← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

عزل المحتسب العجيمي: يقول الحضراوى: وفي اليوم الثاني عشر من شهر شعبان سنة ١٢٨٩ هـ عزل المحتسب المذكور، وولى مكانه زابط - ضابط - من طرف الديوان اسمه خليل، أصله قواس ثم حباس، ثم صار كبير بعض القواسة بديوان الحكومة إلى أن صار زابط للسوق. حدة طبع الوالى: يقول الحضراوي: عن قاسم باشا: وكانت تصرفات هذا الباشا كلها حميدة، إلا أنه يغلب عليه سماعه للدفتردار سليمان أفندي، فضيق على أهل المعاشات، وأمره بالنزول إلى جدة مع الخزينة وحصر الكتبة، وإسَاءَتْ بعض العامة، وكل من وقع له من الرعايا يقوم بنفسه ويضربه بيده، ويتكلم ببعض الكلمات القبيحة، فكان يغلب عليه الحمق، وإلا فهو نبيه فطن حافظ لصداقة الوظيفة، ثم بعد ذلك صرف عن مكة المشرفة، هو والد فتردار سليمان أفندي، وكان عزل قاسم باشا في أواخر شعبان سنة ١٢٨٩ هـ. حدود ولاية الحجاز: يقول الحضراوي: ثم تولى محمد رشيد باشا المشير واليا على الحجاز كالعادة الأولى الجارية في الولاة وكان وصوله إلى مكة المشرفة يوم الخميس المبارك ليلة العشرين من شهر شعبان من السنة المذكورة ١٢٨٩ هـ، وقرئ فرمانه بالمسجد الحرام يوم السبت ثاني وعشرين من الشهر المذكور، بأنه والي ولاية الحجاز، ويحد ولايته من الشرق جبل شمَّرْ بمدينة الرسول ﷺ ، ومكة وجدة والطائف، إلى حدود رنية من أرض الحجاز.

стр. 772

أقول: جبل شَّمرْ بحائل وليس بمدينة الرسول ﷺ . المحتسب بكرى باشا: يقول الحضراوي عن المشير محمد رشيد باشا: وولى محتسبا من الأهالي يقال له بكري باشا من أصناف المطوفين، فغلا سعر اللحم وارتفع بيقين. فرض الضريبة على الأغنام: ووضع على كل رأس مما يذبح من الأغنام عشرين ديواني للميري. والي الحجاز الصدر الأعظم السابق: أُسندت ولاية الحجاز في شهر جمادى الآخرة من سنة ١٢٩١ هـ إلى أحد النبغاء الكرام، والرؤساء الفخام، الوزير الأعظم السيد محمد رشيد باشا الصدر الأعظم سابقا الشهير بالشرواني. يقول الحضراوي: كان حين رفع عن الصدارة العظمى توجه إلى مدينة حلب واليا عليها، ثم وجهته الدولة العلية منها إلى الأقطار الحجازية. لا موكب بعد الصدارة العظمى: فقدم مكة ليلة الخميس غاية شهر جمادى الآخرة سنة ١٢٩١ هـ، محرمًا لله ناسكًا طائعًا، ملتزمًا بأعتاب بيت الله معترفًا ماسكًا (١٣٩).

стр. 773

ثم يقول الحضراوي عن هذا الوالي: شاوَرُوه في الرجوع ليلا إلى خارج البلد ليدخلها صباحا بانتظام الموكب مثل عادة الولاة فقال: لا موكب بعد الصدارة العظمى، ولا ينبغي في محل مهبط الوحي ونزول القرآن غير التواضع، وترك العجب. هايتلو دولتلو: يقول الحضراوي: ثم في ثاني الأيام قرئ الفرمان الهمايوني فزيد فيه في ألقابه: "هايتلو دولتلو" وهو عالم فاضل داغستاني الأصل، أصله من الخواجات (١٤٠) العلماء الأفاضل، محدث كامل، وفقيه نبيه، يحب العلماء، ومجالس الخير، فكم له من صدقات فاخرة، وخيرات يخص بها الأفاضل، ويضرب به في الكرم المثل، عربي اللفظ عليه سكينة ووقار مع جلال واحتشام. الدراويش: يقول الحضراوي عن الصدر الأعظم: صحب معه إلى مكة جملة من الدراويش، وزار المآثر جميعها وتصدق على فقراء الحرم. أقول: الدراويش جماعة من الناس يقولون عن أنفسهم: إنهم تفرغوا للعبادة والذكر، والسذج من الناس يتوسمون فيهم البركة، فيقومون بإطعامهم، وإسكانهم وهذا ليس من الدين الصحيح في شيء، فالذكر لا يمنع العمل، والمسلم الأبي يعمل بيديه ليقوم بشئون نفسه وأهله ولا يقبل الصدقات، فاليد العليا خير من اليد السفلى.

стр. 774

وفاة الصدر الأعظم بالطائف: لم يمكث الصدر الأعظم في الولاية إلا شهرا وبضعة أيام. يقول الحضراوي: وفي رابع شعبان توجه إلى الطائف ونزل ببستان أمير مكة سيدنا الشريف عبد الله باشا في قصره الشامخ بشبرة مقابل العقيق فمكث بالطائف مدة أسبوع، فتغير عليه الهواء وصادفه الأجل المحتوم، فاشتكى يوم الجمعة بعد أن صلى بمسجد حبر الأمة ومكث إلى ليلة الربوع - الأربعاء - الحادى عشر من شعبان المعظم في نصف الليل صار إلى رحمة الله ورضوانه. إصلاحات الصدر الأعظم: بالرغم من قصر المدة التي قضاها الصدر الأعظم السابق السيد محمد رشيد باشا إلا أنها كانت حافلة بالأعمال الإِصلاحية في مكة والطائف. يقول الحضراوي: وكانت عين زبيدة حصل فيها خراب وضعف ماؤها جدًّا، فأرسل حالا من الطائف مشرفين للقياس على مصرفها، وأمر من حينه بنحو تسعين ألف غرش لعمارتها، وأمر بفتح باب جنوبي في مسجد حبر الأمة - مسجد ابن العباس بالطائف - وتبليطه لتوسيع المسجد، والخروج على طريق السلامة، فحالا جرى ذلك وقضى حوائج السائلين وأوصى بجملة جنيهات من ماله تفرق على أهل مكة المشرفة ففرقت. مدرسة الكتبخانة: وأمر بشراء مدرسة كتبخانة - مكتبة - عند باب التكية المصرية

стр. 775

في مكة المشرفة بجوار المسجد الحرام فحالا صارت، ووضعت فيها الكتب النفيسة المعتبرة، وعينوا لها مباشرين. ويعلق الحضراوي على أعمال الصدر الأعظم فيقول: غير أنه لم يتهنَّ بالمجاورة، وكانت نيته لأهل مكة والبلد خيرًا، لأنه قمع الدفتردار الذي كان يغم الأهالي، وينقص معاشاتهم، وأمعن النظر في الهمة حالًا بعين زبيدة لكن لم يتهن به الناس. أقول: كانت التكية المصرية أمام باب أجياد مواجهة للمسجد الحرام، ولابد أن المدرسة التي اشتراها الصدر الأعظم وجعل منها مكتبة كانت مواجهة للتكية مما يلي الحرم، وقد أدخلت المدارس التي كانت شارعة على الحرم كما أدخلت التكية المصرية وغيرها من المباني في التوسعة السعودية للمسجد الحرام. الوالي محمد تقي الدين باشا: في أواخر شهر شوال سنة ١٢٩١ هـ تولى ولاية الحجاز محمد تقي الدين باشا الحلبي وقدم إلى مكة في العشر الأواخر من شوال سنة ١٢٩١ هـ وكان قبل الباشوية في سلك العلماء. تولى الفتوى بجهة حلب نحو عشر سنوات. التلاعب من القائمين على عين زبيدة: يقول الحضراوي عنه: فلم يحدث شيئا، إلا أنه أمر بالبحث على مشايخ سقاية العين، وعزل سقاباشي - رئيس السقاة إسماعيل تفاحة - وولى السيد خالد شبيكة، وسَعَّرَ القربة - قربة الماء - بعشرين ديواني ومن زاد بسعره يشق قربته، فاستراح الناس وكثر الماء وراج، وفاض الماء بكثرة في زحمة الحجاج.

