← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8523

القطعية من الأدلة الأربعة

محمد دكوري

Полный текст (445 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

في قوة تناوله لما تحته من الأفراد فيتعارضان ويرجح أحدهما على الآخر١. وأما المسائل الفقهية فالخلاف فيها مفرع على الخلاف في المسألتين الأصوليتين. ومما تفرع على المسألة الأولى: الخلاف في مباح الدم خارج الحرم إذا التجأ إلى داخله، فهل يعصمه التجاؤه إلى الحرم أم أنه يُقتصّ منه داخل لحرم، فإن عموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَءَامِناً﴾ ٢ يمنع القصاص، وقد يجوز ذلك بقياس ذلك على من جنى داخل الحرم، الجائز قتله بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ ٣. ومما ذكر من الخلاف المتفرع على المسألة الثانية جواز بيع العرايا:

стр. 352

وهو بيع الثمر على النخل بخرصه تمرا، لأن عموم قول النبي ﷺ : "والتمر بالتمر ... مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد" ١ يمنع من ذلك للجهل بالمثلية، ولكن ذلك جائز بخصوص الأحاديث المُرخِّصة لذلك مثل ما روي أنه ﷺ "رخص بعد ذلك في بيع العرايا بالرطب أو بالتمر "، وفي لفظ: أن رسول الله ﷺ أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها٢. أساس الخلاف في قطعية العموم: - الخلاف في قطعية العام على الكيفية التي يقع البحث بها في كتب الأصول يرجع إلى أمر: وهو هل كَثُر التخصيص في العمومات الشرعية على وجه يوجب ورود احتمال التخصيص في كل عام شرعي عند المستدل الناظر في الدليل العام، وإن لم يقف على القرينة الخاصة بالتخصيص في ذلك العام؟.

стр. 353

ومن أهم ما يرد على دعوى كثرة التخصيص أن اللفظ العام له اعتباران: قياسي واستعمالي، أما الاعتبار القياسي ففيه يشمل اللفظ كلَّ ما يصلح له عقلا بالنظر إلى لفظه لغة، وأما الاعتبار الاستعمالي فلا يشمل اللفظ فيه إلا ما يمكن دخوله في الاستعمال عادة، فإذا قال قائل: "أكرمتُ الناس"، فلفظ (الناس) عام يشمل على الاعتبار الأول جميعَ بني آدم ثم يخص منه من يستحيل حسا أن يلقاهم القائل ومن أشبههم من الموتى والمفقودين ... أما على الاعتبار الثاني فلا يدخل في لفظ (الناس) ابتداء إلا من يصح عادة أن يلقاهم القائل. وإذا قال: "من دخل داري أكرمته" لم يدخل فيه نفسه لأنه خلاف العادة١. - ثم إن الخلاف في قطعية العام له تعلّق بالخلاف في الاعتداد بالاحتمال الذي لا يعضده دليل في رفع القطعية، لأن الحنفية يعترفون بورود الاحتمال لكنهم لا يعتدون به إذ لم يستند إلى دليل٢. أثر اختلاف المنهج في المسألة: والنظر في هذه المسألة إلى الوضع القياسي والوضع الاستعمالي ينبه على

стр. 354

أمر مهم في بحث العموم بل المباحث الأصولية عموما وهو تعدد مناهج البحث في الأدلة والقواعد الأصولية، فمنهج يبحث في الدليل أو القاعدة مفردة عن القرائن وجميع ما يمكن أن يؤثر فيه، ومنهج النظر الشامل للقاعدة ومقاصد الشريعة والقرائن المؤثرة من واقع الشريعة. فعلى الأول يدخل في اللفظ العام كل ما يحتمله حسا وعقلا وعادة وشرعا، مع فرض اللفظ العام مطلقا من كل قرينة تبين المراد من تعزيز للعموم أو بيان وجه للخصوص، وعلى الثاني لا يدخل في اللفظ العام إلا ما اعتاده الناس عند استعمالهم له في العرف، ولا يدخل فيه إلا ما يناسب المقاصد والكليات الشرعية في استعمال الألفاظ الشرعية. ويكون الفرق بين اللفظ في المنهجين: أن اللفظ على الأول ضَعُف لثقل ما احتمل من الممكنات الحسية والعقلية والشرعية، وأن اللفظ على الثاني قَوِي إذْ لم يحتمل إلا ما يمكن دخوله فيه في الاستعمال العادي في اللغة والمقاصد الشرعية. والأول هو المنهج السائد في أصول الفقه عند الجمهور، والثاني هو المنهج الذي سار عليه الإمام أبو إسحاق الشاطبي١. أما الحنفية فهم - وإن كانوا يقولون بالقطعية - يقرون بورود

стр. 355

الاحتمال في اللفظ العام ثم يطرحونه لعدم الدليل المؤيد له على مسلكهم في الاعتداد بالاحتمال، فهم يتفقون مع جمهور الأصوليين في أصل ورود الاحتمال في الفظ العام لكنهم يلغونه في الاعتبار بعد ذلك لعدم الدليل المؤيد، وقد عرف من منهجهم النظر في الحصيلة الفقهية لأئمتهم عند البحث في القواعد الأصولية١. هذا، والظاهر أن طريقة الشاطبي إنما تناسب الناظر الخبير بالوضع الاستعمالي للفظ والمطلع على مقاصد الشريعة وكلياتها والمحصل للقرائن المبيِّنة٢، أما المستدل الذي ليس له طريق إلى الحكم إلا لفظ عام وما قرب من القرائن المبينة فالقطع على الحكم الذي يفيده اللفظ العام مجردا حينئذ لا يسهل على مثله مع احتمال أن يكون في المقاصد والكليات الشرعية من القرائن المنفصلة ما يخصص اللفظ.

