كلامه تعاقب، وقد اتفقت العلماء على أنه يتولى١ الحساب بين خلقه يوم القيامة في حالة واحدة، وعند كل واحد منهم أن المخاطب في الحال هو وحده٢، وهذا خلاف التعاقب, انتهى كلام أبي نصر.
стр. 107
كلام ابن قدامة في مسألة التجزؤ والتعدد
قال الموفق: قولهم: "إن القديم لا يتجزأ ولا يتعدد" غير صحيح, فإن أسماءه معدودة، قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ ٣, وقال ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا, من أحصاها دخل الجنة" ٤, وهي قديمة,
стр. 108
نص الشافعي وأحمد على قدم أسماء الله تعالى .
وقد نص الشافعي على أن أسماء الله تعالى غير مخلوقة.
وقال أحمد: "من قال إن أسماء الله مخلوقة فقد كفر".
стр. 109
أقوال السلف في علم الكلام والبدع والأهواء
وكذا كتب الله تعالى، فإن التوراة والإنجيل والزبور والفرقان متعددة، وهي كلامه٥ تعالى غير مخلوق، وإنما هذا أخذوه علم الكلام، وهو مُطَّرَحٌ٦ عند جميع الأئمة.
قال أبو يوسف٧: من طلب العلم بالكلام تزندق٨.
стр. 110
وقال الشافعي: "ما ارتدى بالكلام أحد فأفلح"١.
وقال أحمد: "ما أحب أحد الكلام, فكان عاقبته إلى خير".
وقال ابن خويز منداد المالكي٢: البدع عند مالك وأصحابه، هي:
كتب الكلام, والتنجيم، وشبه ذلك، لا يصح إجارتها، ولا تقبل شهادة أهله.
стр. 111
رد الحافظ أبي نصر على شبهة: أن الصوت والحرف إذا ثبتا في الكلام اقتضيا عدداً, والله واحد من كل جهة, وأدلته في ذلك .
قال الحافظ أبو نصر: فإن قيل: الصوت والحرف إذا ثبتا في الكلام اقتضيا عددًا٣، والله واحد من كل جهة.
قيل لهم: اعتماد أهل الحق في هذه الأبواب على السمع، وقد ورد السمع بأن القرآن ذو عدد، وأقر المسلمون بأنه كلام الله تعالى حقيقة لا مجازًا٤، وهو صفته، وقد عد الأشعري صفات الله تعالى سبعة عشر صفة، وبيَّن أن منها ما لا يعلم إلا بالسمع، وإذا جاز أن يوصف بصفات معدودة, لم يلزمنا بدخول العدد في الحروف شيء, انتهى كلام أبي نصر.
стр. 112
كلام الإمام موفق الدين ابن قدامة في إثبات الحرف والصوت في كلام الله وأدلته في ذلك .
قال الشيخ الموفق فى الاستدلال٥: إن الله تعالى كلم موسى ﷺ ، ويكلِّم المؤمنين يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ ٧، وقال تعالى:
стр. 113
﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ ١, وأجمعنا على أن موسى ﷺ ، سمع كلام الله تعالى من الله، لا من ذات الشجرة، ولا من حجر، ولا من غيره؛ لأنه لو سمع من غير الله تعالى، كان بنو إسرائيل أفضل في ذلك [منه] ٢؛ لأنهم سمعوا من أفضل ممن سمع منه موسي، لكونهم سمعوا من موسى، فلم سمي إذن٣ كليم الرحمن؟.
وإذا ثبت هذا، لم يكن الكلام الذي سمعه موسى إلا صوتًا وحرفًا، فإنه ٤ لو كان معنى في النفس، لم يكن ذلك تكليمًا لموسى، ولا هو شيء يسمع، ولا يسمى مناداة٥.
فإن قالوا: نحن لا نسميه صوتًا مع كونه مسموعًا.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن هذا مخالفة في اللفظ مع الموافقة في المعنى، فإنا لا نعني بالصوت إلا ما كان مسموعًا.
ثانيهما: أن لفظ الصوت قد جاءت به الأخبار والآثار٦، والنزاع إنما هو في أن الله تعالى تكلم بحرف وصوت٧، أم لا؟
فمذهب أهل السنة اتباع ما ورد في الكتاب والسنة, انتهى كلام الشيخ الموفق٨.
