كتاب المقنع.
قلت: اختار عامة الأصحاب خلاف قوله والله أعلم.
وأما الفاسد المختلف فيه فيثبت فيه أحكام الصحيح.
ومنها: اللعان فيصح فيه لإسقاط الحد ونفي النسب لأن بالزوج حاجة إلى هذا القذف لأن نسبه لاحق به كالصحيح.
ومنها: حيث جعلنا العقد محرما فلو كان فاسدا قال القاضى التحريم غير ممتنع وفي الأنتصار وغيره في العقد الفاسد خلاف فالمجمع على بطلانه لا يحرم شيئا جزم به الأصحاب.
وخرج شيخنا في تعليقه على المحرر رواية بالتحريم من الرواية التى يقول فيها بوقوع الطلاق في نكاح المعتدة وقد تقدمت.
ومنها: الخلوة في الفاسد فإنها محل الصداق كالصحيح نص عليه أحمد في رواية أبى طالب وفي الأنتصار والمذهب رواية لا شيء بها واختار ذلك أبو محمد المقدسي.
ومنها: عدة الوفاة فإنها تجب في النكاح الفاسد نص عليه أحمد في رواية جعفر بن محمد وقال ابن حامد لا عدة عليها.
ومنها: في المطلقة في النكاح الفاسد فإنها تجتنب ما تجتنبه المطلقة في النكاح الصحيح نص عليه أحمد في رواية أحمد بن محمد البرثى١ والقاضى ومحمد بن أبى موسى.
ومنها: الميراث فلا يتوارث الزوجان في النكاح الفاسد نص عليه في رواية جعفر بن محمد.
وفي رواية المروذى إذا تزوج ولم يشهد ثم مات لم يتوارثا وكذلك نقل أبو طالب.
стр. 142
وقد توقف في رواية ابن منصور فقال لا أرى للولى ولا للقاضى أن يزوج اليتيمة حتى تبلغ تسع سنين قيل له فإن ماتا يتوارثان قال لا أدرى.
ومنها: إذا وطئت في النكاح الفاسد فلا يحصل به الإحلال للأول على أصح الوجهين تغليبا للتحريم الحاصل بالطلاق.
ومنها: الإحصان هل يحصل به أم لا المجزوم به عند الأصحاب لا يحصل لأن طريق الإحصان الكمال والزوج والزوجة في النكاح الفاسد ليسا بكاملين.
ومنها: الطلاق في النكاح الفاسد فإنه يقع في قول أكثر أصحابنا واختار أبو الخطاب لا يقع حتى يعتقد صحته.
ومنها: من نكاحها فاسد لا يصح تزويجها قبل طلاق الزوج فإن امتنع فسخه الحاكم هذا المذهب.
وفي الإرشاد فإن زوجت نفسها بلا شهود ففي تزويجها قبل فرقته روايتان وهما في الرعاية إذا تزوجت بلا ولى أو بدونهما.
وفي تعليق ابن المنى١ في انعقاد النكاح برجل وامرأتين إذا عقد عليها عقدا فاسدا لا يجوز صحيح حتى يقض بفسخ الأول ولو سلمناه فلأنه حرام والحرام في حكم العدم.
стр. 143
القاعدة ٢٢
العزيمة لغة القصد المؤكد وشرعا الحكم الثابت بدليل شرعى خلا عن معارض.
قال الطوفي وقولنا بدليل شرعى يتناول الواجب وتحريم الحرام وكراهة المكروه ولهذا قال أصحابنا إن سجدة ص هل هى من عزائم السجود أولا مع أن سجدات القرآن كلها عندهم ندب.
قلت: فظاهر كلامه أن سجدة ص اختلفوا في أنها هل هى مندوبة أم لا فمن قال هى مندوبة تكون من العزائم ومن قال ليست مندوبة فليست من العزائم وليس الأمر كذلك بل يستحب سجودها خارج الصلاة على كل رواية صرح به ابن تميم بعد حكايته الروايتين هل هى من العزائم أم لا؟
تظهر فائدته بالنسبة إلى الصلاة فإن قلنا هى من العزائم سجدها في الصلاة وإن قلنا ليست من العزائم فسجدها في الصلاة هل تبطل صلاته أم لا في المسألة وجهان مع أنه حكى طائفة من أصحابنا عن الإمام أحمد رضى الله عنه في سجدات القرآن هل يجب سجودها أم لا ثلاث روايات ثالثتها نقلها صالح تجب في الصلاة خاصة والله أعلم.
وقال الآمدي العزيمة عبارة عما لزم العباد بإلزام الله تعالى.
وذكر معناه الشيخ أبو محمد في الروضة وهذا يقتضى اختصاصها بالواجب فعلا أو كفا.
وقال القرافي العزيمة طلب الفعل الذي لم يشتهر فيه منع شرعى.
стр. 144
قال وإنما قلت: طلب الفعل ليخرج أكل الطيبات ونحوها الداخل في حد الإمام فخر الدين١ حيث عرف العزيمة بجواز الإقدام مع عدم المانع.
قلت: وعلى قول القرافي تختص بالواجب والمندوب والله أعلم.
والرخصة لغة السهولة وشرعا ما ثبت على خلاف دليل شرعى لمعارض راجح.
وقيل استباحة المحظور مع قيام السبب الحاظر.
وقال الآمدي الرخصة ما شرع لعذر مع قيام السبب المحرم.
وقال القرافي هى جواز الإقدام على الفعل مع اشتهار المانع منه شرعا.
والمعانى متقاربة.
وجعل الغزالى وصاحب الحاصل٢ والبيضاوى في منهاجه الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم وجعلها الإمام والآمدي وابن الحاجب من خطاب الوضع.
إذا تقرر هذا فههنا مسائل تتعلق بالرخصة والعزيمة.
منها: التيمم وأكل الميتة عند الضرورة هل يسميان رخصة أم لا؟
قال ابن عقيل وغيره لا يسميان رخصة لأن كلا منهما عزيمة يتعين فعله في موضعه لا يجوز الإخلال به.
وقال أبو محمد المقدسي تبعا للغزالى أكل الميتة له جهتان فمن حيث إن المضطر لم يكلف بإهلاك جسمه بالجوع بل أبيح له دفعه ضرورة بالمحرم وأسقط عنه العتاب فهو رخصة ومن حيث إنه يجب عليه الأكل ويعاقب على تركه هو عزيمة.
وأما التيمم فقالا إن كان لعدم الماء فليس برخصة بل عزيمة لأن سبب المنع ليس قائما لاستحالة التكليف بالماء عند عدمه فهو كالانتقال إلى
стр. 145
الصوم عند العجز عن الرقبة في الكفارة ليس برخصة بل أوجب الرقبة في حالة والصيام والإطعام في أخرى وإن كان التيمم مع وجود الماء لعذر من مرض أو غيره فهو رخصة لإمكان استعمال الماء حينئذ فإسقاطه عنه رخصة.
قلت: ويلزم الغزالى وأبا محمد أن يقولا التيمم عند وجود الماء رخصة من غير عذر باعتبار الجهتين كما قالا في أكل الميتة عند الضرورة والله أعلم.
