وقلت في فتنة أهل المدينة الواقعة عليهم من جماعة أغوات الحرم ومن في طرفهم من أهل المدينة وشيخ الحرم عبد الرحمن أغا سنة ١١٥٥ هـ.
بكى على الدار لما غاب حاميها … وَجَرَّ حكَّامُها فيها أعاديها
بكى لطيبة إذ ضاعت رعيتها … وراعها بكلاب البَرّ راعيها
بكى لمن هاجروا بالكره واحتملوا … عنها، وكانوا قديمًا هاجروا فيها
واهًا لكربتها، واهًا لغُرْبتها … واهًا لجائعها، واهًا لعاريها (٢٦٣)
واهًا لحالي لما قمت أُنشدها … الدار أطبق إخراسٌ على فيها (٢٦٤)
يا دمنة سُلبت منها بشاشتها … وأُلْبست من ثياب المَحْل باقيها
وقفت فيها أُعزّيها لكربتها … أعجب على جَلَدي أني أُعزّيها
فمن معيني بأحزان يضاعفها … عليَّ مَنْ لعيوني، مَنْ يواسيها؟
يا صاح ناد البواكي وابْكِ أنت معي … ولا تصبّرْ نفسي، ولا تُسَلِّيها
ما مثلُ طيبة ما مثلُ الذي لقيت … من الألى فبمن ترجو تأسِّيها
حاشا لمختلف الأملاك من غِيَرِ … الدنيا وما صنعت فيها لياليها
بأبي الفداءُ لها من كل حادثة … لو كان ينفعها أني أُفدِّيها
وغاية الجهد أن أبكي لها أسفًا … حتى تجفَّ دموعي في مآقيها
كان التغزّل في جيران ذي سلم … واليوم قد كثرت فيها مراثيها
هي المدينة أمست بعد عزتها … كسيرةٌ غاب عنها اليوم حاميها
ملهوفة كبدها حرًّا مقطعة … محروقة فاسقها إن كنت تُسقيها
стр. 912
ما قمت في نصرها حقَّ القيام فلا … أقلَّ من أدمعي فيها تروِّيها
ما في الحياة ولا في العيش من أرّبٍ … مَنْ مُنْعِمٌ بوفاةِ منه يسديها؟
عشنا إلى أن رأينا ما يصدُّعها … عشنا إلى أن رأينا ما ينكّيها
مصيبةٌ عرضت للمسلمين غدت … عن كربلاء ويوم الدار تلهيها
فيا شقاوة من أمسى يروّعها … ويا سعادة من أمسى يراعيها
يا رحمتا من قلوب المؤمنين لها … في كشف عورتها ممن يغطيها
أشد دارٍ خرابًا لا عمار له … دارٌ أتى هدمها من كفّ بانيها
قصّوا العجائب عني وانقلوا خبري … على الحقيقة أمليكم وأرويها
وذاك في مائة والألف يتبعها … خمس وخمسون أحصاهنَّ محصيها
كان الأغاءُ اصطفى في السرِّ طائفةٌ … تبغي على الأمة الجُلَّا وتنويها
لَمُّوا عليه لأحقادٍ مقدمة … تلوح في جُلهم والعجز يخفيها
وأصله في الأغا مالُ الغلال أتى … عثمان بك به للناس يوفيها
فضمُّه منه سرًّا ثم أنكره … على الرعية يقصيها ويلويها
ثم استقر به من بعدما سغبوا … وليتهم تركوا الدعوى وداعيها
لكن دعاهم إلى ما كان ضرهم … ناهيك بالضرِّ والبأسا وناهيها
فدبَّ منه عليهم مع عصابته … عقارب الكيد غاديها وساريها
وجاءهم كُلّ مَنْ في قلبه مرضٌ … يسعى بعلَّته مَعْهم يداويها
ورتَّبوا صحفًا تُقْرا بقلعتهم … ليلًا وجاء العدو في زيّ قاريها (٢٦٥)
وحملوا فئة أخرى بنادقهم … وسط التيازير تُخفيها وتطويها (٢٦٦)
стр. 913
وأصبحوا غلَّقوا الأبواب ثم رموا … بنادق البغي تهوي من مراميها
فقيل ما الأمر قالوا نشتكي ضررا … من ستَّة ووليُّ الأمر يبغيها
إمّا القتال، وإما تخرجونهمُ … وذلك القدر يكفيكم وتكفيها
ثم البقية أيضًا بعد من ذكروا … نعاهد الله. أنَّا ليس نؤذيها
فكان ذلك عام الحزن إذ خرجوا … ظلمًا على الناس تبكيهم بواكيها
وكتَّبوا حجة تحوي فسادهم … تضمَّنت كلّ زور في معانيها
وأكَّدوها بأمهارٍ من الفقها … شهود حوأب لا درَّت مساعيها
قالوا ولا انتطحت شاتان قد صدقوا … لكنها الشهب خرَّت مع ذراريها
وعرَّفوا الدولة العليا بما صنعوا … كي يسعدوها بفرمان يقويها
ومرَّت السنة الشهبا وحاكمنا … يجني على الناس طودًا أو يجنِّيها
أيدى سبا مزقتهم في البلاد يدي … دنياه وهْي من إحدى دواهيها
قصيدة في البلا كانوا العَرُوض لها … وجادت الناس إرسالا قوافيها
وكل ذاك ومسعود ملكيهم … يَدْرَ التَّلافَ ويسعى في تلافيها
وأقبل الحج والإسلام كلهم … أرواحهم بلغت منها تراقيها
وجاء فرمانهم طبقا لموجب ما … أنْهُوا وأنفسهم تمت أمانيها
والذنب والله حقًّا ذنب من شهدت … شهادة الزور تُخفيها وتُبديها
أهل الطيالس إياكم خذوا حذرًا … منها جميعًا فإني لا أسمِّيها
إياكموا هذه الأفخاخ إنِّي لا … آلوكُمْ النصح جهدًا في توقيها
عصابة خلقت للغش والتزمت … باب الولاة بظلم الناس تُفتيها
واستقبلوا السنة الأخرى بحالتهم … لكنهم فسدوا في بعضهم تيها
حتى طمى الجور من نحو الأغاوبدت .. . حوادث بينهم تنموا نواميها
ولم يزل يتداعى الأمر وافترقت … مردان قلعة عنهم مع مواليها
وأصبحوا قتلوا كابوس إذ شهدو … بكفره في أمور كان يأتيها
стр. 914
وأرسلوا طلبوا الناس التي خرجت … وعاد مُبعدها في الحال يدنيها
واستقبلوهم فردّ الباب دونهم … كُبَيْبَةٌ وجماعات مغبِّيها
وأخرجوهم فثار الشرُّ بينهم … لفتنة قد أراد الله يقضيها
وأرسلوا للأغا للصلح فاضطربت … أشياعه وأبَتْ إلا تماديها
وأرسلوا طلبوا هزاع ينصرهم … على المدينة كي ينفي أهاليها
فجاءهم بجنود كالحصى عددًا … البغيْ قادِمُها والظلم تاليها
وشمَّر الحاكم المذكور يسبح في … سفينة الجور يجريها ويرسيها
جرَّ البوادي لها من كل ناحية … فاندكَّ أسفلها منها وعاليها
وحسَّنت علماء السوء عثرته … بحكم طاغوتها فانجرَّ طاغيها
ومنهموا من تولَّى كِبْره وله … عقبى عذاب أليم في توليها
قالوا لنا نسبة الأنصار قلت لعلَّ … أفعالكم صدَّقَتْها في دعاويها
ستين يومًا أقاموا في محاصرها … قتلًا ونهبًا وهدمًا في صياصيها
أيام بؤس حكت أضعاف ما صنعت … أيام مسرفٍ المُرِّي باغيها (٢٦٧)
كأنها دار كفر قام مجتهدا … في فتحها يبتغي رضوان باريها
ونزَّلوها على حكم العدوِّ ولا … رثوا لذلِّتها في كفِّ مُدْليها
وأسفر الحال معه في ثمانية … وعشرة بقضاء الجوْر يَجْليها
وكتَّبوا كتبًا في الصلح واحتكموا … على الرعية حكما ليس يرضيها
стр. 915
لكنَّها هدنة جاءت على دَخَن … وهدنة الجبر شرط لا يواتيها
وسار هزاع والأحوال فاسدة … والناس مضمرة أشيا تعمِّيها
وكان في قلعة السلطان طائفة … تحققت غشَّ من قد كان يغويها
فأطلعوهم إليهم في الحبال كما … تسعى الأفاعي وترقى في مراقيها
فيا لها لله بسطامية وقعت … أعادت الحرب بكرًا في مجاريها
مات الإغاء ومن في حزبه كمدًا … بها وعاد لتلك الحرب ينشيها
