← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8523

القطعية من الأدلة الأربعة

محمد دكوري

Полный текст (445 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ويرد على هذا الدليل: أن فيه تسليما بكون بعض أصول الفقه ليس قطعيا بالنسبة لمن لم يطلع على ما ذكر من الاستقراءات. ورُدَّ - أيضا - بأن من أصول الفقه مسائل مهمة توفرت الدواعي على بحثها والاستدلال لها في مظانها، وذلك لا يتفق مع ادعاء احتياج القطع فيها إلى استقراءات في شتى المواضع١. الدليل الخامس٢: أن أصول الفقه راجعة كلها إلى كليات الشريعة، وأن ما كان راجعا إلى كليات الشريعة فهو قطعي. ففي هذا الدليل أمران: أولهما: أن جميع أصول الفقه راجعة إلى كليات الشريعة، وثانيهما: أن كل ما كان كذلك فهو قطعي. أما الأمر الأول فذكر أن الدليل عليه الاستقراء التام القطعي. واستدل على الأمر الثاني بثلاثة أوجه: الأول: أن كليات الشريعة مبنية إما على أصول عقلية، أو على

стр. 107

الاستقراء الكلي من أدلة الشرع. الثاني: أن الكليات لو رجعت إلى الظن للزم من ذلك تعلق الظن والشك بأصل الشريعة لأنه الكلي الأول، وذلك باطل!. الثالث: قياس أصول الفقه على أصول الدين، فكما لا يجوز فيها الظني، فكذلك لا يجوز في أصول الفقه، والجامع أن أصول الفقه وأصول الدين كليات معتبرة في كل ملة، وأنها داخلة في الضروريات من حفظ الدين، فكانت نسبتهما إلى أصل الشريعة نسبة واحدة١. فمما اشتمل عليه هذا الدليل أن أصول الفقه راجعة كلها إلى كليات الشريعة والأصول المعتبرة في جميع الأديان، وهذا ما ردّه الشيخ الطاهر بن عاشور٢ وذكر أن أدلة الشاطبي على هذا الأمر: "مقدمات خطابية٣ وسفسطائية أكثرها مدخول ومخلوط٤ وغير منخول".

стр. 108

ذلك أنه لا يتأتى في الواقع اعتبار جميع مسائل أصول الفقه مما وصفه من الكليات والضروريات التي تستوي فيها الملل كلها. الدليل السادس: أنه لو أثبتت هذه القواعد التي تنتصب أعلاما وأدلة على الأحكام الشرعية بدليل غير قطعي لاحتيج إلى إثبات ذلك الدليل المثبِت، ثم يتسلسل الاستدلال إلى ما لا يتناهى١. ويَرِد على هذا أنه يمكن منع التسلسل، بأن يكون الدليل الثاني المثبت للدليل الأول قطعيا، كأن يستدل على إثبات القياس بخبر واحد غير قطعي، ثم يستدل على إثبات خبر الواحد بدليل قطعي٢. القول الثاني: أن أصول الفقه منها ما هو قطعي، ومنها ما ليس بقطعي، فيجوز أن يستدل على مسائلها بكل دليل صحيح، فما كان دليلا قطعيا كانت القاعدة الأصولية عليه قطعية وما كان دليلا ظنيا ظاهرا فلا تخرج القاعدة بذلك من عِداد أصول الفقه.

стр. 109

وهذا مذهب أبى الحسين البصري في المعتمد١، والقاضي أبي الطيب الطبري٢ على ما نقله عنه تلميذه أبو إسحاق الشيرازي٣ في مواضع من كتابه شرح اللمع٤، وهو مذهب القاضي أبي يعلى٥ في كتابه العدة٦ وفخر الدين الرازي في المحصول٧، ونجم الدين الطوفي في شرح مختصر

стр. 110

الروضة١، ومجد الدين ابن تيمية٢ في المسودة٣، وتقي الدين شيخ الإسلام ابن تيمية٤، وتلميذه ابن قيم الجوزية٥، وصرح به الكمال بن الهمام٦،

стр. 111

وغيرهم١. ومن أدلة هذا المذهب ما يلي: الدليل الأول: أن أصول الفقه ومسائله من جملة مسائل الشريعة، فطرق إثباتها هي طرق إثبات جميع المسائل الشرعية، وذلك بالدليل الصحيح قطعيه وظنيه، لأنه - كما سبق - ليس ثمة دليل على التفريق بين المسائل الشرعية في طرق إثباتها، فكل دليل شرعي صحيح حجةٌ يجب العمل به، فإذا أثبت أصلا من أصول الفقه فالواجب أن يعمل به في إثبات ذلك الأصل وإن كان ظنيا٢. الدليل الثاني: أن أصول الفقه وسيلة إلى العمل وطريق إلى الأحكام الفقهية التكليفية، فكيف يشترط في إثباتها ما لا يشترط في إثبات الأحكام العملية الفقهية؟! فإذا كانت أحكام البيع والشراء، ومسائل الدماء والأبضاع، وأحكام الجنايات والحدود، وغير ذلك من الأحكام العملية

