فتبين أن أصل جواز أن يكون مع الخبر قرائن القطعية مسلم عند كثير من العلماء، وإن كانوا ربما نفوا القطعية مع قرائن معينة أو مثلوا ببعض القرائن التي يمكن احتفافها بمطلق الخبر لا خبر الواحد العدل بحديث رسول الله ﷺ أو استبعدوا اجتماع قرائن القطعية لانتفاء التجربة.
أدلة القول الثالث:
الدليل الأول: أن مجرد الخبر قد يفيد العلم بدون قرائن وذلك عند كثرة المخبرين كما في الخبر المتواتر، والقرائن المجردة قد يفيد العلم أيضا وإن لم يكن معها خبر، وذلك كما إذا رأينا شخصا يكثر من النظر إلى آخر مستحسَن فإنا نظن حبه له، فإذا اقترن بذلك ملازمته له زاد الظن، ولا يزال الظن يتزايد بزيادة خدمته له وبذل ماله له وتغير حاله بسببه إلى غير ذلك من
стр. 317
القرائن حتى يحصل العلم بحبِّه، كما في تزايد الظن في أخبار الآحاد حتى يصير تواترا"، فلا يبعد أن تنضم القرائن إلى الأخبار فيعزز بعضها بعضا وتقوم بعض القرائن مقام بعض المخبرين فيكون كالكثرة في الأخبار.
ومن ذلك أيضا أنه قد يخبر عدد من المخبرين عن موت ولد ولا يحصل العلم بصدقهم "لكن إذا انضم إلى خبرهم خروج والد المخبَر عن موته من الدار حاسر الرأس حافي الرجل ممزق الثوب مضطرب الحال يصفق وجهه ورأسه وهو رجل كبير ذو منصب ومروءة لا يخالف عادته ومروءته إلا عن ضرورة - فيجوز أن يكون هذا قرينة تنضم إلى قول أولئك فتقوم في التأثير مقام بقية العدد".
كما أن القرائن قد تكون من الكثرة قد بلغت حدا لم يبق بينها وبين إفادتها العلم القطعي إلا قرينة واحدة فيقوم إخبار الواحد مقام تلك القرينة١.
الدليل الثاني: الوقوع أي أنه قد وقع العلم بالخبر المحتف بالقرائن:
- وأشرف ما وقع من ذلك وألصقها بالمسألة حصول العلم القطعي ببعض الأحاديث غير المتواترة لأهل الحديث وغيرهم ممن اطلع على ما اطلعوا من القرائن التي ترجع إلى طرق الحديث وعددها ورواته
стр. 318
واختلاف مخارجه وموقف العلماء قاطبة من الخبر ونحو ذلك١.
- ومن ذلك أيضا إذا أخبر واحد مع كمال عقله وحسه بحياة نفسه وكراهيته الألم وهو في أرغد عيشه نافذ الأمر قائم الجاه - أنه قتل من يكافئه عمدا وعدوانا بآلة يقتل مثلها غالبا من غير شبهة له في قتله ولا مانع له من القصاص، كان خبره مع هذه القرائن موجبا صدقه عادة٢.
- ومن ذلك أنه قد يعلم كون الشخص خجلا أو وجلا بقرائن تكون عليه٣.
- ومن ذلك أن المريض قد يخبر عن ألم في بعض أعضائه مع أنه يصبح وتُرى عليه علامات ذلك الألم ثم إن الطبيب يعالجه بعلاج لو لم يكن صادقا في قوله لكان ذلك العلاج قاتلا له، فيحصل العلم بصدقه في خبره عن الألم في عضوه٤.
الدليل الثالث: أن مدار نفي القطعية في الخبر على احتمال الخطأ أو الوهم أو الكذب في المخبِر لعدم عصمته، والقرائن التي تحتف بالخبر تؤثر في إزالة هذا الاحتمال ورفعه حتى يصبح احتمال كذب المخبِر العدل مع تلك
стр. 319
القرائن بعيدا مطرحا قريبا من احتمال كذب الرسل صلوات الله وسلامه عليهم فيما أخبروا١.
الدليل الرابع: أن هناك قرائن معينة لا يمكن أن تكون كذبا حتى لو انفردت، فكيف إذا كانت مع خبر الواحد العدل المتصل إلى رسول الله ﷺ ، مثل تلقي الأمة للخبر بالقبول والعمل فإن ذلك لا يكون إلا حقا، لأنهم وإن استند كل واحد إلى ظن فباجتماعهم يتقوّى ظنهم٢.
الراجح:
بعد ذكر الأقوال وأدلتها وما أمكن من إيراد الاعتراض على بعضها يظهر - والله أعلم - أن الراجح في هذه المسألة هو القول الثالث، وهو أن خبر الواحد العدل المتصل إلى الرسول ﷺ قد يفيد العلم القطعي إذا احتفت به من قرائن القطعية قدر يكفي الناظر في الخبر وتلك القرائن من القطع واليقين بأن الرسول ﷺ قد قاله وأن نقلة الخبر لم يهموا ولا نسوا فيه، بل أدَّوْه كما سمعوا كلٌ ممن نقل عنه إلى النبي ﷺ .
ولا يلزم أن يكون مثل هذا القطع حاصلا لكل أحد سمع الخبر مجردا
стр. 320
من قرائن القطعية أو وقف منها على قدر لا يكفيه في القطع بالخبر واليقين، فلا عليه عندئذ أن يكتفي باعتقاد الرجحان والظن الغالب الموجب للحجية ووجوب العمل، فإن العلم في مثل هذا منة من الله وفضل، وقد أوجب جلت حكمته العملَ بما دون ذلك.
