← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8523

القطعية من الأدلة الأربعة

محمد دكوري

Полный текст (445 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ذلك لا يمكن أن يحصل العلم حتى مع احتفاف القرائن به، ويبين هذا الأصل عندهم أنهم يذهبون إلى أن خبراً ما إذا أفاد العلم القطعي في واقعة لشخص وجب أن يفيد العلم القطعي في كل واقعة ولكل شخص، لأن سبب حصول العلم القطعي فيه هو العدد فقط، وقد استوت الوقائع والأشخاص في ذلك. وهذا مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني فيما نقله عنه غير واحد١، وفي تلخيص التقريب بعد نفي إفادة خبر الواحد العلم مطلقا وأن ما كان من الأخبار يفيد العلم تارة فإنه يفيده تارة أخرى قال: "ومقصدنا بما ذكرنا الرد على النظام، فإنه صار إلى أن خبر الواحد قد يقترن في بعض الأحوال بقرائن يفضي إلى العلم الضروري"، ثم رد على ذلك وقال: "ولا يَغرّنك تمويهه وتصويره في الواحد المخبر مع قرائن تقترن به، فإن كل ما يصوره قد يتقرر في العادة تصوير مثله مع تعمد الخلف أو تصور الغلط"٢. وذكر بعض العلماء أن هذا القول مذهب الأكثر٣.

стр. 282

ونازع في تلك النسبة شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره١. ونسب ابن القيم هذا القول إلى الطوائف المخالفة للسلف وقال: "وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء ولا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك"٢. أدلة هذا القول٣: الدليل الأول: استدلوا بأن خبر الواحد لو أفاد القطع للزم من ذلك أمور باطلة وما يلزم منه الباطل باطل، ومن تلك اللوازم الباطلة: أ- أنه يلزم منه تصديق كل خبر يُسمع، فإنه لن يخرج ذلك الخبر عن كونه خبر واحد. وهذا خروج عن محل النزاع، لأن بطلان القول بقطعية مطلق خبر الواحد لا يختلف فيه، ولا يلزم من ذلك بطلان القول بقطعية بعض أخبار الآحاد المقيدة، فمحل الاتفاق في بطلان القطعية خبر واحد مطلق كان هذا الواحد فاسقا أو صادقا كافرا أو مسلما ... وأما محل الخلاف في القطعية

стр. 283

فخبر واحد متصل بالعدول إلى النبي ﷺ ، فافترقا، وقد سبق في تحرير محل النزاع تغليظ ابن القيم القول على من زعم أن الخلاف في مطلق الخبر١. ب- أنه يلزم من قطعية خبر الواحد ألا يقع تعارض بين خبرين مطلقا لأن القطعيين لا يتعارضان، لكن التعارض بين الأخبار واقع. والجواب عن هذا أنه لا يسلم إمكان تعارض خبرين مفيدين للقطع على وجه لا يتبين الأمر فيهما بترجيح أو جمع أو نحو ذلك٢. جـ- أنه يلزم من قطعية خبر الواحد جواز نسخ القرآن والسنة المتواترة به، وذلك غير جائز. والجواب عن هذا من وجهين: الأول: أنه لا يسلم عدم جواز نسخ الدليل من القرآن أو من السنة المتواترة بالدليل غير القطعي مثل خبر الواحد، فإن ذلك محل متنازع فيه٣،

стр. 284

ولا يصلح الاحتجاج بمحل الخلاف١. الوجه الثاني: أنه - على التسليم بعدم جواز نسخ القرآن والسنة المتواترة بالدليل غير القطعي - لا يتحقق المانع من ذلك على القول بقطعية خبر الواحد، لأنهما يستويان إذا في القطعية فيقوى خبر الواحد القطعي على نسخ القطعي، فجواز نسخ الدليل من القرآن أو السنة المتواترة بالدليل من خبر الواحد هو فرع عن مسألة قطعية خبر الواحد، فإذا قيل بالقطعية في المسألة لم يلزم من نسخ القطعي بخبر الواحد شيء محظور، لاتحادهما في القوة المجوز لذلك. د- أنه يلزم من القول بقطعية خبر الواحد جواز الحكم بشاهد واحد دون الحاجة إلى شاهد ثان ولا يمين، لأن العلم إذا حصل بقول الشاهد الواحد لم تكن ثمة حاجة إلى سوى ذلك إلا تحصيل حاصل، وهو عبث. والجواب عن هذا ببطلان الملازمة بين صدق خبر الواحد وبين صدق الشاهد الواحد.

стр. 285

ذلك أن هناك أوجه فرق بين الرواية عن رسول الله ﷺ وبين الشهادة في الخصومات والأقضية، وحقيقة الفرق بينهما راجعة إلى أن ما يترتب على احتمال الكذب أو الوهم في الرواية من المحظورات لا يترتب على احتمال كذب الشاهد، بل إن مدار الحكم في الأقضية على الظواهر دون القطع واليقين بما في باطن الأمر والواقع في الحقيقة، كما في حديث أم المؤمنين أم سلمة١ - رضي الله تعالى عنها - أن الرسول ﷺ سمع خصومة بباب حجرته فخرج إليهم وقال: "إنما أنا بشر وإنه ليأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها"٢، أما الرواية فإنه يلزم من احتمال كذب بعضها - كالخبر الذي تلقته الأمة بالقبول - أن يكون الناس قد ضلوا الحق واعتمدوا الكذب وقالوا على الله بغير علم، وذلك باطل. والله لم يتكفل بحفظ الدماء أن تهرق ولا بصيانة الأموال أن تؤخذ ولا الفروج أن تستباح بغير حق في الخصومات والأقضية

