← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

كثير من السؤال اشتياق … كثير من رده تعليل (٢٢٦) والله سبحانه هو المحمود والمأمول بها (٢٢٧) الكرم والجود، أحمده إليك علانية وسرا، وأتبتل إليه ثناءًا وشكرًا، وقد ورت عقيلة الكرم، والنثر الذي هو نثارها، وتوطية القسم، فخلا بها القلب الوجل، والذهن الخجل وتلقاها البال بالإقبال، وأحلها الخاطر، في بيت الود عامر (٢٢٨) حتى كانت درياق الاشتياق، وعلاج الانزعاج وبهجة المحاضر، وأنس المقيم والمسافر، كيف لا وهي عذب الشمائل، وشمول الفضائل، تيمة المعاني (٢٢٩) وقوية المباني، قد صرحت بجلَّذان، عن فضلك المصان: بكر فكر تزف أنجب من أم … البنين التي من الأصلاب من لدى المعي جوهر عقل … وهي منه عنوان ذاك الكتاب فأكرم بخريدة خدرها، ودمية قصرها، في أبناء عصرها، عرضت للاستماع، وتهذيب الطباع، فهي بين الأنام، تطلب مَهْرَ قطام (٢٣٠) لعلو المقام، فتكبر أن تسرح إلا في محاسنها النواظر، وتمتع إلا من معناها البصائر فما برحت في ذلك المجال، تخطر في قدر الشعر وتختال، وينشدها لسان الحال.

стр. 877

والرسالة طويلة يصف فيها البيتي معاناتاه في ينبع من الحشرات، كما يصف الشحاتين في ينبع والأعراب ورؤساء القبائل، مما سنقرأه في شعره، ثم يتحدث البيتي عن نفسه فيقول: البيتي يعتذر لنفسه: وكأني بملام الخطيب يصدر عن قريب، غب هذا العجيب، وهو يلوم في المطامع، وينبه على فضل القانع، ويقول: إن في العفاف لما يصون قدر الأشراف، ولقد أسرف كل الإسراف، حين تعرض للاستهداف ثم يسند صاحبه إلى الجنون، ويغرب في الجون، فيقول: لو عاد بمال قارون، لكان في الصفقة مغبون، بل ولو استقل بفارس وخراسان، وهيمن على الشحر وعمان، وتقلد ملك آل عثمان، وجاء برأس خاقان، لما كان بعد الشدة والامتحان، ومقامه على الهوان، إلا أخسر من أبي غبشان، وأخيب من حنين، ولو جاء بملإ الخافقين وكان مع عدم المشاركة، في أحسن من زمن البرامكة، قد تربع في دست الشرافة، وسلم عليه بالخلافة، فما له قد أساء في الطلب، وذهب بوضاءة النسب والأدب، بسوء هذا المكتسب فما كان في العير، ولا أحسبه في النفير: تعالى الله يا سلم بن عمرو … أذل الحرص أعناق الرجال فما أجد من الأعذار، إلا تصرف الأقدار، وحمل الاضطرار، على عدم الاختيار، على ذلك صبرت، ولو خيرت لاخترت: ألقاه في اليم مكتوفا وقال له … إياك إياك أن تبتل بالماء ومن العذر ما لا أبديه، وقد ذهب أمس بما فيه، والسعيد

стр. 878

من كفى المؤونة، وأعطى الملعونة، ونعمت له البارحة والليلة، وقيل له مَسِّي سخيلة فقلما تحسن الحال، إذا كثرت العيال، وتتصور الراحة، إذا صفرت الراحة وما فاز في العالمين، غير المخففين، وأخوك قد أساء الزمن إليه، وعرض خصلتي الضبع عليه، أو أني أعاف الإِكرام، لوجدتْ الإكرام، أو أمل المقام، ولكن لو ترك القطا لنام: لُمِ الليالي التي أخنت على جدتي … برقة الحال واعذرني ولا تلم حظ الأديب: ثم أعود وأقول ما أكسد الأدب، الذي ذكرت، وأطنبت فيه بما قدرت، وليست سلسلة النسب، من حبائل النشب، ولا نسخ الأدب من فخوخ الذهب، وماذا حصل للخليل بالبسيط والطويل، وهل أفطر على العصيد من بحر المديد، وأشرف على المطالب، من فعول المتقارب، فليس من المفروض علم العروض، ولا من المسنون الاشتغال بهذه الفنون: لا تطلبن بآلة لك رفقة … قلم البليغ بغير حَظٍّ مِغْزَلُ فما أضعف قواعد الإعراب، عن إملاء الجراب، وأضيع دلائل الإعجاز، في حانوت البزاز، وأقذر زهر الآداب، وآداب الكتاب، إذا عرضا على القصاب، ولم أسمع بأنساب قريش، إنها نفقت في ترميق العيش، ولا أن كتاب الكامل عمل في تحريك العوامل، وإذا طلبت البرهان، وشئت أن ترى العيان، فخذ أخبار الزمان، وقلائد العقيان والسير والغزوات، وجميع كتب الطبقات، وشروح المعلقات، وهلم بالفلك المشحون، في القبائل والبطون، ومعها أجزاء الأغاني، وديوان

стр. 879

ابن هانئ، وما انتظم من هذه المعاني، ثم تفسح في المجالس، واجْلُ من تلك العرائس وأنت كسحبان وائل، وبيان عمرٍو وواصل، فإن توصلت إلى طفيف، من ثوب أو رغيف، فاصنع ما شيت، واهجرني ما حييت، فلست بالمميز، على ابن المعتز، حين أدكته حرفة الأدب، فوقع في العطب، ولا كشيخ ربيعة الفرس وقد رمى بالهوس، فأهون في الزمان بعلَّامة همذان، ومثله من الأعيان، وأي فضل في شعر، لا يوقد تحت القدر ولا يقاوم ثمن الحبر، ولو كان من الحكمة والسحر. لا خير في أدب فردًا بلا ذهب … وليس ينفق في شئ من الزيت فقل عن الكيس لا الأكياس كيف تشأ … واسأل عن الحظ لا تسأل عن البيت فطالما قمت في الأسحار، وصدَّرْتُ الدعاء بالاستغفار، وأنا أسأل الكفاف، لأحوز العفاف، فلا أعرض حَرَّ الأديم، إلى لئيم، ولا أعمل حيل الالتماس، لما في أيدي الناس، وإلى الآن ما أنجح الرجاء، ولا أستجيب الدعاء حتى كأنه دعاء أبي جعفر، حين سئم من أزهر، وقد سلمت القياد للأمر، وانتظرت الفرج بالصبر: علمًا بأن اصطباري معقب فرجًا … وأضيق الأمر إن فكرت أوسعه فأما الآن فقد امتد مضمار الرهان، ووجب صرف العنان، إلى تذليل هذه الخرافات، بمثلها من الأبيات فإليكها نفثة مصدور، في طي هذا المنشور، معتذرة عن التقصير، مقرة بالقصور، فاستر على عوراتها، وضاعف لها حسناتها، وتجاوز عن سيئاتها، وأكرم مثواها، حيثما تلقاها، وأين ترى عوارها، فقلِّمْ أظفارها، … ولا تقبل اعتذارها، وقد جعلت صداقها، عندك نَفَاقها، فإن رأيت وفاقها، وإلا فاكتم طلاقها، وسرحها

стр. 880

إلى أهلها، فلا يعودوا إلى مثلها، وها هي قد عرضت عليك، والأمر إليك، ولا زلت على الدوام، يغشاك مزيد السلام، وتؤمك التحيات، هي وهذه الأبيات (٢٣١): مقدمة القصيدة: هذه القصيدة من بحر الرمل المجزوء، وهي ثمرة قولي في صدر الرسالة ويرمل ولو عُدَّ في الأرامل، والقصيدة التي جاءت من الخطيب التي كانت سبب هذه الرسالة بحرها من الكامل، فتأمل الفقرات في صدر الرسالة: يعلم الله ويشهد أننـ … ـي فيك مُسَهَّدُ لي دمع ليس يرقى … وفؤاد يتوقَّد وأنين يتوالى، وزفـ … ـير يتصعَّد وهوى نام ووجد … كل يوم يتجَدَّد وكساني الحزن سقما … فوق ما قد كنت أعهد وهيامي واشتياقي زا … د بالفرقة واشتد وإذا ناح حمام … في غصون وتغرد إنما يبكي لحالي … كلما ناح وردد حالة يقطر القلب بهـ … ـا لو كان جلمد كلما قلت تناهى … ألمي أصبح أزيد كم يكون الصبرُ، واللهِ … تقضَّى وتبدد

