← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

للجامع، وقرأ لي بعضهم شيئا مما فيه بعد جهد، فكان مما فيه اسم حسن بن عجلان، والشريف حسن بن عجلان من أمراء مكة فيما بين سنتي ٧٩٨ - ٨٢٩ هـ، وللمسجد أربعة أبواب، وبجانبه ملاصقا له، منزل يعود إليه، ويذكر عبد القادر، صاحب كتاب "السلاح والعدة" أن الذي بناه هو المعلم أبو العيد من تجار جدة، ومن قول صاحب كتيب "السلاح والعدة"، أنه لم يبق شئ للصرف على مقبرة المسجد، فهمنا بوضوح أنه كان به مقبرة تنسب إليه - انتهى - (١٧٢). أقول: مسجد الشافعي من أقدم "مساجد جدة، ولعله أقدم المساجد الجامعة الكبيرة بها، ونستطع أن نستخلص مما نقله الأستاذ الأنصاري عن كتاب السلاح والعدة أن المسجد بناه أولا الملك المظفر سليمان بن سعد الدين شاهنشاه الثاني، وهو أحد ملوك اليمن الأيوبيين الذي توفى في منتصف القرن السابع الهجري سنة ٦٤٩ هـ، وأن المسجد تعرض للخراب فأحدثت به بعض الإصلاحات في عهد الشريف حسن بن عجلان أمير مكة فيما بين عامي ٧٩٨ - ٨٢٩ هـ أى بعد أكثر من قرن ونصف من بنائه الأول، ولا نستطع الجزم بأن الشريف حسن بن عجلان هو الذي أمر بتجديد المسجد وتعميره، لأن الكتابة التي قرئت للأستاذ عبد القدوس الأنصاري لم تكن واضحة، وقد تعود الناس كما هو الحال في زماننا هذا أن يذكروا أسماء الملوك والأمراء في المشاريع التي تحدث في عهودهم، فقد يكون الشريف حسن بن عجلان هو الذي أمر بالعمارة الثانية في المسجد، وقد يكون المعمر غيره،

стр. 842

وذكر اسمه لأن العمارة حدثت في عهد إمارته. والعمارة الثالثة التي أحدثت في مسجد الشافعي وهي التي تم فيها هدم المسجد القديم وبناؤه أحسن بناء هي التي قام بها التاجر الهندي الخواجا محمد علي، وقد تمت هذه العمارة في منتصف القرن العاشر الهجري تقريبا سنة ٩٤٠ هـ. أما ما ورد عن الدكاكين والبيوت التي بناها التاجر المذكور بمعونة أثرياء الهند، فقد تكون هي الدكاكين التي يضمها سوق الجامع وهو سوق ملاصق للمسجد من الجهة الجنوبية، وأرجح أن نسبة الجامع في هذه التسمية تعود إلى هذا السوق، وقد تكون البنت التي ادعت بملكية هذه الدكاكين استولت عليها، ثم آلت الدكاكين بعد ذلك إلى المسجد. وقد اشترى الشيخ أحمد الزهرة بيتا من أكبر بيوت مدينة جدة يقع في شرقي المسجد قريبا منه، كان يسمي الصبان، وكانوا من أكبر تجار جدة، وأوقفه على المسجد وقد ذكرت ذلك في ترجمته في أعلام الحجاز (١٧٣). هذا ولا يزال سوق الجامع في موضعه ملاصقا للمسجد، وللمسجد باب جنوبى يفتح على هذا السوق، وهو سوق عامر بالدكاكين، تقوم عليه وعلى المسجد وزارة الأوقاف - والله أعلم -. مسجد عكاش: ومسجد عكاش وهو من مساجد جدة القديمة الشهيرة.

стр. 843

أقول: مسجد عكاش يقع في قلب مدينة جدة له باب على السوق الكبير وباب آخر على شارع قابل وهو غني عن التعريف، وقد ذكر عبد القادر آل فرج صاحب كتاب "السلاح والعدة في ثغر جدة" الذي ألف كتابه في القرن الحادي عشر الهجري أنه كان يوجد بجدة على ساحل البحر مسجد يعرف بمسجد الدامغاني وكان هذا المسجد ملاصقًا لبيت الشريف حسن أبى نمي، وسمى هذا المسجد باسم الدامغاني. ذلك أن الدامغاني وهو تاجر من تجار جدة قام بتعمير هذا المسجد بعد ذلك، وقد جدد بناء هذا المسجد عكاشة أباظة، فنسب إليه، ويرجح الأستاذ عبد القدوس الأنصاري أن مسجد الدامغاني هو نفس مسجد عكاش الحالي (١٧٤). أقول: إذا كان هذا المسجد على ساحل البحر في القرن الحادي عشر الهجري فإن ما توقعه الأستاذ الأنصاري صحيح لأن البحر في ذلك العهد كان ممتدًّا إلى داخل المدينة اليوم، ونستطع أن نستخلص من هذا أن المسجد كان في القرن الحادي عشر الهجري موجود على ساحل البحر، وأن الدامغاني كان قد قام بتعميره، فنسب إليه في ذلك الزمان، ثم جاء عكاشة أباظة بعد ذلك فجدد بناءه. ومسجد عكاش في الوقت الحاضر يتولى شئونه آل الهزاز في جدة وكبيرهم في الوقت الحاضر الأخ الشيخ عمر أحمد الهزاز، وللمسجد أوقاف موقوفة عليه يصرف منها على عمارة المسجد وإصلاح شئونه وصرف المرتبات للقائمين عليه من الأئمة والمؤذنين والمنظفين.

стр. 844

مسجد الحنفي: ومسجد الحنفي وهو قريب من قصبة الهنود، وهو مسجد عظيم الفضل من المساجد القديمة أيضًا تقام فيه الجمعة والجماعة. أقول: مسجد الحنفى يقع في سوق الندا وله باب كان شارعا على قصبة الهنود سابقًا وهو الآن شارع على شارع الذهب بعد أن أزيلت قصبة الهنود في أول توسعة لمدينة جدة وأحدث فيها شارع رئيسي يسمى شارع الذهب. مسجد عثمان بن عفان: ومسجد سيدنا عثمان بن عفان جهة القلعة. يقول الحضراوي: ولعله المذكور في قول ابن جبير مسجد الأبنوسي. أقول: مسجد سيدنا عثمان بن عفان في حارة المظلوم قرب مسجد المعمار، شمال مسجد المعمار، وهو معروف لدى أهل جدة، أما مسجد الأبنوس الذى يقال: إنه مسجد عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - فيقع في سوق الندا وهو بعيد عن مسجد سيدنا عثمان بن عفان. بقية مساجد جدة: يقول الحضراوي: وكذا مسجد الباشا، ومسجد المغربي جهة باب مكة، ومسجد المعمار، وهو مسجد لطيف تقام فيه الجمعة أيضًا، ومسجد الحضارم، وهو جهة سوق الندا وغير ذلك.