فأدخل الحرمَ الأعرابَ فانتهكت … هناك حرمة هاديها ومهديها
وأصعدوها ولا خافوا ولا اعتذروا … فوق المنائر ترمي من أعاليها
وصاحبُ الأمر باقٍ في تعصّبه … معها على الناس يسليها ويغريها
يصرِّف المال، مال المسلمين على … تلك العصابة يسقيها ويغذيها
وأصبح الحرم العالي وروضته … كالجبّخانة بالبارود يحشيها
لا جمعةٌ لا صلاة لا أذان بها … إلا البنادق ترمي من نواحيها
فصاحت الناس شرع الله وابتدروا … إلى الخصومة قاصيها ودانيها
وبادروا مجلس القاضي لينظر في … فصل القضا ولنار الحرب يطفيها
فصدَّر الحاكم الشرعيّ نحوهم … رسالة تقتضي الدعوى وتحتويها
فلم يردُّوا خطابا عن رسالته … إلا الرصاص جوابًا في حواشيهّا
وتَرسَّوُا مسجد الهادي وثار به … بين الفريقين حرب لست أحكيها
فيا لها زلَّة منهم وفاقرة … جاءت على رغم مفتيها وقاضيها
وقامت الحرب فيهم ترتمي شررًا … ستين أخرى يد الأعراب تذكيها
وصاحب القبر محزون بما صنعوا … غيظًا لأمته ممن يعاديها
وامتدت الحال بالبلوى إلى رجب … ومنتهى صفر قد كان باديها
فسار من عند مولانا الشريف لنا … عساكر لتلافينا يواليها
стр. 916
فسار هزّاع من نحو الإغاء لها … يردُّها دوننا قهرًا ويُرْديها
فصدَّها وأتى منصور يسبقه … إلى المدينة في شعبان يحميها
وجاء هزاع يوم النصف واستعرت … مراجل الحرب والملعون يغليها
وقسَّم البدو نصفًا عنده قعدوا … والنصف عند الإغا مع عبْد يبقيها
وأضحت الدار قفرًا لا أنيس بها … الجن تندبها والأنس ترثيها
أباحها البدوَ نهبًا ثم أحرقها … وراح يشقي بها حقًّا ويشقيها
أباحها وهو يرجو من حماقته … ثواب أصحاب بدر في مغازيها
لكنه صان خيرُ الخلق حوزتها … وأصبح الستر غاطيها وضافيها (٢٦٨)
وحقق الله خذلان الذين بغوا … جميعهم وأراد الله يعليها
وسيروا هدنة للحج وانتظروا … فيها الجواب وساعيهم وساعيها
وارتدّ هزاع مفشولا وعصبته … بدوًا وحَضْرًا تغطيها مساويها
وأصبح الحاكم المغرور يقرع في … سنّ الندامة مما كان يوليها
والأمر لله مكتوب على يده … أنَّ الأغا سوف يجليهم ويجليها
يا للكبائر من أدعو فيسمعني … حتى أصرَّح عنها أو أكنّيها
من للمدينة إن غصت بريقتها … ومن يجيب نِدَاها من يلبِّيها
ما أفقر الصيدُ إلا بعد مسلمة … أعطت محاسنها الدنيا لماضيها
عادت لنا سيرة التيمور في حلب … أيام صبيانها شابت نواصيها (٢٦٩)
ويومه وهو في بغداد يهتكها … ويوم جنكيز بالتتار يرميها
стр. 917
وبُخْتَصَر من قبْلِ الذي ذكروا … في مصر والقدس تقريبًا وتشبيهًا (٢٧٠)
ويوم تهماز ما أدراك ما صنعت … في شاجهان الموالي مع مواليها
شأن عظيم مضى في الجور أعظمه … شأن المدينة من أيدى شوانيها
حوادث ما رآها دانيالُ ولا … قصَّت ملاحمُه شيئًا يساويها
يا شدَّة ليس إلا الله يكشفها … وغُمَّة ليس إلا الله يجليها
أين الحجاز وأين الروم تسمع لي … صوتي إذا قمت من كربي أناديها؟
يا آل عثمان عين في ممالككم … مطروفَة لطَمتها كَفُّ واليها
عين لدولتكم عين لدينكمو … قد كاد لولا دفاع الله يعميها
أمَّنتموها فضاعت عنده سفها … ويل الأمانة ممن لا يؤديها
نمتم ولا نوم عبُّود الذي ذكروا … عن المدينة حتى قام ناعيها
هُنَّا عليكم وهانت بعد عزتها … وأصبح الكل جافينا وجافيها
أحوالنا علمتها الصين واعجبًا … من كان يمنعها عنكم ويثنيها،
خمسون عامًا لنا والظلم يلحقنا … نقارع البدو فيها أو نداريها
ووام سعد بن زيد قطع دابرهم … لكن عَدَتْه من البلوى عواديها
سلوا عن العهد عما كان سبَّبه … فليس ذا أول الشكوى وثانيها
غضضتموا الطرف عن أشياء أبدعها … بشير بك فجا هذا يسوِّيها (٢٧١)
سوسوا البلاد بعين من نفوسكم … دعوا الأجانب أعطوا القوس باريها
لو أن مسعود قلَّدتم له عملا … أجزا وثار لأعدام يجازيها (٢٧٢)
стр. 918
لكنه راح مربوطًا على يده … تحت الإشارة لا يبغي تعديها
ينهى إليكم وبعد الحوْل ينظر في … جوابكم عن أمور كان ينهيها
ما أبعد الوِرْدَ إن بات العطاش على … وادي الغضا وبوادي الرمل ساقيها
تالله لو كان هذا الدين مبدؤه … على التساهل والإغفال تمويها
ما صدَّق الرسل في الدنيا مصدِّقها … ولا جَبا ساحة الإفرنج جابيها
سلوا ففي كي قباذ الفرس معتبر … يغني الملوك إذا شاءته تنبيها
صلوا ففي علج عمورية نبأ … أين الرشيد ومن نادته تنويها
وأين تلك مع الدار التي شرفت … على الممالك إعظاما وتنزيها
ما أحوج الأرض للفتح الجديد فقد … عَمَّ البلا وطغى طوفان عاصيها
من باب مصر إلى بصري إلى عدن … إلى العراق يمانيها وشاميها
ومن سواكم وعين الناس ترقبكم … قد وجَّهوا لكم الآمال توجيها
بخدمة المصطفى أسلافكم شرفت … على الملوك وهنَّاها مُهَنِّيها
تميمة علقت في جيد دولتكم … تذبُّ عنها أعاديها وتحميها
عُضُّوا عليها وصونوها فإن سقطت … تَفَزَّعَتْ وغدت لا شئ يشفيها
وإن تروا حادثًا في الدهر أو قلقًا … من العدا فهو من عقبى تناسيها
ما كان أحوجنا أن تبعثوا ثقة … ينهي إليكم قضايانا ويسليها
سلوا الطريق عن الحُجَّاج تخبركم … بالقتل والنهب فيها من بواديها
سلوا عق الحجرة الزهراء إن خفيت … أسوارها ربما التسأل يفشيها
سلوا عن المال فيها والذخائر مَنْ … بالبخس قد باعها من كان يشريها؟
وأجزوا العساكر إحسانًا فقد ستروا … عوراتها وسبوا من جاء يسبيها
وكم أيادٍ لقاضي الشرع قدمها … لله والله في الأخرى يكافيها
فإنه صان عرض المسلمين رمى … بسهمه وعَنَاهُ ما يعنِّيها
стр. 919
والنفس لا تستوي من جاء يقتلها … وآخرٌ قام يحميها ويحييها
مشاهدٌ صالحوا الأروام تشهدها … لنا وإن سئلت عنها تؤديها
فهمُ وحكام مولانا الشريف لَهُمْ … أعمال بِرٍّ عسى المولى يزكِّيها
كلهم بذلوا في حال غيبتكم … أرواحهم دونها واستقتلوا فيها
هم المحامون دون الدار لا فئة … نماك حرام وتكفيها مخازيها (٢٧٣)
جرى القضا عرفت أصحابها سَقَرٌ … وجنة الخلد قد باءت بأهليها
نام الخلي عنك والمحزون خاطره … بكى على الدار لما غاب حاميها (٢٧٤)
هذه القصيدة الملحمة التي بلغت عدة أبياتها مائة وأربعا وستين بيتا تقدم لنا بعد أكثر من مائتين وخمسين عامًا صورة وصفية كاملة ومفصلة للأحداث التي روعت المدينة المنورة وسكانها في سنة ١١٥٥ هـ.
