← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8523

القطعية من الأدلة الأربعة

محمد دكوري

Полный текст (445 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

واستدل المفرقون بين اللفظين بأمور منها: أولا: أن الفرض في الأصل التقدير والقطع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَافَرَضْتُّم﴾ ١ أي قدرتم، وقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ ٢ أي قطعنا الأحكام فيها قطعا، والوجوب السقوط، قال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ ٣، فكان كل من الفرض والواجب فيه معنى اللزوم ولكن تأثير الفرض أكثر، لأنه يسمى به ما بقي له أثر على كل حال، والسقوط على الأرض وجوب وقد لا يبقى له أثر على الأرض، فكان في الفرض ما ليس في الوجوب من القوة ولذلك أثّر، فلذلك اختص بـ (الفرض) ما ثبت من الأحكام بالدليل القطعي لمزيد قوة فيهما، واختص بـ (بالواجب) ما ثبت بدليل غير قطعي لنزولهما عن درجة التأثير القطعي، كما أن الواجب يأتي بمعنى الوجبة وهي الاضطراب فاختص به ما ثبت بدليل غير قطعي لنوع شبهة فيه حتى كان فيه اضطراب٤. ثانيا: أن التسوية بين ما ثبت بدليل قطعي وبين ما ثبت بغيره حَطٌّ

стр. 212

للقطعي من رتبته ورفع لغير القطعي عن رتبته، والتفريق بين الموضعين مراعاة لكل دليل في رتبته فكان أولى١، قال السرخسي: "إن فرضية القراءة في الصلاة ثابتة بالنص بدليل مقطوع به وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ ٢ وتعيين الفاتحة ثابت بخبر الواحد٣، فمن جعل ذلك فرضا كان زائدا على النص ومن قال: يجب العمل به من غير أن يكون فرضا كان مقررا للثابت بالنص على حاله وعاملا بالدليل الآخر بحسب موجبه"٤. ومثلوا للفرض أيضا بالإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج، وغيرها من العبادات التي هي أركان الدين، ومثلوا للواجب بقراءة الفاتحة في الصلاة كما سبق، والطهارة في الطواف والسعي٥. ثالثا: أن الواقع في الشرع كون بعض الواجبات آكد من بعض،

стр. 213

فصلاة الظهر آكد من صلاة النذر وإن كانتا واجبتين، فوجب أن يفرق بينهما في التعبير عن هذا الواقع بكون الفرض لما هو في أعلى منازل الوجوب والواجب بما دون ذلك١. - وذهب الجمهور إلى عدم التفريق بين الفرض والواجب، ولم ينظروا في التسمية إلى الفرق بين الأدلة القطعية والظنية المثبتة للأحكام الشرعية٢. ونقضوا ما ذكره الحنفية من الاصطلاح بأمور منها: أولا: أن التفريق في التسمية، وتخصيص كل من الموضعين باسمٍ أمرٌ لا يستند إلى لغة ولا شرع ولا عقل. أما اللغة فلأن علماءها عرفوا الفرض بالوجوب، كما سبق عن الجوهري وغيره٣، بل قد يكون الوجوب وهو السقوط أقربَ إلى التحقيق في أصل الاشتقاق من الفرض الذي هو التقدير والقطع٤، ولأن الفرض في اللغة هو التقدير مطلقا سواء أكان تقديرا مقطوعا به أم غير مقطوع به والوجوب هو السقوط أعمّ من أن يكون سقوطا مقطوعا به أو غير مقطوع به٥.

стр. 214

أما الشرع فلأنه لم يرد في لسان الشرع ما يبين هذا التفريق بين الموضعين في التسمية، قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ ١ أي أوجبه، وقال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه "٢، كما يطلق العلماء اسم (الفرض) على ما أُدِّي من الصلاة المختلف في صحتها بينهم بقولهم: "أدِّ فرض الله تعالى"والأصل في الإطلاق الحقيقة٣،٤. أما العقل فلأنه ليس فيه ما يقتضي هذا التفريق، فإن اختلاف طرق إثبات الحكم - حتى يكون هذا الطريق معلوما قطعا وذاك الطريق دون ذلك - لا يوجب اختلافا في الأحكام الثابتة بها في الحقيقة، فاختلاف طرق الواجبات في الظهور والخفاء والقوة والضعف - حتى يقتل المكلف بترك بعضها دون بعض - لا يوجب اختلاف الواجب في حقيقته من حيث هو

стр. 215

واجب، كما أن اختلاف طرق النوافل والحرام بالقطع والظن غير موجب لاختلافها في نفسها من حيث هي نافلة وحرام١. فإذا كان هذا الاصطلاح في التفريق بين الفرض والواجب لا يستند إلى اللغة ولا الشرع ولا العقل فهو تحكم محض لا أساس له. ثانيا: أن اصطلاحهم منقوض عليهم بأنهم أطلقوا اسم (الفرض) على أحكام ثبتت بأدلة غير قطعية، من ذلك إطلاقهم الفرض على الوضوء اللازم على من افتصد، وعلى الصلاة الواجبة على من بلغ في الوقت بعد أدائه إياها، وإطلاق الفرض على العُشر الواجب في غير الأقوات وفيما دون خمسة أَوْسُق، وإطلاقه على القِعْدة في الصلاة، وعلى مسح رُبع الرأس٢. ثالثا: أنه يلزم على ما ذكروه أن تسمى النوافل الثابتة بطريق مقطوع به فروضا لكن ذلك غير جائز فبطل ما ذكروا٣. رابعا: أنه لا مناسبة بين كل من (الفرض) و (الواجب) وبين ما خصوه به من الأحكام، ولو عُكس ما ذهبوا إليه فسُمي ما ثبت بقطعي واجبا وما ثبت بظني فرضا لم يكن ممتنعا ولا بعيدا، وذلك خلل ظاهر في الاصطلاح٤.