стр. 845

أقول: مسجد الباشا في حارة الشام أمام عمارة الفيصلية التي شيدها صاحب السمو الملكى الأمير عبد الله الفيصل، وقد قامت: وزارة الحج والأوقاف بهدم المسجد القديم، وإعادة بنائه على طراز حديث جميل .. ومسجد المغربي في منطقة باب مكة قريبا من العيدروس، وقد أنشأه جد أبى الشيخ محمد بن إبرإهيم المغربى فتيح الحباب، وقد وجدنا لوحة خشبية على باب المسجد تدل على أنه بني سنة ١٢٦٣ هـ، وقد تعرض هذا المسجد للخراب، فهدم وأعيد بناؤه بفضل الله تعالى على طراز إسلامى جميل. ومسجد المعمار يقع في شارع قابل وله باب شمالي يواجه بيت الجمجوم، وباب جنوبى أمام بيت عاشور في شارع قابل، وهو من المساجد الكبيرة المعروفة في جدة. ومسجد الحضارم هو في جهة سوق الندا غرب سوق الندا، وهناك مساجد صغيرة كان يطلق عليها زوايا. والزاوية هي المسجد الذى لا تقام فيه الجمعة، وتصلى فيه الصلوات الخمس، والمسجد هو الذي تقام فيه الجمعة مع الصلوات الأخرى، هكذا كان إصطلاح الناس في تسمية الزوايا والمساجد. ولقد امتدت مدينة جدة في جميع الاتجاهات بعد إزالة السور وأصبحت مدينة كبيرة عظيمة ترتفع فيها مئات المآذن، التي تعلو المساجد المشيدة على أحدث طراز وأجمله والحمد لله. الزوايا: ذكر الحضراوي أن جدة كان بها ما ينوف على مائة زاوية ذكر منها، زاوية السادة الشاذلية بحارة اليمن، وزاوية السنوسى وكانت بمنظقة

стр. 846

العيدروس، وزاوية الأسنوي بحارة اليمن، وزاوية السيد الميرغنى، وزاوية البدوي قرب سوق الجامع، وزاوية ابن علوان. أقول: كانت هذه الزوايا قائمة في مدينة جدة وكانت كل زاوية منها مخصصة لفرقة من الفرق الصوفية، وكان أصحاب هذه الفرق يمارسون ما يسمونه بـ "الذكر" بأسلوب لا يتفق وصفاء العقيدة الصحيحة، ولقد أدركت بعض المنتسبين إلى هذه الطرق الصوفية في أواخر العهد الهاشمي يؤدون ما يصفونه بالذكر ويخرجون جماعات إلي الطرقات يسبقهم الطبل والزمر وهم يغنون ويرقصون ويأتون بحركات لا تتفق ووقار الذكر وخشوعه، ويقيمون الولائم في أعياد خاصة بهم، ويحيون الليالي في احتفالات صاخبة، وحينما دانت البلاد لجلالة الملك عبد العزيز آل سعود - يرحمه الله -، أبطلت هذه الطوق الصوفية وانتهت تلك البدع السائدة، وإني لأذكر وأنا صغير السن دون العاشرة أننى نظرت مرة إلى مسبحة كبيرة حباتها أكبر من حجم البيضة الكبيرة وهي تملأ جدار الزاوية فأدركت بعقلي الصغير في ذلك الزمان أن هذه المسبحة العظيمة بحجمها الكبير والتى تنسب إلى السيد البدري، أدركت أنها أكذوبة كبيرة يتسلط بها القائمون على الزاوية على عقول السذج والبلهاء، ونحمد الله أن أزيلت هذه البدع وانتهت هذه الترهات، وعادت العقيدة إلى صفاتها ونقائها والحمد لله رب العالمين. الخانات: يقول الحضراوي: وأما الخانات فلا تحصى، فمنها: الخان الكبير الشهير بقصبة الهنود، وهو محل تجار الأقمشة، ومنها: خان الدلالين

стр. 847

قريب من سوق البنط، وخان العطارين وهو قريب من العارف بالله تعالى الشيخ أبى سرير قدام الحدادين وغر ذلك. أقول: قصبة الهنود كانت فعلا أشبه ما تكون بالخان، وكل أصحاب الدكاكين فيها من تجار الهنود، ولهم مسجد صغير يسمى مسجد الهنود، وكانوا يبيعون الأقمشة الحريرية المستوردة من الهند، كما يبيعون الفضة المذهبة والمصنوعة على شكل ورود، وأزهار، والتي كانت تسمى الترتر والكنتيل والتليِّ، مما يستعمل في ثياب العرس للنساء، ولحفلات الزواج، وقد أزيلت قصبة الهنود كما ذكرنا قبل حينما تم شق شارع الذهب، وتقع زاوية الهنود الآن في قلب هذا الشارع الموازي لشارع الملك عبد العزيز، والمجاور للسوق الكبير، أما خان الدلالين الذى ذكره الحضراوي، فقد أدركته في الأربعينات واسمه سوق الحراج، وبه مقر الدلالين، وقد أزيل هذا السوق وأدخل في توسعة شارع الذهب كذلك. أما خان العطارين الذي ذكره الحضراوي فلعله كان في جهة سوق الندا، وقد أدركت حوانيت العطارين في الأربعينات من القرن الماضي حول مسجد عكاش، وأشهر عطار في جدة كان اسمه الشلبي ويقع في أول سوق العلوي قريبا من قصر نصيف. عدد الحوانيت في جدة: يقول الحضراوي: وأما الحوانيت ونحوها فتنوف عن أربعة آلاف دكان. أقول: جدة مدينة تجارية منذ نشأتها فهي ميناء الحجاز، بل ميناء الجزيرة العربية كلها، ترد إليها البضائع من شتى أقطار الأرض،

стр. 848

وتجارها يموّنون تجار مكة والمدينة والطائف وغيرها، من مدن الحجاز، كما تصدر البضائع منها إلى أنحاء الجزيرة العربية فلا غرو أن تنمو تجارتها، فتكثر حوانيتها وأسواقها، وهذا العدد الذي ذكره الحضراوي قبل مائة وعشرين عاما يدل على أن المدينة كانت مدينة تجارية كبيرة منذ ذلك الزمن السحيق، أما في الوقت الحاضر فإن أسواقها الكثيرة تعج بآلاف الدكاكين في كل مكان. عدد القهاوي بجدة: يقول الحضراوي: وأما القهاوي فهي نحو المائة، ولعمري إن جدة مصر كبير، وحالها خطير … ثم يقول: كيف ولا هي دهليز للبلد الأمين، ومن ثغرها رباط المسلمين. قبور الأولياء: ذكر الحضراوى ما دعاه قبور الأولياء المشهورين بجدة فذكر منهم قبر الشيخ العلوية، وهو قريب من باب مكة وعليه قبة عظيمة واسمه أبو بكر بن أحمد اك مهير بالعلوي. وقبر الشيخ أبو سرير وضريحه بزاوية معروفة في آخر سوق الندا من جهة الشام .. وقبر الشيخ أبو حنة، ومقام الشيخ أبو عنبة، وقبر الإِمام الشهير المعروف بالمظلوم. أقول: كان السذج من الناس يزورون هذه القبور التي ذكرها الحضراوي والتى كانت منتشرة بمدن الحجاز كلها، وينذرون لها النذور، وهذه كلها من البدع الضالة المضلة التي دخلت على المسلمين واستغل

стр. 849

القائمون على هذه القبور سذاجة الناس وغفلتهم وجهلهم بالدين الصحيح فأقاموا القباب على هذه القبور، واستولوا على ما يرد لها من أموال النذور، وكل هذا ليس من الدين الصحيح في شيء بل هو مدعاة للإِنحدار إلى هاوية الشرك والعياذ بالله تعالى، فالله تعالى هو الضار وهو النافع، والدعاء يجب أن يكون له وحده تعالى دون وسيط أو شريك، وقد أُزيلت هذه القبور وما عليها من القباب، وانتهت تلك الباع الضالة المضلة حينما قامت الحكومة السعودية بعد انضمام الحجاز إليها بإزالة تلك القبور والقباب فسلمت للناس عقائدهم من الشوائب والانحرافات.

