مكة المكرمة تحت رقم (١٩) تاريخ.
أهمية الفترة التي كتب عنها الحضراوي:
ولد الحضراوي كما ذكرنا في مقدمة ترجمته سنة ١٢٥٢ هـ،
стр. 753
وهاجر به والده إلى مكة المكرمة وتوطناها وهو في السابعة من العمر سنة ١٢٥٨ هـ، وتوفى بمكة سنة ١٣٢٧ هـ وخلال هذه الفترة ألف كتبه التي ذكرناها آنفًا. وقد يكون هناك غيرها لا نعلم عنه شيئا حتى كتابة هذه السطور، ونستطع أن نستخلص من أسماء الكتب التي ألفها الحضراوي أنها تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: وهو يمثل الجزء الأكبر من مؤلفات الرجل خاص بالتاريخ وتراجم الرجال وهو ما يهمنا في هذه الترجمة.
القسم الثاني: وهو القليل يمكن أن يسلك في عداد الكتب الدينية وما يتعلق بها.
ولكن التاريخ كما ذكرنا يمثل الجزء الأعظم من مؤلفات الحضراوي، وقد اطلعت على بعض أجزاء كتابه المسمى "تاج تواريخ البشر وتتمة جميع السير"، من ابتداء الدنيا إلى آخر القرن الثالث عشر فوجدت الرجل يورد الحوادث البارزة في التاريخ الإِسلامى مغفلا كل ما يتعلق بهذه الحوادث من تفاصيل إلا يكون التاريخ تاريخا كاملا إلا بإيرادها، وهي مذكورة بتفاصيلها في الموسوعات التاريخية المتداولة والمطبوعة، لهذا فإن اختياري وقع على ما كتبه الحضراوي عن الحوادث التاريخية التي عاصرها، أو التي كانت قريبة من العصر الذي عاش فيه فسمع أخبارها من معاصريها، واخترت بالذات ما يتعلق بتاريخ الحجاز في هذه الفترة وهي فترة يعتبرها المؤرخون مجهولة المعالم لقلة ما كتب عنها ونشر.
يقول الأستاذ أحمد السباعي في مقدمة كتابه "تاريخ مكة":
стр. 754
نحن لا نستطع أن نكتب عن تاريخ مكة، كتابة ترضى جيلنا لأن ما نملكه من مصادر لا يصح اعتماده إلا في الأبواب التي كان يعنى بها أسلافنا. ويقول: وعندما أرخ لمكة أهلوها لم تكن نظرتهم اجتماعية بقدر ما كانت دينية، لهذا ظفرت المشاعر وأسماء الجبال المفضلة بما لم تظفر به ناحية أخرى من نواحي التاريخ.
ويقول: قد نجد في خزائن التراث الإِسلامى مطولات لا علاقة لها بمكة، ولكن آفاقها الواسعة وفنونها المتنوعة تسوقها أحيانا إلى الاستطراد في شيء هام له علاقة بمكة، فإذا استطاع المطلع أن يقتنص الاستطرادات من هذا النوع فإنه سيستنتج مادة لها قيمتها في الكتابة عن تاريخ مكة، ولا يتيسر هذا إلا لمتفرغ يقضى سني حياته في القراءة واقتناص ما يصادفه منها - انتهى - (١٣٤).
وهذا الذي ذكره المرحوم الأستاذ أحمد السباعي عن تاريخ مكة ينطبق على تاريخ الحجاز عامة، لهذا فقد كان سروري بالعثور على مؤلفات معاصر للأحداث في الحجاز، في مؤلفات خاصة بالمدن أو الولاة فيه، كان سروري بذلك عظيما، واحتفالي به أعظم، ورأيت أننا بإيراد أهم ما جاء في هذه المؤلفات نجلو ملامح فترة هامة في تاريخ مدن الحجاز، وأحداثه السياسية وحياته الاجتماعية، وهو مدخل يدخل به إلى سراديب هذا العصر الذي لا يبعد عنا كثيرا، ولكن تبعد عنا أخباره وآثاره، وأعني به النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري.
стр. 755
وبعد هذا الإيضاح نأخذ خطانا لنبدأ القراءة والتدوين مستعينين بالله تعالى في هذا الطريق الطويل ونختتم الكلام بذكر ما عثرنا عليه من تاريخ تأليف هذه الكتب.
يقول الحضراوي في نهاية كتابه "الجواهر المعدة في فضائل جدة": وكان الفراغ من تأليفه يوم الاثنين المبارك الحادى عشر من جمادى الآخرة سنة ١٢٨٨ هـ تجاه البيت الحرام (١٣٥).
أما ما اخترناه من كتاب "تاج تواريخ البشر" عن الولاة العثمانيين في الحجاز فيبدأ من سنة ١٢٥٥ هـ وينتهي في سنة ١٣٠٢ هـ، وهي نفس الفترة التي ألف فيها كتابه عن تاريخ جدة.
стр. 756
من كتاب "تاج تواريخ البشر" ولاة الحجاز في عهد الدولة العثمانية
أول من سمي بوالي جدة الحاج عثمان باشا - القرملي - وكان أصله من القرم، ابتدأ ولايته سنة ١٢٥٧ هـ وتوفى سنة ١٢٦١ هـ بجدة ودفن بها.