стр. 776

يقول الحضراوى: وصلح ميضة باب السلام، وأجرى لمطاهرها الماء من العين، وكان من مدة سنين منقطع عنها وقنعت الناس واستراحت. ويقول الحضراوي: وكان من باهر حسناته التوسع على أهل مكة في الانتباه لماء العين، وكونه قرَّطَ - شَدَّدَ - على السقايين، والقسامين، وقمع أحمد بك المهندس، وقال - له - لا تتعرض للعين، وليس فيها خراب، إنما الخراب أصله من القسامين لأجل غلاء الماء، ففاض. ترتيبات المعاشات لبعض أهل مكة: يقول الحضراوي: وكان هذا الباشا صاحب همة علية، رتب لجملة الناس من أهل مكة ممن يلوذ به معاشات، فجاءت براءتها من الآستانة. الباشا يطلب إعانات لمعسكر المجاهدين: بعد أن أثنى الحضراوي على همة الباشا في ضبط أمور عين زبيدة ومنع التلاعب بها، وجّه نقده إلى الباشا فقال: وفي أيامه كانت مكة في ضيق من الحال - أول هام - من جهة الإِعانة الذي - التي - كان يطلبها منهم للعساكر المجاهدين، كل واحد بقدر حاله، ولو ربع مجيدي أو روبية (١٤١) يقبلون، والحال أن جميع أهل البلد ناس فقراء لا حيلة لهم عائشون في أمن الله، مستورون بستر الله، فتكرر هذا منه، فشوش أذهانهم.

стр. 777

يقول الحضراوي معلقا: وليت شعرى إن هذه الدراهم تصل العساكر والدولة، لأنه جمع شئ كثير بسبب إعانة بعض الأكابر من جدة على نحو خمسمائة ريال وألف، إلى مائة ريال وفي مكة من تجار الميمن (١٤٢) وغيرهم فسئمته الناس، وتمنوا رفعه لذلك. عزل الوالي: يقول الحضراوى: فعزل بعد موت سيدنا الشريف عبد الله باشا ابن عون، لأنه ما انفرد لهذا الطلب من الأهالي إلا بعد موت سيد الجميع (١٤٣). الوالي يمتنع عن مقابلة الشريف: يقول الحضراوي: فلما وصل إلى مكة الشريف الحسين باشا بن المرحوم الشريف محمد بن عون صِنْوُ أمير مكة المتقدم، تكبر الباشا المذكور، ولم ينزل لمقابلة حضرة الأمير لأنه حينئذ بالطائف، ولا حضر لقراءة الفرمان فبناء عليه جاء عزله. محاسبة الوالي علي الإِعانة: وقدم مفتش من طرف الدولة العلية يعدد عليه سيئاته، ويحاسبه عما أخذه برسم الإِعانة، ثم توجه إلى الآستانة العلية.

стр. 778

المشير محمد حالت باشا: قدم هذا الوالي في أواخر شهر ذي القعدة سنة ١٢٩٤ هـ، وقد أطنب الحضراوي في مناقب هذا الباشا لسابق معرفته به في الآستانة، وحينما علم بقدومه توجه إلى جدة لمقابلته، وهنأه بقصيدة من شعره، وكان قد نظم له قصيدة أخرى جعل أواخرها باللغة التركية. قائمقام جدة يخشى تحرك وكلاء الإنجليز والفرنسيين: يقول الحضراوي عن حالت باشا: وطلع الطائف في أوائل شهر جمادى الأولى سنة ١٢٩٦ هـ بأهله فما استقر خمسة عشر يوما بالطائف إلا وقد أتاه كتاب من علي بك قائمقام جدة يخبره بتحرك وكلاء دولة الإنجليز وفرنسا، وأسبابه أن رجلا نصرانيًّا خرج مع جماعة يصيد فرمى بندقا فجاءت في رجل عربي من الصيادين البدو وقتلته، وهو خائف من فتنة، أو قيام حركة من أهل البلد أو غيرهم. عشرة رجال ينقلون الباشا من كرا: فنزل الباشا المحتشم من طريق الكرا، ولما وصل إلى المرسن أحضر عشرة رجال من شبان العرب من الهدا وأعطاهم أربعين ريالا مجيدية، وشالوه في الفالكي - وهو كرسي من خشب - كان قد اصطنعه مثل التخت، إلا أنه قَدْرُ نصف التخت الكبير، يَشَدُّ على بغلين، فشالوه العشرة أنفار إلى أن نزلوا من جبل كرا، وبقى في الكر، وفي ثاني يوم ليلا قدم مكة المكرمة، ثم بات ليلته بمكة. أقول: لقد سبق الباشا بتصرفه هذا الهنود الذين يحملون الناس في شوارع الهند بالركشا، ولله في خلقه شئون.

стр. 779

وفاة الباشا بجدة: وفي ثاني الأيام كان قد نزل جدة فمكث بها ثلاثة أيام، وفي الليلة الرابعة توفى إلى رحمة الملك العلام ودفن بمقبرة حواء في الخامس عشر من جمادى الأولى سنة ١٢٩٦ هـ. موت الحيل بالحجاز: وفي هذه السنة كثر موت الخيل بمكة والحجاز. أقول: لابد وأن يكون قد أصاب الخيل مرض وبائي قضى عليها. اضطراب الأمن بسبب إبطال العملة النحاسية: يقول الحضراوى: وبعد وفاة هذا الباشا، كان الشريف حسين باشا بن محمد بن عون، بالغزو ناحية عسير، والبلد افتتنت من جهة العملة النحاس، فإنهم نادوا بإبطالها، وعَزَّلَتْ الأسواق، ودار النهب بالأسواق والبلد معزولة، حتى قال الأديب الشيخ حسن وفا في ذلك: كسد النحاس ولاح طالع نحسه … للقوم بعد السعد في الدبران وتعطلت بين الأنام قروشهم … وغدت تباع بأبخس الأثمان فغدت بأيدي القوم مع أنْصَافِها … بالبخس في الأثمان كالأثمان فكأنما عصوا الإِله فعوقبا … بعد الوفا بالضرب والنقصان فعسا مليك العصر يرضى عنهما … ويقيمها من ورطة الخسران أقول: يبدو أن بعض المغامرين من الناس اغتنم فرصة غياب أمير مكة في بلاد عسير ووفاة الوالي الفجائية فأشاع خبر إبطال العملة النحاسية، لتهبط أثمانها، فتباع بأبخس الأثمان، فيشتريها الطامعون الذين