فالقطعية في خبر الواحد من القطعية المقيدة التي لا يلزم اطرادها لجميع من وقف على الدليل، ذلك أن سبب القطعية ليس الخبر وحده حتى يكفي مجرد سماع الخبر المحتج به في أن يقطع السامع، بل سببها الخبر مع قرائن القطعية التي يحتاج الناظر للاطلاع عليها إلى جهد واستقراء وبحث عن الرجال والطرق والشواهد.
ولا مجال هنا للعقل المجرد عن شهادة الواقع أو الشرع ليطرّق إلى القطعية من هذا النوع الاحتمالات العقلية التي لا تشهد لها العادة بالوقوع
стр. 321
فيقال: إن ذلك احتمال عقلي في مطلق الخبر الذي يرويه مطلق العدل، أما إذا كان المراد خبر الواحد عن الرسول ﷺ وصحب ذلك الاطلاع على خاصة الرواة وأحوالهم وسِيَرهم وما كانوا عليه من الصلاح والضبط والإتقان والحفظ وعزّز ذلك ورود الخبر من طرق أخرى مع تلقي الأمة له بالعمل ... فإن ذلك يرفع الاحتمالات ويتركها ضعيفة بعيدة في ضعف أوائل الإمكان، فلا يصيب هذا الدليل القول بقطعية خبر الواحد مع قرائنها، لوروده على خبر مطلق غير محفوف بقرائن.
ومن أقرب أدلة القول بالإثبات المطلق: أن الخبر المقبول شرعا الذي يجب العمل به إذا احتمل أن يكون كذبا أو وهما لزم من ذلك ضياع الحفظ المضمون للذكر وبيانه وكان تقولا على الله بغير علم.
فيقال: إن تلك اللوازم لا تلزم على مجرد خبر الواحد، بل على خبر واحد تعزز بتلقي الأمة له بالقبول والعمل به، وذلك خبر واحد مع قرينة التلقي بالقبول.
ومنها: أن هذا القول هو الذي يرجع إليه قول كثير من العلماء، إذا اعتبر بلواحق كلامهم وقرائنه وسوابقه والله تعالى أعلم.
أثر اختلاف منهج البحث في المسألة:
ويبقى هنا التنبيه على أمر قد يكون من سبب انتشار الخلاف في هذه المسألة، وهو أنه ربما تكون المسألة مبنية على اختلاف في منهج البحث في
стр. 322
قواعد الأدلة الشرعية:
وهو أن نفي قطعية خبر الواحد مبني على النظرة التجريدية إلى أصول الفقه وأدلته عند تأصيل القواعد المتعلقة بتلك الأصول والأدلة، وإثبات القطعية ربما كان مبناه النظرة الشاملة للأدلة وأصول الفقه عند تأصيل قواعد الأدلة، أي النظر في القرائن واستقراء ملابسات الدليل أو القاعدة والنظر إلى جميع ما من شأنه أن يبين ذلك من الجزئيات والمقاصد الشرعية.
والنظر الأول هو الغالب في كتابات المتكلمين ومن نهج طريقتهم في أصول الفقه، فيكثر عندهم نفي القطعية ويعنون بذلك مطلق خبر واحد عدل، بل ربما أُخِذ من كلام بعضهم أنه ينازع في مطلق خبر واحد عدل أو فاسق١.
والنظر الثاني هو نظرة من يأخذ في الاعتبار شواهد الدليل ويستقرئ قرائنه عند الكلام عليه، ومحققو المحدثين - ممن ينظر في الشواهد والمتابعات٢ وأحوال السند والطرق المختلفة للأخبار - يقفون على القرائن الكثيرة المعززة للخبر، فيكثر عندهم القول بقطعية خبر الواحد ويعنون به خبرَ واحدٍ احتف به قرائن اطلعوا عليها٣، وهذا النظر من أهم خصائص منهج الإمام
стр. 323
أبي إسحاق الشاطبي١ - رحمه الله تعالى - في بحث أصول الشريعة وقواعدها. والله تعالى أعلم.
стр. 324
المبحث الثالث: أحكام القطعية في الكتاب والسنة من جهة الدلالة
المطلب الاول: قطعية النص
...
سبق أن بحث القطعية في الدليل من الكتاب أو من السنة - وهما من الأدلة اللفظية - يرد فيه الجهتان من القطعية، وقد تقدم الكلام على أحكام القطعية فيهما من جهة الثبوت، وتبين أن حقيقة بحث القطعية في ذلك راجع إلى بحث أحكام القطعية في السنة النبوية من قطعية المتواتر وقطعية خبر الواحد، والكلام هنا في القطعية فيهما من جهة الدلالة، وتعلق أحكام القطعية في ذلك يكون في الكتاب والسنة جميعا.
المطلب الأول: قطعية النص
تقسيمات الدلالة وموقع النص منها:
قبل الكلام على قطعية النص نعرض لتقسيمات الدلالة عند العلماء حتى يتبين موضع النص من ذلك، فقد قسم العلماء ﵏ دلالة اللفظ على المعنى تقسيمات متعددة بتعدد العلاقة بين اللفظ وبين ما يدل عليه من المعنى.
فهناك تقسيم بالنظر إلى تعدد مدلول اللفظ أوتوَحُّده فيكون اللفظ إما عاما أو خاصا.
وتقسيم بالنظر إلى أن المدلول في محل النطق أو أنه يفهم في غير محل النطق، فيكون اللفظ إما منطوقا أو مفهوما، ثم ينقسم كل ذلك تقسيمات
стр. 325
كثيرة تبعا لتعدد النظر في الأمر الذي ينبني عليه التقسيم كموافقة المفهوم للمنطوق أو عدم موافقته.