ومن العلماء من قال التيمم رخصة بكل حال وقد ورد في حديث عمار فنزلت رخصة التيمم١ يعنى الآية وهذا على قول من يقول إن التيمم لا يرفع الحدث كما هو أصح الروايتين عن أحمد وقال به طوائف من أهل العلم.
وأما من قال إن التيمم يرفع الحدث فإنه يمنع قيام سبب المنع ويقول الحدث عبارة عن المنع وقد زال بخلاف الميتة فإن خبثها ونجاستها لم يزل والله أعلم.
ورأيت في تعاليق بعض شيوخنا أنه ينبنى على أن التيمم رخصة أو عزيمة التيمم بتراب مغصوب وفي سفر المعصية ونحوها.
قلت: وفي بناء التيمم بالتراب المغصوب على ذلك نظر فإنه لا خلاف بين أصحابنا وغيرهم أن الوضوء عزيمة ومع هذا فلو توضأ بماء مغصوب لا يصح وضوءه على الصحيح والله أعلم.
لكن قد يقال إن قلنا هو رخصة يخرج لنا فيه الطريقان في الاستجمار بالحجر المغصوب أحدهما لا يصح جزما والآخر حكمه حكم الوضوء بالماء المغصوب.
стр. 146
ومنها: المسح على الخفين قال أكثر أصحابنا هو رخصة وحكى بعض المتأخرين رواية بأنه عزيمة.
قال والظاهر أن من فوائدها المسح في سفر المعصية وتعيين المسح على لابسه وفيما فاله نظر.
ثم الرخصة تنقسم أقساما.
ومنها: ما هو واجب كأكل الميتة عند الضرورة وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وذكره أبو العباس وفاقا وذكره أبو محمد وجها.
ومنها: من خاف التلف بصومه فإنه يجب عليه الفطر ذكره في الانتصار وعيون المسائل والرعاية وغيرها.
وذكر جماعة في صوم الظهار أنه يجب فطره بمرض مخوف ولو صام أجزأ ولم يفت على خلاف لنا في إجزائه وقال بعض أصحابنا يكره صومه.
ومنها: ما فعله مستحب كقصر الصلاة والفطر في الصوم في السفر على المنصوص عن أحمد وهو الذي عليه جمهور الأصحاب. وفيه وجه الإتمام والصوم أفضل.
ومنها: ما الأفضل عدم فعله كالإكراه على التلفظ بكلمة الكفر فإن الأفضل كما تقدم عدم الفعل والفرق بينها وبين الصوم والفطر مشكل.
وقد اختلف في مسائل بعض الرخص هل الأفضل فعلها أم تركها؟
فمنها: الجمع بين الصلاتين إن قلنا به فهل الأفضل فعله أو تركه في المسألة روايتان أظهرهما الثانى.
ومنها: المسح على الخفين فعن أحمد المسح أفضل نقلها صالح وابن منصور وفي رواية بكر بن محمد من قال إن الغسل أفضل فقد أساء القول قال القاضى لم يرد أحمد المداومة على المسح والله أعلم.
стр. 147
وعنه الغسل أفضل وعنه هما سواء نقلها الحسن بن محمد١ ومهنا وحنبل وزعم بعضهم أنها آخر الأقوال.
قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وفصل الخطاب أن الأفضل في حق كل واحد ما هو الموافق لحال قدمه فالأفضل للابس الخفين أن يمسح عليهما ولا ينزع خفيه والأفضل لمن قدماه مكشوفتان أن يغسلهما ولا يتحرى لبس خفيه ليمسح عليهما كما كان النبى ﷺ يغسل إذا كان قدماه مكشوفتين ويمسح إذا كان لابسا للخفين.
ومنها: تقديم الكفارة بعد اليمين وقبل الحنث فهل الأفضل التقديم أو التأخير إلى ما بعد الحنث أو هما سواء؟
في المسألة ثلاث روايات المذهب أنهما سواء وبنى على كون التقديم رخصة لو كان الحنث في اليمين محرما هل يجوز التقديم أم لا وفي المسألة وجهان.
ومنها: هل الأفضل تعجيل الزكاة إذا كمل النصاب أم لا؟
المنصوص عن أحمد الذي نقله الجماعة لا بأس بالتعجيل وزاد الأثرم هو مثل الكفارة قبل الحنث فظاهره أنهما على حد واحد.
وظاهر كلام الأصحاب أن ترك التعجيل أفضل وقال بعض المتأخرين يتوجه أن تعتبر المصلحة.
ومنها: المتخلى هل الأفضل له استعمال الحجر أو استعمال الماء في المسألة روايتان المذهب الثانى واختار ابن حامد الأول وأنه يكره الاقتصار على الماء.
стр. 148
ومن الرخص ما هو مكروه كالسفر للترخص.
قال صاحب المحرر يكره قصد المساجد للإعادة كالسفر للترخص.
قلت: قصد الإعادة ليس برخصة حتى يقاس عليه قصد السفر للترخص وظاهر كلام صاحب المحرر لا فرق بين الصوم وغيره.
وقد ذكر غيره من الأصحاب لو سافر ليفطر أو يقصر حرما.
قلت: يمكن الفرق بين الصوم وغيره بأن الصوم يلزم منه تأخيره بالكلية وأما القصر والمسح والجمع فإنه يفعل في السفر ولكن على وجه أنقص من الحضر.
تنبيه:
هل الكراهة في السفر مانعة من الترخص ظاهر كلام جمهور الأصحاب أنها مانعة لأنهم قالوا: من سافر سفرا مباحا فله الترخص والمكروه ليس بمباح وصرح بذلك أبو البركات بن منجا١ وكذا ابن عقيل في السفر إلى المشاهد وقال طائفة منهم ابن عقيل في مفرداته٢ مذهبة جواز المسح على العمامة الصماء والظاهر إن لم يكن يقينا أن الأصحاب قد أطلقوا على كراهة أحمد للبسها وإنما رأوا الكراهة لا تمنع الترخص.
وقال أبو العباس في العمامة الصماء أيضا والأقرب أنها كراهة لأنه لا ترتقى إلى التحريم ومثل هذا لا يمنع الترخص لسفر النزهة وإنما يصح الفرق الذي ذكرناه على الثانى دون الأول.
стр. 149
ومن الرخص ما هو مباح كالعرايا١ والمساقاة٢ والمزارعة٣ والكتابة٤ والشفعة٥ وغير ذلك من العقود الثابتة على خلاف القياس هكذا ذكر أصحابنا وغيرهم.
ولكن قال أبو العباس ليس شيء من العقود وغيرها الثابتة المستقر حكمها على خلاف القياس وقرر ذلك بأحسن تقرير وبينه بأحسن بيان ليس هذا موضع ذكر ذلك والله أعلم.
خاتمة:
قد يكون سبب الرخصة اختيار يا كالسفر أو اضطراريا كالاغتصاص باللقمة المبيح لشرب الخمر والله أعلم.
стр. 150
القاعدة ٢٣
تثبت اللغة قياسا عند أكثر أصحابنا.
ونفاه أبو الخطاب وأكثر الحنفية واختاره الآمدي وذكره عن معظم أصحابنا وحكاه القاضى عن أكثر المتكلمين.
وللشافعية قولان واختلفوا في الراجح.