стр. 881

وإلى كم ذا التجافي … وإلَامَ البين والصد يا ظبيَّ المنحنى عطفا … على مشتاق مكمد فلقد أفرطت في البين … إلى أن طال وامتد وعذولي فيك أغراك على … هذا وفنَّد وسعى عندك حتى أخـ … ـرب الود وأفسد فلئن أبعدت عَني … فاصطباري عنك أبعد وإذا أرضاك ما بي … وترى في البحر مقصد فتعطف بي واسأل … كيف حالي وتفقد وتعهدني بطيف … منك في النوم المُشَرَّد فلقد ذبت اشتياقا … وغرامي جاوز الحد آه واضيعة عُمْرٍ … مرَّ بالعيش المُنكَّد ورعى الله ليالي المنحنى … من كل معهد وربوعًا هي فيها … لأبي الخير ابن أحمد الخطيب الفاضل البحر … الذي لا يتحدد عين أعيان ذوي العلياء … والقدر الممجد من له همة عزم … لم تزل في الفضل تصعد ومرامٌ كمرامي النجم … في المجد وأبعد ومكان وفق ظن العقل … في الفخر مشيَّد يعجز المنطق عنه … وهو سرًّا يتردد كل فضل قيل فيه … فإلى الصحة يسند وله منه دليل … وعليه الرأي يعقد فهو في أفق سما … الشرف الباذخ فرقد

стр. 882

ذو فؤاد كاد … من فرط ذكاء يتوقد ولسان ذرب في القـ … ـول كالسيف المهند وأخو وُدٍّ به … ما زال فضلا يتعهد قد أتَتْني منه أبيات … كما الدر المنضد صرَّحت بالفضل عنه … أو هي الصرح الممرَّد أفرغت معنى لطيفا … في قوارير زبرجد فهي لو جسمتها … لم تك إلا ذوب عسجد يضعف الإحساس عنها … لو مشت في جفن أرمد سبكت من جوهر … وانطبعت في خد أمرد من محيا يخجل الأقمار … ساجي الطرف أملد فَأتت تُجْلى كزهر الرو … ض والخد المورد سحر شعر قد أقام … العقل إعجابا وأقعد يحسد المعنى عليه بعضـ … ـه والفضل يُحْسد كل بيت منه في الصنعة … والإحكام مفرد قد حكى في الحسن والجودة … حَسَّانَ وأجود ونسيب فاق في فن الأغاني … صوت مَعْبَدْ رَقَّ حاشاه من الركة والمعـ … ـنى الموَلَّد وقريض بارد رقيـ … ـة محموم وأبرد فهو سلطان القوافي … وبذاك العقل يشهد كلما رمت أجاريه … تأخرت إلى غد ومجال الفكر ضَنْكٌ … عنه والنطق مقيد وكذا العتب على الأشغال … والوقت المبدد

стр. 883

وعلى حكم زمان غار … في الجور وأنجد ما ثنى فيه وسادًا … الكريم لا ولا مد يُرْفَضُ الحُرُّ ويُجْفا … ويكاد النذل يعبد يا أبا الخير ولا زلت … لكل الخير مقصد صدرت هذي مع التقصـ … ـير بالعذر المسدد وصف ينبع: نحن بالساحل من ينبـ … ـبع في المحنة والكد قد ولينا مقعد الكذب … ولكن أي مقعد؟ خدمة لو كان فيها … الملك كنا فيه نزهد في بلاد ما ترى فيها … سوى الراحة تفقد وبها الجرذان والذُّبَّان … كالجند المجند والندى والطَّلُّ والأوساخ … والطين الملبد والبعوض الجم والبرغوث … ما لا يتحدد كل يوم بظباها … يُحْجم الجسم ويُفْصد ما تَهنَّى من أذاها … أحد قط بمرقد مزقت نسخة عهد الصبر … لكن تتجلد كل يوم ينقضى فيها … هو السجن المؤبد إن من يخلص منها … فارق الحزن وعَيَّد كيف لا يسجن فيها … كل من ينفي ويطرد والذى فيها من الرجز … كثيرٌ أنْ يعدد الأعراب: وبها كل ملعون من … الأعراب مرتد

стр. 884

خارج عن لائقة … الإسلام والخير مجرد مدَّع بالدين لكن … قبل أن يولد ألحد ذرع بَغْى لَيْتَهُ … لو كان بالأسياف يحصد أبدا كالذيب ما تلقـ … ـاه إلا يتعبد لَا سُقِي وجها كوجه … القرد في القبح وأقرد يشبه الصورة بالشيطان … في ثوبٍ مزند تختشى منه على الإسـ … ـلام ما لم يتصفد بارد الرأي ثقيل … لو يَمَسُّ الماء يجمد لعنة الله عليه … لعنة تستغرق الجد فهو للشر وللفتنة … قصدا يتعمد وبكل الغشم والطغيان … والغي تفرد وَبكاسات التراخى شـ … ـرب البغي وعربد يطلب الحاجة بالعنـ … ـف وأيضا يتهدد فإذا لم تقضها بالفـ … ـور ولَّى تووعَّد وإذا أرضيته من بعد … ذاك المنع والرَّد بشَّ واهتزَّ ارتياحا … بعد أن كان تمرَّد وأتى يطلبك العذر … ووجه العذر أسود هؤلاء القوم حشو … النار والويل الخلد أفسدوا في الأرض دهـ … ـهرا وحسام الملك مغمد ولهم سوء التحامِي … وطَّد الأمر ومَهَّد ربما عمَّا قليل … يملكون الناس عن يد ولقد كان تَلَقِّيهم بحدِّ … السيف أرشد فيخرُّون إلى الأذقان … من ذلك سُجَّد

стр. 885

وعسيرٌ منعك الإنسان … عما قد تعود كل هذا الأمر في ذمة … من فيه تَقلَّد جُل ما نسأله منك … الدعا في كل مشهد بتجلى كل كرب … لجميل الصبر أنفد فعسى ينحل باللطف … عسير قد تعقد وقريب فرج الله تعالى … كأن قد وإلى علياك سارت … هذه تُتْلى وتسرد وفي بالتكرار في العـ … ـود إليكم سَتُرِّدَّدْ والأعادات حميد … فعلها والعود أحمد فافترعهن عذارى من … بنات الفكر خُرَّدْ رافلات في مروط الحسـ … ـن تيهًا تتأود لم تزل توليك مدحا كلما … تروى وتنشد وسلاما يتغشَّاك … مدى الأيام سرمد من ختام المسك مختـ … ـوم به نسعى ونحفد ما تغنى سحرا في الأيـ … ـك شحرور وردَّد (٢٣٢) معارضة ابن النحاس نظمها في عام ١١٤٣ هـ. وللبيتى قصيدة في ينبع يعارض بها قصيدة ابن النحاس الشهيرة والتي مطلعها: رأى اللوم من كل الجهات فراعه. يقول البيتى: رأى البق من كل الجهات فراعه … فلا تنكروا إعراضه وامتناعه ولا تسألوني كيف بت فإني … لقيت عذابًا لا أطيق دفاعه

стр. 886

نزلنا بمرسى ينبع البحر مرة … على غير رأي ما علمنا طباعه نقارع من جند البعوض كتائبًا … وفرسان ناموس عدمنا قراعه والقصيدة طويلة، وهي لا تخرج عما ورد في قصيدته السابقة وفي رسالته الطويلة المسجوعة للخطيب أبي الخير، وبعد أن أطال في وصف المعاناة التي كان يعانيها في ينبع مع البق والناموس والفئران والبرغوث، ذكر الأعراب والبدو فقال فيهم: وأصبحت في دار المشقة والعنا … أخالط أوغاد الورى ورعاعه وكلبًا من الأعراب يعوي كأنه … يريد إذا لاقى الأمين ابتلاعه فلو صاح فوق الصخر خَرَّ لوقته … وأبصرت من ذاك الصياح انصداعه براه إله الخلق للناس نقمة … وقَدّ من الصخر الأصم طباعه فلا رحم الرحمن أرضًا يحلها … وباعد عنَّا بالسنين انتجاعه ثم يقول: ومن كل جبار عنيد يرى الورى … عبيدا لديه والبقاع بقاعه شقي عصى الرحمن في كل أمره … ومال إلى شيطانه وأطاعه ويخاطب الحكام فيقول: فقل لرعاة الوقت إن نعاجكم … أتاح لها ريب الزمان سباعه فهل لكمو في لَمِّ شمل الذي بقى … برأي بديع يحسنون ابتداعه وإلا فإن الأمر لله كله … ولا رأْي في خرق يريد اتساعه ثم يقول محدثا عن نفسه: سنونا عن الدنيا فكل نعيمها … متاع غرور لا تديم متاعه وما اعتضت من كوني أديبًا وفاضلًا … لدى الناس إلا قوله وسماعه

