← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8523

القطعية من الأدلة الأربعة

محمد دكوري

Полный текст (445 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قول الراوي: (سمعت) لعدم احتمال غير السماع في ذلك، ودون ذلك قوله (قال) لاحتمال الواسطة بين الراوي وبين المروي عنه، وهكذا على هذا الترتيب إلى آخر المراتب حسب عدم الاحتمال أو وروده ثم حسب قلته وكثرته١. ٢- ومن ذلك تقديم بعض العلماء الإجماع على سائر الأدلة الشرعية في الترتيب لأنه يرد بعد انقضاء عهد الوحي والنص فلا يبقى فيه احتمال النسخ الذي يكون في النصوص٢. ٣- ومن ذلك تقديم قياس الضرب على التأفيف في التحريم على قياس القتل العمد على الخطأ في وجوب الكفارة، لأن الثاني يحتمل أن يكون العمد لعظمه لا ينجبر بالكفارة فيفارق الخطأ، فهذان قياسان كان أحدهما أقوى من الآخر بسبب عدم الاحتمال في الأقوى وورود الاحتمال في الأضعف٣. ٤- ومن ذلك التفريق بين (النص) و (الظاهر) بالاحتمال الوارد

стр. 177

ولو مرجوحا في الظاهر وعدم الاحتمال - مطلقا أو مع قيد البعد - في النص١. وترتيب الحنفي في الدلالة بين الظاهر والنص والمفسر والمحكم بحسب الاحتمال، فالظاهر أدوَنها لاحتمال إرادة غير الظاهر واحتمال التخصيص أو التقييد والنسخ، ثم النص لعدم احتمال إرادة غير الظاهر مع ورود الاحتمالات الأخرى، ثم المفسَّر لعدم احتمال التخصيص أو التقييد مع احتمال النسخ، ثم أعلاها المحكم لانقطاع جميع الاحتمالات٢. ومن اعتداد العلماء بالاحتمال وتأثيره في القطعية استدلالهم على تحقق القطعية بانتفاء الاحتمال واستدلالهم على انتفائها أو ما دونها بتحققه. فمن الأول الاستدلال على قطعية الخبر بانتفاء احتمال الكذب ونحوه كالخطأ والغلط٣، والاستدلال على النصية بعدم احتمال إرادة غير الظاهر٤، ومن الثاني العبارة المنقولة عن الإمام الشافعي ﵀: "قضايا

стр. 178

الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال"١، فاستدل ﵀ على انتفاء القطع والظهور بوجود الاحتمال٢.

стр. 179

ومما يدل على الاعتداد بالاحتمال أن موجب الإجمال في اللفظ هو استواء الاحتمالين أو الاحتمالات فيه بحيث لا يترجح أحدها، كاستواء الاحتمال في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ

стр. 180

لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ١، فيحتمل أن يكون الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج أو ولي المطلقة. وهذا من الأدلة على تأثير الاحتمال في رفع القطعية، لأن سبب الإجمال وجود الاحتمالات مع استوائها وحكمه التوقف وطلب المفسِّر المبيِّن للمراد منه من خارج٢. ومما يدل على الاعتداد بالاحتمال قول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها القطع بالطريقة الثابتة ... ويعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك دلالة لا تحتمل النقيض، وفي بعضها قد يغلب على الظن مع احتمال النقيض، وتردد المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم والإيمان"٣. وقول ابن القيم: "إن ألفاظ القرآن والسنة ثلاثة أقسام: نصوص لا تحتمل إلا معنى واحدا، وظواهر تحتمل غير معناها احتمالا بعيدا مرجوحا، وألفاظ تحتاج إلى بيان فهي بدون البيان عرضة الاحتمال"٤.

стр. 181

فبان بما سبق أن من الأصول الثابتة والقواعد المتبعة في الأدلة: أن احتمال الدليل نقيض ثبوته أو نقيض مدلوله يؤثر ذلك في قطعيته ثبوتا أو دلالة، نفيا للقطعية عند وجود الاحتمال أو إثباتا لها عند نفيه. مسالك العلماء في الاعتداد بالاحتمال: ما سبق من أثر الاحتمال هو في الجملة، وتختلف مسالك العلماء بالنظر إلى حدود قوة الاحتمال في قطعية الدليل وقوته، فمضيِّقٌ لحدود ذلك وموسع. المسلك الأول: أن الاحتمال المؤثر في القطعية هو ما كان منه قريبا معتضدا بما يؤيده، أما ما بعُد من الاحتمال فلا يرفع القطعية ولا يمنعها. وهذا هو المسلك الذي نُص عليه في كتب الحنفية، أنه مذهب الجمهور منهم١، لذا كانت دلالة العموم عندهم قطعية وإن احتمل اللفظ العام غير ظاهره احتمالا بعيدا غير مؤيد بدليل، بل ذهب بعضهم إلى قطعية الظواهر إذا لم يكن هناك ما يعضد الاحتمال المرجوح فيها٢. ويؤيد هذا المسلك أمور منها: أولا: أن الاحتمال المرجوح الذي لم يقم عليه دليل ملحق بالمعدوم حكما فلا يمنع القطعية، فلا يمتنع العاقل من دخول الدار مثلا وإن احتمل