стр. 216

وأجاب المفرقون عن هذه الأمور: أما الأول - وهو أن الاصطلاح تحكم لا أساس له لغة ولا شرعا ولا عقلا - فدفعوه بأن بينوا أساس التفريق عندهم فلا يكون تحكما، قال عبد العزيز البخاري١: "إنا نخص الفرض بقسم باعتبار معنى القطع ونخص الواجب بقسم باعتبار معنى السقوط ... ولا يوجد معنى القطع في الواجب ولا معنى السقوط ... في الفرض فأنى يلزم التحكم وسائر الأسماء الشرعية والعرفية بهذه المثابة"٢. فالتفاوت المتحقق بين الأدلة الشرعية حتى يكون منها القطعي والظني مطرد في الأحكام الثابتة بتلك الأدلة حتى يكون فيها الفرض والواجب٣، بل إن بعضهم التزم التفريق في التحريم أيضا، فما ثبت بدليل قطعي منه فهو الحرام وما ثبت بما دون القطعي فهو المكروه كراهة تحريم٤.

стр. 217

أما عدم التفريق بين اللفظين في لسان الشارع فلأن الأدلة إنما تنقسم إلى قطعي وظني في حق غيره، فكان التفريق غير وارد في حقه لاستواء الأدلة بالنسبة إليه١. أما الثاني - وهو أن اصطلاحهم منقوض بأحكام سموها فرضا مع عدم ثبوتها بالقطعي - فدفعه بعض الحنفية بأن الفرض على نوعين: فرض قطعي وفرض عملي ظني وهو في قوة القطعي في العمل بحيث يفوت الجواز بفواته، ومن الفرض العملي الظني المقدارُ في مسح الرأس والوتر٢، قال الشيخ ابن عابدين٣: "إن المجتهد قد يقوى عنده الدليل الظني حتى يصير قريبا من القطعي٤، فما ثبت به يسميه فرضا عمليا، لأنه يعامل معاملة الفرض في

стр. 218

وجوب العمل، ويسمَّى واجبا نظرا إلى ظنية دليله، فهو أقوى نوعي الواجب وأضعف نوعي الفرض"١، أو أن ذلك محمول على أن ما بيَّن من الأدلة غير القطعية دليلا قطعيا مجملا فالحكم الثابت بالقطعي وبيانه الغير القطعي حكم قطعي، ومنه المقدار في مسح الرأس٢. وحاصل هذا الجواب أن جميع ما سماه الحنفية فرضا مما لم يثبت بالدليل القطعي: فإما أنه في مرتبة وسط بين الفرض المطلق والواجب المطلق، وإما أنه محمول على القطعي تبعاً، وذكر الزركشي أن إطلاق الفقهاء لفظ (الفرض) في مثل هذا قد يكون من باب المشاكلة٣. أما الثالث - وهو إلزامهم تسميةَ النافلة فرضا - فهو مدفوع بأن كلا الموضعين في التقسيم مشترك أولاً في أنه مما يلزم ويتحتم ولا يجوز تركه في العمل، فلا يدخل في ذلك النوافل ابتداء، حتى التي تثبت بالقواطع لأنها ليست لازمة في العمل، فالفرض هو ما ثبت بدليل قطعي مما يلزم فعله ولا

стр. 219

يجوز تركه، والواجب ما ثبت بظني مما يلزم فعله ولا يجوز تركه، وليست التسمية في مطلق الأحكام فيدخل فيها النافلة١. أما الرابع - وهو أنه لو عكس اصطلاحهم لم يبعد - فهو قريب من الاعتراض الأول، وقد أجيب عن ذلك ببيان وجه ذلك في اللغة والشرع والعقل٢، ومن عكس ما فعلوه فهو مطالب ببيان وجه ما عكس. مسألة: هل للخلاف أثر: اختلف أهل العلم في أن هذا الخلاف المتقدم له أثر في الأحكام أم أنه خلاف لفظي: - فذهب بعضهم إلى أن الخلاف نزاع لفظي. قال الغزالي: "وأصحاب أبى حنيفة٣ ﵀ اصطلحوا على تخصيص اسم الفرض بما يقطع بوجوبه وتخصيص اسم الواجب بما لا يدرك إلا ظنا، ونحن لا ننكر انقسام الواجب إلى مقطوع ومظنون، ولا حجر في