стр. 114
رد الحافظ ابن حجر على قول البيهقي في كلام الله
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: قال البيهقي١: "الكلام ما ينطق به المتكلم, وهو مستقر في نفسه، كما في كلام عمر في قصة السقيفة٢، فإن كان المتكلم ذا مخارج سمع كلامه ذا حروف وأصوات، وإن كان غير ذي مخارج، فهو خلاف ذلك، والباري بخلاف ذلكو فلا يكون كلامه كذلك".
وأول ما ورد في حديث: "أن الملائكة يسمعون صوتًا"، باحتمال أن يكون الصوت للسماء، أو للملك الآتي بالوحي، أو لأجنحة الملائكة، وإذا احتمل ذلك لم يكن نصًّا في المسألة.
قال ابن حجر في رده: "وهذا حاصل الكلام في نفي الصوت من الأئمة، ويلزم منه أنه تعالى لم يسمع أحدًا من الملائكة، ولا من رسله كلامه، بل ألهمهم إياه".
وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين؛ لأنها الذي٣ عهدنا، وهي ذات مخارج، ولا يخفى ما فيه، إذ الصوت قد يكون من غير مخارج، كما أن الرؤية قد تكون من غير اتصال أشعة، سلمنا٤، لكن يمنع القياس المذكور، وصفة الخالق لا تقاس على صفة المخلوق، وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث٥ الصحيحة، وجب الإيمان به٦.
стр. 115
وقال في الفتح أيضًا: قوله ﷺ : "ثم يناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قرب" ١ حمله بعض الأئمة على مجاز الحذف، أي "يأمر من ينادي"، فاستبعده من أثبت الصوت، بأن في قوله: "يسمعه من بعد" إشارة إلى أنه ليس من المخلوقات؛ لأنه لم يعهد مثل هذا فيهم, وبأن الملائكة إذا سمعوه صعقوا، وإذا سمع بعضهم بعضًا لم يصعقوا, قال: فعلى هذا, فصوته صفة من صفات ذاته، لا يشبه صوت غيره، إذ ليس يوجد شيء من صفاته في صفات المخلوقين, قال: وهكذا قرره المصنف -يعني البخاري- في كتابه خلق الافعال٢. انتهى.
стр. 116
حد الصوت ٣
وحد الصوت ما تحقق سماعه، فكل متحقق سماعه صوت، وكل ما لا يتأتى سماعه ليس بصوت، وصحة الحد كونه مطردًا منعكسًا٤، وقول من قال: إن الصوت هو الخارج من هواء بين جرمين, فغير صحيح، لما يوجد سماع الصوت من غير ذلك، كتسبيح٥ الأحجار، وتسبيح الطعام، وتسبيح الجبال٦، وشهادة الأيدي، والأرجل٧, وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ٨ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ
стр. 117
مَزِيْدٍ﴾ ١ وما لشيء من ذلك من انخراق بين جرمين.
وقد أقر الأشعري أن السموات والأرض قالتا: ﴿أتينا طائعين﴾ ٢ حقيقة لا مجازًا٣.
стр. 118
فصل ثانٍ: في المسألة المشهورة بمسألة اللفظ .
...
فصل ثانٍ: في المسألة المشهورة المسماة بمسالة اللفظ:
قال الشيخ شهاب الدين ابن حجر في فتح الباري في كتاب التوحيد في باب قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ ٤, [البقرة: ٢٢]
стр. 119
شدة إنكار الإمام أحمد على القائل بأن لفظه بالقرآن مخلوق
ما ملخصه: "واشتد إنكار الإمام أحمد, ومن تبعه على من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، ويقال: أول من قاله الحسين بن علي الكرابيسي٥، أحد أصحاب الشافعي، فلما بلغه٦ ذلك بدعه وهجره، ثم قال بذلك داود بن علي الأصبهاني٧، رأس الظاهرية، وهو يومئذ بنيسابور، فأنكر عليه إسحاق٨،
стр. 120
تبديع الإمام أحمد للكرابيسي؛ لأجل مسألة اللفظ .
وبلغ ذلك أحمد، فلما قدم بغداد لم يأذن له في الدخول عليه، وجمع ابن أبي حاتم١ أسماء من أطلق على اللفظ٢، أنهم جهمية، فبلغوا عددًا كثيرًا، وأفرد لذلك بابًا في كتابه: الرد على الجهمية.