стр. 112

يجوز إثباتها بالدليل غير القطعي فكيف لا يجوز أن يثبت به أصل هو وسيلة إلى إثبات تلك الأحكام؟! ١. وليس هذا من باب إثبات دليل غير قطعي بدليل غير قطعي فيكون من إثبات الدليل بنفسه أو يؤدي إلى تسلسل الاستدلال٢، لأن الأمر ينتهي إلى القطع، فإذا أثبت مثلا بدليل قطعي وجوب العمل بخبر الواحد، ثم أثبت بخبر الواحد الصحيح وجوب العمل بالقياس كان القياس معتمدا على قطعي بدرجتين٣! الدليل الثالث: الواقع في أصول الفقه، فإن بعض مسائله لا يُقدر فيها على دليل قطعي٤، فكيف يشترط القطع فيه مع ذلك! ٥. وقد اعترف بعض من اشترط القطع في أثناء بحثهم في مسائل أصول الفقه بعدم قطعية بعض المسائل الأصولية لعدم الدليل القطعي، فاكتفى فيها بالظن والرجحان الظاهر أو لجأ إلى التوقف عن النفي والإثبات.

стр. 113

ومن ذلك مسألة (هل يجوز تخصيص الدليل من الكتاب بخبر الواحد؟) فقد توقف فيها القاضي أبو بكر الباقلاني لعدم الدليل القطعي على أي من طرفي النفي والإثبات، ومع ذلك فقد جزم إمام الحرمين بطرف الإثبات فاختار جواز تخصيص دليل الكتاب بخبر الواحد وقطع بذلك، واختار الغزالي طرف الإثبات مثل إمام الحرمين لكنه لم يقطع بذلك، فألحق المسألة بالمجتهدات التي لا دليل قطعي فيها ويكتفى فيها بالظن الراجح١. ومن ذلك قول الغزالي عند الكلام على تقسيم النظريات إلى قطعية وظنية في أواخر (المستصفى) بعد أن ذكر أمثلة للقطعيات من أصول الفقه، قال: "وقد نبهنا على القطعيات والظنيات في أدراج الكلام في جملة الأصول"فهذا اعتراف صريح بوجود الظني والقطعي في أصول الفقه. وسبق أن مذهب بعض من العلماء في قطعية أصول الفقه لم يكن من الجلاء بحيث يسهل أن ينسب إليه أي من القولين في أصل هذه المسألة. وذلك إما لكونه يردد القول فيها ويذكر وجهي المسألة بالنفي والإثبات، وإما لكونه يؤيد أحد وجهي المسألة عند الاعتراض ويؤيد الوجه الآخر عند الاستدلال. وممن سار على هذا النهج الآمدي، فمن ذلك أنه ذكر الأدلة على حجية

стр. 114

خبر الواحد، وبعد أن ناقشها قال: "وعلى هذا فمن اعتقد كون المسألة قطعية فقد تعذر عليه النفي والإثبات لعدم مساعدة الدليل القاطع على ذلك، ومن اعتقد كونها ظنية فليتمسك بما شاء من المسالك المتقدمة، والله أعلم بالصواب"١، وذكر مثل ذلك في مسألة حجية القياس وذهب إلى أن أدلتها ظنية٢، وظهر منه تأييد قطعية الأصول في مواضع٣ كما ظهر منه في مواضع أخرى تأييد خلاف ذلك٤. وغالب ما يكون ذلك أنه يلتزم باشتراط القطعية في أدلة الأصول عند الاعتراض على المخالف المستدل بدليل غير قطعي ولكنه لا يسلم اشتراط القطعية عند الرد على من يعترض عليه بمثل ذلك، بل صرح في موضع بأن الظهور والغلبة في مسالة اشتراط القطع في أصول الفقه للمعترض من جانبي النفي والإثبات دون المستدل فيها٥.

стр. 115

وقد سار على هذا النهج ابن الحاجب١، فهو يقلب المسألة على وجهيها ويذكر ما يترتب على كل وجه٢، ثم يختلف مذهبه عند الاستدلال عنه عند الاعتراض٣، بل إنه صرح - كما سبق عن الآمدي - أن القوة في مسألة قطعية الأصول للمعترض على النفي أو الإثبات دون المستدل عليهما٤. وعلّل عضد الدين الإيجي ذلك بأن المسألة عليها "دلائل واعتراضات مشكلة من الجانبين"٥. وحاصل هذه المسألة عند هؤلاء التوقف فيها عن النفي والإثبات "لأن أدلة النفي والإثبات ضعيفة ووجوه المنع والدفع قوية"٦. وكذلك الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ﵀ ذكر أن ما كان من مسائل الأصول مختلفا فيه سائغا فيه الاجتهاد فهو ملحق بالفروع أو