стр. 850

كتاب "اللطائف في تاريخ الطائف " الطائف وأوديته وأسباب تسميته: جاء في القاموس - الطائف بلاد ثقيف أول قراها ( .. ) (١٧٥) لعله القيم وآخرها الوهط سميت به لأنها طافت على الماء في الطوفان .. أو لأن جبريل ﵇ طاف بها حول البيت، أو لأنها كانت بالشام ونقلها الله إلى الحجاز بدعوة إبراهيم ﵇، أو لأن رجلًا من الصدف أصاب دمًا، قال الفاكهي ﵀ في تاريخ مكة والطائف من مخاليف مكة، وكان في القديم للعمالقة، ثم نزلها ثمود، ثم سكنها ثقيف وهي الآن دار لهم، وذكر التسميات الثلاث الأولى التي أوردناها ثم قال أو لأن رجلا من الصدف أصاب دما بحضرموت ففر إلى وج وحالف مسعود بن معتب بن عمرو بن سعيد بن عوف بن ثقيف وكان له مال عظيم فقال الرجل هل لكم أن أبني طوفا عليكم يكون ردًّا من العرب فقالوا نعم، وهو الحائط المطيف به (١٧٦). وذكر بعض أهل النسب أهل الدعون ابن الصدف واسم الصدف مالك بن موقع بن كندة بن حضرمرت (١٧٧). وجاء في لسان العرب الطائف مدينة بالغور يقال إنما سميت طائف للحائط الذى كانوا بنوا حولها في الجاهلية المحدق بها الذى

стр. 851

حصنوه به (١٧٨). الوهط والوهاط: الوهط والوهاط المواضع المطمئنة واحدتها وهط بالسكون، وبه سمي الوهط، كان لعمرو بن العاص وقيل: لعبد الله بن عمرو بن العاص بالطائف، وقيل: الوهط موضع وهو قرية بالطائف (١٧٩). الوهط بفتح الواو وسكون الهاء بستان أو مال لعمرو بن العاص - رضى الله تعالى عنه - على ثلاثة أميال من وج. قيل: كان يعرش على ألف ألف خشبة مشترى خشبة درهم وبهذه القرية مزارع وعين ماء كبيرة إلا أنها الآن ضعيفة وبستانها المذكور لم يبق على معشار ما كانت (١٨٠). بين عمرو بن العاص ومعاوية: ذكر الميداني: أن معاوية قال يوما لعمرو بن العاص: هب لي الوهط وكان كرْما يعرش على ألف ألف خشبة، شراء كل خشبة درهم كما قال في العباب ما ملكت العرب مثلها، فلما وهب عمرو لمعاوية الوهط، وقدر سعادته بهذه الهبة قال له عمرو: قد وجب أن تسعفني بحاجة أسألكها، قال معاوية: أنت بكل ما سألت مسعف، قال عمرو: ترد إليّ الوهط، فوهبه له معاوية مرة أخرى (١٨١).

стр. 852

أقول: وما ورد عن مقدار عرائش الكرم في ضيعة الوهط التي قدرت بألف ألف خشبة - مليون خشبة - يبدو لي أن فيه كثيرا من المبالغة في التقدير، والله أعلم. سبب تسمية وج: وج: وادٍ بصحراء الطائف .. ونقل ابن فهد عن السهيلي ﵀ أن وجًّا كان رجلا من العمالقة فحوط له مواليه هذه القرية التي سميت باسمها فضبطوا واديها ما بين بناء الصخور، وشيدوا له بها القصور، وغرسوها أشجارًا، وفجروها أنهارًا، وكان رجلا نجدي الأصل غير أنه إذا رجعت الإبل تحت الصيف تطلب. المياه، جاء هو بأمواله، فأنزلها مصافي نجد بقرى وج، قال واسم أبي وج هذا عبد الحق وقيل عبد الحي (١٨٢). الطائف في القرآن: جاء في تفسير: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. قال المفسرون هما مكة والطائف، واختلف في الرجلين فقيل: إنه الوليد بن المغيرة بمكة وعروة بن مسعود الثقفى بالطائف (١٨٣). نقل اليورقي عن أبي العالية والضحاك قالا: نظر المسلمون إلى وج وهو وادٍ مخصب بالطائف فأعجبهم سدره، قالوا: يا ليت لنا مثل

стр. 853

هذا، ثم قالوا: يا رسول الله أفي الجنة سدر كسدر وج فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ إلى آخر الآية. والمخضود الذي لا شوك فيه (١٨٤). عكاظ: عكاظ: سوق بين نخلة والطائف، كانت تقام في مستهل ذي القعدة وتستمر عشرين يومًا، تجتمع فيه قبائل العرب، فيتعاكظون، أي يتفاخرون، ويتناشدون، وكان فرسان العرب إذا حضروا عكاظًا أمن بعضهم بعضًا لكون عكاظ في شهر حرام، وكانوا يتقنعون حتى لا يعرف بعضهم بعضًا (١٨٥). أول أمير في الإسلام على الطائف: وأما عثمان بن العاص الثقفى - رضى الله تعالى عنه - وهو أحد الوفد الذين قدموا كما تقدم - ابن بشر الثقفي يكنى بأبي عبد الله استعمله النبي ﷺ على الطائف فكان أول أمير عليه في الإسلام، فلم يزل عليها مدة حياته ﷺ وخلافة أبي بكر - رضى الله تعالى عنه - وفي خلافة عمر - رضى الله تعالى عنه - سنتين ثم عزله وولاه عمان والبحرين، وكان عثمان من الوافدين على النبي ﷺ في وفد ثقيف، وكان أصغرهم سنًّا له سبع وعشرون سنة، ولما توفى رسول الله ﷺ ، عزمت

стр. 854

ثقيف على الردة فقال لهم: يا ثقيف كنتم آخر الناس إسلامًا، فلا تكونوا أولهم ردة، فامتنعوا عن الردة، مات بالبصرة سنة إحدى وخمسين (١٨٦). النبي ﷺ يعلم أمير الطائف آداب الإِمامة: وكان قال للنبي ﷺ : يا رسول الله اجعلنى إمام قومي، قال: أنت إمامهم واقتد بأضعفهم، أي اجعل أضعفهم لمرض أو زمانة أو نحوهما قدوة لك تصلي بصلاته تخفيفًا، واتخذ مؤذِّنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا، رضى الله تعالى عنه ولعثمان بن العاص أحاديث في السنن (١٨٧). رسول الله ﷺ يمدح تهامة: مدح رسول الله ﷺ تهامة كما ورد في قوله ﷺ : "تهامة كبديع العسل حلوًا أوله حلوًا آخره" (١٨٨). قال في لسان العرب شبهها رسول الله ﷺ بزق العسل، لا يتغير هواؤها فأوله طيب وآخره طيب، وكذلك العسل لا يتغير، وليس كذلك اللبن فإنه يتغير، وبتهامة فصول السنة كلها طيبة غداة، وليلها أطيب الليالي، لا يؤذى بحر مفرط ولا قر مؤذ (١٨٩).