стр. 887

ومن كان يرجو في الأمانة مغنمًا … فخلُّوا له أوضاعه وخراعه وقولوا له هذاك ينبع حاضرا … لمن رام يبلوا ضُرَّه وانتفاعه فكم كاتب أفنى اليراع كتابة … وَمَلَّ وألقى في التراب يراعه ثم يقول: وكم بدويٌّ داسه فوق بطنه … ومزَّق ما بين الأنام رقاعه ومن جاءكم منا مع الليل شاردا … فذاك لهولٍ واقع قد أراعه ومن يمتنع عن خدمة مثل هذه … فلا تنكروا إعراضه وامتناعه فما يكسب الكيال إلا غباره … ولا الكاتب المسكين إلا صداعه (٢٣٣) هذه القصيدة كما ذكرنا نظمها البيتى في عام ١١٤٣ هـ ومشروح في الديوان أمامها مايلي: طالما هرب الأمين من ظلم الجمَّالة واختفى ورجع هاربًا إلى المدينة، وطالما حبس شيخ العرب عليه الحبوب من الكيل ليسجنه عنده، ولم يجد من ينصره إلا الدراهم وكل ذلك من ضعف حكام المدينة وعدم التعريف بمثل ذلك. ونفهم من هذه النبذة أن البيتي كان يقوم بعمل - الأمين في ينبع - كما ينص على ذلك الأبيات المثبتة آنفا والتى يقول فيها: ومن كان يرجو في الأمانة مغنمًا … فَخَلُّوا له أوضاعه وخراعه وقولوا له هذاك ينبع حاضرا … لمن رام يبلو ضرَّه وامتناعه

стр. 888

ونفهم كذلك أن الأمين كان مغلوبًا على أمره مع الأعراب، ومع شيخهم الذي كان لا يتورع عن حبس الأمين وحبس الحبوب، فلا يستطيع الأمين إطلاق نفسه إلا ببذل المال لهذا الشيخ. ونفهم كذلك أن البيتي طالما ضاقت نفسه بما يلقى في وظيفة الأمانة هذه فترك ينبع هاربًا إلى المدينة ونفهم كذلك أن البيتي بقى في ينبع بضع سنين فهو قد أرسل رسالته إلى الخطيب أبى الخير في عام ١١٤٠ هـ، ونظم هذه القصيدة في عام ١١٤٣ هـ. وللبيتي قصيدة ثالثة في ينبع بعث بها إلى الشيخ أبي طاهر بن الشيخ إبراهيم القوراني تلميذ الشيخ أحمد القشاشى، يقول البيتي: فأرسل إليّ الشيخ يعاتبنى في استصحابي كتب الوقف المحبوسة على المدينة خاصة في عتب خلطه بالهزل، وتنسمت منه عين الرضا فكتبت إليه بهذه القصيدة وهي: أشجى صدوحك في الرياض فرجعي … واروي لنا خبر اللوى والأجرع وترنمي بحديث من سكن الغضا … وحديث أشجاني به وابكي معي فعسى البكى يطفي لهيب جوانح … طويت على حالَيْ ضنا وتوجع وإذا خلا ما في ضميرك من هوى … فخذي حديث صبابتي وتسمعي ثم يقول: لله بدر في الغلالة طالع … أبدا إليه يا حمام تطلعي فتان، ليليَّ الذوائب، قرطه … كالنجم يخفق فوق جيد أتلع كم قد شرحت له الصبابة والجوى … بلسان سقمي في رسائل أدمعي ويتخلص البيتي من الغزل فيصل إلى مدح الشيخ أبي طاهر

стр. 889

فيسبغ عليه من الأوصاف ما تميز به هذا العصر من مبالغات في الثناء فيصفه بأنه: علم الهدى، إنسان عين زمانه … الكامل الحبر التقي المتورع محيي علوم الدين حافظ سره … المكنون، جابر شُعبه المتصفع جمع الحديث مع القديم دراية … في قلب يقظان ذكي لوذعي ثم يصل إلى الاعتذار عن اصطحابه لكتب الوقف إلى ينبع فيقول: ونما إليَّ اليوم أنك واجد … عتبا عليَّ لأجل أخذ المجمع فأردت أوضح وجه عذري والذي … لذي ألجا إلى ذاك الفظيع الأشنع وأجل عذرٍ لي هنالك أنني … أصحبته ثقة بفضلك لي معي خِلَّا أنيسًا للغريب لعله … ينجو به من هول وحشة ينبع في بلدة كابدت أنواع العنا … والبؤس فيها في شهور أربع ثم يقول في وصف حشرات ينبع: لحم على وضم البعوض مشرع … أُمسي وأصبح فوق ذلك مضجعي وعذاب برغوث وقمل واقع … مع ذاك يفتك بي كفتك المبضع ويستمر البيتي في وصف ينبع وحشراتها كما عهدنا من قبل ثم يصف حالة الأمن مع الأعراب فيقول: وهناك أعراب أشد نكاية … للقلب منها في عنا متنوع يردون قلعة ينبع ورد القطا … بين القواضب والرماح الشُّرَّعِ فهناك كم من صيحة لهموا بها … تدع الشواخ كالطلول الخُشَّع ولكم سيوف مصلتات جهرة … فيهاوم قلب بهنَّ مصدع

стр. 890

ومواقف ثبت الأمين لبأس … بسلاخ ذلٍّ مَعْهُمُ وتخضّع بين الرجا واليأس لم يك بينه .. والموت إلا قدر عرض الإصبع ثم يقول: كيف السبيل إلى الخلاص فقد وهي … جَلَدي وما أجدى علي تشجعي لابد من فرج قريب ها أنا … أدعو له المولي القريب إذا دعى فإليكما أخبار بدو من فتى … طاف البداوة فوق ظهر الأصمعى ما غادرت بيتا تنظم دره … إلا بمعنى من مديحك مترع (٢٣٤) بعد هذا الوصف السهب لما ورد في ديوان البيتى عن ينبع يحسن بنا أن نتعرف على أحوال ينبع في كتب المؤرخين، لنرى إن كان في هذه الأحوال ما يوجب هذا الهجاء المقذع، ويستدعي هذه الأوصاف المنكرة التي أوردها البيتي في شعره ونثره، ولا أكتم القارئ أن ما ورد في ديوان البيتي عن ينبع قد دفعنى دفعا إلى تتبع أخبار بلاد ينبع بقسميها ينبع النخل، وينبع البحر، حتى تجمَّع لديّ كتيب صغير في تاريخ بلاد ينبع لو أننى أدرجته في هذه الترجمة لطال بها مجال القول، ولهذا فإني أجتزئ بذكر ما يتعلق بأحداث ينبع في عصر البيتي وهو القرن الثاني عشر الهجري، هذه الأحداث التي وصفها لنا البيتي شعرا ونثرا ونمهد لذلك بموجز تاريخي عن بلاد ينبع. يقول الأستاذ حمد الجاسر في كتابه القيم "بلاد ينبع": ينبع هذه التي يدل اسمها بصفة المضارع على وجود ينابيع للماء

стр. 891

بها هي في الواقع ينبعان، ينبع النخل وهذه هي التي تفيض فيها الينابيع وعيون الماء، وينبع البحر وهي الميناء على شاطئ البحر الأحمر. أما ينبع النخل فهي واحة مياهها كثيرة وهي مقرُّ عرب جهينة يتبعها نحو عشرين قرية آهلة بالسكان (٢٣٥)، ذكروا أن فيها تسعة وتسعين عينا، وتقول بعض الروايات: أن بها مائة وسبعين عينا (٢٣٦). وقد عُرِفَتْ ينبع النخل منذ صدر الإسلام فقد غزا النبي صلوات الله وسلامه عليه العشيرة، وهو موضع بينبع ولم يَلْقَ كيدًا، ولرسول الله صلوات الله وسلامه عليه مسجد بالعشيرة كان معروفًا إلى عهد قريب، وقد أقطع الرسول الكريم عليًّا - ضى الله عنه - بذي العشيرة وكان موضع هذا الإقطاع قرب عين البركة، بل كانت عين البركة من بقية عيون هذا الإقطاع، واشتهرت العشيرة بجودة التمر بحيث يفضل تمرها على سائر تمور الحجاز إلا الصيحاني بخيبر، والعجوة بالمدينة (٢٣٧). ولينبع شهرة كبيرة في كتب التاريخ في حوادث صدر الإسلام لوقوعه على طريق القوافل التجارية بين الحجاز واليمن، وكانت ينبع وما حولها ميدانا لمناوشات محميرة بين الرسول ﷺ وأصحابه، وبين قريش وبعض القبائل التي كانت تسكن تلك النواحى، ومن تلك الغزوات، غزوة العشيرة، وغزوة بوط، وسرية العيص (٢٣٨).