وتقسيم بالنظر إلى وضوح المدلول من اللفظ أو عدم وضوحه، وهو الذي ينقسم به اللفظ إلى نص وظاهر ونحوهما، وهو موضوع هذا المبحث.
وتقسيم بالنظر إلى "وجوه الوقوف على المراد والمعاني على حسب الوسع والإمكان وإصابة التوفيق"١، وهو الذي تتفرّع عليه عند الحنفية دلالة العبارة ودلالة الإشارة ودلالة النص ودلالة الاقتضاء.
وتقسيم بالنظر إلى أن المدلول مستعمل في ما وضع له أوَّلاً أو لا ... ٢
ثم إن العلماء - رحمهم الله تعالى - لم تتحد مناهجهم في النطر إلى تلك العلاقة بين اللفظ وبين مدلوله، وقد اشتهر خلاف الحنفية للجمهور في
стр. 326
تقسيم دلالات الألفاظ١.
لكن التقسيم الذي انبنى على النظر في وضوح المعنى من اللفظ حتى يصل إلى القطعية أو عدم وضوحه فيكون دون القطعية من الظهور - هو تقسيم الجمهور اللفظ إلى نص وظاهر وما يقابله من تقسيم الحنفية اللفظ إلى ظاهر ونص ومفسر ومحكم.
فتقسيم دلالة اللفظ - بالنسبة لمطلق قطعية الدلالة وعدمها - هو ما سبق، لأنه التقسيم الذي انبنى النظر فيه على وجود احتمال في دلالة اللفظ على غير ما ظهر منه أو عدم احتمال ذلك، ثم النظر - بعد ذلك عند الحنفية - إلى قلة الاحتمال المؤثر في وضوح الدلالة أو كثرته.
فاللفظ المحتمل لغير المعنى الذي هو راجح فيه هو (الظاهر) ، والصريح الذي لا يحتمل غير ما دل عليه هو (النص) ، هذا عند الجمهور.
أما الحنفية فالاحتمالات الواردة على اللفظ في هذا النظر ثلاثة: احتمال اللفظ غير ما ظهر منه واحتماله التخصيص واحتماله النسخ، فإن احتمل اللفظ الثلاثة الاحتمالات فهو (الظاهر) ، وإن احتمل التخصيص والنسخ دون الاحتمال الأول فهو (النص) ، وإن احتمل النسخ دون الاحتمالين السابقين فهو (المفسر) ، وإن لم يحتمل أيا من الاحتمالات الثلاثة فهو (المحكم) .
стр. 327
غير أن مما اختص به جمهور الحنفية أن الاحتمالات الواردة في اللفظ هنا إذا لم يكن لها ما يعضدها فلا يعتد بها، فيكون (الظاهر) فما فوقه قطعيا إذا لم تتعزز الاحتمالات الواردة عليه بدليل، ثم تبقى فائدة التقسيم في الترتيب عند التعارض١.
فحقيقة تقسيم دلالة الألفاظ - بالنظر إلى اختلاف القطعية - ترجع إلى تقسيم الجمهور، والدلالة القطعية فيه هي دلالة (النص) ٢.
تعريف النص:
قال ابن فارس: "النون والصاد أصل صحيح يدل على رفع وارتفاع وانتهاء في الشيء، ومنه قولهم: (نصّ الحديث إلى فلان) رفعه إليه، والنص في السَّير: أرفعه ... ونصُّ كل شيء منتهاه"٣.
ومنه منصة العروس: وهي ما تظهر عليه لترُى٤.
стр. 328
وأما إذا أخذ النص في اصطلاح من يستعمله فيما لا احتمال فيه١ فله تعريفان:
الأول: أنه اللفظ الذي لا يتطرق إليه احتمال أصلا لا عن قرب ولا عن بعد.
الثاني: أنه اللفظ الذي لا يتطرق إليه احتمال مقبول يعضده دليل٢.
فكون الدليل (نصا) هو قطعيته من جهة الدلالة وبلوغه غاية الوضوح والظهور ومنتهى البيان بارتفاعه فوق موارد الاحتمالات ومتطرق الشبه في الدلالة، وإلى هذا تشير تعريفات أهل العلم له٣.
وما سبق من اختلاف تعريف النص مبني على اختلاف التعريف في القطع واختلاف مسالك العلماء في الاعتداد بالاحتمال في إزالة القطعية٤.
стр. 329
على أن ما دون النص من الظهور والرجحان قد تحتف به قرائن القطعية فتدفع عنه الاحتمالات ويستوي غير النص وضعا بالنص في قطعية الدلالة، فإن القطعية كما يكون سببها مجرد اللفظ وهي القطعية القريبة المطلقة، كذلك قد يكون سببها القرائن المحتفة بغير القطعي والتي ترفعه إلى القطعية والنصية١.
مثّل لذلك بعض العلماء بقوله ﷺ لما سئل عن بيع الرطب بالتمر، قال: "أينقص الرطب إذا جف؟ "، قالوا: نعم، قال "فلا إذا"٢، فإن قرائن السياق تدل قطعا على أن المراد من النفي في قوله (فلا) نفي الجواز أي المنع من البيع، من ذلك أنه ﷺ إنما سئل عن الجواز فالنفي في الجواب للجواز الواقع في السؤال إذ السؤال يقع على الجواب، ومن ذلك التعليل بالنقص فإن نقص أحد العوضين مناسب للمنع في الربويات وليس الجواز.
وبه يتبين ضعف قول من ذكر أن قوله ﷺ : "فلا إذا" يحتمل أن يكون المنفي الجواز بتقدير: (فلا يجوز إذا) وأنه يحتمل أن يكون المنفي البأس فيقدر:
стр. 330
(فلا بأس إذا) ١ ويكون المعنى على الاحتمال الثاني جواز البيع.