стр. 855

امرأة عربية تصف تهامة: وصفت امرأة من العرب زوجها فقالت: زوجى كليل تهامة، لا حر ولا قر ولا وخامة ولا سآمة (١٩٠). أحياء الطائف وقراه وما وقع فيها من الحوادث قرية لقيم تثور علي الشريف زيد بن محسن: لقيم على وزن زبيد، قرية كبيرة مشتملة على بساتين ومزارع وآبار، وهي أول قرى الطائف من الجهة الشمالية، وهي مسكن جاعة من ثقيف يقال لهم (الحمدة) وقد قتل صناديدهم مولانا الشريف زيد بن محسن صاحب مكة ﵀ في حدود الأربعين بعد الألف لخروجهم عن طاعته، بحيث أنهم حاصروه في حصنهم، ومن الاتفاق أنهم جمعوا البارود في موضع واحد، فصار كل منهم يأخذ كفايته، فبينما هم كذلك، إذ ثارت علية شرارة فاحترق الحصن وجماعة فيه، وهرب الباقون فمنهم من قتل، ومنهم من انقاد للطاعة فصار ذليلا (١٩١). قصر شبرة: وهناك - يعنى بأرض ثقيف - قصر جميل في باطن بستان عظيم يقال له شبرة العاطر الفاخر وبها البناية الفاخرة الغريبة التي لم يكن في أرض الحجاز لها نظير، وهو - أي القصر - للشريف عبد الله باشا أمير مكة ابن الشريف محمد بن عبد المعين بن عون.

стр. 856

يقول الحضراوي: وهذا القصر ببستانه المعروف بشبرة وهو تحفة من تحف الدهر، وقد تكلمت الشعراء بمدحه حتى تغزلوا بقول بعضهم: ماست تميل وتنثني … ما بين شبرة والعقيق حوراء يمنعها الحيا … وتقول من أين الطريق (١٩٢) قرية السلامة: كان ينزل بها أعيان الناس من أعيان مكة وفضلائها، بأغالب أهلها ثم خربت في حدود الثمانين وتحول أهلها عنها فلم يبق منهم إلا القليل وانهدمت بيوتها في مدة يسيرة ولا حول ولا قوة إلا بالله. أقول: ولعل المقصود أن قرية السلامة خربت بعد سنة ألف ومائتين وثمانين، والله أعلم (١٩٣). قروة وتاريخ عمارتها: قرية الآبار وهي المعروفة اليوم بقروة وبها بئر عجلان، بئر عذب شديد العذوبة، خفيفة في الباطن وهي خلف قرية السلامة من الجهة الشمالية، وسميت بذلك لكثرة حفر الآبار بها من زمن القائدة ذرة جارية الشريف حسن بن أبي نمي. قال: وبلغني أن ابتداء عمارتها في حدود الألف وأن أول بيت بني

стр. 857

بها البيت الذي كان يسكنه السيد عمرو بن عبد الرحيم البصري. الطائف كان يسمى قديمًا الهضبة: قرية الهضبة قال الشيخ حسن العجيمي ﵀ وهي الآن كثيرة البيوت جدًّا وابتداء عمارتها بعد الألف إلا أن ازدياد كثرة البيوت بها منذ خرجت السلامة في حدود الأربعين. يقول الحضراوي: قلت وهي الطائف اليوم بسورها الذي هو دائر عليها وله خندق، دائر محفور محفوف به، وأظن جدد بناءه محمد علي باشا بخندقه، وهو حائز الآن (لقبة حبر الأمة ولمسجده) مسجد ابن العباس ولمسجد الهادي اليمني كما تقدم وله ثلاثة أبواب باب الحزم، ثم باب الريع، ثم باب ابن العباس. قرن المنازل: ومنها قرية اسمها حباحب، قرية من قرى قَرَنْ وجاء في القاموس قرن الثعالب قرن المنازل - بسكون الراء - ميقات أهل نجد. قال بعضهم: إن الطائف كبشٌ أوله قَرْن وآخره لية، ليس على وجه التحديد بل التقريب لتصبح لطيفة التشبيه كما قيل في هذا المعنى: قلت للطائف فضل … وادي فيه مزية أول الطائف قرن … مثل كبش فيه لية (١٩٥)

стр. 858

أقول: وقرية الحباحب أو قرن المنازل تعرف في الوقت الحاضر بوادي مِحْرِمْ، نسبة إلى إحرام الحجاج بها حيث هي ميقات أهل نجد. الباطنة والشريعة والزهرة: الباطنة والشريعة والزهرة بساتين المثناة الشهيرة بناها الشريف عبد المطلب بن الشريف غالب الذي تولى إمارة مكة سنة ١٢٦٨ هـ وجدد جملة حوائط البساتين وبنى مسجدًا تقام فيه الجمعة .. والزهرة سراية كبيرة على طراز بيوت الآستانة بأكشاكها الشاهقة وأوصافها المتناسقة (١٩٦). مسجد ابن العباس: أول من بنى هذا المسجد (النبوي) عمرو بنا أبى أمية بن وهب بن متعب بن مالك لما أسلمت ثقيف ذكره أهل السير. ثم عمرته زبيدة بنت أبي جعفر العباسية كما يدل عليه ما ذكره الفاسى في شفاء الغرام، قال: وجدت بخارج الجدار القبلي من المسجد العبامى حجرًا مكتوب فيه: أمرت السيدة أم جعفر - زبيدة بنت أبي جعفر أم ولاة عهد المسلمين - بعمارة مسجد رسول الله ﷺ بالطائف وذلك سنة اثنتين وتسعين ومائة. يقول الحضراوي: في ذكر المآثر والمشاهد الواقعة في الطائف وما حوله، فمن ذلك مسجد ينسب إلى النبي ﷺ ، وهو الآن تحويطة

стр. 859

صغيرة طولها من الأرض فوق ذراع ملاصقة للجدار القبلي من القبة الأخيرة الكائنة في آخر المسجد العباسى، على يمين الداخل من بابه الشرقي. وأما المسجد العباسى فقال ابن فهد وغيره: إنه لم يثبت فيه شئ (١٩٧). يقول الحضراوي: ومنها القبتان المبنيتان في موضع خيمتي زينب وأم سلمة - رضى الله تعالى عنهما -، وقد ذكرهما المؤرخون كالمرجاني وغيره، وكان بعد السبعمائة إلا أنهم يتعرضوا لذكر اسم بانيهما، وظاهر كلام المحب بن فهد أنهما بنيا في حدود التسعمائة، فقال: إنه رأى المسجد العباسى خرابًا، بل سقط بعض أروقته وجدرانه وعمّر بعضها عمارة خفيفة، وكذلك بناء الآثار النبوية التي وسطه، وقد هدمت القبة الكائنة في وسط المسجد، وبنيت على غير هيئتها الأولى عند عمارة الرواقين الحادثين بالمسجد العباسى في سنة أربع وثمانين بعد الألف. توسعة مسجد ابن العباس: وسع مسجد ابن العباس الوزير العالم محمد باشا شرواني بن عباس في حدود سنة ألف ومائتين ونيف وثمانين، وهذا الوزير صاحب كتبجانة مكة المقابلة للتكية المصرية، وهو الذي من خيراته ثم توسيع