ولم أجد ذكرًا لهذه الفتنة في تواريخ مكة المكرمة بالرغم من أن القصيدة تذكر أن أمير مكة الشريف مسعود أرسل جيشا لإنقاذ المدينة يقول البيتي:
فسار من عند مولانا … لنا عساكر لتلافينا يواليها
فسار هزاع من نحو الإغاء لها … يردها دوننا قهرًا ويرديها
فصدَّها وأتى منصور يسبقه … إلى المدينة في شعبان يحميها
وجاء هزاع يوم النصف واستعرت … مراجل الحرب والملعون يغليها
стр. 920
هذه الأبيات تدلُّ على أنه لما طالتْ معاناة أهل المدينة أرسل إليهم الشريف مسعود أمير مكة المكرمة جيشًا لإنقاذهم ولكن الحاكم التركي عبد الرحمن أغا استنصر بهزاع شيخ قبيلة حرب، فصد هزاع جيش أمير مكة فأبقى نصف جيشه عند الأغا، واحتفظ بالنصف الباقي من جيش البدو، ثم انتهى الأمر بانتصار الأغا بمعونة شيخ قبيلة حرب وأتباعه من البدو، حتى انتهى الأمر بإباحة المدينة للبدو:
أباحها البدو نهبًا ثم أحرقها … وراح يشقي بها حقًّا ويشقيها
والقصيدة تصور الأحداث في تسلسلها من البداية يقول البيتي:
وأصله في الأغا مال الغلال أتى … عثمان لك به للناس يوفيها
فضمه منه سرًّا ثم أنكره على … الرعية يقصيها ويلويها
ويفهم من هذا أن عثمان بك أحضر إلى المدينة الغلال التي توزع على أهلها فاستأثر بها الأغا لنفسه وأنكر عليهم حقهم فيها، ولم يكتف بهذا بل كاد لأهل المدينة هو وعصابته التي اجتمعت في القلعة:
ورتبوا صحفًا تُقرا بقلعتهم … ليلًا وجاء العدو في زيِّ قاريها
ثم يقول:
وحملوا فئة أخرى بنادقهم … وسط التيازير تخفيها وتطويها
وأصبحوا غلَّقوا الأبواب ثم رموا … بنادق البغي تهوي من مراميها
فقيل ما الأمر قالوا نشتكي ضررًا … من ستَّةٍ ووليُّ الأمر يبغيها
إما القتال وإما تخرجونهموا … وذلك القدر يكفيكم ويكفيها
ثم البقية أيضا بعد من ذكروا … نعاهد الله أنّا ليس نؤذيها
стр. 921
فاجأ الأغا المدينة بالرمي بالبنادق فلما سئل ما الأمر؟ طالب بإخراج ستة أشخاص يطلبهم ولي الأمر، وأنذر الناس بالقتال إن لم يخرجونهم إليه، وتعهد أن لا يؤذي أحدا إذا ما سلم إليه هؤلاء الرجال يقول البيتي:
فكان ذلك عام الحزن إذ خرجوا … ظلمًا على الناس تبكيهم بواكيها
ولم يكتف الأغا وجماعته بهذا:
فكتبوا حجة تحوي فسادهمو … تضمنت كل زور في معانيها
وأكدوها بأمهار من الفقها … شهود حوأب لا درَّت مساعيها
وعرَّفوا الدولة العليا بما صنعوا … كي يسعدوها بفرمان يقويها
كتب الأغا وجماعته عريضة مزورة ضد هؤلاء الرجال الستة الذين ناصبوا الأغا العداء، وختم عليها الفقهاء بأمهارهم شهادة زور، وأرسلوها إلى الآستانة لاستصدار فرمان بمعاقبة خصوم الأغا:
ومرَّت السنة الشهبا وحاكمنا … يجني على الناس طَرْدًا أو يجنِّيها
أيدي سبا مزقتهم في البلاد يدي … دنياه وهْي من إحدى دواهيها
وخشي الناس صولة الأغا فهاجروا من المدينة وتركوها وتفرقوا في البلاد:
وجاء فرمانهم طبقًا لموجب ما … أنهوا وأنفسهم تمت أمانيها
والذنب والله حقًّا ذنب من شهدت … شهادة الزور تخفيها وتبديها
وجاء الفرمان المطلوب من الآستانة حسبما رسم الأغا فقد أثرت الشهادات المزورة من الفقهاء تأثيرها وهؤلاء الفقهاء هم:
عصابة خلقت للغش والتزمت … باب الولاة بظلم الناس تفتيها
стр. 922
واستبد الأغا بعد أن أيدته الدولة العلية بفرمانها، فانقلب على أنصاره وقتل أحد كبار هؤلاء الأنصار المسمي كابوس الذي شهدوا عليه بالكفر:
وأصبحوا قتلوا كابوس إذ شهدوا … بكفره في أمور كان يأتيها
وأراد الأغا استرجاع من انفضَّ من حوله من أنصاره فدعاهم إلى القلعة ولكن شخصًا اسمه كبيسة مع جماعته، أرسلوا للأغا يطلبون الصلح فأصرَّ أشياع الأغا على التمادي في الخصام، وأرسل هؤلاء الأشياع إلى هزاع شيخ قبيلة حرب فجاءهم بجنود كثيرة من البدو:
وأرسلوا طلبوا هزاع ينصرهم … على المدينة كي ينفي أهاليها
فجاءهم بجنود كالحصى عددًا … البغي قادمها والظلم تاليها
جرَّ البوادي لها من كل ناحية … فاندكَّ أسفلها منها وعاليها
وحاصروا المدينة ستين يوما:
ستين يومًا أقاموا في محاصرها … قتلًا ونهبًا وهدمًا في صياصيها
وأعاد البدو في المدينة ما فعله مسرف المرِّي الذي أباح المدينة أيام موقعة الحرة في خلافة يزيد بن معاوية:
كأنها دار كفر قام مجتهدا … في فتحها يبتغي رضوان باربها
ولم تلبث المدينة أن استسلمت تحت وطأة هذه الظروف القاسية فنزلت على حكم الأغا وجماعته:
وأنزلوها على حكم العدوِّ ولا … رَثُوا لذلِّتها في كف موليها
وأسفر الحال في ثمانية … وعشرة بقضاء الجور يجليها
وكتَّبوا كتبًا في الصلح واحتكموا … على الرعية حكمًا ليس يرضيها
стр. 923
وسار هزاع من المدينة بعد أن فك الحصار عنها، ولكن الناس كانت تضمر أشياء كثيرة من الظلم الذي وقع عليهم ويبدو أن ضمائر بعض من كان في القلعة مع الأغا استيقظت فانقلبوا على الأغا بعد ما رأوا من غشه وسوء تصرفه فمدُّوا الحبال إلى بعض من اتفقوا معهم على نصرتهم وأصعدوهم إلى القلعة، يقول البيتي:
وكان في قلعة السلطان طائفة … تحققت بَغْيَ مَنْ قد كان يغويها
فأطلعوها إليهم في الحبال كما … تسعى الأفاعي وترقى في مراقيها
فيا لها الله بسطامية وقعت … أعادت الحرب بكرًا في مجاريها
مات الأغاء وَمَنْ في حزبه كمدا … بها وعاد لتلك الحرب ينشيها
ولكن الأغا الذي فوجئ بهذا الانقلاب لم يتورع عن إدخال الأعراب إلى المسجد النبوي الشريف وأصعدوهم على المنائر يرمون القذائف منها، وانقطعت الصلاة في المسجد النبوي الشريف بعد أن تحول إلى ثكنة عسكرية، وحلت أصوات البنادق محل الأذان، يقول البيتي:
فأدخلَ الحرمَ الأعرابَ فانتهكت … هناك حرمة هاديها ومهديها
وأصعدوها ولا خافوا ولا اعتذروا … فوق المنائر ترمي من أعاليها
ويقول:
وأصبح الحرم العالي وروضته … كالجبُّخانة بالبارود يحشيها (٢٧٥)
لا جمعة لا صلاة لا أذانَ بها … إلا البنادق ترمي من أعاليها
стр. 924
وشكر الناس إلى قاضي الشرع فأرسل إليهم يخطرهم بالحضور لسماع الدعوى المقامة عليهم، ولكن إجابتهم على رسالة القاضي كانت الإمعان في الرمي بالرصاص والإصرار على الحرب، وثارت الحرب بين الفريقين مرة أخرى واستمرت ستين يوما:
وقامت الحرب فيهم ترتمي شررًا … ستين أخرى يد الأعراب تذكيها
وامتدت الحال بالبلوى إلى رجب … ومنتهى صفر قد كان باديها
وأراد شريف مكة الأمير مسعود إنقاذ المدينة فسيَّر إليها الجنود لتلافي الفتنة ولكن الأغا استنصر بهزاع شيخ قبيلة حرب فجاء هزاع بجنوده من البدو فردَّ جيش الشريف، وقد أوردنا الشواهد من القصيدة عن ذلك سابقًا وتمخضت الأمور بانتهاب المدينة وإباحتها للبدو وإحراقها:
أباحها البدو نهبًا ثم أحرقها … وراح يشقى بها حقًّا ويُشقيها
أباحها وهو يرجو من حماقته … ثواب أصحاب بدر في مغازيها
ثم اتفقوا على هدنة للحجِّ فارتدَّ هزاع عن المدينة إلى البادية، ثم يتطرق الشاعر إلى الحال البائسة الحزينة التي صارت إليها مدينة الرسول صلوات الله وسلامه عليه فيقول:
مَنْ للمدينة إن غُصَّت بريقتها … ومن يجيب نداها من يلبيها؟
ويشبِّه ما وقع في المدينة من الكوارث بما وقع لبغداد وحلب على أيدي التتار، وما وقع في القدس على يد بُخْتَنَصَّر:
عادت لنا سيرة التيمور في حَلَبٍ … أيام صبيانها شابت نواصيها
ويومُه وهو في بغداد يهتكها … ويوم جنكيز بالتتار يرميها