стр. 116

بمنزلتها، فيجوز إثباته بغير قطعي١، مع أنه قد يعترض - في مواطن الخلاف - على بعض الأدلة بأنه غير قطعي فلا يجدي في الأصول٢، وإذا اعترض عليه في الاستدلال بدليل غير قطعي في أصول الفقه فقد يجيب بمذهب شيخه القاضي أبي الطيب الطبري، وهو جواز الاستدلال على الأصول بخبر الواحد٣، بل ربما أطلق ذلك دون نسبته إلى شيخه٤. والظاهر - والله أعلم - أن اشتراط الدليل القطعي في أصول الفقه لا يَسلم فيه دليل، وعليه فيجوز الاستدلال في مسائل أصول الفقه بما يجوز أن يستدل به في غيرها من المسائل الشرعية، فما كان عليه دليل قطعي من قواعد هذا العلم فهو من القطعيات، وما لم يُقدر على إثباته منها إلا بالدليل الظني الراجح فليس قطعيا وإنه حجة وهو من أصول الفقه. بيد أن أمهات المسائل المذكورة في علم أصول الفقه قطعية، كحجية الكتاب والسنة عموما، وحجية خبر الواحد العدل المتصل خصوصا، وحجية الإجماع، وحجية القياس، وحجية العموم، وأن الأمر للوجوب والنهي للتحريم، ووجوب الترجيح عند التعارض والتعادل، ووجوب العمل

стр. 117

بالراجح من ذلك، وحجية قول المفتي للمستفتي ونحو ذلك، فكل ذلك عليه أدلة يقطع بها المحققون من علماء أصول الفقه وغيرِهم، ممن يستقرئ أدلتها من الكتاب العزيز، والسنة النبوية، وعمل الصحابة ﵃، والتابعين من بعدهم رحمة الله عليهم. وهذا ما ذكره القرافي ونقله عن العلماء وأيده، وهو أن أصول الفقه قطعية لمن استقرأ أدلته ووقف على أقضية الصحابة واطّلع على مناظراتهم وفتاويهم في مظان الاستدلال بتلك المسائل وفي غير مظانها من مصادر الشريعة الواسعة، فإن المستقرئ لما ورثه الخلف عن السلف من الصحابة ومن بعدهم من فتاويهم وأقضيتهم، وما كان عليه عملهم عند البحث عن أدلة الأحكام وعند الاختلاف في الأحكام، يقطع بكثير من القواعد الموصلة إلى الفقه، أما من قصر عن استقراء ذلك ولم يقف إلا على نزر يسير مما هو مسطور في مظان الاستدلال على تلك المسائل فلا يضيره إذ عجز عن القطع أن يعمل بما ثبت عنده بغالب الظن والراجح الصحيح من الأدلة الشرعية، لأنه ربما استدل العلماء على أصول الفقه بقدر من أدلتها ليثبتوا أصل المسألة وتكون تفاصيل ذلك متفرقة في مواضع أخرى١.

стр. 118

الباب الأول: قطعية الدليل وأثرها الفصل الأول: قطعية الدليل المبحث الأول: جهة القطعية في الدليل المطلب الأول: جهة الثبوت ... المطلب الأول: جهة الثبوت١ الكتاب والسنة والإجماع أدلة نقلية، فيكون بين المستدل بها الذي لم يشهد ورود الدليل وبين مورد الدليل وسائط ناقلة، ومن أجل ذلك يحصل التفاوت في ثبوت الدليل عند من نقل إليه تبعا لاختلاف الوسائط والطرق الناقلة للدليل، وقد تثبت هذه الأدلة بطرق قوية ينتهي بها المستدل إلى

стр. 119

القطع بصحة نسبتها إلى موردها، فيقطع بنسبة الدليل من الكتاب إلى الباري جل شأنه، ويقطع بنسبة الدليل من السنة إلى المصطفى ﷺ وأنه قاله، ويقطع بنسبة الدليل من الإجماع إلى أهله وأن المجمع عليه سبيل المؤمنين، والقطع بهذا الأمر هو القطع بالدليل من جهة ثبوته، أي ثبوته عند المستدل الناظر فيه منسوبا إلى مصدره ومورده١. ويترتب على النظر في هذه الجهة من القطعية وما يحصل فيها من تفاوت الخلاف في حجية ما نقل من القرآن بالآحاد لعدم القطع فيه من جهة ثبوته قرآنا٢، كما ترتب على النظر فيها كون السنة منها متواتر قطعي الثبوت، ومنها آحاد مختلف في قطعيتها من جهة الثبوت٣، وكون الإجماع منه ما هو قطعي لنقله بالتواتر ممن أجمعوا ومنه ما نقله الآحاد فاختلف في حجيته٤.

стр. 120

فوقع كل هذا التفاوت والتنوع في تلك الأدلة لاختلافها في الثبوت قطعا أو ظاهرا١. أما القياس فهو دليل لا تتأتى فيه هذه الجهة على التحقيق، لأن المجتهد هو الذي يظهره بنظره وإثباته له فلا تحصل فيه واسطة ولا يؤثر في قوته وثبوته نقل ولا سند، وقد يكون من القياس ما يتأتى فيه النقل والوسائط كالأقيسة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم٢ أو الأقيسة التي ينقل أن العلماء أجمعوا عليها ٣، والصحيح أن مثل هذه الأقيسة راجع إلى الأدلة النقلية السابقة، فالأقيسة المروية عن النبي ﷺ من جملة أدلة السنة النبوية والأقيسة المجمع عليها تلتحق بدليل الإجماع، أما ما كان من القياس مرويا عن آحاد العلماء فصحته بصحة اعتباره ووضعه وسلامته من القوادح٤، فينظر فيه كما ينظر في آحاد الأقيسة وليس في ثبوته عن ذلك العالم، لأنه لو فرض ثبوته عنه

стр. 121

بالقواطع فذلك لا يكفي لصحته إذ ليس قوله حجة بدون مستند! فالدليل من القياس لا تتأتى فيه جهة الثبوت كما تتأتى في الأدلة النقلية الثلاثة الكتاب والسنة والإجماع.