стр. 182

عقلا أن يسقط سقفه، إذا كان الاحتمال غير معزز بدليل من الواقع، مع أنه يقطع بورود الاحتمال العقلي المجرد في كل بيت مسقوف أن يسقط سقفه١. ثانيا: أنه لو أوجب مطلق الاحتمال رفع القطعية لانتزعت الثقة من النصوص ولم يبق ثمة دليل قطعي، فإن كل دليل فيه احتمال قريب أم بعيد من نسخ أو خصوص أو مجاز أو نحو ذلك٢. ثالثا: أن القواطع العادية قد تحتمل أمورا عقلية ولا يؤثر ذلك بمنع القطعية عنها، ومن ذلك أن مياه الأنهار والبحار تحتمل عقلا انقلابها إلى دماء جارية، كما تحتمل جبال الأرض وجدران المساكن والأودية والسهول أن تنقلب إلى كُتل من ذهب وفضة، ومع كل ذلك يقطع بما استقر في العادة من نقيض ذلك٣. المسلك الثاني: أن الاحتمال إذا ورد على الدليل في ثبوته أو في دلالته منع القطعية فيه ورفعها عنه مطلقا قَرُب الاحتمال أو بَعُد ما لم يقطع ببطلان ذلك الاحتمال.

стр. 183

وهذا المسلك ظاهر في كتب المتكلمين ومن سار على طريقتهم في أصول الفقه، ومن أمثلة ذلك: - قال إمام الحرمين - مضعِّفا وجه الاستدلال على أن الأمر المطلق للوجوب بما نقل من تمسك الصحابة رضوان الله عليهم بالأوامر المطلقة -: "وهذا المسلك لا يصفو من شوائب النزاع، ويتطرق إليه أنهم كانوا يفعلون ذلك فيما اقترن به اقتضاء الإيجاب"، إلى أن قال مقررا القاعدة في ذلك: "وكل مسلك في الكلام تطرَّق إليه إمكان١ لم يفض إلى القطع"٢. - وقال في موضع آخر - إشارة إلى الاستدلال بالظاهر فيما المطلوب منه القطع -: "ثم إذا فرض ذلك في المستدِل فليس من حق المستدَل عليه أن يشتغل بالتأويل، بل يكفيه أن يبين تطرق الاحتمال وخروج اللفظ عن القواطع، وإذا وضُح ذلك التحق الظاهر في محل طلب العلم بالمجملات التي لا تستقل بأنفسها"٣، فاعتد بالاحتمال البعيد المرجوح في اللفظ الظاهر، حتى ألحقه -إذا ورد في المسائل القطعية -بالمجمل الذي لا يفيد شيئا. - وذكر في موضع آخر استدلال بعض العلماء على حجية الإجماع

стр. 184

بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّن لَهُ الْهُدَى وَيتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمنينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ١، ثم اكتفى في إبطال الاستدلال بهذه الآية على حجية الإجماع بأن طرّق إليه احتمال أن يكون المراد بمشاقة الرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين الكفر أو تكذيب الرسول ﷺ ، ثم قال: "ثم إن سلَّم المعترض ظهور ذلك فذلك، وإلا فهو وجه في التأويل لائح ومسلك في الإمكان واضح، فلا يبقى للتمسك بالآية إلا ظاهر معرَّض للتأويل، ولا يسوغ التمسك بالمحتملات في مطالب القطع، وليس على المعترض إلا أن يظهر وجها في الإمكان، ولا يقوم للمحصل عن هذا جواب إن أنصف"٢، أي أن احتمال الدليل غير الوجه الذي ذكره المستدِل يكفي في رفع القطعية عن دليله مطلقا، سواء أكان الاحتمال الذي ذكره المعترض ظاهرا راجحا على ما ذكره المستدل أم كان مرجوحا في أوائل الإمكان. - ورجح الغزالي أن أولى المعاني بإطلاق اسم (النص) : ما لا يتطرق إليه احتمال أصلا لا عن قرب ولا عن بعد٣.

стр. 185

- وقال الرازي: إن العلم اليقيني "إن قارنه احتمال النقيض ولو على أبعد الوجوه كان ظنا لا علما"١. وهذا من أسباب القول بظنية العام عند بعض من قال بذلك، لاحتمال الخصوص مطلقا وإن لم يستند إلى دليل خاص. ويظهر هذا المسلك عند ذكر الأدلة ومناقشتها في المسائل التي يكون المطلوب فيها القطع عندهم، فإنهم يظهرون عدم قطعية الدليل بتطريق الاحتمال إليه، سواء أكان الاحتمال قريبا أم كان بعيدا في الاستعمال العادي أو الشرعي للألفاظ ٢. الظني المقارب للقطع: وهذا المسلك يوسِّع مجال تأثير الاحتمال في منع القطعية، فينتج من ذلك تقليل وجود القطعي، ولذلك يذكر أصحاب هذا المسلك مرتبة وسطا بين القطعي المطلق وبين الظني المطلق، وهي مرتبة (الظني القوي المقارب للقطع) ، وهو عندهم ما كان فيه احتمال لكنه بعيد جدا، فيبقى معه الدليل ظنيا لورود أصل الاحتمال المؤثر، لكن يكون الدليل قريبا من القطع لبعد