стр. 286

بل ذلك واقع، ولكنه تكفل بحفظ الدين عن أن يختلط به ما ليس منه عند المسلمين١. هـ- أنه يلزم من القول بقطعية خبر الواحد أن يستوي خبر العدل والفاسق في الإخبار، لأنه إذا حصل بالخبر العلم لم ينظر إلى عدالة قائله من فسقه كما في الخبر المتواتر، وباطل أن يستوي خبر العدل والفاسق وقد قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنْ جَاءَكُم فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ٢. والجواب عن هذا أنه خروج عن محل النزاع أيضاً، فإن الخلاف ليس في مطلق خبر الواحد حتى يتناول خبر الفاسق، بل في خبر العدل خاصة عن رسول الله ﷺ . على أن هذا جمع بين موضعين مختلفين، إذ لا يلزم من كون خبر العدل صدقا قطعا أن يكون خبر الفاسق صدقا كذلك، فالعدل غير الفاسق. و أنه يلزم من القول بقطعية خبر الواحد تصديق قول مدعي النبوة، لأنه خبر واحد.

стр. 287

والجواب بالفرق بين دعوى النبوة عن الله وبين الرواية عن رسول الله ﷺ ، باطراد العادة باستحالة صدق دعوى النبوة من مخبر واحد دون ضميمة معجزة، إذ هو يخبر عن الله بما لا يُعلم إلا من جهته، وثبوت النبوة له يستلزم أمورا عظيمة من الموالاة والقطع على طهارته ظاهرا وباطنا والتصديق في جميع ما يخبر به ونحو ذلك، وذلك يستدعي معجزة خارقة تدل على صدقه، بخلاف الراوي المخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم١. الدليل الثاني: واستدل على القول الأول بأن الواحد العدل ليس معصوما من الخطأ والنسيان والوهم ونحوه مما يعرض للبشر، فاحتمال تلك العوارض وارد في حقه قطعا، بل إن الحكم بالعدالة هو بحسب الظاهر من حاله وليس يُقطع بأنه عدل في باطن أمره وسريرته، فاحتمال الكذب غير مدفوع عنه قطعا، ومع ورود هذه الاحتمالات لا يمكن القطع واليقين بأن ما قاله صدق وحق، بل ذلك على الظاهر واعتقاد الرجحان مع احتمال خلافه. قال إمام الحرمين: "والقول فيه أنه قد زَلَّ من الرواة الأثبات جمع لا يعدون كثرة، ولو لم يكن الغلط متصورا لما رجع راو عن روايته، والأمر

стр. 288

بخلاف ما تخيلوه"١، ولذا توعد الرسول ﷺ على الكذب في الحديث عنه وقال: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"٢٣. والجواب أن هذا الاحتمال يرد على خبر رواه عدل واحد لم يعرف عنه إلا عدالته وحفظه في الظاهر من أمره، أما من كان من الرواة قد تتبع النقاد الجهابذة المدققون سيرتهم ووقفوا على أحوالهم الخاصة في سرهم وعلنهم أو أجمعوا على عدالتهم وتعزز ذلك بورود خبر آخر مثل ذلك الخبر، مع رسوخ في العلم، وانضاف إلى ذلك تلقي الأمة للخبر بالقبول ونحو ذلك من القرائن التي لا تزال تحتف بالخبر حتى ينقطع فيه احتمال النسيان والخطأ والكذب ونحوها، ويفيد الخبر القطع واليقين بالنسبة لمن وقف على ذلك٤. هذا وقد استدل أصحاب القول بنفي القطعية مطلقا في هذه المسألة بأدلة خاصة على أن احتفاف القرائن بالخبر لا يفيده القطعية، ومن ذلك:

стр. 289

تكون دليل الصدق، فإن أحدهم قد يريد أن يُمَوِّه على الناس ليعتقدوا موت ولد له مثلا، وذلك لغرض ما كالفرار من مسئوليته أمام سلطان أو نحو ذلك، فيذهب المذاهب المختلفة في البكاء والعويل والصراخ ويتصنع بإحضار الجنازة والأكفان ولا يألوا جهدا في ضرب خده وشق جيبه ... بل قد يكون أُخبر عن موت ولده فقام بكل ذلك مع أن الولد في الواقع أغمي عليه أو أصابته سكتة١. والجواب عن هذا: أن غاية ذلك أن هذه القرائن المذكورة والمعينة لا تفيد علما، ولا يلزم من ذلك أن كل قرينة لا تفيد العلم القطعي، لأن القدح في صورة خاصة لا يقتضي القدح في كل الصور٢، على أن القرائن المحتفة بالخبر الذي هو الحجة شرعا ليس من قبيل ما سبق٣. ٢- أنه لو كانت القرائن هي المفيدة للعلم لجاز ألا يقع العلم القطعي بالخبر المتواتر، لعدم لزوم تلك القرائن فيها، وذلك باطل٤. والجواب: أن العلم القطعي لا يستفاد من القرائن فقط، بل تارة من كثرة العدد كما في المتواتر ومن الخبر مع قرائن القطعية تارة أخرى كما هو القول هنا٥.