стр. 220

الاصطلاحات بعد فهم المعاني"١. ومما يؤيد كون النزاع لفظيا أن كثيرا من المفرقين وغير المفرقين قد بنوا أحكام الفروع على التفريق، فإن الفقهاء يذكرون أن الصلاة مشتملة على فروض وواجبات وفرقوا بين الموضعين بجعل الفرض أقوى من الواجب٢، وقال الزركشي مشيرا إلى ذلك: "وهذا ليس في الحقيقة فرقا يرجع إلى معنى تختلف الذوات بحسبه وإنما هي أوضاع نسبت للبيان"٣. - وذكر بعض العلماء آثارا للخلاف:

стр. 221

يفرق بالتسمية، لأن التكفير وعدمه من أجل الدليل المثبت للحكم ووصوله للجاحد وإقامة الحجة عليه وغير ذلك، وليس مبنيا على مجرد التسمية. ٢- ومنها: أن جميع الأحكام عند من لم يفرق قطعية، وليس الأمر كذلك عند من فرق١. وهذا فيه نظر لأن القطعية في الأحكام تابعة للقطعية في الأدلة، وقد تقدم أن مذهب الجماهير من المذاهب الأربعة أن الأدلة الشرعية فيها أدلة قطعية وأدلة غير قطعية، فإذا ثبت الحكم بدليل غير قطعي لم يكن قطعيا سواء أفُرِّق بين الفرض والواجب أم لا. والله أعلم. ٣- ومنها: أنه على مذهب التفريق يجوز أن يكون بعض الواجبات آكد من بعض، وليس كذلك على مذهب الجمهور٢. ويرد على هذا ما ذكره بعض العلماء من أن بعض الواجبات آكد من بعض سواء أقيل بالتفريق في التسمية أم لا٣، وذكر الغزالي أن غير المفرقين لا ينكرون أن بعض الواجبات ثابتة بدليل قطعي وبعضها بدليل غير قطعي٤، وعلى ذلك فما ثبت بدليل قطعي من الواجبات كان آكد من

стр. 222

جهة ثبوته مما لم يثبت بدليل غير قطعي. ٤- ومما ذكر من الآثار المترتبة على الخلاف السابق أن من فرّق بين الموضعين لا يكون عنده تَرْك قراءة الفاتحة في الصلاة مفسدا لها، ومن لم يفرق من الجمهور كان تركها فيها مفسدا للصلاة عندهم. ورُدَّ بأن الخلاف في فساد الصلاة بترك قراءة الفاتحة لا يضر في كون الخلاف لفظيا، لأن ذلك أثر فقهي لا مدخل له في الخلاف في التسمية، فظنية الدليل عند الحنفية تسبب عنها أمران: التسميةُ بالواجب وعدمُ فساد الصلاة بترك ما أثبته، ولا يلزم إذا تسبب عن الخلاف أمران أن يكون أحدهما سببا للآخر١. ويؤيد ذلك أمور: منها أن ما سبق من الخلاف في قراءة الفاتحة مبني على مسألة (الزيادة على النص وهل هي نسخ أم لا) وليس مبنيا على مجرد الخلاف في التسمية٢، ومنها أن الحنفية قد يطلقون الواجب كما يطلقه

стр. 223

الجمهور على الحكم الجازم مطلقا سواء أثبت بدليل قطعي أم لا١، وقد أطلق علاء الدين السمرقندي٢ من الحنفية على الفرض اسم "الواجب القطعي" وسمى الموضع الآخر "الواجب مع الاحتمال"٣. ويرد على هذا الاصطلاح ما ورد على اصطلاح التفريق بين الدليل والأمارة، فإن الدليل قد لا يكون مطردا في القطعية عند جميع العلماء، وعلى ذلك يكون الحكم فرضا عند من ثبت عنده بدليل قطعي واجبا عند من ثبت عنده بدليل غير قطعي، وذلك يمنع اطراد الاصطلاح٤. والله أعلم.

стр. 224

تفريق آخر بين الفرض والواجب: وفرق بعض العلماء بين الفرض والواجب بفرق آخر غير ما سبق، وذلك بأن الفرض ما ثبت بالقرآن والواجب ما ثبت بالسنة، وهو رواية عن الإمام أحمد قال عنها في المسودة: "وهذه هي ظاهر كلام أحمد في أكثر نصوصه"١.

стр. 225

والفرق بين هذا وبين ما سبق أن ما يظهر هنا أن النظر إلى وجود الحكم في القرآن أو في السنة مطلقا، أما ما سبق فالنظر إلى القطعية فما أثبته الدليل القطعي فهو فرض سواء أكان ذلك الدليل القطعي من القرآن أو من السنة المتواترة، وكذا الواجب هو الثابت بالظني مطلقا. قال الزركشي ردا على هذا التفريق: "وألزمهم القاضي أن لا يكون شيء مما ثبت وجوبه بالسنة - مثل كيفية الصلاة ودية الأصابع والعاقلة - فرضا، وأن يكون الإشهاد عند التبايع ونحوه من المندوبات الثابتة بالقرآن فرضا"١. ويمكن توجيه هذا الاصطلاح بأن يكون المراد بالفرض فيه الواجبات الثابتة بالقرآن والواجب خاصا بالواجبات الثابتة بالسنة، أو يكون المراد بالفرض فيه كل ما ثبت بالقرآن سواء أكان واجبا أم نفلا والواجب ما ثبت بالسنة من الواجبات والمندوبات، ولا يكون الفرض والواجب على هذا الاصطلاح متفرعا على الطلب الجازم الذي لا يجوز تركه٢، والأمر في الاصطلاحات واسع، والله أعلم.