стр. 860

المسجد العباسي وزاد فيه ناحية الجنوب دكة طويلة كالرحبة للمسجد المذكور بباب واحد يخرج منه الخارج من المسجد إلى ناحية الجنوب (١٩٨). رواية أخرى في بناء المسجد العباسي: قال الشيخ العجمي - رحمه الله تعالى -: أول ما بنى هذا المسجد في أيام الناصر لدين الله أبى العباس أحمد بن المستضئ العباس كذا في تاريخ المرجاني والتقيِّ الفاسي، ثم جدد بعض أروقته وجدرانه بعد التسعمائة، ولكنها عمارة ضعيفة كما في تحفة المحب، ثم جدد عمارته وعمارة بعضه والقبة وعمارة المنارة الملك المظفر ابن رسول صاحب اليمن كما يدل عليه الكتابة الموجودة على باب القبة، أمر بتجديد ما تعب من هذا المسجد من المنارة وغيرها الملك المظفر سنة ٦٧٥ هـ (١٩٩). قال المحب أيضا (ابن فهد): رأيت المسجد الكبير الذي فيه قبر سيدنا عبد الله بن عباس - رضى الله تعالى عنهما - خرابًا بل سقطت بعض أروقته وجدرانه، وعمّر بعدها عمارة ضيفة، وكذلك بناء الآثار النبوية التي في وسطه، ووجدت بخط صاحبنا الشيخ عبد المحسن بن سالم القلعي - رحمه الله تعالى - قال: وجدت بخط الشيخ محمد الخادم المشهور بعمامة، إنه في

стр. 861

عام سبعة وأربعين بعد الألف، أمر أمير الحج المصري رضوان بك بتبييض قبة سيدنا عبد الله بن عباس وبناء المنارة الموجودة الآن على باب المسجد، وبذل في ذلك مالًا، والقائم على ذلك شركس بن عبد الملك الشاووش الطايفي حاكم الطائف، والنائب عنه أحمد بن عيسى أبو خيش الخادم والمعلم أحمد بن سوكني، وواحد من أهل مكة - غفر الله لهم - وكان الفراغ من عمارتها في شهر ذي القعدة سنة ١٠٤٧ هـ (٢٠٠). قال وأخبرني بعض الثقات أن هذه المنارة التي أحدثت إنما عمِّرت بحجارة المنارة القديمة التي ذكرها المرجاني، وقد رأيت رسومها وشاهدت التعمير بحجارتها (٢٠١). عمارة الشريف زيد بن محسن بن حسن أبي نمي: ثم جددت عمارة السجد وجدرانه والأروقة الأربعة عمارة متقنة على الرسم الأصيل في سنة إحدى وسبعين بعد الألف، وكان الآمر بها والمنفق عليها مولانا الشريف زيد بق محسن بن حسن أبى نمي سلطان مكة - رحمهم الله تعالى - والقائم على العمارة القائد أحمد بن ريحان حاكم الطائف (٢٠٢). الشريف زيد يمنع الدفن في صحن المسجد: وقد وجدت في وسطه (المسجد) عمارة رواقين بإشارة قاضي مكة،

стр. 862

وفصل بينهما وبين القبور التي في مؤخر المسجد بجدار .. ويقول عن هذه القبور: وأحدث به الشريف صاحب مكة محمد بن بركات بن حسن بن عجلان الحسني قبور حماعة منهم أم ولده هزاع وقاصده إلى الديار المصرية الشريف عنقا دوبير كذا في تحفة ابن فهد، ثم زادت القبور وكثرت حتى امتلأ صف صحن المسجد بها، ولولا نهى الشريف زيد بن محسن عن الدفن فيه لاستأصل وصار جميعه مقبرة (٢٠٣). حسن الكردي يأمر بإقامة الجمعة والجماعة في المسجد: قال ابن فهد: وليس بهذا المسجد جمعة ولا جماعة. يقول المؤلف: والظاهر أنهما كانا فيه قديمًا لوجود المنبر به كما تقدم، وكذلك جميع القرى المتصلة بالطائف، قال فإني لما زرت في المرة الأولى وكان في سنة خمسة عشر وتسعمائة لم أر بها جمعة. ثم أن الجناب العالي القاضي بدر الدين بن علي بن خالص المغربي المالكي النائب بجدة لما توجه الأمير حسن الكردي الأشرفي إلى جهة الهند القتال الإِفرنج، وهو الذي كان بنى سور جدة في أسرع مدة، أمر أهل الطائف بإقامة الجمعة والصلاة بالمسجد العباسى، وبصلاة الجمعة أيضًا في القرى المتصلة به وذلك بإشارة شيخنا العلامة المفيد رئيس الحكماء نور الدين أحمد بن خضر القرشى الكارزوني الشافعي - رحمه الله تعالى -

стр. 863

فجمعوا بها في سنة خمس عشر وتسعمائة (هجرية)، واستمرت إلى أن زرت الزيارة الثانية في السنة التي بعدها سنة سبعة عشر وتسعمائة (هجرية) وهي موجودة بعد ذلك في غير المسجد الكبير الذي فيه ضريح حبر الأمة سيدنا عبد الله بن عباس - رضى الله تعالى عنهما - فإنه منفرد عن القرى وسط التربة، ويصعب على أهل البلد التوجه إليه لبعده عن بعضهم، وكونهم لا يسمعون النداء منه، ولله الأمر من قبل ومن بعد. يقول المؤلف: وكأنه أراد بالمسجد الذي أقيمت فيه أخيرًا مسجد الجمعة الكائن بالسلامة، وقد استمرت إقامة الجمعة، وخطباؤه جماعة من بيت الفتيحي، واستمر انقطاع الجمعة بالمسجد العباسي إلى أثناء سنة أربع وخمسين وألف (هجرية) ثم أقيمت به، وكان السبب في ذلك أن المرحوم الشريف زيد بن محسن صاحب مكة وصل إلى الطائف في ذلك العام في جع من أهل مكة وأعيانها كقاضى مكة حسن أفندي بياضى، وشيخ الحرم محمد أغا. ومفتيها الشيخ حنيف الدين المرشدي، وكثر الواردون إلى الطائف من أهل مكة بحيث ضاق عليهم مسجد الجمعة الكائن بالسلامة فأمر بإقامتها في مسجد سيدنا عبد الله بن عباس - رضى الله تعالى عنهما - صاحب مكة الشريف زيد بن محسن فباشر به خطيب مسجد الجمعة وهو أحمد الفتيحى في ثالث جمادى الأولى سنة ١٠٥٤ هـ (٢٠٤).

стр. 864

الخلاف بين أسرة الفتيحي وخدام الضريح: ثم وقع الشنآن بين الفتيحي وخدام ضريح الحبر سيدنا عبد الله بن عباس - رضى الله تعالى عنهما - فرفعوا إلى الشريف ما بأيديهم من خطوط أشراف مكة بأنه لا يدخل عليهم أجنبى، فأبقاهم على ذلك، فخطب في العاشر من الشهر المذكور - جمادى الأولى ١٠٥٤ هـ - شخص منهم - من خدام الضريح - اسمه أبا بكر بن أحمد، ثم وقع الشنآن بينهم فأمر الشريف بمباشرتها مناوبة فصار الفتيحي يباشر الخطبة وصلاة الجمعة مرة، والخادم - خادم الضريح - أخري، واستمر ذلك في الخدام والفتيحيين إلى أن باشر الخطبة رجل من الفتيحيين يسمى راشد فسلط الله عليه من يخرجه لعدم الصلاحية لذلك، فعوض عنه برجل من الخدام يسمى أحمد التقى فصار يباشر جمعة وولد بواب القبة يباشر أخرى، واستمروا على ذلك مع إقامة الجمعة أيضا بمسجد السلامة حتى خربت في سنة وارتحل غالب الناس عنها فانفرد المسجد العباسى بإقامتها (٢٠٥). خطبة العيد: وفي سنة أربع وستين أو خمس وستين - بعد الألف (هجرية) - أمر الشريف زيد بن محسن صاحب مكة الشيخ حنيف الدين المرشدي مفتي مكة مباشرة خطبة عيد الفطر فباشرها على أسلوب خطباء العيد في مكة. وأمر بذلك أيضا في سنة ست وستين القاضي عبد الجواد المنوفي الحنفي فباشرها كذلك (٢٠٦).

