← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ولو غدا يؤخذ مني غصبًا … لكنت شَهَّبْتُ عليه حربا أهُزَّ رمحًا وأسُلَّ عُضْبًا … في كل يوم غارة ونهبا وأكب البُلْقَ لأخذ الثار أجرُّ رومًا وأجرُّ تُرْكا … وأحبك الجيش عليهم حبكا خيلًا مع البر وبحرًا فُلْكا … حتى ترى الأرض عليهم ضنكا وتشرق السماء بالغبار يا ليتك استفزعت بالمدينة … كيما تجيك السُّرْبَةُ المتينة ويدحضون الزربة اللعينة … ويجعلون الكلب في القطينة في الحبس في القلَّةِ في الصَّغَار ففي البلاد عندنا عساكر … وفي البلاد عندنا قنابر (٢٩٣) وكل شئ في البلاد حاضر … اشيا واشيا ما لهنَّ آخر من فضل ربي الواحد القهار ليتك لو شاورتني قبل العمل … لكنه قد سبق السيف العذل فقل له حقك هذا يا بطل … علَّقَنَا في شنكل من الحيَلْ الحكم لله العزيز الباري وقد أردت أن أجيك منجدًا … مجردًا بكل مهر أجردا نقيم يومًا في العداة أسودا … ونفتدي الديك بمهما يفتدى بالسيف والدرهم والدينار لكن كفانا الله من قتاله … وجاءت البدو إلى نزاله وقطَّعو المركب مع حباله … وأحدث الريِّس في سرواله ومزقوا الكرَّان بالشِّفار

стр. 947

وكل هذا من عقوبات الدعا … لما نال سفح الضلوع جزعا حاق عليه مكره ووقعا … وليس يُجْزَى المرء إلا ما سعى هذا وفي الأخرى عذاب النار وكل شئ قد تقضّى ومضى … ولا نسيت الديك حيَّاه الرضى من بعده ما قط جفنى غمضا … وكلما مَوْهِنُ برقٍ ومضا بكيته في وهنة الأسحار أسألُ عنه آيبًا وذاهبًا … وأنشد الشمال والجنايبا وأسأل الركبان والركائبا … أقول من يعرف منكم غائبا طارت به أجنحة الأسفار ديك أخٍ كان له يسلي … يدفع عنه همه ويجلي يقرن بالواجب ندب النفل … مؤذّن مرجِّعٌ مُصَلِّي مصدَّرٌ في صحف الأبرار روى لنا عنه مزايا جمّة … وقال ديكي ذاك كان أُمَّهْ قد أوعيت إليه كل حكمة … فاق على النحل عطا وقسمه ويحفظ الصحيح والبخاري فهل رأيتم في الزمان قبلي … فتى أصيب في الديوك مثلي راح مُجَلِّي الحَلْبَةِ المُصَلِّى … وهكذا يدرج أهل الفضل ويذهب الزمان بالأخيار من بعده صار العشا في المغرب … والشمس قد عادت كمثل الكوكب وشوشت أوضاع كل الرتب … أعجب ويا لِلَّهِ كل العجب تحيرت في سيرها الدراري وما قطعنا الياس منه مرَّة … لأننا نرجو الزمان كَرَّهْ

стр. 948

تكون منه للعيون قرة … وتبدل الأحزان بالمسرةَّ وتنجلي سحابة الأكدار (٢٩٤) والقصيدة كما يراها القاريء طويلة، ولكن البيتي تفنن فيها وأبدع أيما إبداع، وهي بنفسها الطويل وتعدد القافية فيها وبالموسيقية التي يختتم بها كل مقطع من مقاطعها تعبر أحسن تعبير عن تمكن الشاعر من ناصبة اللغة، وتذليلها لما يريد في أسلوب سهل جميل، وهي إلى جانب دقة الوصف وحماله يمكن تصنيفها في شعر الفكاهة التي تدخل إلى القلوب في يُسْرٍ فتشيع البهجة في نفس القارئ والسامع بما حوته من الفكاهة والسخر في قالب فني بديع. شعر الرثاء: نظم البيتي قصائد كثيرة في الرثاء نختار منها هذه القصيدة التي رثى بها الشريف حمود بن عبد الله بن عمرو الذي توفي بالمدينة كتب بها إلى أخيه أبي طالب بن عبد الله بن عمرو وهي: نعم إن سرح الصبر جافٍ وحافلُ … وهيهات إن الدمع كاف وكافل هو الحزن حُزْنا منه حظًّا وأنه … على قدر ما تدعو المصيبة نازل صروفًا من الأيام، ذَودًا من الأسا … تساق إلينا والقلوب مناهل قضى ما قضى من طبعه الدهر إنه … على جمعه الضدين عادٍ وعادل وإنا لأغراضٌ نُصِبْنَ على الشَّفا … ودهرك والأقدار سهم ونابل فكيف سها عن سيبويه بأننا … أسامٍ وأن الحادثات عوامل

стр. 949

خذوا من لسان الدمع شاهد لوعتي … فكل بليغ بعد دمعي باقل ولم يبكني إلا السوابغ والظُّبا … وسُمْرُ القنا فيما أرى والحجافل لَقًى في جفير السِّلْم صونًا من القذا … ويا طالما التفَّتْ عليها القساطل وللعود والجرد العتاق سوائما … تلوك شكيم الغيظ وهي هوامل ومن كرم الأخلاق كيف سَنامُها … يبات هزيلًا والرياح ذوابل وفرقد مجد في سماء رياسة … بدا وهو مع بُرْجِ الشرافة آفل وإن عقود المكرمات تساقطت … وأضحت وجيد الدهر منهن عاطل على هالِك شَقَّت عليه جفونها … عيون المعالي فهي أيّم ثاكل فيا لمصاب في لؤي بن غالب … بنوا عمرو فيهمْ واحدٌ وهو شامل فليت المنايا كالرجال إذا التقت … يذب الفتي عن نفسه ويناضل إذن لم يمت صبرًا ولا حتف أنفه … ولم تتكشَّفْ من حمود المقاتل وأسْرف في أثر الجريرة مسرف … وأذَّن للثارات حق وباطل فدى لك مني يا حمود من الردى … رقاب القناة والصافنات الصواهل فدى لك لو أجْدَى الفِدا لتحملت … عليه شعوبٌ جَمَةٌ وقبائل وكل نفيس بعد ذاك دخرته … ونفسي إن أجدت فإني باذل وكم لك من طُلَّاب وِتْرِ مهلهل … لو الخصم جَسَّاسٌ وإنك وائل ولكنَّ ما في الجهد غير الذي تري … نصيري دمعي والتَّصَبُّر خاذل سلام على أرض البقيع التي انطوت … عليك وشقتها الغيوث الهواطل من المرسلات الرائجات عَشِيَّةٌ … منائح ضرع المزن فيهنّ حافل وليًّا على الوسميِّ أنْوا تتابعت … إذا شحَّ منها وابل سَحَّ وابل رحلت ومن حرصي على العود أنني … أُؤمل في نفسي بأنك قافل تقدمت في الركب المغذِّين للبِلا … ولكن باقي السفر بعدك راحل

стр. 950

فقابلك الرحمن منه برحمة … وعفو وغفران ونعم المقابل أبا طالب لا فاتك الصبر إنه … جميل به تنسي الأسى بل تجامل وكيف سلوٌّ من حزين إذا بدا … له ذاك يومًا ذكَّرته المنازل وما جزعٌ عند الحليم بنافع … ولا تحت حمل الهم والحزن طائل لعمرك إنَّا في المصاب لواحد … جميعًا وإن الحزن للكل حاصل وإن كان صبري ناقصًا وتجلُّدي … فدمعي بإيضاح التلهف كامل وما حال عهد الود عما عهدته … بَلَى وأَبي لكنَّ جسمي حائل فلا تبْغ من سجع البلابل في الدُّجى … معينًا فعندي في الفؤاد بلابل وطائر شجوي بالمراثي مترجم … تطارحه وُرْقَ الرُّبا وتساجل على القرب أمليك الجوى وإذا نأت … بك الدار يوما فالدموع رسائل تَعَزَّ ويكفيك العزاء بمن خلا … وراك ويشفيك القرون الأوائل ومهما تشا فاطلب من الأرض شاهدا … فصيحا فكم فيها مجيب وقائل إلى الله شأن في الضمير سترته … أروح وأغدوا وهو جاء وجائل فهمنا عن الأيام سرَّ فعالها … وشتان دارٍ بالأمور وجاهل تصرِّف من تهوى وتَصْرِف من تشا … وما بين ما تعطي وتأخذ فاصل خذ الحُكْم من حظ اللئيم فإنه … يفيدك إن الدهر هازٍ وهازل وإلا فللدنيا مُعَلًّى وناقصٌ … قسيمٌ وللأخرى سفيح وفاضل صرفنا عنان الاعتراض لأننا … علمنا بأن الله للكل فاعل فدونك من خدن القريض ظعائنا … يروقك معني حسنها والشمائل ملاهي ينسين المصاب وإنها … وأعجب ما فيها إليه وسائل ودمنا لا عدمنا في سلامتك البقا … تُسَرُّ بك الدنيا وتُزْهى المحافل مدى الدهر ما أنشا وأنشد قائل … نعم إن سرح الصبر جاف وجافل