стр. 226

ابن عبد البر يفرق بين الفرض والواجب في العبارة: وقال الحافظ ابن عبد البر١: "وأول العلم حفظ كتاب الله ... ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولكن أقول إن ذلك واجب لازم على من أَحَبَّ أن يكون عالما، وليس من باب الفرض"٢. فكأنه تحاشى ﵀ أن يسمي ذلك فرضا فاكتفى بأنه واجب، وذلك تفريق لطيف مبني على أن الفرض أقوى من الواجب وأثقل في العبارة منه. أثر آخر لقطعية الدليل في الاصطلاح: ومن آثار قطعية الدليل في الاصطلاحات غير ما سبق من الدليل والأمارة والفرض والواجب: تفريق بعض العلماء بين مصطلحي المفسر والمؤول بأن المفسَّر ما تبين المراد منه بدليل قطعي، والمؤول ما تبين المراد منه بدليل غير قطعي٣.

стр. 227

فعلى هذا الاصطلاح يكون معنى التفسير تبيين المراد من الكلام على سبيل القطع، ومعنى التأويل تبيين المراد منه على سبيل دون القطع من الظن الراجح١.

стр. 228

المبحث الثاني: أثر القطعية في الاجتهاد والتخطئة تعريف الاجتهاد والتخطئة: الاجتهاد لغة: افتعال من الجُهد وهو الطاقة والجَهدُ بالفتح المشقة والاجتهاد: بذل الوسع والطاقة١. أما في الاصطلاح فهو: "بذل الفقيه وسعه بالنظر في الأدلة لأجل أن يحصل له الظن أو القطع بأن حكم الله في المسألة كذا"٢. فهو عند الإطلاق يراد به الاجتهاد في الأحكام الفقهية٣. والتخطئة: تَفْعِلة من الخطأ وهو ضد الصواب، يقال: (خطَّأه تخطئة وتخطيئا) إذا قال له: أخطأت ونسبه إلى الخطأ٤.

стр. 229

قطعية الدليل مانعة من الاجتهاد وموجبة لخطأ مخالف الدليل القطعي، لأن معنى كونه قطعيا اليقين والجزم بنسبته إلى الله تعالى أو إلى الرسول ﷺ ، ولا تجوز مخالفة أمر الله ورسوله ﷺ بعد أن يتبين بيقين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُون لَهُمُ الخِيَرَة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فتْنةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢. ولذا كانت الأحكام الشرعية الثابتة بقواطع الأدلة غير قابلة للاجتهاد المؤدي إلى مخالفتها، ومن فعل ذلك فهو مخطئ في اجتهاده قطعا، فكل مسألة فيها دليل قطعي مسألةٌ قطعية، والحق فيها متعين فيما أفاده الدليل القطعي، ومخالفه مخطئ سواء أقَصّر في طلب الدليل أم لم يقصر٣. وما يظهر من نقل بعض العلماء الخلاف في تخطئة مخالف الدليل القطعي إذا لم يقصر وأن ذلك داخل في مسألة التصويب والتخطئة٤ -

стр. 230

ليس كما يظهر، بل الصحيح أنه لا خلاف في تخطئة مخالف الدليل القطعي بمعنى أن ما أفاده الدليل القطعي هو الصواب والحق، وأنما الخلاف في تأثيم المخطئ في المسألة التي فيها دليل قطعي إذا لم يقصر في طلب الدليل، بكونه أدى ما عليه من الاجتهاد١، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الأحكام الشرعية التي نصبت عليها أدلة قطعية معلومة - مثل الكتاب والسنة المتواترة والإجماع الظاهر كوجوب الصلاة والزكاة والصيام وتحريم الزنا والخمر والربا - إذا بلغت هذه الأدلة المكلف بلاغا يمكنه من اتباعها فخالفه تفريطا في جنب الله وتعديا لحدوده فلا ريب أنه مخطئ آثم وأن هذا الفعل سبب لعقوبة الله في الدنيا والآخرة، فإن الله أقام حجته بالرسل الذين بعثهم ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُون لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٢ ... "٣. الاجتهاد والقطعية النسبية: خالف أبو الحسين البصري في تعريف المسألة الاجتهادية بأنها التي ليس فيها دلالة قاطعة، واختار أن المسألة الاجتهادية هي كل مسألة خلافية، فقال: "إن مسائل الاجتهاد التي لا لوم على المخطئ فيها هي ما اختلف فيها أهل الاجتهاد من الأحكام الشرعية"٤، فأدخل في