стр. 356

فيبقى الخلاف على حاله في لفظ عام مجرد من جميع القرائن حتى ما يذكر من الوضع الاستعمالي والمقاصد الشرعية ونحوها، إذا فرض أن الفاقد لكل ذلك يجوز له النظر في الأدلة، أو في لفظ عام ليس عند المستدل به إلا القرائن القريبة، فهذا مما يتردد فيه النظر وتتداخل فيه المسائل، فلا يسهل الترجيح في هذه المسألة، فالله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 357

المطلب الثالث: قطعية المفهوم تعريف المفهوم وبيان أنواعه ومثاله: المفهوم لغة: مفعول من فهمت الشيء فهما: أي علمته، والفهم: معرفة الشيء وعلمه وعقله١. وهو في الاصطلاح: "ما دل على الحكم لا في محل النطق"٢. وهو نوعان: مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة. أما مفهوم الموافقة فهو: أن يكون المسكوت عنه موافقا للمنطوق في الحكم، وهو قسمان: أحدهما أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، والثاني أن يكون المسكوت عنه مساويا للمنطوق في الحكم. وأما مفهوم المخالفة فهو: أن يكون المسكوت عنه مخالفا للمنطوق في الحكم٣ وهو كذلك أقسام.

стр. 358

ومن أمثلة المفهوم قوله ﷺ : "في الغنم السائمة الزكاة"١ فلما وصف الغنم الواجب فيها الزكاة بالسوم فُهم من ذلك عدم الزكاة في الغنم المعلوفة. ويسمى مفهوم الموافقة فحوى الخطاب ولحن الخطاب٢، وهو دلالة النص عند الحنفية٣. المفهوم القطعي: ويكون المفهوم قطعيا إذا تحقق فيه أمران قطعيان: أحدهما أن يقطع بمعنى الحكم في المنطوق أي أن يعلم علما قطعيا أن الحكم الذي أفاده الدليل قد شرع لمعنى معين، والثاني أن يقطع بأن ذلك المعنى أشد في المسكوت أو مساو له. ومن أمثلة المفهوم القطعي:

стр. 359

١- قول الله ﵎: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَاهُ وَبالْوَالِدَين إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمُا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهرْهُمَا﴾ ١، فكل عالم بلسان العرب إذا سمع هذا قطع بأن حرمة التأفيف والنهر هنا معناها إكرام الوالدين ودفع الأذى عنهما، ويقطع أن الضرب والشتم أشد في إيذائهما من التأفيف وأن من ترك التأفيف ولم يتركهما لم يكن أكرمهما، فإذا قطع بهذين الأمرين لم يبق احتمال في كون الضرب والشتم حراما استدلالا بالنهي عن التأفيف٢. ٢- قوله تعالى عن أهل الكتاب: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ ٣ فيفهم من سياق هذا أنه لا يؤدي ما فوق الدينار قطعا. ٣- قوله : ﴿أَلمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ يُزَكونَ أنَفْسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مِنْ يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ ٤ فيفهم من ذلك أنهم لا يُظلَمون أكبر من فتيل قطعا٥.

стр. 360

٤- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْ كُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْ كُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ ١ فيفهم أن إحراق أموالهم وإغراقها مساويان في التحريم للأكل قطعا٢. ٥- حديث علي بن أبي طالب٣ ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ... وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم" ٤ فيفهم من ذلك ثبوت الذمة لأعلاهم قطعا٥. ٦- حديث عبد الله ابن عمر٦ ﵄ عن رسول الله

стр. 361

صلى الله عليه وسلم أنه كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن تناله أيديهم١، احتج به الإمام أحمد ﵀ على تحريم رهن المصحف عند الذمي، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية والفتوحي٢ أنه مفهوم قطعي٣، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لأنه إذا نهى عما قد يكون وسيلة إلى نيلهم إياه فهو عن إنالتهم إياه أنهى وأنهى"٤. جهة قطعية المفهوم: لا خلاف - حسب اطلاعي - في قطعية مفهوم الموافقة على ما سبق سوقه من الأمثلة. وهو حجة يجب العمل به قطعا بنوعيه القطعي والظني٥، وإنما الخلاف

стр. 362

الذي ينقل في ذلك هو هل دلالته لفظية أم قياسية١ وذلك لا يؤثر في القطعية، إذ كان القياس - عند من جعل دلالة المفهوم قياسية - قياسا قطعيا، وكانت دلالة النص - عند من جعل دلالة المفهوم لفظية - قطعية، لأن في كل ذلك يقطع بالأمرين السابقين٢.

