(ركبًا) وهو تعبير فصيح صحيح، ويصطحبون معهم المنشدين من ذوي الأصوات الجميلة، ينشدون لهم في الطريق المدائح النبوية، والقصائد التي فيها ذكر الله تعالى وتسبيحه وتحميده، وكانوا يتوقفون في بدر، ويقطعون الطريق بين جدة والمدينة في سبعة أيام، وكان معروفًا أن هذه الحمير تسبق الهجن لأن الجمال تقطع الطريق في مدة أطول، وعلى سبيل المثال فإن الجمل كان يقطع الطريق بين جدة ومكة في ليلتين يصل راكب الجمل في صباح الليلة الأولى إلى بحرة ويقيل بها، ويقطع الليلة الثانية في طريق إلى مكة حيث يصل إليها صباح اليوم الثاني، بينما أن راكب الحمار أو البغل أو الفرس يقطع الطريق في ليلة واحدة، وكان الناس يستعملون الجمال إذا كانوا يحجون بنسائهم وأطفالهم، أما إذا كان المسافر من الرجال فهو يؤثر الحمار لأنه أسرع كثيرًا من الجمل. وقد أصبح هذا كله من آثار الماضي البعيد، فمنذ أن وردت السيارات إلى الحجاز في أوائل العهد السعودي سنة ١٣٤٤ هـ انصرف الناس عن استعمال الحيوانات في أسفارهم وأخذوا بمبدأ التطور فاستعملوا السيارات ولم تكن الطرق معبّدة ولا مهيأة ومع ذلك فقد كان السفر من جدة إلى مكة يستغرق الساعتين والسفر بين المدينة وجدة أو مكة يستغرق ليلتين إلى أن تم تعبيد الطرق فأصبح السفر بين جدة ومكة في أقل من ساعة واحدة وبين جدة والمدينة في ثلاث ساعات أو أربع حسب السرعة في السير، فسبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين.
بحرة:
وصف العياشي بحرة بأنها مزرعة كبيرة يجلب منها بطيخ كثير إلى مكة مشهور عندهم بالجودة.
стр. 807
أقول: تقع بحرة في منتصف الطريق بين مكة وجدة، وكان القادمون على الجمال يقيلون بها إلى ما بعد العصر ثم يسافرون منها إلى جدة أو مكة، وبحزة في وهدة من الأرض تجتمع فيها مياه السيول ولعل هذا هو الذي أوجد بها الزراعة في ذلك الزمان.
السفن المصنوعة من الشريط:
وفي مرساها سفن كثيرة كبار وصغار، وغالبها معمول بالشريط، صنعة عجيبة ليس فيها مسمار، وهي مع ذلك كبيرة المقدار، متباينة الأقطار، واسعة الأنحاء، تحمل أضعاف ما تحمل غيرها من السفن.
أقول: هذا الوصف للسفن المصنوعة من الشريط ربما كان معروفًا زمان رحلة العياشي - وقد حج في عام ١٠٥٩ هـ وسنة ١٠٦٤ هـ وسنة ١٠٧٢ هـ وجميع هذه الحجات في القرن الحادي عشر الهجري كما جاء ذلك في ترجمة العلامة الشيخ حمد الجاسر - انظر مقتطفات من رحلة العياشي ص ٨.
أما السفن التي أدركتها فهي مصنوعة من الأخشاب القوية، وكان الناس يعتمدون عليها قبل ظهور البواخر التي تسير بالآلات، وكان الكثير من تجار جدة يملكون هذه السفن، ومن أشهر ملاك السفن وصناعها في جدة فرج يسر (١٥٤) الذي كان يصنع السفن والذى قيل إنه احتفل بزواج ولده بإضاءة مائة سفينة بالقناديل في ميناء جدة كما علمنا من أحداث جدة أن أولاد جوهر كانوا يملكون السفن التي اقتسموها بعد وفاة والدهم، ولقد سمعت أن بعض التجار كانوا يشتركون في امتلاك سفينة
стр. 808
أو أكثر، وكانت هذه السفن تسافر من جدة فتعبر المحيط الهندي محملة بكل ما تحتاجه البلاد من الأقوات والبضائع، وكانت جدة تمون القطر المصري بالبضائع المستوردة من الهند قبل فتح قناة السويس (١٥٥).
أسواق جدة:
أسواق البلدة ممتدة مع جانب البحر، وأغلبها أخصاص واسعة مفتحة إلى البحر، وإلى ناحية البلد فيها قهاوي ومجالس حسنة، يبالغ أصحابها في كنسها وتنظيفها، ورشها بالماء، وفيها جلوس غالب أهل البلد، وقد اتخذوا أسرّة كثيرة منسوجة بشريط الدوم، بصنعة محكمة.
النوم على شاطئ البحر:
وكان نزولنا بوكالة هناك قريبة من المسجد، فإذا كان الليل خرجنا إلى جانب البحر واكترينا لكل واحد سريرًا يرقد عليه بدرهم إلى الصحاح.
أقول: لقد تحولت جدة إلى مدينة عظيمة من أجمل مدن الدنيا، حافلة بالعمران، وأصبحت أسواقها زينة للناظرين: بما حوته من ثمين البضائع وجمال العرض، مع ما ترتاح إليه النفس من المناظر الجميلة، من نافورات تتدفق بالمياه، ومجالس للاستراحة، وملاعب للأطفال، وأماكن لوقوف السيارات، أما شاطئ جدة الذي ازدان بالكورنيش فهو من أجمل الشواطئ لا في البلاد العربية وإنما في العالم كله.
والكراسي التي كان ينام الناس عليها أمام البحر اختفت لتحل محلها الفنادق الكثيرة من مختلف الدرجات فسبحان مغير الأحوال، نسأله تعالى أن يديم علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وأن يرزقنا الشكر عليها إنه سميع مجيب.
стр. 809
مسجد الشافعي:
ومسجدها الكبير من أحفل المساجد، وهو المعروف بالشافعي فيه أعمدة من الساج، مخروطة على هيئة أعمدة الرخام المخروط، طيب عودها، يحسبها من لم يتأملها رخاما أحمر يقول المؤلف:
أخبرنا شيخنا أبو مهدي أنه يقال: إن أعمدة ذلك المسجد جلبت في صدر الإسلام من كنيسة في أرض الحبشة عندما افتتحها المسلمون.
أقول: أعمدة الساج في مسجد الشافعي لا تزال باقية في هذا. المسجد أو بعضًا منها على الأقل، وقد ولدت ونشأت في بيت مجاور لهذا المسجد، كنت أحسب أن هذه الأعمدة من الرخام كما جاء في هذا الوصف، أو على الأقل أنها مبنية من الحجر ثم عدلت بصنعة جيدة حتى صارت تشبه الرخام، ولم يدر بخلدي أنها من الساج، لأنها شبيهة بالرخام، أما ما ورد عن أن هذه الأعمدة أنها جلبت في صدر الإِسلام من كنيسة في أرض الحبشة عندما افتتحها المسلمون فليس هناك ما يؤيد هذا الرأي، وقد ذكر الأستاذ عبد القدوس الأنصاري أن مسجد الشافعي عمّر في سنة ٦٤٩ هـ وهو تاريخ بعيد عن صدر الإِسلام كما هو معروف.
الأمن في عهد الأميرين محسن وزيد:
وقد شاهدنا في هذه الخطرة - يعني السفر من جدة إلى مكة - من العافية التي بسطها الله في الطرق والقرى والأمان التام ما قضينا منه العجب، فمن ذلك أنا لقينا عيرًا في ليل مظلم، تحمل أحمالا من البز
стр. 810
الهندي (١٥٦) والقماش الرفيع نحو من عشرين حملا، وطلبنا من أصحابها من نسأله عن خبر البلد فلم نجد أحدًا وذهبنا نحوًا من ميل، فوجدنا أصحابها في قهوة مستريحين، وأخبرونا أنها أي الجمال بأحمالها في أمان حتى لو ذهبت إلى مكة لم يعترضها أحد، وأخبرونا بعجائب من مثل ذلك وقعت في أيام الأمير زيد، ووالده محسن، فمن ذلك أنهم زعموا أن رجلا جاء إلى السلطان محسن فقال له: إني وجدت بالفلاة الفلانية حملًا من البز، فقال له: من أخبرك أنه من البز فقال مسسته برِجلي، فأمر بقطع رجله، وقال له: لِمَ مسسته برِجلك؟ إلى غير ذلك من أمثال هذه الحكايات ولا نعلم صحيحها من سقيمها.
أقول: كانت الحالة الشائعة في ذلك الزمان هي فقدان الأمن في الطريق بين مكة وجدة ومكة والمدينة، فإذا حدث أن اطمأنت الأحوال، في عهد من العهود فأمن الناس في أسفارهم، ولم يتعرض لهم متعرض من الأعراب أو اللصوص، كان ذلك ظاهرة عجيبة تستحق التسجيل.