стр. 231

الاجتهاديات المسائل الخلافية مطلقا سواء أكان فيها دليل قاطع أم لم يكن فيها دليل قاطع، وهو يثبت مع ذلك جواز الخطأ، أي أن الذي يرتفع عنده عن المجتهد في المسائل الخلافية هو اللوم دون جواز الخطأ. ومن نوع ما ذكره أبو الحسين البصري عدم تسليم شيخ الإسلام ابن تيمية تعريف المسألة الاجتهادية بأنها المسألة التي ليس فيها دليل قاطع، وقال إشارة إلى تعريف الاجتهاد بذلك: "تضمن هذا أن ما يعلم بالاجتهاد لا يكون قطعيا قط، وليس الأمر كذلك فرب دليل خفي قطعي"١، وفي كلامه أمر آخر: وهو أن كون قطعية الدليل مانعة من الاجتهاد وموجبة للتخطئة لا يعني الاجتهاد وبذل الوسع في الوصول إلى الدليل القطعي، فإن القطعية ربما كانت مستندة إلى قرائن يستدعي تحصيلها استقراءً وبذلَ جهد في الوقوف عليها٢. والتحقيق أن معنى كون القطعية مانعا للاجتهاد أن الدليل القطعي إذا أثبت حكما معينا في مسألة لم يجز الاجتهاد في طلب حكم آخر فيها، فالقطعية إنما تمنع الاجتهاد بعد تحققها، أما الاجتهاد للوصول إلى الدليل القطعي الخفي فهو اجتهاد قبل تحقق القطعية عند الناظر المستدل فلا يكون ممنوعا.

стр. 232

ولعل هذا هو مراد من عرّف المسائل الجائز فيها الاجتهاد بما ليس فيه دليل قطعي، أي دليل تحققت عند الناظر قطعيته، وإلا فكيف تمنع القطعية وهي لم تثبت بعدُ!. والله تعالى أعلم. فخلاصة ما سبق أن من جوّز الاجتهاد فيما فيه قاطع فمراده القطعية المقيدة، أي يجوز الاجتهاد في مسألة فيها دليل قطعي لمن لم تتحقق عنده القطعية، ومن أطلق القول بمنع الاجتهاد للقطعية فمراده القطعية المطلقة أو المقيدة بالنسبة لمن تحققت عنده القطعية، أما القطعية من حيث هي فلا يلحقها الاجتهاد عند ناظر واحد. والله تعالى أعلم ومن هذا الباب أنه يشترط لصحة القياس شرعا ألا يوجد نص في المسألة، فإذا وجد لم يجز القياس، ويكون إذا خالفه خطأ قطعا١، والقياس من أنواع الاجتهاد، بل "هما اسمان لمعنى واحد"٢ كما ذكره الإمام الشافعي ﵀. الجهتان في منع القطعية للاجتهاد وفي التخطئة: إذا كان الدليل قطعيا من جهة الثبوت والدلالة فمنعه الاجتهاد منع

стр. 233

مطلق، أما إذا كان الدليل قطعيا من جهة دون أخرى فمنع القطعية للاجتهاد يكون في الجهة التي الدليل مقطوع به فيها دون الأخرى. ومثال ذلك كما سبق: أن يكون الدليل من القرآن فيكون قطعيا من جهة الثبوت ولا يكون قطعيا من جهة الدلالة، فيجوز الاجتهاد فيه من جهة الدلالة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثةَ قُرُوءٍ﴾ ١، فقد اجتهد العلماء - رحمهم الله تعالى - في هذه الآية من جهة دلالتها على ما فيه يكون التربص أفي الأطهار أم في الحيض، إذ كانت الآية وحدها غير قطعية الدلالة على شيء من ذلك، وهي قطعية الثبوت اتفاقا٢. وكذلك التخطئة، فإن الذي يخطئ في مسألة التربص أيكون بالحيض أو بالأطهار لا يوصف بأنه أخطأ في الآية من جهة الثبوت بل من جهة الدلالة. والله تعالى أعلم. نوعا القطعية في منع الاجتهاد وفي التخطئة: إذا كان الدليل قطعيا مطلقا فمنع القطعية الاجتهاد فيه يكون لجميع الناظرين المستدلين، أما إذا كان الدليل من القواطع المقيدة - أي التي يمكن ألا يطلع عليها بعض الناظرين في الدليل٣- فمنع القطعية للاجتهاد في مثل

стр. 234

ذلك يكون في حق من تحققت قطعية الدليل عنده، بل إن المطلوب من الذي لا يقطع الاجتهادُ وبذل الوسع في النظر في الدليل ليقف على مسببات القطعية وقرائنها فيصير الدليل قطعيا عنده١. أما التخطئة فالظاهر أن من ثبتت عنده قطعية الدليل كان كل من خالفه مخطئا عنده، لأنه على يقين بالصواب بالدليل القطعي، فإذا احتمل أن يكون الصواب مع مخالفه لم يجتمع مثل هذا الاحتمال مع قطعية دليله، والله تعالى أعلم.

стр. 235

المبحث الثالث: أثر القطعية في التعارض والترجيح تعريف التعارض والترجيح: ذكر الفَيّومي١ في المصباح المنير أن الاعتراض معناه: المنع، قال: "ومنه ... تعارض البينات، لأن كل واحدة تعترض الأخرى وتمنع نفوذها"٢. وقال الزركشي: "التعارض حقيقته: تفاعل من العُرض (بضم العين) وهو الناحية والجهة، وكأن الكلام المتعارض يقف بعضه في عرض بعض أي في ناحيته، فيمنعه من النفوذ إلى حيث وجِّه"٣.