стр. 363

وجهة القطعية في المفهوم جهة الدلالة١ مثل قطعية العموم، وعليه فيمكن أن يكون المفهوم من الدليل قطعيا ويكون من جهة الثبوت غير قطعي، إذ لا تلازم بين جهتي القطعية. القطعي من نوعي المفهوم: الظاهر من كلام العلماء ﵏ في قطعية المفهوم وأمثلتهم أن القطعية في المفهوم إنما تتأتى في مفهوم الموافقة، وهو الذي يسمى أيضا فحوى الخطاب، قال الزركشي معللا للتسمية بذلك "لأن فحوى الكلام ما يفهم منه على سبيل القطع، وهو [أي مفهوم الموافقة] كذلك"٢. أما مفهوم المخالفة فالظاهر من كلام أهل العلم أن أعلى ما يصل إليه هو الظن والرجحان ولا يرتقي إلى القطع. لكن الزركشي ذكر أن كلام إمام الحرمين يقتضي أن مفهوم المخالفة قد يكون قطعيا ولم يذكر قوله المقتضي لذلك٣، ولعله من قوله في البرهان: "والمفهوم ينقسم إلى ما يقع نصا غير قابل للتأويل ويغلب ذلك

стр. 364

في مفهوم الموافقة إذا انتهى إلى المرتبة العليا، وإذ ذاك يسمى عند أرباب الأصول: الفحوى" قال: "والغالب على مفهوم المخالفة الظهور والانحطاط عن رتبة النصوص"١، فجعل الغالب في مفهوم المخالفة الظهور دون القطع، وذلك يقتضي أن منه - على خلاف الغالب فيه - ما يكون قطعيا، كما اقتضى جعله الغالب من مفهوم الموافقة القطع والنصية أن يكون منه ما لا يكون قطعيا على خلاف الغالب فيه، غير أن إمام الحرمين ﵀ لم يذكر مثالا للقطعي من مفهوم المخالفة ولا ذكر وجه كونه قطعيا. والله تعالى أعلم. وللقاضي أبي بكر الباقلاني عبارة قد تحتمل، فإنه قسّم الأدلة إلى قسمين قطعي وظني، ثم قال إشارة إلى القسم القطعي: "ودخل فيه جميع أدلة السمع الموجبة للقطع والعلم من نصوص الكتاب والسنة ومفهومها ولحنها وإجماع الأمة ... "٢. فالعطف في قوله: "مفهومها ولحنها" يحتمل أن يكون مراده بالمفهوم مفهوم الموافقة وباللحن مفهوم المخالفة، كما يحتمل أن يكون مراده باللحن مفهوم الموافقة أو نوع منه، فاحتملت عبارة القاضي هذه أن يكون ممن يرى جواز كون مفهوم المخالفة قطعيا٣.

стр. 365

لكن في كلام القاضي ﵀ ما يجعل الاحتمال الثاني - وهو كون مراده باللحن مفهوم الموافقة أو نوع منه - هو الراجح قطعا، وعليه لا يكون في عبارته ما يوهم قطعية مفهوم المخالفة. والذي يؤيد هذا الاحتمال وأن القاضي يريد باللحن غير مفهوم المخالفة أمور: أولها: تصريحه بأن مراده بـ (المفهوم) و (اللحن) معنى واحد، قال: "وقولنا مفهوم من معناه ولحنه وفحواه بمنزلة واحدة"١. الثاني: أن القاضي لما ذكر أقسام الخطاب من حيث إفادته لمعناه قال في بعض الأقسام: "ما يستقل بنفسه من جهة مفهومه ولحنه وفحواه"، والأمثلة التي ذكرها داخلة بالأصالة في هذا القسم كلها أمثلة مفهوم الموافقة التي يذكرها أهل العلم٢.

стр. 366

الثالث: أن القاضي أطلق على مفهوم المخالفة (دليل الخطاب) وأشار إلى الخلاف في حجيته، وفي ذلك إشارة إلى أن اصطلاح (اللحن) عنده غير مفهوم المخالفة١. الرابع: أن لحن الخطاب عند أكثر العلماء يطلق على مفهوم الموافقة مطلقا أو مفهوم الموافقة المساوي، وأما إطلاقه على مفهوم المخالفة فنادر٢. فظهر أن الذي أوهمت عبارته جواز قطعية مفهوم المخالفة هو إمام الحرمين أبو المعالي الجويني، أما القاضي أبو بكر الباقلاني فالظاهر أن ليس في كلامه - إذا أخذ مجموعا بلواحقه - ما يدل على أن مذهبه جواز قطعية مفهوم المخالفة، كما يفهم من عبارة محقق التقريب. والله تعالى أعلم.