الحراشي يزيد المكوس ويبنى فرضة جدة:
وفي سنة ٨٠٦ هـ تولى أمر جدة جابر بن عبد الله المعروف بالحراشي، أصله من التجار فولاه الشريف حسن بن عجلان صاحب مكة أمر جدة، فقام بمصالحه أحسن قيام، وكان يحسن السياسية في استيفاء المكوس ولكنه زاد فيها كثيرًا عما كانت عليه قبل ولايته .. وبنى
стр. 811
الفرضة التي بجدة ليحاكي بها فرضة عدن، وكانت فرضة جدة على غير هذه الصفة.
نهاية الحراشي:
ثم تغير عليه صاحب مكة لخبث لسانه، فقبض عليه في أوائل رمضان سنة ٨٠٩ هـ ثم رده إلى عمالته بجدة ثم تغير عليه صاحب مكة لما نسب إليه للسيد رميثة بن محمد بن عجلان على دوام عصيانه لعمه، فإن رميثة هجم على مكة في رابع عشر جادى الآخرة سنة ٨١٦ هـ، وهجم المذكور على جدة في رمضان من السنة المذكورة ونهب جدة فسعى جابر أمير جدة بينهما بالصلح، ووقع مع ذلك من جابر المذكور مخالفة لمخدومه أمير مكة في بعض أوامره، فقبض عليه بمِنًى، في النفر الأول، ثم قرر على أمواله وأشعر بقتله، فصلى ركعتين وخرج من أجياد مع الموكلين بقتله إلى باب المعلا، فشنق به، ولم يظهر منه جزع في حال شنقه، ولا في ذهابه إلى الشنق، ولا تكلم بكلمة واحدة، ودفن بالعلاة وكانت أدعية الحجاج عليه كثيرة في موسم هذه السنة بسبب زيادته عليهم في أمر المكس فأصيب مع المقدور بدعائهم فإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب كما في الحديث الشريف.
الأحداث في جدة
الأحباش يهاجمون جدة:
نقل الحضراوي عن العلامة الفاسي وعن - الدرر المنظمة - ما يلي:
في سنة ثلاث وثمانين ومائة من الهجرة جاءت الحبشة إلى جدة جنودًا، وجرودًا في عدد وعدة فوقعوا بأهل جدة، فخرج الناس من مكة
стр. 812
إلى جدة غزاة في البحر، وأميرهم عبد الله بن إبراهيم المخزومى عامل الرشيد العباسى فقاتلوهم وصرفهم الله، وذلك لما روي عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أن رسول الله ﷺ قال: "حجة لمن لم يحج، وغزوة لمن قد حج، خير من عشر حجج، وغزوة في البحر خير من عشر في البر، ومن جاز البحر فكأنما جاز الأودية كلها، والمائد فيه كالمتشحط في دمه" أخرجه أبو ذر في منسكه (١٥٧).
إسماعيل بن يوسف يهاجم جدة:
وفي سنة إحدى وخمسين ومائتين نهبت جدة وأهلها، وقتل بها قتلًا ذريعًا، والفاعل ذلك كله إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن موسى الجون بن عبد الله بن الحسن بن المثنى السبط، بعد أن فعل أفعالا قبيحة بمكة، فهرب عامل مكة وجدة، وهو جعفر بن الفضل بن عيسى العباسى، فنهب الكعبة وأخذ الذهب الذى فيها كسوة الكعبة، وأخذ من الناس مائتى ألف دينار، ثم رحل بعد مقامه في مكة سبعة وخمسين يومًا إلى جدة فحبس عن الناس الطعام، وأخذ أموال التجار، وأصحاب المراكب بعد أن وافت المراكب من القلزم، ثم رجع إلى مكة وطلع إلى عرفة يوم الموقف، وقتل من الحجاج وغيرهم نحو ألف ومائة، وهرب الناس ولم يقفوا بالموقف لا ليلا ولا نهارًا، ثم رجع إلى جدة فأفنى أموالها ..
стр. 813
يقول الحضراوي: وذكر العلامة ابن خلدون أنه كان يتردد إلى الحجاز في سنة ٢٢٢ هـ، وأنه خرج في أعراب الحجاز، ويسمى بالسفاك، حتى هلكه الله بالجدري في آخر سنة ٢٥٢ هـ لأنه ضيق على أهل مكة وأهل جدة تضييقًا زائدًا، ثم أخذه الله أخذ عزيز مقتدر.
رميثة بن عجلان ينهب جدة:
وفي سنة ٨١٦ هـ هجم رميثة بن عجلان على مكة في رابع عشر حمادى الآخرة، وهجم على جدة في رمضان من السنة المذكورة ونهب جدة، كما سبقت الإِشارة إلى ذلك.
قبيلة زبيدة تختطف أحد أعيان تجار جدة:
أورد الحضراوي في سبب بناء سور جدة ما يلي:
وأما سبب بناء سورها الموجود الآن فلأنها كانت غير مسورة، وكانت العربان في أيام الفتنة تهجم على جدة وتنهبها مرارًا. قال العلامة القطبي في تاريخه:
كانت العربان كثيرا ما تنهب جدة، حتى أن عربان زبيد - بضم الزاي - قبيلة مشهورة قرب جدة أسرت في أيام الفتن الخواجا محمد بن يوسف القاري، وكان من أعيان التجار من أهل الاعتبار، فهجموا على بيته بجدة ونزلوه من السطح، وأركبوه معهم على ظهر فرس وارتدفه واحد من زبيد، وأخذوه إلى أماكنهم، وهو قريب عقبة السويق من درب المدينة المنورة، ومكث عندهم إلى أن اشترى نفسه بثلاثين ألف درهم، فردوه إلى مكة بعد أن استوفوا هذا القدر منه.
стр. 814
أقول: وهكذا نرى أن الاختطاف والمطالبة بالفدية قد سبقت إليه الأعراب منذ مئات السنين، فلا جديد تحت الشمس، أما سبب بناء سور جدة فكان لتحصينها ضد غزو البرتغاليين لها. وأود أن أشير إلى أن كلمة الخواجا التي وردت عن الخواجا محمد بن يوسف القاري كانت كلمة الخواجا تطلق على الأعيان من الناس، وقد تحورت بعد ذلك فأدركنا الناس يقدمون بها أسماء الإِفرنج من غير المسلمين، وقد كان في مدينة جدة بقال يوناني اسمه أكيلي أو - أخيل - كان الناس ينادونه الخواجا أكيلي، والكلمة ليست عربية وربما كانت تركية أو فارسية. والله أعلم.
تكرار النهب في جدة:
ونهبت جدة مرارًا في الفتن التي وقعت في أرض الحجاز بعد وفاة الشريف محمد بن بركات، وجرت أحوال يطول شرحها ومذكور بعضها في تاريخنا - نزهة الفكر فيما مضى من الحوادث والعبر - في الجزأين الثاني والثالث منه (١٥٨).
حسين الكردي يبني سور جدة ويشتط بالعسف بأهلها:
وفي سنة ٩١٩ هـ وقيل سنة ٩١٧ هـ (١٥٩) أرسل السلطان
стр. 815
الغوري الأمير حسين الكردي، وجهز معه عسكرا من الترك والمغاربة، لدفع ضرر الفرنج في بحر الهند، وكان مبدأ ظهورهم، وأمره بدفع الفتن الواقعة إذ ذاك بجدة وجعلها له إقطاعا، فلما وصل الأمير المذكور إلى جدة بناه في هذه السنة وهو الموجود الآن، وكان ظلومًا غشومًا يسفك الدماء، ولا يرحم من في الأرض ليرحمه من في السماء، وكان ينصب أعوادًا للصلب والشنق والشنكلة، وأقام جلادين للقتل، والتشويط والضرب والبهدلة، فأى مسكين وقع في يده قتله بأدنى سبب، وكان أكولا يستوفي الخروف وحده، مع أرغفة عديدة، ونفائس له معدة، وكان أصله كرديًّا دخيلًا في وظائف الجراكسة، فأراد الغوري إبعاده وكان معتنيا به فأعطاه جدة، فلما أتى جدة سوَّرها وبنى أبراجها وأحكمها، وهدم كثيرًا من بيوت الناس مما يقارب موضع السور لوضع الأساس، واستخدم عامة الناس في حمل الحجر والطين، حتى التجار المعتبرين، وسائر المتسببين وضيّق على البنائين، بحيث يُحكى أن أحدهم تأخر قليلا عن المجئ، فلما جاء أمر أن يُبنى عليه حيا فبني عليه، واستمر قبره إلى يوم الجزاء، إلى غير ذلك من الظلم الشديد، والجور العنيد، وبنى السور جميعه في دون عام من شدته وغشمه وإقدامه وظلمه.