стр. 122

المطلب الثاني: جهة الدلالة ١ كما أن في الدليل تفاوتا من جهة الثبوت ففيه تفاوت من جهة الدلالة، فقد يكون الدليل بحيث يقطع بأنه متناول لحكم معين وأن ذلك الحكم مراد بالدليل قطعا٢، وتلك قطعية الدليل من جهة الدلالة. وأظهر ما يكون ذلك في الأدلة اللفظية (كالكتاب والسنة) ، لأن فهم المراد منها قد يعتمد على فهم اللغة التي وقع بها التخاطب٣، والألفاظ متفاوتة في دلالتها: فقد يكون اللفظ نصا في معنى واحد وقد يكون دالا على معنيين بالسواء وقد يكون ظاهرا راجحا في معنى مع احتماله لمعنى آخر مرجوح، وكل ذلك موجب لاختلاف قوة دلالة الدليل على الحكم.

стр. 123

ودلالة القياس على حكم الفرع المقيس عليه تلحق بجهة الدلالة، وهي متفاوتة فقد يقطع بالقياس وقد لا يقطع به، وكل ذلك يجري على حكم الفرع١. أما الإجماع فالظاهر أن الاتفاق فيه يكون على حكم معين، فلا تتفاوت دلالته على ذلك الحكم من ذلك الوجه٢. وللشافعي ﵀ إشارة إلى الجهتين في قطعية الدليل، فقد قسم العلم قسمين: قسم ينقله العامة عن العامة ولا يمكن فيه غلط ولا تأويل، وقسم لا يكون من نقل العامة لكونه من أخبار الخاصة أو يكون مما يحتمل التأويل٣. فنقل العامة عن العامة إشارة إلى قطعية الدليل من جهة الثبوت، وعدم إمكان التأويل فيه إشارة إلى القطعية من جهة الدلالة على المدلول منه بحيث لا يمكن أن يصرف عن مدلوله، فيكون القسم الأول من قسمي العلم عند الإمام الشافعي دليلا قطعيا ثبوتا ودلالة. كما أشار إلى عدم القطعية - في القسم الثاني - بعدم القطعية ثبوتا بكونه من أخبار الخاصة أو دلالة بكونه محتملا التأويل.

стр. 124

المطلب الثالث: مسائل في جهة القطعية وتتعلق بجهتي القطعية مسائل تتبين بها أحكام القطعية فيهما: المسألة الأولى: ليس بين جهتي القطعية في الدليل تلازم، فكون الدليل قطعيا من جهة الثبوت لا يلزم منه أن يكون قطعيا من جهة الدلالة والعكس كذلك، ولذا قد يتقابل دليلان كل منهما قطعي من جهة دون الأخرى فيتعادلان في القوة لتساويهما في القطعية، من ذلك العام١ من الكتاب، والنص الخاص من السنة الأحادية غير القطعية، فالأول قطعي من جهة الثبوت ظني من جهة الدلالة، والثاني قطعي من جهة الدلالة ظني من جهة الثبوت٢٣. المسألة الثانية: تمام قطعية دليل كونه قطعيا من الجهتين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية

стр. 125

عند كلامه على الحديث القطعي في السند والمتن: "وهو ما تيقنا أن رسول الله ﷺ قاله وتيقنا أنه أراد تلك الصورة"١. واليقين الأول هو قطعية الثبوت، وهو القطع بنسبة الخبر إلى الرسول ﷺ ، واليقين الثاني هو قطعية الدلالة، وهو القطع بالمراد من الدليل. فترتيب الأدلة في القوة - بالنظر إلى جهتي القطعية - يكون هكذا: الرتبة الأولى: القطعية التامة في الجهتين ويكون فيها الدليل قطعيا في الثبوت والدلالة، ومثال الدليل في هذه الرتبة: الدليل من القرآن الكريم أو الخبر المتواتر عن رسول الله ﷺ إذا كان نصا صريحا في الحكم المراد منه. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ ٢ فهو قطعي الثبوت وأنه من كلام الله، وقطعي الدلالة على نسبة الإرسال من الله إلى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم٣. ومنه قول النبي ﷺ : " من كذب علي متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار". روى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ثلاثة وثلاثون نفرا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين٤، ورواه عنهم جمع كثير من مشاهير التابعين

стр. 126

رحمهم الله جميعا١، فهو حديث قطعي الثبوت، وهو كذلك قطعي الدلالة على أن من كذب متعمدا على النبي ﷺ أنه معرض لما ذكر ﷺ من الوعيد٢. الرتبة الثانية: قطعية الدليل بالنسبة لإحدى الجهتين دون الأخرى، ويكون الدليل في هذه الرتبة قطعي الثبوت دون الدلالة، أو قطعي الدلالة دون الثبوت، ففي هذه الرتبة نوعان من الدليل القطعي: النوع الأول: الدليل القطعي من جهة الثبوت دون جهة الدلالة، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثةَ قُرُوءٍ﴾ ٣ فهو قطعي الثبوت لأنه من القرآن الكريم، لكنه في دلالته على ما به يكون التربص غير قطعي، وقد اختلف العلماء في هل يكون ذلك بالحيض أو بالأطهار٤؟ النوع الثاني: الدليل القطعي من جهة الدلالة دون جهة الثبوت، ومنه حديث أبي هريرة٥ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا صلى أحدكم فليجعل