آثاره المعمارية:
أمر بعمارة مسجد سيدنا الحبر عبد الله بن عباس بالطائف وجدَّد قبته وأمر بترخيم المسجد الحرام، وبنى قبر أمنا حواء وأقام عليها القبة، وعمَّر قلعة الطائف وقلعة رابغ، وبنى سور المعلاة المحيط بالمقبرة وعمَّر سور جدة.
محاربته لمشايخ حرب:
يقول الحضراوي: وكان في مدته قد عصى عليه أحد مشايخ حرب بجهة خليص يقال له ابن الرومي، فأرسل إليه الكردي عثمان بجماعته، وكان كبير الخيالة، فحين توجه الكردي عثمان إلى ذلك المكان صنع للعربان المذكورين طعامًا وأَسَرَّ إلى خدمه وبعض عساكره: "إذا وضعتم الأرز واللحم واشتغلوا بالأكل اضربوهم بالسيوف، واهجموا عليهم هجمة الحتوف" ففعلوا ثم ركب الكردي وجماعته من حينه، وقد تركوا الخيام خوفًا من طارق الأنام، وكانوا أقل من العشرة حتى جاءوا برءوسهم مشتهرة، فنصبت بأعلى السور، ولله عاقبة الأمور، فأتوا بالباقين طائعين.
стр. 757
الوالي محمد شريف باشا:
أُسندت إليه الولاية سنة ١٢٦١ هـ، وكان سابقا شيخ الحرم النبوى بالمدينة المنورة فجاءته الولاية فتوجه من المدينة إلى مكة، ويصف الحضراوى الوالي المذكور فيقول: كان رجلا جيدا صالحا خيِّرًا يحب الفقراء والعلماء ويواسيهم ويتألف الناس.
لم يبق معي غير الجبة:
يقول الحضراوي: وكانت أحواله أحوال الصالحين كلما دخل إلى المسجد الحرام، أو ركب إلى عرفات يبذر للناس ما في جيبه من المعاملة - النقود - فيجتمع عليه جملة من الفقراء، فإذا رآهم اجتمعوا ولم يبق معه دراهم يقلع جبته ويشير إليها، إنه ما بقي معي غير الجبة أتأخذونها؟
عودته لمشيخة الحرم:
عزل الوالي محمد شريف باشا عن ولاية الحجاز وأُعيد إلى مشيخة الحرم النبوي بالمدينة سنة ١٢٦٤ هـ، وفي طريق عودته إليها توفى بينبع ودفن بها وكان قد بلغ من العمر ثمانين عاما.
الوالي محمد حسيب باشا:
أسندت الولاية سنة ١٢٦٤ هـ إلى الوالي محمد حسيب باشا.
عمارة دار أبي سفيان:
عمّر حسيب باشا المحل المعروف الآن بالقبان، وجدد بناءه، وجعله خلاوي لفقراء الحرم، ورتب لهم عيش وشوريه.
يقول الحضراوي: وفي زماننا اتخذت خستخانة لمرضى فقراء
стр. 758
الأهالي والمنقطعين وهي دار أبي سفيان التي قال فيها رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن".
أقول: دار أبي سفيان احتفظت بالاسم الذى ذكره الحضراوي وهو - القَبَّانْ - وكانت تستعمل مستودعا للأدوية لمديرية الصحة العامة في العهد السعودي، وكان موقعها في الجودرية بعد المروة، وقد أُزيلت هذه الدار في التوسعة السعودية للمسجد الحرام التي شملت المسعى.
آثاره المعمارية:
قام حسيب باشا ببناء تكية بجوار دار أم المؤمنين السيدة خديجة - رضوان الله تعالى عليها - وعمّر الميضا المقابلة لعين البزابيز، وجعل فيها بيوت أخلية، وهي في أوائل المسعى من أعلاها، وبلّط رحبة باب السلام وفرشها بالحجر الرخام الأبيض، وكانت قبل ذلك محلا لغسيل الأرجل، وربما كانت الكلاب تجلس فيها فمنعت وصارت من جملة، رحبة المسجد الحرام زيادة له ينتفع به المصلون وغيرهم.
أقول: كانت رحبة باب السلام مفروشة بالرخام الأبيض الجميل وكانت بها حوانيت الكتبية وكان الناس يصلون بها إلى أن أُدخلت مباني باب السلام جميعها مع مباني المسعى في توسعة المسجد الحرام والمسعى.
وبلّط رحبة باب الوداع أيضًا من الخارج، وهو المحل المعروف بحزورة، عند بيت أم هانئ.
عزمه على توسعة المسعى:
يقول الحضراوي: وأراد أن يوسع المسعى ويهدمها ليتسع على الحجاج حال المسعى، ويأخذ من الدور الداخلة في مشعر المسعى
стр. 759
ويجعل طريقا في الذاهب للسعي، وآخر للآيب، ونص حبلًا - وكان مراده أن يجعل عوضه دَرَابِزًا حاجزًا - من الحديد وغيره.