стр. 236

أما التعارض اصطلاحا: فهو تقابل الدليلين على سبيل الممانعة. وذلك بأن يقتضي كل منهما عدم مقتضى الآخر١، مثل أن يكون أحد الدليلين يدل على الجواز والآخر يدل على التحريم، فدليل الجواز يمانع دليل التحريم ودليل التحريم يمانع دليل الجواز٢. أما الترجيح فهو لغة تفعيل من الرجحان وهو جعل شيءٍ راجحا، وأصل الرجحان الزيادة والميلان، ومنه (رجحان الميزان) إذا مال إلى جانب الزيادة٣. والترجيح في الاصطلاح: تقوية أحد الدليلين المتعارضين على الآخر٤. وذلك لمعرفة أقواهما للعمل به واطراح الآخر٥.

стр. 237

أثر القطعية في التعارض والترجيح: مذهب أكثر أهل العلم أن القطعية مانعة من التعارض بين الأدلة القطعية، وأنها لامتناع التعارض بينها لا يتأتى الترجيح بينها١، بل نقل غير واحد من العلماء اتفاق العقلاء على عدم جواز تعارض الدليلين القطعيين٢ أو تعادلهما٣. أما امتناع التعارض بين دليلين قطعيين فلأمور منها: أولا: أن قطعية الدليل تنبني على أمور يستحيل حصولها في موضعين متعارضين، لأن القطعية لا تتأتى إلا عند اجتماع أربعة علوم: أحدها العلم الضروري بحقيقة المقدمات المتركب منها الدليل القطعي، إما ابتداء أو إسنادا٤، ثانيها: العلم الضروري بصحة تركيبها، ثالثها العلم الضروري بلزوم النتيجة عن تلك المقدمات، رابعها العلم الضروري بأن ما لزم من

стр. 238

الضروري لزوما ضروريا فهو ضروري١، ويستحيل حصول هذه العلوم في موضعين متعارضين. ثانيا: أن الدليل القطعي إذا عارض دليلا آخر قطعيا لزم من ذلك أمور كلها باطلة: فإما أن يُعمل بهما معا وذلك باطل لأنه جمع بين النقيضين في الإثبات، أو يُمتنع عن العمل بهما معا وذلك باطل لأنه جمع بين النقيضين في النفي، أو يعمل بأحدهما دون الآخر وهو باطل أيضاً لأنه لا أولوية لأحدهما مع كونهما متساويين في القطعية، فهو ترجيح بلا مرجح٢. ثالثا: أن التعارض بين الدليلين القطعيين يؤدي إلى أن يكون أحدهما كذبا قطعا وذلك غير جائز، فإن الأدلة الشرعية كلها صدق وعدل٣. وأما امتناع الترجيح بين الدليلين القطعيين: - فلأن الترجيح إنما يتأتى بين الدليلين المتعارضين٤، والتعارض غير جائز بينهما٥.

стр. 239

- ولأن المقصود من الترجيح جلب زيادة قوة وغلبة ظهور لأحد الدليلين المتعارضين على الآخر، والدليل القطعي قد بلغ غاية القوة والظهور حتى انفصل منه كل احتمال فهو لا يقبل الزيادة إذ لا غاية وراء اليقين١، قال الطوفي: "وهذا كمن يمشي على جبل أو سطح، فلا يزال المشي مُمْكِنا منه حتى ينتهي إلى حافته فيستحل منه لانتهاء غاية المشي، فلو زاد بعد انتهائه إلى الطرف خطوة لصار مشيه في الهواء وهو محال، بل يقع الماشي فيهلك أو يتأذّى"٢. وذهب بعض العلماء إلى جواز وقوع التعارض بين الأدلة القطعية، وأنه يتأتى الترجيح بينها. وعللوا ذلك بأمور منها: أولا: أنه إذا كان المراد من التعارض والترجيح وقوعهما في حقيقة الأمر فالأدلة الشرعية كلها سواء في امتناع ذلك فيها، لأن وقوع ذلك في أي دليل شرعي قطعيا كان أم غير قطعي يلزم منه التناقض إذا كان في حقيقة الأمر، وذلك غير جائز، وأما إذا كان المراد من ذلك وقوع ذلك في ذهن المجتهد أو في ظاهر الأمر فذلك واقع بين الأدلة الشرعية القطعية، فقد

стр. 240

يتعارض عند المجتهد قطعيان بحيث يعجز عن القدح في أحدهما١. ثانيا: أن عدم جواز الترجيح بين الأدلة القطعية مبني على القول بمنع وقوع التفاوت في القطعيات، وذلك مسألة خلافية: - فمذهب فريق من العلماء جواز وقوع التفاوت في القطعيات، قال الزركشي: "إنه أصح الوجهين عن الشافعية"قال: "ولذا فرق بعضهم بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين"، وعليه حديث "ليس الخبر كالمعاينة" ٢ فإن موسى ﵇ لم يلق الألواح لما سمع عن قومه وألقاها لما رآهم، ويؤيده أن علم الأنبياء أقوى من علم أممهم. - وذهب آخرون إلى عدم التفاوت في القطعيات وأن القطع واليقين إذا استقر تساوى ولم يكن لبعضه فضل قوة على بعض، ونسب ابن السبكي هذا القول إلى المحققين، وأن معنى ذلك أن بعضها ليس أقوى من بعض في الجزم، وعلى هذا المذهب فما يظهر من تفاوت بين القطعيات فبكثرة المتعلقات أو بسبب أن النفس قد ألِفت أحد المعلومين دون الآخر٣.