وللنحاة قولان اجتهادا فلا يحسن قول من قال من أثبت مقدم على غيره.
والإجماع على منعه في الأعلام والألقاب ذكره جماعة منهم ابن عقيل لوضعها لغير معنى جامع والقياس إنما يصح حيث فهم المعنى والإجماع على منعه في الصفات لأن العالم من قام به العلم فيجب طرده فإطلاقه بوضع اللغة وكذا مثل إنسان ورجل ورفع الفاعل فلا وجه لجعله دليلا من أصحابنا وغيرهم.
ومحل الخلاف في الاسم الموضوع لمسمى ملتزم لمعنى في محله وجودا وعدما.
وإذا تقرر هذا فذكر طائفة من الأصوليين أن ما ينبنى على هذه القاعدة من الفروع أن اللائط يحد قياسا على الزانى بجامع الإيلاج المحرم وشارب النبيذ يحد قياسا على شارب الخمر بجامع السكر والتخمير ونباش القبور يقطع قياسا على سارق أموال الأحياء بجامع أخذ الأموال خفية ولا نجد عند الحنفية بناء على عدم القياس في اللغة وهذا البناء ليس بناء جيدا بل هو واضح البطلان والله أعلم.
стр. 151
القاعدة ٢٤
من أنواع المجاز إطلاق اسم البعض على الكل وعكسه وفي معناه الأخص مع الأعم.
إذا تقرر هذا فههنا فروع تتعلق بذلك.
منها: إذا قال لزوجته أنت طالق نصف طلقة فإنها تطلق طلقة كاملة جزم بهذا الأصحاب ونص عليه الإمام أحمد رضى الله عنه في رواية صالح والأثرم وأبى الحارث وأبى داود.
واختلف الأصحاب في تعليل ذلك فقال القاضى في الجامع الكبير لأنه لا يخلو إما أن يسرى قوله نصف طلقة على ما يقوله فيحصل طلقة كاملة أو يسقط ذلك فيبنى على قوله أنت طالق فتطلق طلقة فتعليل القاضى الأول هو من باب السراية والثانى هو إيقاع طلقة كاملة بلفظ حقيقى.
وعلله أبو محمد المقدسي في المغنى بأن ذكر ما لا يتبعض في الطلاق ذكر لجميعه وما قاله هو من باب التعبير بالبعض عن الكل.
ولم أر أحدا من الأصحاب اشترط في وقوع الطلاق بذلك النية وهذا فيه نظر لأن التعيير بالبعض عن الكل من صفات المتكلم ويستدعى قصده كذلك المعنى بالضرورة وإلا لم يصح أن يقال عبر به عنه.
وقد يقال إن أراد الزوج المعنى المجازى وقع الطلاق جزما لأن استعمال المجاز جائز بلا خلاف وأن يقصد ذلك فيحمل على المعنى الحقيقى قطعا إلا أنه التزم إيقاع نصف طلقة ولا يتأتى ذلك إلا بوقوع طلقة كاملة
стр. 152
فأوقعناها لأن ذلك من باب التعبير بالبعض عن الكل لا من باب السراية.
فإن قيل إذا قال أنت طالق ثلاثا إلا نصف طلقة طلقت ثلاثا في أصح الوجهين وهو الذي جزم به القاضى في الجامع الكبير وغيره فلم لا قلتم: إن ما وقع بعضه كرفع كله لكونه لا يتجزأ وحينئذ فيقع عليه طلقتان فقط.
قلنا جعلنا ذلك تغليبا للايقاع في المسألتين بسبب البعض الباقى منهما والله أعلم.
ومنها: لو نذر صوم نصف يوم فإنه يلزمه يوم كامل ذكره أبو البركات في المسودة قياس المذهب وفيه من النظر ما ذكرناه اولا في التى قبلها.
ومنها: إذا حلف لا يشرب له الماء من العطش والمنة أو السبب قطع منته حنث بكل ما فيه المنة لأن فيه جهة صحيحة وهى إطلاق اسم البعض وإرادة الكل.
стр. 153
القاعدة ٢٥
إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح فعند أبى حنيفة يحمل على الحقيقة لأصالة الحقيقة وعند أبى يوسف يحمل على المجاز لرجحانه واختار القرافي في شرح التنقيح١ قول أبى يوسف لأن الظهور هو المكلف به.
وفي المحصول والمنتخب عن بعضهم أنها يستويان فلا ينصرف إلى أحدهما إلا بالنية لرجحان كل واحد منهما من وجه.
وأسقط صاحب الحاصل وجزم به الإمام٢ في المعالم ومثل بالطلاق.
فقال إنه حقيقة في اللغة في إزالة القيد سواء كان عن نكاح أو ملك يمين أو غيرهما ثم اختص في العرف بإزالة قيد النكاح فلأجل ذلك إذا قال الرجل لأمته أنت طالق لا تعتق إلا بالنية.
ثم قال فإن قيل فيلزم أن لا ينصرف إلى المجاز الراجح وهو إزالة قيد النكاح إلا بالنية وليس كذلك.
قال فالجواب أنه إن كان الراجح وهو إزالة قيد النكاح فلا كلام وإن
стр. 154
حمل على الحقيقة المرجوحة وهو إزالة مسمى القيد من حيث هو فيلزم زوال النكاح أيضا لحصول مسمى القيد فيه فلا جرم أن أحد الطرفين في هذا المثال مخصوص لم يحتج إلى النية بخلاف الطرف الآخر.
وقد تبع البيضاوى المعالم في اختيار التساوى والتمثيل بالطلاق.
وها هنا فائدة مهمة.
وهى إن لم يحرر محل النزاع وقد حرره الحنفية في كتبهم فإن مرجع هذه المسألة إليهم ونقله عنهم القرافي أيضا فقالوا: المجاز له أقسام.
أحدها: أن يكون مرجوحا لا يفهم إلا بقرينة كالأسد للشجاع فلا إشكال في تقديم الحقيقة وهذا واضح.
الثانى: أن يغلب استعماله حتى يساوى الحقيقة فقد اتفق أبو حنيفة وأبو يوسف على تقديم الحقيقة فلا خلاف أيضا نحو النكاح فإنه يطلق على العقد والوطء إطلاقا متساويا مع أنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر وجعل ابن التلمسانى في شرح المعالم١ هذه الصورة محل النزاع قال لأنه إجمال عارض فلا يتعين إلا بقرينة وذكر في المحصول هذه الصورة في المسألة السابعة من الباب التاسع وجزم بالتساوى.
الثالث: أن يكون راجحا والحقيقة مماتة لا تراد في العرف فقد اتفقا٢ على تقديم المجاز لأنه إما حقيقة شرعية كالصلاة أو عرفية كالدابة ولا خلاف في تقديمها على الحقيقة اللغوية مثاله حلف لا يأكل من هذه النخلة فإنه يحنث بثمرها لا بخشبها وإن كان هو الحقيقة لأنها قد أميتت.
والرابع: أن يكون راجحا والحقيقة تتعاهد في بعض الأوقات فهذا موضوع الخلاف كما لو قال لأشربن من هذا النهر فهو حقيقة في الكرع من النهر بفيه وإذا اعترف بالكوز وشرب فهو مجاز لأنه شرب من الكوز لا من النهر لكنه المجاز الراجح المتبادر إلى الفهم والحقيقة قد تراد لأن كثيرا من
стр. 155
الرعاء وغيرهم يكرع بفيه.