يقول الحضراوي: ثم لما صمم على توسيع المسعى، وهدم بعض الدور الداخلة بالمشعر كما مر، كتب فيه بعض أهالي مكة المشرفة، ونقموا عليه، وتوجه بالكتب إلى الدولة العلية، أحد الفضلاء، وهو المرحوم السيد عبد الله بن عقيل. توجه خفية على ناقة إلى التنعيم ثم أخذ برًّا عن طريق الحربية، وتوجه إلى الآستانة العلية وشكاه، فأمرت الدولة العلية بعزله، وكان إذ ذاك على غفلة، وعزل عن مكة المشرفة سنة ١٢٦٦ هـ، فتوجه إلى الآستانة مكرّمًا فتولى بها جملة ولايات من - جملة - بينها - نظارة الأوقاف إلى أن توفى بها سنة ١٢٨٧ هـ.
أعماله الأخرى:
يقول الحضراوي: وأخرج مكاتب الصبيان من الحرم الشريف، وفرَّقهُم في الزوايا، ورتب لكل فقيه مائة قرش بالخزينة العامرة.
ويقول الحضراوي: وربما كان يَعُسُّ بنفسه ليلا، ويدور مكة بزي أحد العساكر، ويختفي بالقهاوي، ويتفقد المحتاجين من ذوى البيوت.
تأسيس مراكز الشرطة:
يقول الحضراوي عن هذا الوالي: وأزال جملة من المنكرات، ورتب كركولات بباطن مكة من العساكر النظامية فجعل في المسعى كركولا، وبالمدعى كركولا، وبسوق المعلى مثله، وبالشبيكة عند المحجوب مثله، والهجلة مثله، وعند بيت الباشا مثله.
стр. 760
أقول: الكركول هو الاسم التركي لمركز الشرطة، وكان الناس ينطقونه في الحجاز بالنون لا باللام.
الوالي محمد كامل باشا:
أُسندت إليه الولاية سنة ١٢٧١ هـ، وكان على خلاف مع الشريف عبد المطلب أمير مكة المكرمة.
يقول الحضراوى: وفي مدته وقع الخوف في سائر الحرم وأطرافه، وثارت فتنة بمكة ثم جهز عرضيًّا من جدة لمقاتلة الشريف عبد المطلب ونادى الناس واشتد الكرب وحصل الوسواس وتحت - كلمة ناقصة - على عزل أمير مكة المذكور لتكاثر الفتن والشرور ثم عزل عن مكة بسبب منافسة بينه وبين أمير مكة الشريف عبد المطلب بن غالب وأوضح ذلك في هامش الكتاب فقال: ثم لم يتفق الحال بين الوالي المذكور وبين الإمارة لأسباب من جملتها إبطال بيع الرقيق علنًا فقامت البلد وثارت العامة يوم الخميس تاسع عشر رجب سنة ١٢٧٢ هـ وصار رمي البندق بالمسجد الحرام، وأصاب البيت الشريف، وقتل نحو تسعة وعشرين إنسانا من الأهالي.
مقتل القنصلين الإنجليزي والفرنسي بجدة:
في سنة ١٢٧٤ هـ أُسندت ولاية الحجاز إلى الوالي محمود باشا، وفي عهد ولايته وقعت الفتنة بين أهالي جدة والمقيمين بها من النصارى.
أقول: "وقد كنت ذكرت شيئا عن هذه الفتنة في الجزء الثاني من أعلام الحجاز نقلا عن موسوعة مدينة جدة للأستاذ عبد القدوس
стр. 761
الأنصارى" (١٣٦) وقد أورد الحضراوي أخبار هذه الفتنة بتفصيل أوضح مما ورد في موسوعة جدة وها نحن ننقل هنا ما أورده الحضراوي:
يقول الحضراوي: وفي مدته - محمود باشا - كانت مقاتلة أهل جدة مع من فيها من النصارى فقاموا عليهم وقتلوهم، وأسباب هذه الفتنة أن أولاد صالح جوهر تخاصموا مع بعضهم، فرفع على سفينته علم الدولة العثمانية، وكان أولاد صالح جوهر رعية للإِنجليز، فجاء القنصل الإِنجليزي إلى السفينة وأنزل الراية العثمانية ومزقها كسرها، وداس عليها بكنترته - حذائه - ورفع راية الإِنجليز على السفينة، فلما علم قائمقام جدة بما ذكر استشاط غضبًا، واستدعى محتسب جدة - رئيس البلدية - عبد الله أغافران، وقال له: "اجمع مائة من الحضارم بسلاحهم، ودعهم يمرون" أمام بيت القنصل لعله يرتهب، فلما اجتمعوا وتبعهم الرعاع والغوغاء، قامت البلد على ساق وانتشرت الفتنة بالاتفاق، وكان قد قدم إلى جدة مركب حربي فرنساوي ورسى في المرسى فأرسل نامق باشا لأهل المركب أنهم يرسلون - كَمْ قُلَّهْ - عددًا من القنابل على البلد من فوقها لإِرهاب المفسدين، ولقلة العساكر بجدة، فحين وقعت القنابل وإن كانت لم تصب أحدا، ولم تحدث حدثا، فرَّ الناس إلى مكة هاربين فنزل الباشا المذكور من مكة إلى جدة، وصحبته جملة من العلماء كشيخ الإِسلام مولانا الشيخ جمال شيخ عمر، والشيخ صديق كمال، والشيخ محمد جاد الله، والسيد علي نائب الحرم، وغيرهم - رحم الله الجميع -، وتدارك الأمر بعد التلاشى، ودبر إطفاء تلك الواقعة، وكان أهل جدة
стр. 762
أوقعوا قتلًا ونهبًا وأسرًا في سائر النصارى القاطنين بها وغيرهم، فجمعوا جملة من أموالهم من الناس، وقتلوا نحو أثنى عشر رجلا، ممن وجب عليهم القتل، لأنهم قتلوا بإقرارهم، ونفوا نحو أربعين، وأفقدوا محتسبها المذكور عبد الله أغا محتسب، وأما قائمقام فأنكر كونه قال للمحتسب أجمع مائة من الخصام .. إلخ.