طول سور جدة وأسماء الأبواب:
يقول الحضراوي: وكان طول أساس السور المذكور في الأرض اثنى عشر ذراعًا، وطول المحيط بالبلد من جهة القبلة واليمن والشام ثلاثة آلاف ذراع غير الأبراج، وهي ستة أبراج، دور كل برج منها ستة عشر ذراعًا بجدران وعرض جدار السور أربعة أذرع، وأما الأبراج فطول الشامي واليماني على وجه الأرض خمسة عشر ذراعًا، والبرجان القبليان الملاصقان
стр. 816
لباب البلد المسمى أحدهما: باب الفتوح وهو الأيمن، والآخر: باب النصر وهو الأيسر، وطولهما على وجه الأرض أيضا كذلك.
وأما البحريان فقد نزل بهم الغواصون في البحر اثنى عشر ذراعا، وحميع ما ذكر من الأذرعة فبذراع العمل وهو ذراع ونصف بذراع النجارى.
أقول: أثبتنا ما ذكره الحضراوي عن طول السور المحيط بجدة ليتبين حجم مدينة جدة التي أحاطها السور، وقد ذكر الحضراوي أنه ثلاثة آلاف ذراع بذراع العمل ومقاس الذراع هذا ذراعًا ونصف بذراع النجاري أو البخاري، ولا نعرف شيئًا عن ذراع النجاري، وأيا كان هذا الذراع فإن محيط المدينة كله لا يتجاوز الكيلو مترين إلى ثلاثة كيلو مترات.
وقد أدركت جدة وهي محاطة بالسور، وكنا نقطع المدينة من الشام إلى اليمن مشاة، وكان الناس يتنقلون في أنحائها دون مشقة أو تعب سيرًا على الأقدام، وقد أُزيل هذا السور في سنة ١٣٦٤ هـ بعد وصول الماء إلى جدة (١٦٠).
أما باب الفتوح وباب النصر اللذين ذكرهما المؤلف فقد أدركنا هذا الباب القبلي واسمه باب مكة وكانت عليه علامة الدولة الهاشمية وهي العمامة الحجازية والعلم الهاشمي، ويبدو أن الكردي أطلق على هذا الباب وهو فعلا باب كبير بجانبه بابان صغيران، أطلق عليهما اسم - الأبواب الشهيرة بمصر - باب الفتوح، وباب النصر ولا يزال اسم باب مكة يطلق على المنطقة التي كان فيها الباب بعد إزالته وإلى أيامنا هذه ..
стр. 817
أما الباب الشمالي فكان يطلق عليه اسم باب جديد، والباب البحري باب البنط، والباب اليماني باب شريف، ويبدو أن هذه الأسماء أُطلقت على الأبواب في العهد العثماني لأنها تحمل الصبغة التركية. والله أعلم.
السلطان يأمر بإغراق الكردي في البحر:
ثم لا زال الأمير حسين الكردي يقتل ويشنق في جدة بغير حق، حتى توجه إلى الهند، ثم سفك الدماء بأرض اليمن، وافتتح في طريقه مملكة بنى طاهر ظلما وعدوانا، بعد حروب يطول شرحها، وأقام بها نوابًا له، وكانوا ملوكا من أهل السنة والجماعة، ثم رجع إلى مكة المشرقة، وكانت إذ ذاك دولة الجراكسة قد انقرضت بمصر.
وتوجه الشريف أبو نمي بن بركات وعمره اثنا عشر سنة إلى مصر ورجع مزوَّدًا بما طلب من السلطان سليم وأمره بقتل حسين الكردي، فنصره الله عليه، وأخذ الأمير حسين الكردي مقيدا من مكة إلى جدة، وربط في رجله حجرا كبيرا، وغرق في بحر جدة في موضمع يقال له (أم السمك) فأكلته الأسماك بعد أن كان من الأملاك، وتفرق في البلاد جنوده وأعوانه بددا ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ وذكر الحضراوي أنه نقل ذلك عن كتاب "الأعلام بتاريخ البلد الحرام" لقطب الدين النهرواني المكى. ويقول الشيخ حمد بن الجاسر: إنه مطبوع.
أقول: بالنسبة لبناء سور جدة فقد كان السبب في بنائه هو أن السلطان قانصوه الغوري سلطان مصر - وكان الحجاز في هذه الفترة قد دخل تحت سلطان الدولة المملوكية في مصر - نمي إلى السلطان قانصوة
стр. 818
أن البرتغاليين ينوون مهاجمة جدة بعد أن استولوا على بعض المدن في الهند فأسرع السلطان بتحصين المدينة وأرسل لذلك حسين الكردي فأمده بالجنود والسلاح فبنى السور في مدة عام واحد وسخَّر في بنائه أهالي البلدة دون تفريق حتى لا تفاجأ المدينة بغزو البرتغاليين لها وهي غير محصنة، وقد استعمل حسين الكردي هذه الشدة في إنجاز المهمة الموكولة إليه فتم بناء السور في سنة ٩١٥ هـ، ولكن البرتغاليين لم يغزو مدينة جدة إلا في سنة ٩٤٨ هـ الموافقة لسنة ١٠٥٩ م، وكان أمير مكة الشريف أبو نمي قد ترك الحج وسارع إلى جدة ومعه الجنود والمتطوعون، فلما وصل البرتغاليون واجهوا مقاومة شديدة، وأصلوا بنار حامية، وفروا هاربين (١٦١).
أما ما ذكره القطب المكي عن إقطاع مدينة جدة للكردي من قبل السلطان الغوري فإني أشك في الأمر حيث أن خشية السلطان الغوري على مدينة جدة من تعرضها للغزو، وهي - باب مكة المكرمة - ودهليز الحرمين يتعارض مع إقطاعه المدينة للكردي ليتخلص منه، ولكني أتوقع أن السلطان في حرصه الشديد على إتمام التحصين للمدينة فوض الكردي ومنحه صلاحيات واسعة في حكم مدينة جدة، حتى ينجز المهمة الموكولة إليه، فأساء المذكور استعمال هذه الصلاحيات بما لجأ إليه من ألوان البطش والتنكيل التي أنزلها بالناس، أما إقطاع المدينة فهو مستبعد فيما أظن.
стр. 819
الدولة السعودية الأولى في الحجاز:
ذكر الحضراوى: أن الشريف غالب بن مساعد أمير مكة المكرمة سافر إلى جدة في السادس من شهر محرم سنة ١٢١٨ هـ، بعد أن استولت الدولة السعودية الأولى على الطائف ومكة، كما ذكر محاولة استيلاء الأمير سعود على مدينة جدة فقال ما خلاصته أنه أرسل إلى جدة علي بن عبد الرحمن شقيق المضايفي عثمان، بكتاب لأهل جدة يطلب منهم الدخول في طاعته، فلم يقبل أهل جدة ذلك، وأن السعوديين هاجموا مدينة جدة في يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر محرم سنة ١٢١٨ هـ، وبقوا محاصرين المدينة أربعة عشر يوما، فلم يتمكنوا منها فعاودا الكرة في محرم سنة ١٢١٩ هـ.
الشريف غالب يصالح السعوديين:
وقد انتهت هذه المحاولات باستسلام الشريف غالب أمير مكة للدولة السعودية وعقد الصلح بينه وبين الأمير سعود.
بناء الخندق بجدة:
أمر الشريف غالب بعمارة الخندق بجدة.
يقول الحضراوي: ورأى أن عمله بالمساحي صعبًا، "كذا" على الفعلة يحتاج إلى مدة مطولة، فاختار بنيانه بالبقر أسهل وأيسر، واشترى ثمانين ثورا وجمع المعلمين أهل الهندسة والصناعة، وجعل أربعين يشتغلون من جهة الشام، وأربعين من جهة اليمن، فشرعوا في تعميره من أول شهر صفر، وما زالوا عليه مجتهدين شمالًا ويمينًا إلى شهر جمادى الثاني، ثم لم يبق. للشغل بالبقر محل لغشيان الماء باطن الخندق، ووجدوا حجرًا جهة الشام
стр. 820
قدر مائة ذراع يقال له المنقبة لصلابة أحجارها متصعبة، فأمر الحجارين أن يفقشوها بمعاول الحديد، ويحرقوها بالنار، وما زالوا مجتهدين الاجتهاد التام إلى آخر العام، فجاء كما تراه خندقًا يروق الخاطر ويشوق الناظر.
أقول: لابد أن هذا الخندق بني في الركن الغربي الجنوبي لمدينة جدة مما يلي البحر لتحصين المدينة أن تهاجم من هذه الجهة لأن الأبراج التي كانت مشيدة في شرق المدينة (باب مكة) وكالها (باب جديد) كانت قوية بما وضع فيها من المدافع والسلاح، أما الناحية الجنوبية والغربية فلم تكن بها أبراج وإنما هي أبواب كما أدركناها (باب شريف) وباب البنط (١٦٢).
يقول الحضراوي عن هذا الخندق: إنه انسد وانهار عليه التراب، ولم يبق له إلا آثار.