стр. 951

يقول البيتي عن هذه القصيدة: وقد أنشدت هذه المرثية زين العابدين بن الشيخ سعيد المنوفي فاستحسنها، ثم قال: ليتني كنت الميت وإني رثيت بها ثم مات بعد أيام في سنة ١١٥١ هـ (٢٩٥) يقول البيتي فرثيته والقصيدة من عيون شعر البيتي وقد استوقفني فيها هذه الأبيات: فليت المنايا كالرجال إذا التقت … يذب الفتي عن نفسه ويناضل إذًا لم يمت صبرا ولا حتف أنفه … ولم تتكشف من حمود المقاتل وأسرف في أثر الجريرة مسرف … وأذَّن للثارات حق وباطل يتمنى الشاعر أن تكون المنايا كالرجال، يقابلها المرء وجها لوجه، فيدافع عن نفسه، ويذب عن روحه، لو كان الأمر كذلك لما مات حمود في فراشه حتف أنفه دون أن يستطيع الدفاع عن نفسه، ولما تكشفت مقاتله للموت يسدد إليها سهامه فيصيبه الإصابة القاتلة، ومن هذا المعنى نستخلص أن حمودًا هذا كان من الشجعان الذين تتجلى شجاعتهم في ميادين القتال، وهم يقاتلون الأبطال، ويصاولون الرجال، والمعنى طريف وجديد، ولا أدري إن كان البيتي قد سُبق إليه من فحول الشعراء قبله، أم لم يسبق، ولكنه معنى طريف أجاد البيتي صياغته في هذا الأسلوب البديع. أما القصيدة التي رثى بها البيتي الشيخ زين العابدين الذي أوردنا خبر استحسانه لمرثية البيتي للشريف حمود فهي لا تقل شأوًا عن رثائه

стр. 952

للشريف حمود ومطلعها: دعي عنك هذا الدمع يهمي ويهمل … ولا تذكري السلوى ولا الصبر أجمل (٢٩٦) ولا تندبيني للتأسي ولا العزا … فمن ذوب عزمي في التصبر أغزل ومنها: متى أتَرَقَّى بالنباهة في الوري … وحظي غبيٌ والزمان مُعقِّل أرى زهر الآداب صوَّح نبتُه … وكان على عهدي به وهو مخضل أرى مورد اللذات من كل جانب … تكدَّر حتى ليس في الأرض منهل سلام على الدنيا تحية زاهد … لما ناله منها وما يتحصَّل ومنها وهو معنى جميل يصف صديقه المرثي فيقول: على من ثوى بطن المعالي صيانَةٌ … عن الترب قبرًا أو يواريه جندل على هادم ركنَ المكارم فقدُه … وكان قديمًا وهو للمجد معقل ويصف بلاغة الميت وفصاحته فيقول: على خاطب قُسٌّ إليه بناته … من الفكر ولهانا بها يتغزل على من على سحبان يسحب ذيله … بأحسن ما بنشي وما يترسَّل (٢٩٧) ويصف سداد رأيه وحكمته التي تخرج عليها ملوك الأولين والآخرين:

стр. 953

على مبدع رأيًا سديدًا وحكمة … تخرج سابورٌ عليها وهِرقل (٢٩٨) قعيدة أبناء الملوك موفق … أقر له المهديُّ والمتوكل (٢٩٩) ومن الغريب أن هؤلاء الملوك جميعا قد تقدم بهم الزمان عن زمان زين العابدين الذي يرثيه البيتي، ولكن أعذب الشعر أكذبه كما يقولون. ثم يفخر بشعره فيقول مخاطب أهل المتوفي: عليَّ لكم في حلبة الشعر سابق … أخب به يوم الرهان وأرمل عليَّ لكم أن تَسْتَمِلُّوا قوافيا … يساجلني فيها حبيب وجرول (٣٠٠) عليَّ لكم روض من النظم زاهر … زهير على أبياته يتطفل (٣٠١) والقصيدة كذلك من عيون شعر البيتي وإن اشتملت على المبالغات الكثيرة التي أوردنا طرفًا منها، ونكتفي بما أوردناه عن شعر الرثاء للبيتي، لنقرأ معًا نماذج من شعره في فن آخر. سخرية البيتي: يتميز البيتي بسخرية لاذعة في شعره ونثره المسجوع، وقد كتب إلى عبد الرحمن بن مصطفى السيوري الجداوي الذي مرَّ بمدينة ينبع،

стр. 954

وكان قد أرسله الشريف مسعود بن سعيد ملك مكة المشرفة، فوعد البيتي بإرسال هدية إليه ثم مطل، وأخذ يجدد الوعد مع كل آت إلى ينبع، فكتب إليه البيتي كتابًا طويلًا خلط فيه الشعر بالنثر كعادته في رسائله، نقتطف منه ما يلي: أهدي مزيد سلامٍ ألذُّ من الوصال، في طيف الخيال، وأحلى من الإقبال بالآمال، وأحبُّ من الإِتحاف بالإِسعاف، وأعذب من الورود، على حياض الوعود، وأعشقُ إلى الطالب من حصول المطالب، وأكرم من الغمام بإهداء السلام، أريجًا يَكُمُّه الزهر في أكمامه، ويلمُّه الجيد في نظامه، ويجعله الرحيق من ختامه، ويسهب البيتي كعادته في وصف السيوري هذا فيسبغ عليه من الأوصاف الكثيرة ما تعودناه في رسائله وشعره إلى أن يقول: وبعد فالشوق إنْ تسألْ فإنَّ له … شواهدًا وسؤالي عنك أصدقها وإنَّ في البعد ما ينسى الأخُوَّة … والتسآلُ عنك بلا شك يحققها فكيف أنت وكيف الحال، دمت على … ما كنت أعهد من نعمًا وتُرْزَقُها سوى المودة فيما بيننا فلقد … رأيت منك يدُ السلوى تمزِّقُها وذاك مع طول عهد بالإخاء مضى … عمر الصداقة حتى شاب مفرقها ثم يقول البيتي وهنا تبدأ السخرية العجيبة: جاء في بشير المواعيد، على بريد، فملت إلى النفس أبشرها، وعلى الفرش أنشرها، وإلى الزلاع أنظفها، وعلى القفاع أصفِّفها، واشتغلت باللحية أسرِّحُها، وأهل الحارة أفرِّحها، ثم ذكرت وصول الحبوب في الغبش، فعبيت الخِيَشْ، وقلت ربما يصل التمر في العصر، فأخليت

стр. 955

القصر، ويا ترى تلك البضاعة، تسعها القاعة، أم لابد من توسعة الضيق، لتلك الصناديق، وكيف نُعيِّن الزبون، لافتراض العربون، وتسليم الجمَّال، إذا وصلت تلك الرسالة، ثم أنشدت وأنا أدور، بين الدور: ألا بشرى لجيراني … مع الأصحاب والأهْل فقد جاد لنا المولى … محل الجود والفضل فلابُدَّ لأصحابي … من الإنعام والبذل لهم مني مدى الأيام فضـ … ـل الزاد والأكل وكلٌّ يكتسي مني … على الهيئة والشكل من الفروة للجوخة … للعِمَّة للنَّعْل وأيضًا خِلْعَةٌ أعطي … من الرأس إلى الرِّجْل إلى السَّرْح إلى الرَّحْل … إلى القتب إلى الخَلِّ فسجل يا غلام الخير … خيراتي على الكل ونادى الأهل والجيران … وابعث نحوهم رُسْلِي وخاطبهم إذا اجتمعوا … بدقٍّ الزير والطبل وقل هذي مضايفنا … وهذي قِدرنا. يغلي من اللحم إلى الرُّزِّ … إلى السمن إلى البَقْل وأنواع من الغليِّ … والمَشْوِيِّ والمقلي وأجناس من الزير بـ … ـاج بالمشمش والخلِّ ولا تخرج أضيافي … إلى الشمس من الظل وأما النقد فالحاضر … عامود وفندقلي ومن يطلب زنجرناه … إن شاء بزنجرلي