وقتلوا أيضا الشيخ سعيد العمودى كبير الحضارم، وكان رجلًا صالحًا ديّنًا.
وأستطع أن أعلق على ما أورده الحضراوي في شأن هذه الواقعة، بأن القائمقام الذي أوعز لرئيس البلدية - المحتسب - لتجميع الحضارم وإرسالهم بسلاحهم كقوة استعراضية أمام منزل القنصل الإنجليزي، هو الذي هيأ للعامة والغرغاء أن ينضموا إلى هذه القوة، وقد عرف الناس أن القنصل الإنجليزي أهان علم الدولة العثمانية، - وهو رمز الإِسلام عند المسلمين في ذلك الزمان - فأنزله من السفينة ومزقه ودهس عليه بحذائه، فثارت الغيرة الدينية في نفوسهم، فانطلقوا فقتلوا القنصل الإِنجليزي والفرنسي ومن استطاعوا الوصول إليهم من النصارى المقيمين بجدة ونهبوا أموالهم، والفتنة كالنار إذا شبت أخذت ما في طريقها، وكان الأولى بالقائمقام أن يتصرف بالحكمه، ويغلِّب جانب العقل، ولا يدخل العامة في معالجة هذه الأمور، وأغرب ما في القصة التي أوردها الحضراوي أن نامق باشا أوعز للبارجة الفرنسية بإلقاء بعض القنابل على المدينة للإرهاب بحيث لا يصيب الأهالي أو المباني. ونستطيع أن نستخلص من هذه الحادثة عدة أمور:
стр. 763
(١) أن الدولة لم يكن لديها من جنود الأمن ما يكفي لتسكين الفتن إن ثارت، والمحافظة على أمن المدينة.
(٢) أن الحضارم كانوا موجودين في مدينة جدة ولديهم السلاح وكانوا متكتلين تحت قيادة كبارهم، وقد قتل من كبار الحضارم في جدة الشيخ سعيد العمودي كبيرهم، ونفي إلى قبرص الشيخ يوسف بإناجة وغيره من كبار الحضارم.
(٣) أن القنصل الإنجليزي كان أرعن لإِقدامه على إهانة علم الدولة العثمانية، وكان الأولى به أن يتصرف مع ولد صالح جوهر الذي غيرَّ العلم الإِنجليزي، ليعيده إلى السفينة بدلًا من أن يتصرف هو ذلك التصرف الأرعن الذي كان سببًا في هلاكه.
(٤) أن القائمقام كان أكثر رعونة من القنصل لأنه أراد معالجة الأمر بالتخويف، فانطلقت الفتنة من عقالها وقام بكبرها الغوغاء الذين استثيرت حميتهم الدينية فاندفعوا يقتلون وينهبون.
علي باشا الكتهيلي:
وفي سنة ١٢٧٦ هـ قدم مكة المشرفة الوالي علي باشا الكتهيلي، وفي أيامه عصوا عليه الأرانطة الباش بوزك وهجموا على مدرسته لأجل ماهياتهم لأنه كان يحب التوفير في الخزينة العامة، ثم عزل في سنة ١٢٧٨ هـ.
الوالي الموسوس:
وفي سنة ١٢٧٨ هـ تولى المشير عزت باشا وكانوا يلقبونه الموسوس، لأنه كان ربما يتوضأ بخمسة أباريق ودوارق ويظن أنه لم يحسن
стр. 764
وضوءه. وفي مدته غلت الأسعار وحصل الموت العام، ولم يحدث من الخيرات شئ إلا نزرًا يسيرًا، وكان له جانب عبادة ثم عزل في سنة ١٢٨١ هـ.
ونستطيع أن نستخلص من هذا أن الطاعون وقع بالحجاز في السنوات التي تولى فيها هذا الوالي الموسوس، وقد عبر عنه الحضراوى بالموت العام.
الوالي المتواضع:
في سنة ١٢٨١ هـ أُسندت الولاية إلى محمد وجيهي باشا شيخ الوزراء، وكان ساكن الحركات صاحب لطافة مسن، موافق لسائر الناس، حمدت سيرته في الناس، كثير الطواف، وكان ربما انفرد عن العساكر والأغاوات، ويمشى بخادم واحد من المدرسة لدار الحريم، وكانت أيامه كلها ساكنة إلى أن توفى بالطائف سنة ١٢٨٣ هـ وعمره قد ناهز الثمانين.
