المطلب الثاني: أثر القرائن في إفادة القطعية
تعريف القرينة: فعيلة بمعنى فاعلة من (قرن) ، ومن معانيه جمع الشيء إلى شيء، ومنه القران بين الحج والعمرة في النسك، والقران بين تمرتين في الأكل، وقرينة الرجل: نفسه التي معه أو زوجه، ودور قرائن: إذا كانت تستقبل بعضها بعضا.
والقرينة: ما يشير إلى المطلوب، ومن أمثلتها في اللغة: القرائن اللفظية، كما في قولك: "ضربت موسى حبلى" المتأخر، لأن التاء من (ضربت) قرينة من اللفظ على أن فاعل الضرب هو (حبلى) المتأخر، ومنها: القرائن الحالية، كما في قولك: (أكلت الكمثرى موسى) ١، فإن الحال تدل على أن الذي يحتمل أن يكون الآكل هو موسى أما الكمثرى ففاكهة مأكولة.
قرائن القطعية في الدليل:
ولكن المراد بالقرائن هنا أخص من ذلك، فإن القرائن التي تفيد
стр. 142
القطعية في الدليل: جميع ما يؤثر في الدليل ويزيده قوة في الثبوت أو في الدلالة مما ليس داخلا في حجيته وصحته ولا في حده وحقيقته، لأن من القرائن ما تكون لازمة لحجية الدليل وشرطا في قبوله وصحته مثل عدالة الراوي في خبر الواحد، فإنها شرط في قبول الخبر، وكل خبر حجة يلزم أن يكون راويه عدلا، فلا يكون مثل هذه القرائن مرادا به ها هنا، لأن القطعية فرع عن الحجية، ولا يبحث في قطعية دليل لم يثبت كونه حجة.
وإنما المراد الأمور التي تقارن الدليل أو تسبقه أو تلحقه، ويكون لها أثر في ازدياد قوة الدليل والثقة به، وهي أمور قد تخفى على بعض المجتهدين دون بعضهم فيقطع بالدليل من اطلع عليها أو على قدر منها يفيده القطعية ولا يقطع بالدليل من لم يطلع عليها أو اطلع على قدر منها لا يفيده القطعية، وذلك مثل كثرة الطرق المروي بها الخبر، وكون رواته من الأئمة المشهورين المعروفين بمزيد عدل وصدق، وكون الخبر له شواهد معززة في الأدلة الأخرى١.
ومن ذلك - أيضا - ما يذكر من القرائن المؤثرة في العدد المفيد العلم القطعي في الخبر المتواتر٢، لأنها ليست لازمة للحجية ولا هي داخلة في
стр. 143
حقيقة الخبر المتواتر، فإن حقيقته -كما سيأتي - خبر عدد يستحيل على مجموعهم الكذب، وربما كثر العدد وقل بالنسبة إلى هذا أو ذاك لاختلافهم في الوقوف على القرائن المؤثرة في العدد، ولأن تلك القرائن المؤثرة في العدد ربما خفيت على بعض فلا يكفيه عدد يكفي من اطلع على تلك القرائن.
وقد تكون القرينة لازمة وغير لازمة بحسب المواضع، فمن ذلك العدد في رواة الخبر، فإنه ليس لازما للحجية في مطلق الخبر، إذ الخبر يحتج به إذا كان صحيحا وإن لم يروه أكثر من واحد، لكن العدد لازم لحقيقة الخبر المتواتر، وذلك أن تعدد الرواة في الخبر المتواتر قرينة لازمة لحقيقة الخبر المتواتر وهو في مطلق الخبر قرينة غير لازمة. والله تعالى أعلم.
والقرائن قد تفيد القطعية في الدليل من جهة الثبوت وقد تفيدها فيه من جهة الدلالة، أما من جهة الثبوت فذلك أثر القرائن في قطعية خبر الواحد من جهة الثبوت١، وأما من جهة الدلالة فذلك كل ما يذكر من الأمور المفيدة للمراد من الأدلة زيادة على ظهور المعنى حتى يقوى ويصل إلى القطع، كأن تكون صيغة الدليل مثلا ظاهرة في العموم أو في الوجوب أو في النهي ... ويقف الناظر في الدليل على قرائن وشواهد أخرى تقوِّي ظاهر هذه الصيغ حتى يقطع بأن المراد من الدليل ما ظهر منه٢.
стр. 144
وللاعتداد بالقرائن في الأدلة أهمية كبيرة، فقد كان عدم النظر فيها وعدم الاعتداد بها سببا في نفي القطعية عن أدلة كثيرة.
فمن جهة الثبوت نفى كثيرٌ القطعيةَ عن أخبار هي قطعية عند المطلعين على القرائن التي خفيت على من نفى القطعية، كالنظر في أحوال الرواة وسيرهم وطرق الرواية١، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك الخبر المروي من عدة جهات يصدق بعضها بعضا من أناس مخصوصين قد يفيد العلم اليقيني لمن كان عالما بتلك الجهات وبحال أولئك المخبِرين وبقرائن وضمائم تحتف بالخبر، وإن كان العلم بذلك الخبر لا يحصل لمن لم يشركه في ذلك، ولهذا كان علماء الحديث الجهابذة المتبحرون في معرفته قد يحصل لهم اليقين التام بأخبار وإن كان غيرهم من العلماء قد لا يظن صدقها فضلا عن العلم بها"٢.