стр. 956

فدعني ألبس التاج … بهذا المجلس الحفل وإن كنت تنحنحت إنَا يا عبـ … ـد نَعِّمْ لي تراني مقصد الحاجات … ما بعدي ولا قبلي تراني أقتل الأقران يوم … الحرب مَنْ مثلي؟ وإن كنت تريد الحرب … هذا الخيل يا خلي فقل ما شئت في قولـ … ـي وقل ما شئت من فعلي وإن كنت توضَّأت علـ … ـي قصد الثنا صليِّ وصف جودي وصف عودي … وصف سيفي وصف نصلي فهذا الجيش ملآن … من الأعداد كالنمل وهذا الخير مطروح … على الطرقات والسُّبْل بصيتي سارت الرَّكْبُ … من الوعر إلى السهل هنِّي اليوم بالأموال … قد أصبحت درهملي ثم أخذت الإبريق، وملت على الطريق، واستكت واغتسلت، وتوضأت واكتحلت، وتنحنحت وسعلت، وخرجت ودخلت ثم ملت إلى الصندوق، ولَفِّيْتُ القاووق، ولبست الزربفت، من فوق التَّفت، وجلست على تخت التيمور. ويستمر البيتي في هذا الخيال الساخر فيقول: ثم خلعت على العتالين، وقدَّمت أجرة المخزِّنين، سبع سنين، ثم كررت إلى المحبرة، وطالعت الورقة بالنظرة فإذا السكر المكرر قد تسطر، وإذا البز المخزوم، ولطايف الملبوس والمشموم، وتأملت في هامش الكتاب فإذا جراب وفيه الوعد بكل نفيس، وفي ضمن الجميع

стр. 957

كيس، وفيه المنّة بمفاتيح قارون، ومقاليد القُلَل والحصون، والوعد بطلسم الأهرام، وكتاب العهد على اليمن والشام، ولم أجد العهد على الصين، ولا فارس وقزوين، وأرض الدروب وفلسطين فحصل لي العجب العجاب، وقمت إلى الجراب، بعد إغلاق الباب، وقد أذكيت المصباح وفَتَّشْتُ إلى الصباح وإذا كتابان، وقد كتبا بالزعفران، وضُمِّخا بالعبير، ولُفَّا في حرير، وفي الأول ملك خراسان، وتقليد الشحر وعُمان إلى إقليم السودان، وما وراء النهر وعبادان، وإليه جزيرة العرب، وغوطة دمشق وحلب، ولم يزل يُنْعم ويَهَب، ويجئ بالعجب، وفي ذيل المنشور، وتمام السطور، تفضَّل بالأقاليم، وأنعم بتاج العز والتكريم: ثم رتبت دفترا للعطايا … وقسمت البلدان بين الأخلا قلت ذاك الصديق أعطيه صَنْعا … في بني حمير الكرام الأجِلا وعلى فارس صديقٌ وأرض الروم … ثانٍ والهند أُوليه خِلّا حاصل الأمر أن كل محبٍّ … لي على قدر حظه يتولَّى وأنا في السحاب بيتي وتختي … كل يوم إلى السما يتعلَّى واقترضنا في الحال ألفين دينارا … نقضي بها هنالك شغلا واشترينا خمسين عبدًا خصينا … منهموا نصف ذاك إلا أَقَلَّا واستعرنا لهم ثلاثين قاووقا … على رأسهم وللرِّجْلِ نعلا ثم ناديتهم وقلت هلموا … فادخلوا هذه الطوالة قبلا كل شخص منكم حمار يُنَقِّي … ثم شيخ العبيد يركب بغلا وخذوا ذا السلاح سيفًا ورمحًا … ودروعا تسمو وقوسًا ونبلا واعرضوا نَفْسَكُم عليَّ فإني … أشتهي العبد في السلاح المحلّا واقعدوا عند بابنا ثم قولوا … يوم تأتي الحمول أهلا وسهلا

стр. 958

ثم إني أفكرت إن أصبح الخير … علينا ماذا تقدم فعلا قلت حط القماش والبز في المجلـ … ـس واجعل باقي التفاريق سفلا هذه صُفَّةٌ نحطّ عليها المسك أم … هذه بذلك أولى هذه للزبار تحمل قرنـ … ـا هذه يا فلان تأكل رطلا (٣٠٢) ثم يتساءل البيتي بعد كل هذا: يا ترى تحمل المخازن عشرا … من هدايا فضل السيوري أم لا؟ ثم يضرب المندل الذي يستحضر به الجان ليخبروه عن هذه الهدايا التي يحملها السيوري إليه، ولا يكتفي بذلك فيضرب ما يراه في الرمل، وما ينبئه به المندل مستنبئًا (٣٠٣). وبعد أن يصف ما يراه في الرمل، وما ينبئه به المندل يخاطب السيوري قائلًا: يا ذا الذي وعد المعروف ثم مضى … لذاك عمر الأماني والزمان فني ومن على مذهب الحسبان ملَّكَنا … كنوز قارون من مصر إلى عدن إن كان عندك محض الجود تحسبه … أصلًا من الجود أو فرعًا من المنن فعد بحنطة بولاق واتبعها … مع ساحل البنِّ غابات من التُّتُن وافرض بأنك قد قلّدتني عملا … بالهند أجبي صنوف الخَزِّ والقُطُن وولِّني ساحل البحرين أجلبه … بسوق سعدك بازارًا بلا ثمن

стр. 959

وخذ بإيوان كسرى والخورنق … والقصر المشيد وملك الشام واليمن وأعقد لي التاج زعمًا منك واجعلني … على طوائف ذي القرنين في المدن وقل وهبتك ما في الأرض نِعَمٍ … باللحم والجلد والأصواف واللبن ولا تكن خشية الإِنفاق مقتصرًا … ما دام كنزك من وعدٍ وبتَّ غني ثم يقول: الله وعدك مذ عامين أنشدني … أنا المعيدي فاسمع بي ولا ترني خذ من علومي ولا تركن إلى عملي … ولا يغرُّكُ مني خُضْرَةُ الدَّمَن فقلت أَجْرَي عند الله أطلبه … حولين يا وَعْدُ تسقيني وتطعمني من العجائب أبديت الشجاعة في … وعدي وعدت أكلت الخبز بالجُبُن مبالغات من الأقوال نسمعها … لو كُنَّ في البحر ريحًا طرن بالسفن يا ذا الذي جاد في الأحلام لي كرمًا … يهنيك إني قد استغنيت من أذني فلا تكن تقطع التسويف عني في … كتاب ودّك لي في لفظك الحسن حتى أفوز بملك الأرض منك ولا … أرضى بأني في غمدانَ ذو يزن وخذ ثوابك وعدًا مثل وعدك لي … هذا بذاك ولا عتب على الزمن (٣٠٤) والمتأمل في سخرية البيتي يرى أنها تقدم معرضًا من الصور ترسمها ريشة فنان بارع، وتوشيها خيالات شاعر مبدع يبدأ بتهيئة نفسه الاستقبال الهدية التي بُشِّر بها فقام يهيئ نفسه لذلك بإعداد الأماكن التي ستنزل بها حمول الهدايا، وتنظيف المواعين التي ستوضع فيها ثم قام يبشر جيرانه بما سينالهم من هذا الخير القادم عليهم، فتخلع عليهم الكساوى الكاملة من الفروة للجوخة للعِمَّة للنَّعْلِ.