стр. 127

تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد شيئا فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطا ولا يضره من يمر بين يديه" ١. فهذا الحديث نص قطعي في دلالته على أن الخط سترة من لم يجد ما يجعله تلقاء وجهه ولم يكن معه عصا ينصبه، لكنه قد لا يقطع به من جهة ثبوته على فرض ثبوته، وقد ضعّفه بعض العلماء٢. ومنه - أيضاً - ما جاء من أخبار الآحاد قطعيا في الدلالة على الحكم، وذلك عند من يرى أن خبر الواحد لا يفيد القطع مطلقا أو عند عدم القرائن. وعدم القطعية من جهة الثبوت هنا أعم من كون الدليل ظاهرا غير قطعي، فقد يكون الدليل غير ثابت عند مستدل لعلة من العلل التي يُردّ الخبر من أجلها عنده بحيث لو ثبت لكان قطعيا في دلالته على محل الخلاف ولم

стр. 128

يكن فيه أدنى تردد، ومن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تصروا الغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر" ١، فهذا قطعي في دلالته على رد الصاع من الطعام مع الشاة المصراة إذا سخطها المشتري، لكن الحنفية يردون الحديث من جهة عدم ثبوته عندهم لمعارضته لقياس الأصول فلا يثبت٢، فالرد لعدم الثبوت لا لعدم الدلالة. الرتبة الثالثة: عدم قطعية الدليل من الجهتين ويكون فيها الدليل غير قطعي لا ثبوتا ولا دلالة، وهذا الدليل خارج من حدود هذا البحث لعدم قطعيته مطلقا، ومنه أن يكون الدليل خبر واحد غير قطعي ولا يكون نصا في الحكم، ويمكن أن يمثل للدليل في هذه الرتبة بما رواه عبادة بن الصامت٣ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" ٤، فالحديث غير

стр. 129

قطعي الثبوت عند من لا يرى قطعية خبر الآحاد، وليس قطعي الدلالة على نفي الصحة لاحتمال أن يكون المراد نفي الكمال فذلك وارد١. هذا وللدليل في كل رتبة من هذه الرتب حكم خاص بالنظر إلى الوصف بالقطعية، فإنه يوصف الدليل في الرتبة الأولى بالقطعية مطلقا فيقال: (دليل قطعي) لأنه قطعي من جهة الثبوت والدلالة، كما يوصف الدليل في الرتبة الثانية بالقطعية لكن مقيدا بالجهة التي هو فيها قطعي فيقال: (دليل قطعي الثبوت أو من جهة الثبوت) أو يقال: (دليل قطعي الدلالة أو من جهة الدلالة) أو نحو ذلك، وقد يطلق الوصف توسعا فيقال دليل قطعي، أما الدليل في الرتبة الثالثة فلا يمكن وصفه بالقطعية مطلقا لعدمها في جهتيه والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: الثبوت والدلالة في قطعية الدليل جهتان متكافئتان في القوة، فلا يترجح دليل قطعي الثبوت فقط على دليل آخر قطعي الدلالة فقط، ولا دليل قطعي الدلالة على دليل آخر قطعي الثبوت من أجل القطعية، لتساويهما فيها. هذا هو الظاهر من صنيع العلماء فيما إذا اجتمع دليلان أحدهما عام

стр. 130

ظني من القرآن والآخر خاص نص من خبر الواحد، فإنهم لا يرجحون أحد الدليلين على الآخر لجهة القطعية فيه، وإنما يصيرون إلى ما يصيرون إليه بأمر خارج عنهما، كتغليب إرادة الخاص على إرادة العموم في مثل ذلك، أو الترجيح بأن ذلك هو المنقول من فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فتسكن نفس المستدل إلى ما فعلوا ونحو ذلك، فدل على أن جهة الثبوت تعادل جهة الدلالة في القوة ١. بل توقف القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره في هذه المسألة، لأنه لم يجد مرجحا لأحد الدليلين على الآخر مع تقابلهما في أن كل واحد منهما راجح من جهة ومرجوح من جهة أخرى، قال الجويني: "ورأى القاضي الوقف في المحل الذي يتعارض فيه الخبر ومقتضى لفظ الكتاب، فإن أصل الخبر يتطرق إليه سبيل الظنون والمراد بالعموم في الكتاب في مظنة الظنون، فضاهى معنى الكتاب في التعرض للتردد٢ أصلَ الخبر الناص، فمن ذلك الوجه وجب التوقف في قدر التعارض وإجراء اللفظ العام من الكتاب في بقية المسميات"٣، ثم خالف إمام الحرمين شيخه القاضي فاختار القطع