برج باب البغاز:
وفي يوم الأحد ثاني جمادى الثاني سنة ١٢٢١ هـ أمر ببناء برج على نفس باب - البغاز - المسمى بالعلم يمنع الداخل إلى المرسى إن قصده عنوة، فبنوا الأساس حتى اعتلى عن وجوه الماء ثم تركوه إلى ما …
أقول: الذي يظهر من الجملة الناقصة فيما كتبه الحضراوى أن هذا البرج أقيم أساسه ولم يبن، ولابد أن هذا البرج كان سيبنى على باب - البوغاز - المسمى بالعلم في البحر لأن الميناء كان مليئا بالشعاب
стр. 821
المرجانية، ولا يستطيع ربانية السفن من الدخول إليه إلا بواسطة مرشدين من أهل البلاد من أهل الخبرة تخصصوا في ذلك، وهم يعرفون الطرق البحرية في الميناء معرفة جيدة ويعلمون أولادهم ويمرنونهم على اجتيازها حتى يتوارثوا هذه الصنعة أبا عن جد وولدا عن أب، ومع ذلك فقد كان مرسى البواخر يبعد عن مدينة جدة نحو نصف: ساعة بالزورق البخاري وأكثر من ذلك بالمركب الشراعي (١٦٣)، وكانت هناك علامات في البحر بالأحجار لهداية الزوارق والمراكب حتى لا تصطدم بالشعاب والصخور.
ويبدو أن النية اتجهت إلى بناء بوابة كبيرة في مدخل المرسى الذي تدخل منه السفن لمنع السفن المعادية من الدخول، ولكن هذا المشروع لم يتم لأن إتمامه فيما أتصور كان يقتضى توافر القدرة المالية والهندسية لإِقامة مثل هذه البوابة، وهو أمر لم يكن بالإِمكان إيجاده بالإِمكانات المحلية في ذلك الزمان.
أعمال الدولة السعودية في جدة:
ذكر الحضراوي ما قامت به الدولة السعودية الأولى في جدة ونوجزه فيما يلى:
في ثمانية عشر صفر، كان وصول حمد بن ناصر ومعه أهل الدرعية، فلما وصلوا إلى مكة بكتاب الأمير سعود، وكان الشريف بجدة فنزلوا إليها لملاقاته فانعقد الصلح بينهما .. ونزل حمد بن ناصر
стр. 822
إلى مسجد عكاشة وقرأ الرسالة التي ورد بها، والتي اجتمع لسماعها تجار البلد وسكانها وساداتها وأعيانها.
وفي يوم خمسة وعشرين من صفر، هدمت القباب التي كانت مقامة على القبور، كما أمر أهل جدة بالإمساك عن شرب التنباك، وأمر الشريف بإبطال نوبته، ونوبة والي جدة.
أقول: النوبة هي الفرقة الموسيقية التي كانت تعزف أمام قصر الشريف أو الوالي كل ليلة في موعد معين بعد صلاة العشاء، ولابد أن الذى أمر بإبطالها مندوب الدولة السعودية، بحيث أنه أوعز للشريف. بذلك فأبطلها وكان أهل الحجاز يقولون - دقت النوبة - أي عزفت الفرقة الموسيقية للشريف أو الوالي.
أول قنصل إنجليزي بجدة:
وفي سنة ١٢٥٢ هـ كان وصول أول قنصل إنجليزى بجدة وتوطنه بها، ونصب له بنديرة وهي أول بنديرة نصبت بجدة، ولم يعهد توطنهم بها قبل ذلك.
أقول: البنديرة: هي العلم، وترفع الدول أعلامها فوق مباني سفاراتها وقنصلياتها كما هو معلوم.
مقتل القنصل الإنجليزي والفرنسي والنصارى بجدة:
وفي سنة ١٢٧٤ هـ وقعت الفتنة التي قتل فيها الأهالي القنصلين
الإنجليزي والفرنسى والإِفرنج الموجودين بجدة، بسبب إهانة القنصل الإِنجليزي لعلم الدولة العثمانية وإنزاله من على سارية مركب أولاد جوهر،
стр. 823
ومزقه ودعسه بحذائه، وقد تحدثنا عن هذه الفتنة في بحثنا عن ولاة العثمانيين في الحجاز فنكتفي بالإشارة إليها رغبة عن عدم التكرار.
أول محمل مصري يصل بطريق البحر:
وفي سنة خمس وسبعين ومائتين وألف - هجرية - كان أول سنة مجيء محمل أهل مصر من طريق البحر على جدة ثم يطلع من البحر بموكبه من جدة إلى مكة.
يقول الحضراوي: وهذا لم يعهد سابقا أبدا مطلقا، وذلك بأمر والي مصر محمد سعيد باشا، حتى أهلكه الله بعد ثلاث سنوات، سنة تسع وسبعين، رجع المحمل من البر على عادته من مصر إلى مكة.
أقول: المحمل: هو عبارة عن هودج يوضع على بعير ويكسى بكسوة حريرية زاهية يصطحبه الحجاج حين خروجهم من بلادهم وتصحبه قوة عسكرية يقودها قائد عسكري برتبة كبيرة، ويخرج معه الحجاج ليكونوا في حماية هذه القوة العسكرية وكانت طرق الحج كما هو معلوم غير آمنة، وكان الأعراب يعتدون على الحجاج وينهبونهم، ويأخذون منهم الإِتاوات، وكان الحجاج المصريون يخرجون مع المحمل المصري، والحجاج الشاميون يخرجون مع المحمل الشامي، وهذه المحامل تسلك طريق البر، وكان المصريون يحملون معهم كسوة الكعبة المشرفة التي كانت تصنع في مصر من ريع الأوقاف التي رصدت لذلك من السلاطين الأيوبيين والعثمانيين.
وقد اختلف المصريون مع الملك الشريف الحسين بن علي فمنعوا تسليم الكسوة في سنة ١٣٤١ هـ، فصنع الشريف الحسين كسوة. للكعبة صنعت في العراق سنة ١٣٤٢ هـ، ثم حدثت حادثة المحمل
стр. 824
المصري في عهد جلالة الملك عبد العزيز آل سعود ووقعت معركة حربية بين الجنود المصريين وجموع الإِخوان من أهل نجد الأمر الذى أدى إلى إيقاف إرسال المحمل، وإيقاف المصريين لإِرسال كسوة الكعبة وما كان يرسل معها من النقود، فقامت الحكومة السعودية بصنع الكسوة للكعبة في مكة المكرمة، وأسست لها دارا لصناعتها (١٦٤).
أحمد المشاط وكيل الكبانية في جدة:
يقول الحضراوي: وفي تلك المدة كثرت مراكب - بوابير - البحر في بحر القلزم من جدة إلى السويس حتى بلغت إلى ثلاثة عشر بابورا وهي للحجاج من أعظم المنن، لأن الغالب لمن ركب فيها السلامة، فجعل والي مصر كيل (الكبانية) ببندر جدة المحمية، رئيس التجار، معدن الفخار، الذى رفعه الله بأعلى بساط، الأمير عليها - الشيخ أحمد المشاط - حفظه الله، فكان يسوس أوامرها، وخصوصًا يرأف ببضائع التجار مع شدة أمره على المتوكلين، وبالحجاج المسافرين.
سوء معاملة حجاج البحر:
يقول الحضراوى: بخلاف غيره من الأمراء فإنهم لما أمروا أكلوا البراطيل والرشا (١٦٥)، وزادوا على حجاج بيت الله بحيث لهم جواسيس على الحجاج (إن كان تبغا تنزل قبل غيرك وتسلم، هات النقود دينارا زائدا على الكرا فتجارتهم خاسرة، وبيعتهم بائرة).
стр. 825
ولقد مدحت الشعراء هذا الأمير - أحمد المشاط - بقصائد أرسلت إليه من مكة وجدة، ليس يحويها هذا السفر، فأجاز الوفاء، وأنجز السداد ألهمنا الله وإياه الرشاد.
أقول: البوابير التي ذكرها الحضراوي هي المراكب التي تسير بالبخار، وكان أغلب استعمال الحجاج للمراكب الشراعية التي تسير بالريح، ويذكر الحضراوي كثرة توارد البواخر التي تنقل الحجاج في سنة ١٢٧٥ هـ حتى بلغت ثلاثة عشر مركبا، وقد عين والي مصر رئيس تجار جدة وكيلا للبواخر المصرية، فأحسن إدارة العمل، بخلاف غيره من وكلاء البواخر الأخرى الذين كانوا يتقاضون الإِتاوات من الحجاج لتيسير نزولهم قبل غيرهم من البواخر.
تجديد عمارة مسجد عكاش ومسجد عمر:
وفي سنة ١٢٨٠ هـ جددت عمارة المسجد الذي على البحر المعروف بمسجد عكاش لأنه من المساجد القديمة وأتقن وأحكم وكذا الميضاة التي هي بجانبه. وكذلك جددت ما اندرس من المسجد الذي بالقلعة الذي يعرف بمسجد عمر.