стр. 960

وكما يبشر الجيران والأهل بالكساوي والخلع فهو يبشرهم بالضيافة التي تتكون من: اللحم إلى الرز … إلى السمن إلى البقل ولا يكتفى بذلك فهناك العطايا من النقود: وأما النقد والحاضر … عامودي وفندقلي ومن يطلب زنجرناه … إن شاء بزنجرلي ولعل خبيرا في النقود والمسكوكات يلقي الضوء على النقد العامودي، والفندقلي، والزنجرلي الذي جاء في البيتين، وبعد العطايا والهبات يستعد البيتي للجلوس في هذا المجلس الحافل الذي تتغنى الركبان بجود صاحبه وشجاعته، ثم يلبس البيتي أجمل ما لديه من لباس استعدادا لاستقبال الهدايا القادمة، وينظر بعين الخيال فإذا السكر المكرر قد تسطر، وإذا البز المخزوم، ولطايف الملبوس والمشموم. ويمعن البيتي في خيالاته بل وفي سخريته اللاذعة فيتصور أنه تلقى كتابًا بالولاية على اليمن والشام (ولم أجد العهد على الصين ولا فارس وقزوين وأرض الدروب وفلسطين) فعجب أن تسلخ هذه البلاد من ولايته فيبحث في الجراب فيجد ماذا؟ "وإذا كتابان، قد كتبا بالزعفران، وضُمِّخا بالعبير ولفَّاتِ الحرير، وفي الأول ملك خراسان، وتقليد الشِّحر وعُمان" (إلى إقليم السودان، وما وراء النهر وعبادان، وإليه جزيرة العرب، وغوطة دمشق وحلب).

стр. 961

وبعد أن يطمئن الشاعر إلى أن حكم هذه الدنيا العريضة قد أصبح إليه، أخذ يقسّم الولايات بين أصدقائه وذويه: قلت ذاك الصديق أعطيه صنعًا … في بني حميْرِ الكرام الأجِلّا وعلى فارس صديقٌ وَأَرْضُ الروم ثانِ … والهند أُولِيه خلا حاصل الأمر أن كل محب … لي على حظه يتولى وبما أن هذه الولاية العظيمة تقتضي ما يصلح لها من الخدم والأعوان فقد اقترض البيتي ألفي دينار: واشترينا خمسين عبدًا خصينا … منهمو نصف ذاك إلا أقلا واستعرنا لهم ثلاثين قاووقا … على رأسهم وللرجل نعلا ثم اشترى لهم الدواب: كل شخص منكم حمار ينقي … ثم شيخ العبيد يركب بغلا وخذوا ذا السلاح سيفًا ورمحًا … ودروعا تسمو وقوسًا ونبلا ثم قال للعبيد: واعرضوا نفسكم عليَّ فإني … أشتهي العبد في السلاح المُحَلَّا واقعدوا عند بابنا ثم قولوا … يوم تأتي الحمول أهلا وسهلا وبعد أن يمهد الشاعر لاستقبال الهدايا بكل هذه الصور الرائعة، ثم تبطئ في وصولها يلجأ إلى ضرب الرمل والمندل وصنوف الشعوذة، يتنبأ بها عن الهدايا التي أبطأ وصولها، ثم يتبيَّن في نهاية الأمر أنه كان يعيش منذ عامين في أحلام الوعود الكاذبة فيشبه حال السيوري بحال المعيدي:

стр. 962

الله وعدك مذ عامين أنشدني … أنا المعيديُّ فاسمع بي ولا ترني خذ من علومي ولا تركن إلى عملي … ولا يغرَّك مني خضرة الدَّمن والواقع أن هذه المهزلة التي ضمنها البيتي سخريته اللاذعة من السيوري تصلح بما حوته من مناظر مختلفة، وصور رائعة أن تصاغ في رواية هزلية تمثل على مسرح من المسارح، فقد جمعت كلما يحتاج إليه فن التمثيل من صور وخيالات وحوار، وهي قبل كل شيء، وبعده شاهد عظيم على إبداع البيتي وما يتصف به شعره وأدبه من فنون الإبداع في أداء بارع وخيال جميل. فنون أخرى: عالج البيتي فنون الشعر بأنواعها المختلفة فنظم في الحكمة، ووصف مجالس اللهو والمجون، ونظم في الطب ووصفات الدواء، ومدح وهجا، وكان شاعر المدينة وكاتبها في عصره ونحن نورد هنا نماذج من هذه الفنون نختارها بصورة عفوية لتكتمل للقارئ صورة البيتي في هذه الفنون: شعر الحكمة: لا تستخفَّ بشيء في الورى أبدًا … فالمرء يقتُله ما يستخف به ولا تفرِّط ولا تُفْرِطْ وخذ وسطًا … تنجو بنور الهدى من ظلمة الشُّبَه وقال: تحرك لحفظ الشيء عندك مرة … فإن أنت لم تفعل تحركت أربعا ومن تك قد جرَّبْته فحمَدْتَه … فعضَّ عليه بالنواجذ أجمعا

стр. 963

ولا تتحول عن أخ قد عرفته … لآخر ما جرَّبته تندما معا وما الناس إلا كالدواء فبعضه … كَفَا وشَفَا والبعض آذي وأَوْجعا ودار عدوًا والصديق كنفعه … فمن لم يدارِ المشط ضَنَّ وقطعا وقال: تحفَّظ على أهل الحجي من ذوي التُّقَى … فإن التقى للمتقين ذمام فمن لم تكن فيه مع الله ذمة … فليس له في العالمين (٣٠٥) شعر الهجاء: للبيتي هجاء مقذع لم يتورَّع فيه عن إلصاق التهم القبيحة بمن يوجه إليهم الهجاء، ونقل هنا من الديوان بعض الأبيات من قصيدة بهجو بها رجلا أطلق لسانه بالذمِّ في البيتي ومنها: سمعت عنك حديثًا … لذمِّنا متَضمِّن والكلب ينبح جهرًا … وأنت تنبح مكمن ومنها: من لي بقطع لسانك … وقلع ضرسك والسِّنْ وحلق دقنك نَتْفًا … حتى تقرَّ وتَذْعن والصفع لابُدَّ منه … أعلم بهذا وأيقن ومنها: يا رافضي مُتَخَفِّي … وناصبي مُتَبَيِّنْ تظن أنك تخفي … وأنت جهلك بَيِّنْ

стр. 964

ومنها: إن قلت دَنَّسْت عرضي … فليس عرضك صَيِّن (٣٠٦) والقصيدة طويلة، وقد اخترنا أخف ما فيها: ويقول من قصيدة أخرى: يا ذا الذي قد أقام درسًا … لمثله ليس بالحقيق ويل لوجه عليك صَلْدٍ … أشد من جُرَّةِ الطريق يا قبة الكبر ما رأينا … أوقح من وجهك الصفيق قعدت تروي العلوم جهلا … في زي طَبْلٍ وصوتٍ بُوقِ ومنها: زَلَّ حمار العلوم لما … جلست يا وحل في الطريق فاستر على الجهل لا تدلِّسْ … وتخلط الفحم بالدقيق (٣٠٧) ونكتفي بهذين النموذجين من شعر الهجاء عند البيتي. البيتي يصف شعراء عصره: ونورد هنا وصفًا للبيتي أثبته في ديوانه لشعراء وأدباء عصره وهو مما يدخل في باب الهجاء، ونثبته هنا لطرافته، ولأهميته من الناحية التاريخية:

стр. 965

أدباء هذا الوقت بُلْهٌ … في جلود الأذكياء يتعاظمون نفوسهم … وهمُ أدَقُّ من الهباء لو صُوِّرت أشعارهم … ما جئن إلا كالنساء فعقولهم فصل الخريف … وشعرهم فصل الشتاء جمع الركاكة والبرودة … في نسيب كالعزاء مرضُ المسامع والفؤاد … كأنه زمن الوباء تخشى على الممدوح يقضي … فيه من برد الثناء يا غربة الآداب ضاعت بـ … بين أظهر هؤلاء (٣٠٨) وتشبيه النسيب بالعزاء في وصف برودة الشعر تشبيه دقيق رغم قسوته، أما تشبيه هذا الشعر الركيك البارد بالوباء فهو تشبيه جيد، نستطيع أن نستعيره من البيتي لنطلقه على هذا الهراء الذي تفيض به الصحف والمجلات الأدبية مما يسمونه شعر الحداثة، وقد خلا من موسيقية الشعر، كما خلا من جمال المعنى وحسن الأداء فما أشبه الليلة البارحة. البيتي شاعر المدينة في عصره: اشتهر البيتي في عصره بإبداعه في الشعر وتبريزه في النشر، فكان شاعر زمانه في المدينة المنورة يلجأ إليه الكبراء وغيرهم في كتابة الرسائل إلى الملوك والعظماء، والإخوان والأصدقاء، وقد أثبت البيتي في ديوانه صورًا لهذه الرسائل التي تجمع غالبًا بين الشعر والنثر المسجوع، وهو أمر يدل على اعتراف أهل المدينة في عصره بإمامته في الشعر والنثر فكان