стр. 367

مفهوم الموافقة ودلالة النص: وقد أشار غير واحد ممن بحثوا في قطعية دلالة النص أنه لم يرد عند متقدمي الحنفية تقسيم دلالة النص إلى قطعي وغير قطعي وأن ذلك التقسيم إنما ذكره بعض متأخريهم١ وأن من المتأخرين من غيرهم مَن ينكر تقسيم (دلالة النص) إلى قطعية وظنية، لأن حقيقة دلالة النص عند الحنفية أنها تفهم بمجرد اللغة من غير احتياج إلى رأي واجتهاد، وذلك مشكل على القسم الظني من المفهوم، فكان الأولى عند هؤلاء عدم التقسيم٢. ويمكن أن يقال: إنه إذا كان المراد من القطع - في مفهوم الموفقة - معناه الأخص المبرّأ من الاحتمال مطلقا، فلا يبعد أن تنقسم دلالة النص إلى قطعي وغير قطعي، لأن بعض ما مثلوا به لدلالة النص لا يخلو من احتمال، وإذا كان المراد من القطع في ذلك معناه الأعم - الذي لا يعتد فيه بالاحتمال حتى يكون معززا بالدليل - دخلت تلك الأمثلة في القطعية، لأن الاحتمال في تلك الأمثلة لا يَعتد به مَن ذكرها في عداد دلالة النص ولو اعتد به غيره، فتكون تلك الأمثلة عند موردها قطعية بالمعنى العام٣.

стр. 368

على أنه لا يجب إذا كان المعنى في (دلالة النص) مدركا بمجرد اللغة من غير استنباط - أن يكون قطعيا، إذ ليس كل ما يشترك العامة والخاصة في فهمه من اللغة قطعيا، فإن اللغة فيها الألفاظ المشتركة والظاهرة. والله تعالى أعلم.

стр. 369

الفصل الثاني: أحكام القطعية في الإجماع المبحث الأول: قطعية الإجماع ... المبحث الأول: قطعية الإجماع تعريف الإجماع: الإجماع في اللغة يأتي بمعنى العزم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ ١، وقوله: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً﴾ ٢، ومنه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له"٣. ويأتي الإجماع بمعنى الاتفاق٤. أما الإجماع في الاصطلاح فهو: اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ ، بعد وفاته، في حادثة، على أمر من أمور الدين، في عصر من الأعصار٥.

стр. 370

معنى قطعية الإجماع وجهتها: ومعنى قطعية الإجماع أنه دليل قطعي على صواب الحكم المجمع عليه وخطإ خلافه، فالحكم مقطوع به ودليل القطع فيه الإجماع الذي لا يحتمل في دلالته إلا صحة الحكم. فتكون قطعية الإجماع ملحقة بجهة الدلالة، أما قطعيته من جهة الثبوت فذلك تابع لطريق نقله، فقد ينقل بالخبر المتواتر وقد ينقل بخبر الواحد، والكلام في قطعية المتواتر وقطعية خبر الواحد جارٍ فيه. فرجعت حقيقة البحث في قطعية الإجماع إلى البحث في قطعيته من حيث الدلالة. هذا هو المراد من قطعية الإجماع ههنا، وهناك وجه آخر لقطعيته يقصد به قطعيته من حيث الحجية أي هل الأدلة المستدل بها على كون الإجماع حجةً شرعيةً أدلةٌ قطعية، وقد وقعت الإشارة - غير مرة في هذا البحث - إلى أن بحث الحجية غير بحث القطعية وأن بحث القطعية مفرع على الحجية،

стр. 371

فمن لا يرى حجية الإجماع لا يقع البحث معه في قطعيته. قطعية الإجماع: مذهب جماهير أهل العلم من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم أن الإجماع دليل قطعي١، وإن اختلفوا في تحديد القطعي منه كما سيأتي إن شاء الله٢. وذكر القرافي أن هذا القول مذهب كل من تقدم الرازي٣. والحجة للجمهور على قطعية الإجماع أن أدلة حجيته دلت على أمرين: الأمر الأول: اليقين بأن الإجماع حجة شرعية يجب العمل بما دل عليه من الأحكام كسائر الحجج الشرعية من الكتاب والسنة والقياس. الأمر الثاني: اليقين بأن الحكم المجمع عليه حكم قطعي لا يحتمل غير كونه صوابا.

стр. 372

ذلك أن أدلة الحجية تضمنت نفي الخطأ عما أجمعت عليه الأمة وما انتفى فيه احتمال الخطأ كان صوابا قطعا، وهذا هو معنى قطعية الإجماع١. ١- ومن ذلك قوله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُ الْهُدَى وَيتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ٢ فالحق يتعين أن يكون في سبيلهم إذا كان غير سبيلهم قد وقع التوعد على اتباعه. ٢- ومنه قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتنهوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ باللهِ﴾ ٣ فيكون ما أجمعوا عليه من جملة المعروف من غير احتمال، لأنهم إذا أجمعوا على أمر فلن يوجد من ينهى عنه، ولو لم يكن معروفا لوجد من ينهى عنه كما أخبر الله تعالى. ٣- ومنه قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ ٤، فكان نهيه عن التفرق دليلا على أن ما أجمعوا عليه يتعين فيه الصواب وإلا لما وقع الأمر بالاعتصام به. ٤- وقد استدل شيخ الإسلام ابن تيمية على حجية الإجماع بأدلة يدل