стр. 241

وعلى القول بجواز التفاوت في القطعيات يتفرع جواز الترجيح في القواطع، قال الزركشي في البحر المحيط١: "ولهذا يجد الإنسان تفرقة بين علمه بأن الواحد نصف الاثنين وأن الكل أعظم من الجزء وبين علمه ثبوت الجوهر الفرد والخلاء٢ وغيرها من المسائل النظرية اليقينية مع أن كل واحد يقين". والذي يظهر أنه لا يمكن أن تتعارض القواطع ويكون تعارضهما في واقع الأمر، أما ما كان من القواطع مبنيا على نظر المستدل في قرائن القطعية

стр. 242

واستقراءات الشواهد فيمكن أن ينظر المستدل في دليلين مع قرائنهما وشواهدهما ويتقويان في نظره حتى يبلغا القطع أو قريبا منه مع تعارضها في الظاهر عنده، ويكون واقع الأمر إما أن أحدهما ليس قطعيا وإما أنه لا تعارض بينهما إلا في نظر المستدل في ظاهر الأمر، قال ابن تيمية بعد نفى جواز تعارض القطعيات: "وحينئذ، فلو تعارض دليلان قطعيان وأحدهما يناقض مدلول الآخر ... فلا بد من أن يكون الدليلان أو أحدهما غير قطعي أو أن لا يكون مدلولهما متناقضين"١. وهذا الأمر يتأتى في النوع الثاني من القطعيات وهو المبني على النظر في قرائن القطعية، أما النوع الأول منها - وهو ما كان من القطعيات قريبا سببه واضحا مأخذه ولا يحتاج إلى كبير نظر واستقراء - فلا يتصور فيه ذلك، ومن هذا ما يُذكر من التفاوت بين قطعية خبر الواحد وقطعية غيره من الأدلة بأن القطعية في خبر الواحد المحتف بقرائن القطعية لا يمنع من الترجيح بين أخبار الآحاد المفيدة للعلم إذا تعارضت، أما القسم الآخر من القطعيات فلا يبقى فيه مسلك للترجيح٢.

стр. 243

الباب الثاني: أحكام القطعية في الأدلة الأربعة الفصل الأول: أحكام القطعية في الكتاب والسنة المبحث الأول: الكتاب والسنة أصل الأدلة الشرعية القطعية وغيرها ... الدليل من الكتاب١ أو السنة٢ دليل لفظي والقطعية فيه تكون من الجهتين: الثبوت والدلالة. أما من جهة الدلالة فتعلق القطعية بالدليل منهما مطرد فيهما إذ قطعية العام والخاص وقطعية النص والمنطوق وقطعية المفهوم ونحوها - تتعلق بعمومهما ونصهما ومفهومهما ... ٣. وأما من جهة الثبوت فليس حكم القطعية فيها متعلقا بهما بدرجة

стр. 244

واحدة، إذ لا خلاف في قطعية الدليل من القرآن من جهة الثبوت١ وكذا السنة المتواترة، وقد وقع الخلاف بين العلماء في قطعية خبر الواحد من جهة الثبوت. المبحث الأول: الكتاب والسنة أصل الأدلة الشرعية القطعية وغيرها كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ أصل الأدلة الشرعية كلها سواء منها ما كان قطعيا وما كان دون ذلك، والدليل على ذلك أمور: أولا: أن الأدلة الشرعية الأخرى إنما يثبت كونها حججا شرعية بدلالة الكتاب والسنة أو أحدهما على حجيتها، فلا يعتمد على أي دليل في إثبات الأحكام الشرعية إلا إذا قامت أدلة صحة الاعتماد عليه من الكتاب والسنة، فالكتاب والسنة هما عمدة الأدلة الشرعية من وجهين: أحدهما: جهة دلالتهما على أهم الأحكام الجزئية كأحكام الطهارة والصلاة والزكاة والحج والجهاد والصيد والذبائح وغيرها. الثاني: جهة دلالتهما على حجية الأدلة الأخرى والقواعد الكلية التي

стр. 245

تستند إليها بعض الأحكام الجزئية، كدلالتهما على حجية الإجماع١ ودلالتهما على حجية القياس٢ وعلى قاعدة (الضرر يزال) ٣ وغيرها٤، فهما عمدة الأحكام الشرعية بدرجة أو بأكثر. ثانيا: أن الأدلة الشرعية هي حجج الله تعالى التي يثبت بها أحكامه على المكلفين، والحكم كله من الله وحده كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ ٥، فكان أصل ما يُثبِت حكم الله تعالى الوحي المتلو في كتاب الله