والذي يتحصل من كلام المحققين، أنهم أرادوا حسم المادة [صونًا] ٣ للقرآن أن يوصف بكونه مخلوقًا، وإذا حُقِّقَ الأمر عليهم؛ لم يفصح أحد منهم بأن حركة لسانه٤ قديمة.
стр. 121
عدم قبول الإمام أحمد الاجتماع بداود الظاهري؛ لأجل قوله باللفظ .
...
إنكار الإمام أحمد على من نقل عنه: لفظي بالقرآن غير مخلوق
وأنكر أحمد على من نقل عنه أنه قال: "لفظي بالقرآن غير مخلوق"٥. كما أنكر على من قال: "لفظي بالقرآن مخلوق"٦, وقال: "القرآن كيف تصرف غير مخلوق".
ولما ابتلي بمن يقول: القرآن مخلوق٧, كان أكثر كلامه في الرد.
стр. 122
عليهم، حتى بالغ١، فأنكر على من يتوقف, في يقول: مخلوق, ولا يقول: غير مخلوق, وعلى من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ لئلا يتذرع بذلك من يقول: القرآن بلفظي [مخلوق] ٢.
стр. 123
ابتلاء البخاري بمن يقول: أصوات العباد غير مخلوقة، ومبالغته في الرد عليهم
وأما البخاري: فابتلي بمن يقول: أصوات العباد غير مخلوقة٣، حتى بالغ بعضهم, فقال: والمداد والورق بعد الكتابة٤, فكان أكثر كلامه في
стр. 124
"١١/أ" عليهم, وبالغ في الاستدلال بأن أفعال العباد كلها مخلوقة بالآيات والأحاديث في ذلك, مع أن قول من قال: "إن الذي يُسمع من القارئ هو الصوت القديم", لا يعرف عن السلف, ولا قاله أحمد, ولا أصحابه, وإنما سبب نسبة ذلك لأحمد قوله: "من قال: لفظي بالقرآن مخلوق, فهو جهمي", فظنوا أنه سوى بين اللفظ والصوت, بل صرح في مواضع بأن الصوت المسموع من القارئ, هو صوت القارئ١, والفرق بينهما أن اللفظ يضاف إلى المتكلم به ابتداء, فيقال عمن روى الحديث بلفظه: هذا لفظه, ولمن رواه بغير لفظه: هذا معناه, ولا يقال في شيء من ذلك: هذا صوته, فإن القرآن كلام الله, ومعناه: ليس هو كلام غيره, أما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ٢, فاختلف فيه, هل المراد جبريل, أو الرسول عليهما الصلاة والسلام؟ , والمراد به التبليغ؛ لأن جبريل مبلغ عن الله تعالى إلى رسوله, والرسول ﷺ إلى الناس, ولم يُنقَل عن أحمد أنه قال: فعل العبد قديم, ولا صوته٣, إنما ينكر إطلاق اللفظ.
وصرح البخاري بأن أصوات العباد مخلوقة, وأن أحمد لا يخالفه في ذلك, ولكن أهل العلم كرهوا التنقيب عن الأشياء الغامضة, وتجتنبوا الخوض فيها والتنازع, إلا بما بينه الرسول ﵊.
ومن شدة اللبس في هذه المسألة, كثر نهي السلف عن الخوض فيها, واستغنوا بالاعتقاد أن القرآن كلام الله غير مخلوق, ولم يزيدوا على ذلك
стр. 125
شيئًا، وهو أسلم الأقوال١، وبالله المستعان٢.
стр. 126
تتمات
التتمة الاولى
...
تتمات:
الأولى:
نقل السعد٣ في كلامه على عقائد النسفي٤، من نسبة الحنابلة إلى أنهم قالوا: إن كلامه عرض من جنس الأصوات والحروف [و] ٥, مع ذلك قديم٦.
وفي محل آخر٧: أن المؤلف من الأصوات والحروف قديم، ونسبهم إلى الجهل والعناد, أيضًا ما ينسبه بعض الناس للحنابلة، من أنهم يقولون بقدم الورق والجلد٨ والمداد.