стр. 373

وجه الاستدلال بها على قطعية الإجماع: كقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانَوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿يَأَيهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبكُمْ فَاتَّقُونِ. فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٣، قال ابن تيمية في بيان وجه الدلالة: "فإنهم إذا كانوا مطيعين لله بذلك مرحومين فلا يكون طاعة الله ورحمته بفعل لم يأمر الله به من اعتقاد أو قول أو عمل، فلو كان القول أو العمل الذي أجمعوا عليه لم يأمر الله به لم يكن طاعة لله ولا سببا لرحمته"٤ اهـ فانتفى احتمال كون الأمر المجمع عليه خطأً لم يأمر الله به، فتثبت قطعية الإجماع كما ثبتت حجيته. ٥- ومن أدلة القطعية في أدلة الحجية قوله تعالى: ﴿يأَيُهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ

стр. 374

وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخر ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١ فما لم يكن فيه تنازع وكان محل إجماع تعين أن يكون هو الصواب. ومن أدلة السنة على حجية الإجماع أدلة على قطعيته. ١- ومن ذلك ما روي عن الرسول ﷺ بألفاظ تدل على نفي احتمال أن تجتمع هذه الأمة على الخطأ، مثل قوله ﷺ : "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة"أو "إن الله لا يجمع أمتي إلا على هدى "٢. ٢- ومن ذلك ألفاظ دلت على أن الحق يلزم أبدا هذه الأمة ولو في طائفة منها، مثل قوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك"٣ فإذا أجمعت كل الأمة قُطع بأن الحق فيما أجمعوا عليه، لأنها حينئذ مشتملة على الطائفة الظاهرة. ٣- كما أن أحاديث لزوم الجماعة والنهي عن مفارقتها تدل على أن الصواب في الأمر المجمع عليه، لأنه الذي يلزم اتباعه ويحظر تركه٤.

стр. 375

فهذه الأمة معصومة فيما أجمعت عليه من أن يكون ذلك المجمع عليه خطأ أو ضلالة. وقد استدل الشاطبي على حجية الإجماع بعصمة الأمة١ وفي ذلك وجه للقطعية أيضا. واستدل بعض العلماء على حجية الإجماع بأدلة عقلية أو عادية فيها دلالة على قطعية الحكم المجمع عليه، ومن ذلك أن للإجماع صورتين: أولاهما أن يجمع علماء العصر على حكم مظنون ويكون ذلك الحكم مما يتطرق إليه الاحتمال ويمكن فيه الخلاف واضطراب الآراء، فيكون قطعهم بالحكم في مثل ذلك دليلا قاطعا على استنادهم إلى مصدر سمعي قطعي وإن لم ينقل مستندهم. وثانيهما: أن يجمع علماء العصر على حكم مظنون ويعلم أن مستندهم في ذلك دليل ظني، ودليل القطعية في هذا الصورة أن العصور المتلاحقة بعد عصر الإجماع يجمعون على تبكيت المخالف للإجماع ونسبته إلى الخروج عن الجادة وإلى الضلالة والعُقوق، ولا يجمعون على ذلك إلا بأنهم استندوا إلى قاطع شرعي كالأخبار المروية عن الرسول ﷺ مما فيه دلالة على تحريم مخالفة الحكم المجمع عليه وإن لم ينقل ذلك بطريق قطعي٢.

стр. 376

المخالف في قطعية الإجماع: وخالف الفخر الرازي في (المحصول) ما سبق من مذهب الجمهور فذهب إلى أن الإجماع حجة غير قطعية، لأن مسألة حجية الإجماع نفسها غير قطعية بمعنى أن الأدلة على أن الإجماع حجة لا ترتفع إلى القطع١. وتبعه شمس الدين الأصفهاني في ذلك وأيده وانتصر له ورد على من خالفه ثم قال: "واعلم أن إقامة دليل قاطع على أن الإجماع حجة قطعية قد عرفت صعوبته وعدم انتهاض القاطع في ذلك"٢. وفصّل نجم الدين الطوفي فقال: "ليس المراد بكونه حجة قاطعة القطع العقلي وهو الجزم الذي لا يحتمل النقيض في نفس الأمر ... "قال: "فدل على أن المراد بكونه قاطعا القطع الشرعي لا العقلي"٣، ثم بيَّن قصر قطعيته في كونه مقدما في البحث عن الدليل على سائر الأدلة الشرعية، لعدم احتمال النسخ٤، بل صرح باختياره أن الإجماع ظني بعد أن ضعَّف أدلته وطرَّق إليها الاحتمالات٥، ومما استدل به على عدم قطعية الإجماع الخلافُ

стр. 377

في عدم تكفير مخالف الحكم المجمع عليه قال: "لأن القواطع العقلية لا يختلف فيها ولا في تكفير من أنكر أحكامها المعتبرة شرعا"١. أما الآمدي فقد نقل غير واحد من أهل العلم عنه القول بعدم قطعية الإجماع٢، وذكر بعض العلماء أنه مقتضى كلامه في كتابيه الإحكام والمنتهى٣. أما في (الإحكام) فقد صرح في موضع منه بالقطعية، فإنه لما اختار المنع في مسألة صحة الإجماع بعد الخلاف قال معللا اختياره:"وذلك لأنا بينا أن اتفاق الأمة على الحكم ولو في لحظة واحدة كان ذلك مستندا إلى دليل ظني أو قطعي أنه يكون حجة قاطعة مانعة من مخالفته ... "٤، ويدل على ذلك أيضاً صنيعه عند الاستدلال على حجية الإجماع في الإحكام، فقد عوّل على السنة وذكر أن مجموع ما ورد فيها من أحاديث مفيدة للقطع لأنها من المتواتر المعنوي٥.