стр. 780

أطلقوا هذه الإشاعة الكاذبة بالثمن البخس، لأن الدولة لا ترضى عن هذه الأمور فتعلن للناس أن العملة باقية على حالها، وهكذا يستفيد المشترون لها بأبخس الأثمان، فقد ذكر الشاعر حسن وفا أن النصف من العملة النحاسية غدا ثمنه كالثمن، بمعنى أنه بيع بربع قيمته الأصلية. الولاة يختلفون مع أمراء مكة: يقول الحضراوي: وتولى بعده الوزير الجليل محمد ناشد باشا فأقام سنة وشيئًا، ولم تطل مدته أيضا، ثم عزل في شهر ذي الحجة الحرام بعد قدوم سيدنا أمير مكة الشريف عبد المطلب بن غالب، فلم يوافقه حاله ولم يتفقا فاستعفى، ثم تولى بعده أفندينا محمد صفوت باشا في شهر ذي الحجة الحرام فمكث سنة أيضا وحج سنة ١٢٩٨ هـ، وعزل بسبب عدم انتظام الحال بينه وبين الإِمارة، وما رآه من عدم استقامة الحال، وعزل وكان شهما حازما إلا أنه لم تساعفه المقادير. الولاية الثانية لأحمد عزت باشا: لما رأت الدولة العثمانية اختلاف الولاة مع أمراء مكة أسندت ولاية الحجاز إلى أحمد عزت باشا أزرقنلي، وقد سبق أن تولى هذه الولاية سنة ١٢٧٨ هـ، لتضمن حسن سير الأمور مع أمير مكة. قدم عزت باشا في أواخر شهر ذي الحجة سنة ١٢٩٨ هـ. العمارة والإضاءة: يقول الحضراوي: فعمر في الحرم الشريف وطلى مقام سيدنا إبراهيم بالذهب، وجدد فوانيس الغاز القزاز من الصفا إلى المروة،

стр. 781

وفي مولد النبي ﷺ وضع فانوسين، ومن الخارج حوالي المسجد الحرام على رأس الشوارع، ورتب لها من الخزينة ما يقوم بحالها. عمل الميلين بالصفا: يقول الحضراوي: وعمل بالصفا ميلين للقناديل. أقول: المعروف أن الميلين الأخضرين بالصفا وضعا علامة للركض بينهما كما هو معلوم في نسك السعي، فهل كان عزت باشا هو أول من وضعهما، أم أنه وضع القناديل على الميلين المذكورين؟ عثمان نوري باشا قومندان العساكر الشاهانية: يقول الحضراوي: لما كثر في هذه المدة اليسيرة عدم الراحة والاختلال، وكثر القيل والقال، بأسباب الإِمارة الحالية قدم إلى مكة المكرمة صاحب المقام العالي والمجال الغالي الحاج عثمان باشا نوري برسم قومندان العساكر الشاهانية، ومرخصا عموميا بإرادة شاهانية، وكان الوالي على مكة وجده إذ ذاك أحمد عزت باشا المتقدم ذكره .. يقول المؤلف عن عثمان نوري باشا هذا: فبذل هذا الشهم مساعيه الخيرية، وهمته العثمانية ما شهد له البوادي والحواضر. أقول: ويبدو أن الشكوى كثرت من أمير مكة الشريف عبد المطلب فرأت الدولة إرسال قائد عسكري يكون سندا للوالي ليتولى تسوية الأمور مع الأمير، وقد اصطحب عثمان نوري باشا معه جملة من "أركان الحرب الأسود، وهم تحت تدبيره وأمره عليهم يسود" كما وصفه الحضراوي.

стр. 782

صورة عثمان باشا نوري الوالى التركي للحجاز الذي أسندت إليه الولاية سنة ١٢٩٩ هجرية واستمر في ولاية الحجاز إلى سنة ١٣٠٣ هجرية الموافقة لعام ١٨٨٢ إلى عام ١٨٨٦ ميلادية

стр. 783

سوء الأحوال بمكة: يقول الحضراوي: فوجد مكة في غاية الاضطراب مما ابتليت به من سوء تدبير عمالها، والخراب ولم - ولا - أحدا يتجاسر إلى الوصول لأميرها من كثرة الحجاب، وتغلب أعوانه على الرعية بعد الأمن بالخفية، ولم يخشوا يوما تبيض فيه وتسود فيه الصحيفة، فشمر هذا الهمام عن ساعد عزمه بالكلية، وأزال حضرة الباشا تلك الحركات القوية وبدا باهتمام في المدافعة عن جيرة الحرم، وسكان المشاعر والملتزم. أقول: يبدو أن أعوان أمير مكة تغالوا في عسفهم. ويقول الحضراوي في ذلك: حتى أنهم كانوا في بعض الليالي، يطلبون بعض الأهالي، فيحميهم - الباشا - بعزمه وحزمه، ويسكن روعهم بملاطفته لهم ولزمه. الوالي يخشى الأمير: يقول الحضراوي: ويرسل الوالي أحمد عزت في ليله، ويدفع بكل قواه وعزمه، فربما يقول له الوالي أنا لا أقوى على مراجعة الأمير، وليس لي جرأة على كوب هذا الهول الخطير، فيرسل من عنده المذكرات إليه، ويرعد ويبرق بكل ما يقدر عليه. عثمان نوري يهدد شريف مكة: يقول الحضراوى: وربما قال في مخاطبته له - بالإسعاف - إن لم يرجع عن البطش بهؤلاء الضعاف وإلا أجريت عساكرى ومدافعي محاماة عن رعية مولانا السلطان، وأدافع عن هؤلاء الجيران.

стр. 784

استعفاء أحمد عزت باشا: يقول الحضراوي: فلما كثر ذلك على الوالي وتحير أمره بين الأمير والوالي، أرسل يطلب الاستعفاء فأعفوه. عثمان نوري باشا والي الحجاز: ووجهت تلك الوزارات الجليلة إلى حضرة الوزير الأفخم، والدستور المعظم أفندينا عثمان نوري باشا وكان إذ ذاك بالطائف المأنوس في جمادى الآخرة أو رجب جاءه تلغراف رسمي سنة ١٢٩٩ هـ، ففى الحال أدار أحكام الولاية لديه، ونشرت ألوية التشريف المنيف عليه، فولى في الحال وعزل، ونشر على الرعية بنود الأمن ووصل. الوالي يجهز حملة عسكرية ضد الشريف: في ليلة الثامن والعشرين من شوال سنة ١٢٩٨ هـ جهز الوالي على المثناة صناديد الرجال بحملة من العسكر الشاهانية مع المدافع وبعض الضباط يقدمهم - يتقدمهم - عمر باشا فأحاطوا بها إحاطة السوار بالمعصم، وقبضوا على الأمير ليلا على تلك الحالة، واعتقل بقلعته بالطائف، وولى في محله الشريف عبد الله باشا (١٤٤) نجل المرحوم أمير مكة سيدنا الشريف محمد بن عون، فنودي باسمه في الطائف ومكة، وعزل الأمير الأول سيدنا الشريف عبد المطلب، فسكنت البلاد وقرَّت الناس، وهابت هذا الوزير سائر الرعايا من أشراف وعوام. فأرسل إلى الآستانة وعرف بما صنع، فحمد سعيه.