стр. 131

بتخصيص العام من القرآن الكريم بالخاص من السنة، واستدل على ما اختاره بسيرة الصحابة ﵃، قال: "وما ذكره القاضي وإن كان متجها في مسلك العقل فالمتبع في وجوب العمل ما ذكرناه، ومن شك في أن الصديق رضي الله عنه١ لو روى خبرا عن المصطفى ﷺ في تخصيص عموم الكتاب لابتدره الصحابة قاطبة بالقبول فليس على دراية في قاعدة الأخبار"٢. وخالف بعض العلماء ما سبق، فمال إلى ترجيح جهة الثبوت على جهة الدلالة، وعلل ذلك بأن جهة الدلالة مفرعة عن جهة الثبوت فكان عدم قطعية الدليل من جهة الثبوت يورث شبهة في جهة الدلالة وإن كانت قطعية، وذلك أن معنى الدليل ودلالته مُودَعان في اللفظ فهما تَبَع له وفرع عن ثبوته. وعلى هذا القول فإذا تعارض دليل عام من القرآن ودليل خاص نص من السنة الأحادية قدِّم العام من القرآن على الخاص من خبر الواحد لأنه راجح عليه، فإن القطعية في العام من جهة الثبوت، وهي على هذا المذهب أقوى من قطعية الخاص التي هي من جهة الدلالة٣.

стр. 132

ورُدَّ بكون الشبهة المنسحبة من جهة الثبوت إلى جهة الدلالة شبهة واحدة: في الثبوت بالذات وفي الدلالة بالتبعية، فتبقى الجهتان متساويتين لأن في كل دليل شبهة واحدة فقط١.

стр. 133

المبحث الثاني: فيما يفيد القطعية في الدليل المطلب الأول: إفادة الإجماع القطعية في الدليل ... الميحث الثاني: فيما يفيد القطعية في الدليل قد يكون الدليل قطعيا بدون انضمام أمر آخر إليه، كأن يكون نصا من كتاب الله لا يحتمل إلا وجها واحدا، أو خبرا متواترا، أو إجماعا مستكمل الشروط، أو قياسا قطع فيه بالتعليل ثم قطع بوجود العلة في الفرع. وقد يكون الدليل غير قطعي بالنظر إليه مجردا لكن تنضم إليه أمور أخرى تفيد القطعية فيه، فخبر الواحد المجرد قد لا يفيد القطع، وقد ينضم إليه إجماع العلماء عليه وتلقيهم له بالقبول، أو تحتف به من القرائن فيصير بما انضم إليه قطعيا١. المطلب الأول: إفادة الإجماع القطعية في الدليل الإجماع المفيد القطعية في الدليل هو ما كان قطعيا٢، إذ ما لا يكون من الإجماع قطعيا لا يتصور أن يُكسب غيرَه قطعيةً! والإجماع على الدليل يمكن أن يكون إجماعا عليه من حيث الثبوت أو من حيث الدلالة، فالإجماع على الدليل من حيث الثبوت مثل الإجماع على ثبوت خبر الواحد والإجماع على ثبوت إجماع المتقدمين على أمر.

стр. 134

والإجماع على خبر الواحد متصور في ثلاث حالات: الحالة الأولى: الإجماع على أن الخبر صدق وصحيح. الحالة الثانية: الإجماع على العمل بالخبر. الحالة الثالثة: الإجماع على حكم موافق لخبر لم يعلم أن الإجماع وقع عليه. أما الحالة الأولى: وهي ما إذا أجمعت الأمة على تصديق الخبر فلم أطلع على من أنكر أن يكون ذلك الخبر صدقا قطعا ممن يرى أن الإجماع حجة قطعية، وإلا لكان الإجماع على أمر باطل، وهو تصديق ما ليس بصدق، وذلك يخالف قول كل من جعل الإجماع حجة قطعية، وقد صرح في تلخيص التقريب بكون مثل هذا الخبر صدقا قطعا١. أما الحالة الثانية: وهي الإجماع على العمل بالخبر، وإن لم يقطع كل المجمعين بصدق الخبر فمنها٢: قول الرسول ﷺ : "إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث "٣، ومنها: نهيه ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو

стр. 135

خالتها١، ومنها الخبر المروي عن المغيرة بن شعبة٢ ومحمد بن مسلمة٣ أن رسول الله ﷺ ورّث الجدة السدس٤. ومن ذلك الأحاديث المتفق عليها في صحيح البخاري وصحيح مسلم عند ابن الصلاح٥ وجماعة من العلماء، لأن الأمة قد تلقت أحاديثهما بالقبول إلا أحرفا يسيرة تكلم فيها بعض النقاد٦.

стр. 136

ومن ذلك - أيضا - الحديث المشهور على اصطلاح بعض الحنفية١. واختلف أهل العلم في قطعية مثل هذا الخبر على قولين: القول الأول: أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول وأجمعت على العمل به يكون قطعيا في الثبوت، وهذا القول نسبه غير واحد إلى جمهور الفقهاء والأصوليين٢، وذكره ابن حزم٣ وأبو الحسين البصري٤. ومن أدلة هذا المذهب ما يلي: أولا: أن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يكون إلا صوابا، والأمة المجتمعة على العمل بالخبر معصومة من الخطأ، فإذا أجمعت على العمل بالخبر وظنت صحته وصدقه كان كما ظنت، وإلا كانت قد أجمعت على أمر باطل٥. ثانيا: القياس على الإجماع على حكم مستند إلى ظاهر أو قياس غير قطعي، فكما يجعل الإجماع ذلك الحكم قطعيا وإن لم يكن مستنده قطعيا

стр. 137

القول الثاني: أن الإجماع على تلقي الخبر بالقبول والعمل به لا يجعله قطعيا. وهذا قول القاضي أبي بكر الباقلاني٣، لكن نقل الزركشي عن ابن القشيري٤ أنه حكى عن القاضي أبي بكر الباقلاني أن ذلك يكون دليلا على الصحة٥. ومنع القطعية في هذه الصورة هو قول الآمدي٦.