أقول: مسجد عكاش من المساجد الشهيرة والقديمة في جدة وموقعه الحالي في السوق الكبير، وله باب على شارع قابل، ويعتبر في الوقت الحاضر في قلب مدينة جدة، وكان في الوقت الذي كتب الحضراوي تاريخه على البحر، وقد أُنشئ شارع الملك عبد العزيز غربي وشمالي السوق الكبير، وشارع قابل فأصبح مسجد عكاش بعيدًا عن البحر وسبحان مغير الأحوال، وممدن المدن وبانيها.
стр. 826
العساكر المصرية في جدة:
وفي سنة ١٢٨١ هـ في شهر صفر ورد إلى جدة عساكر مصرية عزيزية، وأقاموا في محل القشلة الخارجة فقل الماء على أهل جدة وضاق بهم ذرعا كما قيل:
من غص داري بشرب الماء غصة … فكيف يعمل من قد غص بالماء
واحتاج أهل جدة والقاطنين بها ذلك فأبعدوهم عنها في محل بينهم وبين جدة ساعة ونصف عند آبار عذبة.
أقول: العسكر المصرية العزيزية نسبة إلى عزيز مصر وهو حاكمها وسلطانها، أما مشكلة الماء في جدة فهي قديمة، وقد انتهت بإيصال الماء إلى جدة من وادي فاطمة في عهد جلالة الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ (١٦٦).
قائمقام جدة نوري أفندي:
وفي سنة ١٢٨٣ هـ كان قائمقام جدة - نوري أفندي - رجل أصله من الأرانطة، كان كاتبًا على - العرضي - وقيل على القراية الأرانطة، ثم صار على شونة مكة كاتبا، وكان في ضيق من العيش فساعدته الأقدار فتولى قائمقام الوالي بجدة، ثم جمعت له نظارة شونتها مع القائمقام، فمكث بها مدة سنوات، فظهرت صولته وهابه الناس.
стр. 827
إصلاح القائمقام بجدة:
ثم إنه انقطع لتمدن البلد فقطعها من الأرض طول ذراع من سائر البلاد، وشغل فيها أهلها، والذي لم يشتغل يؤجر بدلًا عنه، وسدَّ شيئًا من ساحل البحر من ناحية - الكمرك - حتى إنه دخل في البحر نحو خمسة عشر ذراعا من كل ناحية من الطول، وأما العرض فجعله نظير (مينة اسكندرية) - ميناء الإسكندرية - وأتقن بناءها وكانت أولا الشباييك تلصق في الزلة، والبضائع تصير متراكمة، وربما يتلف بعضها، وفي وقت الحج يضيق على الحجاج العبور، ثم من الجهة الشامية هدم السور وأدخله إلى جهة البحر، وشد من تلك الناحية، وساوى بين الأرض، ثم إنه سقف جميع أسواقها، حتى صار الإنسان لا يمشي إلا في ظل، وأمر بهدم العشش من الدكاكين والقهاوى وجعله كله صندقة، فصارت من قبيل (غورية مصر والسكرية) وجعلها ميزانًا واحدًا، وكان قبل ذلك، دكان خارج، والآخر داخل، فوسع في الصنادق كل ذلك بالقوة القهرية، وبالمداراة السياسية، وأمرهم بنقش الأخشاب، وكف أهلها عن المقاتلة مع بعضهم، وطار صيته، ودخلت هيبته قلوب الرعية، حتى صاروا يخوّفون به الأطفال، وأمر بقطع كداوي (١٦٧) من القمائم على بعضها كأمثال الجبال، فسد بها البحر من ناحية الفرضة سور النورية، ثم من ناحية المعمار عمل سوقا وبنى فيه
стр. 828
دكاكين صغيرة وسقفه بالأخشاب ورونقه ويعرف بالنورية وجعله للخضرية والجزارة وجعل فيه قهوة لطيفة.
يقول الحضراوي: وكان طلب مني تاريخًا لهذا السوق فقلت:
عرج على أرجاء جدة يا فتى … وانظر إلى السوق الجديد المثبتا
طالع سعود اليمن فوق بساطه … يا حسنه لمَّا رنا متلفتا
وقد أثبت الحضراوي في قصيدته اسم الخليفة العثماني، واسم أمير مكة ووالي الحجاز وشيخ الحرم فقال:
في مدة السلطان عز نصره … (عبد العزيز) البر كن لي منصتا
وأمير مكة والحجاز بأسره … مولانا عبد الله سيدنا الفتى
ووجيه باشا واليًا شيخ الحرم … من نال بالتحقيق قولا مثبتا
أقول: وهذا الشعر أو على الأصح هذا النظم لا يهمنا منه إلا اسم الخليفة السلطان عبد العزيز الذي أُنشئ سوق النورية في زمن خلافته، وكان أمير مكة في ذلك الوقت الشريف عبد الله باشا، ووالي الحجاز وشيخ الحرم وجيه باشا، وقد احتفظت النورية باسمها وكانت تطل على شارع قابل قريبًا من مسجد المعمار، وهي خاصة بالخضرية والجزارة وقد تم إنشاء هذا السوق سنة ١٢٨٤ هـ كما يفهم من قصيدة أخري للحضراوي في الموضوع.
سوق خارج باب مكة:
ثم جعل سوقًا خارج باب مكة من الصندقة الأخشاب بقهاوي، وغير القشاع.
стр. 829
يقول الحضراوي: وفي الحقيقة كانت جدة قبل هذه العمارة لا يطيق الإنسان في مدة الصيف أن يخرج من بيته من رائحة الندا الكريهة، والزناخة والشمس المحرقة، والقشاش، والقشاع، وغير ذلك فصارت كآحاد المدن الفائقة.
إصلاح العين القديمة:
ثم إنه شغل الناس في عين أدخلها لها، وكانت قديمًا ثم بطلت، ثم انهدم مجراها، فأمر على الناس وأهل الحواير في الشغل فيها حتى أدخلها إلى البلد، وجعل لها بازانًا للسقاية في ناحية العلوي، ثم أجراها إلى الفرضة حتى تصب في البحر، ثم ضنعفت وقل ماؤها لكنه يجري قليلا، فانتفعت به البلدة وأهلها، وإن كان ماؤها غير عذب، لكنه يعين على المهنة والغسيل وغير ذلك.
أقول: هذا الوصف للعين ينطبق على عين الوزيرية التي كانت تصل إلى جدة من الرغامة وكان ماؤها لا يصلح للشرب ولكنه صالح للغسيل، وأول من أجراها إلى جدة السلطان قانصوه الغورى في القرن العاشر الهجري، ثم انقطعت نتيجة تعرضها للخراب فقام بإصلاحها وإيصال مائها التاجر فرج يسر في القرن الحادي عشر الهجري، وقد تكرر الخراب فيها فكانت تنقطع ثم يعاد إصلاحها، وآخر مرة تم إصلاحها في الخمسينات من القرن الماضي في العهد السعودي، وبعد إيصال جلالة الملك عبد العزيز للماء من وادي فاطمة، أهمل أمر هذه العين تمامًا، وانتهت الحاجة إليها (١٦٨).
стр. 830
بناء صهريج الدولة العلية:
ثم في سنة ست وثمانين وألف عمل صهريجا كبيرًا للدولة العلية باسمها أكبر ما يكون في صهاريج جدة وكل محبوس يشتغل فيه، وأتمه .. أقول: كانت جدة قديمًا تعتمد على الصهاريج لحفظ الماء في أيام الأمطار، وتخزينه إلى وقت الحاجة، وكان التجار يتخذون من الماء تجارة فيمنون الصهاريج خارج مدينة جدة في مجرى السيول المنحدرة من الأودية والجبال، وعلاوة على ذلك كان في كثير من بيوت جدة صهاريج تبنى في أسفل البيوت وتوضع المزاريب في سطوح المنازل حيث ينحدر الماء في مواصير من القماش متصلة بالصهريج فيأخذ أهل المنزل منه حاجتهم وقت شح الماء، والبعض كان يملأ الصهريج في أوقات الأمطار بشراء الماء وتخزينه، وكان من أشهر الصهاريج في جدة صهريج المشاط، وصهريج نصيف وصهريج باناجة وغيرهم (١٦٩).