وبُخْتَصَّر من قبل الذي ذكروا … في مصر والقدس تقريبًا وتشبيها
стр. 925
ثم يتساءل الشاعر:
أين الحجاز وأين الروم تسمع لي … صوتي إذا قمت من كربي أُناديها
ثم يخاطب الحكام العثمانيين فيقول:
يا آل عثمان عين في ممالككم … مطروفة لطمتها كَفُّ واليها
عين لدولتكم عين لدينكمو … قد كاد لولا دفاع الله يعميها
ومنها:
أمَّنتُموها فضاعت عنده سفهًا … ويل الأمانة ممن لا يؤديها
نمتم ولا نوم عبود الذي ذكروا … عن المدينة حتى قام ناعيها
هُنَّا عليكم وهانت بعد عزتها … وأصبح الكلُّ جافينا وجافيها
أحوالنا علمتها الصين واعجبًا … من كان يمنعها عنكم ويثنيها
ويقول الشاعر: إن المدينة ظلت تعاني من هذا الحال خمسين عامًا والدولة لا تولي الأمر ما يستحقه من الاهتمام بل تغضُّ الطرف عن سوء التصرف من الحكام الأغوات الذين تبعثهم الأستانة، ثم يدعوهم إلى إقصاء الأجانب عن الحكم في المدينة وإعطاء القوس باريها:
خمسون عاما لنا والظلم يلحقنا … نقارع البدو فيها أو نداريها
ومنها:
غضضتموا الطرف عن أشياء أبدعها … بشير بك فجا هذا يسويها
سوسوا البلاد بعين من نفوسكم … دعوا الأجانب وأعطوا القوس باريها
ثم يصف حال أمير مكة ووقوفه مكتوف اليدين لأن صلاحيته في التدخل محدودة، ولقد كان يكتب إلى الدولة العلية وينتظر الحول ليصل
стр. 926
إليه الرد:
لو أن مسعود قلدتم له عملا … أجزا، وثار لأعداكم يجازيها
لكنه راح مربوطًا على يده … تحت الإشارة لا يبغي تعديها
ينهي إليكم وبَعْد الحول ينظر في … جوابكم عن أمور كان ينهيها
وينهي البيتي ملحمته العظيمة بإيراد أمثلة من النجدة والحزم مشهودة في التاريخ فيقول:
ما أبعد الوِرْد إن بات العطاش على … وادي الغضا وبوادي الرمل ساقيها
تالله لو كان هذا الدين مبدؤه … على التساهل والإغفال تمويها
ما صدَّق الرسل في الدنيا مصدِّقُها … ولا جبَا ساحة الإفرنج جابيها
سلوا ففي كي قباذ الفرس معتبر … يغني الملوك إذا شادته تنبيها
سلوا ففي علج عمورية نبأ … وابْن الرشيد ومن نادته تنويها
والإشارة في البيت الأخير إلى المرأة المسلمة التي استنجدت بالمعتصم فكان فتح عمورية ويقول الشاعر:
وأين تلك مع الدار التي شرفت … على الممالك إعظاما وتنزيها
ثم يقول:
ما أحوج الأرض للفتح الجديد فقد … عمَّ البلا وطغي طوفان عاصيها
من باب مصر إلى بصرى إلى عدن … إلى العراق يمانيها وشاميها
ثم يذكر العثمانيين بماضي أسلافهم الطيب في خدمة الإسلام:
بخدمة المصطفى أسلافكم شرفت … على الملوك وهنَّاها مهنيها
والمدينة تميمة علقت في جيد دولتكم … تذبُّ عنها أعاديها وتحميها
стр. 927
ثم يتساءل:
ما كان أحوجنا أن تبعثوا ثقة … ينهي إليكم قضايانا ويمليها
ثم يقول:
سلوا الطريق عن الحُجَّاج تخبركم … بالقتل والنهب فيها من بواديها
سلوا عن الحجرة الزهراء إن خفيت … أسرارها، ربما التسآل يغنيها
سلوا عن المال فيها والذخائر مَنْ … بالبخس قد باعها، من كان يشريها
ثم يدعوهم إلى سؤال الصالحين من الأروام والأتراك المقيمين بالمدينة:
مشاهدٌ صالح الأروام تشهدها … لنا وإن سئلت عنها تؤديها
ويختتم القصيدة بهذين البيتين:
جرى القضا، عرفت أصحابها سقر … وجَنَّةُ الخلد قد باءت بأهليها
نام الخلي عنك والمحزون خاطره … بكى على الدار لما غاب حاميها
هذه القصيدة أو الملحمة التاريخية أوردها الشاعر مفصلة كما رأينا ولم تورد كتب المؤرخين شيئًا عنها رغم ضخامة المأساة وطول الوقت الذى استغرقته، وقد نشر الأستاذ العلامة المحقق حمد الجاسر رسالة مخطوطة للسيد جعفر بن حسين بن يحيى الحسيني المدني عنوانها: "الأخبار الغريبة في ذكر ما وقع بطيبة الحبيبة" وقد استشهد المؤلف بقصائد الشاعر جعفر البيتي في هذه الحوادث. يقول الأستاذ حمد الجاسر عن المؤلف ورسالته ما يلي:
وبين يديَّ الآن رسالة عنوانها: "الأخبار الغريبة في ذكر ما وقع
стр. 928
بطيبة الحبيبة" لخصها السيد جعفر بن حسين بن يحيى الحسيني المدني، ويظهر أنه من أهل القرن الماضي - لعل الأستاذ الجاسر يقصد القرن الثالث عشر الهجري - لأنه ينقل عن مؤلفات البعض علمائه ومنهم أحمد زيني دحلان، المتوفي سنة ١٣٠٤ هـ ويقول: إنه لخص ما في الرسالة من مسودة تاريخ العالم الخطيب عبد الرحمن بن حسين الأنصاري، الذي وجده بخطه مخروما، وفيه من الوقائع التي وقعت في المدينة ما لا يوجد في غيره من المؤلفات يقول الأستاذ الجاسر:
وقد سرد في هذه الرسالة حوادث وقعت في المدينة يدور أغلبها على سوء تصرف مشايخ الحرم من (الأغاوات)، ثم عدد الأستاذ حمد الحوادث أو بعض الحوادث التي وردت في الرسالة ومن ضمنها الفتنة التي وقعت في سنة ١١٥٥ هـ واستشهد المؤلف بقصيدة السيد جعفر البيتي التي هي موضوع بحثنا هذا .. تقول الرسالة:
في سنة ١١٥٥ هـ قال صاحب الرسالة في الكلام على فتنة عبد الرحمن أغا الكبير، وهو الذي صارت في زمنه الفتنة العظيمة المشهورة بفتنة (كابوس) وقال عن سببها:
إن عثمان بك أتي بمال الغلال فأخذه، ومنع كل ذي حق حقه، بعد أن اتفق مع رؤساء عسكر القلعة، فحصل احتكاك بين أناس تزعمهم رجل عسكري يدعي حسن كابوس وبين مَنْ في القلعة، ثم انتهى الأمر صلحًا إلا أن شيخ الحرم ومن معه أثاروا الفتنة التي شارك فيها بعض أهل المدينة وقتل منهم من قتل، كما قتل حسن كابوس الذي عرفت الفتنة به، فأرسل شيخ الحرم إلى أمير مكة الشريف مسعود يستنجد به، ولكن مسعودًا، أرسل إلى أمير المدينة سرًّا يحرضه على شيخ
стр. 929
الحرم إن لم يخرج أهل القلعة، فعرف شيخ الحرم ذلك، فأرسل إلى هزاع شيخُ قبيلة حرب، واستماله بالمال، ليرد عنه المدد الذي أرسله الشريف مسعود لأمير المدينة، فجمع هزاع من قدر عليه، وهجم على الذين أرسلهم أمير مكة في رابغ، فقتل منهم من قتل، وهرب الباقون، واستدعى شيخ الحرم وهو عبد الرحمن أغا مشايخ حرب، ومنهم هزاع وعيد، ومكَّنهم من المدينة فأخربوها ونهبوها، وجلا أكثر الناس إلى المناخة، واستمر الحال على ذلك إلى شهر رجب سنة ١١٥٦ هـ، فأرسل الشريف مسعود وسعى في الصلح بينهم ظاهرًا، وكان مباطنًا لأهل القلعة، فتمت بينهم الهدنة إلى أن وصل الحاج الشامي إلى المدينة ومعه فرمان بعزل عبد الرحمن أغا شيخ الحرم، ونصّب عبد الرحمن أغا الصغير.
ثم تورد الرسالة قصيدة البيتي المذكورة آنفا (٢٧٦).
والمتأمل في النص الذي أوردته الرسالة يراه اختصارًا لما فصَّله البيتي في قصيدته الطويلة العصماء، وإذا كان من تعليق على ما ورد في الرسالة فهو أن مؤلف الرسالة ذكر في نهاية النص أن الشريف مسعود كان مباطنًا لأهل القلعة، ويمكن تفسير ذلك بأن الشريف مسعود ربما مال لأهل القلعة بعد انقلابهم على شيخ الحرم كما أوردته قصيدة البيتي، والله أعلم.
стр. 930
وجاء في هذه الرسالة أن فتنة وقعت في سنة ١١٣٤ هـ بالمدينة وكان شيخ الحرم أيوب أغا (من الأغوات) عرفت هذه الفتنة عند أهل المدينة باسم "قصة العهد"، وأورد قصيدة للسيد جعفر البيتى جاء فيها:
فَجَرَت هنالك صيحة يرقى إلى … أفق السماء حجاجها بل يعتلي
وطغت لجم بعد ذلك عصبة الـ … أغوات مع أتباعهم والجُهَّل
أقول: والفتنة التي وقعت في سنة ١١٣٤ هـ كان من نتائجها الحكم على السيد عبد الكريم البرزنجي بالقتل وقتل في جدة وألقيت جثته في محلة المكلام وسميت المحلة المظلوم نتيجة لهذه الحادثة.