стр. 966

لسان عصره في المدينة، وربما في الحجاز، فقد نعته المترجمون بأنه متنبي الحجاز، أو كاد أن يكون كالمتنبي (٣٠٩)، فقد أثبتنا بعض مطولاته التي أرسلت للشريف مسعود ملك مكة المكرمة على لسان أهل المدينة في شأن الفتنة التي وقعت عام ١١٤٨ هـ (٣١٠). كما أثبتنا القصيدة التي كتب بها على لسان بعض السادة العلويين يصف ما وقع عليهم من الأعراب وهم في طريقهم لزيارة المدينة المنورة (٣١١) والديوان حافل بهذه الرسائل التي يعتبر بعضها إلى جانب البراعة الشعرية وحسن البيان تسجيلا تاريخيًّا لأحوال المدينة السياسية والاجتماعية في عصره، وقد أسلفنا الحديث عن هذا الأمر، ولم تقتصر رسائل البيتي على الأحداث السياسية في عصره وإنما كان مقصودًا من الناس لكتابة الرسائل إلى الكبراء في قضاء حاجاتهم، فهناك قصيدة أثبتها البيتي في ديوانه وقدم لها بما يلي: وسأل مني أحمد ريحان الجداوي أن أكتب له مكتوبًا إلى حضرة المرحوم السيد عبد الله أسعد زاده مفتي المدينة المنورة سابقًا ومضمون ذلك التماس شيء من فواضله (٣١٢) وأمثال هذه الرسائل يحفل بها الديوان كما أسلفنا وقد أبدع البيتي فيها كعادته أيما إبداع. خلاصة الرأي في أدب البيتي: نستطيع أن نوجز الرأي في أدب البيتي أنه كان تعبيرًا صادقًا

стр. 967

وجميلًا عن الحياة في عصره من شتى جوانبها السياسية والاجتماعية، وأن قارئ الديوان والمتأمل فيه يخرج منه بتصور إن لم يكن كاملًا فهو شبه كامل لأحداث هذا العصر سياسية واجتماعية، ونستطيع أن نلخص هذه الأحداث السياسية أنها كانت مضطربة أشد اضطراب. فقد وصف البيتي هذه الأحداث حينما عمل بينبع أمينًا المخازن الغلال فقدم لنا صورة عن حالة الأمن المضطرب وتسلط الأعراب من البدو على مدينة ينبع ومحاصرتهم لها في بعض الأحيان، كما صور أحوال النهب والسلب السائدة في ذلك الزمان، وإهمال العثمانيين معالجة هذه الأمور بما يجب لها من الحزم والعزم، كما صور الحياة الاجتماعية في ينبع فوصف الأحوال الصحية وتسلط الحشرات في أسلوب يجمع بين الجد والهزل ولكنه يعطي صورة لما كانت عليه أحوال ينبع الصحية والاجتماعية في ذلك الزمان. أما بالنسبة للمدينة فديوان البيتي يصور لنا المدينة المنورة وهي موزعة ممزقة بين تسلط الأغوات - الخصيان - الذين كانوا يتولون مشيخة الحرام في المدينة المنورة، والذين كانوا يَسْتَعْدُونَ الأعراب على أهل المدينة. ويتحالفون مع مشايخ قبيلة حرب الذين يهرعون بأتْباعهم من البدو إلى محاصرة المدينة والذين لم يتورعوا عن تحويل المسجد النبوي الشريف إلى ما يشبه الثكنة العسكرية تتكدس فيها الذخائر والأسلحة وتستعمل المنائر لإطلاق النار منها على خصومهم من أهل المدينة، كما تسجل قصائد البيتي ما بلغه هؤلاء الأعراب من القوة والبأس حينما انتصروا على القوة التي أرسلها الشريف مسعود أمير مكة المكرمة فدحروها في رابغ، كما تصور لنا قصائد البيتي ورسائله الإهمال الفظيع الذي كانت تلقاه المدينة من الحكام العثمانيين، والذين تركوا مشايخ الحرم من - الأغوات - الخصيان

стр. 968

يعيثون فسادًا فيها، فلم يقدموا على إصلاح الأوضاع التي عمت الشكوى منها بل كان هؤلاء الأغوات لسابق خدمتهم في بيوت السلاطين يجدون دائمًا العون والنصير لباطلهم، حتى انتهى بهم الأمر إلى قتل السيد عبد الكريم البرزنجي وإلقاء جثمانه بجوار مسجد الشافعي بجدة حيث سمي المكان الذي ألقي فيه جثمانه - المظلوم - إشارة إلى الظلم العظيم الذي وقع على هذا العالم الجليل. وفي ديوان البيتي يستشف القارئ ملامح الحياة الاجتماعية في المدينة المنورة، يرى هذه الملامح في فنون كثيرة من شعر البيتي يحفل بها ديوانه يصف بها مجالس اللهو، إن لم تكن صادقة كل الصدق لأن فيها من مبالغات الشعراء، فإن الناقد البصير يستطيع أن يستخرج منها الصورة الأقرب إلى الصدق دون عناء، وقد عالج البيتي في ديوانه فنونًا كثيرة لا تمت إلى الشعر بصلة مثل وصف الأدوية للأمراض البسيطة التي كانت في مجتمع المدينة، كما وصف صناعة المربيات وغيرها مما لا يدخل في باب الشعر، ولكن قدرة البيتي على النظم طوعت له اللغة ليصف كل هذه الأمور، ومنها يستطيع القارئ المتأمل تصور جوانب طريفة من الحياة الاجتماعية لأهل المدينة في ذلك الزمان. رحم الله السيد جعفر محمد البيتي، فلقد كان شاعرًا عظيمًا في زمانه وبعد زمانه فأفدنا من ديوانه بعد مرور أكثر من مائتين وخمسين عامًا هذه الفائدة العظمى التي عرفنا بها أحوال المدن الحجازية في ذلك الزمان السحيق. * * *

стр. 969

أَعْلامُ الحجَاز في القرن الرابِع عَشْر للهجرة وبَعض القرون الماضية

стр. 970

الشيخ حسن محمد المشاط

стр. 971

الشيخ حَسَن مُحَمَّد المشاط وصفه: طويل القامة في غير إسراف، معتدل الجسم، شديد الاسمرار، واسع العينين، أقنى الأنف، مسبل اللحية والعارضين، يرتدي الملابس الحجازية البيضاء، ويشمل هذا البياض الثوب والجبة الواسعة، ويلف على رأسه عمامة بيضاء لا يحتفل بإتقان لفاتها، وإنما يكوّرها في بساطة محببة، تلمح في وجهه علائم الذكاء والنبل، وفي سيمائه وحركاته إشارات البساطة والزهد. مولده ونشأته: ولد بمكة المكرمة في ٣ شوال سنة ١٣١٧ هـ، وفي السابعة من عمره التحق بالكتَّاب لقراءة القرآن وتجويده وتعلم مبادئ الكتابة والإِملاء والحساب، فقرأ القرآن الكريم وجوَّده على الشيخ محمد السُّنَّاري والشيخ عبد الله حمدوه السُّنَّاري وتعلم الخط وحسَّنه والإِملاء والحساب على السيد علي حسن الليثي - رحمهم الله تعالى - (٣١٣)، والتحق بالمدرسة الصولنية بمكة في عام ١٣٢٩ هـ التي أسسها الشيخ العثماني ﵀ بمكة في سنة ١٢٩٢ هـ (٣١٤) وحصل على شهادة منها

