← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8523

القطعية من الأدلة الأربعة

محمد دكوري

Полный текст (445 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

العزيز والوحي غير المتلو من سنة رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١، وما عدا هذا لا يكون حجة إلا حيث كان مستندا إليهما، فالقياس مثلا لابد فيه من أصل ثبت حكمه بالكتاب أو بالسنة أو بالإجماع الذي ثبتت حجيته فيهما٢. ثالثا: قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخر ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ٣، قال ابن كثير ﵀: "قال مجاهد٤ وغير واحد من السلف: أي كتاب الله وسنة رسوله"قال: "وهذا أمر من الله بأن كل شيء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُم فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلى اللهِ﴾ ٥، فما حكم به الكتاب والسنة

стр. 247

وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال"١. وأصلية الكتاب والسنة هي في التقديم على غيرهما في الجملة للوصول إلى الحكم الشرعي، وهي في القوة كذلك من حيث بناء غيرهما عليهما وعدم بنائهما على غيرهما. وأما العقل المجرد فليس من أدلة الفقه وطرق الأحكام الشرعية، فإنه إنما يستعمل معينا في طرق الأدلة الشرعية أو محققا لمناطها أو ما أشبه ذلك كأن يدل على نفي الحكم لانتفاء الأدلة لكون الثمر معدوما لعدم المثمِر، وإن الأحكام الشرعية إنما تعلم بالسمع والنقل وأصله الكتاب والسنة٢. ويذكر بعض العلماء أن العقل أصل النقل من حيث إن النقل يثبت صحته بالعقل، فهو أصله الذي يقدم عليه إذا عارضه٣. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رد ذلك: "إن أردت أنه أي العقل أصل في ثبوته أي النقل في نفس الأمر فلا يقوله عاقل، فإن ما هو ثابت في نفس الأمر بالسمع أو بغيره هو ثابت سواء علمنا ثبوته أم لم نعلم ثبوته لا بعقل ولا بغيره، إذ عدم العلم ليس علما بالعدم، وعدم علمنا بالحقائق لا

стр. 248

ينفي ثبوتها ... وإن أردت أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل على صحته - وهو ما أراده - فيقال: أتعني بالعقل هنا الغريزة التي فينا أم العلوم التي استفدناها بتلك الغريزة؟ فالأول لم ترده ... لأن تلك الغريزة ليست علما يتصور أن يعارض النقل ... وإن أردت بالعقل الذي هو دليل السمع وأصله المعرفةَ الحاصلة بالعقل فيقال لك: من المعلوم أنه ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلا للسمع ودليلا على صحته فإن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر، والعلم بصحة السمع غايته أن يتوقف على ما به يعلم صدق الرسول ﷺ ، وليس كل العلوم العقلية يعلم بها صدق الرسول ﷺ ، بل ذلك يعلم بما يعلم به أن الله تعالى أرسله ... فليس جميع المعقولات أصلا للنقل"١. فالكتاب والسنة أصل الأدلة السمعية والنقلية الموصلة إلى الأحكام الشرعية مطلقا، وأما العقل فإنه وإن كان آلة في معرفة صدق الرسالة فذلك ليس دليلا على إطلاق القول بأنه أصل ثم إطلاق القول بتقديم العقل عند التعارض على الأدلة السمعية النقلية التي أصلها الكتاب والسنة، لأن قدرا فقط من العلوم العقلية هو المستعمل في الاستدلال على صدق الرسالة، وذلك لا يجعل العقل أصلها مطلقا، مع أنه لا يسلم جواز التعارض بينهما أصلا أي بين الدليل النقلي الصحيح الصريح والعقل السليم٢.

стр. 249

المبحث الثاني: أحكام القطيعة في السنة من جهة الثبوت المطلب الأول: قطعية الخبر المتواتر ... المطلب الأول: قطعية الخبر المتواتر تعريف (الخبر) و (المتواتر) : الخبر بتحريك الباء: واحد الأخبار، وهو النبأ١. أما تعريفه عند علماء الشريعة فذكر فخر الدين الرازي أنه غني عن الحد والرسم لكونه ضروريا٢، وعرفه غيره من علماء أصول الفقه، فذكر إمام الحرمين أنه: "الذي يدخله الصدق والكذب"٣، وقال الغزالي: إنه "القول الذي يتطرق إليه التصديق والتكذيب"٤، وقال الآمدي: هو "عبارة عن اللفظ الدال بالوضع على نسبة معلوم إلى معلوم أو سلبها على وجه يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى تمام مع قصد المتكلم الدلالة على النسبة أو سلبها"٥. والخبر عند علماء الحديث مرادف للحديث٦، وقيل الحديث ما جاء

стр. 250

عن النبي ﷺ والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثم سمي المشتغل بالتواريخ بالاخباري والمشتغل بالسنة النبوية بالمحدث، وقيل كل حديث خبر من غير عكس، فيكون بينهما عموم وخصوص مطلق١. وأما المتواتر فهو في اللغة: اسم فاعِل من التواتر وهو التتابع مطلقا أو التتابع إذا كان بين الأمور المتتابعة فترات، ومن أصله (تترى) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ ٢ أي واحدا بعد واحد٣. ومن تعريفات الأصوليين للخبر المتواتر: - أنه "خبر أقوام بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم"٤. - أنه "عبارة عن خبر مفيد بنفسه العلم بمخبره"٥. - أنه "خبر عدد يمتنع معه لكثرته تواطؤ على كذب عن محسوس"٦.