стр. 892

وقد اشترى علي بن أبي طالب ﵁ عيونا أخرى في ينبع النخل فامتلك عين بولا (٢٣٩)، واشترى ضياعًا أخرى في ينبع، اشتهر منها ضيعتان، البغيغة، وعين أبي نيزر، واحتفر فيها عيونًا أخرى، كما أقطع عمر بن الخطاب - ضى الله عنه - عليًّا قطائع أخرى في ينبع (٢٤٠). ثم أوقف علي - ضى الله تعالى عنه - ضيعتيه المعروفتين أبي نيزر والبغيغة على فقراء المدينة وابن السبيل، وجاء في نص الوصية لا تباعا، ولا تورثا حتى يرثهما الله وهو خير الوراثين، إلا أن يحتاج إليهما الحسن والحسين فهما طلق لهما ليس لأحد غيرهما (٢٤١). وكان إيقاف هاتين الضيعتين وما تركه علي - رضي الله تعالى عنه - في ينبع سببا في استقرار ذريته بينبع، فاستقر بها أحفاده، واشتهرت في التاريخ باسم سويقة ينبع .. وقد تعرضت سويقة هذه للتخريب وقطع النخيل وهدم البيوت مرَّات منها: ما حدث لها بعد القضاء على ثورة النفس الزكية محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الذي ثار في المدينة واستولى عليها أيام المنصور العباسي في سنة ١٤٥ هـ ثم قتل في شهر رمضان من تلك السنة وخربت سويقة وعرقب نخلها وصودرت أموال محمد وآله من الطالبيين ثم أعادها المنصور إليهم، ثم انتزعها المأمون من يد آل جعفر وردَّها إلى أولاد فاطمة - ضى الله عنها - وعوَّضهم عنها (٢٤٢).

стр. 893

وجرى لسويقة في عهد المتوكل سنة ٢٤٤ هـ مثلما جرى في عهد المنصور حينما ثار محمد بن صالح على العباسيين فسجنه المتوكل ثلاث سنين ثم أطلقه ومات في أيام المقتدر .. والحديث عن ينبع النخل وأخبار الطالبيين بها كثيرة ليس هذا محل ذكرها، وقد خرج من ينبع الشريف قتادة الذي أسس دولة الأشراف في مكة في القرن السادس الهجري، وقد عظم أمر قتادة حتى خشيه العباسيون وطمح ببصره إلى المدينة فأراد الاستيلاء عليها وطمح ببصره إلى الخلافة وانتهى أمره باغتياله من فيل ابنه حسن الذي استولى على مُلك أبيه سنة ٦١٧ هـ (٢٤٣). إن استقرار الطالبيين بينبع النخل وتوليهم الأمور فيها جعلهم يستعينون بسكان تلك الجهات من البوادي حتى قويت شوكتهم وحالفهم وانضم إليهم أفخاذٌ كثيرة من قبيلة جهينة وصاروا يعرفون ببنى إبراهيم، وقد صار لبنى إبراهيم صولة في القرن العاشر الهجري وما بعده (٢٤٤). كان الأمن مختلا في الحجاز بسبب تسلط الأعراب على طرق الحج، ووضع الأمراء الضرائب على الحجاج وكذلك بسبب اختلاف الأمراء فيما بينهم ومحاولة انتزاع الإمارة من بعضهم البعض مما يطول

стр. 894

شرحه، ونوجز هنا حالة الأمن في القرن الثاني عشر الهجري الذي ولد فيه البيتي وعاش في ينبع فوصفها الوصف الذي أوردناه آنفًا. حالة الأمن في القرن الثاني عشر الهجري: وصف الشيخ عبد الغنى النابلسي في رحلته إلى الحجاز ينبع وكان قد وصل إلى ينبع البحر في شعبان عام ألف ومائة وخمس (هجرية) فقال: وصلنا بعد الظهر إلى ينبع البحر، ونزلنا هناك في القلعة على شاطئ البحر، ولا ماء هناك إلا الماء الذي يجلب في وقت الصباح، ويباع، وكأنه سمي الينبع تفاؤلًا بنبع الماء فيه، أو لنبع الأرزاق المجلوبة إليه من البحر مع ملوحة فيه (٢٤٥). ثم يصف النابلسي حالة الأمن في ينبع فقال: ثم إننا سألنا عن السير إلى المديمة المنورة فأخبرونا أن الطريق مخوف، وأن العرب عرب - حرب - واقفون في وادي الصفراء، يمنعون كل من سار إلى المدينة، وقد ظهرت منهم للزائرين خصلة قبيحة كمينة، وأن لا محيص إلا بالسفر إلى جوار سعد بن زيد الهاشمي أمير الحجاز، فإنه يقدر على إنفاذنا إلى تلك الجهة الجوزاء، وأما على غير هذا الوجه المذكور فإنه لا يمكن أصلا كما قال الشاعر المشهور: أيا دارها بالخيف إن مزارها … قريب ولكن دوان ذلك أهوال

стр. 895

ويقول النابلسي: إنه عزم ومن معه السفر إلى ينبع النخل فقال: ركبنا وسرنا فلمّا خرجنا إلى البرية، وإذا برجل بدوي مقبل يرقص على ناقة له، حتى دخل ينبع البحر، ثم خرج من ينبع البحر فارس يركض بفرسه فوصل إلينا وقال لنا: جاء من حضرة سعد بن زيد كتاب إلى حاكم ينبع، لا تتركوا الشيخ وجماعته يخرجوا إلينا وحدهم فإن الطريق مخوف بيننا وبينكم، أرسلوا مع الشيخ وجماعته عبد الله بن عمرو الهاشمي أحد أشراف الحجاز يأتي به إلى جهتنا. ويقول النابلسي: إنه رجع ومن معه تلك الليلة إلى ينبع البحر، ثم خرج في اليوم التالي ومعه الشريف عبد الله بن عمرو الهاشمي يصاحبه رجلان على ناقتين فوصلوا في صحبتهم إلى ينبع النخل (٢٤٦). الشريف سعد بن زيد يحرق سويقة: ويقدم لنا الشيخ النابلسى وصفا حيًّا لغزو شريف مكة سعد بن زلد لقرية سويقة في ينبع النخل وإحراقها وعقر نخيلها فيقول: في يوم الأحد ٢٢ شعبان سنة ١١٠٥ هـ ركبنا مع الشريف إلى أن وصلنا قرية من قرى ينبع النخل تسمى سويقة من منازل بنى إبراهيم أخي النفس الزكية، وقد وجدناها خالية ليس بها أحد، وقد رحل

стр. 896

أهلها، وخرجوا على الشريف سعد بن زيد، لأنهم حالفوا قبائل حرب فذهبوا معهم يساعدونهم على قتاله، يقول الشيخ النابلسي: وهذه القرية فيها ماء جارٍ ونخل كثير، وكان له حِمْلٌ كثير في هذه السنة، والعراجين بعد، ما نضج بُسْرُها فجلسنا على حافة ذلك الماء الجاري، وشربنا القهوة مع الشريف وولده، وقد أمر - حفظه الله - بحرق بيوت القرية وإننا لنرى النار تتأجج في جدرانها التي من أخشاب النخل اليابس، والهواء يزيدها تأجُّجًا والتهابًا، وقد أمر بقطع النخل، فيصعد العبد الأسود إلى أعلى النخلة فيقطع جارها وعراجينها، فتيسقط العراجين إلى الأرض كل عرجون فيه البُسْر الأخضر الذى لم ينضج، مقدار العشرة الأرطال الشامية، أو أكثر أو أقل (٢٤٧). هذا الوصف الحي الذي أورده الرحالة الشيخ النابلسى لحالة الأمن في ينبع يقدم لنا صورة لتسلط الأعراب على طرق الحج، فلا يستطيع الحجاج اجتياز الطرق إلا في حماية جهة قوية تحميهم من تعرض الأعراب لهم بالنهب والفتك، ويبدو أن أمير مكة في ذلك الزمان الشريف سعد بن زيد، كان قد علم بوصول الشيخ النابلسى وجماعته من الشام إلى الحج، فأمر بخروجهم في حماية بعض الأشراف كما أورد النابلسى تفصيله، وهكذا كان. أما وصف النابلسى لحريق قرية سويقة وعقر نخيلها فهى تقدم لنا صورة أخرى، لما كانت عليه الحال من اختلاف بين الأشراف والأمراء، وانضمام بعض القبائل إلى بعضهم،

стр. 897

ومحاربة بعضهم البعض، وكل هذا يصور لنا اضطراب حالة الأمن وما ينشأ عنه من المصاعب والويلات. ويقدم لنا الأستاذ عبد الكريم الخطيب صورة لهذا الاختلاف في كتابه "تاريخ ينبع" فيقول: أمير ينبع يهب غلال الصدقة ويوزعها على مناصريه: كان أمير الينبعيين في عام ١١١٦ هـ سعيد بن سعد بن زيد في العهد العثماني وهو الأمير الذي ثار على أمير مكة الشريف عبد الكريم بن محمد بن يعلى البركاتي، حينما اتصل بقبائل حرب في ديارهم، وطلب منهم مناصرته فلم يستجيبوا له واتصل بقبيلة جهينة من منطقة الينبعيين فناصروه، واحتل بهم ينبع الميناء، ونهب ما فيها من غلال الصدقة الخاصة بأهل مكة المكرمة، ووزعها على مناصريه، فوجه إليهم أمير مكة جيشًا إلى ينبع فكانت معركة كبيرة هزم فيها ومن معه وكان ذلك في ١٤ جمادى الأولى سنة ١١١٦ هـ (٢٤٨). أقول: لعل الصحيح أن الغلال التي نهبت هي غلال الصدقة الخاصة بأهل المدينة لأن غلال مكة ترسل إلى جدة، وغلال المدينة ترسل إلى ينبع لتخزن بها ثم ترسل إلى المدينة. وجاء في كتاب "بلاد ينبع" للأستاذ حمد الجاسر ما يلي: اختلال الأمن في عهد الدولة التركية: وفي عهد الدولة التركية ضعف شأن الحج بسبب عجز الدولة