стр. 186

الاحتمال بُعدا أضعف تأثيره في القطعية١. والله تعالى أعلم. مطلق الاحتمال لا يرفع الحجية: الاحتمال مهما كان من القرب لا يرفع الظهور عن الدليل المستند إلى احتمال أقوى وأرجح منه، إلا أن يكون عليه دليل يجعله راجحا، فالظواهر لا تصرف عن المتبادر منها بمجرد الاحتمال، فإذا علم مع ذلك أن الظهور يكفي لحجية الدليل في الجملة، ووجوب العمل به لم يكن للاحتمال تأثير في وجوب العمل بها. وفي هذا العبارةُ المنقولة عن الإمام الشافعي ﵀: "قَلَّ شيء إلا ويَطرُقه الاحتمال، ولكن الكلام على ظاهره حتى تقوم دلالة على أنه غير مراد"٢، وقال الزركشي معلقا: "فأبان بذلك إلى٣ أنه لا نظر إلى

стр. 187

احتمال يخالف ظاهر الكلام"١. وبيَّن إمام الحرمين - وهو الذي سبق النقل عنه في بيان المسلك الثاني المتوسع في الاعتداد بالاحتمال - أن الاحتمال وإن كان يرفع القطع فإنه لا يرفع الظهور، ثم قال: "فإن قيل أليس تأويل الظواهر مقبولا بالاحتمال؟ قلنا ليس الاحتمال مقتضيا قبول التأويل، ولكن رأينا الأولين على الجملة يتمسكون بالتأويلات، وكما رأيناهم متفقين على التأويل مع التعويل على دليل يعضده رأيناهم غير مكتفين بهذه الإمكانات، وهذا بمثابة دعوى النسخ من غير ثَبَت، فإن من ادعى نسخا فقد ادعى ممكنا، ولكن لا يقبل منه بالإجماع إلا بثبت يعول عليه"٢. وقال الآمدي: "الظاهر لا يترك بالشك والاحتمال"٣. وذكر ابن القيم أنه لا نزاع في "أن غالب الألفاظ لها ظواهر هي موضوعة لها ومفهومة منها عند الإطلاق، لكن النزاع في قطعية ذلك أم لا، للاحتمال"٤.

стр. 188

وقال القرافي عند شرحه قول الرازي في المحصول: "اعلم أن الخلل إنما يحصل في فهم السامع بناء على خمس احتمالات: الاشتراك والنقل والإضمار والمجاز والتخصيص" قال القرافي: "اعلم! أن المراد بالخلل ها هنا اختلاف القطع بمراد المتكلم، لأن الظن حاصل مع هذه الاحتمالات، فاحتمال المجاز لا يمنع الظن بل القطع"١. فالقول بتأثير الاحتمال لا يتجاوز القطعية إلى الظن الغالب والظاهر الراجح، سواء على المسلك المضيِّق لحدود الاحتمال، أم على المسلك الموسع لذلك. والله تعالى أعلم. الاسترسال في تطريق الاحتمال: إن الاسترسال في إيراد الاحتمالات على الأدلة الشرعية ليس مما يستحسن في الشرع، لأنه يؤدي إلى توهين الأدلة الشرعية عند من يعجز عن دفع تلك الاحتمالات، ويوقعه في الإشكال، ويقلل ثقته بالأدلة، وقد يسوقه ذلك إلى ترك الأدلة الشرعية عند الاستدلال على المطالب، والدخول في الأدلة العقلية، وربما هَوَتْ به الريح في حضيض الشك والحيرة، وذلك طريق إلى الفتنة والأهواء، نسأل الله العافية!

стр. 189

وذمَّ العلماء الإكثار في طَرْق الاحتمال واعتباره: قال ابن القيم: "وفتح باب التجويزات لا آخر له ولا ثقة معه البتة، وهذا الباب قد دخل معه على الإسلام مدخل عظيم وخطب جسيم، وأهل الباطل على اختلاف أصنافهم لا يزالون يتعلقون به ... ومن أعطى التأمل حقه وجد أن أكثر ما ادعاه أهل التأويلات المستشنعة وأهل الباطل من جهة إخراج الألفاظ عن حقائقها، وفتح أبواب الاحتمالات والتجويزات عليها"١. وقال الشاطبي: "إن مجرد الاحتمال إذا اعتبر أدَّى إلى انخرام العادات والثقة بها، وفتح باب السفسطة وجحد العلوم ... بل ما ذكره السوفسطائية في جحد العلوم منه يتبين لك أن منشأها٢ تطريق الاحتمال في الحقائق العادية أو العقلية٣، فما بالك بالأمور الوضعية؟! ... ولأجل اعتبار الاحتمال المجرد شُدِّد على أصحاب البقرة، إذ تعمَّقوا

стр. 190

في السؤال عما لم يكن إليه حاجة مع ظهور المعنى ... ١ بل هو أصل في الميل عن الصراط المستقيم، ألا ترى أن المتَّبعين لما تشابه من الكتاب إنما اتبعوا فيه مجرد الاحتمال، فاعتبروه وقالوا فيه وقطعوا على الغيب بغير دليل، فذُمُّوا بذلك، وأمر النبي ﵊ بالحذر منهم ... ٢ وإلى هذا فأنت ترى ما ينشأ بين الخصوم وأرباب المذاهب من تشعُّب الاستدلال وإيراد الإشكالات عليها بتطريق الاحتمالات، حتى لا تجد عندهم بسبب ذلك دليلا يعتمد، لا قرآنيا ولا سُنِّيًّا٣، بل انجر هذا الأمر