ولم أجد هذه القصيدة بالديوان المخطوط، مما يدل على أن هذه النسخة الموجودة بمكتبة عارف حكمت لا تضم جميع قصائد الديوان، يؤيد هذا الرأي ما ذكره الأستاذ عبد القدوس الأنصاري ﵀ أن هناك نسخة أخرى لديوان السيد جعفر البيتي بجاوة، وأن هذه النسخة أضخم بكثير من هذه النسخة الثانية، ذكر هذا الأستاذ عبد القدوس رواية عن أحد أقطاب الحركة الأدبية من الشباب الحضرميين (٢٧٧).
وفي الديوان قصيدة تصف حالة الأمن في طريق المدينة وقد نظمها الشاعر على لسان بعض الزائرين فقال:
وكتبت على لسان بعض السادة العلويين، القاطنين بجدة، وهو يومئذ بالمدينة المنورة زائرًا أيام المعراج وقد أدرك في طريقه إليها متاعب وعوائق من الأعراب المحاصرين للمدينة المنورة في هذا التاريخ وهو سنة ١١٥١ هـ إلى باش بازجي إبراهيم عبد الوهاب بخبره بما قاساه في طريقه
стр. 931
إلى الزيارة إلى أن وصل إلى المدينة، وقد خلطها بالجدِّ والهزل المراد به الجد كما قيل وشَرُّ الشدائد ما يضحك وهذه هي القصيدة:
خليليَّ عن حالي سلا وتفقَّدا … وميلا إلى نحو الوسادة واقعدا
أبثكما مما لقيت عجائبًا … بليت بها فاستخبرا وتنشَّدا
فلي قصة يا صاحبيَّ جعلتها … حديثًا عن البلوى، عن الضيق مسندا
عن العُسْرِ، عن كربٍ عن الغمِّ عن … عنَى عن الحزن، عن غمٍّ غلا وتصعدا
خرجنا نهار السبت من أرض جدة … وقد كان نحسًا ذلك اليوم أنكدا
والقصيدة طويلة ولكنا نختار منها ما يصف حالة الأمن في الطريق من الأعراب فيقول:
ورحنا وأصبحنا على بئر رابغ … فمستورة فالخبت قِلْنا به غدا
على قوم عادٍ أو ثمودَ تَجَبُّرًا … وظلمًا وبغيًا في البرية واعتدا
ومن بعده اليوم العصيب غداة ما … بدونا على الصفراء في حِزْب من بدا
أقمنا بها حينا على شرِّ حالة … نكابد بالضراء عيشًا مُنكَّدا
وقد حاصروا إذ ذاك بلدة أحمد … ونحن بها نبغي زيارة أحمدا
وصدُّوا جميع الزائرين وأذَّنوا … ونادوا ولا خافوا الذي يُعقب النِّدا
ورحنا حيارى كلما مرَّ فاجرٌ … علينا تعدَّى أو طغى أو تهدَّدا
فقلنا لهم يا قوم نخشى عقوبة … عليكم من السلطان سيفًا مهنَّدا
ومن خلفكم تدبير صاحب مكة … فلا تحسبوا هذا يروح لكم سُدا
فأضْرب كلُّ مُنهموا عن مقالنا … وأعرض عنا هازئًا وتوعَّدا
وقالوا لنا خمسون عاما كما ترى … ولو كان سلطانٌ هناك لأنْجَدا
وقد بُحَّ صوت المستغيثين عنده … فكيف ترى يهنا على الضيم مرقدا
وإن كان لا يدري فتلك مصيبة … وإن كان يدري فاسألوا ما الذي عدا
стр. 932
لعلكم يا حُمْقُ ترجون أنه … يجينا على البُلْقِ العتاق مجرِّدا
فيا ليته لو كان يحفظ حَجَّه … ولم يعط عند الخيف مالًا معدَّدا
يشير الشاعر في هذا البيت إلى المال الذي كان يدفع من الدولة للأعراب وقد أوضحه الشاعر في النسخة الخطية للديوان إذ جاء فيها ما يلي:
(دفع المال المذكور حدث بعد وقعة نصوح باشا عام ١١٢٣ هـ لأنه فتح خُرْقًا، وقُتل قبل سدِّه وكانت الحجاج قبله يضعون أسلحتهم بالمدينة، ويتوجهون إلى الحج مجردين ثم لم تزل تزيد العربان إلى يومنا هذا).
ويوالي هذا الشاعر السخرية بالحكام العثمانيين، وكذلك بأمراء الحج الذين يصلون مع الحجاج ويتألفون البدو بدفع الأموال لهم فيقول:
فكم قد قتلنا جوخدار ومجدجي … وأيضًا مصرلي فوق ذاك وكَتْخَدا
ولم تحترك للثأر قَطُّ نفوسهم … ولا جزعوا مما أقام وأقعدا
وقد عودونا بالمداراة والرُّشا … لكلِّ امرئ من دهره ما تعودا (٢٧٨)
وهذا دليل العجز لا شك فيهم … فلا تقصدوا الشيء الذي ليس مقصدا
فقلنا لعل الله يأتي بنصره … ويبعث للفتح المبين ممهدا
وأقبل هزاع يجرُّ ذيوله … على الأرض تيها راكبا فوق أجردا (٢٧٩)
فقال عسى باصُرَّةٌ في رحالكم … فقلت نعم أهلا وسهلا بمن بدا
стр. 933
فقدم لي طرفًا عتيقًا مسوّمًا والى علينا بالرحيل وأكَّدا
فسرنا وأصبحنا السدارة غدوة نُراعي هزاع الصنيعة واليدا (٢٨٠)
ولكن الفرحة لم تتم فقد جاءهم من يخبرهم أن المدينة محاصرة ويردُّهم من حيث أتوا:
ولم ندر إلا وابن فايز قد أتى … وآلى علينا بالرجوع وأكَّدا
وقال ارجعوا إن المدينة حوصرت … وليست تحوم الطير فيها ولا الحُدا
ولكنهم لم يستمعوا لفايز هذا فتركهم وما يشاءون فساروا:
ورحنا وأصبحنا الفريش وبعده الحسا … أقمنا ثَمَّ نرقب مرصدا (٢٨١)
وأقبلت الأعراب من كل جانب … ومعهم بخيت شيخهم شاهري المُدا (٢٨٢)
لهم من جريد النخل رمح مُشَطَّبٌ … تكسَّر لكن بالسيور تجلَّدا
وشيخهم المذكور لابس بردة … مشى فوقها الدهر الطويل مقيّدا
على ناقة ترغي وتزبد تحته … تقول إذا اقلولى عليها وأقردا
وقبع تموت النار قبل احتراقه … من الوضر الباني عليه بُّلَبَّدا
وفردة نعل ضمَّها في يمينه … وقد لبس الأخرى وثوبا مزَنَّدا
عجاجيل الأنعام خلْقا وخلقة … أضلَّهم الرحمن طُرًّا وما هدى
فقالوا سلام يا رجال وقَوِّكُمْ … فقلتا سلام للذي اتبع الهدى
وقال بخيت لا تخافوا وأبشروا … وقرَّبنا مما نريد وأبعدا
стр. 934
أروح بكم نحو العوالي وتنزلوا … ببيتي قريب النخل بيتًا موصَّدا
ونكرمكم باللحم والرز عندنا … وجرَّ العبا من صاحبي وتمَدَّدا
ونادي على أصحابه قال أقبلوا … وقال عيسى يا سيِّدي عندكم غدا؟
فقام سويدان إلى القدر مسرعا … وحطَّ على الماء الدقيق وصعَّدا
ومال على طست الحمار وأفرغ العصـ … ـيدة فيه ثم سَوَّى وأثردا
وقدَّمها فورا وقال تسمَّمُوا … عساها عليكم علَّة تحتوي وَدَا
فقالوا أجل لا أخلف الله عنكم … وشتَّت هذا الزاد عنكم وبدَّدا
وشمَّر كل منهمُ عن ذراعه … وأوْغل في بلع العصيد وأجهدا
وما زال يحشي كل ملعونَ كرشه … من الأكل حتى صار طَبْلًا مُشدَّدا
وعاد إلينا الطست وهو مخرَّقٌ … بما نال من أظفارهم وتكدَّدا
وقام بخيت يمسح الدُّهْن في العبا … ومال إلى ظلِّ الينا وتبرُّدا
وقال عسى غليون تنباك عندكم … عسى قهوة هاتوا وصاح وردَّدا
ولم يكتف بالأكل والكيف فبدأت المساومة:
وراغ على تلك الحمول وجَسّها … وأطرق يبغي غفلةً وتلدَّدا
وقال ترى يا مير سَلْمان إنني … أخاف عليكم في الطريق من الرَّدَا
ولكن عساني بالدراهم أقتفي … رحالا لكم من حرب عونا ومعضدا
فصاح المهيري واشتكى وبكى له … وأقسم إيمانًا وضجَّ وعربدا
وقال سويدان إليكمو فارهنوا … إزاري والعمامة والرِّدا
وقلت أنا هاكم حذاي وجزمتي … ...................