стр. 785

تولية الشريف عون إمارة مكة: وولى الشريف عون باشا الرفيق أميرا على مكة .. ووصل إلى جدة تاسع ذي الحجة سنة ١٢٩٩ هـ، وفي صبح يوم عيد الأضحى قدم إلى مكة المكرمة وطاف وسعى وصعد إلى منى بالموكب والرجال فتقابل مع الوزير عمان باشا وكان يوما مشهودا. وقد نظم الشعراء في هذه الحادثة قصائد الشعر فقال أديب الحجاز الشيخ حسن وفا: روض السرور بطيب الأنس قد نفحا … وصادح اليمن في حى الصفا صدحا وافتر ثغر التهاني من ترنمنا … وطاب صدر كرام الحي وانشرحا فكل شهم بحانات السرور غدى … بالصفو مغتبقا منه ومصطبحا سرَّ القلوب بما أبداه من فرح … بمدح أعظم من في الكون قد مدحا (١٤٥) سلطاننا الآمر الماهى الجليل ومن … في ملكه بملوك الأرض قد رجحا برٌّ رءوف عادل وَرِعٌ … من آل بيت جليل فضله وضحا من آل بيت تسامى في العلا شرفا … به الزمان لإصلاح الورى سمحا عبد الحميد الذي من حسن سيرته … تبسم الملك من أوصافه فرحا أفعاله غرر تزهو بدولته … وجوده درر في جيد من نصحا عمت مكارمه أهل الصلاح ومن … ساس الأمور وفي أجزائها نجحا والسيد الشهم عثمان المشير بدى … به الصلاح ببيت الله واتضحا شهم مع الحزم أبدى في سياسته … حكما أزال به الأضرار واطرحا قرت به عين جيران الإله ومن … دنى من السادة الأمجاد أو نزحا

стр. 786

صورة الشريف عون الرفيق الذي تولى أمارة مكة في التاسع من ذي الحجة سنة ١٢٩٩ هجرية الموافق لعام ١٨٨٢ ميلادية

стр. 787

ووصف عدالة المشير عثمان باشا فقال: أجرى الحكومة في وادي الحجاز بما … قِدْمًا تحلى به الفاروق واتشحا وقام بالقسط بين القوم مجتهدا … وعن طريق الهدى والحق ما جنحا فأصبح العدل منشورا بهمته … وأصبح الظلم مخذولا ومطرحا كما وصف ناظر التكية السلطانية أحمد حمدي أفندي موقعة المثناة ونتائجها فقال: أفادنا التلغراف بشرى … يا حبذا ذلك البشير أتى لعبد الإله جهرا … بملك قطر العلا يسير ومنها في وصف وقعة المثناة: مدافع ركبت بليل … من حولهم للورى تثير وجند بأس ألَمَّ فورا … أسرى به الباسل الوقور عثمان قطر الحجاز حقا … ومن هو الآمر المشير ومنها: تمنطقوا بالسيوف بيضا … لها ضراب بها شهير وأنشبوا للحرب جهرا … بنادقا حشوها السعير تحكين هوج الرياح بطشا … لله ما تصنع الدبور فأيقنوا بالهلاك قسرا … وما لهم في الورى مجير وأسلموا أنفسا تغالت … في الأمر ما راعها نذير ومنها في تهنئة الشريف عون الرفيق: بشراك عون الرفيق بشرى … بالفخر قيدت لك الأمور فدم مليكا أخا نوال … برغم ضد به غرو

стр. 788

المسجد الحرام ويظهر في الصورة باب بني شيبة والحجر، والبناء المقام على بئر زمزم، ومقام الخليل إبراهيم ﵇، والمقامات الأربعة للأئمة أبى حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل، كما يظهر المنبر في الصورة، وفي أعلى الصورة تظهر قلعة أجياد ..

стр. 789

إصلاحات عثمان نوري باشا في المسجد الحرام: يقول الحضراوي: وفي سنة ١٣٠٠ هـ أول جمعة من شهر صفر، أمر بإزالة قبة السقاية، وقبة الفراشين المعروفة الآن بقبة الساعات، فهدمها في هذا اليوم، وكانتا قبالة بئر زمزم، هدمهما إلى الساس - الأساس - وشاهدت البركة التي كانت معدة للسقاية، وهي في قبة الكتب (وتعريفها في الجزء الأول من هذا التاريخ في مآثر الحرم) ثم أخذ حجارتهما لطرف قمسيون عين زبيدة، ونقب جدار المسجد الحرام الملاصق لباب المدرسة عند باب المنارة الكائنة عند باب علي، وبنى بجانب المنارة داخل المسجد الحرام مدرسة لطيفة صغيرة، تعرف بمُوقِّتْ خانة ووضعت فيها الساعات الموقوفة لمواقيت المسجد الحرام بمعرفة مهندس الحرم الشريف أحد أركان الحرب المعتبربن حضرة صادق بك، وهي في أول الناحية الجنوبية، وكان أيضا بنى باش كركول بهمة الوالي المذكور، فتوسعت رحاب الحرم الشريف، وصار لا مانع لرؤية البيت لمن يكون بالرواق الشرقي من ناحية باب العباس وباب علي، فحمدت مساعيه وأيضا كان مقام الحنبلى منحرفا ملاصقًا لزمزم بالقرب منها فأزاله كليًّا، وبناه محله أليوم، وأصلح محراب مقام الحنفي فإنه كان خارجا يمنع من اتصال الصف .. كركول الصفا: وقد أوضح الشاعر حسن وفا أن ما ذكره الحضراوي باسم باش كركول هو كركول الصفا، فقد أرَّخَ هذه المناسبة في شعره على عادة الشعراء في ذلك الزمان فقال:

стр. 790

كراكول الصفا وقد أزيل هذا المبنى في التوسعة السعودية الأولى للمسجد الحرام

стр. 791

مبنى الحميدية كانت الحميدية مقرًا للدوائر الحكومية، وكان المبنى من أجل الأبنية وقد أزيل في التوسعة الأولى للمسجد الحرام

стр. 792

دار الطباعة المطبعة وقد أزيل هذا المبنى في التوسعة السعودية الأولى للمسجد الحرام

стр. 793

أشاد الوزير الشهم عثمان في الصفا … قراغول بالحسن البديع تَفَرُّدا فأضحى به التاريخ زاه وباسما … فيا حسن ما أنشا الوزير وشيَّدا كلمة كركول أو قراغول كلمة تركية ومعناها قسم البوليس، وقد كان كركون الصفا كما أدكت الناس يسمونه باق في العهد السعودي وأزيل في التوسعة السعودية الأولى للمسجد الحرام. مبنى الحميدية: وفي سنة ١٣٠٢ هـ أتم - الوالي - بناء السراية المعروفة بالحميدية، وهي سراية مربعة الشكل بجانب التكية المصرية من الناحية الغربية مقابلة لمنارة الحزورة. المطبعة والتلغراف: يقول الحضراوي: وبنى - مقابلها من ناحية الجنوب - بنى دارًا للطبع، وهو أول من شغل الطبع بمكة وأجرى التلغراف من جدة إلى مكة إلى الطائف، وعمل دارًا للتلغراف بباب الوداع ملاصقة للمسجد. قلعة أجياد: وعمر قلعة أجياد، وبنى بيتا للطبجية في رحبة أجياد. مستشفى مِنًى وبازان الخيف: يقول الحضراوي: وعمل خستخانة (١٤٦) بمِنًى، وبازانا عند مسجد الخيف.