стр. 898

التركية عن حماية طريق الحجاج المار بينبع يضاف إلى هذا اختلال أمر الدولة التركية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين حتى آل الأمر إلى انقطاع مجئ الموكب الرسمي للحجاج بطريق البر، وضعفت تلك البلاد التي كانت حياتها كثيرًا ما تقوم على قدوم الحجاج إليها (٢٤٩). مستودعات الحبوب في ينبع: أما بالنسبة لمستودعات الحبوب التي أوردنا خبر إغارة الأمير سعيد بن سعد بن زيد عليها ونهبها وتوزيعها بين أنصاره فيقول عنها الأستاذ حمد الجاسر: لقد اتخذت الدولة الجركسية، وكذلك الدولة التركية ميناء ينبع طريقًا لوصول الحجاج، وكذلك لوصول الجرايات المقررة من الأرزاق للمدينة، فبنت هناك المستودعات لحفظ هذه الحبوب، يقول الأستاذ حمد الجاسر وكأنه يعتذر عما أورده البيتي من وصف بعوض ينبع وحشراتها. ولذلك كثرت الحشرات بسبب هذه المستودعات للحبوب التي تُخزَّن هناك، بعد وصولها من مصر حتى يتسنى إرسالها للمدينة فتتولد تلك الحشرات في المستودعات، ومن أثر رطوبة الأرض تتكاثر، يضاف إلى ذلك عدم عناية من يتولون أمر تلك الحبوب بنظافة أماكنها (٢٥٠).

стр. 899

سور ينبع: كانت ينبع محاطة بسور كما هو شأن المدن في تلك القرون وقد ورد في كتاب "ينبع" للشيخ حمد الجاسر أن ينبع كانت محاطة بسور أمر بهدمه الشريف سعد بن زيد صاحب مكة في سنة ١٠٧٩ هـ. وقد جُدِّد بناء السور في سنة ١١٢٦ هـ جدده عثمان أغا بأمر دار السعادة، وقد وصف إبراهيم رفعت باشا سور ينبع في القرن الرابع عشر فقال: ويحيط بها سور به باب محفور في الجهة الشمالية وهذا السور بناه دولة المشير عثمان باشا الحاكم العادل الذى منع الأعراب من الدخول في هذه البلدة مسلحين، بل يضعون سلاحهم في الخفر، ثم يدخلون ويأخذونه بعد الخروج، وهذا السور بنى في سنة ١٣٠٣ هـ (٢٥١). أقول: وهذا يدل على أن ينبع كانت تتعرض لعدوان الأعراب، مما اضطر الدولة العثمانية أن تأمر بإعادة بناء السور، ومنع الأعراب من الدخول إلى البلدة بأسلحتهم. هذا الذي نقلناه مما كتبه المؤرخون والرحالون عن ينبع في القرن الثاني عشر يقدم لنا صورة مرعبة محزنة عن حالة الأمن في طرق الحجاج، وتسلط الأعراب واختلاف الأمراء وهو العصر الذي عاش فيه الشاعر جعفر البيتي فوصف أحواله شعرًا ونثرًا، ونستطع الآن أن نقدم صورة جميلة تلطف من شعور القارئ إزاء الصور السابقة الكريهة، فقد وصف الشيخ النابلسى كرم امرأة عربية من عرب جهينة في بادية ينبع. فقال:

стр. 900

مثال من كرم المرأة العربية في رحلة النابلس: فلما أصبحنا في يوم الاثنين الخامصر عشر ومائتين وهو اليوم التاسع من شعبان، وركبنا وسرنا على بركة الله تعالى، وقد نفذ زادنا، ولم يبق معنا ما يمضغ أو يساغ، وما على الرسول إلا البلاغ، ولكن قرب المزار، فاتخذنا من التوكل شعارًا، ومن التسليم إزارًا، إلى أن صار ضحوة النهار، فأشرفنا من بعيد على بيوت من الشَّعر لعرب هناك نازلين في مكان يسمى - النباه - بفتح النون المشدَّدَة، وفتح الباء الموحدة بعدها ألف وهاء - فقلنا نباه من النباهة، وبيوت من البيتوتة، وعرب من الأعراب، الذي هو الكشف والبيان، وشعر من الأشعار، ونحن في حكم بني هاشم حتى دنونا من الخيام، ونزلنا على العرب منهم مؤذنين بسلام، فإذا هناك امرأة من جهينة وبنوها صبية صغار في ذلك الحي متفرقين، فقلنا هنا يحصل المرام، وعند جهينة الخبر اليقين، فلما استقر بنا المكان قامت امرأة إلى نار أضرمتها، وتلك الصبية جمعتها، وجاءت إلينا، ورحبت بنا، ودعتنا إلى بيوتها، واعتذرت بغيبة رجالها، ونفي ثبوتها، وأجلستنا في بيوت الشعر، ثم عملت لنا القهوة وصنعت لنا الخبز على طريقة أهل البرّ والبدو، وجاءت لنا بشاة وقالت: اذبحوها، وطبختها لنا وقدمتها بين يدينا مع الخبز من البُرِّ المرسل إلينا، وقدمت إلينا بطيخا أحمر، فحملنا معنا ما بقي من اللحم المطبخ، وظهر لنا الزاد الذي كان في الغيب مضمر، وبقينا هناك إلى أن صلينا صلاة العصر بالجماعة، ثم ركبنا وسرنا .. إلخ (٢٥٢).

стр. 901

الحالة السياسية في الحجاز في القرن الثاني عشر للهجرة: أوردنا نتفًا مما ورد في كتب المؤرخين عن الحالة في بلاد ينبع، ونقدم للقاريء صورة من الأحوال السياسية العامة في الحجاز في هذا القرن. كان الحجاز تحت حكم الدولة العثمانية، وكان مرتبطًا إداريًّا بمصر التي كانت تتبع الدولة العثمانية كذلك، وكان الحكم مزدوجا فهناك الوالي التركي الذي تعينه السلطنة أو يعينه والي مصر وإقامته غالبًا كانت في جدة، وإلى جانب الوالي التركي شريف مكة الذي يتولى أمور الحكم الداخلي وشئون البادية وما إليها، وكانت الشئون المالية تحت إمرة الوالي التركى، وكان لشريف مكة نصيب من واردات الجمارك، وكان لشريف مكة وزير في جدة لاستلام هذا النصيب وإرساله إلى شريف مكة، وكان التنافس بين الوالي التركي وشريف مكة على السلطة ينعكس على أمور البلاد وأحوالها .. وكان هناك تنافس أشد بين الأشراف على إمارة مكة، وكان لهذا التنافس مظاهر شتى، يستعين فيها المتنافسون بولاة الأمر في مصر أو حتى في استانبول، ويبذلون الأموال والهدايا والألطاف لتحقيق مآربهم، والانتصار على منافسيهم، وكان هذا التنافس يتخذ في كثير من الأحيان مظاهر حربية عنيفة يُجرَّد فيها السلاح ويحارب البعض البعض الآخر، وكان هذا كله ينعكس على حالة البلاد ومرافقها فيصيب الناس والحجاج من هذه الأحداث الكثير من المعاناة، وننقل هنا من كتاب "أمراء البلد الحرام" صورة مصغرة لحادثة واحدة تصور لنا الحالة السياسية أصدق تصوير.