стр. 972

في غرة محرم سنة ١٣٣٦ هـ، وطلبت إليه إدارة المدرسة الانضمام إلى هيئة التدريس بها فأصبح من مدرسيها (٣١٥)، ولم يكتف الشاب حسن المشاط بما تعلَّمه في المدرسة الصولتية، ولكنه كان يترقب العُلماء الوافدين إلى مكة المكرمة فيأخذ عنهم، طيلة إقامتهم في البلد الحرام. يقول عن نفسه: قدم العلامة الشيخ حمدان بن سيدي حمد الجزائري الونيسي القسنطينى مكة المشرفة حاجا عام ١٣٣٧ هـ، وتشرفت بالاجتماع به وقرأت عليه من أول مختصر خليل بمكة وبمنى أيام الحج وبعد النزول، ومكث بها إلى نهاية ذي الحجة ومحرم الحرام، وانتفعت منه الشئ الكثير (٣١٦). وهذا الحرص من طالب العلم إن دلَّ على شئ فإنما يدل على الرغبة الشديدة في الطلب، فهو يواصل الطلب حتى في أيام التشريق بمنى، لا يصرفه عن ذلك ما يصرف غيره من انشغال بأداء المناسك، وإنما هو يضع هَمَّه كله في تحقيق الغاية التي يسعى إليها فيذلل الصعاب، ويتحمل المشاق ليبلغ ما يريد. ويروي قصة تلقيه العلم من عالم آخر هو الشيخ محمد عبد الله زيدان الذي توطن المدينة ثم غادرها خلال الحرب العالمية الأولى

стр. 973

عام ١٣٣٣ هـ فسافر إلى الشام والأردن ثم رجع إلى مكة عام ١٣٣٤ هـ فيقول: اجتمعت به، وتشرفت ولازمته أكثر من غيرى، لأنه كان يبتعد عن الناس، ويركن إلى الخلوة، كنت فارغا ليس لي شغل إلا العلم، فكنت آتيه داره في الصباح إلى قرب الزوال، كنت أستعمل معه شيئًا من السياسة فأغيب اليوم واليومين لئلا يشعر أني اتخذت هذا عادة، بل كان في بعض الأوقات لا يأذن لي بالدخول فأرجع، ثم أعود وأزعجه في كثرة التردد، فإني إذا لم أظفر صباحا لا أتركه مساءًا، حتى قال لي يوما وهو على فراشه طريحا، أو قلت له كيف حالك يا سيدي؟ قال لي: لا روح فيَّ، يقول الشيخ حسن المشاط: كنت شابًّا لا أفهم معنى ذلك - غفر الله لي - إنما همتى وغايتى العلم، فآخذ بيده وأقيمه ليجلس، وأسلم عليه وأباسطه - والله يغفر لي - (٣١٧). وهذه القصة وأمثالها تذكرنا بما كان يتحمله طلبة العلم من مشايخهم، فقد كان طلبة العلم يقفون على باب الإمام مالك بن أنس وهو في العقيق خارج المدينة فيأذن لهم أو يمنعهم، وهكذا كان حسن المشاط طالب العلم يتحمل الصدَّ من شيخه عبد الله زيدان، فإن منعه الدخول في الصباح عاد إليه في المساء، وإن كان مريضًا طريحًا أقعده

стр. 974

وأقامه وباسطه وروَّح عنه حتى يتلقى عنه، وهذا الإِلحاح في الطلب، والجدُّ فيه يدل على أن نفس الشاب حسن المشاط وقد أشربت حب العلم، فاندفع بكليته يسلك السبيل الذي يوصله لتحقيق الغاية التي يسعى إليها، والتي وضعها نصب عينيه. وقد تلقى العلم على الشيخ عبد الرحمن دهان والشيخ عيسى رواس من علماء مكة المكرمة، وكما اتصلت أسبابه بأسباب الشيخين حمدان الونيسى ومحمد عبد الله زيدان فقد اتصلت أسبابه كذلك بالسيد محمد عبد الحى الكتابي، وهو من كبر علماء الحديث في زمانه، وكذلك بالشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي والشيخ عمر حمدان المحروسى والشيخ محمد الخضر بن مايابي الجكنى وتلقَّى عليهم وأخذ إجازاتهم، حتى استوى مدرِّسا له حلقة بالمسجد الحرام (٣١٨) وكان يحرص على التدريس في هذه الحلقة أكثر من حرصه على أي شئ آخر، لا تشغله عن ذلك المشاغل الخاصة أو العامة، وكان لا ينقطع عن التدريس في المسجد الحرام في أيام المواسم التي يشتد فيها الزحام ولم يكن يتقاضى على التدريس في المسجد الحرام أيَّ راتب أو مكافأة مصرًّا على أن يكون عمله هذا حسبة لوجه الله تعالى. وهذا الذي نقلناه عن مذكرات الشيخ حسن المشاط مما كتبه صديقنا العالم المحقق الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان يذكرني بقصة أخبرني بها الشيخ محمد المشاط والد الشيخ حسن المشاط قال لي:

стр. 975

حينما كان ابني حسن وهو بكر أولادي جنينا في بطن أمه نذرته للحرم، كان الشيخ محمد المشاط يدعو الله تعالى أن يكون الجنين ولدا ذكرا يربيه ويعلمه حتى ينشأ عالما يقف حياته على خدمة الحرم، ولقد استجاب الله دعوة هذا الرجل الطيب فاستقبل ميلاد ابنه البكر وهو ملئ القلب بالشكر لله تعالى أن حقق الله رجاءه وأجاب دعاءه فنشأ ابنه حسنا على حب العلم فكانت حياته كلها ما بين متعلم ومعلِّم، وكانت صلته بالمسجد الحرام عميقة وشديدة، ففى رحاب المسجد الحرام تلقى العلم، وفي هذه الرحاب المطهرة المقدسة عقدت له حلقة التدريس فتخرج على يديه الكثير من الرجال الذين أصبحت لهم حلقات للتدريس في المسجد الحرام، والذين قام بعضهم بتأسيس المدارس لا في مكة المكرمة وحدها وإنما في أندونيسيا وماليزيا، وقد أورد الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان تراجم مختصرة لتلاميذ الشيخ حسن مشاط منها ما يعطى صورة مصغرة عن هذا العمل الطيب الذي باركه الله تعالى فكان كالنبتة الطيبة تغرس في الأرض فتؤتي أكلها بإذن الله تعالى ثمارًا جنيَّة شهية يقول الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان: من الصعب جدًا حصر الطلاب الذين تلقوا العلم على يد فضيلة الشيخ المشاط فقد تخرج بفضيلته أعداد كبيرة تسنَّموا مناصب علمية كبيرة في الجزيرة العربية والأقطار الإسلامية فمن هؤلاء بالحرمين الشريفين: العلامة الفقيه السيد محسن بن السيد علي المساوى المدرس بالمدرسة الصوليتية، ومؤسس دار العلوم الدينية بمكة المكرمة عام ١٣٥٣ هـ.

стр. 976

الشيخ محمد عبد الكريم السنَّاري مدير المعهد العلمي للمعلمين بالمدينة المنورة، ووكيل مدير التعليم بالمدينة المنورة سابقا والمتوفي بها عام ١٤٠٥ هـ. ومنهم الشيخ زكريا بن عبد الله بيلا المدرس بالمسجد الحرام وعضو إدارة الحرم المكي وصاحب التآليف الدينية، وكذلك الشيخ علي بكر سليمان الكنوي المدرس بالحرم المكي وبكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى والمتوفي عام ١٣٩٩ هـ. والشيخ ياسين بن عيسى الفاداني المكي المدرس بالمسجد الحرام ومدير مدرسة دار العلوم الدينية والشيخ عبد الله أحمد دردوم من كبار علماء الحرمين الشريفين، والشيخ الشريف طاهر بن محمد المغربي الإدريسي. والشيخ عثمان بن محمد سعيد تنكل المدرس بالمدرسة الصولتية .. ومقري مكة الشهير الشيخ زين عبد الله باويان. وقد أورد الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان تراجم مختصرة لكل هؤلاء السادة الأفاضل عدَّد فيها مؤلفاتهم، ومآثرهم فليرجع إليها من شاء الاستزادة (٣١٩). وقد كان للشيخ حسن مشاط تلاميذه من آل المبارك في الأحساء، وقد عَدَّد الدكتور إبراهيم أبو سليمان أسماءهم كما ذكر أسماء آخر المتخرجين على يدي فضيلته، منهم: الدكتور السيد محمد علوي مالكي، والدكتور عبد الوهاب أبو سليمان نفسه وكثيرون لا يتسع المقام