стр. 251

وعرف الحافظ ابن حجر العسقلاني١ الخبر المتواتر بأنه في اصطلاح المحدثين الخبر الجامع لأمور أربعة: أحدها: عدد كثير أحالت العادة تواطؤهم على الكذب. الثاني: روايتهم ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء. الثالث: كون مستند انتهائهم الحس. الرابع: أن يصحب خبرهم العلم لسامعه٢. قطعية الخبر المتواتر: والخبر المتواتر يفيد العلم القطعي واليقين بما تضمنه عند جميع

стр. 252

المسلمين، قال ابن حزم ﵀ عن الخبر المتواتر: "وهو ما نقلته الكافة بعد الكافة حتى تبلغ النبي ﷺ ، وهذا خبر لم يختلف مسلمان في وجوب الأخذ به وفي أنه مقطوع على مغيبه١، لأنه بمثله عرفنا أن القرآن هو الذي أتى به محمد ﷺ "٢، وقال الآمدي رحمه الله٣: "اتفق الكل على أن خبر التواتر مفيد العلم بمخبره، خلافا للسمنية٤ والبراهمة٥".

стр. 253

أما الخلاف في كون العلم القطعي المستفاد من الخبر المتواتر ضروريا أو نظريا ١ فليس خلافا في أصل القطعية، لأن الضرورية والنظرية من أوصاف القطعية، فهما زائدتان على أصل القطعية. وكذا ما ينقل عن النظَّام٢ من أن قطعية المتواتر هي بسبب قرائن فيها، خلافا لما عليه الجمهور من أن قطعية المتواتر بسبب العدد الكثير الذي

стр. 254

يحيل عادة تواطؤ المخبرين على الكذب١، فأصل القطعية هنا أيضا ثابت، والخلاف في سبب القطعية أهو العدد أم القرائن، بل ذكر أبو الحسين البصري أن مراد النظام بذلك القرائن اللازمة للخبر كامتناع اتفاق الكذب منهم ونحوه، فإن مثل ذلك لازم لكل خبر متواتر، كما أن قرائن أخرى تجعل حصول القطعية أسرع في حال دون حال: كالأحوال الراجعة إلى المخبر المتكلم والمخبر السامع ونحوها٢. وحمل أبو المعالي الجويني قول نفاة قطعية المتواتر من السمنية على أنهم نفوا حصول القطع من العدد وجعلوا القطع من أمور أخرى كالقرائن٣. وجعل السرخسي إنكار قطعية مطلق الخبر قول فريق ممن ينكر رسالة المرسلين٤. وجعل شيخ الإسلام ابن تيمية التفريق بين المعلوم بالتواتر والمعلوم عن طريق الحس - من أصول الإلحاد والكفر، لأنه سبيل إلى إنكار المنقول عن الأنبياء بالتواتر من المعجزات وغيرها٥.

стр. 255

والقول بنفي القطعية عن الخبر المتواتر أيا كان قائله وحقيقة قوله ومحل النزاع معه - قول مردود وباطل، والتحقيق في الرد على منكر ذلك أن يقال: إنا نجد نفوسنا قاطعة ومتيقنة بما يخبر به أهل التواتر كعلمنا وجزمنا بما نحسه ولا سبيل إلى دفع ما نجده، فرجعت حقيقة الاحتجاج على هؤلاء المنكرين في قطعية المتواتر إلى وجدان السامعين للخبر المتواتر - وهم جميع المسلمين - بالقطعية، ولا سبيل للمنكر في دفع ما يجدونه بإنكاره١. قال أبو الحسين البصري في إبطال قول منكري قطعية الخبر المتواتر: "والذي يبطل قولَهم وِجدانُنا أنفسَنا معتقدة وجود مصر وخراسان ساكنة إلى غير ذلك، عند تواتر الأخبار علينا بها، فجرى مجرى المعرفة بالمشاهدات ... ومن خالف في أنا معتقدون لذلك واثقون به فقد دفع ما نجده فلا وجه لمكالمته"٢. وقال الآمدي مستدلا على قطعية المتواتر: "ودليل ذلك ما يجده كل عاقل من نفسه من العلم الضروري بالبلاد النائية والأمم السالفة والقرون الخالية والملوك والأنبياء والأئمة والفضلاء المشهورين والوقائع الجارية بين السلف الماضين - بما يرد علينا من الأخبار حسب وجداننا كالعلم بالمحسوسات عند إدراكنا لها بالحواس، ومن أنكر ذلك فقد سقطت