رأي الحضراوي في القائمقام:
يقول الحضراوي: والحاصل أن الرجل لما اجتهد في عمارة البلد ذلَّ له أهلها، وهابه رعاعها لسطوته وتجبره وتكبره، ترادفت عليه الرتب، وساعفته الأقدار، حتى صار في رتبة (ميرميران باشا) فكان يقال له نوري باشا ونودى باسمه وخوطب بذلك، وصار له معارف من رجال الدولة ومكانة، وذلك بسبب أن القادم إلى الحج وغيره يجرى عليه
стр. 831
الضيافات ووضع يده مع التجار على سائر المرابحات، حتى نمى ماله، وترقى في حاله، وجلبت إليه الهدايا، والخيل المسوّمة والعربة وغير ذلك إلى أوائل سنة ١٢٨٨ هـ عزل عنها، وبعد عزله توجه إلى الآستانة في سنة ١٢٨٨ هـ، فمكث بها خمسة أيام ثم توفي إلى رحمة الله. وتولى محله قاسم باشا، ومع ذلك كان لا يوقر كبيرا، ولا يرحم صغيرا، فبهذا ترقى في أسرع مدة، ولكنه صنع بعض خيرات بجدة، وكف العامة عن التعرض لبعضهم ولغيرهم، وسوى بين غنيها وفقيرها، في المقام حتى تم العام.
أقول: لقد صوّر لنا الحضراوى القائمقام نورى أفندي رجلًا حازمًا أخذ على عاتقه إصلاح مدينة جدة وتطويرها فقد قام بردم البحر من ناحية الميناء بمقدار خمسة عشر ذراعًا، وأحدث رصيفا تقف عليه السنابيك الناقلة للبضائع، والركاب من البواخر التي تقف خارج الميناء المليء بالشعاب المرجانية، فأفسح مكانًا للبضائع، ووسع على الحجاج في زمن الحج، وهو عمل عظيم في ذلك الزمان.
كما قام بتسقيف جميع أسواق مدينة جدة بالخشب، فحمى بضائع التجار من حرارة الشمس في الصيف وأتاح لمرتادي الأسواق والسائرين فيها المشي في ظل ظليل، ولقد أدركت أسواق جدة خلال القرن الرابع عشر الهجري وهي مسقفة بهذه السقوف الخشبية التي سماها الحضراوي صنادق، باستثناء شارع قابل الذي استورد له آل قابل سقوفا حديدية من ألمانيا في ذلك الزمان.
وقام بتنظيم الأسواق فجعلها على مستوى واحد لا يبرز منها دكان عن آخر، وقام كذلك بإلغاء الدكاكين التي بنيت من الخسف أو السعف والتي سترت بالقمايق الغليظ من الخيش.
стр. 832
ولم يكتف بهذا كله فأمر أصحاب الدكاكين بنقش الأخشاب ليسبغ عليها صورة فنية جميلة. وأهم من هذا أو ذاك أنه كف الناس عن مقاتلة بعضهم البعض، وكانت العصبية للحارة والمحلة ربما أحدثت قتالا بين الناس يصاب فيه المصابون، وربما استشرت الفتنة فوصل الأمر إلى حد القتل.
وقام بعد هذا بإنشاء سوق خاص بالجزارين وباعة الخضار فجمعهم في ذلك السوق الذي أطلق عليه اسم - النورية - نسبة إلى نوري أفندي، ثم نوري باشا، كنت أعرف النورية في جدة وأرتادها، ولكني لم أكن أعرف تعليلا لاسمها إلى أن قرأت كتاب الحضراوي الذي نتحدث عنه هنا.
ثم أنشأ بعد ذلك سوقًا خارج باب مكة وقد أدركت هذا السوق وأغلب مرتاديه من الأعراب الذي يردون مع قوافل الجمال التي تحمل البضائع من جدة إلى مكة والمدينة وسائر مدن الحجاز.
ورأى حاجة الناس إلى الماء، وشحه بالمدينة فقام بإصلاح العين التي أجراها السلطان الغوري فأنعش نفوس أهل البلدة، وأغاثهم، ولم يكتف بهذا فبنى صهريجًا كبيرًا باسم الدولة شغل في بنائه المساجين فكان أكبر صهريج لحفظ الماء كما وصفه الحضراوي، وهذه الصهاريج كانت بالنسبة لمدينة جدة ضرورة من أكبر الضرورات.
ورأى القائمقام جبال القمامة التي كانت تسمى الكداوي - واحدتها كدوة - تحيظ بالمدينة من أطرافها فأزال هذه الكداوي ونظف البلدة من القاذورات والقمائم، وكان بعضها أمثال الجبال كما يقول
стр. 833
الحضراوي، كل هذه الإصلاحات تعد في ميزان الحسنات لهذا القائمقام العصامي الذى بدأ كاتبًا في العرضي وانتهى إلى أن يكون قائمقام والي جدة ومدير المستودعات الحكومية بها، وقد بلغت به العصامية إلى أعلى المراتب فحصل على رتبة الباشوية التي كانت تسمى في العهد التركي - الميرميران - ..
يقول الحضراوي: في وصف هذا القائمقام أنه لما اجتهد في عمارة البلد ذل له أهلها، وهابه رعاعها لسطوته وتجبره وتكبره.
أقول: إن الرجل كان مصلحًا عظميًا شديد الحزم والعزم، ولو لم يكن الحزم من صفاتة لما أمكنه إصلاح ما أصلح، وتنظيم ما نظم، فالناس بطبيعتهم يكرهون الجديد، ويتوجسون من نتائج ما لا يعرفون، وإذا كان الحزم في سبيل الإِصلاح العام فهو مقبول لحميد نتائجه، وإذا كان الرجل قد أمر أهل جدة بالعمل في دفن البحر فكان يعمل فيه الجميع، إما بأيديهم أو يأيدي من يستأجرون لينوب في العلم عنهم، فإن هذا العمل على ما فيه من ظاهر التسلط إلا أن الرجل لم يأمر به لمصلحة ذاتية، وإنما لمصلحة البلد وأهلها
لقد استحق القائمقام نوري باشا رتبة الباشوية بعمله الباهر في تمدين مدينة جدة وإدخال، الإِصلاحات العظيمة عليها، التي بقيت بعده أكثر من مائة عام، فاستحق الرتبة الرفيعة بجدارة بما قدم من عمل وما بذل من جهد عظيم …
قشلة جدة:
يقول الحضراوي: وبجدة من خارجها قشلة متسعة قريبة
стр. 834
من ضريح السيدة حواء "للعساكر الشاهانية وكان بناها محمد علي باشا والي الديار المصرية، وهي مكينة في البناء، وطواحين الهواء ثلاث، كان بناها المذكور أيضا.
أقول: القشلة هي الثكنة العسكرية وكلمة قشلة أو قشلاق كلمة تركية، ولا تزال الثكنة العسكرية التي بناها محمد علي باشا قائمة في مكانها بجوار مقبرة حواء، وكانت قديمًا خارج مدينة جدة، أما في الوقت الحاضر، وبعد اتساع المدينة وامتدادها فتعتبر في قلب المدينة القديمة.
وصف ميناء جدة:
يقول الحضراوي: وأسكلتها يمر عليها من بضائع الهند واليمن ومصر وسواكن ومصوع وبلاد السين والصين والجاوى، قيل: إنها أكبر أسكلة في بلاد الإِسلام بعد أسكلة اسكندرية، وللبغاز باب لا يمكن دخول مراكب بغير ربان من أهلها، محكم بابها بين شعبتين عليهما علمان لمعرفة الدخول، بصناعة يعرفها أهلها، فهى للتجار دار مقام، وللمفاليس سجن لا يرام كما قيل:
وجدة لذوي الأموال كيسة … وللمفاليس دار الْهَمِّ والضيق
أقمت فيها مضاعًا بين ساكنها … كأننى مصحف في بيت زنديق
والحقيقة فهي أعظم ثغر من ثغور الإِسلام، فكم من ولي وعالم وفاضل يريد الحج وقضاء المناسك يمر عليها ويدخل من أسكلتها كما هو الغالب لأن الحجاج كلهم أضياف الله تعالى وفي كنفه وأمنه، فهي ممر للأبرار ومقر للتجار، ضاعف الله فيها البركات وأظهر فيها الخيرات.
стр. 835
أقول: الأسكلة هي الميناء ولعل كلمة أسكلة كلمة تركية، وقد كان ميناء جدة قبل حفر قناة السويس يمون القطر المصري بالبضائع - التي يستوردها تجار جدة من الهند بالمراكب الشراعية ويبقونها خارج الميناء، وبعد فتح قناة السويس استغنت مصر عن الاستيراد من الحجاز، ولكن ميناء جدة بقي محتفظًا بمركزه كأكبر ميناء في الجزيرة العربية لمدن الحجاز والجزيرة كلها، ويستقبل وفود الحجاج كل عام، ولقد كان ميناء جدة محاطًا بالشعاب المرجانية وكانت البواخر لا تدخل الميناء إلا بواسطة مرشدين من أهل جدة تخصصوا في معرفة أماكن هذه الشعاب، وكانت البواخر ترسو بعيدًا عن البلدة بمقدار نصف ساعة للزوارق البخارية، ثم قامت الحكومة السعودية بإنشاء إدارة خاصة للموانئ فقامت بردم البحر، وإنشاء الأرصفة الكثيرة وزودت الميناء بالآلات الحديثة للتفريغ والتحميل وأصبح ميناء جدة واحدًا من أعظم الموانئ في الشرق الأوسط (١٧٠).