стр. 191

إلى المسائل الاعتقادية فاطَّرحوا فيها الأدلة القرآنية والسنية لبناء كثير منها على أمور عادية ... واعتمدوا على مقدمات عقلية، غير بديهية ولا قريبة من البديهية، هربا من احتمال يتطرق في العقل للأمور العادية، فدخلوا في أشد مما منه فروا"١اه. فالأدلة الشرعية ترجع في الأصل إلى الكتاب والسنة، وأوسع طرق الاستنباط منهما طريق الألفاظ التي وقع بها الخطاب، ونحو ذلك من الأمور العادية، وفهم مراد المتكلم من خطابه معتمد أولا على العادة والعرف، ولا يستحيل ورود احتمال مستند إلى التجويز العقلي ومجرد الإمكان على القواطع العادية والثوابت العرفية، فالاعتداد بالاحتمال في مثل هذه الحالة تعسف وإفراط لا يحمد٢.

стр. 192

الفصل الثاني: أثر قطعية الدليل المبحث الأول: أثر قطعية الدليل في الإصطلاح المطلب الأول: في الدليل والأمارة ... الفصل الثاني: أثر قطعية الدليل كان لقطعية الدليل أنواع من الآثار في مواضع كثيرة من أصول الفقه، فقد كانت القطعية والاعتداد بها في الأدلة سببا في تميز بعض الاصطلاحات الأصولية، كالتفريق بين الدليل والواجب، وبين الفرض والواجب، كما كان للقطعية آثار في بعض أحكام الاجتهاد في الأدلة والترجيح بينها وما يترتب على ذلك من الخطأ والصواب.

стр. 193

المبحث الأول: أثر القطعية في الأصطلاح المطلب الأول: في الدليل والأمارة - فرّق بعض العلماء في الاصطلاح بين الطرق الموصلة إلى الأحكام الشرعية، فما كان منها طريقا مفيدا للعلم القطعي خصوه بإطلاق اسم (الدليل) ، وما كان دون ذلك من الحجج الموصلة إلى الأحكام الشرعية أطلقوا عليه اسم (الأمارة) ١، ولم يصح عندهم إطلاق اسم (الدليل) على ذلك إلا على سبيل التجوّز، قال أبو الحسين البصري: "والدلالة ما النظر الصحيح فيه يفضي إلى العلم، والأمارة هي ما النظر الصحيح فيها يفضي إلى غالب الظن"٢، وقال في موضع آخر - بعد أن عرَّف الأمارة بنحو ما سبق -: "وبذلك تتميز [أي الأمارة] من الدلالة"٣. - ولم يفرق آخرون بين اللفظين، بل الدليل عندهم شامل لما كان من تلك الطرق مفيدا للعلم القطعي وما لم يكن منها كذلك، فالدليل على هذا القول: ما يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. والمطلوب الخبري أعم من أن يكون قطعيا أم ظنيا، أو يعرفون الدليل بأنه:

стр. 194

"المرشد إلى المطلوب" سواء أكان المطلوب علما قاطعا أم ظنا١. واختلف في ثلاثة أمور في المسألة: في نسبة هذين المذهبين إلى قائليها، وفي محل الخلاف أهو الطرق الشرعية أو هي والعقلية، وفي أثر الخلاف. نسبة الأقوال: - أما في النسبة فقد نسب القاضي أبو بكر الباقلاني القول بالتفريق إلى "الفقهاء والمتكلمين"٢، وكذا في تلخيص التقريب ذُكر أنه مذهب "معظم المحققين"٣، ومن ذلك أن جعل الغزالي تسمية (الأمارة الظنية) دليلا من المجاز٤. - وأما أبو الحسين البصري فقال بعد تعريف الأمارة: "والمتكلمون يسمون كل ما هذه سبيله أمارة، والفقهاء يسمون الأمارة الشرعية، كالقياس وخبر الواحد أدلة"٥، فجعل المسألة بين الفقهاء والمتكلمين،

стр. 195

ومثله أبو المظفر السمعاني١، فقد جعل التفريق مذهب أكثر المتكلمين وقلة من الفقهاء، وأما عامة الفقهاء فذكر أن مذهبهم عدم التفريق٢. - وأما الآمدي وغيره فقد جعلوا التفريق مذهب الأصوليين٣. - وخالف الزركشي فيما ذكره من نسبة ذلك إلى الأصوليين وقال: "بل المصنفون في أصول الفقه يطلقون الدليل على الأعم من ذلك، صرح به جماعة من أصحابنا، كالشيخ أبي حامد٤، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق٥، وابن الصباغ٦، وحكاه عن أصحابنا،

стр. 196

وسُلَيم الرازي١، وأبي الوليد الباجي من المالكية، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل٢، والزاغوني٣ من الحنابلة"٤. محل الخلاف: أما محل الخلاف فقد جعل أبو الحسين البصري ما تقدم من الخلاف في التفريق بين الدليل والأمارة قاصرا على الأدلة الشرعية، أما العقليات فذكر أن من لا يفرق في الشرعيات يفرق في العقليات فلا يسمي الأمارة العقلية دليلا، كالأمارة على القبلة وقيم المتلفات٥، وعلى هذا تكون تسمية الظني