стр. 256

مكالمته وظهر جنونه أو مجاحدته"١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن معرفة الإنسان بكونه يعلم أو لا يعلم مرجعه إلى وجود نفسه عالمة، ولهذا لا يحتج على منكر العلم إلا بوجود أنفسنا عالمة كما احتجوا على منكري الأخبار المتواترة٢ بأنا نجد نفوسنا عالمة بذلك جازمة به كعلمنا وجزمنا بما أحسسناه"٣. ومن الشبه التي تمسك بها المنكرون: ١- أنه لو أفاد الخبر المتواتر العلم القطعي لاشترك الجميع في العلم به ولما خالف من نُقل خلافه في ذلك. والجواب: أنه لو كان خلافهم مزيلا للقطعية عن الخبر المتواتر لأزال خلاف السوفسطائية٤ القطعية عن المحسوسات وذلك باطل، بل إن مجرد الخلاف لا يزيل القطعية ولا يمنعها٥، كيف والخلاف في قطعية المتواتر لا يتصور - عند من يجدها - إلا عن جاحد معاند أو عن مختل العقل ساقط

стр. 257

المكالمة كما ذكره أهل العلم ﵏. ٢- أن الخبر إذا جاز أن يكون كذبا حالة الانفراد بنقل الآحاد جاز أن يكون كذلك حالة التواتر باجتماع عدد كثير في نقله، لأن الاجتماع من الانفراد. والجواب: أن للاجتماع ما ليس للانفراد كما هو مشاهد في المحسوس، فرب شيء ثقيل لا يقدر الواحد على حمله فإذا اجتمع عليه مع غيره يحمله، فلا يقال إن عدم قدرته على الحمل منفردا يلزم منه عدم قدرته على ذلك مع غيره، فقد يدعوه إلى الكذب في حالة الانفراد داع، ولكن يستحيل اتفاق الدواعي على الكذب عند اجتماع عدد التواتر مع الكثرة واختلاف الهمم. ٣- أن الجم الغفير قد يجتمع على الكذب في الأمور المدركة بالاجتهاد كالفلاسفة١ وغيرهم، فكذا في الأمور المدركة بالحس كالمتواتر. والجواب: أن الاجتهاد مظنة الخطأ بخلاف المدرك بالحس كالخبر المتواتر، فإنه يدرك بالسماع أو المشاهدة.

стр. 258

٤- أن الكذب مع التواتر واقع في اجتماع الجمع الكثير من اليهود والنصارى على الكذب على أنبيائهم. والجواب: أن شرط المتواتر وقوع الكثرة المذكورة في الخبر من أوله إلى آخره، وذلك غير متحقق في ما ذكر فإن أول ذلك أخبار منقولة بعدد يسير غير متواتر١. قطعية المتواتر المعنوي: الخبر المتواتر إذا كان لفظيا فما يفيده اللفظ هو القطعي، وأما المتواتر المعنوي٢ فالمقطوع به فيه القدر المشترك بين الأخبار المتواترة في ذلك المعنى لا فيما انفرد به كل خبر عن بقية الأخبار المتواترة، فإن ذلك غير متواتر٣. وربما كانت قطعية المتواتر اللفظي أسرع لاتحاد لفظه ومعناه من قطعية المتواتر المعنوي لاختلاف ألفاظه وما طابقها من المعاني وإن اتضح

стр. 259

مدلولها من جهة التضمن١والالتزام٢٣، فدلالة المتواتر اللفظي على الحكم المدلول عليه بالمطابقة، ودلالة المتواتر المعنوي إما بالتضمن أو بالالتزام. التفاوت بين المتواتر والمحسوسات: جعل بعض المنطقيين٤ قطعية المتواتر أدنى درجة من قطعية المحسوسات، لأن قطعيته غير مشتركة بل تختص بمن علمها، أما قطعية المحسوسات فهي مشتركة يُحتج بها على المنازع مطلقا٥، ولأن الخبر مهما كثر عدد رواته يتطرق إليه إمكان التواطؤ عقلا فلا بد من نوع من الفكر في الوصول إلى قطعيته، بخلاف المحسوس ونحوه٦.

стр. 260

وليس هذا التفريق مسلما، لأن قطعية المتواتر قد تكون عامة ومشتركة بين الناس كاشتراك الناس بوجود مكة ونحوها من البلاد المشهورة واشتراكهم في العلم بوجود البحر وأكثرهم ما رآه، وقد تكون خاصة يعلمها من شارك في تحصيل الأخبار المسببة في القطعية، وكذلك الأمور الحسية قد تكون مشتركة كاشتراك الناس في رؤية الشمس والقمر والكواكب، وأخص من ذلك اشتراك أهل البلد الواحد في رؤية ما عندهم من جبل أو نهر، وقد تكون خاصة كما في ذوق الأمور، فإن المعيَّن الذي ذاقه شخص ليس هو المعين الذي ذاقه غيره، إذ كل إنسان يذوق ما في بطنه وإن اشتركوا في جنس ذلك، فإذا كان كل من المحسوس والخبر المتواتر قد يكون خاصا وقد يكون عاما مشتركا فلا وجه للفرق بينهما حتى يكون هذا محتجا به على المخالف دون ذاك١. أما تطرق الاحتمال العقلي ثم الاحتياج في نفيه إلى نوع من الفكر فَبَعد نفيه يستوي العلم القطعي به، وذلك لا يوجب فرقا بينه وبين غيره في الاحتجاج٢، على أن من العلماء من ذكر أن المتواتر يفيد علما ضروريا لا يحتاج لشيء من ذلك. هذا، وقد يُرتَّب بين القطعيات من المحسوس والخبر المتواتر وغيرهما