ولكنهم أصروا على النقود:
ولم يمشي إلا ما أرادوا وأخرجوا … لجينا من الصندوق نضًّا وعسجدا
стр. 935
وحين رأوا عين الدراهم وهْوَهُوا … وحنَّ حِوار القوم واستحكم الجدا
وشدُّوا على تلك الحمول ووجهوا … وجوه المطايا وهي تمشي تأوُّدا
وسار بها من لا يسير مشمِّرا … وغنَّى بها من لا يغنِّي مغرِّدا
ولما بدا وجه الحدائق أشرفوا … وأبرق من فيها علينا وأرعدا
والأبيات التالية تصور ما كان يحصل بين الأعراب في الطريق أجمل تصوير:
وجاء ابن سمري وابن سلمان مشعل … وسلمان شبَّ النار فينا وأوقدا
فقمنا جميعا نحو شاربه عسى … يعلِّقنا فيه فكشَّ وصدَّدا
وجاء بخيت بعد وابن حُوَيْضِرِ … ومَبْرَكُ مُنضمِّين في ضمن من عدا
وصالوا علينا بالبنادق كلهم … وصبيانهم شالوا عِصِيًّا وأعمدا
وجاءَ المهتدي حدْقُه فوق جفنه … تكدر منها ثم أصبح أرْمَدا
وشُجَّ بمشعاب على أمِّ رأسه … فكمدها بالنار فورا وضمَّدا
فصاح بخيت عند ذاك عليهم … وقال لهم وجهي وأرغي وأزيدا
وراح بنا للبيت ثم أضافنا … بفضلة لحم كان في الحجِّ قدَّدا
وذرَّ على الماء الهبيد ولتَّه … وودَّك من مُخِّ الجمال وسرهدا
ودشَّ لنا سمحًا وقال تسمَّحوا … ومن كان يختار الهبيد تهبَّدا
وأولغ في الماعون مَعنا ولتَّه … وثم تجشَّا في الأنا وتحمَّدا
ومال بباقي العظم في شق بيته … ومشمش يومًا كاملًا ثم ألبدا
وقمنا على ذاك المقام ثمانيا … نكابد أهوالا وهمًّا مسهدا
وقد حلَّقوا حول البلاد وطنَّبوا … ولم تر إلا مُحرقا أو مُهدِّدا
وآخر مقتولا وإلا مهشَّما … على الطرق مطروحا ونخلا مُجدَّدا
ولكنَّما الخذلان بادٍ عليهمو … ونرجوه أن يبقي دواما مؤبَّدا
стр. 936
والأبيات التالية تصور اقتتال الأعراب مع بعضهم البعض:
وصال بنوا ردَّاد يوما على بني … عليٍّ فأدمى البعض بعضا وجوَّدا
وصرَّع ما بين الفريقين تسعة … وغُلِّبَ ردَّادُ اللعين وشرَّدا
وأجزر يوم السيح أصحاب طيبة … ثمانية منهم فكانوا لهم فدا
فتشاءم الأعراب من وجود هؤلاء الزوار بينهم:
وراحوا بنا مستشئمين وأجمعوا … على أمرهم أن يخرجونا ونطردا
فساروا بنا صبحا إلى نحو طيبة … نؤم بها خير الأنام محمدا
وقدامنا منهم كلاب وخلفنا … تحوم وتبغي نهبة وتصيدا
ولما وصلنا بعد طول مشقة … تشوه منا حالنا وتحرمدا (٢٨٣)
ونكتفي بهذا القدر فقد طال الاقتباس من هذه القصيدة العجيبة التي تصور حالة الأمن في طريق الحج والزيارة أصدق تصوير، وتصفه أبدع وصف في أسلوب هو السهل الممتع، وفي تفصيل دقيق ينقل إلى القارئ صور الأحداث والأشخاص وكأنها من تصاوير الأفلام السينمائية.
وهكذا نرى السيد جعفر البيتي يطالعنا بهذه الصور بعد مائتين وخمسين عاما، فينقل إلينا أحداث التاريخ مصورة أجمل تصوير.
ونكتفي بهذا القدر من الشعر السياسي - إذا صح هذا الوصف - لننتقل إلى فنون أخرى من شعر البيتي.
كتب شخص يدعى يحيى البدين كتابا إلى السيد جعفر البيتي يطالبه فيه بسداد دين له على أبيه فأجابه البيتي بالقصيدة التالية:
стр. 937
يا زمان الهوى وعهد التصابي … إنما أنت من شجون الشباب
ووقوع المشيب في الرأس واشٍ … في خلال الباب والأحباب
فسقى الجزع والكثيب وبانَ المنحنى … والعقيق ساري السحاب
ورعى الله معهدا راجعتنا … فيها أيامَ زينب والرَّباب
ودواعي الوصال وافرة الأسباب … إذ ذاك بالحسان الكعاب
من لِطاف الخُصور فُلج الثنايا … أعْيُنُ العين فتنة الألباب
غانيات الجمال كاملة الأوصاف … في الحسن واضعات النقاب
حبذا هُنَّ من مهًا وغصون … تتثنَّى في عبقري الثياب
بين بانِ النقاوما ضَمِن البان … بسفح النقا ونُزْل العباب
لا خلا سِرْبُها وحيَّاه منا … صيِّبُ الريح دائمُ التسكاب
تتوالى عهاده ويغاديه … نسيم الصبا بتلك الرحاب
ما بعثنا السلام يهدي إلى حضرة … يحيي البدين عالي الجناب
الأعز الأجل عندي قديم العهد … وُدًّا خلاصة الأصحاب
من أتانا منه على وفق ظن … الصدق وُدٌّ ينصُّه في كتاب
زاعمًا بالولاء منه ولا بأس … من ولاء أمرٍ مشاب
يا له من ولاء صدقٍ منوطٍ … بادِّعاءٍ في غاية الاضطراب
يقتضي الوفاء في دين مال … برئت منه ذمتي في الطلاب
وهو في ذمة الذي قد توفى … وقديمًا قد آذنت بخراب
فبأي الوجوه يا أيها الشيخ … تقاضيني بغير الصَّواب
أبمال رأيته فاضَ عندي … من تُراثِ أدركتُ أم باكتساب
كون أن الشريف يصبح بالمال … غنيا أمر عجيب العجاب
فدعاء الكفاف يأبى عليه … سعة الارتزاق من كل باب
стр. 938
فلتكن عاذرا إذا أنا أعرضت ولم ألتفت لذاك الخطاب:
لم أجد للذي سألت جوابا … فرأيت الجواب ترك الجواب
ثم لما كرَّرت في ذاك قولا … في كتاب يحوي جزيل العتاب
وتراءى لك الغنى فيَّ حتى … قد تلقَّيْتُ ذاك من ميزاب
غير أني رأيته منك بشرى … تُرتجى من خزائن الوهَّاب
فأل خير لعله نظر الشيخ … إليه هناك في اسطرلاب
وعلى جملة المقال فأرجو … ذاك من غير هذه الأسباب (٢٨٤)
والأبيات الأولى في صدر القصيدة تذكرنا بشعر الشريف الرضي في الحجازيات التي كان يبدأها بالوصف الجميل، الأمر الذي يدل على أن البيتي كان واسع الاطلاع على شعر الشعراء المجيدين قبله، وكان هذا الاطلاع الواسع من أسباب تمكنه من مقاليد الشعر، وإجادته في فنونه المختلفة، ومن أبرز ما يلاحظ في شعر البيتي هذه السهولة التي تبدو في وصفه للحوادث، وتصويره للمشاعر، سهولة تدخل إلى الأفهام في يسر وهي في نفس الوقت من السهل الممتع الذي لا يقدر عليه إلا الموهوبون.
ضيق حال البيتي:
أما الجزء الثاني من القصيدة فهو إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن البيتي كان يعاني من ضيق مادي لم يتمكن معه من الوفاء بدين أبيه فلجأ إلى الاعتذار كما رأينا بهذا الأسلوب الشعري الجميل وقد وصف البيتي في كتابه الذي نقلناه آنفا حالته هذه فقال:
стр. 939
فقلما تحسن الحال إذا كثر العيال، أو تتصور الراحة، إذا صفرت الواحة، وأخوك قد أساء الزمن إليه وعرض خصلتي الضبع عليه إلى أن يقول:
ما أكسد الأدب الذي ذكرت وأطنبت فيه بما قدرت، وليست سلسلة النسب من حبائل النشب، ولا تنسخ الأدب من فخوخ الذهب ويتساءل:
ماذا حصل للخليل، بالبسيط والطويل، وهل أفطر على الصعيد من بحر المديد؟ إلى آخر خطابه الطويل الشعري المسجوع الذي نقلناه آنفا (٢٨٥).
سعيه لخدمة الملوك ثم زهده في ذلك:
ولقد سعى البيتي بما حباه الله من مواهب الشعر والنثر ليلتحق بخدمة الملوك ثم زهد في ذلك، جاء في صفحة ٦٢ من الديوان:
أعجب ما في أمري أني كنت أحاول في المدة الماضية التعلق بخدمة الملوك لترميم المعاش، وستر العالة، فلما حصَّلتُ، وإلى البعض وصلْتُ، زهدت في ذلك، وبقيت أتطلع لكفاف يوجب العفاف، مع حسن الجوار في ظل سيد الأبرار، وما ذلك على الله بعزيز.
ولعل من نتائج هذا المسعى ذهابه إلى ينبع وتولية وظيفة الأمين بها، والتي وصف أحواله وأحوالها بما نقلناه آنفا.