стр. 977

لذكرهم جميعا، فليس المراد في هذه الترجمة الاستقصاء وإنما المراد هو التمثيل للتدليل. ولكنَّ أعظم ما استوقف نظري وأثار اهتمامي ما ذكره الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان جزاه الله خيرًا عن تلاميذ الشيخ في أندونسيا وماليزيا ونجتزيء منه ما يلي: يقول الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان: يأتي في مقدمة هؤلاء العلامة الفاضل المجاهد الذي وهب نفسه وحياته لنشر الدعوة الإسلامية الشيخ محمد زين الدين الأنمفتاني مؤسس نهضة الوطن وفروعها وصاحب المؤلفات البديعة يقول الشيخ زين الدين عن تأسيس هذه المدارس: بعد أن منَّ الله تعالى لإتمام الدروس والدراسة بالمدرسة الصوليتية ذات الاحترام عام ١٣٢٥ هـ رجعنا إلى أرض الوطن أندونسيا سنة ١٣٥٤ هـ بإذنٍ من الشيخ الإمام حسن محمد المشاط، وكان دائما كعادته الحسنة يبسط يد الإرشاد والتوجيه بالمثابرة على نشر العلم، وبثِّ محاسن الأخلاق والدين بين الأخوة الإيمانية والإنسانية فبحسن توجيهاته أسَّسْنا أول وأقدم مدرسة دينية بجزيرتنا: أنفتان لومبوك: نوساتنغار الغربية، من جزائر أندونسيا سميناها بمدرسة نهضة الوطن الدينية الإسلامية سنة ١٣٥٦ هـ الموافقة لسنة ١٩٣٧ هـ، وفي عام ١٣٦٢ هـ. تأسست مدرسة نهضة البنات الدينية الإسلامية، ومن المدرستين تفرعت مدارس جمعية نهضة الوطن، فهما كآدم وحواء بجزيرتنا وما حولها، والآن فروعها أربعمائة مدرسة ما بين دينية وابتدائية، وثانوية وعالية ومعلمين ومعلمات، وكليات ومعاهد دار القرآن والحديث.

стр. 978

يقول الشيخ محمد زين: ونحن على يقين من أن هذا الإنتشار الهائل السريع كله - بفضل الله تعالى - ثم بركة ترادف دعوات شيخنا وإمامنا وحسن إرشاداته وجميل توجيهاته. وأريد أن أقف مع القاريء قليلا لنتأمل نتائج هذا العمل الطيب الذي وضعت بذرته الأولى في رحاب البيت الحرام، ثم انتقلت إلى غرب أندونسيا بعيدا عن مكة المكرمة آلاف الأميال لتُغْرس في أرضها الطيبة أربعمائة مدرسة تعكف على تعليم أبناء وبنات المسلمين في تلك الديار فتحتضنهم من الابتدائية إلى الكليات والمعاهد العالية المتخصصة، وهذا العمل الطيب ليس الأول من نوعه، فإن صلة البلاد الإسلامية وخاصة بلاد الشرق الإسلامي بمكة المكرمة، وعلمائها قديمة، ولقد أنشئت المدرسة الصوليتية بمكة لتعليم أبناء مسلمي الهند فيها فإذا أتموا تعليمهم عادوا إلى بلادهم لينشروا فيها العلم، ويقاوموا فيها التبشير المسيحي الذي يهدد أبناء المسلمين وبناتهم (٣٢٠) أما بالنسبة لبلاد أندونسيا وماليزيا فإن الأندونسيين يرسلون أبناءهم لتلقي العلم فيها على يد علماء مكة المكرمة، كما كنا نرسل أبناءنا إلى مصر ولبنان في الماضي، وكما نرسلهم إلى أمريكا وأوربا في الوقت الحاضر لتلقي العلم هناك، كان الأندونسيون يرسلون أبناءهم لتلقي العلم على يد العُلماء في المسجد الحرام، وكان هؤلاء العُلماء يرعون هؤلاء التلاميذ الرعاية الأبوية الكاملة، ولا تزال بعض الأسر المكية تقوم بهذا العمل الطيب لرعاية الطلبة الأندونسيين

стр. 979

وتعليمهم، وتَفَقُّد شئونهم حتى يُتمُّوا تعليمهم، مثل أسرة اليماني، والمالكي وغيرهم من علماء مكة المكرمة، وبعضهم يخصص لهم الأماكن في منازلهم للمعيشة فيها ويتولون السهر على شئونهم جزاهم الله خير الجزاء، ولقد قام الشيخ أحمد حسن المشاط نجل الشيخ حسن المشاط بما كان يقوم به والده الكريم من رعاية لهؤلاء التلاميذ واهتمام بشئونهم جزاه الله خير الجزاء. وما أذكره في هذا الصدد أن سائقًا أندونسيا كان يعمل عندي في منزلي بجدة وكان هذا قبل أكثر من ثلث قرن، وكنت مسرورا من عمله فقد كان يجمع بين الأمانة والنشاط وهؤلاء الأندونسيون مشهورون بالأمانة والنظافة، انقطع هذا السائق عن العمل فجأة دون إنذار، وكنت في عجب من أمر انقطاعه فلم يحدث ما ولا منه ما يوجب هذا الانقطاع، وطال انقطاعه أياما ثم علمت أن أباه حضر من أندونسيا حينما علم أنه انقطع عن الدراسة في مكة وانتقل للعمل في مدينة جدة، كان هذا الأب قد أرسل ابنه إلى مكة لتلقي العلم في المسجد الحرام والعودة إلى أندونسيا للاشتغال بالعلم والتعليم ولكن هذا الابن لسبب أو لآخر آثر العمل على العلم، وما أن علم الأب بذلك حتى حضر إلى الحجاز ليعيد ابنه إلى جادة الصَّواب، وكان هذا الابن خائفا من بطش والده به أشدَّ الخوف كما علمت. وقد أورد الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان أسماء أعلام الرجال الذين تلقوا العلم على يد الشيخ حسن المشاط كما وردت في الرسالة الخاصة التي تلقاها من الشيخ محمد زين الدين عبد الحميد الانفتاني والتي يقول فيها:

стр. 980

أما الآخذون منه والمنتسبون إليه فكثير جدًّا لا نحصيهم كثرةً منهم: الشيخ عبد الحليم مدير المدارس المصطفوية بتفانولي - سومطرا - وفضيلة الشيخ زين العابدين زعيم جمعية نهضة العُلماء، وعميد الجامعة الحكومية سابقًا بفلمبان سومطرا، وفضيلة الشيخ عثمان مقام الآشي بالشئون الدينية، وفضيلة المرحوم الشيخ عدنان لوبيس أحد أركان الجمعية الوصلية بميدان، وفضيلة الشيخ عبد الرحمن زعيم نهضة العُلماء بميدان، وفضيلة الشيخ محمود مؤسس جمعية الاتحاد بميدان. ونكتفي بما ذكرنا للتدليل على انتشار تلاميذ الشيخ المشاط في أندونسيا وتأسيسهم المدارس وتبوئهم المراكز الدينية العالية، ومن أراد الاستقصاء فليرجع إلى الترجمة القيمة التي كتبها الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان للشيخ المشاط (٣٢١) فليس الغرض هنا الاستقصاء وإنما التدليل والتمثيل كما أسلفنا والله الموفق. وظائفه: عمل الشيخ حسن المشاط بالتعليم في المدرسة الصوليتة بعد تخرجه منها كما أسلفنا، واحتفظ بعمله مدرسا فيها لمدة ثلاثين عاما، ولم يمنعه عمله بالمحاكم الشرعية من مواصلة عمله في التدريس فيه وفي المسجد الحرام، ولم يكن الشيخ حسن المشاط راغبًا في الوظائف الحكومية وإنما كانت همته متجهة إلى نشر العلم ولكنه فوجئ بصدور