стр. 378

أما في (منتهى السول) فظاهر كلامه فيه عدم القول بالقطعية، فقد قال عند الاستدلال على حجية الإجماع: "وقد احتج المثبتون بحجج نقلية وعقلية ... أما الحجج النقلية فكلها ظنية"١، وذكر أن الأحاديث الواردة في ذلك تفيد "الظن الغالب المقارب للقطع"وأنه - أي الظن الغالب المقارب للقطع - هو المطلوب في مسألة حجية الإجماع، ثم ذكر أن الدليل العقلي لا يفي بالغرض المقصود من المسألة٢. فالآمدي - وإن صرح في (الإحكام) بالقطعية لدلالة السنة - فهو في (المنتهى) مثل الرازي في المحصول في تضعيف أدلة حجية الإجماع والقول بعدم قطعيتها. والله تعالى أعلم. ترجيح مذهب الجمهور: والذي يترجح - والله أعلم - هو ما ذهب إليه الجمهور من أن الإجماع حجة قطعية مقطوع بصواب ما دل عليه وبخطأ ما خالفه، وذلك لما يأتي: أولا: لقوة ما استدلوا به على ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على لزوم اتباع سبيل المؤمنين والحذر من مخالفتهم ونفي احتمال الخطأ عن الأمر الذي عليه جماعتهم، وهي أدلة - وإن أمكن تطرق أطراف

стр. 379

الاحتمالات العقلية في دلالتها على قطعية الإجماع مع حجيته إلى بعض منها منفردة أو بالنسبة لمستدل بها - فإنها تأبى الاحتمال بمجموعها عند من حققها واطلع على مجموعها وأخذ بها مع كافة قرائن القطعية. وهذا أصل عظيم في وجه دلالة هذه النصوص من القرآن والسنة على قطعية الإجماع مع حجيته، وهو مبني على تتبع وراثة النبوة التي تلقاها السلف من الصحابة ﵃ فمن بعدهم ممن نهج منهجهم قرنا بعد قرن - رحمة الله عليهم- في مسائل الدين وطرق الاستدلال عليها وكيفية استفادة العلم واليقين فيها، فكل ذلك يدل على أن ما عليه أمر المسلمين جميعا من أمور الدين هو الحق قطعا وأنه لا تجوز مخالفته. وقد بالغ بعض علماء أصول الفقه في الرد على دعوى الرازي عدم قطعية الإجماع، وأن سببها عدم الالتفات إلى هذا الأصل. قال التبريزي١ إشارة إلى أحد الأسئلة التي أوردها الرازي على حجية الإجماع: "أما السؤال الرابع عشر فقد انقاد له المصنف وكاع٢

стр. 380

عن دعوى القطع وتفسيق المخالف، ومن المعلوم الواضح إطباق التابعين وكل قائل بالإجماع على القطع بأن الإجماع حجة قاطعة ... "ثم بيّن ﵀ الأصل السابق في مأخذ القطعية١. وقال القرافي في شرحه على المحصول عن الرازي وإنكاره القطعية وأن سببه عدم أخذ الأدلة مجموعة: "إن المصنف قد أكثر من التشنيع في هذا المقام، وأداه صعوبة هذا الموضع إلى أن قال: الإجماع ظني، وهو خلاف إجماع من تقدمه كما حكاه ههنا، وما سببه إلا عدم النظر في هذا البحث"٢. وقال الشاطبي ﵀ في إشارة إلى قطعية الحجية: "وقد أدى عدم الالتفات إلى هذا الأصل ... إلى أن ذهب بعض الأصوليين إلى أن كون الإجماع حجةً ظنيٌ، إذ لم يجد في آحاد الأدلة ما يفيده فأداه ذلك إلى مخالفة مَن قبله من الأمة ومَن بعده٣، ومال بقوم آخرين إلى ترك الاستدلال بالأدلة

стр. 381

اللفظية والأخذ بأمور عادية١ أو الاستدلال بالإجماع على الإجماع"٢. ثانيا: أن عمدة المخالف في القطعية أن الأدلة المستدل به على الحجية يحتمل أن يكون المراد منها غير حجية الإجماع أو قطعيته، وذلك مدفوع بأنه احتمال منبوذ عند الأخذ بالأدلة مجموعة، فإنها لا تزال تغلّب على الظن أن المقصود من آحادها أن ما أجمعت الأمة عليه لا يحتمل إلا الصواب حتى يقطع الناظر فيها - مع قرائن القطعية والكليات الشرعية - بحجية الإجماع وقطعيته، وقد سبق رد القرافي وغيره على الرازي في قوله بظنية