стр. 290

٣- أن العلم المستفاد من الخبر المحتف بالقرائن إما أن يكون سببه القرائن وحدها أو القرائن بشرط وجودها مع الخبر أو الخبر وحده أو الخبر بشرط وجوده مع القرائن. أما أن يكون سبب القطعية القرينة وحدها أو هي مع الخبر فباطل، لأن القرينة لا تتناول المخبر عنه وإنما المتناول لذلك الخبر، وأما أن يكون سبب القطعية هو الخبر وحده فذلك غير مسلم، لأن الخبر يقتضي القطعية عند التجرد عن القرينة إذاً وذلك ممنوع، وأما أن يكون سبب القطعية هو الخبر مع القرائن فباطل، لعلمنا أنه لو تجردت هذه القرائن عن الخبر لكان اعتقادنا المخبَر كاعتقادنا مع وجودها١. والجواب: أن الخبر قد يكون من القوة بحيث لا يبقى من إفادته القطع إلا قدر يسير وتقوم القرينة مقام ذلك القدر، والقرينة تتناول ما تناوله الخبر - وهو المخبر عنه - لتعلقها به، كالصراخ في بيت من أخبر بموته ونحو ذلك فإنه يدل على الموت كالخبر بذلك٢. القول الثاني: أن خبر الواحد العدل إذا اتصل إلى رسول الله ﷺ يفيد العلم القطعي، ولا يجوز أن يكون كذبا بحال.

стр. 291

وهذا قول ابن حزم الظاهري ﵀، قال: "خبر الواحد العدل المتصل إلى رسول الله ﷺ في أحكام الشريعة يوجب العلم، ولا يجوز فيه ألبته الكذب والوهم"١. وعلى هذا فسواء اتصل بالخبر قرائن أم لم تتصل به يكون قطعيا، لكونه لم يقيد الخبر القطعي إلا بما هو المقيد به في الأخبار المقبولة شرعا من العدالة والاتصال، فكانت حجية الخبر عنده مستلزمة لقطعيته. ونسب ابن حزم ﵀ هذا القول إلى أبي سليمان داود الظاهري٢، والحسين بن علي الكرابيسي٣، والحارث بن أسد المحاسبي٤،

стр. 292

وابن خويزمنداد١ ﵏. ونازعه الزركشي في نقله عن الحارث المحاسبي فقال: "وفيما حكاه عن الحارث نظر، فإني رأيت كلامه في كتابه (فهم السنن) ، نقل عن أكثر أهل الحديث وأهل الرأي والفقه أنه لا يفيد العلم ثم قال: "وقال أقلهم يفيد العلم"ولم يختر شيئا، واحتج بإمكان السهو والغلط من ناقله كالشاهدين يجب العمل بقولهما لا العلم"٢. كما نقل الزركشي عن المازري٣ أنه نازع ابن خويز منداد في نقله عن مالك أنه يفيد العلم لعدم وجود نص لمالك في ذلك، وأنه ربما اعتمد على مقالة له مشيرة إلى ذلك غير صريحة٤.

стр. 293

ونُسب هذا القول إلى الإمام أحمد بن حنبل وأصحاب الحديث١. وخرّج القاضي أبو يعلى قول الإمام أحمد على أن المراد خبر واحد تلقي بالقبول أو احتفت به قرائن أخرى٢. أدلة هذا القول: الدليل الأول: أن حديث رسول الله ﷺ المنقول إلينا بخبر الواحد وحيٌ من الله تعالى وبيان للوحي كما قال : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٣ وقال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٤، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٥ وقال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمَتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ في الآخرة مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٧، فكان الذكر والوحي كله محفوظا بضمان الله تعالى، ومثل ذلك لا يضيع منه شيء ولا يُحرّف

стр. 294

ولا يختلط اختلاطا "لا يتميز بيقين عند أحد من الناس"١. وإذا كان كذلك فلا سبيل إلى ضياع شيء مما ذكره الرسول ﷺ في بيان الذكر، لأن ضياع ذلك من ضياع الذكر وذلك باطل، فكل خبر عن رسول الله ﷺ فهو مقطوع به غير مختلط ولا محرَّف ولا مكذوب ولا مخطوء فيه٢. ويرد على وجه الاستدلال بهذا الدليل على القطعية المطلقة: أن هذا الدليل إنما يفيد في بعض أخبار العدول ولا يفيد أن جميع أخبار الآحاد يلزم أن تكون قطعية. وبيان ذلك: أن خبر الواحد العدل إذا اقترن به أن أجمعت الأمة على العمل به لزم من كونه غير صحيح أن يكونوا قد عملوا بما ليس صحيحا، ولزم من ذلك أن يكون بيان رسول الله ﷺ للذكر المنزل قد اختلط به ما ليس منه مما وقع فيه الخطأ ولم يتميز، أما إذا فرض خبر واحد اختلف في صحته أولم يعمل به بعض الأمة فاحتمال كون مثل هذا الخبر غير صحيح لا يلزم منه شيء مما ذكر.

стр. 295

فعليه يقال: إن خبر واحد معيَّناً١ إذا وصل إلى مستدلين ناظرين في الأدلة الشرعية فصححوه وجب عليهم العمل به وإن كان غيرهم لم يصححه، مع أنه يحتمل أن يكون الصواب مع الذين ضعفوه، فيكون المصححون قد عملوا بما ليس صحيحا، ولا يلزم من ذلك محظور أن الأمة عملت بالباطل أو أن بيان الذكر قد ضاع ... فخبر الواحد العدل لا يلزم من عدم صحته شيء مما ذكر، إلا أن يقترن به مثل تلقي الأمة له بالقبول والعمل، والتلقي بالقبول قرينة زائدة على مطلق الخبر الحجة وهو خبر العدل المتصل، والله تعالى أعلم. وهذا وارد على كثير من أدلة هذا القول المطلق. الدليل الثاني: أن العمل بخبر الواحد واجب، فدل على أنه يفيد العلم القطعي، إذ لو لم يكون مفيدا العلم القطعي لما وجب العمل به، لأن العمل بما ليس علما غير جائز، قال الله تعالى: ﴿ولاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٢، ونهى الله أن يقال عليه ما لا يعلم فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإِثْمَ والْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ

стр. 296

بهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ١٢. والجواب أن العمل بما لا يفيد القطع من طرق الأحكام هو من العمل بالعلم، لقيام الأدلة القطعية على صحة الاعتماد على تلك الطرق في الوصول إلى الأحكام ووجوب العمل بها، فذلك مستند إلى القطع على الحجية، وليس ذلك من باب اتباع ما لا يعلم٣. الدليل الثالث: أن احتمال كون الخبر المحتج به كذبا أو وهما أو خطأ في واقع الأمر - يلزم منه أمور باطلة في الشرع، ومن تلك الأمور: أ- اختلاط الحق بالباطل بدون تمييز، فلا يتميز ما قاله الرسول ﷺ لأمته من أمور دينهم ودنياهم مما افتراه الوضّاعون أو غلط فيه الواهمون أو أخطأ فيه المخطئون، وذلك باطل شرعا لأن ضمان الشرع مكفول من الله تعالى. ب - لزوم أن يكون الله سبحانه قد أمر بالكذب والعمل بالباطل، لأنه أمر بالعمل بما أخبر به الواحد العدل عن رسول الله ﷺ ، فلو كان ذلك يحتمل أن يكون كذبا لزم منه أنه تعالى أمر بذلك وكل ذلك غير صحيح٤.

стр. 297

جـ- تبدّل الدين وتغيّر سنة الله وتحوّلها، لأن ما علّمه الرسول ﷺ من شرائع الدين وبيان الذكر هو من سنة الله وكلماته، وقد أخبر الله تعالى أنها لا تبدل فقال: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ ١ وقال: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ ٢ وقال: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ ٣. د- إضلال الخلق، لأنه لو أمر بالعمل بخبر الواحد العدل ثم ثبت كونه كذبا أو خطأ لزم من ذلك ضلال العاملين به، بسبب ما أمروا من العمل به٤. هـ- عدم تحقيق التبليغ، لأن التبليغ يكون بما تقوم به حجة الله على عباده، والحجة تحصل بما يحصل به العلم، وقد قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٥ وقال: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينَ﴾ ٦، وعليه فإما أن يقال إن الرسول ﷺ لم يبلغ إلا القرآن وما رواه عدد التواتر من أخباره، وإما أن يقال إن الحجة والبلاغ حاصلان بما لا يوجب علما ولا يقتضي قطعا ويقينا، وكلاهما باطل٧.

стр. 298

ويرد على جميع ما ذكر في هذا الدليل من اللوازم الباطلة شرعا على عدم القول بالقطعية المطلقة أن العمل بالدليل لا يشترط فيه أن يكون الدليل المعمول به قطعيا، فليس كل ما أوجب العمل يوجب العلم القطعي، لأن بعض الأدلة الصالحة للاحتجاج شرعا - كالأقيسة - يجب العمل بها عند جماهير العلماء وقد لا تفيد العلم القطعي١، ومن ذلك أيضا العمل بما ترجح عند المجتهد من وجوه الأدلة المختلفة، فإنه واجب عليه قطعا مع جواز أنه قد لا يقطع به، بل قد يكون خطأ٢، فلا يمكن أن يُستدل بحجية الدليل على قطعيته مطلقا. على أن كل هذه الأمور يلزم على خبر واحد مقيد كالخبر الذي تلقته الأمة بالقبول، وإلا فلا تلزم هذه الأمور في خبر صححه مستدل وهو غير صحيح عند غيره وقد يكون هو على خطأ. وسيأتي إن شاء الله تعالى - عند الكلام على القول الثالث - أن أغلب أدلة العلماء من جميع الأقوال تشير إلى أن المفيد للقطع خبر واحد احتف به - زيادة على قيود الحجية (العدالة والاتصال) - قرائن أخرى من تلقٍّ بالقبول أو شهرة رواته أو تعدد طرقه ونحو ذلك٣.

стр. 299

الدليل الرابع: واستدل لهذا القول بما حدث من الوقائع الكثيرة التي قُبِل فيها خبر الواحد، بحيث دل على أنه أفاد العلم القطعي١، حدث ذلك من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ومن الصحابة رضوان الله عليهم، ومن تلك الوقائع: أ- قبول موسى ﵇ خبر الذي جاءه من أقصى المدينة، قال الله تعالى في ذلك: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ. فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٢، فقبل خبر الواحد وجزم به هاربا من المدينة خائفا من أن يدركه من أخبره الواحد عن ائتمارهم لقتله. ب- قبول موسى ﵇ خبر ابنة صاحب مدين، كما ورد في قوله : ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَومِ الظَّالِمِينَ﴾ ٣. جـ- قبول موسى ﵇ خبر أبيها فيما حكاه الله تعالى من

