← Акыда

Акыда · id 8518

العين والأثر في عقائد أهل الأثر

عبد الباقي الحنبلي

Полный текст (169 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

للإمام أحمد في الاعتقاد، وأنه يجري المتشابهات على ما قاله الله من غير تصرف ولا تأويل، كما هو مذهب السلف، وعليه: فلا خوف ولا نزاع، والحمد لله١.

стр. 72

المقصد الثالث مدخل ... المقصد الثالث: في مسألة الكلام: وذكر ما نقل عن الإمام أحمد، فنقول: القرآن كلام الله١، نزله على محمد ﷺ ، معجز بنفسه، متعبد بتلاوته٢. والكلام حقيقة ٣: الأصوات والحروف، وإن سمي به المعنى النفسي، وهو نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم, فمجاز٤. والكتابة: كلام حقيقة٥، فلم يزل الله متكلمًا كيف شاء، إذا شاء، بلا كيف، يأمر بما يشاء ويحكم.

стр. 73

وهذا مذهب الإمام أحمد وأصحابه١، ومذهب المحدثين بلا شك، محمد بن إسماعيل البخاري٢ وجمهور العلماء, قاله ابن مفلح٣ في أصوله، وابن قاضي الجبل٤. قال الشيخ تقي الدين٥: المعروف عند جماهير أهل السنة أن الله يتكلم بصوت، وهو قول جماهير فرق الأمة٦.

стр. 74

تفسير قولنا "معجز بنفسه", ودلائله فقولنا: معجز بنفسه أي: مراد به الإعجاز، كما أن المقصود به بيان "٦/أ" الأحكام، والمواعظ، وقص أخبار من قص في القرآن من الأمم، دليل التحدي: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ ٢، أي: فأتوا بمثله إن ادَّعيتم القدرة، فلما عجزوا, تحداهم بعشر سور، ثم بسورة, ثم بحديث مثله٣.

стр. 75

تفسير قولنا "متعبد بتلاوته", ودلائله ... وقولنا: متعبد بتلاوته؛ ودلائله لتخرج الآيات المنسوخة اللفظ، سواء بقي حكمها أما لا، وصارت بعد النسخ غير قرآن؛ لسقوط التعبد بتلاوتها٤.

стр. 76

تفسير قولنا "الكتابه كلام حقيقي", ودلائله ... وقولنا: والكتابة كلام حقيقة؛ ودلائله لقول عائشة: "ما بين دفتي المصحف كلام الله"١, وأن من كتب صريح الطلاق يقع عليه الطلاق بذلك، ولو لم ينوه على الصحيح٢.

стр. 77

تفسير قولنا "ولم يزل الله متكلماً", ودلائله ... وقولنا: ولم يزل ٣ الله متكلمًا كيف شاء، إذا شاء، بلا كيف، يأمر بما يشاء, ويحكم٤. فقد قال الأئمة: إن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، بمعنى أنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، فإن الكلام صفة كمال، ومن يتكلم أكمل ممن لم يتكلم، ومن يتكلم بمشيئته وقدرته، أكمل ممن يكون الكلام ممكنًا٥ له. وقال قوم٦: لا يتكلم بمشيئته وقدرته، بل كلامه لازم٧ لذاته كحياته،

стр. 78

مسألة الحرف والصوت ثم من هؤلاء من عرف أن الحروف والأصوات لا تكون إلا متعاقبة، والصوت لا يبقي زمانين، فضلًا عن أن يكون قديمًا, فقال: القديم معنى واحد لامتناع معانٍ لا نهاية لها، وامتناع التخصيص بعدد دون عدد, فقالوا: هو معنى واحد, وقالوا: معنى التوراة والإنجيل والقرآن معنى١ واحد، ومعنى آية الكرسي, والدَّين واحد٢، ومنهم من قال: إنه حروف وأصوات قديمة الأعيان، لم تزل ولا تزال، وأن الباء لم تسبق السين, والسين لم تسبق الميم، وأن الحروف مقرونة ببعضها اقترانًا قديمًا أزليًا، لم يزل ولا يزال، وهي متراتبة في حقيقتها وماهيتها، غير متراتبة في وجودها٣. وقال كثير منهم: إنها مع ذلك شيء واحد، إلى غير ذلك من اللوزام التي يقول جمهور العقلاء٥: إنها معلومة الفساد بضرورة العقل.