آثاره المعمارية:
وكان ديدنه التحصين، عمّر قلعة مكة وجددها ورخَّمها، وعمّر قلعة الطائف وسورها وأتقن الأبراج وأصلح المآثر.
الوالي الساذج:
في سنة ١٢٨٣ هـ أُسندت الولاية إلى محمد معمر باشا، ووصل إلى مكة سنة ١٢٨٤ هـ لأنه مكث بمصر مدة نصف عام، ثم وصل إلى جدة وبدأ بزيارة المسجد النبوي الشريف.
стр. 765
يقول الحضراوي: ودخل إلى البيت الحرام متواضعا صاحب عبادة تامة، وتواضع وانكسار، إذا أراد أن يطوف أو يدخل الحرم الشريف لا ينزل إلا لوحده - منفردًا - كأحد العامة، وربما إذا أراد استلام الحجر الأسود لا يعرفه الحجاج، فهذا يدفعه، وهذا يوكزه حتى يقبّل الحجر بتواضع كأحد الناس، ويقبل عرضحالات (١٣٧) الفقراء بنفسه ويقبل على الناس، وإذا ذهب إلى بيت الحريم هو وخادم - يمشى خلفه من بعيد - كثير العبادة، يحب العلماء، غير أنه لم يكن له معرفة بالسياسة الدنيوية، باطل الحركة عن مدارات الرعية، لا يدري الأمور الداخلية والخارجية كأنه ساذج لا يعرف أحوال الدولة.
ثم إنه لما رأى نفسه عاجزًا عن تدبير الرعية توجه بن مكة في أوائل سنة ١٢٧٨ هـ إلى الآستانة العلية وطلب الاستعفاء عن الولاية، فوجهته الدولة إلى أنقرة واليًا عليها.
وقد أوضح الحضراوي بعد ذلك سبب طلبه الإِعفاء من الولاية فقال:
وأسباب طلبه الاستعفاء وتوجهه أنه جاءت بعض أوامر تتضمن إجراءً هامًّا بالحجاز فطلبوا الاستسقاء والاستغاثة بالطائف، وكان جملة أعيان مكة بالطائف وقد شعروا بذلك، فبعد أن استغاثوا، اجتمع الناس من أهالي مكة والطائف حوالي الباشا يلاطفونه بأن مكة والحجاز مستثنى لا يقبل مثل هذا الاعتناء من الدولة العلية به وبأهله، وكون أهله جيران
стр. 766
الحرم، وحين اجتمعوا حواليه بالمصلَّى، وانضم الناس إليهم ارتاع الباشا المذكور، وقال لهم: والله لا أحدث شيئا، ولا لكم إلا ما يسركم لكونكم من أهل الله وجيران بيته، ثم لما قدم مكة المشرفة توجه إلى الآستانة مستعفيًا من الولاية كما تقدم .. انتهى ما ذكره الحضراوي.
ونستطيع أن نستخلص من هذه الحادثة أن الدولة العثمانية كتبت إلى والي الحجاز بإجراء بعض الأمور التي اعترض عليها الناس لما علموا بخبرها فطلبوا من الوالي إقامة صلاة الاستسقاء، فلما اجتمعوا للاستغاثة وأقاموا الصلاة، التفوا حول الوالي وكان الزمان صيفا وجُلُّ أعيان مكة يصيفون بالطائف، أقول التفوا حول الوالي وقالوا له: إن الحجاز باعتباره بلد الله يجب أن يكون معفًى من الإِجراءات التي تطبقها الدولة في البلدان الأخرى مثل مصر والشام وغيرها، فلم يكن من الوالي بعد أن رأى التفاف الناس حوله وفيهم الأعيان والعوام إلا أن وعدهم بأن لا يجري شيئًا مما أُمر به ثم توجّه إلى الآستانة فاستعفى من ولاية الحجاز.
والواقع أن نظرة الدولة العثمانية إلى الحجاز، ونظرة أهل الحجاز إلى أنفسهم في ذلك الزمان كانت تتلخص في أن الحجاز بلد فقير، فيه بيت الله الحرام، ومسجد نبيه الكريم، وأنه يعيش على ما ترسله الدولة من المعونات لأهله وما يرد من الحجاج الوافدين إليه، وأن أهله بصفتهم من جيران البيت الحرام والمسجد النبوي الشريف يجب أن يكونوا معفيين من الأنظمة والإجراءات التي تطبق في الولايات الأخرى، وقد شمل هذا الاستثناء نظم التعليم والجندية وغيرهما. ففي الوقت الذي كانت فيه الولايات الأخرى في مصر والشام والعراق تتمتع بنظام تعليمي متقدم وكذلك بتظام تعليمي عسكري فإن الحجاز كان مُعْفى من هذه الأنظمة
стр. 767
الأمر الذى أصبح فيه متأخرًا عن الولايات الأخرى، وكان رجال الدولة العثمانية يننظرون إلى أهل الحجاز هذه النظرة الخاصة فيعفونهم من الانخراط في سلك الجندية ويتركون أمور التعليم قاصرة على حلقات العلم الديني في المسجدين ويرسلون - الجرايات - إلى الحجاز، ويظنون أنهم بهذا يميزونه لجوار أهله للحرمين الشريفين، كان أهل الحجاز قانعين بحياتهم، ولهذا فإنهم التفوا حول الوالي وقالوا له -: "إن الحجاز مستثنى ولا يقبل مثل هذا الاعتناء من الدولة العلية" كما ذكر الحضراوى من قبل.