стр. 902

ولاية الشريف أحمد بن غالب سنة ١٠٩٩ هـ: وفي سنة إحدى ومائة وألف في أوائل المحرم تنافس الشريف أحمد بن غالب مع جماعة من الأشراف ذوى زيد فخرجوا من مكة مغاضبين له، ولم يبق بمكة منهم إلا السيد عبد المحسن بن الشريف أحمد بن زيد، ووصلوا إلى ينبع، واستمالوا العرب، واتفقوا على تولية الشريف محسن بن الحسين بن زيد، ونادوا له بشرافة مكة في ينبع وأخذوا ستمائة أردب حَبّ كانت هناك للشريف أحمد بن غالب كتبوا إلى صاحب مصر يعرفونه بإخراج الشريف أحمد لهم من مكة، وخرج جماعة من الأشراف من ذوي عبد الله، وأخذوا القنفدة ومنعوا الزَّالة، وانقطع طريق اليمن وكثر المقطاع في طريق جدة، وكثرت السرقة بمكة ووقع القتل ليلًا ونهارًا، وكثرت أقاويلٌ بين العامة في ذلك. وتنافر السيد أحمد سعيد بن مبارك بن شنبر مع الشريف أحمد بن غالب، وقبل ذلك نافره أيضا ذوو الحارث فتتابع الأشراف المنافرون في الخروج من مكة واجتمعوا على السيد أحمد بن سعيد بن مبارك بن شنبر، ونزلوا الحسينية، وأراد الشريف أحمد بن غالب الركوب عليهم فلم يتيسر ذلك. ثم جاءه الخبر أن نودي في جدة للشريف محسن بن الحسين بن زيد، فاضطرب حال الشريف، وفرَّق العسكر في المدارس والطرقات وشعاب مكة، واضطرب الناس لذلك، ثم اجتمع العلماء كتبوا محضرًا لصاحب جدة يسألونه عن هذا الأمر، ونزل به مولانا السيد عبد الله بن حسين بن عبد الله بن حسن بن أبي نمي، ومعه السيد عبد المحسن بن هاشم بن محمد بن عبد المطلب بن حسن بن أبي نمي، ومعهم جماعة

стр. 903

من القاضي ومن أصحاب البلوكات - الفرق النظامية في الجيش - فرجعوا وأخبروا بعدم الوفاق، ولم يزل الأمر يتفاقم. وسبب انقلاب صاحب جدة على الشريف أحمد بن غالب توليته وزارة جدة لابن حميد القرشي، فإنه ورد جدة وجعل يناقض الباشا في كل أمر إلى أن تكدَّر خاطره بعد صفائه، فرجع لغدره بعد وفائه. ثم جاء الخبر من الطائف بأن السيد حسن بن أحمد الحارث نادى في الطائف للشريف محمد بن الحسن بن زيد، وتنادت الأشراف الذين مع السيد أحمد بن سعيد إلى البلد، وأخذوا إبلًا للشريف أحمد بن غالب نحو خمسمائة ناقة من السعدية، ولم يزل مولانا الشريف في التحرز وأمر عسكر اليمن بملازمته في الأروقة التي خارج المسجد ليلًا ونهارًا. وفي عشرين من جمادى الثانية خرج من مكة السيد محمد بن حمود مغاضبًا أيضًا ونزل العابدية، كتب أهل مكة عرضًا إلى صاحب مصر، وإلى أبواب السلطنة، ينهون فيه ما وقع من صاحب جدة، أكثروا من التشنيع عليه. وفي سادس رجب عقدوا مجلسا في الحطيم حضره جاعة من الأشراف والعلماء والقاضي، فجعل مولانا الشريف يشكو ما وقع من صاحب جدة في حقه، وإنه كان سبب تفرق الكلمة وتفحّل الأشراف عليه، وقد انقطعت السبل، وقد نادى في جدة للشريف محسن بن حسين بن زيد من غير أمر السلطنة، وأن مطلوب أن تكتبوا لي حجة في تجويز مقاتلته، لئلا تنقم عليّ السلطة، فقال له كبير أغا سردار العسكر:

стр. 904

يا شريف نحن محافظون لمكة نذود عنها العدو، ونقاتل حتى نقتل، وأما الأشراف فهم بنو عمك لا ندخل بينكم، وأما الباشا فنسأله عما فعل، فإنه لا يفعل شيئًا من ذاته في بلد السلطان، فاتفق الأمر على أن يرسلوا إلى صاحب جدة رسولا من القاضي، وانقضى المجلس عن شناعة ظاهرة، فأرسل القاضي رسولا إلى صاحب جدة فعاد بلا مراد، وفي هذا اليوم أخرج الشريف بعض المدافع إلى جهة الشبيكة، وبعضها إلى جهة المعلاة، وبعضها إلى بركة ماجن من جهة اليمن في كل جهة مدفعان. وفي ثامن عشر رجب جاء الخبر أن الشريف محسن بن حسين بن زيد ومن معه نزلوا الزاهر، وأن السيد أحمد بن سعيد بن مبارك بن شنبر في أول القوم، وأطلق الصنجق - رئيس اللواء أو رئيس حاملي الأسلحة - سبع مدافع لما نزل الزاهر. فركب من بقي مع الشريف أحمد من الأشراف وغيرهم، وخرجوا إلى جرول ومعهم بيرق عسكر اليمن، وأخرج إلى جهة المعلى جماعة من العسكر، وجماعة إلى جهة البركة والشريف أحمد بن غالب في بيته. وفي يوم السبت تاسع عشر رجب أرسل الشريف محسن بن حسين بن زيد جماعة من الأشراف فدخلوا مكة وقصدوا قاضي الشرع، واستدعوا رءوس البلوكات، وأظهروا صورة بيوردي باشدي، وطلبوا من القاضي تسجيله فامتنع، ومضمونه تولية الشريف محسن وطلب القاضي نفس البيوردي الباشدي. وثارت الإنكشارية لعدم تنفيذ البيوردي الوارد صورته من الباشا،

стр. 905

وهجموا على القاضي، وإعانتهم العامة لما لحقهم من التعب، فهرب القاضي من سطح المدرسة فلم يجدوه، فنهبوا ما وجدوه، وأطلقوا البنادق على المدرسة، وجاءت طائفة من جماعة مولانا الشريف ودخلوا المسجد، ورموا في وسط الحرم، وتطاردوا ساعة، ودخل العسكر مدوسة المفتي عبد الله أفندي عتاقي زاده، على أهله وعياله، وأرادوا قتله، ففرَّ منهم، واستتر عنهم، ثم أخرجوهم من الحرم بعد قتل بعض العبيد، وقتل رجل في المسجد من الهنود، وعزَّل السوق. ثم جاء من جهة الشريف محسن بن حسين السيد عبد الله بن سعيد، واجتمع بالشريف أحمد بن غالب، ثم خرج من عنده، وأرسل الشريف أحمد لجماعة الشريف محسن بن حسين يطلب منهم أن يعينوا له رجلا يودعه طرائفه، فعينوا له السيد أحمد بن سعيد، وطلب مهلة عشرين يومًا يتجهز فيها. ولما كان ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من رجب خرج الشريف أحمد بن غالب إلى الحسينية قاصدًا جهة اليمن ومدة دولته سنة كاملة، وتسعة أشهر وعشرون يومًا (٢٥٣). هذا ما ورد بشأن إمارة الشريف أحمد بن غالب في كتاب "أمراء البلد الحرام"، والواقع أن التنافس بين الأشراف كان يجعل الإمارة تنتقل من أمير إلى أمير ثم تعود إلى الأمير الأول، وقد أحصيت إمارة بعض الأمراء فوجدتها تتكرر المرة بعد المرة وإليك مثالًا لهذا التعدد:

стр. 906

تولى الشريف سعيد بن سعد بن زيد إمارة مكة خمس مرات في التواريخ التالية: العام ١٠٩٩ هـ الولاية الأولى (٢٥٤). ١١٠٣ هـ الولاية الثانية (٢٥٥). ١١١٣ هـ الولاية الثالثة (٢٥٦). ١١١٦ هـ الولاية الرابعة (٢٥٧). ١١٢٣ هـ الولاية الخامسة (٢٥٨). وتولى أبوه الشريف سعد بن زيد إمارة مكة أربع مرات بدأت أولاها في عام ١٠٧٧ هـ وكانت أُخراها في عام ١١١٦ هـ (٢٥٩) ولا نريد أن نطيل الاستشهاد والاقتباس لئلا نخرج بالبحث عن غرضه. ونعود إلى السيد جعفر البيتي لنقرأ معا شعره في بعض هذه الأحداث: يقول السيد جعفر البيتي: وقلت على لسان أهل المدينة المنورة