стр. 79

نعم هي مؤثرة للفائدة بالقوة، والعبارة مؤثرة بالفعل، فكانت أولى "بأن تكون"١ حقيقة، وما يكون مؤثرًا بالقوة مجاز, انتهى كلامه٢.

стр. 80

كلام الطوفي في الحقيقة والمجاز في كلام الله قال الإمام الطوفي٥ من الحنابلة: إنما كان حقيقة في العبارة, مجازًا في مدلولها، لوجهين: أحدهما: أن المتبادر إلى فهم أهل اللغة من إطلاق الكلام, إنما هو العبارة، والمتبادر دليل الحقيقة. الثاني: أن الكلام مشتق من الكلم، لتأثيره في نفس السامع، والمؤثر في نفس السامع إنما هو العبارة لا المعاني النفسية بالفعل."٦/ب"

стр. 81

أدلة السلف على كون كلام حقيقة الأصوات والحروف ... أدلة السلف على كون الكلام حقيقة الأصوات والحروف: منه ما روى عبد الله بن مسعود٣ ﵁، عن النبي صلى الله عليه وسلمأنه قال: "إذا تكلم الله بالوحي, سمع صوته أهل السماء" ٤. وعن أبي هريرة٥ ﵁, عن النبي ﷺ : "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله تعالى, كأنها - أو قال: كأنه- سلسلة على صفوان" ٦, وفي حديث آخر قال ﷺ : "إذا أراد الله

стр. 82

أن يوحي الأمر، تكلم بالوحي، أخذت السموات منه رجفة، -أو قال: رعدة- شديدة، خوفًا من الله تعالى، فإذا سمع ذلك أهل السموات, صعقوا, وخروا سجدًا لله، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، ﵊، فيكلمه من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق، وهو العلى الكبير". وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أحدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ ٣, المسموع دائمًا الحروف والأصوات, لا المعاني، والإشارة بالمثل إلى شيء حاضر، فلو كان كلام الله معنى قائمًا في النفس، كما قالت الأشعرية، لم تصح الإشارة إليه، وما روي عنه، ﷺ ، أنه قال: "من قرأ القرآن, فأعربه, فله بكل حرف منه عشر٤ حسنات" ٥. الحديث، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي يطول ذكرها, وسيأتي بعضها.

стр. 83

مذهب ابن كلاب ولأشعري, وأصحابه في الكلام وأدلتهم وقال ابن كُلَّاب١ وأتباعه، منهم الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري, وأتباعه: إن الكلام مشترك بين الألفاظ المسموعة، وبين الكلام النفسي، وذلك أنه قد استعمل لغة وعرفًا فيهما، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فيكون مشتركًا٢. أما استعماله في العبارة: فنحو قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٣, وسمعت كلام فلان وفصاحته. وفي مدلولها٤, فنحو: ﴿يَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ ٥, ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ﴾ ٦.

стр. 84

وقوله عمر١ ﵁: "زوَّرت في نفسي كلامًا"٢. وقول الأخطل٣: أن الكلام لفي الفؤاد٤.. البيت. ولأنه لما كان سمعه بلا انخراق, وجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت٥. وذكر الغزالي٦: أن قومًا، جعلوا الكلام حقيقة في المعنى، مجازًا في "٧/أ" العبارة.

стр. 85

وقومًا عكسوا، وقومًا قالوا بالاشتراك, ونقل الثلاثة عن الأشعري١, فعلى القول الثاني, لا خلاف بيننا وبينهم، ولكن المشهور أن الأشعري وأصحابه قالوا: القرآن الموجود عندنا حكاية٢ كلام الله تعالى. وابن كلاب وأتباعه قالوا: عبارة عن كلام الله لا عينه٣. ويروى عن الأشعري: كلام الله القائم بذاته، يسمع عند تلاوة كل تالٍ، وقراءة كل قارئ٤. وقال الباقلاني٥: إنما نسمع التلاوة دون المَتْلُوِّ، والقراءة دون المقروء٦.