ومن جهة الدلالة أدت الغفلة عن النظر في القرائن المحيطة بالنصوص الشرعية إلى أن نفى بعض من لم يحط بها القطعيةَ عن كثير من الألفاظ الشرعية، إذ أخذها منفردة فتطرقت إليها عنده احتمالات كثيرة صعب عليه من أجلها القطع بها، مع أن القرائن التي تسبقها أو تلحقها أو تقارنها تنفي عنها تلك الاحتمالات٣.
стр. 145
قطعية القرائن:
مذهب كثيرٍ من العلماء١ أن القرائن تؤثر في الدليل وقد تفيد فيه القطع، وأطلق القاضي أبو بكر الباقلاني نفي أن يكون للقرائن أثر في جعل خبر الواحد قطعيا٢.
ولكن كون القرائن مفيدة للقطعية في الدليل إنما هو في الجملة ولا يلزم منه أن كل قرينة تفرض مفيدة للقطعية أو لكل أحد، لذا اختلف في جملة من القرائن هل تفيد العلم القطعي في ثبوت خبر الواحد مثلا، كأن يكون الخبر قد تلقاه بعض الأمة بالقبول وأوَّله بعضهم، أو يكون الواحد أخبر به في جماعة لم يكذبوه مع جواز تواطئهم على الكذب٣. قرائن الأحوال:
هذا القسم الأول من القرائن.
ويصعب تحديدها بعبارات وافية ١، قال الجويني: "وهى تنقسم إلى
стр. 146
قرائن مقال وقرائن أحوال: أما الأحوال فلا سبيل إلى ضبطها تجنيسا وتخصيصا، ولكنها إذا ثبتت لاح للعاقل في حكم طرد العرف أمور ضرورية"٢، وقال في موضع آخر: "إن العلوم الحاصلة على حكم العادات وجدناها مرتبة على قرائن الأحوال، وهي لا تنضبط انضباط المحدودات"٣، وقال الغزالي: "إن قصد الاستغراق يعلم بعلم ضروري يحصل عن قرائن أحوال ورموز ... وأمور معلومة من عادته [أي المتكلم] ومقاصده وقرائن مختلفة لا يمكن حصرها في جنس ولا ضبطها بوصف"٤، وقال الرازي: "إن القرائن لا تفي العبارات بوصفها، فقد تحصل أمور يعلم بالضرورة عند العلم بها كون الشخص خجِلا أو وجِلا، مع أنا لو حاولنا التعبير عن جميع تلك الأمور لعجزنا عنه"٥.
وضرب أهل العلم لقرائن الأحوال أمثلة تفيد في تقريبها إلى الذهن وفهم المقصود منها، ومن تلك الأمثلة:
- أحوال رواة الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وعاداتهم وما عرف من سيرهم، وأحوال المخبَر عنه، وأحوال المخبِر المبلغ، فكل ذلك يؤثر في
стр. 147
ازدياد قوة ثبوت الخبر عمن روي عنه١.
- العلامات التي تظهر على الإنسان الخَجِل أو الوَجِل أو الغضبان، فإذا أخبر عدل عن خجله أو وجله أو غضبه مع ظهور تلك العلامات فقد نقطع بما أخبر٢.
- حركة المتكلم، وأخلاقه، وعاداته، ومقاصده، وتغيرات وجهه، وحركات رأسه المقارنة لكلامه، والمعينة على قوة بيان مراده من كلامه٣.
- إذا علم المرء بامرأة حامل قد اكتملت مدة حملها، ثم سمع الطلق من وراء الجدار مع ضجة النسوان حول تلك الحامل، ثم سمع صراخ الطفل، ثم خرجت نسوة يُعْلِنَّ أنها قد ولدت وأخبرن بذلك، فإنه لا يستريب المخبَر في خبرهن، بل يحصل له العلم به قطعا٤.
- قال بعض العلماء ممثلا لقرائن القطعية في بعض أمور زمانه: "لو أن سفيرا من خواص الخدم رفع جانب الستر الشريف عن باب الحرم، وأومأ بالإشارة إلى المنصوب في دست الوزارة٥: أن انهض بحرمتك فقد
стр. 148
استُغني عن خدمتك! لَقَطع الصدر والحاضرون بصدق قول السفير، وصحة عزل الوزير ... ولو حضر غريب لا يعرف اختصاصَ المخبِر وسطوةَ السلطان أو عظم قدر المنصوب لم يشاركهم في الاضطرار إلى العلم به ... "١.
قرائن السياق:وهي قريبة من قرائن الأحوال القرائنُ التي تستنبط من سياق الدليل، ومَثَّل بعض العلماء لذلك بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيِّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢، فإن "السياق في بيان شرفه ﷺ ، وذلك لا يحصل بإباحة لفظ الهبة له في النكاح دون غيره فقط، بل بأنه ﷺ يجوز له النكاح بلا مهر"٣، فيتبين ضعف احتمال من حمل اللفظ على أن الخصوصية المشار إليها هي كون النكاح بلفظ (الهبة) خاصة به ﷺ دون غيره، لقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤.
فقرائن الأحوال هي كل ما يلابس الدليل مما يفهم من سياقه وحال وروده ويؤثر في زيادة قوته ثبوتا أو دلالة، وهي تفيد القطعية في الدليل ثبوتا كما في قرائن الأحوال المحيطة بخبر الواحد٥، وتفيد القطعية فيه من حيث الدلالة، كالإشارات والحركات والمقاصد والعادات التي شاهدها الصحابة
стр. 149
عند نزول القرآن وبيان الرسول ﷺ للأحاديث، ففهموا الوجوب والطلب الجازم من بعض صيغ الأمر وفهموا الندب من أخرى، وفهموا العموم من بعض صيغه والخصوص من أخرى، وفهموا الإطلاق والتقييد ونحو ذلك١.