стр. 197

العقلي أمارة ليست من محل الخلاف. ويخالف ما ذكره تمثيل بعض العلماء لـ (الدليل الظني) بالغيم الرطب الموصل بصحيح النظر في حاله إلى ظن وقوع المطر،١ فالظاهر أن ذلك ليس أمارة شرعية. ومن ذلك قول الغزالي: "إن الدلالة قد يُعبَّر بها عن الأمارة التي توجب ولا تؤثر، فالغيم الرَّكَم دليل على المطر ... والكوكب دليل على القبلة ... "٢. أثر الخلاف: - أما أثر الخلاف فقد جعل بعض العلماء الخلاف المتقدم في التفريق بين القطعي وغيره راجعا إلى خلاف في اللفظ، دون أن يكون وراء ذلك خلاف في المعني. قال أبو الحسين البصري مشيرا إلى الخلاف المتقدم: "والكلام في ذلك كلام في عبارة، لا طائل تحت الإكثار منه"٣.

стр. 198

وذكر في تلخيص التقريب أن المفرقين إنما اصطلحوا على ذلك للتفريق بين الجنسين ثم قال: "وهذا اختلاف هَيِّن المدرك"١. وقريب مما سبق ما ذكره الخطيب البغدادي٢ فقال بعد أن ذكر الخلاف في التسمية بين العلماء: "قلت: وما غلط الفقهاء ولا المتكلمون! أما المتكلمون فقد حكوا الحقيقة في الدليل والحجة، وأما الفقهاء فسَموا ما كُلِّفوا المصير إليه بأخبار الآحاد وبالقياس وغيره مما لا يكسب علما وإنما يفضي إلى غلبة الظن من طريق النظر، فسَمَّوه حجة ودليلا للانقياد بحكم الشرع إلى موجبه، وقد قيل: إنما سَمَّوْا ما أفضى إلى غلبة الظن دليلا وحجة في أعيان المسائل لأنه في الجملة معلوم أعني أخبار الآحاد والقياس، وإنما يتعلق بغلبة الظن أعيان المسائل، فأما الأصل فإنه متيقن مقطوع به". وعزز ذلك بأنه ربما يسمى ما ليس بحجة في الحقيقة حجة كما قال تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُون لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمَ﴾ ٣ إشارة إلى قول اليهود حين صلى رسول الله ﷺ إلى بيت المقدس: لو لم يعلم محمد أن

стр. 199

ديننا حق ما صلى إلى قبلتنا، مع أن قولهم هذا ليس حجة في الحقيقة١. - وقيل إن تفريق المتكلمين بين الدليل والأمارة وتخصيص الدليل بالقطعي مبني على ما ذهبوا إليه من أن الأدلة الظنية لا تحصِّل صفات تقتضي الظن بأنفسها كما تقتضي الأدلة القطعية العلم واليقين بأنفسها، وإنما يأتي الظن من الأمارة الظنية عادة اتفاقا٢. ويدل على ذلك ما يلي: ١- قال في تلخيص التقريب عند تقسيم الأدلة: "وكذلك السمعي ينقسم إلى ما يفضي إلى القطع وهو يتضمن العلم، وإلى ما لا يقتضيه كأخبار الآحاد والمقاييس السمعية، فكما لا يوصف باقتضاء العلم لا يوصف باقتضاء غلبة الظن، هذا مما يَزِلّ فيه معظم الفقهاء ... ووجه التحقيق في ذلك بدا فيما قدمناه من عدم إفضاء الشبهة إلى الجهل ... ولكن تعم العادة بحصول غلبة الظن في أثرها من غير أن تكون مقتضية لها"٣. ٢- وقال الجويني: "أخبار الآحاد وأقيسة الفقه لا توجب عملا لذواتها، وإنما يجب العمل بما يجب به العلم بالعمل وهي الأدلة القاطعة

стр. 200

على وجوب العمل عند رؤية أخبار الآحاد وإجراء الأقيسة"١. ٣- وقال الغزالي: "إن تسمية الأمارات أدلة مجاز، فإن الأمارة لا توجب الظن لذاتها بل تختلف بالإضافة"٢. وقال العضد: "الدليل ما يرتبط به ثبوت مدلوله ارتباطا عقليا، والأمارة ما يحصل به الظن ولا يرتبط [به] ارتباطا عقليا"٣. وعلى هذا فلا تعدو الأدلة الظنية - كخبر الواحد والقياس الشرعي -عن أن تكون علامات مجردة أنيط تعَيُّن الحكم بظهورها، من غير أن يكون لها تأثير في تعين ذلك الحكم. ويكون الخلاف على هذا ذا معنى، لأن الأمارة إذا كانت لا تفيد الظن والرجحان لذاتها بل بما اتفق من العادة، وكانت الأمارة الشرعية عندهم هي أخبار الآحاد والأقيسة والظواهر والعمومات، كانت أكثر الأدلة الشرعية غير مفضية إلى مدلولاتها إلا على سبيل الاتفاق العادي. وبين شيخ الإسلام ابن تيمية مأخذ العلم من ذلك بأن العمل بالراجح الحاصل من الأدلة غير القطعية عمل بعلم ويقين، لأن الرجحان أمر معلوم عند المجتهد المستدل، وهو اعتقاد الرجحان الذي هو اتباع الأحسن كما