стр. 86

كلام أبي حامد الاسفرائينئ في مذهب الشافعي في الكلام ومخالفة الأشعري له وكان أبو حامد الإسفرائيني١ يقول: مذهب الشافعي وسائر الأئمة خلاف قول الأشعري، وقولهم هو قول الإمام أحمد٢. وكذلك أبو محمد الجويني٣، ذكر أن الأشعري خالف في مسألة الكلام قول الشافعي وغيره من السلف، وأنه أخطأ في ذلك٤. وكذلك سائر أئمة أصحاب٥ مالك, والشافعي وغيرهما، ويذكرون قولهم في حد الكلام وأنواعه، من الأمر والنهي, والخبر العام والخاص وغير ذلك، يجعلون الخلاف في ذلك مع الأشعري كما هو مبين في أصول الفقه التي صنفها أئمة أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم٦.

стр. 87

مهذب الإمام أحمد في القرآن, وكلام الله , أنه على الحقيقة قال الإمام أحمد ﵀: القرآن كيف تصرف فهو غير مخلوق، ولا نرى القول بالحكاية والعبارة, وغلَّط من قال بهما وجهَّله، فقال: من قال: إن القرآن عبارة عن كلامه تعالى، فقد غلط وجهل. وقال: الناسخ والمنسوخ في كتاب الله دون العبارة والحكاية. وقال: هذه بدعة لم تقلها السلف، وقوله: "تكليمًا"١ يبطل الحكاية، منه بدأ وإليه يعود٢, انتهى٣. قال الطوفي: قال المخالفون: استعمل لغة وعرفًا في النفس٤ والعبارة, قلنا: نعم، لكن بالاشتراك أو بالحقيقة فيما ذكرناه, وبالمجاز فيما ذكرتموه، والأول ممنوع. قالوا: الأصل في الإطلاق الحقيقة. قلنا: والأصل عدم الاشترك، ثم قد٥ يعارض المجاز الاشتراك٦ المجرد، والمجاز٧ أولى، ثم إن لفظ الكلام أكثر ما يستعمل في العبارات،

стр. 88

وكثرة موارد الاستعمال تدل على الحقيقة. وأما قوله تعالى: ﴿وَيَقُوْلُوْنَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ١، فمجاز؛ لأنه إنما دل على المعنى النفسي بالقرنية، وهو قوله: "في أنفسهم", ولو أطلق، لما فهم إلا العبارة٢. وكذلك كل ما جاء من هذا الباب، إنما يفيد مع القرينة، ومنه قول عمر ﵁: "زورت في نفسي كلامًا"٣. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ ٤, فلا حجة فيه؛ لأن "٧/ب" الإسرار به خلاف الجهر٥, وكلاهما عبارة عن أن يكون أحدهما أرفع صوتًا من الآخر, أما بيت الأخطل, فيقال: إن المشهور فيه "إن البيان لفي الفؤاد"، وبتقدير أن يكون كما ذكرتم، فهو٦ مجاز عن مادة الكلام، وهو التصورات الصحيحة٧ له، إذ من لم يتصور٨ ما يقول، لا يُوجِدُ كلامًا، ثم هو مبالغة من هذا الشاعر, في ترجيح الفؤاد على اللسان, انتهى. ولابن قاضي الجبل في الجواب عن الآيات وبيت الأخطل، كلام يقاربه في المعنى، ونقل ابن القيم٩ أن الشيخ تقي الدين رد الكلام.

стр. 89

النفسي من سبعين وجهًا١. وقال الغزالي: من أحال سماع موسى كلامًا ليس بحرف ولا صوت، فليُحِل يوم القيامة رؤية ذات, ليست بجسم ولا عرض٢. انتهى.