وقال الاصفهانى١ في شرح المحصول محل الخلاف أن يكون المجاز راجحا على الحقيقة بحيث يكون هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق كالمنقول الشرعى والعرفي وورد اللفظ من غير الشرع وغير العرف فأما إذا ورد من أحدهما فإنه يحمل على ما وضعه له.
إذا تقرر هذا فمما يتعلق بالقاعدة.
إذا حلف لا يشرب من دجلة أو من الفرات فمن قدم المجاز الراجح يقول يحنث باغترافه منه بإناء ونحوه وشربه منه وهذا قول أصحابنا وقول أبى يوسف.
ومن قال تقدم الحقيقة المرجوحة قال لا يحنث إلا بأن يكرع منه وهذا قول أبى حنيفة والله أعلم.
стр. 156
القاعدة ٢٦
إذا لم ينتظم الكلام إلا بارتكاب مجاز الزيادة أو النقصان فمجاز النقصان أولى لأن الحذف في كلام العرب أكثر من الزيادة هكذا ذكر جماعة الأصوليين.
إذا تقرر هذا فمن فروع القاعدة.
إذا قال الزوج لزوجتيه إن حضتما حيضة فأنتما طالقتان ولا شك في استحالة اشتراكهما في الحيضة وتصحيح الكلام هنا إما بدعوى الزيادة وهو قوله حيضة وإما بدعوى الإضمار وتقديره إن حاضت كل واحدة منكما حيضة وفي المسألة لأصحابنا أربعة أوجه.
أحدها: سلوك الزيادة ويصير التقدير إن حضتما فأنتما طالقتان فإذا طعنتا في الحيض طلقتا وهذا قول القاضى أبى يعلى.
والثانى: سلوك النقص وهو الإضمار فلا تطلق واحدة منهما حتى تحيض كل واحدة منهما حيضة واحدة ويكون التقدير إن حاضت كل واحدة منكما حيضة واحدة فأنتما طالقتان نظيره قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] أى اجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة وهذا اختيار صاحب المغنى وهو موافق للقاعدة.
والثالث: تطلقان بحيضة من إحداهما لأنه لما تعذر وجود الفعل منهما وجبت إضافته إلى أحداهما كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢٢] وإنما يخرج من أحدهما.
стр. 157
والرابع: لا تطلقان بحال بناء على أنه لا يقع الطلاق المعلق على المستحيل والله أعلم.
стр. 158
القاعدة ٢٧
إذا تعارض المجاز والإضمار قال صاحب المحصول فيه وفي المنتخب هما سواء فيكون اللفظ مجملا حتى لا يترجح أحدهما على الآخر إلا بدليل لاشتراكهما في الاحتياج إلى القرينة وفي احتمال خفائهما وذلك لأن كلا منهما يحتاج إلى قرينة تمنع المخاطب عن فهم الظاهر.
وجزم أبو المعالى بأن المجاز أولى لكثرته لكنه ذكر بعد ذلك في تعليل المسألة العاشرة أنهما سواء.
إذا تقرر هذا فمن فروع القاعدة.
إذا قال لعبده الذي هو أكبر منه أنت ابنى فهل نعتقه عليه ظاهرا لأنه يحتمل أن يكون قد عبر بالنبوة عن العتق فيحكم بعتقه ويحتمل أن يكون فيه إضمار تقديره مثل ابنى في الحنو وفي غيره فلا يعتق.
وللأصحاب في المسألة خلاف ولا رواية فيها عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى قاله أبو الخطاب.
والذي ذكره القاضى وأصحابه أنه لا يعتق وأبدى أبو الخطاب احتمالا بالعتق وتبعه عليه صاحب المغنى والمحرر.
وعلى الأول إن أمكن أن يكون ابنه لكن له نسب معروف فهل بعتق عليه بذلك في المسألة وجهان عدم العتق ذكره أبو الخطاب في انتصاره احتمالا.
والعتق ذكره القاضى في خلافه وابنه أبو الحسين والآمدي وهذا الكلام جميعه مع إطلاق اللفظ.
أما إن نوى بهذه اللفظة الحرية فينبغى عتقه بهذه النية مع هذا اللفظ قاله
стр. 159
شيخنا أبو الفرج في تعليقه على المحرر.
قال ثم رأيت أبا حكيم١ وجه القول بالعتق قال لجواز كونه كناية في العتق كما لو قال لامرأته أنت أمى أو أختى يريد به الظهار وكذلك إذا أراد بقوله أنت ابنى لابن مثله في الحرية والله أعلم.
وأما إذا قال لزوجته وهى أكبر منه هذه ابنتى فإنها لا تطلق بذلك ولم أر في ذلك خلافا.
وفرق على قول بينها وبين مسألة العبد أن الزوج لا يملك إنشاء التحريم فلذلك لم يفرق بينهما وفي مسألة العتق يملك إنشاء العتق فيعتق عليه.
وهذا الفرق فيه نظر فإن قولهم يملك إنشاء العتق صحيح لكنه لم ينشىء هنا عتقا فلا يعتق عليه ثم إنه يمكنه تحريم الزوجة بالظهار فهلا كان ذلك ظهارا ولكنه إنشاء الطلاق المحرم.
وبنى الطوفي هذه المسألة على قاعدة أخرى وهى أنه هل يشترط لأعمال المجاز حقيقة أم لا فيشترط عندنا وهو قول الشافعية فلا يعتق وعند أبى حنيفة لا يشترط فيعتق.
стр. 160
القاعدة ٢٨
إطلاق المشتق كاسم الفاعل واسم المفعول باعتبار الحال حقيقة بلا نزاع.
هكذا ذكر غير واحد.
وظاهره أنه حين الشروع في الفعل يسمى فاعلا حقيقة قبل وجود ما يتناوله مطلق الاسم المشتق منه لحين القبول والإيجاب بالنسبة إلى المتبايعين.
ولكن قال أبو الطيب لا يسمى فاعلا إلا مجازا وكذلك قال القاضى أبو يعلى وإطلاقه باعتبار المستقبل مجاز ادعى بعضهم الإجماع.
وقال أبو العباس وهذا غلط بل هو نوعان.
أحدهما: أن يراد الصفة لا الفعل كقولهم سيف قطوع وماء مرو وخبز نقيع فقيل هذا مجاز وقال القاضى بل هو حقيقة لأن المجاز هو الذي يصح نفيه كأب الأب يسمى أبا مجازا لأنه يصح نفيه فيقال ليس بأب إنما هو جد ومعلوم أنه لا يصح أن ينفي عن السيف الذي يقطع القطع فيقال إنه ليس بقطوع ولا عن الخبز الكثير والماء الكثير إنه غير نقيع وغير مرو فعلم أن ذلك حقيقة.
والثانى: أن يراد الفعل الذي يحدث وجوده في المستقبل وأن لا يتغير الفاعل بفعله كأفعال الله واشتهر عند أصحابنا وجمهور أهل السنة أن الله سبحانه موصوف في الأزل بالخالق والرازق حقيقة قال أحمد لم يزل الله متكلما غفورا رحيما انتهى.