стр. 907

شكاية إلى الشريف مسعود بن سعيد ملك مكة المشرفة، وإنهاءًا لضررهم الواقع عليهم من الفتنة الكائنة سنة ١١٤٨ هـ: قفوا تنظروا آثار ما صنع الظلم … وجوسوا خلال الدار تنبيكم الأكْمُ قفوا بالرسوم الدارسات فربما … تحققتم منها وما نطق الرسم قفوا نشتكي ما قد أصاب فإنه … عظيمٌ وأن الأمر حادِثه ضخم على كل دعوى في الظلامة حجة … يصدقها التحريق والهدم والردم إلى عدلكم يا آل زيد توجهت … وجوه شكايانا وعندكم الحُكم إليكم يساق الأمر والنهي في الورى … وأنتم ملوك الأرض والسادة الشُّمُّ إليكم وإلا فالسلام على الحمى … إذا حامت الأعدا عليه ولم تَحْمُوا سلوا فلسان الحال من كل مسلم … أصيب ببلوى عنده خبر جَمُّ سلوا كل دار بالمدينة ما الذي … لقينا فعند الدار من أهلها علِمُ سلوها عن الهتْكِ الذي قد أصابها … قريبًا فمن لقياه في وجهها وسم سلوها عن الأعراب كيف تسنمت … ذراها كيف النهب والهَتْك والغنم كيف ارتقوا فوق المنائر وانتهوا … إلى غابة ينحط من دونها النجم كيف أُعيدت وقعة الحرة التي … إلى هذه الأخرى تضاف وتنضم يزيدية رُدَّتْ وحقك إنها … لفاقرةٌ أسبابها الجَوْرُ والغشم ولولا رجال يخربون بيوتهم … بأيديهم ما أخربوها ولا هَمُّوا وما عزموا في ذاك إلا برأيهم … ولو هَمُّوا ما كان عندهمو عزم هموا جمعوا المال الحرام وأنفقوا … على البغي ذاك المال فاجتمع الإِثم ولله كل الحمد إذْ كان حسرة … عليهم من الانفاق أعقبها الغرْم ولم تر قدما من يعين بماله … على عرضه إلا الدنيُّ أو الخدم أعانوا على السلطان أعداء ملكه … وشقوا عصا الإسلام جهرًا وما لَمُّوا وقد زعموا أن الحميّة منهم … له وهي لا تخفى على عاقل وَهْمُ

стр. 908

فقل لهمُوا هل كانت السِّتَة التي … نقيم لها من مبتدا أمركم علم وهل حضروا لما غدرتم عشية … وقطَّعتموا في السوق من لا له جرم وصُلْتم جميعا بالبنادق بعدها … وحاربتموا من عنده حَرْبُكُمْ حتم وهل طلبوكم للشريعة خيفةً … على الفتنة العمياء من أنها تنمو؟ وهل كان داعي الصلح يدعوا فتسمعوا … وتعصون إلا الحرب أم أنتم صُمُّ وما ذاك إلا عن هوى وتغرض … يراه عيانًا فيكموا من له فهم إلى الله نشكوا ما أصاب وإنها … أمور لها في الدين مذ صدرت ثلم عسى في خبايا الدهر نصر معجل … يُرَمُّ به شعث الأنام ويلتمُّ عسى حق مقتول أُصيب ويُتّمَتْ … أرامله حتى أضرَّ بها اليُتْم على رغم من يهوى الفساد ويبتغي العنـ … ـاد ولم يَبْرَحْ إلى بدعة يسمو عسى دعوة المظلوم حين دعا بها … أُجيبت عسى أجدت عسى نفذ السهم؟ لعل العذارى المحصنات يراهمو … غيور على العورات ذو نخوة شهم عسى رافع هتك المحارم دافعُ الظلائم … عدلٌ بالرعية يهتم عسى نافذ الأحكام والأمر فيصل … له نظر أعلا وآراؤه حزم ومَنْ غَيْرَ مسعود يساعد بالمنى … ويُرْجى، وذاك الماجد البطل القَرْمُ قريع العلا ملك الأباطح سيد الجحا … جح من تعنوا لعزله البهم وقد جاء فأل الخير منه مساعد … شبيه اسمه يا حبذا الفال والاسم ويا حبذا يعسوب ملك مقدم … له الصدر قدما مثلما قدمت بَسْمُ لك الخير والبشرى لديك فإنني … أشم رياح النصر إن صدق الشمّ فيا غوث ملهوف الفؤاد ومنتهى المر … اد وجالي الهم إن عظم الهمُّ وأمْن مخوفات البلاد وملتجا … العباد ومن في عدله لهم قسم أعد نظرًا في الحال والحادث الذي … جرى وانبرى من عُظْمه اللحم والعظم وفي كل مسكين فقير ووالد … حزين ومولود أصيبت به الأمُّ

стр. 909

وأرملة جاعت ثلاثين ليلة … وعشرا بها الخوف المبرح والعُدْم وقد بلغ السيل الزبا وتصرمت … جحيم وغى قد ذاب من حَرِّها الجسم خُذ الأمر بالمعروف واحكم بما ترى … وشمِّر لحسم الداء ينفعنا الحسم رضينا بما ترضى من الأمر كله … لنا وعلينا لا إباءٌ ولا رَغْمُ لك العفو والحلم الذي أنت أهله … ولكنَّ في العاصين لا يحمد الحلم فما صنعوه غير خافٍ وظلمهم … شهيد عليه عندك العرب والعجم فلا تلتفت للعذر منهم فإنه … بقايا خداع جرحه ليس يندمُّ ولو صدقوا لم يستبدوا برأيهم … لأمرٍ فظيع عنده العار والذَّمُّ ولكنهم في زعمهم أن حكمهم … إليهم ولا أمرٌ عليهم ولا حُكْمُ وقالوا كثيرًا مثل هذا وإنه … قبيح وأولى من إعادته الكتم لقد رضعوا دَرَّ الحرام وإنه … عسير عليهم بعد طول المدا الفطم وأعظم بلوى نالت الناس إنها … تضام، ولا عند الملوك بها علم يخافون فرمانا على غير موجب … إذا ما شكوا ظلمًا فكلهم بُكْم إذا حاولوا الإنصاف لم يسعفوا به … كيف يُرجَّى العدل والحكم الخصم؟ بقيتم لنا يا أسرة الهدْي إنكم … مصابيح في الظلماء يمحى بها الظلم جزى الله كل الخير حسن صنيعكم … وما فعل التدبير والحزم والجزم إذا دام فينا حكمكم والتفاتكم … فكلَّ ليالينا وأيامنا سلم لكم غرر الأفعال من كل صالح … على الناس يروي ذلك النثر والنظم على جَدِّكم أزكى الصلاة وبعده … عليكم وفيكم يحسن البدء والختم (٢٦٠) هذه القصيدة الطويلة التي تجاوزت أبياتها الستين بيتا توضحها رسالة مخطوطة عنوانها "الأخبار الغريبة" في ذكر ما وقع بطيبة الحبيبة،

стр. 910

من تأليف السيد جعفر بن حسن بن يحيى المدني نشرها العلامة الباحث المؤرخ الأستاذ الشيخ حمد الجاسر في مجلته القيمة "العرب" يقول فيها: وفي سنة ١١٤٨ هـ في زمن شيخ الحرم بشير بك أغا، أورد صاحب الرسالة خبر فتنة بسبب هذا الأغا، ملخصها قوله: وفي زمن شيخ الحرم بشير بك أغا، وقعت فتنة عطمة بين أهل المدينة وأغاوات الحرم، فأدخل شيخ الحرم الأعراب من قبيلة حرب المسجد النبوي، وأغلق أبوابه، وأطلعهم على المنابر، فصاروا يرمون الناس بالرصاص، فيصيب من حول المسجد، واستمر ذلك خمسة وأربعين يوما، ثم أورد قصيدة للسيد جعفر البيتي مطلعها: قفوا تنظروا آثار ما صنع الظلم … وجوسوا خلال الدار تُنْبِكُمُ الأكم (٢٦١) وهي القصدة التي أوردناها كاملة، وهي تصور جانبًا من أحوال الناس في المدينة المنورة، حيث كان الأغوات يتولون مشيخة الحرم المدني بأمر من السلطان العثماني، وكانت تقع الاضطرابات في المدينة بسبب تسلطهم على مقدرات الناس، واستعانتهم بالأعراب، وقد عمت الشكوى من تصرفات هؤلاء الأغوات ولم تكن هذه الفتنة الأولى ولا الأخيرة التي حدثت منهم في طيبة الطيبة (٢٦٢). وللشاعر البيتي قصيدة أخرى في فتنة أخرى وقعت بالمدينة بعد الفتنة الأولى بسبع سنوات وهي تفيض لوعةً وأسى يقول الشاعر:

стр. 911

وقلت في فتنة أهل المدينة الواقعة عليهم من جماعة أغوات الحرم ومن في طرفهم من أهل المدينة وشيخ الحرم عبد الرحمن أغا سنة ١١٥٥ هـ. بكى على الدار لما غاب حاميها … وَجَرَّ حكَّامُها فيها أعاديها بكى لطيبة إذ ضاعت رعيتها … وراعها بكلاب البَرّ راعيها بكى لمن هاجروا بالكره واحتملوا … عنها، وكانوا قديمًا هاجروا فيها واهًا لكربتها، واهًا لغُرْبتها … واهًا لجائعها، واهًا لعاريها (٢٦٣) واهًا لحالي لما قمت أُنشدها … الدار أطبق إخراسٌ على فيها (٢٦٤) يا دمنة سُلبت منها بشاشتها … وأُلْبست من ثياب المَحْل باقيها وقفت فيها أُعزّيها لكربتها … أعجب على جَلَدي أني أُعزّيها فمن معيني بأحزان يضاعفها … عليَّ مَنْ لعيوني، مَنْ يواسيها؟ يا صاح ناد البواكي وابْكِ أنت معي … ولا تصبّرْ نفسي، ولا تُسَلِّيها ما مثلُ طيبة ما مثلُ الذي لقيت … من الألى فبمن ترجو تأسِّيها حاشا لمختلف الأملاك من غِيَرِ … الدنيا وما صنعت فيها لياليها بأبي الفداءُ لها من كل حادثة … لو كان ينفعها أني أُفدِّيها وغاية الجهد أن أبكي لها أسفًا … حتى تجفَّ دموعي في مآقيها كان التغزّل في جيران ذي سلم … واليوم قد كثرت فيها مراثيها هي المدينة أمست بعد عزتها … كسيرةٌ غاب عنها اليوم حاميها ملهوفة كبدها حرًّا مقطعة … محروقة فاسقها إن كنت تُسقيها