قرائن المقال (أو القرائن اللفظية) :
هذا القسم الثاني من القرائن، وهي ما كان من قرائن الدليل لفظا معينا في بيان المراد منه، وذلك في جهة الدلالة كالألفاظ المخصِّصة للعموم أو المقيِّدة للمطلق أو المبيِّنة للمجمل، فقد تكون من الكثرة أو القوة بحيث يقطع من وقف عليها بالمراد بالدليل، وفي جهة الثبوت كتواتر الخبر على ثبوت إجماع الأمة.
ومن الأمثلة على القرائن اللفظية:
- تأكيد المعنى الظاهر من الكلام، كما إذا قال قائل: "اضرب الجناة وأكرم المصلحين"، فإن ظاهر هذا العموم٢، فإذا قال: "كافتهم، صغيرهم وكبيرهم، شيخهم وشابهم، ذكرهم وأنثاهم، كيف كانوا، وعلى أي وجه كانوا، لا تغادر منهم أحدا، بسبب من الأسباب ووجه من
стр. 150
الوجوه" ... حصل علم قطعي بأن مراده من الصيغة العموم١.
- اطراد اللفظ الظاهر في موارد استعماله على معنى واحد، فتجري مجرى النصوص التي لا تحتمل غير مسماها، بتلك الموارد التي هي قرائن مفيدة زيادة بيان في الظاهر٢.
- وقريب من قرائن المقال القرائن الخارجية، وهي الأدلة المنفصلة من نص أو قياس أو عمل، التي تبين المراد من الدليل المحتمل، مثالها أن قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثةَ قُرُوءٍ﴾ ٣ يحتمل في جهة الدلالة أن يكون التربص بالحيض أو بالأطهار، فيستدل من يرى أنه بالحيض بقرائن وأدلة أخرى تعزز ذلك الاحتمال كقوله تعالى: ﴿وَالَّلائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتهُنَّ ثَلاَثةُ أَشْهُرٍ وَاللاَئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ ٤، فجعل عدة المرأة التي لا تحيض لصغر أو يأس بالأشهر بدلا من الحيض، فدل على أن الأصل في العدة أن يكون بالحيض، وبأن القصد من العدة استبراء الرحم من الحمل والعلامة الدالة على براءة الرحم في العادة هي الحيض لا الطهر! فإن الطهر تشترك فيه الحامل والحائل، والحيض في غالب
стр. 151
العادة خاص بالحائل، فكان النظر المناسب للمقصد الشرعي من ذلك أن تكون العدة بالحيض١.
ومثال قرينة موافقة العمل: أن قوله تعالى في آية الوضوء: ﴿يَأَيهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلكُمْ إِلى الْكَعْبَيْنِ﴾ ٢ يحتمل أن يكون ﴿أَرْجُلكُمْ﴾ معطوفا على قوله: ﴿رُؤُوسِكُمْ﴾ ويحتمل أن يكون معطوفا على قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ﴾ ، وهو على الاحتمال الأول ممسوح، وعلى الثاني مغسول، لكن عمل الصحابة فمن بعدهم قرينة تؤيد الاحتمال الثاني، إذ المنقول عن عامتهم هو الغسل لا المسح٣.
تقسيم آخر للقرائن:
قسم بعض العلماء القرائن إلى عادية وعقلية وحسية.
فالعادية: كالقرائن التي تكون على من يخبر بموت ولده من التفجع وشق الجيوب!
стр. 152
والعقلية: كخبر جماعة تقتضي البديهة أو الاستدلال صدقه ١.
والحسية: كالقرائن التي تكون على من يخبر بعطشه٢.
(الاستدلال بالقرائن) في كلام الشيرازي والباجي:
في كلام الباجي وأبي إسحاق الشيرازي وغيرهما عبارة: "الاستدلال بالقرائن"، وليس المراد بالقرائن في هذه العبارة ما في هذا المبحث، وإنما المراد بها عندهم أن يقرن الشارع بين شيئين في اللفظ فيختلف في أن ذلك يقتضي التسوية بينهما في الحكم٣، ويسمى أيضا (دلالة الاقتران) ٤ أو (الاستدلال بالقِران) ٥.
стр. 153
ووردت هذه العبارة في الأثر عن ابن عباس١ ﵄
стр. 154
في الاستدلال على وجوب العمرة وأنها مثل الحج، قال: "إنها - أي العمرة - لقرينة الحج في كتاب الله تعالى: ﴿وَأَتمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ١"٢.
стр. 155
المبحث الثالث: فيما يمنع القطعية عن الدليل
المطلب الأول: أثر الخلاف في منع القطعية
...
المبحث الثالث: فيما يمنع القطعية عن الدليل
تقدم الكلام في المبحث السابق عن الأمور التي تضفي القطعية على دليل غير قطعي على فرض خلوه عن تلك الأمور، فهل ثمة أمور إذا كانت في الدليل غير القطعي منعته من القطعية، أو أزالت القطعية عنه إذا حلت فيه؟ وهل كون الدليل مختلفا فيه يثبت العذر، ويرفع القطعية عنه، أو يمنعه منها؟ وهل الاحتمال مخرج للدليل عن القطعية، وما حدود ذلك؟
فمدار هذا المبحث على الاختلاف والاحتمال وأثرهما في رفع القطعية عن الدليل.
المطلب الأول: أثر الخلاف في منع القطعية
المقصود من الخلاف في الدليل هنا الخلاف فيه من جهة ثبوته ومن جهة دلالته، والخلاف الذي يلزم منه ذلك كالخلاف في حجيته.