مثال النص:
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "والبيان اسم جامع لمعان مجتمعة الأصول متشعبة الفروع ... وإن كان بعضها أشدَّ تأكيدِ بيانٍ من بعض ... فجماع ما أبان الله لخلقه في كتابه مما تعبدهم به ... من وجوه: فمنها ما أبانه لخلقه نصا مثل جمل فرائضه في أن عليهم صلاة وزكاة وحجا وصوما وأنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونص الزنا والخمر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وبين كيف فرض الوضوء"٢.
ومثل الإمام الشافعي لذلك من الأدلة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ في الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ٣، قال: "فكان بَيِّناً عند من خوطب بهذه الآية أن صوم الثلاثة في الحج والسبعة في المرجع عشرة كاملة"٤، ومثّل بقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ٥.
стр. 331
فكل هذا قطعي في وجوب صيام عشرة أيام على المتمتع وأن ميقات الرب تعالى لموسى أربعون ليلة.
وفي الآيتين زيادة في تبيين جملة العدد في السبع والثلاث وفي الثلاثين والعشر.
ومثل القاضي أبو بكر الباقلاني للنص بقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ ١ قال: "وأمثال ذلك من النصوص الظاهرة التي لا إشكال ولا احتمال في المراد بها"٢.
стр. 332
المطلب الثاني: قطعية العموم
من مباحث القطعية في الكتاب والسنة قطعية ما وقع فيهما من الألفاظ العامة١، وبحث القطعية في العموم هو من حيث الدلالة، لأن العموم قد يكون من جهة الثبوت قطعيا كما إذا كان اللفظ العام في الكتاب أو في السنة المتواترة أو في خبر الواحد الذي احتفت به قرائن القطعية، وقد لا يكون العام قطعيا من جهة الثبوت كما لو وقع في خبر واحد لم تحتف به قرائن القطعية فترجحت صحته على ضعفه مع احتمال.
قطعية الخاص:
وقبل البدء في بحث القطعية في العموم يحسن ذكر رأي العلماء في قطعية الخاص.
والخاص: هو اللفظ الدال على مسمى معلوم بعينه أو على كثير محصور، والخصوص: هو كون اللفظ كذلك٢، كألفاظ العدد.
стр. 333
ولا خلاف في قطعية الخاص من حيث كان العام غير قطعي، فيتفق العلماء على جواز إطلاق القطعية على الخاص١، لكن قطعية اللفظ الخاص هي بالنظر إلى مقابلته للفظ العام لأن الخاص لا يحتمل التخصيص من حيث هو خاص والعام قد يحتمله، أما إذا كان اللفظ خاصا من وجه وعاما من وجه آخر فالقطعية فيه من حيث هو خاص، والخلاف في قطعية العام جار فيه من حيث هو عام.
وذلك كلفظ (المسلمين) ، هو عام بالنسبة لأفراد المسلمين خاص بالنسبة لأفراد بني آدم، فإذا قيل: "أَكْرِم المسلمين" كان قطعيا في عدم شموله لغير المسلم ولم يكن في ذلك احتمال مطلقا بل كان الأمر بالإكرام خاصا بالمسلمين قطعا، ولكنه ظاهر في دخول جميع المسلمين في الأمر فيجري فيه الخلاف في قطعية العام، هل شمول لفظ (المسلمين) لكل فرد مسلم يقطع به أم لا؟ ٢ والله تعالى أعلم.
стр. 334
تعريف العام:
قال الجوهري: "العامة خلاف الخاصة ... عَمَّ الشيء يعم عموما: شمل الجماعة، يقال: عمهم بالعطية"١، وقال ابن فارس: "العين والميم أصل صحيح واحد يدل على الطول والكثرة والعلو ... ومن الجمع قولهم: (عَمَّنا هذا يعمنا عموما) إذا أصاب القوم أجمعين"٢.
أما في اصطلاح علماء الأصول فهو:
كلام مستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة بلا حصر٣.
فخرج بقيد الاستغراق نحو قولك: (بعض الحيوان إنسان) فإنه لا
стр. 335
يستغرق، وخرج بقيد (بحسب وضع واحد) مثل المشترك كلفظ (العين) فإنه يتناول ما يصلح له من العين الجارية والعين الباصرة ... لكن بوضعين فصاعدا، وخرج بقيد (دفعة) النكرة في سياق الإثبات مثل (اضرب رجلا) فإن استغراقها بدلي لا دفعة واحدة، وخرج بقيد (بلا حصر) ألفاظ العدد كلفظ (عشرة) فإنه محصور باللفظ.
فمعنى قطعية العام: هل يتيقن أن اللفظ العام مجردا شاملٌ لجميع ما يصلح له أم أن شموله لذلك على سبيل الظهور والرجحان دون اليقين والقطع.
مثال العام قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١ فإن حَدّ القطع شامل لكل سارق استنادا إلى حجية العموم عند جميع القائلين بحجيته، والخلاف في القطعية بعد ذلك معناه هل يقطع بدخول كل سارق في هذا الحدّ استنادا إلى مجرد لفظ (السارق) مع فرض خلوِّه من جميع القرائن المبينة أم أن ذلك معمول به مع احتمال التخصيص بالنسبة لأي فرد من أفراد السارقين.
تحرير محل النزاع:
ويتحرر محل الخلاف في قطعية العام بأمور:
стр. 336
الأمر الأول: أنه ليس الخلاف هنا في حجية العام، أي دلالة الصيغ والألفاظ الموضوعة للعموم عليه، وصحة الاحتجاج بها في إثبات الأحكام الشرعية، لأن القطعية فرع عن الحجية، فمن خالف في وجود صيغ موضوعة للعموم فعدم كونه قائلا بقطعية تلك الصيغ في العموم أمر ظاهر، لذا ينحصر الخلاف في هذه المسألة في القائلين بالحجية دون المانعين١.