стр. 90

رد الطوفي لشبهة استعمال اسم الكلام في النفس والعبارة لغة وقال الطوفي: كل هذا تكلف وخروج٣ عن الظاهر، بل عن القاطع من غير ضرورة، إلا خيالات لاغية، وأوهام متلاشية، وما ذكروه معارض بأن المعاني لا تقوم شاهدًا إلا بالأجسام، فإن أجازوا معنًى قام بالذات القديمة وليست جسمًا، فليجيزوا خروج صوت من الذات القديمة وليست جسمًا، إذ كلا الأمرين خلاف الشاهد، ومن أحال كلامًا لفظيًا من غير جسم، فليحل ذاتًا مرئية من غير جسم، ولا فرق٤، والعجب من هؤلاء٥ القوم، مع أنهم عقلاء فضلاء, يجيزون أن الله تعالى يخلق لمن يشاء من عباده علمًا ضروريًا، وسمعًا لكلامه٦ النفسي، من غير توسط صوت ولا حرف، وذلك٧ من خاصة موسى ﵊، مع أن ذلك قلب لحقيقة السمع في الشاهد، إذا حقيقة السمع في الشاهد، إيصال الأصوات٨ بحاسة٩.

стр. 91

رد الحافظ أبو نصر على قول الأشعري: لما كان سمعه بلا انخراق وجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت. فإن قالوا: لأنه يستحيل١ وجود حرف, ولا صوت إلا من جسم٢. قلنا: إن عنيتم استحالته بالإضافة إلى الشاهد، فسماع كلام بدون توسط صوت وحرف كذلك أيضًا، وإن عنيتم استحالته مطلقًا، فلا نسلم، إذ الباري ﷻ على خلاف المشاهدة والمعقول في ذاته وصفاته، وقد وردت النصوص بما قلناه, فوجب القول به٢. انتهى. وسيأتي في التتمة الثانية ذكر كلام صاحب المواقف٤، وجوابه الموافق لكلام الطوفي. وقال أبو النصر السجستاني٥ عن قول الأشعري: "لما كان سمعه بلا انخراق, وجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت".

стр. 92

هذا غير مسلَّم، ولا يقتضي ما قال، وإنما يقتضي أن سمعه لما كان "٨/أ" بلا انخراق, وجب أن يكون كلامه بلا لسان وشفتين١, وحنك، وأيضًا لو كان الكلام غير حرف, كانت الحروف عبارة عنه, لم يكن بد من أن يحكم لتلك العبارة بحكم، إما أن يكون أحدثها في صدر، أو لوح، أو نطق بها بعض عبيده، فتكون منسوبة إليه، فيلزم من يقول بذلك أن يفحص بما عنده في السور والآي والحروف، أهي عبارة لجبريل؟، أو محمد عليهما الصلاة والسلام؟. وأيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢ وكن حرفان، ولا يخلو الأمر من أحد وجهين: إما أن يراد بقوله: "كن" من التكوين كقول المعتزلة، أو يكون المراد٣ به ظاهره، فإنه إذا أراد إنجاز شيء قال له: "كن" على الحقيقة, فيكون. فإن قال الأشعري: إنه على ظاهره, لا بمعنى التكوين، فيكون حرفان، وهو مخالف لمذهبه، وإن قال: ليس بحرف, صار بمعنى التكوين كالمعتزلة. انتهى٤.

стр. 93

كلام ابن حجر العسقلاني في مسألة الكلام وقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري٥ في باب قوله تعالى: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ ٦ الآية: والمنقول عن السلف اتفاقهم على أن القرآن كلام الله غير مخلوق تلقاه جبريل عن الله ، وبلغ جبريل إلى محمد ﷺ ، وبلغه هو إلى أمته. انتهى.

стр. 94

كلام ابن القاضي الجبل في مسألة الكلام قال ابن القاضي الجبل: احتج الجمهور بالكتاب والسنة واللغة والعرف, أما الكتاب, فقوله سبحانه: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً, فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ ١, فلم يسم الإشارة كلامًا, وقال لمريم ﵍: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ ٢، وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: "إن الله عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان, وما حدثت به أنفسها، وما لم تتكلم أو تعمل" ٣. وقسم أهل اللسان الكلام إلى اسم وفعل وحرف، واتفق الفقهاء٤ كافة على أن من حلف لا يتكلم, لا يحنث بدون النطق، وإن حدثته [نفسه] ٥. فإن قيل: الأيمان مبناها على العرف. قيل: الأصل عدم التغيير. أهل العرف يسمون الناطق متكلمًا، ومن عداه ساكتًا أو أخرس.