стр. 865

وظيفة الخطابة والإِمامة: يقول الحضراوي: وأخبرني صاحبنا الشيخ عبد الله بن محمد بن أحمد بن علي بن أحمد الخطيب بن عيسى بن موسى بن أبي القاسم بن شداد بن عمر باعمر الشيباني الحميري الملقب بالطيفاني: أن الخطة بالطائف كانت وظيفة أجداده، ثم بعد جده أحمد بن عيسى صارت لبيت الفتيحي. وأما خدام القبة - الشريفة - فهم من ذرية الشيخ أحمد الحرازي اليمنى (٢٠٧). يقول الحضراوي: أما في زماننا هذا فأروقة المسجد في قبلته خمسة منها ثلاثة أروقة مقابلة للضريح عمّره أحمد باشا الحجازي سنة ١٢٣٧ هـ وهناك بابان للمسجد متصلان، وعندهما المنارة التي عمّرها المذكور، وبجانب المنارة قبة فيها ساعات فلكية موقوفة على المسجد من بعض سلاطين آل عثمان (٢٠٨). وفي الرواق الأوسط باب للمسجد أيضًا فتحه الوالي على الحجاز حينئذ المرحوم أحمد رشيد باشا الشرواني. يقول الحضراوي: وكان صدرًا من الصدور وعالمًا فاضلًا سنة ١٢٩١ هـ (٢٠٩). أما الرواقان المقدمان في مقدم القبلة فقد عمرهما بعض تجار الهنود

стр. 866

حين قدم زائرًا لحبر الأمة سنة ١٢٩٥ هـ (٢١٠). العباسيون من نسل ابن عباس: أما الحبر ابن عباس فكان له من الأولاد خمسة: العباس، ومحمد، والفضل، وعبد الرحمن، ولا عقب لواحد من هؤلاء، وعلي وهو أصغرهم، وفيه الجمهرة والعود والنسب والخلافة، ولا عقب لعبد الله بن عباس إلا من علي هذا، وعقَّب علي هذا عَالَمٌ حتى يقال ضبطت الذرية العباسية في زمن المأمون فبلغت ثلاثة وثلاثين ألفا ما بين ذكر وأنثى (٢١١). شعر ابن عباس بعد أن كف بصره: فقد ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - بصره في آخر عمره فكان ينشد: أن يأخذ الله من عينيّ نورهما .... ففي لساني وقلبي منهما نور عقلى صحيح ورأيي غير ذي زلل … وفي فمي صارم كالسيف مشهور (٢١٢) تاريخ بناء مسجد الهادي: مسجد الهادي اليمني الكائن بقرية الهضبة وكان منشؤه في حدود الخمسين بعد الألف.

стр. 867

يقول الحضراوي: وهو الآن على الروقة .. ثم يقول: وله منبر تقام فيه الجمعة في وقتنا أيام الموسم (٢١٣). ونكتفي بما استخلصناه من مؤلفات الحضراوي عن جدة والطائف والولاة العثمانيين في الحجاز للفترة التي عاصرها الحضراوي، وأرجو أن يكون فيما أوردته عنه باعثًا للبحث الدقيق في مؤلفاته الكثيرة ودراستها فلعل فيها الكثير بن التاريخ المخبوء الذي غيبته عنا الأيام … * * *

стр. 868

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة وبعض القرون الماضية

стр. 869

السيد جعفَر بن محَمد البيتي

стр. 870

السيد جعفر بن محمد البيتي شاعر الحجاز في القرن الثاني عشر للهجرة مولده ونشأته: ولد السيد جعفر بن السيد محمد البيتي (٢١٤) باعلوي السقاف بمكة المكرمة سنة ١١١٠ هـ، ونشأ بها وتلقى العلم على والده السيد محمد البيتي وعلى الشيخ عبد الله بن سالم البصري (٢١٥) وهو من العلماء الذين اشتغلوا بدراسة الحديث قراءة وجمعًا وتدريسًا واجتمع بالسيد عبد الرحمن العيدروس (٢١٦)، وكل منهما أخذ عن صاحبه (٢١٧). اشتغاله بالشعر والكتابة: اشتهر السيد جعفر البيتي بالشعر حتى أصبح علمًا من أعلامه، فقال عنه المرادي في سلك الدرر: وبرع في نظم الشعر حتى كاد

стр. 871

أن يكون كالمتنبي وله ديوان شعر مشهور مشحون باللطائف (٢١٨). ووصفه الجبرتي في عجائب الآثار، فقال عنه: وحيد دهره في المفاخر، وفريد عصره في المآثر أديب جزيرة الحجاز ثم قال عنه: وصار إمامًا في الأدب يشار إليه بالبنان. وكلامه العذب يتناقله الركبان، وله ديوان شعر جمعه لنفسه، وله مدائح وقصائد وغزليات كلها غرر محشوة بالبلاغة تدل على غزارة علمه وسعة اطلاعه (٢١٩). وذكر الزركلي في الأعلام أن البيتي ألَّف كتابًا سماه: "مواسم الأدب وآثار العجم والعرب" جزآن مطبوعان (٢٢٠). وظائفه وأعماله: يقول الجبرتي عن البيتي: إنه ولي كتابة الينبع (٢٢١)، ثم وزارة المدينة (٢٢٢)، وقال المرادي عنه: تولى كتابة الشريف ووزارته، وسافر للديار الرومية واليمنية ودخل مدينة صنعاء مرات وكان يتردد بين مكة والمدينة (٢٢٣).

стр. 872

هذا ما استخلصناه من كتب التراجم عن السيد جعفر البيتى الشاعر الناثر، وآن لنا أن نقلب صفحات ديوانه لنستخلص منها صورة للشعر في عصره - القرن الثاني عشر للهجرة - ولنستخلص من هذا الشعر ملامح للحياة الاجتماعية والسياسية في مدن الحجاز خلال هذا القرن الذي لا تتوفر المصادر التاريخية الكافية لجلاء ملامحه وأحواله. ديوان البيتي: توجد نسخة مخطوطة بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة لديوان السيد جعفر البيتى (تحت رقم ٣٠٩١ الرقم العام ورقم التصنيف ٦٣/ ٨١٠) وهو مكتوب بخط واضح ويحتوى على مائة وتسع وثلاثين صفحة من القطع العريض مقاس الصفحة (٣٠× ٢٥ سنتيمترًا) وكل صفحة مقسومة إلى قسمين ومتوسط القسم الواحد في الصفحة الواحدة تسعة عشر سطرًا ولابد أن يكون للديوان نسخ أخرى لأنه كتب عليها "هذه النسخة نسخها الكاتب ولابد من مقابلتها" ثم كتب تحت ذلك وبخط مختلفا "تقابلت بحمد الله" ويوجد في بعض الصفحات تصحيح لبعض السطور أو إضافة لبعض الأبيات. وقد كتب في الصفحات الأولى للمخطوط ما يدلُّ على ملكية هذه النسخة للسيد جعفر ابن السيد محمد البيتي المؤلف، كما يوجد عليها خش وقفية هذه النسخة من قبل أحمد عارف حكمة الدين محمد الحسينى في مدينة الرسول الكريم عليه وعلى آله الصلاة والتسليم بشرط أن لا يخرج عن خزانته وتاريخ الختم عام ١٢٦٦ هـ، وبعد هذا الوصف لمخطوطة الديوان نتحدث عن محتويات الديوان.