كنت أود لو أن الحضراوى ذكر لنا ما هي الإِجراءات التي طلبت الدولة العلية من الوالي تنفيذها في الحجاز؟ والتي وصفها أهالي مكة باعتناء الدولة بهم، ويبدو لي من فحوى كلمة الاعتناء أن الأمر لم يكن يتعلق بضرائب تفرض على الحجاز، وإنما كان نوعا من العمل المفروض للنهوض بالبلاد في مرافق الجندية أو التعليم، ولكني لا أستطيع الجزم بذلك، وإن كنت أرجحه - والله أعلم -.
الوالي خورشيد باشا:
أُسندت الولاية إلى خورشيد باشا ودخل مكة في الرابع من شوال سنة ١٢٨٧ هـ.
يقول الحضراوي: وكان قد قدم قبله إلى مكة مدير الحرم عزت أفندي متوليًّا على المديرية العامة، فأمر بتبطيل الأذكار في المسجد الحرام، ومنع الذين يقرأون دلائل الخيرات بالْجُمَع لعدم التشويش على المصلين، وجعل عساكرًا من النظامية في المسجد الحرام، يمنعون من يعفِّش بالمسجد أو يكثر الحركات الصبيانية.
стр. 768
ووصف الحضراوي خورشيد باشا فقال: كان عالمًا فاضلًا يحب العلم وأهله، حتى بلغني أنه ينظم الشعر ويرويه.
بناء قلعة الطائف:
وخورشيد باشا هو الذي بنى قلعة الطائف.
يقول الحضراوى: ثم إنه عمّر قلعة الطائف، وجعل فيها مسجدا، وجعل فيها سائر دوائر الحكومة وما يتعلق بها، والخزينة، فكانت لطفة منه، وكان ذلك سنة ١٢٨٨ هـ.
أقول: ولا تزال قلعة الطائف باقية على هذه العمارة بيد أنها تستعمل للأغراض العسكرية.
بين الوالي والمفتي:
في ولاية خورشيد باشا ثارت في مكة فتنة فقام بعض الضباط يريدون تهييج العساكر على أهل مكة فجمعهم - الوالي - وقال: لا أحد يحدث حدثا، ولا يرمي رصاصة بغير أمري، واستدعى مفتي البلد، والشيخ الشيبي، وكان الرعاع قد هيجوا الجرى في الطرقات. قال المفتي الشيخ عبد الرحمن سراج مقتبسًا: يا أفندينا [لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا]. فأجابه الباشا قائلا: يا مولانا كأنك تشير لي بمعنى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ فوالله لا أحب الفتنة.
أمير مكة يسكن الفتنة:
يقول الحضراوي: فما كان بأسرع من أن ركب حضرة أمير مكة سيدنا الشريف عبد الله باشا - أدام الله بقاءه - وسَكَّن الفتنة، وأَمَّن
стр. 769
البلد، ودارها - سار فيها - هو وقرابته النجبا بالقواسة (١٣٨) أمامه، وصار يخاطب كل أحد بقوله: يا فلان اجلس وابسط دكانك.
خورشيد باشا يلجأ إلى بيت الشريف:
يقول الحضراوي: ثم تولى بعده أفندينا قاسم باشا القيصرلي متصرف على جدة ومكة والطائف، وكان متصرف قبل هذه النوبة على المدينة المنورة، ثم صرف عنها بولاية جدة فقط، ثم أُضيفت له ولاية مكة المشرفة، فدخلها على حين غفلة يوم الثلاثاء الثالث عشر من شوال سنة ١٢٨٨ هـ بموكب جميل وهو محرم متواضع، ابتدأ عند الدخول بالطواف والسعي بعمرة بعد صلاة العصر، وأما خورشيد باشا المتقدم فحين بلغه مجيء قاسم باشا خرج عن مدرسة الحكومة مهوولًا بخادم وراءه شايل بقشة له إلى بيت الخاسكية المقابل لها، وعليه آثار الحزن الخيف، فالتجأ إلى حمى الدار المذكورة، وهي لمولانا الشريف، فناداه لسان حال المتولي القادم: "إنما أنا قاسم" فضربت له المدافع تشريفًا، وكانت سبعة عشر مدفعا لقدر رتبته البهية، واستمر خورشيد باشا إلى أن أتى فرمان المتولي الجديد السلطاني بالتأييد الشاهاني، والعز الخاقاني.
أقول: بيت الخاسكية كان يقع على الصفا، أمام باب علي بن أبي طالب ﵁، وقد أُزيل والبيوت التي حوله جميعها حينما تمت التوسعة السعودية للمسجد الحرام وتنظيم المسعى.