стр. 912

ما قمت في نصرها حقَّ القيام فلا … أقلَّ من أدمعي فيها تروِّيها ما في الحياة ولا في العيش من أرّبٍ … مَنْ مُنْعِمٌ بوفاةِ منه يسديها؟ عشنا إلى أن رأينا ما يصدُّعها … عشنا إلى أن رأينا ما ينكّيها مصيبةٌ عرضت للمسلمين غدت … عن كربلاء ويوم الدار تلهيها فيا شقاوة من أمسى يروّعها … ويا سعادة من أمسى يراعيها يا رحمتا من قلوب المؤمنين لها … في كشف عورتها ممن يغطيها أشد دارٍ خرابًا لا عمار له … دارٌ أتى هدمها من كفّ بانيها قصّوا العجائب عني وانقلوا خبري … على الحقيقة أمليكم وأرويها وذاك في مائة والألف يتبعها … خمس وخمسون أحصاهنَّ محصيها كان الأغاءُ اصطفى في السرِّ طائفةٌ … تبغي على الأمة الجُلَّا وتنويها لَمُّوا عليه لأحقادٍ مقدمة … تلوح في جُلهم والعجز يخفيها وأصله في الأغا مالُ الغلال أتى … عثمان بك به للناس يوفيها فضمُّه منه سرًّا ثم أنكره … على الرعية يقصيها ويلويها ثم استقر به من بعدما سغبوا … وليتهم تركوا الدعوى وداعيها لكن دعاهم إلى ما كان ضرهم … ناهيك بالضرِّ والبأسا وناهيها فدبَّ منه عليهم مع عصابته … عقارب الكيد غاديها وساريها وجاءهم كُلّ مَنْ في قلبه مرضٌ … يسعى بعلَّته مَعْهم يداويها ورتَّبوا صحفًا تُقْرا بقلعتهم … ليلًا وجاء العدو في زيّ قاريها (٢٦٥) وحملوا فئة أخرى بنادقهم … وسط التيازير تُخفيها وتطويها (٢٦٦)

стр. 913

وأصبحوا غلَّقوا الأبواب ثم رموا … بنادق البغي تهوي من مراميها فقيل ما الأمر قالوا نشتكي ضررا … من ستَّة ووليُّ الأمر يبغيها إمّا القتال، وإما تخرجونهمُ … وذلك القدر يكفيكم وتكفيها ثم البقية أيضًا بعد من ذكروا … نعاهد الله. أنَّا ليس نؤذيها فكان ذلك عام الحزن إذ خرجوا … ظلمًا على الناس تبكيهم بواكيها وكتَّبوا حجة تحوي فسادهم … تضمَّنت كلّ زور في معانيها وأكَّدوها بأمهارٍ من الفقها … شهود حوأب لا درَّت مساعيها قالوا ولا انتطحت شاتان قد صدقوا … لكنها الشهب خرَّت مع ذراريها وعرَّفوا الدولة العليا بما صنعوا … كي يسعدوها بفرمان يقويها ومرَّت السنة الشهبا وحاكمنا … يجني على الناس طودًا أو يجنِّيها أيدى سبا مزقتهم في البلاد يدي … دنياه وهْي من إحدى دواهيها قصيدة في البلا كانوا العَرُوض لها … وجادت الناس إرسالا قوافيها وكل ذاك ومسعود ملكيهم … يَدْرَ التَّلافَ ويسعى في تلافيها وأقبل الحج والإسلام كلهم … أرواحهم بلغت منها تراقيها وجاء فرمانهم طبقا لموجب ما … أنْهُوا وأنفسهم تمت أمانيها والذنب والله حقًّا ذنب من شهدت … شهادة الزور تُخفيها وتُبديها أهل الطيالس إياكم خذوا حذرًا … منها جميعًا فإني لا أسمِّيها إياكموا هذه الأفخاخ إنِّي لا … آلوكُمْ النصح جهدًا في توقيها عصابة خلقت للغش والتزمت … باب الولاة بظلم الناس تُفتيها واستقبلوا السنة الأخرى بحالتهم … لكنهم فسدوا في بعضهم تيها حتى طمى الجور من نحو الأغاوبدت .. . حوادث بينهم تنموا نواميها ولم يزل يتداعى الأمر وافترقت … مردان قلعة عنهم مع مواليها وأصبحوا قتلوا كابوس إذ شهدو … بكفره في أمور كان يأتيها

стр. 914

وأرسلوا طلبوا الناس التي خرجت … وعاد مُبعدها في الحال يدنيها واستقبلوهم فردّ الباب دونهم … كُبَيْبَةٌ وجماعات مغبِّيها وأخرجوهم فثار الشرُّ بينهم … لفتنة قد أراد الله يقضيها وأرسلوا للأغا للصلح فاضطربت … أشياعه وأبَتْ إلا تماديها وأرسلوا طلبوا هزاع ينصرهم … على المدينة كي ينفي أهاليها فجاءهم بجنود كالحصى عددًا … البغيْ قادِمُها والظلم تاليها وشمَّر الحاكم المذكور يسبح في … سفينة الجور يجريها ويرسيها جرَّ البوادي لها من كل ناحية … فاندكَّ أسفلها منها وعاليها وحسَّنت علماء السوء عثرته … بحكم طاغوتها فانجرَّ طاغيها ومنهموا من تولَّى كِبْره وله … عقبى عذاب أليم في توليها قالوا لنا نسبة الأنصار قلت لعلَّ … أفعالكم صدَّقَتْها في دعاويها ستين يومًا أقاموا في محاصرها … قتلًا ونهبًا وهدمًا في صياصيها أيام بؤس حكت أضعاف ما صنعت … أيام مسرفٍ المُرِّي باغيها (٢٦٧) كأنها دار كفر قام مجتهدا … في فتحها يبتغي رضوان باريها ونزَّلوها على حكم العدوِّ ولا … رثوا لذلِّتها في كفِّ مُدْليها وأسفر الحال معه في ثمانية … وعشرة بقضاء الجوْر يَجْليها وكتَّبوا كتبًا في الصلح واحتكموا … على الرعية حكما ليس يرضيها

стр. 915

لكنَّها هدنة جاءت على دَخَن … وهدنة الجبر شرط لا يواتيها وسار هزاع والأحوال فاسدة … والناس مضمرة أشيا تعمِّيها وكان في قلعة السلطان طائفة … تحققت غشَّ من قد كان يغويها فأطلعوهم إليهم في الحبال كما … تسعى الأفاعي وترقى في مراقيها فيا لها لله بسطامية وقعت … أعادت الحرب بكرًا في مجاريها مات الإغاء ومن في حزبه كمدًا … بها وعاد لتلك الحرب ينشيها فأدخل الحرمَ الأعرابَ فانتهكت … هناك حرمة هاديها ومهديها وأصعدوها ولا خافوا ولا اعتذروا … فوق المنائر ترمي من أعاليها وصاحبُ الأمر باقٍ في تعصّبه … معها على الناس يسليها ويغريها يصرِّف المال، مال المسلمين على … تلك العصابة يسقيها ويغذيها وأصبح الحرم العالي وروضته … كالجبّخانة بالبارود يحشيها لا جمعةٌ لا صلاة لا أذان بها … إلا البنادق ترمي من نواحيها فصاحت الناس شرع الله وابتدروا … إلى الخصومة قاصيها ودانيها وبادروا مجلس القاضي لينظر في … فصل القضا ولنار الحرب يطفيها فصدَّر الحاكم الشرعيّ نحوهم … رسالة تقتضي الدعوى وتحتويها فلم يردُّوا خطابا عن رسالته … إلا الرصاص جوابًا في حواشيهّا وتَرسَّوُا مسجد الهادي وثار به … بين الفريقين حرب لست أحكيها فيا لها زلَّة منهم وفاقرة … جاءت على رغم مفتيها وقاضيها وقامت الحرب فيهم ترتمي شررًا … ستين أخرى يد الأعراب تذكيها وصاحب القبر محزون بما صنعوا … غيظًا لأمته ممن يعاديها وامتدت الحال بالبلوى إلى رجب … ومنتهى صفر قد كان باديها فسار من عند مولانا الشريف لنا … عساكر لتلافينا يواليها
следующие страницы →