стр. 201

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وأُولَئِكَ هُمُ أُولُوا الأَلْبَابِ﴾ ١ وقال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِن رَّبكُمْ﴾ ٢، فالأدلة غير القطعية يُعلم منها الرجحان، وهو كاف في وجوب العمل، فهي مفضية إلى العلم من ذلك الوجه٣. الترجيح: الخلاف في التفريق بين الدليل القطعي وغير القطعي في التسمية - بالنظر إلى ترتب الآثار عليه - لا يخلو من أحد احتمالين: أولهما: أن يكون الخلاف لفظيا راجعا إلى الاختلاف في الاصطلاح بين العلماء، وثانيهما: أن يكون خلافا مبنيا على معنى، يختلف فيه العلماء. الاحتمال الأول: أن يكون الخلاف في الاصطلاح، فالأمر هين وقريب، إذ إن مذهب جمهور العلماء - كما سبق - أن الأدلة الشرعية منها القطعي ومنها أدلة ظاهرة راجحة٤، والتفريق في التسمية بين قسمي الأدلة بعد ذلك أمر لا يبعد، لأنه تفريق بين أمرين متفق عليهما عند الجمهور. إلا أن الاصطلاح بالتفريق يتوجه عليه أمران:

стр. 202

الأمر الأول: أن تخصيص كلٍ من قسمي الأدلة الشرعية (القطعي والظني) بما خصوه به من الاسم لا يستند إلى ما يبرره شرعا أو لغة، إذ لم يذكر المفرقون أن الاستعمال الشرعي يفرق بين اللفظين بما ذكروا، ولا أن في اللسان العربي ما يبرر ذلك التخصيص، فلم يذكر من رجعت إلى كتبهم من أهل اللغة أن في الاستعمال العربي تقييدا للدليل بالقطعي دون الأمارة، بل عرّف بعضهم الدليل بقوله: "الدال واللام أصلان، أحدهما إبانة الشيء بأمارة تتعلمها ... والدليل: الأمارة في الشيء"١، فليس الدليل على مثل هذا التعريف غير الأمارة لغة. هذا، وقد اعترف بذلك المصطلحون على التفريق. قال القاضي أبو بكر الباقلاني عن التفريق بين اللفظين بما ذكر: "وليس من موجب اللغة، لأن أهلها لا يفرقون بين الأمارة والدلالة والسمة والعلامة"٢، وفي تلخيص التقريب: "إن العرب لا تفصِل في هذا المقصد بين الأمارة والدلالة، ولو قلب قالب ما قدمناه في الترتيب فسمى الدلالة المفضية إلى العلم أمارة وما يفضي إلى غلبة الظن٣ دلالة لم

стр. 203

يكن مبعِدا"١. فيكون في هذا الاصطلاح مثل الذي أخذوا على الحنفية في التفريق بين الفرض والواجب، فذكروا أنه ليس في الشرع واللسان العربي ما يبرر ذلك التفريق٢. الأمر الثاني: أن الذين ذكروا التفريق في التسمية وأيدوه لم يطرد التزامهم بذلك الاصطلاح دائما، فإن المتتبع لكتب بعض المفرقين يقف على مواضع كثيرة أطلقوا فيها الدليل على غير القطعي، تصريحا أو تلميحا. قال الرازي عند الاستدلال في مسألة (هل لله في كل واقعة حكم) بأنه لو كان في الواقعة حكم لكان إما أن يكون عليه دليل أم لا: "وأعني بالدليل القدر المشترك بين ما يفيد الظن وبين ما يفيد اليقين"٣، وأطلق (الدليل) على غير القطعي في مواضع أخرى من المحصول٤. وعرف الآمدي التأويل بأنه حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع

стр. 204

احتماله له لدليل يعضده، ثم قال عند شرح التعريف: "وقولنا (بدليل) يعم القاطع والظني"١، بل عرف الدليل في موضع آخر من كتابه الإحكام بقوله: "إن الدليل ما يلزم من ثبوته لزوم المطلوب قطعا أو ظاهرا"٢. وقد يظهر من بعض العلماء عكس ذلك، فيصرح بعدم التفريق في موضع، ثم يقع منه التفريق في موضع آخر، كالقاضي أبي يعلى الفراء ٣، وتلميذه أبي الخطاب٤٥. ومما يمنع اطراد هذا الاصطلاح أن الدليل القطعي قد لا يكون مطردا

стр. 205

ولازما عند جميع من نظر فيه من المستدلين، بسبب أنه يحتاج للقطع به إلى قرائن ربما خفيت على بعضهم١، فيكون الدليل قطعيا عند زيد من الناظرين غير قطعي عند عمرو منهم، وعليه يقال إنه دليل بالنسبة لزيد مثلا، وأمارة بالنسبة لعمرو. أما الاحتمال الثاني - وهو أن الخلاف في التفريق راجع إلى ما ذكر من أن الأدلة الظنية عند المفرقين لا تفيد لذواتها ظنا ولا رجحانا - فقد سبق ما فيه، وأنه غير مسلم٢. واعتذر بعض المعاصرين للمفرقين من المتكلمين، بأنهم فرقوا لأن معظم مسائل أصول الدين لا تثبت إلا بأدلة قطعية، فحدوا الدليل إذاً بما هو الغالب عندهم في مسائلهم٣. وعلى هذا يكون منشأ التفريق في غير أصول الفقه بل من آثار علم الكلام فيه، فإن المتكلمين لا يقبلون الدليل غير القطعي فيما هو عندهم من أصول الدين، فناسب عندهم أن يفرقوا في التسمية بين ما هو حجة عندهم في علم الكلام وما ليس بحجة، أما الفقه - الذي أدلته الإجمالية موضوع علم أصول الفقه - فكل دليل شرعي صحيح حجة في إثبات أحكامه، فلا