стр. 127
فالجواب عن ذلك: أن ما نسب إليهم من هذه المقالات لا أصل له في كلام أحد منهم، ولو كان له أصل لعثر عليه، وكيف يتأتى من أحد منهم القول به، مع أنهم في أعلى طبقات الورع في تتبع مذهب١ إمامهم، واعتقادهم مذهب السلف، واتباع السنة، وكيف يظن بأحد منهم أنه حرف شيئًا ونسبه إلى إمامه، مع أن هذا الظن لا يجوز بأحد من المسلمين، فضلًا عن هؤلاء السادة.
فإن قيل: لعل ما نقل من كتبهم مدسوس عليهم.
فالجواب: أن فتح هذا الباب بدعة شنيعة؛ لأن المطلوب٢ ناقل٣ صحيح النقل، يكون كتابه مقابل على أصل صحيح٤.
"١١/ب" وأيضًا، يتطرق هذا الظن في بقية كتب المسلمين، على أن معظم ما اعتمدنا فيما نقلناه من أصولنا وفروعنا متصل في جميع الأعصار، من زمن الإمام أحمد إلى زمننا، متواتر نقله جمع عن جمع.
стр. 128
التتمة الثانية
...
الثانية:
قال الحافظ ابن حجر: "والذي استقر عليه قول الأشعري٥، أن القرآن كلام الله غير مخلوق، مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، قال تعالى ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٦، وفي الحديث: "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو كراهة أن يناله العدو" ٧.
стр. 129
وليس المراد ما في الصدور، بل ما في المصحف، وأجمع السلف على أن الذي بين الدفتين كلام الله تعالى١.
قال صاحب المواقف٢ في أثناء خطبته: "وقرآنًا قديمًا ذا غايات ومواقف، محفوظًا في القلوب، مقروءًا٣ بالألسن, مكتوبًا في المصاحف"٤.
وقال السيد الشريف٥ في شرحه٦: وَصَفَ القرآن بالقدم، ثم صرح بما يدل على أنه هذه العبارات المنظمومة، كما هو مذهب السلف، حيث [قالوا] ٧: "إن الحفظ والقراءة والكتابة حادثة، لكن متعلقًا، أعني: المحفوظ والمقروء قديم".
وما يتوهم من أن ترتيب الكلمات والحروف، وعروض الانتهاء، والوقف، مما يدل على الحدوث, فباطل؛ لأن ذلك لقصور في آلات القارئ، وأما [ما] ٩ اشتهر عن الشيخ أبي الحسن الأشعري، رحمه الله تعالى: من أن القديم معنى قائم بذاته تعالى، قد عبر منها١٠ بهذه العبارات الحادثة.
стр. 130
فقد قيل: إنه غلط من الناقل، منشؤة اشتراك لفظ المعنى بين ما يقابل اللفظ، وبين ما يقوم بغيره، ويزداد وضوحًا فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
قال [] ١: واعلم أن للمصنف مقالة مفردة٢ في تحقيق٣ كلام الله تعالى، على وفق ما أشار إليه في خطبة الكتاب، ومحصولها: أن لفظ المعنى تارة يطلق على مدلول اللفظ، وأخرى على الأمر القائم بالغير، فالشيخ الأشعري [لما] ٧٤ قال: الكلام هو المعنى النفسي, فهم الأصحاب منه أن مراده مدلولات٥ اللفظ وحده٦، وهو القديم عنده، وأما العبارات, فإنما تسمى كلامًا مجازًا؛ لدلالتها على ما هو كلام حقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ حادثة على مذهبه أيضًا, لكنها ليست كلامه حقيقة٧.
وهذا الذي فهموه من كلام الشيخ، له لوازم٨ كثيرة فاسدة، كعدم إكفار من أنكر كلامية ما بين دفتي المصحف، مع أنه عُلِمَ من الدين ضرورة كونه كلام الله حقيقة، "وعدم كون"٩ المعارضة والتحدي بكلام الله تعالى الحقيقي، كعدم كون القروء المحفوظ كلامه حقيقة، إلى غير ذلك مما لا
стр. 131
يخفى على المتفطن في الأحكام الدينية، فوجب حمل كلام الشيخ على أنه أراد [به] ١ المعنى الثاني، فيكون الكلام النفسي عنده أمرًا شاملًا للفظ والمعنى٢جميعًا، قائمًا بذاته تعالى، وهو مكتوب في المصاحف، مقروء بالألسن، محفوظ في الصدور، وهو غير الكتابة, والقراءة, والحفظ, الحادثة, وما يقال من أن الحروف والألفاظ مرتبة متعاقبة، فجوابه: إن ذلك الترتيب٣ إنما هو في التلفظ؛ بسبب عدم مساعدة الآلة، فالتلفظ حادث، والأدلة الدالة على الحدوث يجب حملها على حدوثه٤ دون حدوث الملفوظ، جمعًا بين الأدلة، وهذا الذي ذكرناه, وإن كان مخالفًا لما عليه متأخرو أصحابنا، إلا أنه بعد التأمل تعرف حقيقته, تم كلامه٥.