стр. 382

الإجماع وأن سببه عدم النظر في الأدلة مجموعة١. أما ما ذكره نجم الدين الطوفي ﵀ من عدم الاتفاق على تكفير منكر حكم الإجماع فهو مدفوع بأن التكفير لا يلزم من مخالفة القطعي مطلقا، فربما خالف للجهل أو لشبهة عنده أو لعدم الوقوف على مأخذ القطعية من الأدلة لكونه مما يحتاج إلى نظر٢، على أن التوقف في التكفير حتى يتبين أولى من الهجوم عليه، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما، إن كان كما قال وإلا جاءت عليه" ٣٤، والأولى ترك تكفير المخطئ المخالف في المسائل المختلف فيها الخلاف بين الأئمة ولو كانت قطعية عند بعضهم، فإن العلماء اختلفوا في مسائل كثيرة من الأصول والفروع ولم يكفر فيها بعضهم بعضا بمجرد الخلاف مع قطعهم بأحكام تلك المسائل٥، والاختلاف في مسألة التكفير لا ينفي القطعية في الإجماع، لأن

стр. 383

الخلاف لا يرفع أصل القطعية من مسألة التكفير نفسها فكيف يرفعها في مسألة الحجية! والصحيح أن الخلاف لا يمنع من القطع بالحكم وإن كان المعتد به منه يمنع دعوى اطراد القطعية لجميع الناظرين في الدليل١. والله تعالى أعلم.

стр. 384

المبحث الثاني: الإجماع القطعي صور الإجماع: اختلف القائلون بحجية الإجماع في جملة كبيرة من الشروط والقيود في الإجماع الذي هو حجة صحيحة، فكانت من ذلك الخلاف صور كثيرة من الإجماع المختلف فيه، ومن ذلك الإجماع السكوتي١، والإجماع المنقول بخبر الواحد، والإجماع المستند إلى دليل غير قطعي، والإجماع الذي يخالف فيه بعض قليل من الأمة أو بعض معين منهم كالعامي والأصولي غير الفقيه والفقيه غير الأصولي أو المتكلم، والإجماع المنعقد بعد الخلاف، والإجماع المنعقد ما لم ينقرض عصر المجمعين ... وكل ذلك منه ما قوي فيه الخلاف وقربت مآخذ الأدلة فيه، ومنها ما ضعف الخلاف فيه وكان بعيدا فيه وجه الاستدلال٢. ما يطلق عليه اسم الإجماع: وليس كل ما سمي إجماعا يكون قطعيا، فقد نقل بعض العلماء الاتفاق

стр. 385

على أن الإجماع المنقول بالآحاد ليس من الإجماع القطعي حتى عند القائلين بحجية مثل ذلك الإجماع١. نقل الزركشي أن بعض أهل العلم ﵏ يرى أن اسم (الإجماع) لا يطلق إلا على ما كان قطعيا ٢، فعلى هذا الاصطلاح لا يكون ما يسمى (إجماعا) إلا قطعيا، ولكن المتبع في هذا البحث إطلاق الإجماع في الاصطلاح على ما هو أعم من القطعي منه. والله أعلم. الإجماع القطعي: اختلف مسلك أهل العلم - رحمة الله عليهم - في تحديد القطعي من الإجماع: المسلك الأول: أن القطعي من الإجماع هو الإجماع الذي يشتمل على جميع الشروط والقيود المتفق عليها والمختلف فيها، بحيث لا يخالف فيه أحد من القائلين بحجية الإجماع، فيكون إجماعا قوليا غير سكوتي مستندا إلى دليل قطعي منقولا بالتواتر عن جميع الأمة بعوامها وخواصها وذلك بعد انقراض العصر من غير سبق خلاف ... وهكذا حتى يكون إجماعا لا يخالف فيه أحد من القائلين بحجية الإجماع. وهذا أضيق مسالك تحديد الإجماع القطعي، وهو مبني على أن الخلاف

стр. 386

في صحة الإجماع والاعتداد به يرفع القطعية عن المختلف فيه منه. ويدل على هذا المسلك قول الموفق ابن قدامة١: "الإجماع ينقسم إلى مقطوع ومظنون، فالمقطوع ما وجد فيه الاتفاق مع الشروط التي لا يختلف فيه مع وجودها ونقله أهل التواتر ... والمظنون ما اختلف فيه أحد القيدين بأن توجد مع الاختلاف فيه كالاتفاق في بعض العصر وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة أو يوجد القول من البعض والسكوت من الباقين أو توجد شروطه لكن ينقل آحادا"٢. وقال الطوفي: "والقطعي: هو النطقي المتواتر المستكمل للشروط"٣. وقال الشاطبي في إشارة إلى هذا المسلك: "إن الإجماع إنما يكون قطعيا على فرض اجتماعهم على مسألة قطعية لها مستند قطعي، فإن اجتمعوا على مستند ظني فمن الناس من خالف في كون هذا الإجماع حجة"٤، فنفى القطعية عن الإجماع المستند إلى غير قطعي، ثم علل ذلك