أما الخلاف في الدليل من جهة ثبوته، فكالخلاف في ثبوت إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على العمل بالقياس١، وكالخلاف في ثبوت التواتر في الأخبار المستدل بها على حجية الإجماع٢، وأما الخلاف في الدليل
стр. 156
من جهة دلالته، فكالخلاف في دلالة قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمنينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ١ على حجية الإجماع٢ ومن ذلك الخلاف في دلالة آيات كثيرة من الكتاب العزيز على بعض المسائل الفقهية، كدلالة قوله تعالى في آية الوضوء: ﴿يَأَيهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلى الْمَرَافِقِ﴾ ٣ على وجوب غسل المرفق مع اليد، ودلالة قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثةَ قُرُوءٍ﴾ ٤ على أن الاعتداد بالأطهار أو بالحيض٥.
والخلاف في حجية الدليل يلزم منه الخلاف في قطعيته مطلقا، لأن القطعية فرع عن الحجية، فمن لا يرى الدليل حجة أصلا فهو لا يراه قطعيا! فيدخل ههنا بالتبع الخلافُ في حجية خبر الواحد والإجماع والقياس، فقد خالف في ذلك بعض الفرق البعيدة عن اتباع السنة٦.
стр. 157
ولكِلاَ طَرَفَي الإثبات والنفي في هذه المسألة ما يعززه من الأمارات وإشارات أهل العلم:
كون الخلاف مانعا من القطعية أو رافعا لها يدل عليه ما يلي:
أولا: أن مسائل الخلاف قد كثر فيها الخلو من الدليل القطعي، قال الزركشي: "لما غلب على مسائل الخلاف الظن ظُنَّ أن جميعها كذلك ... "١، لأنه لما كان وجود الدليل القطعي يجعل الباحثين في الأدلة يتفقون على القول بموجبه، ويطمئنون إليه كان خلافهم موهما بعدم وجود دليل قطعي في المسألة، وأن جميع المختلفين اعتمدوا فيما ذهبوا إليه على أدلة غير قطعية.
ثانيا: أن في عبارة كثير من أهل العلم ما يشير إلى ذلك:
- قال الشافعي - إشارة إلى القسم القطعي من الحجج -: هو "ما كان نص كتاب بيِّن أو سنة مجتمع عليها ... "، وقال في القسم غير القطعي منها: هو "ما كان من سنة من خبر الخاصة الذي قد يختلف الخبر فيه"٢،
стр. 158
فما ذكره ﵀ يحتمل أن يكون معناه أن اجتماع الخبر مظنة القطعية واختلافه مظنة عدمها.
- وفرق أبو الحسين البصري بين ما هو من مسائل الاجتهاد وما ليس منها بقوله: "إن مسائل الاجتهاد التي لا لوم على المخطئ فيها هي ما اختلف فيه أهل الاجتهاد من الأحكام الشرعية"١.
- وقال الغزالي - إشارة إلى مسألة هل البسملة آية من القرآن -: "الإنصاف أنها ليست قطعية بل هي اجتهادية، ودليل جواز الاجتهاد فيها وقوع الخلاف فيها في زمان الصحابة ﵃"٢.
- وقال الرازي: "إنا نجد الناس مختلفين في معاني الألفاظ التي هي أكثر الألفاظ دورانا على ألسنة المسلمين اختلافا لا يمكن القطع فيه بما هو الحق"٣.
- وقال الطوفي - إشارة إلى مسألة الحقيقة الشرعية -: "والدليل على أنها ليست قطعية أنها لو كانت قطعية لنصب عليها دليل قاطع ... لكن الدليل القاطع منتف قطعا وإلا لما وقع هذا النزاع"٤.
стр. 159
- ويقول ابن السبكي١ - إشارة إلى مسألة جواز النسخ بمفهوم الموافقة -: "والمسألة خلافية ولا قاطع مع الخلاف"٢.
- ومن ذلك أن الإجماع القطعي عند بعض العلماء هو الإجماع الذي لا يختلف فيه أحد من القائلين بحجية الإجماع٣، فكان الخلاف في الإجماع على هذا رافعا أو مانعا من كونه قطعيا.
- ومن ذلك أن الواقفية في صيغ العموم والأمر٤ يستدلون على نفي وجود دليل قطعي على حجية تلك الصيغ بدليل مشهور لهم، وهو أنه لو وجد دليل قطعي لما خالفوا، فيجعلون خلافهم دليلا على عدم القطعية في جميع ما استدل به الجمهور على حجية تلك الصيغ٥.
стр. 160
كون الخلاف لا يمنع القطعية ولا يرفعها يدل عليه ما يلي:
أولا: أن المعول عليه في إثبات الأحكام الشرعية ونفيها هو الدليل وما يفيده وليس موقف الناظرين في ذلك الدليل، إلا أن يدل دليل شرعي على ذلك كما في الإجماع، فقد ثبت بالأدلة القاطعة أن إجماع الأمة على أمر يجعل ذلك الأمر صوابا وينقطع فيه احتمال الخطأ، ومن ذلك إجماع جميع المجتهدين على قبول الدليل، أما الخلاف فليس كذلك إذ ليس الخلاف حجة١، فلا يرفع القطعية ولا يمنعها.