стр. 246

العزيز والوحي غير المتلو من سنة رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١، وما عدا هذا لا يكون حجة إلا حيث كان مستندا إليهما، فالقياس مثلا لابد فيه من أصل ثبت حكمه بالكتاب أو بالسنة أو بالإجماع الذي ثبتت حجيته فيهما٢. ثالثا: قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخر ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ٣، قال ابن كثير ﵀: "قال مجاهد٤ وغير واحد من السلف: أي كتاب الله وسنة رسوله"قال: "وهذا أمر من الله بأن كل شيء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُم فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلى اللهِ﴾ ٥، فما حكم به الكتاب والسنة

стр. 247

وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال"١. وأصلية الكتاب والسنة هي في التقديم على غيرهما في الجملة للوصول إلى الحكم الشرعي، وهي في القوة كذلك من حيث بناء غيرهما عليهما وعدم بنائهما على غيرهما. وأما العقل المجرد فليس من أدلة الفقه وطرق الأحكام الشرعية، فإنه إنما يستعمل معينا في طرق الأدلة الشرعية أو محققا لمناطها أو ما أشبه ذلك كأن يدل على نفي الحكم لانتفاء الأدلة لكون الثمر معدوما لعدم المثمِر، وإن الأحكام الشرعية إنما تعلم بالسمع والنقل وأصله الكتاب والسنة٢. ويذكر بعض العلماء أن العقل أصل النقل من حيث إن النقل يثبت صحته بالعقل، فهو أصله الذي يقدم عليه إذا عارضه٣. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رد ذلك: "إن أردت أنه أي العقل أصل في ثبوته أي النقل في نفس الأمر فلا يقوله عاقل، فإن ما هو ثابت في نفس الأمر بالسمع أو بغيره هو ثابت سواء علمنا ثبوته أم لم نعلم ثبوته لا بعقل ولا بغيره، إذ عدم العلم ليس علما بالعدم، وعدم علمنا بالحقائق لا

стр. 248

ينفي ثبوتها ... وإن أردت أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل على صحته - وهو ما أراده - فيقال: أتعني بالعقل هنا الغريزة التي فينا أم العلوم التي استفدناها بتلك الغريزة؟ فالأول لم ترده ... لأن تلك الغريزة ليست علما يتصور أن يعارض النقل ... وإن أردت بالعقل الذي هو دليل السمع وأصله المعرفةَ الحاصلة بالعقل فيقال لك: من المعلوم أنه ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلا للسمع ودليلا على صحته فإن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر، والعلم بصحة السمع غايته أن يتوقف على ما به يعلم صدق الرسول ﷺ ، وليس كل العلوم العقلية يعلم بها صدق الرسول ﷺ ، بل ذلك يعلم بما يعلم به أن الله تعالى أرسله ... فليس جميع المعقولات أصلا للنقل"١. فالكتاب والسنة أصل الأدلة السمعية والنقلية الموصلة إلى الأحكام الشرعية مطلقا، وأما العقل فإنه وإن كان آلة في معرفة صدق الرسالة فذلك ليس دليلا على إطلاق القول بأنه أصل ثم إطلاق القول بتقديم العقل عند التعارض على الأدلة السمعية النقلية التي أصلها الكتاب والسنة، لأن قدرا فقط من العلوم العقلية هو المستعمل في الاستدلال على صدق الرسالة، وذلك لا يجعل العقل أصلها مطلقا، مع أنه لا يسلم جواز التعارض بينهما أصلا أي بين الدليل النقلي الصحيح الصريح والعقل السليم٢.

стр. 249

المبحث الثاني: أحكام القطيعة في السنة من جهة الثبوت المطلب الأول: قطعية الخبر المتواتر ... المطلب الأول: قطعية الخبر المتواتر تعريف (الخبر) و (المتواتر) : الخبر بتحريك الباء: واحد الأخبار، وهو النبأ١. أما تعريفه عند علماء الشريعة فذكر فخر الدين الرازي أنه غني عن الحد والرسم لكونه ضروريا٢، وعرفه غيره من علماء أصول الفقه، فذكر إمام الحرمين أنه: "الذي يدخله الصدق والكذب"٣، وقال الغزالي: إنه "القول الذي يتطرق إليه التصديق والتكذيب"٤، وقال الآمدي: هو "عبارة عن اللفظ الدال بالوضع على نسبة معلوم إلى معلوم أو سلبها على وجه يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى تمام مع قصد المتكلم الدلالة على النسبة أو سلبها"٥. والخبر عند علماء الحديث مرادف للحديث٦، وقيل الحديث ما جاء

стр. 250

عن النبي ﷺ والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثم سمي المشتغل بالتواريخ بالاخباري والمشتغل بالسنة النبوية بالمحدث، وقيل كل حديث خبر من غير عكس، فيكون بينهما عموم وخصوص مطلق١. وأما المتواتر فهو في اللغة: اسم فاعِل من التواتر وهو التتابع مطلقا أو التتابع إذا كان بين الأمور المتتابعة فترات، ومن أصله (تترى) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ ٢ أي واحدا بعد واحد٣. ومن تعريفات الأصوليين للخبر المتواتر: - أنه "خبر أقوام بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم"٤. - أنه "عبارة عن خبر مفيد بنفسه العلم بمخبره"٥. - أنه "خبر عدد يمتنع معه لكثرته تواطؤ على كذب عن محسوس"٦.
следующие страницы →