стр. 261

بتقديم بعضها على بعض دون إشارة إلى كون المقدَّم أقوى من المؤخر١، ولعل ذلك راجع إلى كون بعض اليقينيات أسرع من بعض كتقديم الأوَّلِيّات على المجرَّبات٢. ندرة التمثيل للمتواتر عند الأصولين، والكلام عليه عند المحدثين: تفصيل الكلام في الخبر المتواتر وشروطه لا يخلو منه كتاب من كتب أصول الفقه المشهورة، ولكن ذكر مثال للخبر المتواتر لا يكثر فيها كثرة البحث فيه. وأخرج بعض أهل الحديث الكلام في المتواتر من مباحث علم الحديث لندرته وغرابته عن طبيعة ذلك العلم. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح عند كلامه على الحديث المشهور: "ومنه المتواتر الذي يذكره أهل الفقه وأصوله، وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص ... ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم

стр. 262

ولا يكاد يوجد في رواياتهم ... ومن سئل عن إبراز مثال لذلك أعياه طلبه ... "١، وقال النووي٢: "ومنه [أي المشهور] المتواتر المعروف في الفقه وأصوله، ولا يذكره المحدثون، وهو قليل لا يكاد يوجد في رواياتهم"٣. فهما يجعلان سبب قلة أمثلة الخبر المتواتر ندرته في الأحاديث المروية. وقال السخاوي٤ إشارة إلى البحث في الخبر المتواتر: "وليس من مباحث هذا الفن فإنه لا يبحث عن رجاله لكونه لا دخل لصفات المخبرين فيه ولذلك لم يذكره من المحدثين إلا القليل كالحاكم٥ والخطيب في أوائل

стр. 263

الكفاية١ وابن عبد البر٢ وابن حزم٣"٤. فهو يعزو سبب القلة إلى أن الخبر المتواتر خارج عن موضوع صناعة المحدثين وهو النظر في الأسانيد. ففيما ذكروا أمران: أحدهما أن البحث في الخبر المتواتر بحث غريب في علوم الحديث، والثاني أن الخبر المتواتر يعِزُّ وجوده في الأخبار المروية عن رسول الله ﷺ . أما الأمر الأول فهو واضح، لأن أهم خصائص علم الحديث النظر في الأسانيد والرجال وصفاتهم وصيغ الأداء ونحو ذلك ليحكم بصحة الحديث أو ضعفه، أما الخبر المتواتر فهو يجب العمل به من غير بحث في تلك الأمور، لوقوع العلم منه بكثرة عدد المخبرين٥. أما الأمر الثاني - وهو عزة الأخبار المتواترة في الأحاديث المروية -

стр. 264

فقد منعه الحافظ ابن حجر العسقلاني، وعلل من وجه آخر عزة أمثلة الخبر المتواتر بأن ذلك "نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطأوا على الكذب أو يحصل منهم اتفاقا"، قال: "ومن أحسن ما يُقرَّر به كون المتواتر موجودا وجودَ كثرة في الأحاديث أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقا وغربا المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعددا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب ... إلى آخر الشروط أفاد العلم اليقيني بصحته إلى قائله، ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير"١. وجمع بعض أهل العلم بين ما ذكر من ندرة الخبر المتواتر وكثرته، فذكر أن القول بعزته وندرته محمول على المتواتر لفظا ومعنى، وأن القول بالكثرة محمول على المتواتر معنى فقط٢. فمن الأمثلة القريبة للخبر المتواتر قول النبي ﷺ : "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار "، فقد رواه جمع كثير من الصحابة - رضي

стр. 265

الله عنهم - عن الرسول ﷺ ، ورواه عن الصحابة عدد غير قليل من مشاهير التابعين وأعلامهم رحمة الله عليهم أجمعين١.

стр. 266

المطلب الثاني: قطعية الخبر الواحد ... المطلب الثاني: قطعية خبر الواحد أهمية مسألة قطعية خبر الواحد: من أهم مباحث القطعية في الأدلة الأربعة الخلاف في إفادة خبر الواحد العلم القطعي، وهو من مباحث القطعية التي يذكرها العلماء في غالب كتب أصول الفقه١، يشترك في ذلك مع مبحث قطعية العموم والخلاف فيها، والفرق بينهما أن الخلاف في قطعية العموم هو من حيث الدلالة والخلاف في قطعية خبر الواحد هو من حيث الثبوت. ووجه أهمية مبحث قطعية خبر الواحد أن بعض العلماء ذهبوا إلى أن في المسائل ما يجب الاستدلال فيها بالقطعي من الأدلة دون غيره ومسائل أخرى يجوز أن يستدل فيها بالقطعي وغير القطعي من الأدلة الشرعية، فإذا كان خبر الواحد - وهو معظم الأخبار المروية عن رسول الله ﷺ لا يمكن البتة أن يفيد علما قطعيا فلا جرم كان غير مفيد عند أولئك فيما المطلوب منه القطع، ومن ذلك عندهم مسائل العقيدة٢، فتكون النتيجة أن معظم الأخبار المروية عن