стр. 794

أقول: لقد أدكت مبنى الحميدية، وكان مجمعا للدوائر الحكومية في الدور العلوي منه مجلس الشورى، وفي الدور الأرضى منه إدارة الأمن العام، والمحكمة المستعجلة، وكتابة العدل، وغيرهما من دوائر الحكومة، وكان هذا المبنى كما وصفه الحضراوي بجوار التكية المصرية مقابل المسجد الحرام، وكان من أجمل المباني منظرا، وأحسنها عمارة، وقد أُزيل وأُدخل مكانه في التوسعة السعودية الأولى للمسجد الحرام. أما دار الطبع فقد كانت خلف الحميدية، وكانت بها إدارة ومطابع جريدة أم القرى، وقد أُدخلت كذلك في التوسعة السعودية للمسجد الحرام. ومما ذكره الحضراوي: يبدو أن المشير عثمان نوري باشا كان رجلًا حازمًا مصلحًا، واسع الذهن، فقد أزال حكم الشريف عبد المطلب الذي كان يشكو من جوره أهل مكة بحركة عسكرية، ولم يكتف بهذا فقام بإنشاء الخدمة البرقية بين مكة وجدة والطائف، كما أدخل الطباعة في مكة المكرمة، وحمع الدوائر الحكومية في مكان واحد، وكل هذه الأمور تدل على سعة أفق الرجل وتطلعه إلى النهوض بالبلاد، وإدخال الجديد النافع إليها.

стр. 795

كتاب "الجواهر المعدة في تاريخ جدة " عثمان بن عفان أول من جعل جدة ساحلا: نقل الحضراوي عن كتاب "الدرر المنظمة في أخبار مكة المعظمة" ما يلي: وأول من جعل جدة ساحلا سيدنا عثمان بن عفان - ضى الله عنه - في سنة ست وعشرين من الهجرة وكانت الشعيبة ساحل مكة. وعلق الأستاذ الشيخ حمد الجاسر على ذلك بقوله: ولعله المحل المعروف الآن بأبحر ثم قال في الهامش: الشعيبة تقع جنوب جدة، وهذا يقع شمالها قريبًا منها، وكان أبحر مرفأً لجدة كما يفهم من رحلة ابن جبير. أقول: والشعيبة الآن متصلة بمكة بطريق معبد الأسفلت، وقد أُقيمت فيها محطات تحلية ماء البحر حيث ينقل إلى مكة والطائف في قنوات خاصة كما هو معلوم. وتم افتتاحها وضخ الماء منها إلى المشاعر في عام ١٤٠٨ هـ. أما أبحر فهي ضاحية جدة وتقع كال مدينة جدة، وقد بنيت فيها الدارات الأنيقة وأُنشئت بها الفنادق والشاليهات التي يستعملها عشاق البحر والسباحة. أما الميناء بالنسبة لمكة بل لمنطقة الحجاز كلها فهو ميناء جدة الإسلامي بعد أن أُدخل عليه من التحسينات وبنيت فيه الأرصفة الكثيرة، وزود بالمعدات الخاصة بالتفريغ.

стр. 796

عثمان بن عفان يغتسل في بحر جدة: يقول الحضراوي: ثم إن سيدنا عثمان بن عفان ﵁ استصوبها ونزل بها، واغتسل في بحرها وقال: إنه مبارك - كما في الدرر المنظمة - بعد أن استشار الناس وجعلها خالصة لمكة. بحر الأربعين بجدة: يقوك الحضراوي: ثم اعلم أن البحر الذي اغتسل فيه سيدنا عثمان بن عفان - ضى الله عنه - هو المعروف الآن فيها ببحر الأربعين، وهو بناحية من ساحلها، ولم يزل أهل جدة إلى الآن يغسلون مرضاهم فيه تبركا كما هو المعهود وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أقول: بحر الأربعين معروف موقعه لدى المسنين من أهل جدة وموقعه في الوقت الحاضر خلف فندق البحر الأحمر وعمارات الفيصلية التي أقامها صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله الفيصل أمام مبنى البنك الأهلي التجاري الرئيسي .. وما ذكره الحضراوي عن أن أهل جدة يغسلون مرضاهم في هذا البحر تبرّكا لم أدركه، ولم أسمع به ولعله كان قبل ذلك، والله أعلم. سبب تسمية جزيرة العرب: يقول الحضراوي عن جدة: وهي أول حدود الحجاز، وأول جزيرة العرب، وسميت جزيرة لأنه أحاط بها أربعة أبحر، دجلة والفرات، وبحر الحبشة، وبحر فارس، والحجاز يقابل أرض الحبشة غربيها وبينهما عرض البحر فقط، وأوله من مدينة (إيلة) المعروفة بالعقبة من منازل الحج

стр. 797

المصري ومنتهاه من شامه مدينة سدم (١٤٧) وهي من قرى قوم لوط، ومن غربيه جبل السراة، ومسيرة نحو شهر، وهو قطعة من جزيرة العرب، التي هي طولا من أقصى عدن إلى ريف العراق. أقول: أطلق الحضراوي على البحر الأحمر بحر الحبشة، وكان المؤرخون قديما يسمونه بحر القلزم. ويقول الدكتور جواد علي: إن مؤلفًا يونانيًّا وضع كتابًا قديمًا سماه التطواف حول بحر الأرتيريا وصف فيه تطوافه في البحر الأحمر (١٤٨). أما العبرانيون فقله أطلقوا على البحر الأحمر اسم هايم (اليم) وقد فسر البيضاوي لفظة اليم في القرآن الكريم بهذا البحر الأحمر (١٤٩). حدود جزيرة العرب: ونقل الحضراري عن القليوبي حدود جزيرة العرب فقال: وأول جزيرة العرب عرضا من جدة إلى ساحل البحر إلى أطراف الشام، وطولا من أقصى عدن إلى ريف العراق، ومن المدن التي بين الحجاز واليمن وتهامة وهجر، وهو من مدنه الطائفة به، والينبع وبدر. أقول: ما ذكره القليوبي عن عرض جزيرة العرب من جدة

стр. 798

إلى ساحل البحر إلى أطراف الشام يقصد منه امتداد البحر الأحمر من جدة إلى تبوك التي عناها في أطراف الشام، ولقد كانت حدود الحجاز في العهد الهاشمي تمتد إلى مدينة معان - التي هي في الوقت الحاضر من مدن المملكة الأردنية الهاشمية - ولما أُنشئت إمارة شرقي الأردن، وأُسندت إمارتها إلى الشريف عبد الله بن الحسين (جد جلالة الملك حسين بن طلال ملك المملكة الأردنية الهاشمية) لم يكن لشرقي الأردن ميناء على البحر فأعطى الشريف الحسين بن علي ملك الحجاز لإمارة شرقي الأردن ميناء العقبة، ومدينة معان، وحينما استولى جلالة الملك عبد العزيز آل سعود على الحجاز لم يعترف بضم المدينتين إلى شرقي الأردن في البداية، ثم وافق على هذا الضم فيما بعد. إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب: وثبت في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "لئن عشت أو بقيت لأخرجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا يبقى فيها إلا مسلم". وعن ابن عباس ﵄ قال: "لا يساكنكم اليهود والنصارى في أمصاركم". وفي الخبر عنه ﷺ : "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب". وعن علي بن أبي طالب - رضى الله عنه - أن النبي ﷺ قال: "لا يترك بأرض العرب دينان دين مع دين الإسلام". أقول: وقد أخرج عمر - رضى الله عنه - اليهود من الحجاز