стр. 138

وحجة هذا القول: "أن تصحيح الأئمة للخبر مجرى على حكم الظاهر، فإذا استجمع خبرٌ مِن ظاهره عدالةَ الراوي وثبوت الثقة به وغيرهما مما يرعاه المحدثون فإنهم يطلقون فيه الصحة، ولا وجه إذاً للقطع بالصحة والحالة هذه ... فإنهم لا يتوصلون إلى العلم بصدقه ولو قطعوا لكانوا مجازفين وأهل الإجماع لا يجتمعون على باطل"١. أما الحالة الثالثة: وهي الإجماع على حكم هو مقتضى خبر غير قطعي ولم يعلم أن الإجماع حصل من أجله - فالظاهر أنه لا يفيده القطعية، لأن ما ذكره الجمهور هو أن الإجماع على الخبر وتلقي الأمة له بالقبول مفيد القطعية فيه، وذلك فيما لو وقع الإجماع على العمل بالخبر وعلم ذلك، وفي هذا الصورة لم يعلم أن الإجماع وقع عليه فيحتمل أن يكون للإجماع مستند آخر غير ذلك الخبر٢!

стр. 139

والظاهر - والله أعلم - أن الإجماع في الحالتين الأولى والثانية مفيد للقطعية في الدليل، أما في الحالة الأولى فلأن الإجماع على تصديق الخبر لا يمكن أن يكون خطأ فيجب أن يكون الخبر كما أجمعوا عليه، وأما في الحالة الثانية فلأن الإجماع على تصحيح الخبر يجعله قطعيا، وإن كان تصحيح كل واحد له هو بحسب ظنه، وقطعيته لذلك الإجماع لا لنفس الخبر، فهو أمر ظني أجمع عليه فارتفع بكونه سبيل المؤمنين إلى اليقين وعدم جواز الخُلف، أما الحالة الثالثة فالظاهر أن الخبر فيها غير قطعي، لأنه خبر لم يعلم أن الإجماع وقع عليه. والله أعلم. وأما كون الإجماع مفيدا القطعية في الدليل من حيث الدلالة فذلك فيما كان من الأدلة غير قطعي الدلالة واحتمل أن يراد منه غير ظاهره من حيث اللفظ فوقع الإجماع على المراد منه، فيصير الدليل قطعيا في أن المراد منه هو ذاك الذي وقع عليه الإجماع. ومن ذلك الإجماع على القياس١، فإنه يجعله قطعيا وإن لم يكن كذلك بالنظر إليه مجردا، وقد ذكر أهل العلم جملة من الأقيسة التي أجمع

стр. 140

عليها العلماء ﵏، منها: إجماع الصحابة على إمامة أبي بكر الصديق ﵁ قياسا للإمامة الكبرى على الإمامة الصغرى في الصلاة، ومنها: الإجماع على قتال مانعي الزكاة قياسا لها على الصلاة، والإجماع على تحريم شحم الخنزير، قياسا على لحمه، والإجماع على وجوب الزكاة في الجواميس قياسا على البقر١.

стр. 141

المطلب الثاني: أثر القرائن في إفادة القطعية تعريف القرينة: فعيلة بمعنى فاعلة من (قرن) ، ومن معانيه جمع الشيء إلى شيء، ومنه القران بين الحج والعمرة في النسك، والقران بين تمرتين في الأكل، وقرينة الرجل: نفسه التي معه أو زوجه، ودور قرائن: إذا كانت تستقبل بعضها بعضا. والقرينة: ما يشير إلى المطلوب، ومن أمثلتها في اللغة: القرائن اللفظية، كما في قولك: "ضربت موسى حبلى" المتأخر، لأن التاء من (ضربت) قرينة من اللفظ على أن فاعل الضرب هو (حبلى) المتأخر، ومنها: القرائن الحالية، كما في قولك: (أكلت الكمثرى موسى) ١، فإن الحال تدل على أن الذي يحتمل أن يكون الآكل هو موسى أما الكمثرى ففاكهة مأكولة. قرائن القطعية في الدليل: ولكن المراد بالقرائن هنا أخص من ذلك، فإن القرائن التي تفيد