стр. 267

رسول الله ﷺ مُبْعَدة عن موضع من أهم مواضع الدين. غير أن تقسيم الدين إلى ما سبق أمر غير ظاهر وقد لا يُسلم، وأما ما فُرِّع على التقسيم من التفريق في الاستدلال فأمر غير مسلم وهو غير صحيح١. وعلى القول بعدم التقسيم وصحة الاحتجاج بكل دليل شرعي في كل مسألة شرعية يمكن القول بعدم قطعية خبر الواحد دون أن يكون لذلك ما سبق من الخطورة. تعريف خبر الواحد: أما تعريف الخبر فقد تقدم عند أول الكلام على قطعية الخبر المتواتر٢. وأما تعريف خبر الواحد عند الأصوليين فمن ذلك: ما عرفه به الغزالي بأنه: "ما لا ينتهي من الأخبار إلى حد التواتر المفيد للعلم"٣. وقال الآمدي: "خبر الواحد ما كان من الأخبار غير منْتَهٍ إلى حد التواتر"٤. وذكر الحافظ ابن حجر أنه في اصطلاح المحدثين: الخبر الذي لا يجمع شروط المتواتر٥.

стр. 268

وعلى هذا فلا واسطة بين الخبر المتواتر وبين خبر الواحد، إذ عُرِّف خبر الواحد بكونه كل ما ليس متواترا، فيدخل في جملة خبر الواحد الخبر المستفيض والمشهور١، وهو قول كثير من الأصوليين٢. وقد جعل بعض العلماء الخبر المستفيض واسطة دون الخبر المتواتر وفوق خبر الآحاد.

стр. 269

وألحق آخرون الخبر المستفيض والخبر المشهور بالمتواتر١. وجعل الماوردي٢ الخبر المستفيض أعلى رتبة من الخبر المتواتر وقال إنه "أقوى الأخبار حالا وأثبتها حكما"، لكنه سوَّاهما في القطعية٣. والأمر بالنظر إلى القطعية أن ما أُلحق من هذه الأخبار بالمتواتر فحكمه في القطعية عند الملحِق حكم المتواتر، وما ألحق منه بخبر الواحد فالخلاف في قطعية خبر الواحد يجري فيه، ومن جعل منه واسطة بين الخبر المتواتر وبين خبر الواحد فالنظر فيه متردد، فإن منهم من جعل المستفيض مفيدا للعلم

стр. 270

القطعي، ومنهم من جعله مفيدا للظن الغالب دون العلم القطعي، ومنهم من جعله مفيدا ظنا قويا مقاربا لليقين والقطع١، وسبب هذا التردد اختلاف النظر في الاستفاضة والشهرة وهل هما من القرائن المفيدة للعلم القطعي في خبر الواحد أم لا. والله تعالى أعلم. تحرير محل النزاع: تظهر الحاجة إلى تحرير محل النزاع في هذه المسألة بالنظر في أدلة المتنازعين فيها، فربما استدل بعضهم على قطعية خبر الواحد بأدلة حجيته، وإن حجيته غير قطعيته، وربما استدل بعضهم بما يوهم أن مخالفه يقول بقطعية مطلق خبر الواحد، وهو ما لا يقول به أحد كما سيأتي. وتحديد المحل المتنازع فيه يكون ببيان أمور: الأمر الأول: ليس مطلق خبر الواحد هو محل الخلاف، وإنما الخلاف في خبر واحد مقيّد بكون الخبر الذي رواه الواحد متصلا بنقل العدول إلى النبي ﷺ ، وهو الحديث الصحيح٢ الذي يجب العمل به دليلا على الأحكام الشرعية.

стр. 271

قال ابن حزم: "أما احتجاج من احتج بأن صفة كل خبر واحد هي أنه يجوز الكذب عليه والوهم فهو كما قالوا، إلا أن يأتي برهان حسي أو برهان منقول نقلا يوجب العلم من نص ضروري على أن الله تعالى قد برّأ بعض الأخبار من ذلك، فيخرج بدليله عن أن يجوز فيه الكذب والوهم، وإنا حين نأخذ - إن شاء الله تعالى - في إيراد البراهين على أن خبر الواحد العدل المتصل إلى رسول الله ﷺ في أحكام الشريعة يوجب العلم ولا يجوز فيه البتة الكذب والوهم ... "الخ١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فصل، يتعلق بمسألة خبر الواحد المقبول في الشرع هل يفيد العلم، فإن أحدا من العقلاء لم يقل إن خبر كل واحد يفيد العلم، وبحث كثير من الناس إنما هو في رد هذا القول"٢. وقال ابن القيم: "كذب بعض الأصوليين كذبا صريحا لم يقله أحد قط، فقال: مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه أن خبر الواحد يفيد العلم