стр. 940
شعر الغزل:
للبيتي قصائد قليلة في الغزل مثبتة في ديوانه، ولكن هذه القصائد أشبه بالمقطوعات إذا قيست بنفَسه الطويل في القصائد الأخرى وخاصة القصائد السياسية التي تصف أحوال البلاد والعباد، وبقدر ما أجاد البيتي وأطال في الأخرى، نجد شعره في الغزل لا يرقى إلى مستوى شعره في الفنون الأخرى، فهو في رأيي شعر تقليدي يخلو من حرارة العاطفة ووهج المشاعر، بل إننا نجد مطالع وافتتاحيات قصائده الأخرى أجزل ألفاظا وأجمل أسلوبا، ونحن نثبت هنا بعضا من هذا الشعر:
عالجت قلبى على سلوانكم فأبى … وطار شوقا إلى لقياكم وصبا
ونص لي عاذلي كل الملاح فما … مال الفؤاد لهم كلا ولا طربا
يزداد داء جنوني يوم أذكركم شوقا … وتزداد ناري في الهوى لهبا
مسحورُ والله فيكم مستهامُ بكم … سقيمُ مبْتَلى عليَّ الوجد قد غلبا
كونوا كما شئتموا إني وحقكم … قضيت ديْن التصابي كل ما وجبا
يا رحمتاه لمن تبكى عواذله … له وعند الأَحِبَّا الجافلين غبا
سقى لنا بالمصلى عهد مجتمع … ويا رعى الله عصرا معْكُموا ذهبا
أيام أنس ولذَّات ووقت هوى … وطيب وصل قضيناه وحُسْنُ صِبا
ردُّوا فؤادي الذي قَطَّعْتُموا قطعا … عليَّ أو فاجعلوا للملتقى سببا
ثلاثة أيام غبتم عن منازلنا … وإن تزيدوا عليها تسمعون نبا (٢٨٦)
ولعل أجل مقطوعة غزلية في ديوان البيتي هي:
لا نال جسمك من ضناي … ولا عناي ولا ولوعي
يا تاركي بفراقه … لهفان أكْرع من دموعي
стр. 941
سهران مبلى قد يئست … من الكوى ومن الهجوع
يَقْوى عليل السقم من … جسمي بما كنَّت ضلوعي
يا رحمتاه لواله الأكباد … والقلب المروع
متخلِّفا بعد الظعائن … باكيا بين الربوع
يُجرى مديد الدمع في … بحر البسيط وفي السريع (٢٨٧)
وأنا الذي هجت الحمام … على البكا وعلى السُّجوع
متصدع الأكباد … لولا الثوبا أبصرتم صدوعي
وإذا دعا اللاحى فما … أنا بالبصير ولا السميع
أهون بعذل العاذلين إذا … دعوا غير المطيع
يا ناهين القلب هلَّا … كان عندكوا جميعي
هذا النزاع اليكمو … والله من طول النزوع
كانت دروع الصبر تعصمني … فمزَّقتم دروعي (٢٨٨)
ونكتفى بهذا القدر من هذه المقطوعة ونختتم هذه النماذج بالأبيات التالية من مقطوعة أخرى:
يا ساكنين البان رقوا … للشجى المضني المشوق
إن الليالي بعدكم جا … ءت تغصصني بريقي
متلفتا نحو الحمى لا بالأسـ … ـير ولا الطليق
أهوى الشقيق لأجلكم وأحـ … ـنُّ للروض الأنيق
يا راشقي بِرناه يا طعَّـ … ـان بالقدِّ الرشيق
стр. 942
وفِّرْ على رمقي وحنَّ … على معنَّاك الرميق
غرقان في بحر الهوى … بالله خذ بيد الغريق
بارت بضائع لوعتي … فيكم متى تَحْتَظُّ سُوقي (٢٨٩)
وإذا كان لنا من تعليق على شعر البيتي الغزلي فإنه شعر تقليدي عادي لا يرقى إلى مستوى شعره السياسي الذي يتألق فيه ويتجلَّى فلا تملك نفسك معه من الإِعجاب والتأثير.
وصف ديك:
للبيتي قصيدة طريفة في وصف ديك تصلح أن تكون أُنموذجا لشعره الوصفي، كما أنه تعمد فيها تنويع القافية مع الالتزام في كل مقطوعة بالقافية في شطري البيت نثبتها فيما يلي مع المقدمة التي وردت في الديوان عنها يقول البيتي:
كان لنا صاحب من مشايخ عسكر الشريف المرتّبين ببندر الينبع، وكان حسين بن ناصر ريِّس بعض المراكب أخذ منه ديكًا عزيزًا عنده ووعده بعوض عنه، ثم سافر ولم يعوِّضْه، فتأثَّر من ذلك وغضب وحزن حيث مكر به، وبلغني الخبر وأنا إذ ذاك بالمدينة، فكتبت إليه على سبيل المباسطة واسمه الشيخ مسعود بن صبح:
نهدي السلام وجزيل الأدعية … مع التحيات وفرض الأثنية
ووافرات من صنوف التسلية … للشيخ مسعود رَثا وتعزية
مما جرى لديكه العشاري
стр. 943
أبيض يا قوتي العيون أفْرَق … مثل الحمام صادِحٌ مُطَوَّقُ
يعرف عرف الفجر قبل يطرق … يَشُمْ بأنفه وينشق
ويعرف الأوقات في النهار
له اطلاع بدقيقات الفلك … وسير كل كوكب أنَّى سلك
ما قطُّ خَلَّى واجبًا ولا ترك … يصطاد أوقات الزمان في شرك
حرصًا على خدمة أهل الدار
أبلق من أبناء ديك العرش … يسعى على هام بنات نعش
تحسده الغز إذا ما يمشي … وألف غرش فوق ألف غرش
قليلة في الريش والمنقار
أكرم به من أبلج المحيا … ظامي التوالي والصدور ريَّا
كأنما في رِجْلِه الثُّريا … كأنما في عينة الحُمَيَّا
فإنه بالتيه في حُمَّار
له انتهى التحرير والحساب … ودانت الحُسَّاب والكُتَّاب
كأنه في ضبطه الميكاب … كأنه في وزنه اسطرلاب
كأنه جهينة الأخبار
كأنه في صوته مزمار … كأنما في لحنه أوتار
كأنَّ ذاك العُرْف جُلَّنارُ … أو وردة أو أنَّه بَهَارُ (٢٩٠)
أو الشقيق راق للأبصار
إذا تغنَّى بالجِناح يضرب … يمدُّه طورًا وطورًا يَجْذُب
فيصدع القلب هوى ويُطربُ … فهو فقيه شاعر ومُعْرِب
وصدره سفينة الأشعار
стр. 944
ويلٌ لأُمِّ ابن عطا ما فعل … غدوة راح الديك عنه وَرَحَلْ
قد كان أقراه الأذان والعمل … وصَنعة الألحان سيكا ورمل (٢٩١)
وقبله قد كان كالجدار
ويل لمن في ينبع يؤذَّن … من بعده من ذا تراه يُحْسِن؟
ويلٌ على الجيران إن لم يحزنوا … يحقُّ أن تبكي عليه الأعين
وتصبح الأكباد في انفطار
بكى له القلب ولوعًا وانتحب … واستعرت نار الهموم والكُرَبْ
واحربًا لو كان أغناني الحرب … فلا سقيت الغيث يا ريِّسْ حَطَبْ
ودمت طول الدهر في بوار
أخذت ديكًا ما تساوي نعله … ولا توازي ظفره ورجلهْ
ولا رأيت في الطيور مثله … بل أنت أعمى بعده وقبله
تخوض في بحر الضلال الجاري
يا قدم الشوم ويا شوم القدم … ويا محالٌ في الوجود يا عدم
يا نهبة البُوم ويا صَيْد الرَّخَم … يا مسكن القِرْدانِ يا بيت الحَلَم
يا مربض الدب وغار الفار
يا خرجة السكان من مدخله … يا خرقة المركب من أسفله
............................. … يا قصفة تحوي على دَقَّلِه
يا ورطة الغريق في التيار
كم من صنوف حيل أحكمتها … ومن حبال خدعة برمتها
كم من دجاج بعده أيْمتهَا … وكم من فراخٍ عندنا يتَّمْتَها
طارت من الحزن عن الأوكار
стр. 945
يا ابن صبيح لا عداك الأجر … اصبر فيما يصبر إلا الحُرُّ
قد شقَّ والله عليَّ الأمْرُ … في وسط قلبى لا عج وجر
ولا البكا أراه يطفى ناري
فسايِرَ الدهر وكن قلاوي … وأحرص على وظيفة الحِدَّاوى
فإنها من أحسن التداوى … واحذر ولا يخدعك كل حاوى
أتقن فن الدَّك والأسحار
كيف وأنت قدوة العساكر … وشيخهم في الجمع والمحاضر
يميل بك كيد حُسَيْنَ ناصر … ويخطف الديك ولم تبادر
له بماضي سيفك التبار
حكاية ما مثلها حكاية … ولا سمعنا قبلها رواية
قرا عليك رقية وآية … وأطلق البخور في القراية
واستخرج الديك من الوجار
أين العصا كانت وأين البندقهْ … أين غدا الشنكال اين الدرقة
وأين جات العدة المعلقة … ...........................