стр. 95

رد الحافظ أبي نصر على مسألة عدم تبعض كلام الله ودليله [فإن] ١ قالوا: قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢. أكذبهم الله تعالى في شهادتهم، ومعلوم صدقهم اللساني، فلا بد من إثبات الكلام النفسي؛ ليكون الكلام٣ عائدًا إليه٤. فالجواب: إن الشهادة الإخبار عن الشيء مع اعتقاده، فلما لم يكونوا معتقدين ذلك، كذبهم٥ الله تعالى. وقال أبو النصر السجزي: قولهم" لا يتبعض". يرد عليه [أن موسى] ٦ ﵊، سمع بعض كلام الله, ولا يمكن أن يقال سمع الكل٧.

стр. 96

قول الشيخ الإسلام: من قال إن القرآن عبارة عن كلام الله وقع في محذورات وقال الشيخ تقي الدين في فتيا له تسمى بالأزهرية١: ومن قال: إن القرآن عبارة عن كلام الله تعالى، وقع في محذورات: أحدها: قولهم: إن القرآن ليس بكلام الله تعالى، فإن نفي هذا الإطلاق خلاف ما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وخلاف ما دل عليه الشرع والعقل. والثاني: قولهم: "عبارة" إن أرادوا, أن هذا التالى٢ هو الذي عبر عن كلام الله تعالى القائم بنفسه، لزم أن يكون كل تالٍ معبرًا عما في نفس الله، والمعبر عن غيره هو المنشئ للعبارة، فيكون كل قاريء هو المنشئ لعبارة القرآن، وهذا معلوم الفساد بالضرورة. وإن أرادوا أن القران العربي عبارة عن معانيه، فهذا حق إذ كل كلام لفظه عبارة عن معناه، لكن هذا لا يمنع أن يكون الكلام متناولًا اللفظ [والمعنى] ٣. انتهى٤.

стр. 97

رد الإمام موفق الدين ابن قدامة على أدلة الأشعرية في المعنى النفسي والحرف والصوت والحقيقة والمجاز والتعاقب والتعدد قال الشيخ الإسلام موفق الدين بن قدامة المقدسي٤ في مصنف له٥: واعترض القائل بكلام النفس بوجوه: أحدها قول الاخطل: إن الكلام لفي الفؤاد ... البيت.

стр. 98

الثاني: سلمنا أن كلام الآدمي صوت وحرف، لكن كلام الله تعالى يخالفه؛ لأنه صفته، فلا تشبه صفات الآدميين، وكلامه كلامهم. الثالث: أن مذهبكم في الصفات أن لا تفسر، فيكيف فسرتم كلام الله بما ذكرتم. الرابع: أن الحروف لا تخرج إلا من خارج وأدوات، والصوت لا يكون إلا من جسم، والله متعالٍ عن ذلك. الخامس: أن الحروف يدخلها التعاقب١، وكل مسبوق مخلوق. السادس: أن هذا يدخله التجزؤ٢ والتعدد والقديم لا يتجزأ ولا يتعدد. قال شيخ الإسلام الموفق: الجواب عن الأول من وجوه. الأول: أن هذا [كلام] ٣ شاعر نصراني عدو لله ورسوله ودينه، أفيجب٤ اطراح كلامه تعالى ورسوله وسائر الخلق تصحيحًا لكلامه؟، وحمل كلامهم على المجاز صيانة لكلامه؟، هذا عن المجاز. وأيضًا فتحتاجون إلى إثبات هذا الشعر ببيان إسناده، ونقل الثقات له، ولا نقنع بشهرته, فقد يشتهر الفاسد.