стр. 272

من غير قرينة، وهو مطرد عندهم في كل خبر١" قال منكرا: "فيا لله العجب! كيف لا يستحي العاقل من المجاهرة بالكذب على أئمة الإسلام، لكن عذر هذا وأمثاله أنهم يستجيزون نقل المذاهب عن الناس بلازم أقوالهم، ويجعلون لازم المذهب في اصطلاحهم مذهبا"٢. وقريب من هذا قول الغزالي: "فإن قيل: فهل يجوز أن يحصل العلم بقول واحد، قلت: حكي عن الكعبي٣ جوازه، ولا يُظَنّ بمعتوه تجويزه مع انتفاء القرائن"٤. ومنه ما نقله الزركشي عن ابن دقيق العيد٥ أنه قال: "قد أكثر

стр. 273

الأصوليون من حكاية إفادته [أي خبر الواحد] القطع عن الظاهرية أو بعضهم، وتعجب الفقهاء وغيرهم منهم لأنا نراجع أنفسنا فنجد خبر الواحد محتملا للكذب والغلط ولا قطع مع هذا الاحتمال"، ثم وجّه ابن دقيق العيد القول بالقطعية بأنه في الأخبار التي معها قرينة خارجة عن الخبر، وقال: "وإنما ذكرنا هذا لأن كثيرا من الفقهاء والأصوليين يعتقدون أن مذهبهم خارج عن ضروب العقل، فبَيَّنّا هذا دفعا لهذا الوهم، وتنبيها لما ينبغي أن ينظر ويبحث معهم فيه"١. والحاصل أنه ليس مطلق خبر الواحد محل الخلاف، بل الخلاف فيما كان من أخبار الآحاد مقيدا على الأقل بكونه حجة شرعا. الأمر الثاني: الخلاف في قطعية خبر الواحد وإفادته العلم معناه هل يَقطع المستدل الناظر في الخبر المتصل الذي يرويه الواحد العدل بأن الرسول ﷺ قاله ويتيقن بذلك جازما أم هو يعمل به لظهور احتمال ثبوته عنه ﷺ ورجحان ذلك مع احتمال ضعيف بغلط الراوي الواحد أو وهمه أو نحو ذلك. فليس أصل الخلاف هنا في وجوب العمل بخبر الواحد وأنه دليل من الأدلة الشرعية التي يتوصل بها إلى الأحكام الشرعية في الجملة، فذلك

стр. 274

حجية خبر الواحد وهي غير قطعيته. والقطعية فرع عن الحجية، فمن لا يثبت أن طريقا من طرق الأحكام حجة - لا يبحث معه عن قطعيته، فجميع من يرد هنا من المتنازعين في القطعية هم من القائلين بالحجية١. الأمر الثالث: بعض الأخبار ليست من محل النزاع لأدلة خاصة، وذلك كخبر الله تعالى وخبر الرسول ﷺ وخبر أهل الإجماع، فهؤلاء لا يجوز في حقهم الكذب لأدلة خاصة، وهي أدلة حجية الكتاب والسنة والإجماع. وإنما الخلاف في خبرٍ وصل المستدل بنقل الواحد، فمن نفى القطعية عن مثل هذا الخبر فهو ينظر إلى ما نقله الواحد وليس أن خبر الرسول ﷺ لا يفيد القطع واليقين، إذ هو حين ينفي القطعية لم يتيقن كونه خبر الرسول ﷺ ، ولو حكم جازما بصدق الناقل عنه ﷺ كان الخبر صدقا قطعا. يدل على ذلك أن كثيرا من المصنفين في أصول الفقه يذكرون في صدر الكلام على الأخبار أخبارا قطعية لأدلة خاصة ومنها خبر الرسول صلى الله عليه وسلم٢.

стр. 275

ويدل على ذلك أيضا أن الغزالي أخرج خبر رسول الله ﷺ من أخبار الآحاد، لقطعيته، فقال: "قول الرسول ﵇ لما علم صحته لا يسمى خبر الواحد"١. فمبنى الخلاف في قطعية خبر الواحد: على أنه هل يقطع بأن الرسول ﷺ قاله، وليس أنه هل يقطع بقول الرسول ﷺ وحديثه٢. أمور موضِّحة: وهناك أمور إذا اتضحت ساعدت في توضيح محل النزاع وفي توجيه الأدلة ومناقشتها: - منها: أن بعض أدلة من نفى القطعية مطلقا لا ترد إلا على من أثبت القطعية مطلقا، كما أن بعض أدلة من أثبتها مطلقا لا ترد إلا على من نفاها مطلقا، ومن توسط بينهما فقال بالقطعية عند وجود قرائنها يسلم من كثير من اعتراضات أدلة الفريقين. - ومنها: ذهب بعض العلماء إلى أن خبر الواحد يفيد العلم الظاهر. ونفى وجود العلم الظاهر من كلا طرفي النفي والإثبات في المسألة.