стр. 387

بمخالفة بعض الناس في الحجية، فذلك إشارة إلى أن الخلاف في الحجية مانع من القطعية. فمقتضى هذه الأقوال أن الإجماع القطعي هو ما وجد فيه جميع القيود والشروط، المتفق عليه والمختلف فيه حتى يجتمع جميع القائلين بالإجماع على القول به. المسلك الثاني: أن الإجماع القطعي هو الذي توجد فيه القيود والشروط التي يَعتد بها المستدل ويقطع ببطلان خلافها قطعا، فالإجماع القطعي على هذا هو ما وجد فيه جميع الشروط والقيود التي عليها أدلة راجحة أو مرجوحة مع الاحتمال، أما الشروط التي أدلتها باطلة قطعا عند المستدل فيَقطع بالإجماع مع عدمها. والفرق بين هذا المسلك والذي قبله أن في المسلك الأول اشتُرط في قطعية الإجماع وجود جميع القيود اعتدادا بمجرد الخلاف، أما في هذا فإنما اعتُد بالشروط المحتملة للصحة دون الباطلة قطعا تبعا لأدلتها. ويدل على هذا المسلك قول الغزالي بعد ذكر الخلاف في صحة الإجماع الذي خالف فيه النحوي أو المتكلم: "فإن قيل: فهذه مسألة قطعية أم اجتهادية؟ قلنا: هي اجتهادية، ولكن إذا جوّزنا أن يكون قوله معتبرا صار الإجماع مشكوكا فيه عند مخالفته فلا يصير حجة قاطعة، وإنما يكون حجة قاطعة إذا لم يخالف هؤلاء"قال: "أما خلاف العوام فلا يقع

стр. 388

ولو وقع فهو قول باللسان وهو معترف بكونه جاهلا بما يقول، فبطلان قوله مقطوع به كقول الصبي"١. فالإجماع قطعي عنده مع خلاف العوام للقطع ببطلان اشتراط وفاقهم في الإجماع، وكان الإجماع غير قطعي مع خلاف النحوي أو المتكلم لأن أدلة طرفي الخلاف في تلك المسألة غير قطعية وإنما يصار إلى القول فيها بشيء من الترجيح. وعليه فمن كان يرى أن بطلان تأثير خلاف العامي في الإجماع غير قطعي كان الإجماع الذي يخالف فيه العامي غير قطعي عنده خلافا لما قطع به الغزالي، وذلك كالآمدي فإنه لم يقطع ببطلان اعتبار قول العامي في الإجماع فقال بعد المسألة "وبالجملة، فهذه المسألة اجتهادية، غير أن الاحتجاج بالإجماع عند دخول العوام في الإجماع يكون قطعيا وبدونهم يكون ظنيا"٢. فتحَصَّل أن الإجماع إذا خالف فيه العوام كان قطعيا عند الغزالي لقطعه ببطلان اعتبار قول العامي، وهو ظني عند الآمدي لعدم قطعه ببطلان اعتبار قول العامي في الإجماع. ومن النظر على هذا المسلك كان الإجماع السكوتي غير قطعي عند

стр. 389

بعض من قال بحجيته لأنه لا يقطع ببطلان الاحتمالات في أن يكون السكوت لدواعي أخرى غير الموافقة١، ويكون إجماعا قطعيا عند من قطع ببطلان تلك الاحتمالات. والله أعلم. المسلك الثالث: وسلك بعض العلماء في بيان الإجماع القطعي مسلكا قريبا مما سبق، فرتبوا الإجماع مراتب حسب قوته، وكان بعض تلك المراتب عندهم قطعيا، وأساس الترتيب نبذ الاحتمالات البعيدة غير المعضدة حتى يخلص الإجماع للقطعية، والاعتداد بالاحتمالات القريبة فترتفع القطعية. قال الشاشي: ثم الإجماع على أربعة أقسام:

стр. 390

وقال االسرخسي: "إن ما أجمع عليه الصحابة فهو بمنزلة الثابت بالكتاب والسنة في كونه مقطوعا به يكفر جاحده١، وهذا أقوى ما يكون من الإجماع، ففي الصحابة أهل المدينة وعترة الرسول٢ ولا خلاف بين من يعتد بقولهم أن هذا الإجماع حجة موجبة للعلم قطعا"٣، ثم ذكر مرتبة خلاف الصحابة على أقوال وأنه بمنزلة الخبر المشهور٤. وقال عبد العلي في (فواتح الرحموت) عند بيان الفرق بين هذه المراتب: "وجه الفرق أن الصحابة كانوا معلومين بأعيانهم فتعلم أقوالهم بالبحث والتفتيش ... وأما من بعدهم فتكثَّروا ووقع فيهم نوع من الانتشار فوقع شبهة في اتفاقهم واحتمل أن يكون هناك مجتهد لم يطلع على قوله الناقلون، لكن لما كان هذا الاحتمال بعيدا - لعدم وقوع الانتشار كذلك مع كون الناقلين جماعة تكفي للعلم - صار بمنزلة المشهور الذي فيه احتمال بعيد٥ وصار أدون درجة من إجماع الصحابة"٦.
следующие страницы →