стр. 99

وقد سمعت شيخنا أبا محمد الخشاب١، إمام أهل العربية في زمانه، يقول: قد فتشت دواوين الأخطل العتيقة، فلم أجد هذا البيت فيها٢. الثاني: لا نسلم أن لفظه هكذا، إنما قال: "إن البيان من الفؤاد"، فحرفوه وقالوا: الكلام٢. الثالث: أن هذا مجاز, يراد به أن الكلام من عقلاء الناس إنما يكون بعد التروي فيه، واستحضار معانيه في القلب٢، كما قيل: لسان الحكيم من وراء قلبه، فإن كان له محل قاله، وإن لم يكن سكت، وكلام الجاهل على طرف لسانه. والدليل على أن هذا مجاز من وجوه كثيرة. أحدها: ما ذكرناه مما يدل على أن الكلام هو النطق, وحمله على الحقيقة، يحمل٣ كلام الأخطل على مجازها أولى من العكس. "٩/أ" ثانيها: أن الحقيقة يستدل ٤ عليها بسبقها إلى الذهن، وتبادر الأفهام إليها، وإنما يفهم من إطلاق الكلام ما ذكرناه. ثالثها: ترتيب الأحكام على ما ذكرناه، دون ما ذكروه.

стр. 100

رابعها: [قول] ١ أهل العربية الذين هم أهل اللسان، وهم أعرف بهذا الشأن. خامسها٢: لا تصح إضافة ما ذكروه إلى الله تعالى، فإنه جعل اللسان دليلًا عليه، "والله منزه عن ذلك"٣، ولأن الذي عبر عنه الأخطل بالكلام، هو التروي والفكر واستحضار المعاني, وحديث النفس, ووسوستها، ولا يجوز إضافة شيء من ذلك إلى الله تعالى بلا خلاف بين المسلمين. قال٤: من أعجب الأمور أن خصومنا ردوا على الله وعلى رسوله، وخالفوا جميع الخلق٥ من المسلمين, وغيرهم، فرارًا من التشبيه على زعمهم، ثم صاروا إلى تشبيه أقبح وأفحش من كل تشبيه, وهذا نوع التغفل٦, ومن أدل الأشياء على فساد قولهم، تركهم قوله تعالى، وقول رسوله ﷺ ، وما لا يحصى من الأدلة، وتمسكهم بكلمة قالها هذا الشاعر النصراني، وجعلوها أساس مذهبهم، وقاعدة عقدهم، ولو أنها انفردت عن مبطل، وخلت عن معارض، لما جاز أن يبنى عليها هذا الأصل العظيم، فكيف, وقد عارضها ما لا يمكن رده؟ فمثلهم كمثل من بنى قصراً على أعواد الكبريت, في مجرى النيل. وأما قولهم: إن كلام الله يجب أن لا يكون حرفًا يشبه كلام الآدميين. قلنا: جوابه من وجوه:

стр. 101

أحدها: أن الاتفاق في أصل الحقيقة ليس بتشبيه، كما أن إدراك١ البصر بأنه إدراك المبصرات، والسمع في أنه إدراك المسموعات، والعلم في أنه إدراك المعلومات, ليس بتشبه، كذلك هذا. الثاني: أنه لو كان تشبيهًا، لكان تشبيههم أقبح وأفحش، على [ما] ٢ ذكرناه. الثالث: أنهم نفوا هذه الصفة بكون٣ هذا تشبيهًا، ينبغي أن ينفوا سائر الصفات، من الوجود والحياة والسمع والبصر وغيرها. أم قولهم: "أنتم فسرتم هذه الصفة". قلنا: لا٤ يجوز تفسير المتشابه الذي سكت السلف عن تفسيره، وليس كذلك الكلام، فإنه من المعلوم بين الخلق أنه لا تشابه فيه، وأنه فسره الكتاب والسنة. وأيضًا: نحن فسرناه بحمله على حقيقته، تفسيرًا جاء به القرآن والسنة، وهم فسروه بما لم يرد به كتاب، ولا سنة، ولا يوافق الحقيقة، ولا يجوز نسبته إلى الله تعالى. وأما قولهم: "إن الحروف تحتاج إلى مخارج وأدوات". قلنا: احتياجها إلى ذلك في حقنا، لا يوجب ذلك في كلام الله تعالى، تعالى الله عن ذلك. فإن قالوا: بل احتياج الله كاحتياجنا قياسًا له علينا. أخطأوا من وجوه:

стр. 102

أحدها: أنه يلزمهم في سائر الصفات التي سلموها، كالسمع والعلم والحياة، ولا يكون في حقنا إلا في جسم، ولا يكون البصر إلا من "٩/ب" حدقة, ولا السمع إلا من انخراق، والله تعالى بخلاف ذلك١. ثانيها: أن هذا تشبيه لله بنا, وقياس له علينا, وهذا كفر. ثالثها: أن بعض المخلوقات لم تحتج إلى مخارج في كلامها، كالأيدي والأرجل والجلود التي تتكلم يوم القيامة٣، والحجر٤ الذي سلم على النبي ﷺ ، والحصى الذي سبح في كفه ٥، والذراع المسمومة التي

стр. 103

كلمته١، وقال بن مسعود: "كنا نسمع تسبيح الطعام, وهو يؤكل"٢، ولا خلاف في أن الله قادر على إنطاق الحجر الأصم بلا أدوات. قلت٣: إن الذي يقطع به عنهم، أنهم لا يقولون: إن الله سبحانه يحتاج كحاجتنا، قياسًا له علينا، فإنه عين التشبيه، وهم لا يقولون كذلك٤، ويفرون منه، والظاهر أن الشيخ الموفق قال ذلك على تقدير قولهم له٥. ثم قال: وقولهم: "إن التعاقب يدخل في الحروف". قلنا: إنما ذلك في حق من ينطق بالمخارج والأدوات، ولا يوصف بذلك.

стр. 104

رد الإمام موفق الدين ابن قدامة على أدلة الأشعرية في المعنى النفسي والحرف والصوت والحقيقة والمجاز والتعاقب والتعدد ... كلمته١، وقال بن مسعود: "كنا نسمع تسبيح الطعام, وهو يؤكل"٢، ولا خلاف في أن الله قادر على إنطاق الحجر الأصم بلا أدوات. قلت٣: إن الذي يقطع به عنهم، أنهم لا يقولون: إن الله سبحانه يحتاج كحاجتنا، قياسًا له علينا، فإنه عين التشبيه، وهم لا يقولون كذلك٤، ويفرون منه، والظاهر أن الشيخ الموفق قال ذلك على تقدير قولهم له٥.

стр. 105

كلام الحافظ أبي نصر في مسألة التعاقب وقال الحافظ أبو نصر: إنما يتعين التعاقب فيمن يتكلم بأداة يعجز عن أداء شيء إلا بعد الفراغ من غيره، وأما المتكلم بلا جارحة، فلا يتعين في

стр. 106

كلامه تعاقب، وقد اتفقت العلماء على أنه يتولى١ الحساب بين خلقه يوم القيامة في حالة واحدة، وعند كل واحد منهم أن المخاطب في الحال هو وحده٢، وهذا خلاف التعاقب, انتهى كلام أبي نصر.

стр. 107

كلام ابن قدامة في مسألة التجزؤ والتعدد قال الموفق: قولهم: "إن القديم لا يتجزأ ولا يتعدد" غير صحيح, فإن أسماءه معدودة، قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ ٣, وقال ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا, من أحصاها دخل الجنة" ٤, وهي قديمة,

стр. 108

نص الشافعي وأحمد على قدم أسماء الله تعالى . وقد نص الشافعي على أن أسماء الله تعالى غير مخلوقة. وقال أحمد: "من قال إن أسماء الله مخلوقة فقد كفر".

стр. 109

أقوال السلف في علم الكلام والبدع والأهواء وكذا كتب الله تعالى، فإن التوراة والإنجيل والزبور والفرقان متعددة، وهي كلامه٥ تعالى غير مخلوق، وإنما هذا أخذوه علم الكلام، وهو مُطَّرَحٌ٦ عند جميع الأئمة. قال أبو يوسف٧: من طلب العلم بالكلام تزندق٨.

стр. 110

وقال الشافعي: "ما ارتدى بالكلام أحد فأفلح"١. وقال أحمد: "ما أحب أحد الكلام, فكان عاقبته إلى خير". وقال ابن خويز منداد المالكي٢: البدع عند مالك وأصحابه، هي: كتب الكلام, والتنجيم، وشبه ذلك، لا يصح إجارتها، ولا تقبل شهادة أهله.
следующие страницы →