стр. 770
الوالي يعاقب محتسب السوق:
يقول الحضراوى: عن الوالي قاسم باشا: فأول خير فعله عزله لمحتسب السوق وحبسه له بالحديد في أسفل جياد، ولم يسبق لمثله فعله، ولا تقدم، والأمر عليه محاسبة كل من أخذ منه شيئًا من الرشوة، فتقدمت فيه جملة عروض من أهل الأسواق، وحاسب كل من له شئ عنده من النقود، وكان زاد وفاق غيره عن الحدود، ثم ولى مكانه أحد العلماء الأفاضل والخطباء الأماثل الشيخ عبد الرحمن العجيمي من بيت فضل وصلاح وعلم ونجاح وهو اللائق بمنصب الاحتسابة، أن لا يكون في الظاهر مصلح، وفي الباطن مجرح، والله يعلم المفسد من المصلح.
رخص الأسعار:
يقول الحضراوي: عن المحتسب الجديد عبد الرحمن العجيمي: فرخصت في مدته الأسعار، وصار رطل اللحم بستين ديواني بعد أن كان بثلاثة قروش، وكيلة الحب المصري بثلاثة قروش بعد أن كانت بخمسة وستة قروش، ورطل السمن بستة بعد أن كان بثمانية وتسعة، وكانت الأسعار قد تمادت في الغلو مدة المحتسب الأول مدة ثلاث سنوات على ما تقدم سعره.
تنظيم الدكاكين في المسعى:
يقول الحضراوي: عن المحتسب العجيمي: ونقل بياعين السمن، والعيش من المسعى بعد أن كانوا يزاحمون من يريد السعي فصار ميدانًا للمشعر، فَدَخَّلُوا الباعة في الدكاكين، وزالت بعض الأمور المخلة من ضيق ذلك المشعر عن يقين.
стр. 771
عزل المحتسب العجيمي:
يقول الحضراوى: وفي اليوم الثاني عشر من شهر شعبان سنة ١٢٨٩ هـ عزل المحتسب المذكور، وولى مكانه زابط - ضابط - من طرف الديوان اسمه خليل، أصله قواس ثم حباس، ثم صار كبير بعض القواسة بديوان الحكومة إلى أن صار زابط للسوق.
حدة طبع الوالى:
يقول الحضراوي: عن قاسم باشا: وكانت تصرفات هذا الباشا كلها حميدة، إلا أنه يغلب عليه سماعه للدفتردار سليمان أفندي، فضيق على أهل المعاشات، وأمره بالنزول إلى جدة مع الخزينة وحصر الكتبة، وإسَاءَتْ بعض العامة، وكل من وقع له من الرعايا يقوم بنفسه ويضربه بيده، ويتكلم ببعض الكلمات القبيحة، فكان يغلب عليه الحمق، وإلا فهو نبيه فطن حافظ لصداقة الوظيفة، ثم بعد ذلك صرف عن مكة المشرفة، هو والد فتردار سليمان أفندي، وكان عزل قاسم باشا في أواخر شعبان سنة ١٢٨٩ هـ.
حدود ولاية الحجاز:
يقول الحضراوي: ثم تولى محمد رشيد باشا المشير واليا على الحجاز كالعادة الأولى الجارية في الولاة وكان وصوله إلى مكة المشرفة يوم الخميس المبارك ليلة العشرين من شهر شعبان من السنة المذكورة ١٢٨٩ هـ، وقرئ فرمانه بالمسجد الحرام يوم السبت ثاني وعشرين من الشهر المذكور، بأنه والي ولاية الحجاز، ويحد ولايته من الشرق جبل شمَّرْ بمدينة الرسول ﷺ ، ومكة وجدة والطائف، إلى حدود رنية من أرض الحجاز.
стр. 772
أقول: جبل شَّمرْ بحائل وليس بمدينة الرسول ﷺ .
المحتسب بكرى باشا:
يقول الحضراوي عن المشير محمد رشيد باشا: وولى محتسبا من الأهالي يقال له بكري باشا من أصناف المطوفين، فغلا سعر اللحم وارتفع بيقين.
فرض الضريبة على الأغنام:
ووضع على كل رأس مما يذبح من الأغنام عشرين ديواني للميري.
والي الحجاز الصدر الأعظم السابق:
أُسندت ولاية الحجاز في شهر جمادى الآخرة من سنة ١٢٩١ هـ إلى أحد النبغاء الكرام، والرؤساء الفخام، الوزير الأعظم السيد محمد رشيد باشا الصدر الأعظم سابقا الشهير بالشرواني.
يقول الحضراوي: كان حين رفع عن الصدارة العظمى توجه إلى مدينة حلب واليا عليها، ثم وجهته الدولة العلية منها إلى الأقطار الحجازية.
لا موكب بعد الصدارة العظمى:
فقدم مكة ليلة الخميس غاية شهر جمادى الآخرة سنة ١٢٩١ هـ، محرمًا لله ناسكًا طائعًا، ملتزمًا بأعتاب بيت الله معترفًا ماسكًا (١٣٩).