يسير بالديك ولست داري
والله ما في الديك قط من عَوَرْ … كمثل ما قالوا عليه واشتهر
ولم يكن أدرك نوحا في الكبر … لكن حسين قد تعاطى فعقر
تبًّا له من ماكر غدَّار
لو أنه قبلك كان ديكي … ما كنت أهديه إلى الملوك
فضلا عن الفقير والصعلوك … ولا رضيت فيه باللكوك (٢٩٢)
ولا سمعت سومة التجار
стр. 946
ولو غدا يؤخذ مني غصبًا … لكنت شَهَّبْتُ عليه حربا
أهُزَّ رمحًا وأسُلَّ عُضْبًا … في كل يوم غارة ونهبا
وأكب البُلْقَ لأخذ الثار
أجرُّ رومًا وأجرُّ تُرْكا … وأحبك الجيش عليهم حبكا
خيلًا مع البر وبحرًا فُلْكا … حتى ترى الأرض عليهم ضنكا
وتشرق السماء بالغبار
يا ليتك استفزعت بالمدينة … كيما تجيك السُّرْبَةُ المتينة
ويدحضون الزربة اللعينة … ويجعلون الكلب في القطينة
في الحبس في القلَّةِ في الصَّغَار
ففي البلاد عندنا عساكر … وفي البلاد عندنا قنابر (٢٩٣)
وكل شئ في البلاد حاضر … اشيا واشيا ما لهنَّ آخر
من فضل ربي الواحد القهار
ليتك لو شاورتني قبل العمل … لكنه قد سبق السيف العذل
فقل له حقك هذا يا بطل … علَّقَنَا في شنكل من الحيَلْ
الحكم لله العزيز الباري
وقد أردت أن أجيك منجدًا … مجردًا بكل مهر أجردا
نقيم يومًا في العداة أسودا … ونفتدي الديك بمهما يفتدى
بالسيف والدرهم والدينار
لكن كفانا الله من قتاله … وجاءت البدو إلى نزاله
وقطَّعو المركب مع حباله … وأحدث الريِّس في سرواله
ومزقوا الكرَّان بالشِّفار
стр. 947
وكل هذا من عقوبات الدعا … لما نال سفح الضلوع جزعا
حاق عليه مكره ووقعا … وليس يُجْزَى المرء إلا ما سعى
هذا وفي الأخرى عذاب النار
وكل شئ قد تقضّى ومضى … ولا نسيت الديك حيَّاه الرضى
من بعده ما قط جفنى غمضا … وكلما مَوْهِنُ برقٍ ومضا
بكيته في وهنة الأسحار
أسألُ عنه آيبًا وذاهبًا … وأنشد الشمال والجنايبا
وأسأل الركبان والركائبا … أقول من يعرف منكم غائبا
طارت به أجنحة الأسفار
ديك أخٍ كان له يسلي … يدفع عنه همه ويجلي
يقرن بالواجب ندب النفل … مؤذّن مرجِّعٌ مُصَلِّي
مصدَّرٌ في صحف الأبرار
روى لنا عنه مزايا جمّة … وقال ديكي ذاك كان أُمَّهْ
قد أوعيت إليه كل حكمة … فاق على النحل عطا وقسمه
ويحفظ الصحيح والبخاري
فهل رأيتم في الزمان قبلي … فتى أصيب في الديوك مثلي
راح مُجَلِّي الحَلْبَةِ المُصَلِّى … وهكذا يدرج أهل الفضل
ويذهب الزمان بالأخيار
من بعده صار العشا في المغرب … والشمس قد عادت كمثل الكوكب
وشوشت أوضاع كل الرتب … أعجب ويا لِلَّهِ كل العجب
تحيرت في سيرها الدراري
وما قطعنا الياس منه مرَّة … لأننا نرجو الزمان كَرَّهْ
стр. 948
تكون منه للعيون قرة … وتبدل الأحزان بالمسرةَّ
وتنجلي سحابة الأكدار (٢٩٤)
والقصيدة كما يراها القاريء طويلة، ولكن البيتي تفنن فيها وأبدع أيما إبداع، وهي بنفسها الطويل وتعدد القافية فيها وبالموسيقية التي يختتم بها كل مقطع من مقاطعها تعبر أحسن تعبير عن تمكن الشاعر من ناصبة اللغة، وتذليلها لما يريد في أسلوب سهل جميل، وهي إلى جانب دقة الوصف وحماله يمكن تصنيفها في شعر الفكاهة التي تدخل إلى القلوب في يُسْرٍ فتشيع البهجة في نفس القارئ والسامع بما حوته من الفكاهة والسخر في قالب فني بديع.
شعر الرثاء:
نظم البيتي قصائد كثيرة في الرثاء نختار منها هذه القصيدة التي رثى بها الشريف حمود بن عبد الله بن عمرو الذي توفي بالمدينة كتب بها إلى أخيه أبي طالب بن عبد الله بن عمرو وهي:
نعم إن سرح الصبر جافٍ وحافلُ … وهيهات إن الدمع كاف وكافل
هو الحزن حُزْنا منه حظًّا وأنه … على قدر ما تدعو المصيبة نازل
صروفًا من الأيام، ذَودًا من الأسا … تساق إلينا والقلوب مناهل
قضى ما قضى من طبعه الدهر إنه … على جمعه الضدين عادٍ وعادل
وإنا لأغراضٌ نُصِبْنَ على الشَّفا … ودهرك والأقدار سهم ونابل
فكيف سها عن سيبويه بأننا … أسامٍ وأن الحادثات عوامل
стр. 949
خذوا من لسان الدمع شاهد لوعتي … فكل بليغ بعد دمعي باقل
ولم يبكني إلا السوابغ والظُّبا … وسُمْرُ القنا فيما أرى والحجافل
لَقًى في جفير السِّلْم صونًا من القذا … ويا طالما التفَّتْ عليها القساطل
وللعود والجرد العتاق سوائما … تلوك شكيم الغيظ وهي هوامل
ومن كرم الأخلاق كيف سَنامُها … يبات هزيلًا والرياح ذوابل
وفرقد مجد في سماء رياسة … بدا وهو مع بُرْجِ الشرافة آفل
وإن عقود المكرمات تساقطت … وأضحت وجيد الدهر منهن عاطل
على هالِك شَقَّت عليه جفونها … عيون المعالي فهي أيّم ثاكل
فيا لمصاب في لؤي بن غالب … بنوا عمرو فيهمْ واحدٌ وهو شامل
فليت المنايا كالرجال إذا التقت … يذب الفتي عن نفسه ويناضل
إذن لم يمت صبرًا ولا حتف أنفه … ولم تتكشَّفْ من حمود المقاتل
وأسْرف في أثر الجريرة مسرف … وأذَّن للثارات حق وباطل
فدى لك مني يا حمود من الردى … رقاب القناة والصافنات الصواهل
فدى لك لو أجْدَى الفِدا لتحملت … عليه شعوبٌ جَمَةٌ وقبائل
وكل نفيس بعد ذاك دخرته … ونفسي إن أجدت فإني باذل
وكم لك من طُلَّاب وِتْرِ مهلهل … لو الخصم جَسَّاسٌ وإنك وائل
ولكنَّ ما في الجهد غير الذي تري … نصيري دمعي والتَّصَبُّر خاذل
سلام على أرض البقيع التي انطوت … عليك وشقتها الغيوث الهواطل
من المرسلات الرائجات عَشِيَّةٌ … منائح ضرع المزن فيهنّ حافل
وليًّا على الوسميِّ أنْوا تتابعت … إذا شحَّ منها وابل سَحَّ وابل
رحلت ومن حرصي على العود أنني … أُؤمل في نفسي بأنك قافل
تقدمت في الركب المغذِّين للبِلا … ولكن باقي السفر بعدك راحل
стр. 950
فقابلك الرحمن منه برحمة … وعفو وغفران ونعم المقابل
أبا طالب لا فاتك الصبر إنه … جميل به تنسي الأسى بل تجامل
وكيف سلوٌّ من حزين إذا بدا … له ذاك يومًا ذكَّرته المنازل
وما جزعٌ عند الحليم بنافع … ولا تحت حمل الهم والحزن طائل
لعمرك إنَّا في المصاب لواحد … جميعًا وإن الحزن للكل حاصل
وإن كان صبري ناقصًا وتجلُّدي … فدمعي بإيضاح التلهف كامل
وما حال عهد الود عما عهدته … بَلَى وأَبي لكنَّ جسمي حائل
فلا تبْغ من سجع البلابل في الدُّجى … معينًا فعندي في الفؤاد بلابل
وطائر شجوي بالمراثي مترجم … تطارحه وُرْقَ الرُّبا وتساجل
على القرب أمليك الجوى وإذا نأت … بك الدار يوما فالدموع رسائل
تَعَزَّ ويكفيك العزاء بمن خلا … وراك ويشفيك القرون الأوائل
ومهما تشا فاطلب من الأرض شاهدا … فصيحا فكم فيها مجيب وقائل
إلى الله شأن في الضمير سترته … أروح وأغدوا وهو جاء وجائل
فهمنا عن الأيام سرَّ فعالها … وشتان دارٍ بالأمور وجاهل
تصرِّف من تهوى وتَصْرِف من تشا … وما بين ما تعطي وتأخذ فاصل
خذ الحُكْم من حظ اللئيم فإنه … يفيدك إن الدهر هازٍ وهازل
وإلا فللدنيا مُعَلًّى وناقصٌ … قسيمٌ وللأخرى سفيح وفاضل
صرفنا عنان الاعتراض لأننا … علمنا بأن الله للكل فاعل
فدونك من خدن القريض ظعائنا … يروقك معني حسنها والشمائل
ملاهي ينسين المصاب وإنها … وأعجب ما فيها إليه وسائل
ودمنا لا عدمنا في سلامتك البقا … تُسَرُّ بك الدنيا وتُزْهى المحافل
مدى الدهر ما أنشا وأنشد قائل … نعم إن سرح الصبر جاف وجافل