قلة المطر بجدة:
يقول الحضراوى: في وصف قلة المطر بجدة:
ومنها: أن الله تعالى جعل سقيا أهلها من ماء السماء وبركاتها، وليس بها بئر ولا نهر عذب غير المطر ولهذا تراهم غالبا في ضيق من الماء، حتى أن بعض الفضلاء هجا أهلها نظرًا لبعض الميل وبعض المنكرات
стр. 836
للاتعاظ والاستيقاظ فقال:
يمر السحاب على جدة … بماء معين من المعصرات
يريد الهبوط فلا يستطع … لما حل فيها من المنكرات
ونقول للحضراوي: لِمَ بلاد الكفر في الغرب مخضرة كالجنان؟ من كثرة ما تغدق عليها السماء، ويغاديها السحاب، فالمسألة ليست كما تصور الشاعر، وإنما هي طبيعة البلاد وموقعها، وفوق ذلك كله مشيئة الله وحكمته التي لا تدكها عقول البشر.
أسواق جدة
سوق الندا:
وصف الحضراوي أسواق جدة فقال ما نوجزه فيما يلي:
وأما أسواقها فأولها وأعلاها سوق الندا، وهو سوق مستطيل في غاية اللطافة، وبه بعض أحوشة التجار وغيرهم وأنواع الأقمشة والأطعمة.
سوق الجامع:
وسوق الجامع، وسمي بالجامع المعروف بمسجد الشافعي وهو من المساجد القديمة، وهذا السوق تقابله وأنت داخل من باب مكة على جهة اليمين يسيرا، مستطيل أيضا.
سوق البنط:
وسوق البنط وهو سوق ظريف مجمع الصيارف، وفيه يباع
стр. 837
السمك الطري، والتمر الصفري المليف، وأنواع سبح اليسر، والنقل وغير ذلك، وبحذائه خان صغير بسقيفة يوصل لسوق الحراج.
يقول الحضراوي: والحاصل أن هذا السوق في أيام الموسم يكون في ازدحام للغاية مع كثرة الحجاج.
سوق برة:
وسوق برة - أي خارج البلد - وهو خارج باب مكة، وهو سوق طريف محتو على أبنية ودكاكين وسمى بذلك لكونه خارج البلد.
أقول: وقد أدركت سوق برة هذا وهو يسمى سوق باب مكة وكان خارج سور مدينة جدة مما يلى باب مكة المكرمة.
سوق الخاسكية:
وسوق الخاسكية، وهي شقايق نفيسة وأحوال زكية منيسة.
أقول: وهذا الكلام الإنشائي المسجوع لم يصف الخاسكية أو يعرفها للناس، والخاسكية في جنوب شارع قابل، وكانت مقرا للصيارفة، وباعة السمك المجفف، والسبح المصنوعة من اليسر والكهرمان، وقد أزيل بعض أجزاء الخاسكية وأدخل في شارع الملك عبد العزيز، أما بقية الأسواق التي ذكرها الحضراوى فلا تزال تحتفظ بأسمائها التي ذكرها المؤلف، وهناك أسواق هامة في جدة لم يذكرها الحضراوى وهي السوق الكبير وهو يمتد من سوق الندا إلى شارع قابل، وفيه حوانيت القماشين ولعل هذا السوق أنشئ بعد إتمام الحضراوي تأليف كتابه، وكذلك سوق البدو، وهو يمتد من باب مكة إلى سوق الجامع، وسوق العلوى وهو يمتد من انتهاء شارع قابل إلى باب مكة،
стр. 838
ولعل هذه الأسواق جميعها أنشئت بعد ذلك.
الأحواش في جدة:
يقول الحضراوي: وأما أحوشتها المحتوية على قصور عوالي، ومرافق ومراجع ومجالس، وغير ذلك، فهي لا تحصر فمن أكبرها وأعظمها الحوش المعروف بحوش الشريف وهو قريب من البنط بناه مولانا الشريف عبد الله بن المرحوم مولانا الشريف محمد بن عون أمير مكة والحجاز، وهو معد للحجاج والتجار، مشتمل على محلات نفيسة، وقصور عوالي رئيسة.
ومنها حوش مثقال، وهو لأحد خواص الشريف غالب أمير الحجاز سابقا، ومنها حوش الدولة، ومنها حوش أبو اليسر، وحوش الصالحة، وحوش عكاش، وحوش النخلة .. وجملة أحواشها تنوف على مائة حوش مشتملة على قصور وبيوت مرونقة وأكشاك على البحر من أنفسها كشك الشرابي فهى نفيسة وأنيسة.
أقول: كانت جدة إلى ما قبل عشرين عاما غاصة بهذه الأحواش التي وصف الحضراوي بعضا منها، وهذه الأحواش (مفردها حوش) كانت مستودعات لبضائع التجار، يخزنون بها البضائع التي يستوردونها من الهند وغيرها وخاصة الحبوب والمأكولات مثل: الشعير والأرز والدقيق والدخان، والأقمشة مثل: البفتة والدوت وغيرها، وبعض التجار كانت لهم أحوشة خاصة بهم لا يشاكهم فيها غيرهم، وهؤلاء هم كبار التجار في ذلك الزمان. أمثال باناجة وزينل وغيرهم، وإلى جانب ذلك كانت هناك أحواش مشتركة يديرها شخص معين يدعى (المقدم)
стр. 839
وهو يستأجر أحد الأحواش الكبيرة، ويودع التجار فيها بضائعهم، ويحيلون المشتري إلى مقدم الحوش الذي يسلمه البضاعة مقابل جُعْلٍ قروش قليلة على كل طرد أو كل شوال ويسمى هذا الجعل بالفسح، وكان المقدم يستفيد من الحركة الدائمة في الحوش لأن البضائع تصدر من جدة إلى مكة والمدينة والطائف وإلى أنحاء الجزيرة العربية بكميات كثيرة وبصورة تكاد تكون يومية (١٧١).
وكان في علو هذه الأحواش مبان سكنية يفهم من كلام الحضراوي. أنها كانت تؤجر للحجاج في أيام الحج كما يسكنها بعض الناس، ولكنى أدكت الحجاج في الأربعينات من القرن الماضى ينزلون في بيوت الوكلاء أو في البيوت التي يستأجرها الوكلاء لإِنزالهم، وكانت هذه المساكن في الأحواش تستعمل لغرض السكن أو يستعملها بعض التجار كمكاتب، وقد أزيل كثير من هذه الأحواش التي كانت تقع في السوق الكبير، وشيدت في مكانها الفنادق والعمارات السكنية الشاهقة لوقوعها في قلب مدينة جدة قريبا من البحر، وتحولت بضائع التجار إلى منطقة المستودعات خارج مدينة جدة كما هو الحادث في هذا الزمان.
مساجد جدة:
أشهرها مسجد الشافعي.
يقول الحضراوي: ذكر ابن جبير في رحلته أنه رأى بجدة
стр. 840
مسجدين ينسبان إلى عمر بن الخطاب ﵁ أحدهما يقال له مسجد الأبنوسي، وهو معروف، والآخر غير معروف.
أقيل: ولعله الذي يقال له الآن مسجد الشافعي.
أقول: مسجد الأبنوسي موجود في سوق الندا، وقد أدركته والناس يسمونه مسجد الأبنوس، ومسجد عمر بن الخطاب وهو مسجد صغير لم تكن تقام فيه الجمعة، أما مسجد الشافعي فقد عمره الملك المظفر سليمان بن سعد الدين شاهنشاه الثاني، وهو أحد ملوك اليمن الأيوبيين، وقد توفي سنة ٦٤٩ هـ، وفي سنة ٩٩٠ هـ جاء تاجر من الهند اسمه الخواجا محمد علي، وأتى معه بمؤونة وخشب وأعمدة منحوتة حاضرة من اليمن فهدمه وبناه أحسن بناء، وأن ذلك التاجر الذي زوده وزراء الهند بالمال الكثير عمل للمسجد منبرا لطيفا، وبنى دكاكينا وبيوتا ومات قبل انتهائها، وظهرت له بنت وأدعت أنه بنى هذه الدكاكين من ماله لنفسه، وطلبت إرثها منه، ولم تظهر حجة شرعية تمنعها، فأخذت الدكاكين والبيوت، ولم يبق شئ للصرف على مقبرة المسجد.