الأمر الثاني: ليس الخلاف في دلالة اللفظ العام على معناه الأصلي في وضع اللغة، فلفظ (الرجال) موضوع في اللسان لجَمْع الرجال، وإنما الخلاف في هل يتيقن أن المتكلم بذلك يريد كل ما يصلح له اللفظ أم أنه يحتمل أنه يريد به بعض ذلك، أي أن الخلاف في إرادة المتكلم الشمول من اللفظ لا في معنى اللفظ وضعا٢.
الأمر الثالث: الخلاف في العام المطلق أي الذي لم يقترن به ما يدل على كونه مرادا به بعض ما يصلح له اللفظ أو كله على سبيل القطع، فما دلت القرائن على قطعية العموم أو عدم قطعيته فيه لا يختلف في أنه على
стр. 337
حسب ما دلت القرائن.
ومن العام القطعي بالقرائن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١ وقوله جل شأنه: ﴿لِلَّهِ مَا في السَّمَوَاتُ وَمَا في الأَرْضِ﴾ ٢ وقوله : ﴿وَمَا مِنْ دَابَةٍ في الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ في كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٣، فكل ذلك مما علم قطعا عمومه.
ومما دلت قرائن القطعية على عدم العموم فيه قول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٤، قال الإمام الشافعي ﵀: "باب بيان ما نزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص" وذكر الآية السابقة ثم قال: "فإذا كان مَن مع رسول الله ناساً غير من جَمع لهم الناس وكان المخبرون لهم ناساً غير من جَمع لهم وغير من معه ممن جُمع عليه معه وكان الجامعون لهم ناسا - فإن الدلالة بيِّنة مما وصفت من أنه إنما جَمع لهم بعض الناس دون بعض، والعلم يحيط٥ أنه لم يَجمع لهم الناسُ كلُّهم ولم يخبرهم الناسُ كلُّهم ولم يكونوا هم الناسَ كلَّهم ... وإنما هم جماعة غير
стр. 338
كثير من الناس الجامعون منهم غير المجموع لهم والمخبرون للمجموع لهم غير الطائفتين، والأكثر من الناس في بلدانهم غير الجامعين ولا المجموع لهم ولا المخبرين"١.
فهذا مما علم بقرائن القطعية أن المراد به غير العموم.
فمدار عدم القطعية على احتمال الخصوص مع رجحان العموم، فإذا كان معلوما بالقرائن والأدلة الأخرى انتفاء احتمال الخصوص خلص اللفظ للقطعية، وكذلك إذا علم بقرائن القطع أن المراد من العام بعض مما يصلح له قطعا لم يرد الخلاف في هل هو قطعي أم لا٢.
الأمر الرابع: العام الذي خُصّ بدليل موجب للتخصيص قابل للتعليل لا يدخل في محل النزاع بين الجمهور والحنفية، لأن الحنفية لا يقولون بقطعية العام في مثل ذلك، إلا ما نقل عن بعضهم من أن التخصيص إذا كان بقطعي وكان المخصوص معلوما قطعا - أن العام يبقى قطعيا فيما بقي بعد التخصيص، وإذا خص منه مجهول لم يبق قطعيا٣.
стр. 339
الأمر الخامس: ليس مما يتنازع فيه ورود الاحتمال في اللفظ العام عقلا، لذا كان العام عند الحنفية قطعيا نصا غير مُحكَم لاحتمال التخصيص عقلا، فقطعيته عندهم بالمعنى الأعم للقطعية وهو مبني على طرح الاحتمال الذي لا يعضده دليل١.
الأمر السادس: عدم قطعية العام يعني احتمال ألا يراد بحكمه أي فرد من أفراده الداخلة فيه وضعا، وربما دلت القرينة على عدم احتمال الخصوص في فرد معين من أفراده، فلا يكون ذلك الفرد المعين من جملة ما يحتمل ألا يراد في حكم العام.
وذلك مثل الصورة التي ورد العام عليها، فهي قطعية الدخول فيه عند أكثر العلماء، ونُقل عن تقي الدين السبكي أنه يذهب إلى أن صورة السبب ليست قطعية الدخول في العموم كغيرها من أفراده إلا إذا دل دليل آخر - غير كونها صورة السبب الوارد عليها العام - على دخولها فيه، لأن المقطوع هو بيان حكم السبب وذلك معلوم مع تقدير خروجه من اللفظ العام٢.
стр. 340
ولعل الخلاف في هذا راجع إلى الخلاف في قرينة كون هذا الفرد صورة السبب وهل ذلك من قرائن القطع على تناول العام له أم لا؟ فعند السبكي ليست هذه القرينة من قرائن القطعية في العموم، خلافا لأكثر العلماء١، وذلك لا يمنع من أن السبكي يرى كون بعض أفردا العام قطعي الدخول فيه إذا دلت القرينة على ذلك، وفي كلامه ما يشعر بذلك.
فالحاصل أن العام الذي اقترن به ما يدل على دخول بعض أفراده فيه قطعا خارج من محل الخلاف، لأن العام ليس مطلقا من القرينة بالنسبة لذلك الفرد. والله تعالى أعلم.
الأمر السابع: أدخل الزركشي في محل النزاع اللفظ المطلق وهل ماهيته وشيوعه في جنسه قطعية أم ظاهرة، لأن الإطلاق عموم على سبيل البدل وماهيته صالحة لعموم أفراده٢، وأخرجه الأنصاري من محل النزاع، فجعله من باب الخاص فهو قطعي الدلالة بالنسبة لاحتمال التخصيص٣.