стр. 873

وصف عام لشعر البيتي: نظم البيتى في فنون الشعر عامة فله قصائد في الغزل والرثاء والإخوانيات والمدج والهجاء، ويضم الديوان قصائد تصف الأحوال الاجتماعية والسياسية في البلاد وهي في نظري تكتسب أهمية كبرى لأنها تلقى الضوء على جوانب من حياة الحجاز الاجتماعية والسياسية في فترة افتقدت فيها المصادر التاريخية التي تتحدث عن هذه الفترة من الزمن - القرن الثاني عشر للهجرة - ولهذا فسيكون تركيزنا على هذا الجانب من شعر البيتى أظهر وأعم. البيتي يمزج الشعر بالنثر: ومما لاحظته في الديوان أن البيتى لم يكن يكتفى في بعض الأحيان بنظم القصيدة وإنما يقدم لها برسالة طويلة مسجوعة في نفس الموضوع، كما هو الحال في رسالته من ينبع إلى الخطيب محمد أبى الخير مغلباي المدني في سنة ١١٤٠ هـ والتي سنتحدث عنها بعد، أو يبدأها بأبيات من الشعر ثم يتبعها بالنثر ليعود مرة أخرى إلى الشعر .. ونثر البيتى كله مسجوع، فلم أجد في الديوان على كثرة ما ورد فيه من النثر سطرًا واحدًا خاليًا من السجع. وهذا السجع يتميز بالعذوبة كما ينبئ عن إحاطة كاتبه بكثير من المعارف وهو يدل على اطلاع واسع كما يشير إلى تمكن كاتبه من المفردات اللغوية فلا تشعر فيه بالتكلف الذي يظهر في سجع كثير من الكاتبين. البيتي في ينبع: ذكرنا ضمن وظائف البيتي أنه تولى الكتابة في ينبع ولم توضح

стр. 874

التراجم التي بين أيدينا كنه الوظيفة التي تقلدها في ينبع، هل هي الكتابة لأمير ينبع؟ أو أنه انتدب من إمارة المدينة المنورة التي كانت ينبع تابعة لها للعمل هناك؟ ولكنا نستطيع أن نستخلص من مجمل ما نظمه البيتي من الشعر عن ينبع، وما كتبه من النثر أن عمله كان يتعلق بالبادية، وببعض الأمور المالية فيها فهو يقول: لولا تغافل أهل الفضل عن خبري … ما عدت في ينبع من كاتبي العُشَرِ صناعة لست من أكفائها فَرَشَتْ … فوق الأَسنة لي ضيمًا على الأبر (٢٢٤) ولقد أطال البيتي الحديث عن معاناته في ينبع شعرًا ونثرًا، وكان يكتب بهذه المعاناة إلى أصدقائه في المدينة المنورة، كما كانت تفيض نفسه بالشكوى فيرسل الشعر تسجيلا لهذه المعاناة. ولقد مرت القرون على هذه المعاناة (٢٢٥) ولكنه خلَّدها وصفًا حيًّا لحالة ينبع الاجتماعية والسياسية نقرأها بعد مائتين وست وستين عامًا، فتبدو حوادثها ماثلة للعيان تحدثنا بما كانت عليه الحال في الماضي من اضطراب في الأمن، وسوء في الأحوال، وتسلط من البادية على مقادير الناس وممتلكاتهم وأرواحهم، فنحمد الله أن بدَّل الخوف أمنًا، والسوء حسنًا، وأن قيَّض للأمة من يقوم على شئونها خير قيام. والآن لنترك البيتي يتحدث في رسالته التي كتبها إلى الخطيب

стр. 875

الفاضل محمد أبي الخير مغلباي المدني سنة ١١٤٥ هـ والتى يبدأها بهذين البيتين وهما من شعر البيتي: مقدمة الرسالة: وأزكى ما يخص به الأَخِلَّا … ويحمله الوداد مع النسيم سلام نَشْرهُ مسكٌ ذكيٌّ … يروق كحسن أخلاق الكريم يطلع عليه نسيم الصبا، ويطلع إليه عهد الصِّبا، وتنقل عنه الأزاهير، ما يعبر به العبير، فهو كأيام الربيع حسنًا، وتَبَسُّم الزمن حِسًّا ومعنى، آنس من الخليل، ودخول البرء على العليل، تتنافس فيه النفوس وهو لا عطر بعد عروس، أرق من الغمام، وشكوى المستهام، كأنه لطف النور في الديجور، أو إنعاش الراح للأرواح. سرى بنافحه نيلوفر عبق … وسنان نَبَّه منه الصبح احداقا متمسكا بتقبيل الأعتاب العلية، وهو ومثله من التحية، من مقام رفيع الجناب، القاصر عنه لسان الإطناب، نسيج وحده، وواحد فخره ومجده، القائم بذاته في الفخار الغني عن الوصف والتكرار، فضيل من تعقد عليه الخناصر، وتهتز له أعطاف المنابر، وهو لانفراده بالمفاخر كالمثل السائر، في الأوائل والأواخر، ليس به عيب سوى أنه لا تقع العين على شبهه، أجلَّ من ينسب إلى العزة ويُعْزَا، والجزء الذي لا يتجزى، ذو الفضل المأثور، والذكر المنشور أبو الخير المشهور، أطال الله عمره في السعادة وطول العز والسيادة، وبعد تعطير الطرس بغوالى ذكره، وتشريف الكلم بجوامع علاه وفخره، صدرا من مصدور الشوق، الذي شب عمره عن الطوق، من كثير السؤال، كثير الاشتغال بتفقد الأحوال:

стр. 876

كثير من السؤال اشتياق … كثير من رده تعليل (٢٢٦) والله سبحانه هو المحمود والمأمول بها (٢٢٧) الكرم والجود، أحمده إليك علانية وسرا، وأتبتل إليه ثناءًا وشكرًا، وقد ورت عقيلة الكرم، والنثر الذي هو نثارها، وتوطية القسم، فخلا بها القلب الوجل، والذهن الخجل وتلقاها البال بالإقبال، وأحلها الخاطر، في بيت الود عامر (٢٢٨) حتى كانت درياق الاشتياق، وعلاج الانزعاج وبهجة المحاضر، وأنس المقيم والمسافر، كيف لا وهي عذب الشمائل، وشمول الفضائل، تيمة المعاني (٢٢٩) وقوية المباني، قد صرحت بجلَّذان، عن فضلك المصان: بكر فكر تزف أنجب من أم … البنين التي من الأصلاب من لدى المعي جوهر عقل … وهي منه عنوان ذاك الكتاب فأكرم بخريدة خدرها، ودمية قصرها، في أبناء عصرها، عرضت للاستماع، وتهذيب الطباع، فهي بين الأنام، تطلب مَهْرَ قطام (٢٣٠) لعلو المقام، فتكبر أن تسرح إلا في محاسنها النواظر، وتمتع إلا من معناها البصائر فما برحت في ذلك المجال، تخطر في قدر الشعر وتختال، وينشدها لسان الحال.