стр. 276

فمن النافين: قوله في تلخيص التقريب: "فإن قيل: فالذي أطلقتموه هو العلم الباطن والذي أطلقناه هو العلم الظاهر، قلنا: هذا الكلام خلو من التحقيق فإن العلم مهما تحقق استحال أن يجامع الرَّيْب سواء كان علما بظاهر أو باطن ... اللهم إلا أن يعنوا بالعلم الظاهر سماعهم الخبر فمسلم لهم ذلك، فإنه يعلم ضرورة ... وإن حملوا العلم بالظاهر على غلبة الظن فيرتفع الخلاف في المعنى فيؤول الكلام إلى المناقشة في العبارة"١. ومن المثبتين مطلقا: قول ابن حزم: "وقال بعضهم إذا انقطعت به الأسباب: خبر الواحد يوجب علما ظاهرا، قال أبو محمد: وهذا كلام لا يعقل، وما علمنا علما ظاهرا غير باطن ولا علما باطنا غير ظاهر، بل كل علم متيقن فهو ظاهر إلى من علمه وباطن في قلبه معا، وكل ظن يتيقن٢ فليس علما أصلا لا ظاهرا ولا باطنا"٣. فالقول بإفادة خبر الواحد العلم الظاهر يرد عليه سؤال الاستفسار، فإنه إن كان هو اليقين والقطع فالقائل به يُجمع مع القائلين بالقطعية، وإن كان دون اليقين فهو مع النافين، وإن كان غير ذلك فلا بد من بيانه، كأن يكون مرتبة الظن القوي المقارب للقطع.

стр. 277

والأقرب أن يكون المراد بالعلم الظاهر أمرا دون اليقين والقطع، لما سبق في استعمال الشافعي وغيره للعلم الظاهر دون الباطن أنه يرادف الظن الغالب والرجحان، وبين بعض العلماء المراد بالعلم الظاهر: فقال أبو الحسين البصري عند الكلام على الخلاف في قطعية خبر الواحد: "وحكي عن قوم أنه يقتضي العلم الظاهر وعنوا به الظن"١، وقال الغزالي: "وما حكي عن المحدثين من أن ذلك يوجب العلم فلعلهم أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل أو يسمي الظن علما، ولهذا قال بعضهم يورث العلم الظاهر والعلم ليس له ظاهر وباطن وإنما هو الظن"٢، وحمل السرخسي القول بأن خبر الواحد يفيد العلم على أن المراد بالعلم علم طمأنينة القلب وقال: "وطمأنينة القلب نوع علم من حيث الظاهر"٣. - ومنها: من أقوى أدلة نفاة القطعية في هذه المسألة أن خبر الواحد فيه احتمال أن يكون الواحد الراوي للخبر عن الرسول ﷺ غير عدل في الواقع، لأن الحكم بعدالة المرء هو بحسب الظاهر من أمره مع احتمال خلاف ذلك في الباطن.

стр. 278

ولكن هذا الاحتمال وارد في حق غير الصحابة ﵃، أما عدالة الصحابة فمقطوع بها بتزكية الله إياهم في غير ما موضع من كتابه وتزكية الرسول ﷺ . ومن الأدلة من القرآن على تزكيتهم قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ١ وقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا في قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ ٢ وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٣ وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤ وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةً وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٥.

стр. 279

قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المُهَج والأموال وقتل الآباء والأبناء والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين - القطعَ على تعديلهم والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم كافة أفضل من جميع الخالفين بعدهم ... هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله"١. كما ورد في ذلك أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ وصفهم فيها الرسول ﷺ بالخير وأثنى عليهم. قال الخطيب البغدادي ﵀: "والأخبار في هذا المعنى تتسع وكلها مطابقة لما ورد في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم"٢. ومن الأحاديث المروية في ذلك قوله ﷺ : "لا تسبوا أصحابي! فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما بلغ مُدَّ أحدهم، ولا نَصِيفه" ٣، وقوله ﷺ : "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... "الحديث٤.

стр. 280

أما احتمال النسيان فقد استبعده بعض العلماء كذلك في حقهم بسبب "صحبة النبي ﷺ واختيار الله تعالى إياهم لحفظ دينه ... وما عرف منهم من بذل الجهد في ذلك ... فصار احتمال النسيان كاحتمال المجاز في الخاص والتأويل في النص فلا يعتد به"١. ولا يقوى هذا قوة ما قبله من قطعية العدالة، على أنه جارٍ على أحد مذاهب العلماء في الاعتداد بالاحتمال٢. والله أعلم. الخلاف في المسألة: وقد اختلف العلماء في إفادة خبر الواحد العلم القطعي إلى ثلاثة أقوال: النفي المطلق والإثبات المطلق والإثبات في الأخبار التي احتفت بها قرائن القطعية دون التي لم تحتف بها تلك القرائن. القول الأول: أن خبر الواحد لا يفيد العلم القطعي بحال، فكل خبر لم يتواتر نقله عن النبي ﷺ لا يحصل العلم القطعي واليقين بأنه قاله، غاية ما يمكن أن يفيده مثل ذلك الخبر غلبة الظن ورجحان أنه ﷺ قاله. فكان أصل هذا القول: أن الخبر لا يمكن أن يحصِّل العلم القطعي إلا من حيث كثرة العدد كثرة يستحيل معها احتمال الكذب والوهم، وما دون