стр. 142

القطعية في الدليل: جميع ما يؤثر في الدليل ويزيده قوة في الثبوت أو في الدلالة مما ليس داخلا في حجيته وصحته ولا في حده وحقيقته، لأن من القرائن ما تكون لازمة لحجية الدليل وشرطا في قبوله وصحته مثل عدالة الراوي في خبر الواحد، فإنها شرط في قبول الخبر، وكل خبر حجة يلزم أن يكون راويه عدلا، فلا يكون مثل هذه القرائن مرادا به ها هنا، لأن القطعية فرع عن الحجية، ولا يبحث في قطعية دليل لم يثبت كونه حجة. وإنما المراد الأمور التي تقارن الدليل أو تسبقه أو تلحقه، ويكون لها أثر في ازدياد قوة الدليل والثقة به، وهي أمور قد تخفى على بعض المجتهدين دون بعضهم فيقطع بالدليل من اطلع عليها أو على قدر منها يفيده القطعية ولا يقطع بالدليل من لم يطلع عليها أو اطلع على قدر منها لا يفيده القطعية، وذلك مثل كثرة الطرق المروي بها الخبر، وكون رواته من الأئمة المشهورين المعروفين بمزيد عدل وصدق، وكون الخبر له شواهد معززة في الأدلة الأخرى١. ومن ذلك - أيضا - ما يذكر من القرائن المؤثرة في العدد المفيد العلم القطعي في الخبر المتواتر٢، لأنها ليست لازمة للحجية ولا هي داخلة في

стр. 143

حقيقة الخبر المتواتر، فإن حقيقته -كما سيأتي - خبر عدد يستحيل على مجموعهم الكذب، وربما كثر العدد وقل بالنسبة إلى هذا أو ذاك لاختلافهم في الوقوف على القرائن المؤثرة في العدد، ولأن تلك القرائن المؤثرة في العدد ربما خفيت على بعض فلا يكفيه عدد يكفي من اطلع على تلك القرائن. وقد تكون القرينة لازمة وغير لازمة بحسب المواضع، فمن ذلك العدد في رواة الخبر، فإنه ليس لازما للحجية في مطلق الخبر، إذ الخبر يحتج به إذا كان صحيحا وإن لم يروه أكثر من واحد، لكن العدد لازم لحقيقة الخبر المتواتر، وذلك أن تعدد الرواة في الخبر المتواتر قرينة لازمة لحقيقة الخبر المتواتر وهو في مطلق الخبر قرينة غير لازمة. والله تعالى أعلم. والقرائن قد تفيد القطعية في الدليل من جهة الثبوت وقد تفيدها فيه من جهة الدلالة، أما من جهة الثبوت فذلك أثر القرائن في قطعية خبر الواحد من جهة الثبوت١، وأما من جهة الدلالة فذلك كل ما يذكر من الأمور المفيدة للمراد من الأدلة زيادة على ظهور المعنى حتى يقوى ويصل إلى القطع، كأن تكون صيغة الدليل مثلا ظاهرة في العموم أو في الوجوب أو في النهي ... ويقف الناظر في الدليل على قرائن وشواهد أخرى تقوِّي ظاهر هذه الصيغ حتى يقطع بأن المراد من الدليل ما ظهر منه٢.

стр. 144

وللاعتداد بالقرائن في الأدلة أهمية كبيرة، فقد كان عدم النظر فيها وعدم الاعتداد بها سببا في نفي القطعية عن أدلة كثيرة. فمن جهة الثبوت نفى كثيرٌ القطعيةَ عن أخبار هي قطعية عند المطلعين على القرائن التي خفيت على من نفى القطعية، كالنظر في أحوال الرواة وسيرهم وطرق الرواية١، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك الخبر المروي من عدة جهات يصدق بعضها بعضا من أناس مخصوصين قد يفيد العلم اليقيني لمن كان عالما بتلك الجهات وبحال أولئك المخبِرين وبقرائن وضمائم تحتف بالخبر، وإن كان العلم بذلك الخبر لا يحصل لمن لم يشركه في ذلك، ولهذا كان علماء الحديث الجهابذة المتبحرون في معرفته قد يحصل لهم اليقين التام بأخبار وإن كان غيرهم من العلماء قد لا يظن صدقها فضلا عن العلم بها"٢. ومن جهة الدلالة أدت الغفلة عن النظر في القرائن المحيطة بالنصوص الشرعية إلى أن نفى بعض من لم يحط بها القطعيةَ عن كثير من الألفاظ الشرعية، إذ أخذها منفردة فتطرقت إليها عنده احتمالات كثيرة صعب عليه من أجلها القطع بها، مع أن القرائن التي تسبقها أو تلحقها أو تقارنها تنفي عنها تلك الاحتمالات٣.

стр. 145

قطعية القرائن: مذهب كثيرٍ من العلماء١ أن القرائن تؤثر في الدليل وقد تفيد فيه القطع، وأطلق القاضي أبو بكر الباقلاني نفي أن يكون للقرائن أثر في جعل خبر الواحد قطعيا٢. ولكن كون القرائن مفيدة للقطعية في الدليل إنما هو في الجملة ولا يلزم منه أن كل قرينة تفرض مفيدة للقطعية أو لكل أحد، لذا اختلف في جملة من القرائن هل تفيد العلم القطعي في ثبوت خبر الواحد مثلا، كأن يكون الخبر قد تلقاه بعض الأمة بالقبول وأوَّله بعضهم، أو يكون الواحد أخبر به في جماعة لم يكذبوه مع جواز تواطئهم على الكذب٣. قرائن الأحوال: هذا القسم الأول من القرائن. ويصعب تحديدها بعبارات وافية ١، قال الجويني: "وهى تنقسم إلى
следующие страницы →