ثانيا: أن كثيرا من الأدلة والمسائل القطعية عند جمهور المسلمين قد خالف فيها مخالفون، كحجية الإجماع وقطعيته وحجية خبر الواحد وجواز قطعيته وحجية القياس، ومن ذلك ما ينقل من خلاف السمنية٢ في قطعية الخبر المتواتر، ولو كان الخلاف رافعا للقطعية لما وقع القطع من الأئمة بأن
стр. 161
هذه أدلة وحجج على الأحكام الشرعية١.
ثالثا: أن من الخلاف ما لا يعتد به لبعده وكونه مبنيا على مخالفة الصريح الصحيح، فكيف يكون مثل ذلك مانعا من القطعية!
قال الشاطبي: "إن كل خلاف واقع لا يستمر أن يعد في الخلاف ... ، لأن الفرق الخارجة عن السنة حين لم تَجمع بين أطراف الأدلة تشابهت عليها المآخذ فضلت، وما ضلت إلا وهي غير معتبرة القول فيما ضلت فيه فخلافها لا يعد خلافا، وهكذا ما جرى مجراها من الخروج عن الجادة"٢، وقال في موضع آخر: "إن المخالفة للأدلة الشرعية على مراتب: فمن الأقوال ما يكون خلافا لدليل قطعي من نص متواتر أو إجماع قطعي في حكم كلي ... فأما المخالف للقطعي فلا إشكال في اطراحه، ولكن العلماء ربما ذكروه للتنبيه عليه وعلى ما فيه دون الاعتداد به"٣.
وقال إمام الحرمين مشيرا إلى من خالف في بعض أنواع القياس القوية
стр. 162
كإلحاق صب البول في الماء الراكد بالبول فيه: "وقد قال القاضي لا يعتد بخلاف هؤلاء ولا ينخرق الإجماع بخروجهم عنه، وليسوا معدودين من علماء الشريعة"١.
وذلك أن الخلاف قد يكون عن عناد أو عن خلل، كخلاف السمنية في قطعية الخبر المتواتر، فكيف يكون مثل هذا الخلاف رافعا للقطعية أو مانعا لها٢! بل قد يكون الخلاف بسبب الجهل وعدم الاطلاع على الدليل أو على القرائن المعززة له التي ترفعه عن الظهور إلى اليقين والقطع٣، أو يكون الخلاف عند التحقيق راجعا إلى الاتفاق، "وأكثر ما يقع ذلك في تفسير الكتاب والسنة، فتجد المفسرين ينقلون عن السلف في معاني ألفاظ الكتاب أقوالا مختلفة في الظاهر، فإذا اعتبرتها وجدتها تتلاقى على العبارة كالمعنى الواحد"٤.
رابعا: أن كثيرا من المسائل يقع فيها الخلاف، ثم إن كل فريق من
стр. 163
المختلفين يذهب إلى القطع في المسألة ويرى أن دليله قطعي فيما ذهب إليه وأن مخالفه مخطئ قطعا١، لذا يتطرق أهل العلم عقب بعض المسائل الخلافية إلى النظر في كونها من مسائل القطع أم لا، بمعنى أن الأدلة فيها قطعية أم أنها متقاربة غير بالغة مبلغ القطع٢.
خامسا: أن القطعية في الدليل ليست صفة لازمة ومطردة حتى يكون عدم قطع بعض من نظر فيه رافعا القطعية عنه بالنسبة لغيره، فليس كل دليل قطعي يجب أن يشترك جميع الناظرين في القطع به، فلا يكون خلاف زيد من المستدلين يزيل القطعية عن الدليل بالنسبة لعمرو منهم، قال ابن القيم: "إن كون الدليل من الأمور الظنية أو القطعية أمر نسبي يختلف باختلاف المدرك المستدل، ليس صفة للدليل في نفسه ... ، فقد يكون قطعيا عند زيد ما هو ظني عند عمرو"٣، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن العلوم على اختلافها وتباين صفاتها لا توجب اشتراك العقلاء فيها لا سيما السمعيات والخبريات، وإن زعم أقوام من أولي الجدال أن الضروريات يجب الاشتراك فيها، فإن هذا حق في بعض الضروريات لا في جميعها، مع تجويزنا
стр. 164
عدم الاشتراك في شيء من الضروريات، لكن جرت سنة الله بوقوع الاشتراك في بعضها فغلط أقوام فجعلوا وجوب الاشتراك في جميعها فجحدوا كثيرا من العلم الذي اختص به غيرهم ١. يبين ذلك أن القطع وعدمه ربما كان بحسب ما وصل إلى الإنسان من الأدلة وبحسب قدرته على الاستدلال، والناس يختلفون في هذا وذاك"٢.
فقد لا يقطع مستدل ناظر في الدليل لأنه لم يصله ما يكفي من ذلك للقطع أو يصله ما يكفي ولا يكون عنده القدرة على استنباط القطع من الأدلة، فكيف يكون خلافه مانعا لغيره من القطع!.
ومما يشير إلى هذا الطرف ما ذكره الغزالي في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة مشيرا إلى القول بعدم صحة الصلاة فيها، قال: "وكل من غلب عليه الكلام قطع بهذا نظرا إلى اتحاد أكوانه في كل حالة من أحواله وأن الحادث منه أكوان اختيارية هو معاقب عليها عاص بها فكيف يكون متقربا بما هو معاقب عليه ومطيعا بما هو به عاص"٣، فالذي غلب عليه علم الكلام يقطع بهذا لما اعتاده من مباحث وحقائق في العلم الغالب عليه، ولا
стр. 165
يقطع به غيره ممن لم يمارس الكلام ١.