стр. 799

وأجلاهم من جزيرة العرب وأسكنهم الشام وكذلك أخرج نصارى نجران، أرسل إليهم يَعْلى بن أمية وقال له: ائتهم، ولا تفتنهم عن دينهم، وأقرر المسلم، وأسمح كل من تجلى منهم ثم خيرهم البلدان، وأعلمهم أننا نجليهم بأمر الله ورسوله ﷺ أن لا يترك بجزيرة العرب دينان، فليخرجوا من أقام منهم على دينه، ثم نعطيهم أرضًا كأضهم إقرارًا لهم بالحق على أنفسنا، ووفاءًا بذمتهم فيما أمر الله من ذلك، بدلا بينهم، وبين جيرانهم من أهل اليمن وغيرهم فيما صار لجيرانهم بالريف (١٥٠). حدود بحر القلزم وطوله: نقل الحضراوي عن الخريدة لابن الوردي قال: خليج القلزم ومبدأه من باب المندب حيث ينتهي البحر الهندي - المحيط الهندي - ليمر في جهة الشمال مغربًا قليلًا، فيتصل بغربي اليمن، ويمر بتهامة واليمن إلى مدين وإيلة وخراسان، وينتهي إلى مدينة القلزم فيمو بشرقي بلاد الصعيد إلى عيذاب إلى جزيرة سواكن إلى زيلع من بلاد البجة إلى بلاد الحبشة، ويتصل بالبحر الهندى وطول هذا البحر ألف وأربعمائة ميل. أقول: سواحل تهامة واليمن التي وردت في وصف ابن الوردي هي سواحل جيزان والقنفدة والحديدة وعدن، وأما السواحل التي في بلاد الحبشة كما جاءت في هذا الوصف فهى مصوع وكانت ميناءًا لأرتيريا - والله أعلم -.

стр. 800

البحر الأحمر وحدوده: يقول الحضراوي: وأما من ساحل جدة إلى ساحل السويس، وهذا البحر يسمى البحر الأحمر. أقول: تحديد البحر الأحمر من جدة إلى السويس ليس معمولا به في الوقت الحاضر، والوصف الذي أورده الحضراوي لبحر القلزم ينطبق على صفة البحر الأحمر في الوقت الحاضر. أرض القلزم: أما أرض القلزم المسمى باسمها هذا وهي بين مصر والشام وهو بحر في ذاته، وفيه جبال فوق الماء وفمه قروش - أي سمك كبير - وحيوانات مضرة ظاهرة ومختفية، كانت القلزم مدينتين عظيمتين فتهدمتا من تسلط العرب على أهلها، وشربهما من عين سرير، وهي وسط الرمل، وماؤه زعاق (١٥١). تيه بني إسرائيل: وبين القلزم وهو منتهى بحر فارس الآخذ من المحيط الشرقي من الصين، وبين البحر الشامي مسافة أربع مراحل تسمى بحصن التيه، وهو تيه بني إسرائيل، وهي أرض واسعة ليس بها وهدة ولا رابية ولا قلعة ووسعها خمسة أيام في خمسة، ومن مدنه المشهورة عقبة إيلة وهي قرية صغيرة على جبل عال صعب المرتقى يكون ارتفاعه والانحدار منه يومًا

стр. 801

كاملًا، وهي طرق لا يمكن أن يجوز فيها إلا واحدًا واحدًا، على جانبها أودية بعيدة المهوى. أقول: بحر فارس هو الخليج العربي وكان يسمى قديمًا بالخليج الفارسى، أما البحر الشامى فهو البحر الأبيض المتوسط. الحارث بن نفيل أول عامل على جدة: نقل الحضراوي عن التقي الفاسي: أن سيدنا أبا بكر الصديق ﵁ استعمل على جدة الحارث بن نفيل بن الحارث بن عبد المطلب، وكان أسلم عند إسلام أبيه نفيل، كانت تحته درة بنت أبى لهب بن عبد المطلب وهو أول أمير استعمل على جدة. فلهذا لم يشهد حنينا. أقول: هذا الخبر فيه بعض الاضطراب فوقعة حنين كانت بعد فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة (١٥٢) في حياة النبي صلوات الله وسلامه عليه، فكيف يولي أبو بكر الحارث بن نفيل ورسول الله ﷺ على قيد الحياة؟ وقد جاء في كتب الحضراوي بعد ذلك ما يلي: أن الحارث استعمله النبي ﷺ على بعض صدقات مكة وبعض أعمالها، ثم استعمله أبو بكر - ضى الله عنه - على جدة، وتوفي في آخر خلافة عثمان. وإذا صح ما ورد في هذا الخبر فهو يدل على أن جدة كانت مدينة مأهولة بحيث تستحق أنا يولى لها عامل من قبل الخليفة الراشد أبى بكر الصديق - رضى الله تعالى عنه -.

стр. 802

قبر حواء أم البشر: وبها - بجدة - من المآثر القديمة قبر السيدة الكريمة حواء أم البشر، وهو بالجانب الشرقي على يمين الداخل إلى جدة من باب مكة كما اعتمده غير واحد من المحققين، ويؤيده ما ذكره صاحب السيرة الحلبية وغيره من أن نزول السيدة حواء كان بجدة فلا خلاف في ذلك بين أهل التواريخ، وأما قبرها فقد اختلف فيه، والصحيح أنه القبر الشهير بجدة، كما أعلم بذلك بعض أهل الكشف، وعلى سرتها قبة جليلة وفي الحديث من زار والديه وفي رواية أبويه في كل جمعة كتب بارًّا. أقول: أدركت قبر السيدة حواء أم البشر بمدينة جدة في أوائل الأربعينات من القرن الهجري الماضى تتوسطه قبة عظيمة ومن أمام القبة وخلفها ممر طويل، ويدخل الناس والحجاج خاصة لزيارة أمنا حواء في الحجرة التي تعلوها هذه القبة وقد زينت هذه الحجرة بالستائر، وأطلق فيها البخور، ويتولى أحد المشايخ وكان في ذلك العهد من بيت القاضي بجدة إدخال الحجاج، وتلقينهم الدعاء للزيارة، ويتقاضى الشيخ المذكور من الزائرين النقود التي يدفعونها مكافأة له، وحينما استولت الحكومة السعودية على الحجاز ودخل الملك عبد العزيز مدينة جدة سنة ١٣٤٤ هـ كان من أوائل الأعمال التي قامت بها الدولة السعودية هدم قبة حواء وقفل الزوايا المنسوبة إلى الطرق الصوفية، وإبطال البدع التي كانت سائدة في ذلك الزمان، والتى كان يتقرب بها الناس كما يظنون إلى الله تعالى، ولقد سبق للدولة السعودية الأولى أن أزالت قبة حواء ثم أُعيد بناؤها في العهد العثماني في ولاية الحاج عثمان باشا القرملى الذي أُسندت إليه ولاية الحجاز سنة ١٢٥٧ هـ وبقي في الولاية إلى سنة ١٢٦١ هـ