стр. 281

ذلك لا يمكن أن يحصل العلم حتى مع احتفاف القرائن به، ويبين هذا الأصل عندهم أنهم يذهبون إلى أن خبراً ما إذا أفاد العلم القطعي في واقعة لشخص وجب أن يفيد العلم القطعي في كل واقعة ولكل شخص، لأن سبب حصول العلم القطعي فيه هو العدد فقط، وقد استوت الوقائع والأشخاص في ذلك. وهذا مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني فيما نقله عنه غير واحد١، وفي تلخيص التقريب بعد نفي إفادة خبر الواحد العلم مطلقا وأن ما كان من الأخبار يفيد العلم تارة فإنه يفيده تارة أخرى قال: "ومقصدنا بما ذكرنا الرد على النظام، فإنه صار إلى أن خبر الواحد قد يقترن في بعض الأحوال بقرائن يفضي إلى العلم الضروري"، ثم رد على ذلك وقال: "ولا يَغرّنك تمويهه وتصويره في الواحد المخبر مع قرائن تقترن به، فإن كل ما يصوره قد يتقرر في العادة تصوير مثله مع تعمد الخلف أو تصور الغلط"٢. وذكر بعض العلماء أن هذا القول مذهب الأكثر٣.

стр. 282

ونازع في تلك النسبة شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره١. ونسب ابن القيم هذا القول إلى الطوائف المخالفة للسلف وقال: "وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء ولا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك"٢. أدلة هذا القول٣: الدليل الأول: استدلوا بأن خبر الواحد لو أفاد القطع للزم من ذلك أمور باطلة وما يلزم منه الباطل باطل، ومن تلك اللوازم الباطلة: أ- أنه يلزم منه تصديق كل خبر يُسمع، فإنه لن يخرج ذلك الخبر عن كونه خبر واحد. وهذا خروج عن محل النزاع، لأن بطلان القول بقطعية مطلق خبر الواحد لا يختلف فيه، ولا يلزم من ذلك بطلان القول بقطعية بعض أخبار الآحاد المقيدة، فمحل الاتفاق في بطلان القطعية خبر واحد مطلق كان هذا الواحد فاسقا أو صادقا كافرا أو مسلما ... وأما محل الخلاف في القطعية

стр. 283

فخبر واحد متصل بالعدول إلى النبي ﷺ ، فافترقا، وقد سبق في تحرير محل النزاع تغليظ ابن القيم القول على من زعم أن الخلاف في مطلق الخبر١. ب- أنه يلزم من قطعية خبر الواحد ألا يقع تعارض بين خبرين مطلقا لأن القطعيين لا يتعارضان، لكن التعارض بين الأخبار واقع. والجواب عن هذا أنه لا يسلم إمكان تعارض خبرين مفيدين للقطع على وجه لا يتبين الأمر فيهما بترجيح أو جمع أو نحو ذلك٢. جـ- أنه يلزم من قطعية خبر الواحد جواز نسخ القرآن والسنة المتواترة به، وذلك غير جائز. والجواب عن هذا من وجهين: الأول: أنه لا يسلم عدم جواز نسخ الدليل من القرآن أو من السنة المتواترة بالدليل غير القطعي مثل خبر الواحد، فإن ذلك محل متنازع فيه٣،

стр. 284

ولا يصلح الاحتجاج بمحل الخلاف١. الوجه الثاني: أنه - على التسليم بعدم جواز نسخ القرآن والسنة المتواترة بالدليل غير القطعي - لا يتحقق المانع من ذلك على القول بقطعية خبر الواحد، لأنهما يستويان إذا في القطعية فيقوى خبر الواحد القطعي على نسخ القطعي، فجواز نسخ الدليل من القرآن أو السنة المتواترة بالدليل من خبر الواحد هو فرع عن مسألة قطعية خبر الواحد، فإذا قيل بالقطعية في المسألة لم يلزم من نسخ القطعي بخبر الواحد شيء محظور، لاتحادهما في القوة المجوز لذلك. د- أنه يلزم من القول بقطعية خبر الواحد جواز الحكم بشاهد واحد دون الحاجة إلى شاهد ثان ولا يمين، لأن العلم إذا حصل بقول الشاهد الواحد لم تكن ثمة حاجة إلى سوى ذلك إلا تحصيل حاصل، وهو عبث. والجواب عن هذا ببطلان الملازمة بين صدق خبر الواحد وبين صدق الشاهد الواحد.

стр. 285

ذلك أن هناك أوجه فرق بين الرواية عن رسول الله ﷺ وبين الشهادة في الخصومات والأقضية، وحقيقة الفرق بينهما راجعة إلى أن ما يترتب على احتمال الكذب أو الوهم في الرواية من المحظورات لا يترتب على احتمال كذب الشاهد، بل إن مدار الحكم في الأقضية على الظواهر دون القطع واليقين بما في باطن الأمر والواقع في الحقيقة، كما في حديث أم المؤمنين أم سلمة١ - رضي الله تعالى عنها - أن الرسول ﷺ سمع خصومة بباب حجرته فخرج إليهم وقال: "إنما أنا بشر وإنه ليأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها"٢، أما الرواية فإنه يلزم من احتمال كذب بعضها - كالخبر الذي تلقته الأمة بالقبول - أن يكون الناس قد ضلوا الحق واعتمدوا الكذب وقالوا على الله بغير علم، وذلك باطل. والله لم يتكفل بحفظ الدماء أن تهرق ولا بصيانة الأموال أن تؤخذ ولا الفروج أن تستباح بغير حق في الخصومات والأقضية
следующие страницы →