قطعية الدليل بالنسبة للخلاف نوعان:
ويستخلص مما ذكر في هذا المطلب أن القطعية في الأدلة نوعان:
النوع الأول: القطعية المطلقة، وهي: ما يكون سبب القطع فيها واضحا صريحا، كأن يكون الدليل نصا من كتاب الله تعالى لا شبهة فيه، ثم يجمع عليه المسلمون عامتهم وخاصتهم، فهذا لا يتصور فيه خلاف معتد به، إلا مع فرض كونه عن عناد أو اتباع هوى، لأن الكتاب العزيز قطعي من جهة الثبوت، وكون الدليل فيه نصا يجعله قطعيا من جهة الدلالة أيضا، فيقطع به وبما يدل عليه كل من عرف لغة العرب.
ولا يمكن أن يقال في مثل هذا النوع من القطعية إنه نسبي! إذ لا يمكن أن يوجد من هو أهلٌ للنظر في الأدلة الشرعية وطَلَبِ الأحكام منها يجهل دليلا هو نص في كتاب الله تعالى مثبت لحكم شرعي مجمع عليه!.
ولعل هذا النوع هو ما يفيد العلم القطعي الذي ذكر الإمام الشافعي ﵀ أنه عِلْمُ عامّةٍ المسلمين الذي لا يَسَعُ بالغا غيرَ مغلوبٍ على عقله جهلُه٢.
стр. 166
النوع الثاني: القطعية المقيدة، وهي: ما يكون سبب القطع فيها غير قريب، معتمدا على قرائن متفرقة يحتاج الناظر للوقوف عليها إلى استقراء وتتبع ونظرٍ في وجه استنباط القطع منها، ثم يوفق في النظر في ذلك حتى يحصل له القطع واليقين منة من الله وفضلا، يرفعه بذلك درجات بما أوتي من اليقين، وقد لا يطلع غيره من المستدلين الناظرين على كل تلك القرائن أو يطلع عليها ولا يوفَّق في الاستنباط فيقف دون اليقين عند حد الرجحان.
فمثل هذا الاختلاف يرفع صفة الاطراد واللزوم عن القطعية في الدليل حتى يكون دليلا قاطعا في حق من وُفِّق إلى الوصول إلى اليقين، وغير قاطع في حق غيره ممن لم يصل إلى ذلك، ولا يكون عدم القطعية بالنسبة إلى من لم يقطع في هذا يمنع القطعية بالنسبة إلى غيره، بل تكون القطعية نسبية.
وكون الغالب في مسائل الخلاف بين أهل العلم عدم القطعية المراد به القطعية بالمعنى الأول، وإلا فلا يبعد أن يكون الغالب فيها القطع واليقين عند الأئمة الأعلام الجامعين لشتات الأدلة الواقفين على قرائنها في مظانها وغير مظانها١.
وعلى هذا يكون الدليل القطعي نوعين:
النوع الأول: دليل قطعي قطعا مطلقا، وهذا قطعية الدليل بالنسبة
стр. 167
للناظر المحتج لنفسه وللمناظر١ المحتج به على غيره، لكون الدليل قطعيا لذاته.
والنوع الثاني: دليل قطعي قطعا نسبيا: أي بالنسبة لمن حصَّل أسباب القطعية وحققها٢، وهذه قطعية الدليل بالنسبة للناظر دون المناظر، لأن قرائن القطعية واختلاف نظر المجتهدين في الدليل سبب في القطعية، فهو قطعي لغيره.
والقطعية في هذا النوع تحصل بالبحث عن الأدلة في الكتاب والسنة واستقراء قرائنها من النصوص وعمل الصحابة ومن تبعهم وتتبع ما ورثوا من
стр. 168
ذلك عن النبي ﷺ في مظانها وغير مظانها والنظر فيها بما يؤدي إلى العلم بمقاصد الشريعة والقطع بثبوت الدليل وبمراد النبي ﷺ به١.
وما سبق نقله من بعض العلماء من جعل الخلاف رافعا للقطعية فذلك حيث كان مرادهم القطعية المطلقة المطردة التي لا يعذر من يخالفها ويقع اللوم والإثم عليه، ولا يكون ذلك إلا فيما كان قريبا متناولا لكل المستدلين حتى يعد خلافه عن هوى أو عناد.
- قال الشافعي عند كلامه على قسمي الحجة: "أما ما كان نص كتاب بين أو سنة مجتمع عليها فالعذر فيها مقطوع ولا يسع الشك في واحد منهما ومن امتنع عن قبوله استتيب، فأما ما كان من سنة من خبر الخاصة الذي قد يختلف الخبر فيه فيكون الخبر محتملا للتأويل وجاء الخبر فيه من طريق الانفراد فالحجة فيه عندي أن يلزم العالمين حتى لا يكون لهم ردُّ ما كان منصوصا منه كما يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول، لا أن ذلك إحاطة كما يكون نص الكتاب وخبر العامة عن رسول الله"٢.
فهذا ظاهر أن الإمام الشافعي يريد القطعي المطلق، على أن المراد بالاجتماع والاختلاف هنا: اجتماع الرواة على رواية الخبر واختلافهم،
стр. 169
أي أن يرويه بعض دون بعض. والله تعالى أعلم.
- ويحمل ما ذكره أبو الحسين البصري على أن الخلاف السائغ المعتد به يرفع اللوم عن المخالف في الدليل القطعي النسبي، ولا يرفع أصل القطعية بالنسبة إلى غيره١.
- وقال الغزالي بعد مسألة (هل الشيء الواحد يكون طاعة ومعصية) : "فإن قيل هذه المسألة اجتهادية أم قطعية، قلنا هي قطعية والمصيب فيها واحد"٢، فأثبت القطعية مع التصريح بالخلاف.