والتحقيق أن النظر الأول في صلوحه وهو عام فيدخل في محل النزاع، والنظر الثاني صدقه في الواقع وهو في ذلك خاص بفرد مما يصلح له فلا يدخل في النزاع في قطعية العام، فقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن
стр. 341
نسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ١ (رقبة) عام باعتبار صلوحه لسائر أنواع الرقاب على سبيل البدل، وليس عاما بالنظر إلى أنه لا يجب عتق جميع الرقاب٢.
وعليه يمكن أن يختلف في كون لفظ (رقبة) صالحا لجميع الرقاب قطعا أو أنه يحتمل عدم صلوحه لبعض الرقاب فترتفع القطعية ويبقى الظهور والرجحان في صلوحه لذلك، لكن كونه يصدق على رقبة واحدة فقط بمعنى إجزاء عتق رقبة واحدة ليس من محل النزاع لأنه خاص. فالمطلق يخرج ويدخل في محل النزاع بحسب هذين النظرين.
الخلاف في المسألة:
وقد اختلف العلماء في قطعية دلالة العام على قولين:
القول الأول: أن دلالة العام على كل فرد من أفراده غير قطعية، فكل عام يحتمل أن يكون المراد به بعض أفراده دون بعض، ما لم يدل دليل خاص على إرادة كل الأفراد أو بعضها.
وهذا مذهب الجمهور وبعض الحنفية٣.
стр. 342
أدلة هذا القول:
الدليل الأول: أن العام يحتمل تخصيص أي فرد من الأفراد الداخلة فيه، ومع الاحتمال لا يقطع بكون أي واحد منها داخلا في العموم، غاية ذلك أن دخول الأفراد ظاهر وراجح على عدم دخولها١.
واعترض المخالف على هذا الدليل بأن هذا الاحتمال وإن كان واردا عقلا فإنه مجرد عن دليل يعضده فكان كلا احتمال، فمراد المتكلم إذا لم يكن عليه دليل لم يجز أن يكون غيرَ ما دل عليه ظاهر لفظه٢.
وأجاب أصحاب القول الأول عن هذا الاعتراض بأن الدليل على
стр. 343
الاحتمال الوارد في دلالة العام على أفراده كثرة وقوع التخصيص في العمومات الشرعية حتى شاع أنه لم يرد عام إلا خص إلا يسيرا، فذلك يورد الاحتمال في كل لفظ عام أن يراد به بعض أفراده١.
ورد المخالفون على ذلك بعدم التسليم بكون ما ذكر دليلا على ورود الاحتمال في كل عام وذلك لأمور:
أ - أن التخصيص وقع في كل تلك المواضع بما يسوّغه من الأدلة والقرائن المخصصة، وذلك لا يوجب الاحتمال فيما لم يرد فيه دليل ولا قرينة على التخصيص.
ب - أن كثرة التخصيص إنما تكون موجبة لورود احتمال التخصيص في كل عام لو أن المخصص الوارد في تلك المواضع مخصص واحد، فيصبح كل عام محتملا لذلك المخصص المعين، وليس كذلك فلا يلزم أن يكون ورود مخصص معين في عام موجبا لاحتمال ورود مخصص آخر غير ذلك في عام آخر.
ج - لو كانت كثرة التخصيص موجبة احتمال التخصيص في كل عام لما صح أن يريد المتكلم من اللفظ العام دخول جميع ما يتناوله مع أن قصده إلى ذلك صحيح٢.
стр. 344
د - أن مثل هذا الاستدلال يجري في اللفظ الخاص أيضا، لأن الاستعارة١ كثيرة في الكلام حتى إنه يعاب شعرٌ خالٍ منها، فعلى ما سبق من الاستدلال يكون كل لفظ محتملا للمجاز وهو غير صحيح٢.
وأجيب عن هذا بأن "المجاز لا يكون أصلا بقرينة منفصلة لا تعلم حالة النطق باللفظ، بخلاف العام فإنه يتخصص بالأدلة المنفصلة ... وتلك الأدلة قد تخفى"٣.
هـ - عدم التسليم بما ذكر من كثرة التخصيص لأن التخصيص لا يكون إلا بكلام مقارن مستقل مساوٍ للمخصوص في دلالته، وذلك غير كثير٤.
وأجيب عن هذا أن المراد بالتخصيص قصر العام على بعض أفراده، وذلك أعم من أن يكون تخصيصا عند الحنفية أم لا٥.
و غاية ما في كثرة التخصيص على التسليم بها أن يكون بقاء العموم على عمومه قليلا، والقليل إنما يحمل على الكثير إذا كان مشكوكا
стр. 345
فيه غَيرَ بيِّن، والعام المجرد عما يصرفه عن عمومه موضوع للعموم لغة فهو بين، فلا يحمل على الكثير١.
الدليل الثاني: صحة تأكيد العموم، كما في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلَّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ٢ ولو كان العام قطعيا في تناوله لجميع أفراده لما احتيج إلى تأكيد، فتأكيده لقطع ما في مجرد اللفظ العام من الاحتمال حتى يثبت اليقين بتناوله الكل.
واعترض على هذا بما ورد من تأكيد المعلوم قطعا مثل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ٣ فظاهره أنه تأكيد للعشرة وهو خاص معلوم قطعا.
وأجاب المانعون للقطعية عن هذا الاعتراض بتأويل التأكيد إلى غير العدد كالثواب٤.