стр. 773
ثم يقول الحضراوي عن هذا الوالي: شاوَرُوه في الرجوع ليلا إلى خارج البلد ليدخلها صباحا بانتظام الموكب مثل عادة الولاة فقال: لا موكب بعد الصدارة العظمى، ولا ينبغي في محل مهبط الوحي ونزول القرآن غير التواضع، وترك العجب.
هايتلو دولتلو:
يقول الحضراوي: ثم في ثاني الأيام قرئ الفرمان الهمايوني فزيد فيه في ألقابه: "هايتلو دولتلو" وهو عالم فاضل داغستاني الأصل، أصله من الخواجات (١٤٠) العلماء الأفاضل، محدث كامل، وفقيه نبيه، يحب العلماء، ومجالس الخير، فكم له من صدقات فاخرة، وخيرات يخص بها الأفاضل، ويضرب به في الكرم المثل، عربي اللفظ عليه سكينة ووقار مع جلال واحتشام.
الدراويش:
يقول الحضراوي عن الصدر الأعظم: صحب معه إلى مكة جملة من الدراويش، وزار المآثر جميعها وتصدق على فقراء الحرم.
أقول: الدراويش جماعة من الناس يقولون عن أنفسهم: إنهم تفرغوا للعبادة والذكر، والسذج من الناس يتوسمون فيهم البركة، فيقومون بإطعامهم، وإسكانهم وهذا ليس من الدين الصحيح في شيء، فالذكر لا يمنع العمل، والمسلم الأبي يعمل بيديه ليقوم بشئون نفسه وأهله ولا يقبل الصدقات، فاليد العليا خير من اليد السفلى.
стр. 774
وفاة الصدر الأعظم بالطائف:
لم يمكث الصدر الأعظم في الولاية إلا شهرا وبضعة أيام.
يقول الحضراوي: وفي رابع شعبان توجه إلى الطائف ونزل ببستان أمير مكة سيدنا الشريف عبد الله باشا في قصره الشامخ بشبرة مقابل العقيق فمكث بالطائف مدة أسبوع، فتغير عليه الهواء وصادفه الأجل المحتوم، فاشتكى يوم الجمعة بعد أن صلى بمسجد حبر الأمة ومكث إلى ليلة الربوع - الأربعاء - الحادى عشر من شعبان المعظم في نصف الليل صار إلى رحمة الله ورضوانه.
إصلاحات الصدر الأعظم:
بالرغم من قصر المدة التي قضاها الصدر الأعظم السابق السيد محمد رشيد باشا إلا أنها كانت حافلة بالأعمال الإِصلاحية في مكة والطائف.
يقول الحضراوي: وكانت عين زبيدة حصل فيها خراب وضعف ماؤها جدًّا، فأرسل حالا من الطائف مشرفين للقياس على مصرفها، وأمر من حينه بنحو تسعين ألف غرش لعمارتها، وأمر بفتح باب جنوبي في مسجد حبر الأمة - مسجد ابن العباس بالطائف - وتبليطه لتوسيع المسجد، والخروج على طريق السلامة، فحالا جرى ذلك وقضى حوائج السائلين وأوصى بجملة جنيهات من ماله تفرق على أهل مكة المشرفة ففرقت.
مدرسة الكتبخانة:
وأمر بشراء مدرسة كتبخانة - مكتبة - عند باب التكية المصرية
стр. 775
في مكة المشرفة بجوار المسجد الحرام فحالا صارت، ووضعت فيها الكتب النفيسة المعتبرة، وعينوا لها مباشرين.
ويعلق الحضراوي على أعمال الصدر الأعظم فيقول: غير أنه لم يتهنَّ بالمجاورة، وكانت نيته لأهل مكة والبلد خيرًا، لأنه قمع الدفتردار الذي كان يغم الأهالي، وينقص معاشاتهم، وأمعن النظر في الهمة حالًا بعين زبيدة لكن لم يتهن به الناس.
أقول: كانت التكية المصرية أمام باب أجياد مواجهة للمسجد الحرام، ولابد أن المدرسة التي اشتراها الصدر الأعظم وجعل منها مكتبة كانت مواجهة للتكية مما يلي الحرم، وقد أدخلت المدارس التي كانت شارعة على الحرم كما أدخلت التكية المصرية وغيرها من المباني في التوسعة السعودية للمسجد الحرام.
الوالي محمد تقي الدين باشا:
في أواخر شهر شوال سنة ١٢٩١ هـ تولى ولاية الحجاز محمد تقي الدين باشا الحلبي وقدم إلى مكة في العشر الأواخر من شوال سنة ١٢٩١ هـ وكان قبل الباشوية في سلك العلماء. تولى الفتوى بجهة حلب نحو عشر سنوات.
التلاعب من القائمين على عين زبيدة:
يقول الحضراوي عنه: فلم يحدث شيئا، إلا أنه أمر بالبحث على مشايخ سقاية العين، وعزل سقاباشي - رئيس السقاة إسماعيل تفاحة - وولى السيد خالد شبيكة، وسَعَّرَ القربة - قربة الماء - بعشرين ديواني ومن زاد بسعره يشق قربته، فاستراح الناس وكثر الماء وراج، وفاض الماء بكثرة في زحمة الحجاج.