стр. 300

قوله: ﴿قَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمَتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ الآية١. د- قبول يوسف ﵇ خبر الرسول الذي جاءه من عند الملك، وذلك في قول الله عز من قائل: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّ كَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونَ. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلى رَبِكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ الآية٢. هـ- وقبل النبي ﷺ خبر الآحاد الذين كانوا يخبرونه بنقض المعاهدين له مواثيقهم، فيغزوهم النبي ﷺ بخبر أولئك الآحاد ويستبيح دماءهم وأموالهم وذراريهم. ومما ورد من ذلك في سيرة النبي ﷺ قصة فتح مكة، فقد روي أن سببه أن بني بكر (حلفاء قريش) أغارت ليلا على خزاعة (حلفاء النبي ﷺ وأعانهم قريش على ذلك بالسلاح وغيره خلافا لما كان المتفق عليه بينهم وبين النبي ﷺ في صلح الحديبية، فذهب عمرو بن سالم الخزاعي إلى النبي ﷺ يستنجده وأخبره في أبيات بنقض قريش الميثاق وإخلافهم العهد، فقال النبي ﷺ :

стр. 301

"نُصِرتَ يا عمرو بن سالم"، ثم استعد رسول الله ﷺ لفتح مكة١. وفي الآثار عن الصحابة: و قبول أبي طلحة الأنصاري٢ خبر الذي أتاهم بتحريم الخمر، وذلك في حديث أنس بن مالك٣ ﵁ قال: "كنت أسقي أبا عبيدة٤وأبا طلحة وأُبيّ بن كعب٥ من فَضيخ زهو وتمر٦، فجاءهم آت فقال: إن

стр. 302

الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فاهرقها، فهرقتها"١، فأتلفوا مالهم الذي كان لهم حلالا يقينا بخبر واحد. ز- بل إن الصحابة أثبتوا بأخبار الآحاد الفروض والشرائع والتحليل والتحريم وجعلوا ذلك دينا يدان به، كما في إثبات أبي بكر الصديق ﵁ ميراث الجدة بخبر محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة، وذلك فيما روي أن أبا بكر ﵁ لما جاءته الجدة تسأل ميراثها، قال لها: ما لكِ في كتاب الله شيء وما علمت لكِ في سنة نبي الله ﷺ شيئا ثم سأل الناس فأخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة بأن الرسول ﷺ أعطاها السدس فأنفذه لها٢. وأثبت عمر بن الخطاب٣ ﵁ دية الجنين بخبر حمل بن مالك٤،

стр. 303

وأثبت ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الضحاك بن سفيان١ وحده رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وذلك في حديث سعيد بن المسيب٢ قال: "كان عمر يقول: الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا، حتى قال الضحاك بن سفيان: كتب إليّ رسول الله ﷺ أن ورِّث امرأة أشيم الضبابي٣ من دية زوجها، فرجع عمر"٤. فكل أولئك لم يرتبوا على تلك الأخبار ما رتبوا من أمور ذات خطر عظيم وهم يجوزون أن تكون تلك الأخبار كذبا٥.

стр. 304

ويرد على وجه الاستدلال بما سبق على أن خبر الواحد يفيد مطلقا العلم القطعي أمور: منها: أن ما نقل هو عملهم بخبر الواحد، ووجوب العمل بخبر الواحد ليس هو محل النزاع هنا، لأن الراجح أن خبر الواحد إذا صح بنقل العدول والاتصال لزم العمل به، مهما كان الحكم الذي يفيده قد بلغ من الخطورة والعظم، سواء أفاد القطع عند المستدل أم لم يفد، كيف ويجوز إثبات الحدود التي فيها القطع وهتك العرض - بالقياس عند كثير من العلماء١ مع أن القياس قد لا يقطع به. ومنها: أنه ليس فيما نقل من الوقائع ما يدل على أن الذين عملوا بتلك الأخبار قد قطعوا بمدلولها، بل قد يكون ذلك جاريا على ما استقر في العادة من وجوب العمل بالظواهر في المعاملات والأقضية عند اعتقاد الرجحان من دون قطع. ومنها: أنه ليس في تلك الوقائع أنه لم يكن مع الأخبار التي فيها قرائن القطعية. فما يفيده هذا الدليل هو حجية خبر الواحد ولزوم العمل بما يفيده مهما كان من العظم، وليس يلزم إذا عمل بالخبر في أمر عظيم أن يكون العامل به قد

стр. 305

قطع بمدلوله وحصل عنده يقين جازم بمغيبه. والله تعالى أعلم. القول الثالث: أن خبر الواحد الواجب العمل به في الشرع قد يفيد العلم القطعي إذا احتف به قرائن القطعية، وذلك كتلقي الأمة له بالقبول والعمل وكون رواته من المجمع على عدالتهم ورجوع الخبر في معناه إلى القرآن الكريم، ونحو ذلك من المعززات للخبر في سنده ونقَلَته أو في معناه ومتنه، فكل ذلك لا يزال يُبعد احتمال الكذب والنسيان ونحوهما عن رواته ويُقصي احتمال الوهم والخطأ ونحوهما في متنه ومعناه بما يعزز ثبوته حتى تستقر في مثل هذا الخبر القطعية عند المطلع على ذلك ويتيقن نفي كل احتمال في ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم١. رجوع أقوال العلماء إلى القول الثالث: وهذا القول هو الذي يرجع إليه - بعد التحقيق - قول أكثر العلماء، يستفاد ذلك ليس من إطلاقاتهم فقط ولكن منها ومن استدلالاتهم وردودهم وأجوبتهم عند المناقشة، ولكي يتبين هذا التحقيق ينبغي توضيح أمرين: تحقيق المراد بالقرائن ههنا، ثم أن مذهب أكثر العلماء راجع إلى الإقرار بهذا القول على الجملة.