стр. 161
وإن كان باعتبار الماضى ففي المسألة مذاهب أصحها عند الإمام فخر الدين وأتباعه أنه مجاز سواء أمكن مقارنته له كالضرب ونحوه أو لم يمكن كالكلام.
والثانى: أنه حقيقة مطلقا وهو مذهب أبى هاشم وأبى على وابن سينا.
والثالث: التفصيل بين الممكن وغيره وتوقف الآمدي وابن الحاجب فلم يصححا شيئا.
والرابع: قول أبى الخطاب قاله في مسألة خيار المجلس وهو الفرق بين ما يعدم عقب وجود مسماه كالبيع والنكاح والاغتسال والتوضى فإن الاسم يقع عليه بعد ذلك حقيقة وما يتعذر وجود المسمى جميعه كان الاسم مجازا.
والخامس قول أبى الطيب الطبرى حكاه عنه القاضى أبو يعلى أن هذه الأسماء عنده حقيقة عقب وجود المعنى المشتق منه بخلاف ما إذا طال الزمان.
إذا تقرر هذا فحاصل ما ذكره الإمام والآمدي وغيرهما وصرح به التبريزى١ في اختصار المحصول.
أن محل الخلاف فيما إذا لم يطرأ على المحل وصف وجودى يناقض المعنى الأول كالسواد مع البياض والقيام مع القعود فإنه يكون مجازا اتفاقا وهذا كله إذا كان المشتق محكوما به كقولك زيد مشرك أو قاتل أو متكلم.
فإن كان محكوما عليه كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] ونحوه فإنه حقيقة مطلقا سواء كان للحال أم لم يكن إجماعا ذكره القرافي.
قال وإلا لتعذر علينا الاستدلال بهذه الآيات لأنه ما من نص يستدل به إلا وللمخالف أن يقول هذا إنما يتناول من كان موجودا حالة نزول الآية وأما من كان غير موجود فلا يتناوله إلا بطريق المجاز والأصل عدم التجوز إلى هذه الصورة فيحتاج كل دليل إلى دليل آخر من إجماع أو نص يستدل به على التجوز إلى هذه
стр. 162
الصورة وهو خلاف ما عليه الناس بل كل لفظ من هذه الألفاظ يتم الاستدلال به من جهة اللغة فقط انتهى.
وأما الاستدلال بالمجاز الذي ثبتت صحة التجوز به فقد صرح القاضى أبو يعلى من أصحابنا بصحة الاحتجاج به قال والدلالة عليه أن المجاز يفيد معنى من طريق الوضع كما أن الحقيقة تفيد معنى من طريق الوضع ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] فإنه يفيد المعنى وإن كان مجازا وكذلك قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ*إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢, ٢٣] ومعلوم أنه أراد عين الوجوه لا تنظر وقد احتج الإمام أحمد بهذه الآية في حصول النظر إلى وجه الله يوم القيامة في رواية المروذى والفضل بن زياد وأبى الحارث.
وأيضا فإن المجاز قد يكون أسبق إلى القلب كقول الرجل لزيد على درهم فإنه مجاز وهو أسبق إلى الفهم من قوله يلزمنى لزيد درهم وإذا كان يقع بالمجاز أكثر ما يقع بالحقيقة صح الاحتجاج به.
إذا تقرر هذا فههنا فرعان يتعلقان باسم الفاعل.
أحدهما إذا قال الكافر أنا مؤمن أو مسلم فإنه يحكم بإسلامه نقله أبو طالب عن أحمد وقاله القاضى أبو يعلى وأبدى احتمالا آخر أن هذا في الكافر الأصلى وفيمن جحد الوحدانية أما من كفر بجحد نبى أو كتاب أو فريضة أو نحو هذا فإنه لا يصير مسلما بذلك لأنه ربما اعتقد أن الإسلام ما هو عليه فإن أهل البدع كلهم يعتقدون أنهم هم المسلمون ومنهم من هو كافر فإن جعلنا اسم الفاعل حقيقة في الحال كان مسلما وإلا فلا لأنه لو قال أنا مسلم بعد ساعة أو يوم لم يحكم بإسلامه وظاهر كلام أحمد والقاضى إن قال أنا مسلم ولا أنطق بالشهادة أنه يكون كما لو تلفظ بالشهادتين وقال لا أتلفظ بهما بعد ذلك.
ولكن قد قال القاضى أبو يعلى الصغير في مفرداته في مسألة ترك الصلاة لا خلاف أن الكافر إذا قال أنا مسلم ولا أنطق بالشهادة أنه يقبل منه.
стр. 163
ولا يحكم بإسلامه وهذا على قولنا فإن اسم الفاعل يكون مجازا والله أعلم.
الفرع الثانى إذا قال المدعى عليه أنا مقر بما يدعيه فإنه يكون إقرارا جزم به الأصحاب بخلاف ما لو قال أنا مقر ولم يقل بما يدعيه فإنه لا يكون إقرارا على أشهر الوجهين لاحتمال أنه يريد الإقرار بأنه لا شىء عليه.
والوجه الثانى حكاه المجد١ وغيره واختاره أبو العباس أنه يكون إقرارا لأن المعقول ما في الدعوى كما فيما إذا قال الزوج في عقد النكاح قبلت ولم يقل نكاحها فإنه ينعقد على المنصوص عن الإمام أحمد وهو الصحيح عند الأصحاب.
وهنا قاعدة من جنس قاعدة المشتق من معنى بعد زوال ذلك المعنى وهى المضاف بعد زوال موجب الإضافة كقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] وقوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] وقوله ﷺ : "أيما رجل وجد ماله عند رجل قد أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه" ٢ قال بعض الحنفية: صاحب المتاع هو المشترى وقال القاضى وغيره معناه الذي كان صاحب المتاع.
قلت: والدليل على ذلك ما روى مالك وأبو داود مرسلا أن النبى ﷺ : "قال فإن مات المشترى فصاحب المتاع أسوة الغرماء" ٣ وقد أسند هذا اللفظ من وجه غير قوى والله أعلم.
قال القاضى وهذا مجاز مستعمل يجرى مجرى الحقيقة وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] ومعناه التى كانت
стр. 164
أرضهم وقال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] وإنما كن أزواجنا ومنه قولهم درب فلان وقطيعة فلان ونهر فلان.
قال أبو البركات والصواب أن هذا حقيقة لأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة لكن قد يكون عند الإطلاق له معنى وعند الاقتران بلفظ آخر له معنى فرجع إلى أن القرينة اللفظية الدالة بالوضع هل يكون ما اقترن بها دلالة بالحقيقة أو المجاز قال والصواب المقطوع به أنه حقيقة وإن كان قد قال طائفة من أصحابنا وغيرهم إنه مجاز والله أعلم.
стр. 165
القاعدة ٢٩
في تفسير حروف تشتد حاجة الفقهاء إلى معرفتها.
منها: الواو العاطفة هل تفيد الترتيب أم لا؟
في ذلك مذاهب.
أحدها: وهو الذي عليه جمهور النحاة والفقهاء أنها لا تدل على ترتيب ولا معية قال في التسهيل١ لكن احتمال تأخر المعطوف كثير وتقدمه قليل والمعية احتمال راجح.