يقول الأستاذ عبد القدوس الأنصاري: الذى نقل ما ذكرناه عن كتاب "السلاح والعدة في فضل ثغر جدة" وإلى وقت المؤلف - القرن الحادى عشر - لم يكن للمسجد شئ من الأوقاف، ويذكر الأستاذ الأنصاري: أنه قرأ في محراب المسجد ما يدل على أنه بني من قبل سلاطين بني عثمان، ومئذنته رشيقة مستديرة وهي من حجر منحوت، وعلى بابه حجران منقوشان أحدهما: ينطق بعمارة الخواجا محمد علي له سنة ٩٤٠ هـ، والثاني: "حجر مسن قديم أقدم من البناء الجديد
стр. 841
للجامع، وقرأ لي بعضهم شيئا مما فيه بعد جهد، فكان مما فيه اسم حسن بن عجلان، والشريف حسن بن عجلان من أمراء مكة فيما بين سنتي ٧٩٨ - ٨٢٩ هـ، وللمسجد أربعة أبواب، وبجانبه ملاصقا له، منزل يعود إليه، ويذكر عبد القادر، صاحب كتاب "السلاح والعدة" أن الذي بناه هو المعلم أبو العيد من تجار جدة، ومن قول صاحب كتيب "السلاح والعدة"، أنه لم يبق شئ للصرف على مقبرة المسجد، فهمنا بوضوح أنه كان به مقبرة تنسب إليه - انتهى - (١٧٢).
أقول: مسجد الشافعي من أقدم "مساجد جدة، ولعله أقدم المساجد الجامعة الكبيرة بها، ونستطع أن نستخلص مما نقله الأستاذ الأنصاري عن كتاب السلاح والعدة أن المسجد بناه أولا الملك المظفر سليمان بن سعد الدين شاهنشاه الثاني، وهو أحد ملوك اليمن الأيوبيين الذي توفى في منتصف القرن السابع الهجري سنة ٦٤٩ هـ، وأن المسجد تعرض للخراب فأحدثت به بعض الإصلاحات في عهد الشريف حسن بن عجلان أمير مكة فيما بين عامي ٧٩٨ - ٨٢٩ هـ أى بعد أكثر من قرن ونصف من بنائه الأول، ولا نستطع الجزم بأن الشريف حسن بن عجلان هو الذي أمر بتجديد المسجد وتعميره، لأن الكتابة التي قرئت للأستاذ عبد القدوس الأنصاري لم تكن واضحة، وقد تعود الناس كما هو الحال في زماننا هذا أن يذكروا أسماء الملوك والأمراء في المشاريع التي تحدث في عهودهم، فقد يكون الشريف حسن بن عجلان هو الذي أمر بالعمارة الثانية في المسجد، وقد يكون المعمر غيره،
стр. 842
وذكر اسمه لأن العمارة حدثت في عهد إمارته.
والعمارة الثالثة التي أحدثت في مسجد الشافعي وهي التي تم فيها هدم المسجد القديم وبناؤه أحسن بناء هي التي قام بها التاجر الهندي الخواجا محمد علي، وقد تمت هذه العمارة في منتصف القرن العاشر الهجري تقريبا سنة ٩٤٠ هـ.
أما ما ورد عن الدكاكين والبيوت التي بناها التاجر المذكور بمعونة أثرياء الهند، فقد تكون هي الدكاكين التي يضمها سوق الجامع وهو سوق ملاصق للمسجد من الجهة الجنوبية، وأرجح أن نسبة الجامع في هذه التسمية تعود إلى هذا السوق، وقد تكون البنت التي ادعت بملكية هذه الدكاكين استولت عليها، ثم آلت الدكاكين بعد ذلك إلى المسجد.
وقد اشترى الشيخ أحمد الزهرة بيتا من أكبر بيوت مدينة جدة يقع في شرقي المسجد قريبا منه، كان يسمي الصبان، وكانوا من أكبر تجار جدة، وأوقفه على المسجد وقد ذكرت ذلك في ترجمته في أعلام الحجاز (١٧٣).
هذا ولا يزال سوق الجامع في موضعه ملاصقا للمسجد، وللمسجد باب جنوبى يفتح على هذا السوق، وهو سوق عامر بالدكاكين، تقوم عليه وعلى المسجد وزارة الأوقاف - والله أعلم -.
مسجد عكاش:
ومسجد عكاش وهو من مساجد جدة القديمة الشهيرة.
стр. 843
أقول: مسجد عكاش يقع في قلب مدينة جدة له باب على السوق الكبير وباب آخر على شارع قابل وهو غني عن التعريف، وقد ذكر عبد القادر آل فرج صاحب كتاب "السلاح والعدة في ثغر جدة" الذي ألف كتابه في القرن الحادي عشر الهجري أنه كان يوجد بجدة على ساحل البحر مسجد يعرف بمسجد الدامغاني وكان هذا المسجد ملاصقًا لبيت الشريف حسن أبى نمي، وسمى هذا المسجد باسم الدامغاني. ذلك أن الدامغاني وهو تاجر من تجار جدة قام بتعمير هذا المسجد بعد ذلك، وقد جدد بناء هذا المسجد عكاشة أباظة، فنسب إليه، ويرجح الأستاذ عبد القدوس الأنصاري أن مسجد الدامغاني هو نفس مسجد عكاش الحالي (١٧٤).
أقول: إذا كان هذا المسجد على ساحل البحر في القرن الحادي عشر الهجري فإن ما توقعه الأستاذ الأنصاري صحيح لأن البحر في ذلك العهد كان ممتدًّا إلى داخل المدينة اليوم، ونستطع أن نستخلص من هذا أن المسجد كان في القرن الحادي عشر الهجري موجود على ساحل البحر، وأن الدامغاني كان قد قام بتعميره، فنسب إليه في ذلك الزمان، ثم جاء عكاشة أباظة بعد ذلك فجدد بناءه.
ومسجد عكاش في الوقت الحاضر يتولى شئونه آل الهزاز في جدة وكبيرهم في الوقت الحاضر الأخ الشيخ عمر أحمد الهزاز، وللمسجد أوقاف موقوفة عليه يصرف منها على عمارة المسجد وإصلاح شئونه وصرف المرتبات للقائمين عليه من الأئمة والمؤذنين والمنظفين.
стр. 844
مسجد الحنفي:
ومسجد الحنفي وهو قريب من قصبة الهنود، وهو مسجد عظيم الفضل من المساجد القديمة أيضًا تقام فيه الجمعة والجماعة.
أقول: مسجد الحنفى يقع في سوق الندا وله باب كان شارعا على قصبة الهنود سابقًا وهو الآن شارع على شارع الذهب بعد أن أزيلت قصبة الهنود في أول توسعة لمدينة جدة وأحدث فيها شارع رئيسي يسمى شارع الذهب.
مسجد عثمان بن عفان:
ومسجد سيدنا عثمان بن عفان جهة القلعة.
يقول الحضراوي: ولعله المذكور في قول ابن جبير مسجد الأبنوسي.
أقول: مسجد سيدنا عثمان بن عفان في حارة المظلوم قرب مسجد المعمار، شمال مسجد المعمار، وهو معروف لدى أهل جدة، أما مسجد الأبنوس الذى يقال: إنه مسجد عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - فيقع في سوق الندا وهو بعيد عن مسجد سيدنا عثمان بن عفان.
بقية مساجد جدة:
يقول الحضراوي: وكذا مسجد الباشا، ومسجد المغربي جهة باب مكة، ومسجد المعمار، وهو مسجد لطيف تقام فيه الجمعة أيضًا، ومسجد الحضارم، وهو جهة سوق الندا وغير ذلك.
стр. 845
أقول: مسجد الباشا في حارة الشام أمام عمارة الفيصلية التي شيدها صاحب السمو الملكى الأمير عبد الله الفيصل، وقد قامت: وزارة الحج والأوقاف بهدم المسجد القديم، وإعادة بنائه على طراز حديث جميل .. ومسجد المغربي في منطقة باب مكة قريبا من العيدروس، وقد أنشأه جد أبى الشيخ محمد بن إبرإهيم المغربى فتيح الحباب، وقد وجدنا لوحة خشبية على باب المسجد تدل على أنه بني سنة ١٢٦٣ هـ، وقد تعرض هذا المسجد للخراب، فهدم وأعيد بناؤه بفضل الله تعالى على طراز إسلامى جميل.
ومسجد المعمار يقع في شارع قابل وله باب شمالي يواجه بيت الجمجوم، وباب جنوبى أمام بيت عاشور في شارع قابل، وهو من المساجد الكبيرة المعروفة في جدة.
ومسجد الحضارم هو في جهة سوق الندا غرب سوق الندا، وهناك مساجد صغيرة كان يطلق عليها زوايا. والزاوية هي المسجد الذى لا تقام فيه الجمعة، وتصلى فيه الصلوات الخمس، والمسجد هو الذي تقام فيه الجمعة مع الصلوات الأخرى، هكذا كان إصطلاح الناس في تسمية الزوايا والمساجد. ولقد امتدت مدينة جدة في جميع الاتجاهات بعد إزالة السور وأصبحت مدينة كبيرة عظيمة ترتفع فيها مئات المآذن، التي تعلو المساجد المشيدة على أحدث طراز وأجمله والحمد لله.
الزوايا:
ذكر الحضراوي أن جدة كان بها ما ينوف على مائة زاوية ذكر منها، زاوية السادة الشاذلية بحارة اليمن، وزاوية السنوسى وكانت بمنظقة