الدليل الثالث: واستدل القائل بعدم القطعية بأن التخصيص بالمتراخي لا يكون نسخا ولو كان العام قطعيا في تناوله جميع أفراده نصا لكان
стр. 346
إخراج بعضها منه بعد قطعية التناول - نسخا١.
وجواب المخالف عن هذا بالتزام كون إخراج فرد من أفراد العام منه على نحو ما ذُكر - نسخا غير تخصيص، لأن التخصيص عندهم إنما يكون بمقارن مستقل مساوٍ للمخصوص في دلالته٢.
الدليل الرابع: واستدل لهذا القول بأن العام يجوز تخصيصه بالقياس وخبر الواحد ودليل العقل، ولو كان العموم كالنص على كل فرد لم يجز تخصيصه بما ذكر، لعدم جواز إخراج ما تيقن دخوله في الحكم بما لا يفيد اليقين بخروجه منه٣.
وأجاب المخالف عن هذا بوجهين:
الوجه الأول: أن الخاص يجوز صرفه عن حقيقته الثابتة له بخبر الواحد والقياس مع أن ثبوته على حقيقته قطعي عند عدمهما، فكذلك العام.
الوجه الثاني: أن مذهب أكثر الحنفية عدم جواز تخصيص العام بخبر
стр. 347
الواحد والقياس ما لم يخصص من قبلُ بدليل موجب للتخصيص، فيكون القياس وخبر الواحد حينئذ مرجحين لإدخال الفرد المخصوص بهما في جملة دليل الخصوص الموجب١.
القول الثاني: قطعية اللفظ العام، أي العلم القطعي بشموله كلَّ فرد من أفراده.
وهذا مذهب جمهور الحنفية٢.
ونقل ذلك عن الإمام الشافعي٣، وحمله الزركشي على أن الناقل ربما استند إلى أن الإمام الشافعي ﵀ قد يسمي الظواهر نصوصا فيقول في العام: إنه (نص) ولا يكون ذلك بمعنى أنه قطعي، لأن اصطلاح الشافعي في (النص) أعم من القطع٤.
ونَقل إمام الحرمين أن مذهب الشافعي قطعية العموم حيث كان نفي قرينة الخصوص قطعيا٥، وذلك واضح، فإن عدم القطعية سببه احتمال
стр. 348
الخصوص فإذا قطعنا بنفي ما يخصص العام كانت دلالته على أفراده قطعية.
أدلة هذا القول:
الدليل الأول: أن إرادة المتكلم بكلامه ما هو موضوع له حقيقة أمر معلوم وهو الأصل، وإرادته به المجاز لا يعارض المعلوم لأنه موهوم لعدم الدليل عليه، ومراده غيب على غيره فلو لم يدل عليه لفظه لكان في طلب معرفته حرج ومشقة، وذلك مرفوع عن المسلمين١.
واعترض بأن الاحتمال هو في إرادة المتكلم كل ما يتناوله لفظه وضعا، ودليله كثرة التخصيص٢.
الدليل الثاني: لو لم يكن العام قطعيا لجاز إرادة بعض ما يتناوله اللفظ في العرف بلا دليل صارف، وذلك يؤدي إلى ارتفاع الأمان عن الألفاظ الشرعية ويلزم منه التلبيس والتجهيل والتكليف بالمحال٣.
стр. 349
اعترض على هذا الدليل بأمور:
أولا: أن الأمان لن يرتفع بذلك، لأن العمل لازم حتى على القول بعدم القطعية، فإن الحجية مسلمة لرجحان إرادة العموم وظهورها١، فالحجية ثابتة وكذا وجوب العمل، وإنما المنفي هو أن تكون إرادة الكل مقطوعا بها.
ثانيا: أن الجهل يتأتى على ما سبق في حق من قطع بإرادة الكل، لا في حق من لا يقطع بذلك، لأن المطلوب على القول بنفي القطعية اعتقادُ رجحان العموم مع الاحتمال، فإن قطع قاطع مع ذلك ثم انكشف الأمر عن عدم إرادة الكل كان هو المجهِّل نفسه بنفسه والملبس عليها٢.
ثالثا: أن المدّعَى هو خفاء القرينة المبينة للتخصيص على المجتهد لا نفيها، فلا يلزم من ذلك تلبيس ولا تجهيل٣.
رابعا: أن المكلَّف به هو اعتقاد ظاهر اللفظ وهو مقدور عليه، أما المراد على القطع فليس مكلفا به فلا يلزم التكليف بالمحال٤.
стр. 350
الدليل الثالث: القياس على النص المطلق، فإنه يحتمل التقييد إذا دل على ذلك دليل مع أنه على حقيقته قطعا حتى يظهر الدليل الصارف، والأصل في العموم إرادة الكل فلا يصرف عن ذلك إلا بدليل١.
وقد تقدم أن الزركشي أدخل المطلق في محل النزاع٢، وعلى ذلك لا يصلح المطلق أصلا لمحل الخلاف لاحتمال دخوله فيما ينازع فيه في هذه المسألة.
أثر الخلاف في هذه المسألة:
وقد كان الخلاف في هذه المسألة سببا للخلاف في مسائل أخرى أصولية وفقهية.
فمن المسائل الأصولية: مسألة تخصيص العام بالقياس غير القطعي وخبر الواحد غير القطعي، فإن القول بقطعية العام يمنع تخصيصه ابتداء بما ليس بقطعي.
ومنها: العمل عند ورود العام والخاص في حكم، هل يتعارضان إذا جهل تاريخ الورود وينسخ المتقدم منهما المتأخر إذا علم التاريخ أم أن العام يحمل على الخاص ويخصص به مطلقا لأن العام إذا كان قطعيا ضاهى الخاص
стр. 351
في قوة تناوله لما تحته من الأفراد فيتعارضان ويرجح أحدهما على الآخر١.