وما ذكره مخالف لكلام سيبويه وغيره فإن سيبويه٢ قال وذلك قولك مررت برجل وحمار وكأنك قلت: مررت بهما وليس في هذا دليل على أنه بدأ بشىء قبل شىء ولا بشىء مع شىء هذا كلامه.
وهذا القول يعبر عنه بأنها لمطلق الجمع ولا يصح التعبير بأنها للجمع المطلق لأن المطلق هو الذي لم يقيد بشىء فيدخل فيه صورة واحدة وهى قولنا مثلا قام زيد وعمرو ولا يدخل فيها القيد بالمعية ولا بالتقديم ولا بالتأخير لخروجها بالتقييد عن الإطلاق وأما مطلق الجمع فمعناه أى جمع كان وحينئذ فيدخل فيه الأربعة المذكورة والله أعلم.
والمذهب الثانى: أنها تدل على المعية ونقله إمام الحرمين عن الحنفية
стр. 166
وكلام أصحابنا يدل عليه.
والمذهب الثالث: أنها تدل على الترتيب وممن قال ذلك من أصحابنا عن الإمام أحمد ابن أبى موسى في الإرشاد وأبو محمد الحلوانى وغيرهما حتى إن الحلوانى لم يحك خلافا عن أصحابنا إلا أنه قال تقتضى أصولها أنها للجمع.
ونقل هذا المذهب صاحب التتمة١ من الشافعية عن بعض أصحابهم وتابع الماوردى٢ في الوضوء من الحاوى فنقله عن الأخفش٣ وجمهور الشافعية واختاره الشيخ أبو إسحاق٤ في التبصرة نقل هذا المذهب أيضا قطرب٥ عن طائفة من النحاة منهم ابن درستويه٦ وثعلب٧ وأبو عمرو
стр. 167
الزاهد١ وابن جنى٢ وابن برهان الربعى٣.
وأنكر ابن الأنبارى٤ المتأخر هذا النقل عن جميع من ذكر عن النحاة وزعم أن كتبهم تنطق بخلاف ذلك وقال لم نر هذا النقل عنهم إلا في بعض التعاليق الخلافية الفقهية لا في كتب أهل اللغة والعربية.
ويدل على ما ذكره أن أبا على الفارسى٥ نقل إجماع نحاة أهل الكوفة والبصرة على أن الواو العاطفة لمطلق الجمع وكذلك قال الشيرازى أحمع نحاة أهل البصرة والكوفة على أن الواو لا تقتضى تقديم شىء ولا تأخير شىء ولم يصح عنهم في ذلك شىء إلا ما نقل عن الربعى في شرح كتاب الجرمى٦ أنه نقل عن الشافعى أنها للترتيب قال فلقوله وجه.
قال ابن الأنبارى ولا يصح عن الشافعى ذلك وانها أخذ من قوله في الوضوء والترتيب فيه من القراءتين قال وقد نص الشافعى على ما إذا وقف على ولده وولد ولده بالاشتراك.
والمذهب الرابع قاله أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا أن الواو العاطفة إن كان كل واحد من معطوفاتها مرتبطا بالآخر وتتوقف صحته على صحته أفادت الترتيب بين معطوفاتها كقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾
стр. 168
[الحج: ٧٧] وقوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] وكآية الوضوء وإن لم تتوقف صحة بعض معطوفاتها على بعض لم تدل على الترتيب كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقد أومأ الإمام أحمد إلى هذا أيضا.
المذهب الخامس ونقل عن الفراء١ أن الواو للترتيب إذا تعذر الجمع والله أعلم.
إذا تقرر هذا فههنا فروع تتعلق بذلك.
منها: إذا قال لزوجته إن قمت وقعدت فأنت طالق فلا يقع الطلاق إلا بالقيام والقعود ولا يكفي أحدهما على الصحيح من الروايتين ولا فرق بين أن يتقدم أحدهما على الآخر أم لا هكذا ذكر من وقفت على كلامه من الأصحاب بناء على القاعدة أن الواو لمطلق الجمع.
ويتخرج لنا قول آخر أنها لا تطلق حتى ثم تقوم وتقعد كالفاء وثم على قولنا إنها للترتيب.
ومنها: إذا قال لزوجته التى لم يدخل بها أنت طالق وطالق وطالق طلقت ثلاثا بناء على القاعدة أنها لمطلق الجمع هذا هو أصح الروايتين عن أحمد ونص عليه في رواية صالح والأثرم وغيرهما وهو المذهب عند الأصحاب.
وعن أحمد تبين بالأولى قال ابن أبى موسى بناء على أن الواو للترتيب وفي بناء ابن أبى موسى نظر بل الأولى في تعليل أنها تبين بالأولى لأنه إنشاء والإنشاءات يترتب معناها على ثبوت لفظها.
ولو علق طلاق زوجته التى لم يدخل بها على شرط كقوله إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق فدخلت طلقت ثلاثا جزم به الشيخ أبو محمد
стр. 169
المقدسي وغيره وسواء قدم الشرط أو أخره جزم به أبو البركات.
ومنها: لو وقف على أولاده وأولاد أولاده وأولاد أولاد أولاده فإنه يكون مشتركا بين البطون كلها بناء على القاعدة.
وقال الأصحاب إن رتب أولا ثم شرك ثانيا بالواو اتبع شرطه.
وقال أبو العباس حرف الواو نحوا لا يقتضى الترتيب فلا ينفيه لكن هى ساكتة عنه نفيا وإثباتا ولكن تدل على التشريك وهو الجمع المطلق فإن كان في الوقف ما يدل على الترتيب مثل أن رتب أولا ثم شرك ثانيا عمل به ولم يكن ذلك منافيا لمقتضى الواو ولم أر لأصحابنا خلافا إذا عطف بالواو وحدها.
فإن قلت: فقد اختار صاحب المغنى أنه إذا وقف على أولاده وأولاد أولاده ما تعاقبوا على أن من مات منهم عن ولد فنصيبه لولده أن هذا يدل على الترتيب. قلت: إنما اختار هذا لقرينة غير الواو وهى أن التشريك يقتضى التسوية ومشاركته تؤدى إلى التفضيل حيث يجمع بين الشركة والنصيب لكن يتخرج لنا قول آخر بالترتيب بناء على أن الواو للترتيب.
ومنها: ما قاله بعضهم إن وجوب الترتيب في الوضوء والبداءة بالصفا بناء على أن الواو للترتيب وليس بناء جيدا لأن المذهب الصحيح أنها ليست للترتيب والمذهب الصحيح وجوب الترتيب والبداءة بالصفا وإنما ثبت هذا بأدلة غير الواو.
ومنها: إذا قال أنت طالق وطالق وطالق إلا واحدة فهل تطلق ثلاثا أو اثنتين في المسألة وجهان والذي جزم به القاضى في الجامع الكبير أنها تطلق اثنتين بناء على القاعدة والذي صححه صاحب المغنى ليس مجازا على قواعد المذهب.