- وقال الرازي بعد ذكر الخلاف في الألفاظ اللغوية: "ومن تأمل أدلتهم ... علم أنها متعارضة وأن شيئا منها لا يفيد الظن الغالب فضلا عن اليقين"٣، فعوّل في نفي القطعية وما دونها على الأدلة دون مجرد الخلاف.
- وقال الطوفي بعد تقسيمه المسائل إلى قطعية واجتهادية: "والظن والقطع فيهما تابع للدليل"٤، فعوّل أيضا على الدليل.
فمن عوّل من العلماء على الدليل كان ذلك إشارة إلى أن حقيقة نفي القطعية راجعة إلى النظر في الدليل، ومن كان منهم أثبت القطعية مع وجود
стр. 170
الخلاف دل على أن منعه للقطعية حيث منع ليس لمجرد الخلاف، فوجب حمل ذلك على نفي القطعية المطلقة التي يجب أن يستوي فيها الناظرون، وكل ذلك راجع إلى الدليل دون مجرد الخلاف. والله أعلم.
وكذلك من أثبت القطعية مع الخلاف ذكر أن سببها أمور ربما خفيت على من لم يقطع أو لم تكن عنده المقدرة على الاستنباط المؤدي إلى القطع، مع أن كل دليل قطعي ليست هذه صفته.
فما يجتمع عليه أكثر أقوال العلماء هو أن الخلاف المعتد به يرفع الإطلاق واللزوم والاطراد عن القطعية، ولا يلزم منه رفع أصل القطعية١.
стр. 171
المطلب الثاني: الاحتمال وأثره في منع القطعية
معنى الاحتمال:
أصل الاحتمال في اللغة يدل على إقلال الشيء وتقلّده، يقال: (حمَل الشيء يحمِله حملا واحتمله) إذا أقله، و (حمّلته فاحتمل) إذا طاوع في التحميل، ويقال: (احتَمَله الغضب) إذا أقله، ومنه: (احتُمِل فلان) : إذا غضب١.
والاحتمال في الاصطلاح يأتي بمعنيين:
الأول: بمعنى الجواز والإمكان، مثل قولهم: "يحتمل هذا الوجه أن يكون هو الصواب"، أي يجوز ويمكن، والاحتمال على هذا المعنى لازم.
الثاني: بمعنى الاقتضاء والتضمن، مثل قولهم: "يحتمل الدليل وجوها كثيرة"، أي يقتضيها ويتضمنها، والاحتمال على هذا المعنى متعد٢.
ومن الاحتمال بالمعنى الأول الإمكان الذهني وهو: "ما لا يكون تصور طرفيه كافيا بل يتردد الذهن في النسبة بينهما"٣.
стр. 172
والمعنيان متقاربان بالنظر إلى المراد بالاحتمال في هذا البحث، فيقال بالنظر إلى المعنى الثاني المتعدي: (يحتمل هذا الدليلُ التحريمَ والندبَ) أي يتضمنهما، فالدليل محتمِل والندب والتحريم فهما محتمَلان، والفعل متعدّ، ثم يقال بالنظر إلى المعنى الأول اللازم: (يحتمل الندب والتحريم أن يراد بهما في هذا الدليل) ، أي يجوز ويمكن أن يراد بهما، فالتحريم والندب محتمِلان، والفعل لازم.
ويكون الفرق بين المعنيين اللازم والمتعدي اختلاف النظر عند المتكلم في إرادة المحتمَل فقط أو إرادته مع المحتمِل، فإذا عبر عن المحتمَل فقط كان الفعل لازما، وإذا عبر عنه وعن المحتمِل كان الفعل متعديا. والله تعالى أعلم.
ألفاظ مرادفة للاحتمال:
وقد يعبر أهل العلم ﵏ في موضع استعمال الاحتمال بألفاظ أخرى مرادفة له في المعنى، مثل الإمكان١ والجواز٢ والتردد٣.
стр. 173
وقد سبق أن من معاني الاحتمال الجواز والإمكان، أي إمكان حمل الدليل أو اللفظ على أيٍّ من الأمور المحتمَلة وجواز ذلك، أما التردد فالظاهر أن معناه في ذلك تردد الدليل بين المحتمَلين أو المحتملات من غير قطع ولا ثبات، أو تردد المستدل في حمل الدليل على أحد المحتملين.
أما مناسبة المعنى الاصطلاحي للمعنى اللغوي فهي أن الدليل يُقِلّ الأمور التي يحتملها ويتقلدها بتضمنه إياها واقتضائه لها، إذ كان جائزا في الاستعمال أن يحتملها.
وإذا احتمل الدليل - من حيث الدلالة - أكثر من وجه جاز أن تكون تلك الوجوه كلها متساوية وأن يكون بعضها راجحا وبعضها مرجوحا، فإن تساوت الوجوه كان الدليل مجمَلا، وإذا كان بعضها مرجوحا فالراجح الظاهر١.
أثر الاحتمال في الدليل:
من القواعد المتبعة عند العلماء في الجملة تأثير ورود الاحتمال على الدليل - ثبوتا أو دلالة - في إضعافه وإضعاف الاستدلال به، سواء أكان ذلك التأثير في جهة الثبوت أم في جهة الدلالة٢ أو كان التأثير في الترتيب
стр. 174
بين الأدلة، فإذا احتمل الدليل معنى آخر غير ما ظهر للناظر احتمالا مبرَّرا ولم يكن من القرائن ما يدفع ذلك الاحتمال فإن مثل ذلك يضعف قوة الدليل ويجعل غيره مما ليس فيه احتمال راجحا عليه عند التعارض، وإذا كان الاحتمال ظاهرا مساويا للمعنى الظاهر ضعف الاستدلال مطلقا واحتاج الدليل إلى بيان من خارج.