стр. 803

وتوفى بجده ودفن بها، وقد ذكرنا ذلك في الحديث عن ولايته عند الحديث عن ولاة الحجاز في العهد العثماني. ذرع قبر حواء: وصف الحضراوي قبر حواء فقال: وقد ذرعه بعض أصحابنا فكان قريبًا من ثلاثمائة ذراع. أقول: هذا الوصف لمساحة القبر ليس مبالغا فيه فقد كان الداخل إلى مقبرة حواء يمشى في ممر طويل حتى يصل إلى القبة، ويزعمون أن هذه القبة شيدت فوق سرة أُمنا حواء، أي وسط الجسم وهذا الممر الطويل من أمام القبة ومن خلفها يمثل طول جسمها وهي مبالغة واضحة لا يقبلها العقل بحال من الأحوال. العيَّاشي يصف حمير الحجاز: نقل الحضراوي عن العلامة العياشي صاحب الرحلة الشهيرة إلى الحجاز وصفه لحمير الحجاز. يقول العياشي: ولم أر أسرع مشيًا من حمير الحجاز، ولا أوطأ مركبًا، ولا أقل تعبًا مع السرعة المفرطة في المشي، فلقد كنت أنظر وأنا راكبها إلى أطرافي هل تحرك منها شئ مع الإسراع في المشى، فلا تكاد تبين لي حركة شئ منها، مع أن مركوبي ليس من أجاودها، فلقد أُخبرت أنه كان حمار عند رجل من أهل مكة يصلي المغرب بجدة فيركب عليه ويصلي الصبح بمكة، وهي مسافة القصر تحقيقا. وقد علق الشيخ حمد الجاسر على ما نقله الحضراوي بما يؤيد ذلك فقال: وهذا هو الغالب في وقتنا هذا على أنه يركبون نحو العشرين راكبًا

стр. 804

بعد صلاة المغرب فيصلون الصبح بجدة، وقد ركبت مرة في الساعة الثالثة من الليل سنة ١٣٨٢ هـ من مكة ودخلت جدة عند شروق الشمس صبيحة تلك الليلة .. انتهى. أقول: إن ما ذكره العلامة الصديق الشيخ حمد الجاسر صحيح تمامًا، وقد أدركت الناس في أواخر العهد الهاشمي وأوائل العهد السعودي قبل أن يشيع استعمال السيارات يغادرون جدة قبيل الغروب ويصلون إلى مكة قبل شروق الشمس، وكانت في جدة قريبًا من باب مكة قهوة تسمى "قهوة الحصارة" وكان شيخ الحمّارة حسين ملوخية وكان يقوم بنقل البريد بين جدة ومكة وتوزيع البريد الوارد من مكة في مدينة جدة، وكان الناس في الأعراس يستوردون قلائد التفاح من مكة لتزين صدور العراق، وكان هذا التفاح صغير الحجم من زراعة الطائف، ويحفظ في مكة في الزمزميات وهي الأماكن التي يبرد فيها الزمزم قبل ظهور الثلج، لئلا يلحقه العطب، فإذا كانت ليلة العرس سلمت قلادة التفاح إلى الحمّار الذي يقوم تلك الليلة بنقل البريد إلى جدة ويوصى بالإسراع في السير حتى يصل في الوقت المناسب قبل طلوع الفجر، فإذا وصل كان أول ما يقصد هو بيت العرس فيسلم القلادة التي ينتظرها أهل العرس بفارغ الصبر، وينقدونه الإِكرامية لقاء إسراعه في السير وحضوره بها قبل الفجر. أسعار الحمير: يقول الحضراري: وهم يتغالون في ثمن ما هذا صفته فيبلغ الحمار مائة دينار ذهبًا، ولقد رأيت حمارا عند فقيه الحنفية الشيخ الزنجبيلي

стр. 805

رافقنا عليه من المدينة إلى مكة تحتقره العين فأُخبِرت أنه اشتراه بقريب من ذلك الثمن. وقد علق الشيخ حمد الجاسر على ما أورده الخضراوي فقال: وفي وقتنا تباع هذه الحمير بمكة تجيء من الشرق من ناحية (الحسا) تسمى الشروق (والحساوية) وكلها بيض غالبها من مائة ريال فرانسة (١٥٣) وثمانين ريالًا إلى ستين إلى خمسين إلى أربعين لكنها غشيمة في المشى فتتخرج في مكة وتدرج وتسير أحسن سير، حتى أن عند خروج أهل الركوب من مكة المشرفة إلى المدينة المنورة لزيارة رسول الله ﷺ على الهجن يخرج أهل هذه الحمير بحميرهم نحو الستين والمائة حمار من مكة إلى المدينة يسبقون الهجن لا يتأخر عنهم أحد. خروج الركب من جدة إلى المدينة: أقول: لقد أدركت الناس في الحجاز قبل استعمال السيارات يتغالون في اقتناء الحمير والقلة القليلة كانت تقتني الخيل، أما غالبية الناس فيقتنون الحمير، ويدربونها ويحسنون العناية بها، وكان الحمار الجيد يباع بمائة جنيه ذهب، وكانت هذه الحمير تنسب إلى أصحابها لتمييزها فيقال حمار فلان مثلا. وكان موعد سفر الناس إلى المدينة في شهر ربيع الأول، ورجب من كل عام، وكانوا يخرجون جماعات جماعات، وتسمى الجماعة منهم

стр. 806

(ركبًا) وهو تعبير فصيح صحيح، ويصطحبون معهم المنشدين من ذوي الأصوات الجميلة، ينشدون لهم في الطريق المدائح النبوية، والقصائد التي فيها ذكر الله تعالى وتسبيحه وتحميده، وكانوا يتوقفون في بدر، ويقطعون الطريق بين جدة والمدينة في سبعة أيام، وكان معروفًا أن هذه الحمير تسبق الهجن لأن الجمال تقطع الطريق في مدة أطول، وعلى سبيل المثال فإن الجمل كان يقطع الطريق بين جدة ومكة في ليلتين يصل راكب الجمل في صباح الليلة الأولى إلى بحرة ويقيل بها، ويقطع الليلة الثانية في طريق إلى مكة حيث يصل إليها صباح اليوم الثاني، بينما أن راكب الحمار أو البغل أو الفرس يقطع الطريق في ليلة واحدة، وكان الناس يستعملون الجمال إذا كانوا يحجون بنسائهم وأطفالهم، أما إذا كان المسافر من الرجال فهو يؤثر الحمار لأنه أسرع كثيرًا من الجمل. وقد أصبح هذا كله من آثار الماضي البعيد، فمنذ أن وردت السيارات إلى الحجاز في أوائل العهد السعودي سنة ١٣٤٤ هـ انصرف الناس عن استعمال الحيوانات في أسفارهم وأخذوا بمبدأ التطور فاستعملوا السيارات ولم تكن الطرق معبّدة ولا مهيأة ومع ذلك فقد كان السفر من جدة إلى مكة يستغرق الساعتين والسفر بين المدينة وجدة أو مكة يستغرق ليلتين إلى أن تم تعبيد الطرق فأصبح السفر بين جدة ومكة في أقل من ساعة واحدة وبين جدة والمدينة في ثلاث ساعات أو أربع حسب السرعة في السير، فسبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. بحرة: وصف العياشي بحرة بأنها مزرعة كبيرة يجلب منها بطيخ كثير إلى مكة مشهور عندهم بالجودة.