وإن قال أنت طالق اثنتين واثنتين إلا اثنتين وقعت الثلاث جزم به القاضى في الجامع الكبير وعلله القاضى بأن الاستثناء رجع إلى ما يملكه من العدد وهو يملك ثلاثا وقد أوقع أربعا فلغت واحدة وبقى ثلاث وقد استثنى منها اثنتين واستثناء الأكثر لا يصح.
стр. 170
وهذا الذي قدمه صاحب المغنى وعلله بأنه إن عاد إلى الجملة التى تليه فهو رفع لجميعها وإن عاد إلى الثلاث التى يملكها فهو رفع لأكثرها وكلاهما لا يصح.
وأبدى احتمالا آخر أنه يصح بناء على أن العطف يجعل الجملتين جملة واحدة وأن استثناء النصف يصح فكأنه قال أربعا إلا اثنتين.
وما قاله القاضى من الاستثناء يرجع إلى ما يملكه فهو أحد الوجهين لأصحابنا والثانى إلى ما لفظ به.
وإن قال اثنتين واثنتين إلا واحدة فالذي جزم به القاضى في الجامع أنها تطلق اثنتين بناء على قاعدته وقاعدة المذهب أن الاستثناء يرجع إلى ما يملكه وأن العطف بالواو يصير الجملتين جملة واحدة.
وأبدى صاحب المغنى احتمالين أحدهما هذا والثانى لا يصح قال لأنه إن عاد إلى الرابعة فقد بقى بعدها ثلاث وإن عاد إلى الواحدة الباقية من الاثنتين فهو استثناء الجميع.
وما قاله رحمه الله تعالى في توجيه الاحتمال الثانى فيه نظر.
وإن فرق بين المستثنى والمستثنى منه فقال أنت طالق واحدة وواحدة إلا واحدة وواحدة وواحدة قال صاحب الترغيب وقعت الثلاث على الوجهين جميعا يعنى الوجهين المذكورين في صدر المسألة.
ومنها: إذا قال لزوجاته الأربع أوقعت بينكن أو عليكن ثلاث طلقات فهل يقع بكل واحدة طلقة أو ثلاث في المسألة روايتان عن الإمام أحمد ولزوم الثلاث اختيار أبى بكر والقاضى والواحدة اختيار المقدسي وأبى الخطاب وغيرهما.
فإن قال أوقعت بينكن أو عليكن طلقة وطلقة وطلقة فطريقان للأصحاب أحدهما يقع بكل واحدة ثلاث على الروايتين وهو طريق صاحب الترغيب وقدمه صاحب المحرر.
وقال في المغنى تطلق كل واحدة ثلاثا لأنه لما عطف وجب قسم كل
стр. 171
طلقة على حدتها قال ويستوى في ذلك المدخول بها وغيرها في قياس المذهب وفيما قاله رحمه الله تعالى نظر ظاهر.
والطريق الثانى حكمها حكم ما لو قال بينكن أو عليكن ثلاثا وهذا الطريق أقرب إلى قاعدة المذهب.
ومنها: إذا قالت له زوجته التى لم يدخل بها طلقنى بألف فقال أنت طالق وطالق وطالق قال القاضى في المجرد تطلق ههنا واحدة.
وما قاله في المجرد بعيد على قاعدة المذهب وخالفه في الجامع الكبير فقال تطلق ههنا ثلاثا بناء على قاعدة المذهب أن الواو لمطلق الجمع ثم تناقض فذكر في نظيرها أنها تطلق واحدة.
ومن الأصحاب من وافقه في بعض الصور وخالفه في بعضها ومنهم من قال كما قاله في ذلك فهو سهو على المذهب.
ولا فرق عندنا بين قوله أنت طالق ثلاثا وبين قوله طالق وطالق وطالق وهو طريق صاحب المحرر في تعليقه على الهداية١.
ومنها: إذا كان للمريض عبدان كل منهما ثلث ماله فقال أعتقت هذا وهذا ولم يجز الورثة فهذه المسألة لم أرها منقولة فيما وقفت عليه من فروع أصحابنا فيحتمل أن يقال فيها يعتق أحدهما بالقرعة كما لو قال أعتقت هذين بناء على القاعدة ويحتمل أن يعتق من ابتدأ بعتقه أولا لقرينة ابتداء الموصى به لدلالة الابتداء على الأهلية والله أعلم.
والتزم الطوفي أنه يعتق مقدار الثلث منهما.
وما قاله بعيد جدا على المذهب لاتفاق الأصحاب فيما علمت أنه إذا أعتق عبدين لا يملك غيرهما ولم يجز الورثة فإنا نعتق أحدهما بالقرعة إن خرج من الثلث ونكمل الثلث من الآخر والإ عتق منه بقدره.
لكن قال أبو بكر وابن أبى موسى إذا شهدت بينة على ميت أنه أوصى بعتق سالم وهو ثلث ماله وشهدت أخرى أنه أوصى بعتق غانم وهو ثلث
стр. 172
ماله أنه يعتق من كل واحد نصفه بغير قرعة.
وما قاله بعيد على المذهب جدا ولم أر أحدا من الأصحاب خرج قولهما إلى مسألة تنجيز العتق فحينئذ لم يقل أحد من الأصحاب بما التزم الطوفي.
ومنها: إذا قال له على درهم ودرهم إلا درهما أو له على درهمان وثلاث إلا درهمين فهل يصح الاستثناء؟
على وجهين صحح جماعة أن الاستثناء. لا يصح وما قالوه ليس بصحيح على قاعدة المذهب بل على قاعدة تقتضي صحة الاستثناء.
ومنها: إذا قال الزوج لزوجته أنت طالق ثلاثا وثلاثا إن شاء زيد طلقت ثلاثا ولا يكون استثناء ذكره القاضى في الجامع الكبير لأن الثلاث الأخرى لا يملكها فقد فصل بين الاستثناء وبين الطلاق بكلام حشو.
قلت: وقاعدة المذهب تقتضى أن الطلاق موقوف على مشيئة زيد كما لو قال أنت طالق ثلاثا إن شاء زيد والله أعلم.
стр. 173
القاعدة ٣٠
الفاء تقتضى تشريك ما بعدها لما قبلها في حكمه واتفق الجمهور على أنها تدل على الترتيب بلا مهلة ويعبر عنه بالتعقيب كأن الثانى أخذ بعقب الأول.
وقال الإمام فخر الدين التعقيب بحسب الإمكان احترازا من قولهم دخلت بغداد فالبصرة فإذا كان بينهما ثلاثة أيام فدخل بعد الثلاث فهذا تعقيب عادة أو بعد خمسة أو أربعة فليس بتعقيب.
وقال الفراء يجوز أن يكون ما بعدها سابقا.
وقال الجرمى إن دخلت على الأماكن والمطر فلا تفيد الترتيب تقول نزلنا نجدا فتهامة ونزل المطر نجدا فتهامة وإن كانت تهامة في هذا سابقة.
إذا تقرر هذا فمما يتعلق بالقاعدة من الفروع.
إذا قال لزوجته إن قمت فقعدت فأنت طالق لم تطلق إلا بهما مرتين كما ذكر جزم به جمهور الأصحاب.
وذكر بعض المتأخرين أن بعض الأصحاب حكى رواية أن الفاء وثم كالواو في هذه المسألة فحينئذ يقع الطلاق بالشرطين كيف وجد على هذه الرواية.