стр. 206

يحتاج فيه إلى التفريق بين القطعي وغيره كحاجة المتكلمين إلى ذلك١. تفريق آخر بين الدليل والأمارة: وقد فُرِّق بين الدليل والأمارة بغير القطعية، فقال ابن حزم: "والدليل قد يكون برهانا وقد يكون اسما يعرف به المسمى وعبارةً يتبين بها المراد ... والأمارة علامة بين المصطلحين على شيءٍ ما، إذا وجدت عَلِم الواجد لها ما وافقه الآخر، وقد يجعلها المرء لنفسه يستذكر بها ما يخاف نسيانه"٢. كما فُرِّق بينهما بأن (الأمارة) خاص بالمعاني و (الدليل) يسمى به المعاني والألفاظ٣. تخصيص السرخسي (الآية) بالدليل القطعي: وخص السرخسي لفظ (الآية) بما يوجب العلم القطعي من الحجج عند الإطلاق، قال: "ولهذا سميت معجزات الرسل آيات قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ

стр. 207

ءَاتَينَا مُوسَى تِسْعَءَايَاتٍ﴾ ١ وقال: ﴿فَاذْهبَا بآيَاتِنَا﴾ ٢"٣. أما الدليل والحجة والبينة، فتطلق عنده على القطعي وغيره٤. فيكون (الدليل) عند من سبق من المفرقين مثل (الآية) فيما ذكره السرخسي. ويرد على ما ذكره من الإطلاق أن الآية العامة من القرآن الكريم التي خصت بدليل موجب لذلك لا يكون قطعي الدلالة عندهم. إلا أن يكون مراده مما ذكر قطعية الثبوت فقط، أو ما هو أعم من الآية المفردة٥، مع أن الكلام على الآية المفردة دون عموم القرآن هو ألصق ببحث أصول الفقه. والله تعالى أعلم.

стр. 208

المطلب الثاني: في الفرض والواجب أصل الفرض في اللغة يدل على التأثير في شيء من حز أو قطع١، وأصل الوجوب السقوط والوقوع، ويأتي بمعنى الخَفَقان والاضطراب٢. غير أن بعض أهل اللغة عرفوا الفرض بالواجب: فقال الجوهري٣: "الفرض ما أوجبه الله تعالى، سمي بذلك لأن له معالم وحدودا، وقوله تعالى: ﴿قَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضاً﴾ ٤ أي مقتطعا ومحدودا ... "٥. وقال أحمد ابن فارس٦: " ... ومن الباب اشتقاق الفرض الذي

стр. 209

أوجبه الله تعالى"١. وقال ابن منظور٢: "فرضت الشيء أفرضه فرضا وفرّضته للتكثير: أوجبته"٣. الخلاف في المسألة: - الفرض والواجب في اصطلاح الحنفية مختلفان غير مترادفين، واتخذوا القطعية أساسا للتفريق بينهما، فإنهم لاحظوا التفاوت بين الأدلة المثبتة للأحكام الشرعية في القوة، فخصوا الفرض بما كان من الأحكام ثابتا بدليل قطعي لا شبهة فيه، والواجب بما ثبت من الأحكام بما دون القطعي من الأدلة. قال الشاشي٤: "الفرض لغة هو التقدير ... وفي الشرع ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه، والوجوب هو السقوط يعني ما سقط على العبد بلا اختيار منه، وقيل: من الوجبة وهي الاضطراب، سمي الواجب بذلك

стр. 210

لكونه مضطربا بين الفرض والنفل، فصار فرضا في حق العمل حتى لا يجوز تركه، ونفلا في حق الاعتقاد فلا يلزمنا الاعتقاد جزما، وفي الشرع: ما ثبت بدليل فيه شبهة، كالآية المؤولة والصحيح من الآحاد"١. وقال السرخسي: "والفرض: اسم لمقدر شرعا لا يحتمل الزيادة والنقصان، وهو مقطوع به لكونه ثابتا بدليل موجب للعلم قطعا من الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع ... فأما الواجب فهو: ما يكون لازم الأداء شرعا ولازم الترك فيما يرجع إلى الحل والحرمة ... من غير أن يكون دليله موجبا للعلم قطعا"٢. فأساس هذا الاصطلاح هو النظر إلى الدليل المثبت للحكم، والتفريق بين القطعي منه والظني بتخصيص ما يثبته كلٌ منهما باسم خاص. والتفريق بين الفرض والواجب على ما سبق هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد٣.