وهذا الحمل لكلام الشيخ٦، هو [مما] ٧ اختاره محمد الشهرستاني٨، في كتابه المسمى "بنهاية الإقدام"٩، ولا شبهة في أنه أقرب إلى الأحكام الظاهرة المنسوبة إلى قواعد الملة, انتهى١٠.
стр. 132
فالذي ظهر من عبارة ابن حجر العسقلاني, وشرح المواقف, موافقة الشيخ الأشعري للإمام أحمد في مسالة الكلام, وما روي عنه مخالف لذلك, فهو غلط من الناقل, منشؤه ما سبق, وقد أتى التاج [ابن] السبكي٢ في الطبقات٣ بأصرح من ذلك, فقال في ترجمة الأشعري: وما قيل: إن مذهبه أن القرآن لم يكن بين الدفتين, ليس القرآن في المصحف, ونَقْلُ ذلك عنه, فهو شنيع فظيع, وتلبس على العوام, فإن الأشعري وكل مسلم غير مبتدع يقول: إن القرآن كلام الله, وهو على الحقيقة مكتوب في المصاحف, لا على المجاز, ومن قال: إن القرآن ليس في المصاحف, على هذا الإطلاق, فهو مخطئ, بل القرآن مكتوب في المصحف, وهو قديم غير مخلوق, لم يزل سبحانه متكلمًا, ولا يزال به قائمًا, ولا يجوز انفصال القرآن عن ذات الله تعالى, ولا الحلول٣ في المحال, وكون الكلام مكتوب على الحقيقة في الكتاب, لا يقتضي حلوله فيه, لا انفصاله عن ذوات المتكلم, قال الله تعالى: ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ ٤, فالنبي صلى االله عليه وسلم في التوراة والإنجيل مكتوب على الحقيقة, وكذلك القرآن على الحقيقة مكتوب في المصاحف, محفوظ في قلوب المؤمنين, مقروء متلوٌّ على الحقيقة بألسنة القارئين من المسلمين, كما أن الله تعالى على الحقيقة لا على المجاز؛ معبود في مساجدنا, ومعلوم في قلوبنا, مذكور في ألسنتنا, وهذا واضح بحمد الله, ومن زاغ عن هذه الطريقة, فهو قدري معتزلي, يقول بخلق القرآن, وأنه حالٌّ في المصاحف نظير ما قالوا: إنه لما سمع موسى, ﵊ كلامه, خلق كلامه في الشجرة, وهذه من فظائع ٥المعتزلة, التى لايخفي فسادها على
محصل٥. إنتهى [ابن] السبكي.
стр. 133
وما قيل: إن منكر كلامية ما بين الدفتين, إنما يكفر إذا قال: من المخترعات البشرية، وأما إذا اعتقد أنه من مبتدعات الله، ودالٌّ على ما هو كلامه حقيقة، أو قائم بذاته، ولكنه ليس صفة قائمة بذاته تعالى, فلا يكفر أصلًا، فخلاف الظاهر من حيث إن الشارع٢ يحكم بكفر منكره حالًا, من "١٢/ب" غير استفسار له عن مراده، فإنَّ نفي هذا الإطلاق خلاف ما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وخلاف [ما] ٣ دل عليه الشرع، والعقل، كما نقله الشيخ تقي الدين الفتوحي٤.
стр. 134
التتمة الثالثة
...
التتمة الثالث:
قد نقل عن الملا عبد الرحمن الجامي٥، في كتابه "الدرة الفاخرة" المسماة بحط رحلك، ما يشير إلى الخلاف بين من يقول: إن الكلام هو الحروف والأصوات، ومن يقول: إن الكلام النفسي القائم بذاته
стр. 135
تعالى لفظي، فقال: واعلم١ أن ها هنا قياسين متعارضين.