стр. 306

الأمر الأول: قرائن القطعية في كل دليل تكون من جنس ما يجعل ذلك الدليل أقوى في الثبوت أو في الدلالة، وليس كل ما يفرض من قرائن يمكن أن يقوّي كل دليل، فليست قوة إسناد القياس إلى المجتهد القائس بمقوٍّ له، وإنما الذي يقويه هو ما من شأنه أن يقوي ثبوت كون الوصف علةَ الأصل أو يقوي وجودها في الفرع. والمراد بقرائن القطعية في خبر الواحد هنا كل ما من شأنه أن يقَوّي الخبر في ثبوته وينفي عنه احتمالات النسيان والخطأ والوهم أو الكذب مما ليس لازما للخبر المقبول شرعا كالعدالة والاتصال، فتكون قرينة القطعية هنا أخص من مطلق القرائن التي يمكن احتفافها بالدليل١، بل وأخص من مطلق القرائن التي يمكن أن تحتف بمطلق خبر الواحد، لأن المراد هنا خبرُ واحدٍ عن رسول الله ﷺ ، فالقرائن هنا ما كان من قبيل الأمور المتعلقة برجال السند من قوة أو كثرة والأمور المتعلقة بما يعزز الحكم الذي أفاده الخبر كأن يوجد في معناه آية أو خبر آخر. وجعل الحافظ ابن حجر ﵀ الخبر المحتف بالقرائن راجعا إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: خبر الصحيحين أي صحيح الإمام أبي عبد الله

стр. 307

البخاري١ وصحيح الإمام مسلم بن الحجاج٢رحمهما الله، وذلك لما لكتابيهما من مزايا وخصائص عند المسلمين. النوع الثاني: خبر دون المتواتر له طرق متعددة مشهورة. النوع الثالث: خبر تسلسل في روايته الأئمة الحفاظ المتقنين وتعاقب في نقله من المشهود لهم بالأمانة والورع والتقوى والفضل والحفظ والإتقان. ثم نبه الحافظ على أن تلك القرائن لو اجتمعت في خبرٍ واحد فإن ذلك يضفي عليه من القوة ما قد يُسرع كثير ممن وقف عليها إلى القطع بذلك الخبر٣. هذا، ويقع التمثيل في كثير من كتب الأصول ببعض أنواع القرائن التي تحتف بالخبر: مثل خروج والد الذي أَخبر العدل عن وفاته حاسرَ الرأس حافي القدمين وما يتلو ذلك من مشاهدَ غيرِ معتادة في نفسه وحشمه٤،

стр. 308

ونحو ذلك من القرائن. والظاهر أن المقصود من ذلك تقريب صورة قرائن القطعية في الخبر، وإلا فلا يظهر كيف يمكن أن تحتف عين هذه القرائن أو مثلها بخبر الواحد العدل المتصل إلى رسول الله ﷺ . فتطريق الاحتمالات إلى مثل هذه القرائن التي وقع التمثيل بها بذكر أمور قد تقع في بعض الأزمان المتأخرة وفي شئون هذه الدنيا حيث الأطماع والأغراض ... لا ينفي ذلك كون قرائن القطعية في خبر الواحد الذي هو من الأدلة الشرعية التي يثبت بها الحلال والحرام ... مفيدةً العلم القطعي لمن وفّقه الله للوقوف عليها وأنار قلبه لاستنباط اليقين منها١.

стр. 309

الأمر الثاني: ويبين أن هذا القول الوسط هو الذي يرجع إليه قول كثير من العلماء أمور منها: أولا: أنه قد تجد أحدهم عند الكلام على المسألة المعقودة لقطعية خبر الواحد يوحي كلامه بالنفي المطلق، ثم تجده في مواضع أخرى يذهب إلى أن خبر الواحد يفيد العلم القطعي إذا تلقته الأمة بالقبول أو كان بحضرة جماعة كثيرة لم ينكروا سماعه ممن ادعى سماعه منه أو نحو ذلك مما قد لا يسميها قرينة، مع أن كل ذلك أمور زائدة على مطلق خبر الواحد، فهي داخلة في المراد بالقرائن ههنا١. ثانيا: أنه قد ينفي أحدهم قطعية خبر الواحد مع قرائن معينة من غير أن يدل كلامه على نفي أصل قطعية خبر الواحد مع القرائن٢، لذا قال القرافي لما أورد اعتراضا على قطعية خبر الواحد بوقوع قرائن كثيرة مع أخبار لم تفيد القطع: "إنا نمنع أن الحاصل من تلك الصور علم بل اعتقاد، ونحن لا ندعي أن القرائن تفيد العلم في جميع الصور بل في بعضها"٣.

стр. 310

ثالثا: أنه تجد أحدهم قد توهم عباراته بالإثبات المطلق في مواضع ثم تجده في مواضع أخرى يبين أن سبب القطعية بعض الأمور التي خفيت على من نفى القطعية، ولا يمكن أن تكون تلك الأمور إلا زائدة على مطلق خبر الواحد الحجة. فهذا ابن القيم لما استدل بقصة قباء على قطعية خبر الواحد قال: "وغاية ما يقال أنه خبر اقترنته قرينة ... ومعلوم أن قرينة تلقي الأمة له بالقبول وروايته قرنا بعد قرن من غير نكير من أقوى القرائن وأظهرها، فأي قرينة فرضتها كانت تلك أقوى منها"١، بل جاء مصرحا في مختصر الصواعق المرسلة أن الكلام في هذه المسألة "في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول وعملت بموجبه وأثبتت به صفات الرب وأفعاله"٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والصحيح أن خبر الواحد قد يفيد العلم إذا احتف به قرائن تفيد العلم ... ولهذا كان أكثر متون الصحيحين مما يَعلم علماء الحديث علما قطعيا أن النبي ﷺ قاله تارة لتواتره وتارة لتلقي الأمة له بالقبول ... وتارة يكون علم أحدهم لقرائن تحتف بالأخبار توجب