ويتخرج لنا رواية أنها تطلق بوجود أحدهما ولو قلنا بالترتيب بناء على أن الطلاق إذا كان معلقا على شرطين أنها تطلق بوجود أحدهما.
стр. 174
ومنها: إذا قال لزوجته قبل الدخول أنت طالق فطالق فإنها تطلق بالأولى ولا يلحقها ما بعدها سواء في ذلك التعليق والتنجيز جزم به الأصحاب والله أعلم.
стр. 175
القاعدة ٣١
ثم من حروف العطف ويجوز إبدال ثائها فاء وأن تلحق آخرها تاء التأنيب متحركة تارة وساكنة إخرى وهى تفيد الترتيب ولكن بمهلة ذكره ابن عقيل وكثير من أصحابنا وغيرهم وتفيد التشريك في الحكم على قول الأكثر.
وزعم الأخفش والكوفيون أنه قد يتخلف حملوا عليه قوله تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٨] .
وقيل تستعمل للترتيب أيضا بلا مهلة كالفاء.
وقال الفراء والأخفش وقطرب إنها لا تدل على الترتيب بالكلية.
وذهب أبو عاصم العبادى من الشافعية إلى أنها لا تدل على الترتيب ذكره عنه القاضى الحسين من الشافعية في فتاويه تمسكا بقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦] وبقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ*ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِين*ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٧, ٩] وبقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ*ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٣, ١٥٤] وبقول الشاعر:
إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم ساد قبل ذلك جده
стр. 176
وأجيب عن الآيات وقول الشاعر بأجوبة ذكرها ابن هشام١ في مغنى اللبيب ليس هذا موضع ذكرها والله أعلم.
إذا تقرر هذا فمن الفروع التى تتعلق بالقاعدة.
إذذا قال لزوجته إن قمت ثم قعدت فأنت طالق لم تطلق إلا بهما مرتين.
وقد تقدم أن بعض الأصحاب حكى رواية أنها كالواو وتقدم التفريغ عليها في قاعدة الفاء بما يغنى عن إعادته هنا.
ومنها: في الوقف إذا وقف على أولاده ثم على أولاد أولاده ثم على المساكين فينتقل الوقف إلى الموقوف عليهم مرتبا فلا يستحق أحد شيئا من البطن الثانى مع وجود أحد من البطن الأول جزم به الأصحاب.
ومنها: إذا قال لزوجته التى لم يدخل بها إن دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق فدخلت طلقت واحدة فبانت بها ولم يقع غيره ذكرها صاحب المغنى وغيره.
وحكى صاحب المغنى عن القاضى أنه قال تطلق واحدة في الحال فتبين بها والذي قاله القاضى في الجامع وذكره عنه أبو البركات أنه إن أخر الشرط طلقت طلقة ولغا ما بعدها وإذا قدم الشرط طلقت الثانية ولغت الثالثة وتعليق الأولى بحاله.
وإن كانت مدخولا بها لم تطلق حتى تدخل فتطلق ثلاثا ذكره صاحب المغنى وغيره وقال القاضى تطلق طلقتين في الحال وتقف طلقة على الشرط.
стр. 177
القاعدة ٣٢
إنما بالكسر تفيد الحصر.
واختار الآمدي أنها لا تفيده بل تفيد تأكيد الإثبات ونقله أبو حيان١ في شرح التسهيل عن البصريين وهو قول جمهور النحاة وابن الحاجب لم يصحح شيئا.
وإذا قلنا إنها تفيد الحصر فهل تفيد بالمنطوق أو بالمفهوم؟
فيه مذهبان حكاهما ابن الحاجب والرويانى٢ الشافعى واختار ابن المنى وغيره من أصحابنا أنها تفيد مطلقا واختار القاضى وابن عقيل والحلوانى ومن الشافعية الشيخ أبو إسحاق الشيرازى والغزالى وألكيا الهراسي٣ وطائفة من المتأخرين أنها تفيدهما.
стр. 178
وأما أنما بالفتح فقال ابن هشام الأصح أن حرف أن فيها فرع إن المكسورة ومن هنا صح أن الزمخشرى١ يدعى أن أنما بالفتح تفيد الحصر كإنما وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] وقول أبى حيان هذا شىء انفرد به ولا يعرف القول بذلك إلا في إنما المكسورة مردود بما ذكرت.
وقوله إن دعوى الحصر هنا باطلة لاقتضائها أنه لم يوح إليه غير التوحيد مردود أيضا بأنه حصر مفيد إذ الخطاب مع المشركين فالمعنى ما أوحى إلى في أمر الربوبية إلا التوحيد لا الإشراك وإلا فما الذي يقوله في نحو ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] .
стр. 179
القاعدة ٣٣
الباء للإلصاق سواء دخلت على فعل لازم أو متعد عند جمهور أهل اللغة.
وقال بعضهم الباء للتبعيض.
وقال ابن كيسان١ وبعض الشافعية إذا دخلت على متعد اقتضت التبعيض كقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] صونا للكلام عن العبث.
وفرع بعضهم على هذا الخلاف الخلاف في استيعاب مسح الرأس بالماء في الوضوء.
وفرع بعضهم مسح البعض على أن ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] مجمل والقدر المشترك ما يقع عليه الاسم فكان المتحقق.
وفرعه بعضهم على أن الأمر بالفعل هل يكتفي في امتثاله بالإتيان بما يقع عليه اسم ذلك أم لا وكل هذه التفاريع ضعيفة.
أما الأول فقد أنكر حذاق أهل العربية ورودها للتبعيض.
قال أبو بكر عبد العزيز سألت ابن دريد٢ وابن عرفة٣ عن الباء تبعض؟
стр. 180
فقالا لا نعرف في اللغة الباء تبعض وكذلك قال ابن جنى وابن برهان وغيرهما.
فإن قلت: إنكار ابن جنى وغيره شهادة على نفي غير محصور فلا تسمع.
قلت: هذا ممنوع فإن العالم بفن أدلة علميته الفحص والتحقيق قيل منه النفي والله أعلم.
وذكر سيبويه أنها للإلصاق ولم يذكر سواه ولكن أثبت قوم أنها للتبعيض منهم الأصمعى١ والقتيبى٢ والفارسى في التذكرة وقال بعضهم به من المتأخرين ابن مالك والأظهر حمل قول من قال إنها للتبعيض على أنه مجاز ومن قال إنها للإلصاق على أنه حقيقة كما قال غير واحد من أئمة العربية الباء أصلها للالصاق.
وأما قول من قال إذا دخلت على متعد اقتضت التبعيض صونا للكلام عن العبث وهذا قاله في المغانم.
فجوابه قد تكون في الفعل المتعدى زائدة للتأكيد كقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أى تنبت الدهن وكقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] أى أيديكم ويدل على أنها زائدة في الآية عدم اقتصار النبى ﷺ في الأحاديث الصحيحة على مسح بعض رأسه.
وقال بعضهم الباء في ﴿برءوسكم﴾ للاستعانة وإن في الكلام حذفا وقلبا فإن مسح يتعدى إلى المزال عنه بنفسه وإلى المزيل بالباء فالأصل امسحوا رءوسكم بالماء ذكره ابن هشام.