стр. 877

والرسالة طويلة يصف فيها البيتي معاناتاه في ينبع من الحشرات، كما يصف الشحاتين في ينبع والأعراب ورؤساء القبائل، مما سنقرأه في شعره، ثم يتحدث البيتي عن نفسه فيقول: البيتي يعتذر لنفسه: وكأني بملام الخطيب يصدر عن قريب، غب هذا العجيب، وهو يلوم في المطامع، وينبه على فضل القانع، ويقول: إن في العفاف لما يصون قدر الأشراف، ولقد أسرف كل الإسراف، حين تعرض للاستهداف ثم يسند صاحبه إلى الجنون، ويغرب في الجون، فيقول: لو عاد بمال قارون، لكان في الصفقة مغبون، بل ولو استقل بفارس وخراسان، وهيمن على الشحر وعمان، وتقلد ملك آل عثمان، وجاء برأس خاقان، لما كان بعد الشدة والامتحان، ومقامه على الهوان، إلا أخسر من أبي غبشان، وأخيب من حنين، ولو جاء بملإ الخافقين وكان مع عدم المشاركة، في أحسن من زمن البرامكة، قد تربع في دست الشرافة، وسلم عليه بالخلافة، فما له قد أساء في الطلب، وذهب بوضاءة النسب والأدب، بسوء هذا المكتسب فما كان في العير، ولا أحسبه في النفير: تعالى الله يا سلم بن عمرو … أذل الحرص أعناق الرجال فما أجد من الأعذار، إلا تصرف الأقدار، وحمل الاضطرار، على عدم الاختيار، على ذلك صبرت، ولو خيرت لاخترت: ألقاه في اليم مكتوفا وقال له … إياك إياك أن تبتل بالماء ومن العذر ما لا أبديه، وقد ذهب أمس بما فيه، والسعيد

стр. 878

من كفى المؤونة، وأعطى الملعونة، ونعمت له البارحة والليلة، وقيل له مَسِّي سخيلة فقلما تحسن الحال، إذا كثرت العيال، وتتصور الراحة، إذا صفرت الراحة وما فاز في العالمين، غير المخففين، وأخوك قد أساء الزمن إليه، وعرض خصلتي الضبع عليه، أو أني أعاف الإِكرام، لوجدتْ الإكرام، أو أمل المقام، ولكن لو ترك القطا لنام: لُمِ الليالي التي أخنت على جدتي … برقة الحال واعذرني ولا تلم حظ الأديب: ثم أعود وأقول ما أكسد الأدب، الذي ذكرت، وأطنبت فيه بما قدرت، وليست سلسلة النسب، من حبائل النشب، ولا نسخ الأدب من فخوخ الذهب، وماذا حصل للخليل بالبسيط والطويل، وهل أفطر على العصيد من بحر المديد، وأشرف على المطالب، من فعول المتقارب، فليس من المفروض علم العروض، ولا من المسنون الاشتغال بهذه الفنون: لا تطلبن بآلة لك رفقة … قلم البليغ بغير حَظٍّ مِغْزَلُ فما أضعف قواعد الإعراب، عن إملاء الجراب، وأضيع دلائل الإعجاز، في حانوت البزاز، وأقذر زهر الآداب، وآداب الكتاب، إذا عرضا على القصاب، ولم أسمع بأنساب قريش، إنها نفقت في ترميق العيش، ولا أن كتاب الكامل عمل في تحريك العوامل، وإذا طلبت البرهان، وشئت أن ترى العيان، فخذ أخبار الزمان، وقلائد العقيان والسير والغزوات، وجميع كتب الطبقات، وشروح المعلقات، وهلم بالفلك المشحون، في القبائل والبطون، ومعها أجزاء الأغاني، وديوان

стр. 879

ابن هانئ، وما انتظم من هذه المعاني، ثم تفسح في المجالس، واجْلُ من تلك العرائس وأنت كسحبان وائل، وبيان عمرٍو وواصل، فإن توصلت إلى طفيف، من ثوب أو رغيف، فاصنع ما شيت، واهجرني ما حييت، فلست بالمميز، على ابن المعتز، حين أدكته حرفة الأدب، فوقع في العطب، ولا كشيخ ربيعة الفرس وقد رمى بالهوس، فأهون في الزمان بعلَّامة همذان، ومثله من الأعيان، وأي فضل في شعر، لا يوقد تحت القدر ولا يقاوم ثمن الحبر، ولو كان من الحكمة والسحر. لا خير في أدب فردًا بلا ذهب … وليس ينفق في شئ من الزيت فقل عن الكيس لا الأكياس كيف تشأ … واسأل عن الحظ لا تسأل عن البيت فطالما قمت في الأسحار، وصدَّرْتُ الدعاء بالاستغفار، وأنا أسأل الكفاف، لأحوز العفاف، فلا أعرض حَرَّ الأديم، إلى لئيم، ولا أعمل حيل الالتماس، لما في أيدي الناس، وإلى الآن ما أنجح الرجاء، ولا أستجيب الدعاء حتى كأنه دعاء أبي جعفر، حين سئم من أزهر، وقد سلمت القياد للأمر، وانتظرت الفرج بالصبر: علمًا بأن اصطباري معقب فرجًا … وأضيق الأمر إن فكرت أوسعه فأما الآن فقد امتد مضمار الرهان، ووجب صرف العنان، إلى تذليل هذه الخرافات، بمثلها من الأبيات فإليكها نفثة مصدور، في طي هذا المنشور، معتذرة عن التقصير، مقرة بالقصور، فاستر على عوراتها، وضاعف لها حسناتها، وتجاوز عن سيئاتها، وأكرم مثواها، حيثما تلقاها، وأين ترى عوارها، فقلِّمْ أظفارها، … ولا تقبل اعتذارها، وقد جعلت صداقها، عندك نَفَاقها، فإن رأيت وفاقها، وإلا فاكتم طلاقها، وسرحها

стр. 880

إلى أهلها، فلا يعودوا إلى مثلها، وها هي قد عرضت عليك، والأمر إليك، ولا زلت على الدوام، يغشاك مزيد السلام، وتؤمك التحيات، هي وهذه الأبيات (٢٣١): مقدمة القصيدة: هذه القصيدة من بحر الرمل المجزوء، وهي ثمرة قولي في صدر الرسالة ويرمل ولو عُدَّ في الأرامل، والقصيدة التي جاءت من الخطيب التي كانت سبب هذه الرسالة بحرها من الكامل، فتأمل الفقرات في صدر الرسالة: يعلم الله ويشهد أننـ … ـي فيك مُسَهَّدُ لي دمع ليس يرقى … وفؤاد يتوقَّد وأنين يتوالى، وزفـ … ـير يتصعَّد وهوى نام ووجد … كل يوم يتجَدَّد وكساني الحزن سقما … فوق ما قد كنت أعهد وهيامي واشتياقي زا … د بالفرقة واشتد وإذا ناح حمام … في غصون وتغرد إنما يبكي لحالي … كلما ناح وردد حالة يقطر القلب بهـ … ـا لو كان جلمد كلما قلت تناهى … ألمي أصبح أزيد كم يكون الصبرُ، واللهِ … تقضَّى وتبدد
следующие страницы →