стр. 311

لهم العلم، ومَن عَلِم ما علموا حصل له من العلم ما حصل لهم"١. فتعليق القطعية في خبر الواحد بأمور اطلع عليها القاطع بالخبر وجهلها من لم يقطع به - دليل على أن القطعية ليست مطلقة، بل سببها تلك الأمور وهي قرائن القطعية في خبر الواحد بمعناها المناسب هنا. وبهذا النظر خرّج القاضي أبو يعلى الفراء قول الإمام أحمد بن حنبل في المسألة فحمله على أن مراده بالخبر القطعي خبرٌ نقله آحاد الأئمة المتفق على عدالتهم وثِقَتهم وتلقته الأمة بالقبول٢. وبه أيضا ذهب الشيخ أبو عمرو بن الصلاح إلى أن ما أسنده البخاري ومسلم في صحيحيهما يفيد العلم القطعي، "لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ"٣.

стр. 312

وبه رَدَّ النووي ما ذكره ابن الصلاح وخالفه، لأنه لم ير قرينة رواية الشيخين للحديث بالغة قدرا يفيد مع الخبر العلم القطعي، لذا قال معقبا على ما ذكره: "ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي ﷺ "١. وبه صحَّح الحافظ ابن حجر وغيره مذهب ابن الصلاح وردّ ما ذكره النووي بأنهم إذا أجمعوا على العمل به ولم يكن صحيحا كانوا قد أجمعوا على العمل بالباطل، وذلك غير ممكن٢. فكل ذلك من باب الخلاف في قرينة معينة هل هي من قرائن القطعية أم لا؟ رابعا: أن الحافظ ابن حجر جعل الخلاف في قطعية خبر الواحد لفظيا، بناء على أن العلم الذي أثبته القائل بالقطعية ليس هو العلم الذي نفاه غيره فلم يتوارد النفي والإثبات على محل واحد، وذلك أن المثبت في رأي الحافظ أثبت علما نظريا حاصلا عن استدلال والنافي نفى علما قطعيا٣، لذا

стр. 313

فهو يفرق في العبارة بين أن يقال: إن خبر الواحد يفيد العلم النظري وبين أن يقال: إنه يفيد العلم اليقيني القطعي، وذكر أن خبر الصحيحين يفيد الأول دون الثاني لأن خبرهما يقبل الترجيح قال: "فلو كان الجميع مقطوعا به ما بقي للترجيح مسلك"١. وهذا - وإن كان قد لا يُسلم أن الخلاف لفظي٢ - يدل على أن أقوال العلماء في هذه المسألة تتقارب، إذا حقق النظر في حقيقة كل قول. خامسا: أن القول بأن خبر الواحد قد يفيد العلم مع القرائن في الجملة هو اختيار طائفة من مشاهير علماء أصول الفقه من المتكلمين وغيرهم،

стр. 314

منهم الجويني١ والغزالي٢ والرازي٣ والآمدي٤ وغيرهم٥، وذكر الزركشي أن قطعية خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول هو قول كثير من الأصوليين٦. وقد يرد لأولئك عبارات تشير إلى خلاف ما سبق عنهم، وذلك محمول إما على الخلاف في قرائن معينة وإما على الوفاق في أصل المسألة مع عدم القول بالوقوع لقلة التجربة. فمن ذلك أن الغزالي قال مشيرا إلى المسألة: "أما إذا اجتمعت قرائن فلا يبعد أن تبلغ القرائن مبلغا لا يبقى بينها وبين إثارة العلم إلا قرينة واحدة ويقوم إخبار الواحد مقام تلك القرائن" قال ﵀: "فهذا مما لا يُعرف استحالته ولا يُقطع بوقوعه فإن وقوعه إنما يعُلم بالتجربة ونحن لم نُجَرِّبه٧،

стр. 315

ولكن قد جربنا كثيرا مما اعتقدنا جزما بقول الواحد مع قرائن أحواله ثم انكشف أنه كان تلبيسا"١. ومن ذلك أن عبد العلي الأنصاري٢ استَبْعَد تحققَ قرائن القطعية في خبر الواحد مع التسليم بجواز احتفاف قرائن القطع به، فقال في بيان أنواع القرائن التي يمكن أن تحتف بالخبر: " ... وإن كانت القرائن قرائن صدق المخبر فإن كانت دالة عليه قطعا فإذا أخبر مع وجود تلك القرائن حصل القطع بصدق الخبر وتحقق مضمونه قطعا"قال: "لكن الكلام في تحقق مثل هذه القرائن في غير المعصوم وأهل الإجماع، فإنه لم يدل دليل على تحققها في مادة من المواد فلا بد من إثبات تحققها، ودونه خرط القتاد"٣.