أحدهما: أن كلام الله [تعالى] ٢صفة له، وكل ما هو صفة له, فهو قديم، فكلامه قديم٣.
وثانيهما: أن كلام الله مؤلف من أجزاء مترتبة متعاقبة [في الرجود] ٤، وكل ما هو كذلك, فهو حادث، [فكلام الله سبحانه حادث] ٥.
فافترق المسلمون أربع فرق:
فرقتان منهم ذهبوا إلى صحة القياس الأول، وقدحت واحدة منهما في صغرى٦ القياس الثاني، وقدحت الأخرى في كبراه.
وفرقتان أخريان ذهبوا إلى صحة القياس الثاني، وقدحوا في إحدىمقدمتي الأول.
ثم ذكر كيفية قدحهم باعتبار مذاهبهم، فمن أراد ذلك, فليراجعه٧.
ثم قال٨: وفي الفتوحات المكية: إن المفهوم من كون القرن حروفًا أمران:
الأمر الواحد: المسمى: قولًا وكلامًا ولفظًا.
والأمر الآخر: يسمى: كتابًا ورقمًا وخطًا.
стр. 136
والقرآن يخط له١ حروف الرقم، وينطق به، فله حروف اللفظ، فلم٢ يرجع إلى كونه حروفًا منطوقًا بها؟ , وهى كلام٣ الله الذي هو صفة له, أو للمترجم عنه.
فاعلم: أنه قد أخبرنا نبيه ﷺ : "أنه سبحانه يتجلى في القيامة بصور مختلفة، فيُعرَف ويُنْكَر" ٤، فمن كانت حقيقته تقبل هذا التجلي، لا يبعد أن يكون الكلام بالحروف المتلفظة المسماة كلام الله لبعض تلك الصور، كما يليق بجلاله.
وقال أيضًا بعد كلام طويل٥: فإذا تحققت ما قررنا، ثبت أن كلام [الله] ٦ هو هذا المتلوُّ المسموع المتلفظ به المسمى قرآنًا، وتوراة، وزبورًا, وإنجيلًا٧, انتهى كلام الشيخ "الأكبر"٨.
فالذي ٩ ظهر منه، أن الكلام الذي هو صفته سبحانه ليس سوى إفادته وإفاضته مكنونات علم على من يريد إكرامه١٠، وأن الكتب المنزلة المنطوقة
стр. 137
من حروف وكلمات كالقرآن وأمثاله, أيضًا كلامه١؛ لأنها من بعض صور تلك الإفادة والإفاضة، ظهرت بتوسط العلم والإرادة والقدرة في البرزخ الجامع بين الغيب والشهادة، بمعنى عالم المثال, من بعض مجاليه ٢ الصور المثالية، كما يليق به سبحانه، فالقياسان المذكوران في صدر البحث ليسا "١٣/أ" بمتعارضين في الحقيقة، فالمراد بالكلام في القياس الأول: الصفة القائمة بذاته, وفي الثاني: ما ظهر في البرزخ من بعض المجالي الإلهية٣، والاختلاف الواقع بين فرق المسلمين يشعر بعدم الفرق بين الكلامين، والله أعلم٤.
стр. 138
التتمة الرابعة:
فإن قلت: قد قدمت فيما نقلته عن الشيخ الموفق من كلام السلف في ذم الاشتغال بعلم الكلام، ونراك قد ألفت فيه، فالجواب أن المذموم منه ما كان غير مأخوذ من كتاب ولا سنة، بل كان بمحض الأقيسة، فقد قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه رسول الله، ﷺ ، واتباع القرآن، وليس في السنة٥ قياس٦، ولا
стр. 139
تضرب بها الأمثال، ولا تدرك بالعقول،-أو قال: بالمعقول-, ولا بالأهواء، إنما هو الاتباع وترك الهوى"١ انتهى.