стр. 981

الأمر الملكي بتعيينه عضوا في هيئة التمييز التي تشكلت عام ١٣٦١ هـ برئاسة الشيخ محمد بن مانع وصدر الأمر بحل هيئة التمييز بعد ثلاث سنوات من تشكيلها، وشرعت الحكومة في تعيين أعضاء هذه الهيئة في الوظائف الحكومية الأخرى، ورأى الشيخ حسن المشاط أن الفرصة قد حانت للتخلص من الوظائف الحكومية فحزم أمره وسافر إلى السودان ومصر وسوريا ولبنان وطرابلس ثم عاد إلى مصر مرة أخرى ليعود منها إلى مكة المكرمة. ولكن الوظائف الحكومية التي كان يهرب منها، لم تكن لتهرب منه فعين في عام ١٣٦٥ هـ وكيلا لرئيس المحكمة الشرعية الكبرى بمكة المكرمة والتي كان يرأسها السيد زكي البرزنجي، وبقي في هذا العمل عامين، ثم عين عضوا رسميا في المحكمة الشرعية بمكة، وكل هذه الوظائف لم تمنعه من مواصلة التدريس في المدرسة الصولتية، يقول الشيخ حسن المشاط: ولم يمنعني ذلك من مواصلة التدريس بالصولتية صباحا أيام الصيف، وبعد الظهر إذا خرجت من الوظيفة أيام الشتاء. وفي عام ١٣٧٢ هـ صدر أمر جلالة الملك سعود بتعيينه عضوا في مجلس الشورى، فكان سروره عظيما إذ ظن في ذلك الخلاص من وظائف القضاء، ولكن الفرحة لم تتم فقد طالب الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ رئيس القضاة بعودته إلى القضاء لأن المجال القضائي في حاجة إلى خبراته، كتب سماحة الشيخ رئيس القضاة بذلك إلى ولي الأمر فصدر الأمر بإعادته إلى القضاء فعيِّن على غير رغبة منه معاونا الرئيس المحكمة الشرعية الكبرى.

стр. 982

يقول الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان: كان الشيخ حسن المشاط ﵀ يحلم بالتخلص من القضاء، وتحت إلحاحه الشديدة جاءت الموافقة على طلب استقالته منه في العاشر من شهر شوال عام ١٣٧٥ هـ فسعد بها، وانقطع للعلم وطلابه، وقد عبَّر عن مشاعره في التخلص من القضاء بقوله: وكان يوم قبول استقالتي من العمل الحكومي الذي حمدت الله عليه أسعد يوم طلعت عليه الشمس (٣٢٢). أقول: إن كره الشيخ حسن المشاط لوظائف القضاء ليس غريبا على من كان في مثل طباعه، فقد وهب نفسه للعلم والتعليم، ولقد سبق الشيخ المشاط إلى العزوف عن المناصب وعن وظائف القضاء خاصة الكثير من أئمة الفقهاء فقد عرض الخليفة هارون الرشيد على الإمام الشافعي القضاء في أيِّ مكان يريد، أو الولاية لأيِّ قطر يختار، ولكن الشافعي استأذن الرشيد في أن يتفرغ للعلم، وأن يعود إلى مكة ليعيش بين أهله من قريش ولنشر ما تعلَّمه بين الناس فأذن له الرشيد (٣٢٣). وعرض الخليفة المنصور على فقيه مصر الإمام الليث بن سعد ولاية مصر فاعتذر قائلا: يا أمير المؤمنين إني أضْعَف من ذلك، إني رجل من الموالي، وأدرك المنصور زهده في المناصب فقال ما بك من ضعف معي،

стр. 983

ولكن ضعفت نيّتك في العمل عن ذلك لي، ثم أردف لقد أعجبتني، أكثر الله في الرعية من أمثالك (٣٢٤). أما الإمام أبو حنيفة فقد لقى العذاب إصراره على رفض منصب القضاء، عرض عليه الأمويون منصب القاضي فرفضه فسجنوه، وعذَّبوه في السجن، وعرض عليه العباسيون منصب قاضي القضاة، فأبي وتمسَّك بالتفرغ للعلم، قالوا له: إنه قد حصل من العلم ما يجعله في غني فردَّ عليهم قائلا: من ظن أنه يستغني عن العلم فليبك على نفسه (٣٢٥). وسأل أحد الخلفاء العباسيين أبا حنيفة عن أسباب رفضه لولاية القضاء أو أن يكون مفتيا للدولة، يرجع إليه القضاء فيما يصعب عليهم القضاء فيه فقال أبو حنيفة يجيب الخليفة: والله ما أنا بمأمون الرضا، فكيف أكون مأمون الغضب، ولو اتجه الحكم عليك ثم هدَّدتني أن تغرقني في الفرات أو الحكم عليك لاخترت أن أغرق، ثم قال أبو حنيفة ثم إن تلك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك فلا أصلح لذلك. وأمر الخليفة بحبسه وبضربه بالسياط حتى يقبل منصب قاضي قضاة بغداد ولكنه أصرَّ على الرفض فسجن وعُذِّب وضرب بالسياط ولكنه أصر على رفض المنصب وأخرج من السجن وهو يعاني سكرات الموت، فلم يستطع الجلوس بعدها للناس (٣٢٦).

стр. 984

والحديث في هذا الباب طويل، والذي أريد أن أخلص إليه أن الشيخ حسن المشاط حينما يرغب عن مناصب القضاء، إنما كان يقتدي بأئمة الفقهاء من قبله. حكم قضائي عجيب: يقول الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان: كان له - الشيخ حسن المشاط - في القضاء مواقف واجتهادات ولعل أبرزها حكمه في القضية رقم ٣٢٨ عام ١٣٦٨ هـ بالمحكمة الشرعية الكبرى بمكة وخلاصة هذه القضية كما أوردها الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان كما يلي: طلَّق رجل زوجته وهي حامل منه باعترافه، وكان يؤدي لها نفقة الحمل حتى أتَّمت سنةً من حملها ولم تلد فارتاب الزوج في انغشاش الحمل وقطع عنها النفقة، وكانت المرأة متأكّدة من أن جنينها في بطنها فردت كل من تقدم للزواج منها، وبعد خمس سنين وتسعة أشهر وضعت الزوجة ولدًا، فأنكره الزوج، وأقام الدعوى ضد زوجته السابقة، وكان القاضي الذي ينظر في هذه القضية هو الشيخ حسن المشاط، فأصدر حكمه بإثبات نسب الولد إلى الزوج، ولكن الزوج لم يقتنع بالحكم فاعترض عليه ورفع شكواه إلى جلالة الملك عبد العزيز ﵀ فأمر جلالته بتأليف لجنة من العُلماء برئاسة الشيخ محمد بن مانع للنظر في هذه القضية، وكان غالب أعضاء هذه اللجنة يخالفونه الرأي وكان هو مقتنعة بصحة حكمه ومصرًّا عليه، ورفع الأمر إلى جلالة الملك عبد العزيز فأحال القضية إلى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية في ذلك الزمان لدراستها وإبداء الرأي الفصل فيها.

стр. 985

وقد أيَّد مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم رأي القاضي الشيخ حسن المشاط في ثبوت نسب الولد إلى أبيه، وقد أثبت الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان حيثيات الحكم التي وردت من مفتي الديار السعودية ونوجزها هنا فيما يلي: إن مسألة مدة الحمل هي موضوع اختلاف بين العُلماء ولم يحصل إجماع على تحديد مدة معينة لأدنى الحمْل وأقصاه، وقد ثبت أن مدة الحمل لدى بعض النساء سنتان وبعضها أربع سنوات، كما ثبت وجود حالات حمل استمرت ثلاث سنين وخمس سنين وسبع سنين، وقد احتج كثيرٌ من العُلماء في تلك القضايا بالحالات التي ثبتت لدى العُلماء في زمانها وعلى هذا فلا يجوز تحديد مدة الحمل بأجل معين، والأصح هو عدم التحديد لأن المرأة التي تتجاوز مدة الحمل الطبيعي وهو تسع شهور إلى عامين مثلا أو إلى ثلاث يجوز أن يركد الجنين في بطنها إلى أكثر من ذلك، ويقول سماحة مفتي الديار السعودية في ختام حكمه: ولم نجد في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله ﷺ لتحديد أكثر مدة الحمل بأربع سنين حجة بل الكتاب والسنة يشهدان بنقيض ذلك، فإنهما قد أُطْلِقا ولم يحدِّدا أكثر مدة الحمل فمن حدَّد أكثر مدته فقد قصد إلى تقييد ما أطلقه الله تعالى ورسوله ﷺ بغير حجة شرعية تصلح لتقييد ذلك المطلق. ونكتفي بما اجترأناه من حيثيات الحكم في هذه القضية العجيبة، خشية الإطالة والإملال، ومن أراد الاستزادة فليرجع إليها مفصلة
следующие страницы →