стр. 316

فتبين أن أصل جواز أن يكون مع الخبر قرائن القطعية مسلم عند كثير من العلماء، وإن كانوا ربما نفوا القطعية مع قرائن معينة أو مثلوا ببعض القرائن التي يمكن احتفافها بمطلق الخبر لا خبر الواحد العدل بحديث رسول الله ﷺ أو استبعدوا اجتماع قرائن القطعية لانتفاء التجربة. أدلة القول الثالث: الدليل الأول: أن مجرد الخبر قد يفيد العلم بدون قرائن وذلك عند كثرة المخبرين كما في الخبر المتواتر، والقرائن المجردة قد يفيد العلم أيضا وإن لم يكن معها خبر، وذلك كما إذا رأينا شخصا يكثر من النظر إلى آخر مستحسَن فإنا نظن حبه له، فإذا اقترن بذلك ملازمته له زاد الظن، ولا يزال الظن يتزايد بزيادة خدمته له وبذل ماله له وتغير حاله بسببه إلى غير ذلك من

стр. 317

القرائن حتى يحصل العلم بحبِّه، كما في تزايد الظن في أخبار الآحاد حتى يصير تواترا"، فلا يبعد أن تنضم القرائن إلى الأخبار فيعزز بعضها بعضا وتقوم بعض القرائن مقام بعض المخبرين فيكون كالكثرة في الأخبار. ومن ذلك أيضا أنه قد يخبر عدد من المخبرين عن موت ولد ولا يحصل العلم بصدقهم "لكن إذا انضم إلى خبرهم خروج والد المخبَر عن موته من الدار حاسر الرأس حافي الرجل ممزق الثوب مضطرب الحال يصفق وجهه ورأسه وهو رجل كبير ذو منصب ومروءة لا يخالف عادته ومروءته إلا عن ضرورة - فيجوز أن يكون هذا قرينة تنضم إلى قول أولئك فتقوم في التأثير مقام بقية العدد". كما أن القرائن قد تكون من الكثرة قد بلغت حدا لم يبق بينها وبين إفادتها العلم القطعي إلا قرينة واحدة فيقوم إخبار الواحد مقام تلك القرينة١. الدليل الثاني: الوقوع أي أنه قد وقع العلم بالخبر المحتف بالقرائن: - وأشرف ما وقع من ذلك وألصقها بالمسألة حصول العلم القطعي ببعض الأحاديث غير المتواترة لأهل الحديث وغيرهم ممن اطلع على ما اطلعوا من القرائن التي ترجع إلى طرق الحديث وعددها ورواته

стр. 318

واختلاف مخارجه وموقف العلماء قاطبة من الخبر ونحو ذلك١. - ومن ذلك أيضا إذا أخبر واحد مع كمال عقله وحسه بحياة نفسه وكراهيته الألم وهو في أرغد عيشه نافذ الأمر قائم الجاه - أنه قتل من يكافئه عمدا وعدوانا بآلة يقتل مثلها غالبا من غير شبهة له في قتله ولا مانع له من القصاص، كان خبره مع هذه القرائن موجبا صدقه عادة٢. - ومن ذلك أنه قد يعلم كون الشخص خجلا أو وجلا بقرائن تكون عليه٣. - ومن ذلك أن المريض قد يخبر عن ألم في بعض أعضائه مع أنه يصبح وتُرى عليه علامات ذلك الألم ثم إن الطبيب يعالجه بعلاج لو لم يكن صادقا في قوله لكان ذلك العلاج قاتلا له، فيحصل العلم بصدقه في خبره عن الألم في عضوه٤. الدليل الثالث: أن مدار نفي القطعية في الخبر على احتمال الخطأ أو الوهم أو الكذب في المخبِر لعدم عصمته، والقرائن التي تحتف بالخبر تؤثر في إزالة هذا الاحتمال ورفعه حتى يصبح احتمال كذب المخبِر العدل مع تلك

стр. 319

القرائن بعيدا مطرحا قريبا من احتمال كذب الرسل صلوات الله وسلامه عليهم فيما أخبروا١. الدليل الرابع: أن هناك قرائن معينة لا يمكن أن تكون كذبا حتى لو انفردت، فكيف إذا كانت مع خبر الواحد العدل المتصل إلى رسول الله ﷺ ، مثل تلقي الأمة للخبر بالقبول والعمل فإن ذلك لا يكون إلا حقا، لأنهم وإن استند كل واحد إلى ظن فباجتماعهم يتقوّى ظنهم٢. الراجح: بعد ذكر الأقوال وأدلتها وما أمكن من إيراد الاعتراض على بعضها يظهر - والله أعلم - أن الراجح في هذه المسألة هو القول الثالث، وهو أن خبر الواحد العدل المتصل إلى الرسول ﷺ قد يفيد العلم القطعي إذا احتفت به من قرائن القطعية قدر يكفي الناظر في الخبر وتلك القرائن من القطع واليقين بأن الرسول ﷺ قد قاله وأن نقلة الخبر لم يهموا ولا نسوا فيه، بل أدَّوْه كما سمعوا كلٌ ممن نقل عنه إلى النبي ﷺ . ولا يلزم أن يكون مثل هذا القطع حاصلا لكل أحد سمع الخبر مجردا

стр. 320

من قرائن القطعية أو وقف منها على قدر لا يكفيه في القطع بالخبر واليقين، فلا عليه عندئذ أن يكتفي باعتقاد الرجحان والظن الغالب الموجب للحجية ووجوب العمل، فإن العلم في مثل هذا منة من الله وفضل، وقد أوجب جلت حكمته العملَ بما دون ذلك. فالقطعية في خبر الواحد من القطعية المقيدة التي لا يلزم اطرادها لجميع من وقف على الدليل، ذلك أن سبب القطعية ليس الخبر وحده حتى يكفي مجرد سماع الخبر المحتج به في أن يقطع السامع، بل سببها الخبر مع قرائن القطعية التي يحتاج الناظر للاطلاع عليها إلى جهد واستقراء وبحث عن الرجال والطرق والشواهد. ولا مجال هنا للعقل المجرد عن شهادة الواقع أو الشرع ليطرّق إلى القطعية من هذا النوع الاحتمالات العقلية التي لا تشهد لها العادة بالوقوع
следующие страницы →