стр. 211

واستدل المفرقون بين اللفظين بأمور منها: أولا: أن الفرض في الأصل التقدير والقطع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَافَرَضْتُّم﴾ ١ أي قدرتم، وقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ ٢ أي قطعنا الأحكام فيها قطعا، والوجوب السقوط، قال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ ٣، فكان كل من الفرض والواجب فيه معنى اللزوم ولكن تأثير الفرض أكثر، لأنه يسمى به ما بقي له أثر على كل حال، والسقوط على الأرض وجوب وقد لا يبقى له أثر على الأرض، فكان في الفرض ما ليس في الوجوب من القوة ولذلك أثّر، فلذلك اختص بـ (الفرض) ما ثبت من الأحكام بالدليل القطعي لمزيد قوة فيهما، واختص بـ (بالواجب) ما ثبت بدليل غير قطعي لنزولهما عن درجة التأثير القطعي، كما أن الواجب يأتي بمعنى الوجبة وهي الاضطراب فاختص به ما ثبت بدليل غير قطعي لنوع شبهة فيه حتى كان فيه اضطراب٤. ثانيا: أن التسوية بين ما ثبت بدليل قطعي وبين ما ثبت بغيره حَطٌّ

стр. 212

للقطعي من رتبته ورفع لغير القطعي عن رتبته، والتفريق بين الموضعين مراعاة لكل دليل في رتبته فكان أولى١، قال السرخسي: "إن فرضية القراءة في الصلاة ثابتة بالنص بدليل مقطوع به وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ ٢ وتعيين الفاتحة ثابت بخبر الواحد٣، فمن جعل ذلك فرضا كان زائدا على النص ومن قال: يجب العمل به من غير أن يكون فرضا كان مقررا للثابت بالنص على حاله وعاملا بالدليل الآخر بحسب موجبه"٤. ومثلوا للفرض أيضا بالإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج، وغيرها من العبادات التي هي أركان الدين، ومثلوا للواجب بقراءة الفاتحة في الصلاة كما سبق، والطهارة في الطواف والسعي٥. ثالثا: أن الواقع في الشرع كون بعض الواجبات آكد من بعض،

стр. 213

فصلاة الظهر آكد من صلاة النذر وإن كانتا واجبتين، فوجب أن يفرق بينهما في التعبير عن هذا الواقع بكون الفرض لما هو في أعلى منازل الوجوب والواجب بما دون ذلك١. - وذهب الجمهور إلى عدم التفريق بين الفرض والواجب، ولم ينظروا في التسمية إلى الفرق بين الأدلة القطعية والظنية المثبتة للأحكام الشرعية٢. ونقضوا ما ذكره الحنفية من الاصطلاح بأمور منها: أولا: أن التفريق في التسمية، وتخصيص كل من الموضعين باسمٍ أمرٌ لا يستند إلى لغة ولا شرع ولا عقل. أما اللغة فلأن علماءها عرفوا الفرض بالوجوب، كما سبق عن الجوهري وغيره٣، بل قد يكون الوجوب وهو السقوط أقربَ إلى التحقيق في أصل الاشتقاق من الفرض الذي هو التقدير والقطع٤، ولأن الفرض في اللغة هو التقدير مطلقا سواء أكان تقديرا مقطوعا به أم غير مقطوع به والوجوب هو السقوط أعمّ من أن يكون سقوطا مقطوعا به أو غير مقطوع به٥.

стр. 214

أما الشرع فلأنه لم يرد في لسان الشرع ما يبين هذا التفريق بين الموضعين في التسمية، قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ ١ أي أوجبه، وقال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه "٢، كما يطلق العلماء اسم (الفرض) على ما أُدِّي من الصلاة المختلف في صحتها بينهم بقولهم: "أدِّ فرض الله تعالى"والأصل في الإطلاق الحقيقة٣،٤. أما العقل فلأنه ليس فيه ما يقتضي هذا التفريق، فإن اختلاف طرق إثبات الحكم - حتى يكون هذا الطريق معلوما قطعا وذاك الطريق دون ذلك - لا يوجب اختلافا في الأحكام الثابتة بها في الحقيقة، فاختلاف طرق الواجبات في الظهور والخفاء والقوة والضعف - حتى يقتل المكلف بترك بعضها دون بعض - لا يوجب اختلاف الواجب في حقيقته من حيث هو

стр. 215

واجب، كما أن اختلاف طرق النوافل والحرام بالقطع والظن غير موجب لاختلافها في نفسها من حيث هي نافلة وحرام١. فإذا كان هذا الاصطلاح في التفريق بين الفرض والواجب لا يستند إلى اللغة ولا الشرع ولا العقل فهو تحكم محض لا أساس له. ثانيا: أن اصطلاحهم منقوض عليهم بأنهم أطلقوا اسم (الفرض) على أحكام ثبتت بأدلة غير قطعية، من ذلك إطلاقهم الفرض على الوضوء اللازم على من افتصد، وعلى الصلاة الواجبة على من بلغ في الوقت بعد أدائه إياها، وإطلاق الفرض على العُشر الواجب في غير الأقوات وفيما دون خمسة أَوْسُق، وإطلاقه على القِعْدة في الصلاة، وعلى مسح رُبع الرأس٢. ثالثا: أنه يلزم على ما ذكروه أن تسمى النوافل الثابتة بطريق مقطوع به فروضا لكن ذلك غير جائز فبطل ما ذكروا٣. رابعا: أنه لا مناسبة بين كل من (الفرض) و (الواجب) وبين ما خصوه به من الأحكام، ولو عُكس ما ذهبوا إليه فسُمي ما ثبت بقطعي واجبا وما ثبت بظني فرضا لم يكن ممتنعا ولا بعيدا، وذلك خلل ظاهر في الاصطلاح٤.
следующие страницы →