فعلى هذا, إن كل من اشتغل ببيان ما جاء عن السلف، ولم يؤول, ولم يعطل، ولم يشبه، ولم يستعمل الأقيسة، وآراء الرجال المزخرفة بالأقوال، لا يقال: إنه اشتغل بالمذموم من علم المكلام، فقد قال عمر بن عبد العزيز٢ كلامًا معناه: "قف حيث وقف قوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر ناقد٣كفوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى٤، وبالفضل - لو كان فيها- أحرى، فلئن حدث بعدهم رأي, فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، وقد صفوا٥, فجنوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، لقد قصر عنهم قوم وضعوا٦، وتجاوزهم آخرون فغلوا٧، وإنهم فيها بين ذلك لعلي هدًى٨" ولهذا قال مالك لما سئل عن
стр. 140
الاستواء١: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
стр. 141
التتمةالخامسة:
قد ذكر بعض الحنابلة في عقيدته أن الشيخ الأشعري رحمه الله تعالى، معتقد ومؤتم وموافق لأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، في اعتقاده الموافق لاعتقاد السلف، من حيث إجرؤاه المتشابه على ما قاله الله من غير تصرف، فقال رحمه الله تعالى ما نصه: "وأما أحمد بن حنبل وأصحابه منهم أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم، صاحب الطريقة المنسوبة إليه: فصل٢, في إبانة قول الحق والسنة"٣، فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والروافض، المرجئة، فعرفونا قولكم الذي تقولون، وديانتكم التي٤ تدينون.
قيل له: قولنا الذي نقول به، وديننا الذي٥ ندين الله٦ به، التمسك بكتاب ربنا، وسنة نبينا، وما روي عن الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما يقول أبو عبد الله أحمد بن حنبل- نصر الله وجهه, ورفع درجته, وأجزل مثوبته- قائلون، ولمن خالف قوله مخالفون؛ لأنه
стр. 142
الإمام١ الفاضل، والرئيس٢ الكامل، الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفخم٣.
وجملة قولنا بأنَّا نقر بالله٤، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبما جاءوا به من عنده، وبما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، ولا نرد من ذلك شيئًا، وأن الله استوى على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥، ونقول فيما اختلفنا فيه بالرد إلى كتاب ربنا، وسنة نبينا، وإجماع المسلمين.
فإن قال٦ قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: إن الله مستوٍ٧ على عرشه, كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ،ونبطل تأويل من تأول بمعنى استولى.
إن هذا تفسير لم يقل٨ به أحد من السلف، من سائر المسلمين، من الصحابة والتابعين، بل أول من قال ذلك الجهمية والمعتزلة، كما قاله أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات، وكتاب الإبانة٩، فإنه كان معلومًا للسلف علمًا ظاهرًا، فيكون التفسير المحدث باطلًا، ولهذا قال مالك: الاستواء معلوم, وأما قوله: والكيف مجهول، فالجهل بالكيف لا ينفي علم
стр. 143
ما قد علم أصله، كما نقر بالله, ونؤمن به, ولا نعلم كيف هو, أشار إلى ذلك الشيخ ابن تيمية، رحمه الله تعالى، في بعض رسائله١, والله أعلم.
стр. 144
تاريخ المؤلف لفراغة من الكتاب وتاريخ الناسخ لفراغة من نسخ الكتاب
...
تاريخ المؤلف لفراغة من الكتاب وتاريخ الناسخ من نسخ الكتاب
صورة تأريخ مؤلفه: تم الكتاب بعون الملك الوهاب، ضحوة الجمعة, لثلاثة أيام خلت من شهر صفر، الذي هو من شهور سنة إحدى وسبعين٢ وألف، وصلى الله عليه على سيدنا محمد وآله وصحبه من كل فاضل أمجد، وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا من غير نهاية ولا عدد.
وكان الفراغ من كتابة هذه الرسالة المباركة نهار السبت، يوم خمسة وعشرين خلت من ربيع الأول سنة١١١٤، على يد أفقر عباد الله إليه، رشيد النجدي الحنبلي غفر الله له ولو الديه وجميع المسلمين.
تم التحقيق بحمد الله تعالى
والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد وآله وصحبه
عصام القلعجي الحنبلي الأثري.
دمشق في ٢٢ ذو القعدة ١٤٠٥هـ, ٨ آب ١٩٨٥م.
стр. 145
الفهارس
مدخل
...
الفهارس العامة:
١ - فهرس الآيات.
٢- فهرس الأحاديث والآثار.
٣- فهرس الأعلام.
٤- فهرس الكتب الواردة في النص.
٥- فهرس مراجع التحقيق.
٦- فهرس الموضوعات.