وأما المسائل الفقهية فالخلاف فيها مفرع على الخلاف في المسألتين الأصوليتين.
ومما تفرع على المسألة الأولى: الخلاف في مباح الدم خارج الحرم إذا التجأ إلى داخله، فهل يعصمه التجاؤه إلى الحرم أم أنه يُقتصّ منه داخل لحرم، فإن عموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَءَامِناً﴾ ٢ يمنع القصاص، وقد يجوز ذلك بقياس ذلك على من جنى داخل الحرم، الجائز قتله بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ ٣.
ومما ذكر من الخلاف المتفرع على المسألة الثانية جواز بيع العرايا:
стр. 352
وهو بيع الثمر على النخل بخرصه تمرا، لأن عموم قول النبي ﷺ : "والتمر بالتمر ... مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد" ١ يمنع من ذلك للجهل بالمثلية، ولكن ذلك جائز بخصوص الأحاديث المُرخِّصة لذلك مثل ما روي أنه ﷺ "رخص بعد ذلك في بيع العرايا بالرطب أو بالتمر "، وفي لفظ: أن رسول الله ﷺ أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها٢.
أساس الخلاف في قطعية العموم:
- الخلاف في قطعية العام على الكيفية التي يقع البحث بها في كتب الأصول يرجع إلى أمر: وهو هل كَثُر التخصيص في العمومات الشرعية على وجه يوجب ورود احتمال التخصيص في كل عام شرعي عند المستدل الناظر في الدليل العام، وإن لم يقف على القرينة الخاصة بالتخصيص في ذلك العام؟.
стр. 353
ومن أهم ما يرد على دعوى كثرة التخصيص أن اللفظ العام له اعتباران: قياسي واستعمالي، أما الاعتبار القياسي ففيه يشمل اللفظ كلَّ ما يصلح له عقلا بالنظر إلى لفظه لغة، وأما الاعتبار الاستعمالي فلا يشمل اللفظ فيه إلا ما يمكن دخوله في الاستعمال عادة، فإذا قال قائل: "أكرمتُ الناس"، فلفظ (الناس) عام يشمل على الاعتبار الأول جميعَ بني آدم ثم يخص منه من يستحيل حسا أن يلقاهم القائل ومن أشبههم من الموتى والمفقودين ... أما على الاعتبار الثاني فلا يدخل في لفظ (الناس) ابتداء إلا من يصح عادة أن يلقاهم القائل.
وإذا قال: "من دخل داري أكرمته" لم يدخل فيه نفسه لأنه خلاف العادة١.
- ثم إن الخلاف في قطعية العام له تعلّق بالخلاف في الاعتداد بالاحتمال الذي لا يعضده دليل في رفع القطعية، لأن الحنفية يعترفون بورود الاحتمال لكنهم لا يعتدون به إذ لم يستند إلى دليل٢.
أثر اختلاف المنهج في المسألة:
والنظر في هذه المسألة إلى الوضع القياسي والوضع الاستعمالي ينبه على
стр. 354
أمر مهم في بحث العموم بل المباحث الأصولية عموما وهو تعدد مناهج البحث في الأدلة والقواعد الأصولية، فمنهج يبحث في الدليل أو القاعدة مفردة عن القرائن وجميع ما يمكن أن يؤثر فيه، ومنهج النظر الشامل للقاعدة ومقاصد الشريعة والقرائن المؤثرة من واقع الشريعة.
فعلى الأول يدخل في اللفظ العام كل ما يحتمله حسا وعقلا وعادة وشرعا، مع فرض اللفظ العام مطلقا من كل قرينة تبين المراد من تعزيز للعموم أو بيان وجه للخصوص، وعلى الثاني لا يدخل في اللفظ العام إلا ما اعتاده الناس عند استعمالهم له في العرف، ولا يدخل فيه إلا ما يناسب المقاصد والكليات الشرعية في استعمال الألفاظ الشرعية.
ويكون الفرق بين اللفظ في المنهجين: أن اللفظ على الأول ضَعُف لثقل ما احتمل من الممكنات الحسية والعقلية والشرعية، وأن اللفظ على الثاني قَوِي إذْ لم يحتمل إلا ما يمكن دخوله فيه في الاستعمال العادي في اللغة والمقاصد الشرعية.
والأول هو المنهج السائد في أصول الفقه عند الجمهور، والثاني هو المنهج الذي سار عليه الإمام أبو إسحاق الشاطبي١.
أما الحنفية فهم - وإن كانوا يقولون بالقطعية - يقرون بورود
стр. 355
الاحتمال في اللفظ العام ثم يطرحونه لعدم الدليل المؤيد له على مسلكهم في الاعتداد بالاحتمال، فهم يتفقون مع جمهور الأصوليين في أصل ورود الاحتمال في الفظ العام لكنهم يلغونه في الاعتبار بعد ذلك لعدم الدليل المؤيد، وقد عرف من منهجهم النظر في الحصيلة الفقهية لأئمتهم عند البحث في القواعد الأصولية١.
هذا، والظاهر أن طريقة الشاطبي إنما تناسب الناظر الخبير بالوضع الاستعمالي للفظ والمطلع على مقاصد الشريعة وكلياتها والمحصل للقرائن المبيِّنة٢، أما المستدل الذي ليس له طريق إلى الحكم إلا لفظ عام وما قرب من القرائن المبينة فالقطع على الحكم الذي يفيده اللفظ العام مجردا حينئذ لا يسهل على مثله مع احتمال أن يكون في المقاصد والكليات الشرعية من القرائن المنفصلة ما يخصص اللفظ.