وهو أمر ظاهر في أصول الفقه.
فهذا الإمام الشافعي ﵀ قسّم دليل الكتاب إلى نص لا يحتاج إلى بيان، وإلى ما يحتمل أمورا عديدة فهو بسبب الاحتمال محتاج إلى البيان، قال: "فمنها قول الله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ ١ فاحتمل قول الله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ ٢ أن يتزوجها غيره وكان هذا المعنى الذي يسبق إلى من خوطب به أنها إذا عقدت عليها عقدة النكاح فقد نكحت، واحتمل حتى يصيبها زوج غيره لأن اسم النكاح يقع بالإصابة ويقع بالعقد، فلما قال رسول الله لامرأة طلقها زوجها ثلاثا ونكحها بعدُ رجل: "لا تحلين حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتكِ "٣، يعني حتى يصيبك زوج
стр. 175
غيره، فالإصابة النكاح"١.
وذكر الشافعي نحوا من هذا في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةَ لِلْوَالدَينِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ٢، وفي قوله ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ ٣، قال: "فكانت الآيتان محتملتين لأن تثبتا الوصية للوالدين والأقربين والوصية للزوج والميراث مع الوصايا ... ومحتملة بأن تكون المواريث ناسخة للوصايا ... فلما احتملت الآيتان ما وصفنا كان على أهل العلم طلب الدلالة من كتاب الله ... "٤.
ومن الاعتداد بالاحتمال وتأثيره الترتيب بين الأدلة أو بين الأمور المتعلقة بها حسب وجود الاحتمال فيها وعدمه أو قربه فيها وبُعده أو كثرته فيها وقلته.
стр. 176
قول الراوي: (سمعت) لعدم احتمال غير السماع في ذلك، ودون ذلك قوله (قال) لاحتمال الواسطة بين الراوي وبين المروي عنه، وهكذا على هذا الترتيب إلى آخر المراتب حسب عدم الاحتمال أو وروده ثم حسب قلته وكثرته١.
٢- ومن ذلك تقديم بعض العلماء الإجماع على سائر الأدلة الشرعية في الترتيب لأنه يرد بعد انقضاء عهد الوحي والنص فلا يبقى فيه احتمال النسخ الذي يكون في النصوص٢.
٣- ومن ذلك تقديم قياس الضرب على التأفيف في التحريم على قياس القتل العمد على الخطأ في وجوب الكفارة، لأن الثاني يحتمل أن يكون العمد لعظمه لا ينجبر بالكفارة فيفارق الخطأ، فهذان قياسان كان أحدهما أقوى من الآخر بسبب عدم الاحتمال في الأقوى وورود الاحتمال في الأضعف٣.
٤- ومن ذلك التفريق بين (النص) و (الظاهر) بالاحتمال الوارد
стр. 177
ولو مرجوحا في الظاهر وعدم الاحتمال - مطلقا أو مع قيد البعد - في النص١.
وترتيب الحنفي في الدلالة بين الظاهر والنص والمفسر والمحكم بحسب الاحتمال، فالظاهر أدوَنها لاحتمال إرادة غير الظاهر واحتمال التخصيص أو التقييد والنسخ، ثم النص لعدم احتمال إرادة غير الظاهر مع ورود الاحتمالات الأخرى، ثم المفسَّر لعدم احتمال التخصيص أو التقييد مع احتمال النسخ، ثم أعلاها المحكم لانقطاع جميع الاحتمالات٢.
ومن اعتداد العلماء بالاحتمال وتأثيره في القطعية استدلالهم على تحقق القطعية بانتفاء الاحتمال واستدلالهم على انتفائها أو ما دونها بتحققه.
فمن الأول الاستدلال على قطعية الخبر بانتفاء احتمال الكذب ونحوه كالخطأ والغلط٣، والاستدلال على النصية بعدم احتمال إرادة غير الظاهر٤، ومن الثاني العبارة المنقولة عن الإمام الشافعي ﵀: "قضايا
стр. 178
الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال"١، فاستدل ﵀ على انتفاء القطع والظهور بوجود الاحتمال٢.
стр. 179
ومما يدل على الاعتداد بالاحتمال أن موجب الإجمال في اللفظ هو استواء الاحتمالين أو الاحتمالات فيه بحيث لا يترجح أحدها، كاستواء الاحتمال في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ
стр. 180
لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ١، فيحتمل أن يكون الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج أو ولي المطلقة.
وهذا من الأدلة على تأثير الاحتمال في رفع القطعية، لأن سبب الإجمال وجود الاحتمالات مع استوائها وحكمه التوقف وطلب المفسِّر المبيِّن للمراد منه من خارج٢.
ومما يدل على الاعتداد بالاحتمال قول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها القطع بالطريقة الثابتة ... ويعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك دلالة لا تحتمل النقيض، وفي بعضها قد يغلب على الظن مع احتمال النقيض، وتردد المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم والإيمان"٣.
وقول ابن القيم: "إن ألفاظ القرآن والسنة ثلاثة أقسام: نصوص لا تحتمل إلا معنى واحدا، وظواهر تحتمل غير معناها احتمالا بعيدا مرجوحا، وألفاظ تحتاج إلى بيان فهي بدون البيان عرضة الاحتمال"٤.