стр. 807

أقول: تقع بحرة في منتصف الطريق بين مكة وجدة، وكان القادمون على الجمال يقيلون بها إلى ما بعد العصر ثم يسافرون منها إلى جدة أو مكة، وبحزة في وهدة من الأرض تجتمع فيها مياه السيول ولعل هذا هو الذي أوجد بها الزراعة في ذلك الزمان. السفن المصنوعة من الشريط: وفي مرساها سفن كثيرة كبار وصغار، وغالبها معمول بالشريط، صنعة عجيبة ليس فيها مسمار، وهي مع ذلك كبيرة المقدار، متباينة الأقطار، واسعة الأنحاء، تحمل أضعاف ما تحمل غيرها من السفن. أقول: هذا الوصف للسفن المصنوعة من الشريط ربما كان معروفًا زمان رحلة العياشي - وقد حج في عام ١٠٥٩ هـ وسنة ١٠٦٤ هـ وسنة ١٠٧٢ هـ وجميع هذه الحجات في القرن الحادي عشر الهجري كما جاء ذلك في ترجمة العلامة الشيخ حمد الجاسر - انظر مقتطفات من رحلة العياشي ص ٨. أما السفن التي أدركتها فهي مصنوعة من الأخشاب القوية، وكان الناس يعتمدون عليها قبل ظهور البواخر التي تسير بالآلات، وكان الكثير من تجار جدة يملكون هذه السفن، ومن أشهر ملاك السفن وصناعها في جدة فرج يسر (١٥٤) الذي كان يصنع السفن والذى قيل إنه احتفل بزواج ولده بإضاءة مائة سفينة بالقناديل في ميناء جدة كما علمنا من أحداث جدة أن أولاد جوهر كانوا يملكون السفن التي اقتسموها بعد وفاة والدهم، ولقد سمعت أن بعض التجار كانوا يشتركون في امتلاك سفينة

стр. 808

أو أكثر، وكانت هذه السفن تسافر من جدة فتعبر المحيط الهندي محملة بكل ما تحتاجه البلاد من الأقوات والبضائع، وكانت جدة تمون القطر المصري بالبضائع المستوردة من الهند قبل فتح قناة السويس (١٥٥). أسواق جدة: أسواق البلدة ممتدة مع جانب البحر، وأغلبها أخصاص واسعة مفتحة إلى البحر، وإلى ناحية البلد فيها قهاوي ومجالس حسنة، يبالغ أصحابها في كنسها وتنظيفها، ورشها بالماء، وفيها جلوس غالب أهل البلد، وقد اتخذوا أسرّة كثيرة منسوجة بشريط الدوم، بصنعة محكمة. النوم على شاطئ البحر: وكان نزولنا بوكالة هناك قريبة من المسجد، فإذا كان الليل خرجنا إلى جانب البحر واكترينا لكل واحد سريرًا يرقد عليه بدرهم إلى الصحاح. أقول: لقد تحولت جدة إلى مدينة عظيمة من أجمل مدن الدنيا، حافلة بالعمران، وأصبحت أسواقها زينة للناظرين: بما حوته من ثمين البضائع وجمال العرض، مع ما ترتاح إليه النفس من المناظر الجميلة، من نافورات تتدفق بالمياه، ومجالس للاستراحة، وملاعب للأطفال، وأماكن لوقوف السيارات، أما شاطئ جدة الذي ازدان بالكورنيش فهو من أجمل الشواطئ لا في البلاد العربية وإنما في العالم كله. والكراسي التي كان ينام الناس عليها أمام البحر اختفت لتحل محلها الفنادق الكثيرة من مختلف الدرجات فسبحان مغير الأحوال، نسأله تعالى أن يديم علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وأن يرزقنا الشكر عليها إنه سميع مجيب.

стр. 809

مسجد الشافعي: ومسجدها الكبير من أحفل المساجد، وهو المعروف بالشافعي فيه أعمدة من الساج، مخروطة على هيئة أعمدة الرخام المخروط، طيب عودها، يحسبها من لم يتأملها رخاما أحمر يقول المؤلف: أخبرنا شيخنا أبو مهدي أنه يقال: إن أعمدة ذلك المسجد جلبت في صدر الإسلام من كنيسة في أرض الحبشة عندما افتتحها المسلمون. أقول: أعمدة الساج في مسجد الشافعي لا تزال باقية في هذا. المسجد أو بعضًا منها على الأقل، وقد ولدت ونشأت في بيت مجاور لهذا المسجد، كنت أحسب أن هذه الأعمدة من الرخام كما جاء في هذا الوصف، أو على الأقل أنها مبنية من الحجر ثم عدلت بصنعة جيدة حتى صارت تشبه الرخام، ولم يدر بخلدي أنها من الساج، لأنها شبيهة بالرخام، أما ما ورد عن أن هذه الأعمدة أنها جلبت في صدر الإِسلام من كنيسة في أرض الحبشة عندما افتتحها المسلمون فليس هناك ما يؤيد هذا الرأي، وقد ذكر الأستاذ عبد القدوس الأنصاري أن مسجد الشافعي عمّر في سنة ٦٤٩ هـ وهو تاريخ بعيد عن صدر الإِسلام كما هو معروف. الأمن في عهد الأميرين محسن وزيد: وقد شاهدنا في هذه الخطرة - يعني السفر من جدة إلى مكة - من العافية التي بسطها الله في الطرق والقرى والأمان التام ما قضينا منه العجب، فمن ذلك أنا لقينا عيرًا في ليل مظلم، تحمل أحمالا من البز

стр. 810

الهندي (١٥٦) والقماش الرفيع نحو من عشرين حملا، وطلبنا من أصحابها من نسأله عن خبر البلد فلم نجد أحدًا وذهبنا نحوًا من ميل، فوجدنا أصحابها في قهوة مستريحين، وأخبرونا أنها أي الجمال بأحمالها في أمان حتى لو ذهبت إلى مكة لم يعترضها أحد، وأخبرونا بعجائب من مثل ذلك وقعت في أيام الأمير زيد، ووالده محسن، فمن ذلك أنهم زعموا أن رجلا جاء إلى السلطان محسن فقال له: إني وجدت بالفلاة الفلانية حملًا من البز، فقال له: من أخبرك أنه من البز فقال مسسته برِجلي، فأمر بقطع رجله، وقال له: لِمَ مسسته برِجلك؟ إلى غير ذلك من أمثال هذه الحكايات ولا نعلم صحيحها من سقيمها. أقول: كانت الحالة الشائعة في ذلك الزمان هي فقدان الأمن في الطريق بين مكة وجدة ومكة والمدينة، فإذا حدث أن اطمأنت الأحوال، في عهد من العهود فأمن الناس في أسفارهم، ولم يتعرض لهم متعرض من الأعراب أو اللصوص، كان ذلك ظاهرة عجيبة تستحق التسجيل. الحراشي يزيد المكوس ويبنى فرضة جدة: وفي سنة ٨٠٦ هـ تولى أمر جدة جابر بن عبد الله المعروف بالحراشي، أصله من التجار فولاه الشريف حسن بن عجلان صاحب مكة أمر جدة، فقام بمصالحه أحسن قيام، وكان يحسن السياسية في استيفاء المكوس ولكنه زاد فيها كثيرًا عما كانت عليه قبل ولايته .. وبنى
следующие страницы →