← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8526

القواعد والفوائد الأصولية وما يتبعها من الأحكام الفرعية

ابن اللحام

Полный текст (380 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قلت: وهذا يقتضى أن يسمى أمرا حقيقة وهذا ينبغى إذا ثبت التأسى بفعله ﷺ . ومنها: إذا قلنا إطلاق الأمر يقتضى الوجوب إلا أن تصرفه قرينة فإطلاق التوعد لفعل ما توعد عليه أو إطلاق الوجوب أو الفرض هل يكون ذذلك نصا في الوجوب لا يقبل التأويل أم لا. قال القاضى لا يكون نصا في الوجوب بل يقبل التأويل ذكره في الثلاثة. والذي رأيت ابن عقيل ذكره أنه لا يكون نصا في الوجوب هو إطلاق القواعد خاصة ولم أر له كلاما في إطلاق الوجوب أو إطلاق الفرض. واختار أبو البركات إطلاق القواعد وإطلاق الفرض أو الوجوب نص في الوجوب لا يقبل التأويل وهو أظهر إذ يمتنع وجود خاصة الشىء بدون ثبوته والله أعلم. ومنها: ما قاله في المسودة إذا صرف الأمر عن الوجوب جاز أن يحتج به على الندب أو الإباحة وهو قول بعض الحنفية وبعض الشافعية ومنهم الرازى. وبعضهم قال لا يحتج به كذا حكاه القاضى أبو يعلى وكذلك اختاره ابن برهان ولفظة الأمر إذا دلت على وجوب فعل ثم نسخ وجوبه لا تبقى دليلا على الجواز بل يرجع إلى ما كان عليه خلافا للحنفية وكذلك اختاره أبو الطيب الطبرى ولفظه إذا صرف الأمر عن الوجوب لم يجز أن يحتج به على الجواز قال لأن اللفظ موضوع لإفادة الوجوب دون الجواز وإنما الجواز تبع للوجوب إذ لا يجوز أن يكون واجبا ولا يجوز فعله فإذا سقط الوجوب سقط التابع له وهذا الذي ذكره أبو محمد التميمى من أصحابنا. وذكر أبو الخطاب أن هذه المسألة من فوائد الأمر هل هو حقيقة في الندب فيجىء فيها الوجهان لنا وكذلك ذكر في مسألة الأمر بعد الحظر. ومنها: إذا كان المأمور به بعضه واجبا وبعضه مستحبا كقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] وقوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا

стр. 212

يريبك" ١ ونحو ذلك وهو كثير في الكتابة والسنة. قال بعض الأصوليين إن حمل الأمر على الوجوب خرجت منه المستحبات وإن حمل على الندب خرجت منه الواجبات مع أنه يحكم وإن حمل عليهما لزم حمل اللفظ على حقيقته ومجازه أو على حقيقته. قال ابن عبد السلام في قواعده والحمل على الوجوب مع التزام التخصيص أولى لأن الغالب على صيغة الأمر الإيجاب والغالب على العموم التخصيص فحمله على الغالب أولى. وقال أبو العباس في المسودة والصواب أن يقال الأمر عام في كل ما يتناوله لقيام المقتضى للعموم قال ثم لك مسلكان. أحدهما أن تقول هو دال على القدر المشترك بين الوجوب والاستحباب وما امتاز به بعضها من الإذن في الترك والمنع مستفاد من دليل منفصل. والمسلك الثانى وهو أظهر أن نقول هذا الأمر أريد به الواجب في الواجبات والمستحب في المستحبات والله أعلم. ومنها: لفظ الأمر إذا قلنا بالقول الأول المنصوص عن أحمد فأريد بالأمر الندب فهو حقيقة فيه على ظاهر كلام أحمد واختاره أكثر أصحابنا القاضى وغيره وهو نص الشافعى حكاه أبو الطيب وقال هو الصحيح من مذهبه. وقال الكرخى والرازى من الحنفية هو مجاز واختاره عبد الرحمن الحلوانى من أصحابنا وعن الشافعية كالمذهبين. وإن أريد به الإباحة فعند أبى البركات أنه مجاز وحكاه عن الحنفية وقال المقدسي واختاره ابن عقيل وقال هو قول أكثر الأصوليين وقال القاضى يكون خقيقة. قال أبو العباس والتحقيق في مسألة أمر الندب مع قولنا الأمر المطلق

стр. 213

يقبل الإيجاب أن يقال الأمر المطلق لا يكون إلا إيجابا وأما المندوب إليه فهو مأمور به أمرا مقيدا لا مطلقا فيدخل في مطلق الأمر لا في الأمر المطلق يبقى أن يقال فهل يكون حقيقة أو مجازا فهذا بحث اصطلاحى. وأجاب عنه أبو محمد البغدادي١ بأنه مشكل كالوجود والبياض. وأجاب القاضى بأن الندب بعض الوجوب فهو كدلالة العام على بعضه وهو عنده ليس بمجاز إنما المجاز دلالته على غيره وهذا منه يقتضى أن الأمر إذا أريد به الإباحة أن يكون مجازا وهو خلاف ما تقدم عنه والله أعلم.

стр. 214

القاعدة ٤٤ إذا فرعنا على أن الأمر المجرد للوجوب فورد بعد حظر فماذا يقتضى؟ في المسألة مذاهب. أحدها: أنه يقتضى الإباحة هذا قول جمهور أصحابنا وهو الذي نص عليه الشافعى كما قاله ابن التلمسانى في شرح المعالم والقيروانى في المستوعب والأصفهانى في شرح المحصول وحكاه التميمى عن أحمد وقال الشيخ أبو إسحاق في التبصرة إنه ظاهر مذهب الشافعى ونقله ابن برهان في الوجيز عن أكثر الفقهاء والمتكلمين ورجحه ابن الحاجب ومال إليه الآمدي وقال إنه الغالب. والثانى: ذكره القاضى الحسين من الشافعية في أول باب الكناية من تعليقه أنه للاستحباب. والثالث: أنه يقتضى الوجوب كما لو لم يتقدمه حظر وهو الأصح عند الإمام فخر الدين وأتباعه ونقله ابن برهان في الوجيز عن القاضى والآمدي عن المعتزلة وحكاه بعض أصحابنا قولا لنا وذكر بعضهم أن القاضى اختاره في إعادة الجماعة وذكر بعضهم أنه ظاهر قول أحمد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] . وقال القرافي وهو قول القاضى ومتقدمى أصحاب مالك. والرابع أن حكمه حكم ما كان قبل الحظر فإن كان مباحا كان مباحا..وإن كان واجبا أو مستحبا كان كذلك وهذا اختيار أبى العباس قال وهو

стр. 215

المعروف عن السلف والأئمة ومعناه كلام المزنى. والخامس إن كان بعد الحظر أمر صريح بلفظه كما لو قال أمرتكم بالصيد إذا حللتم فيقتضى الوجوب بخلاف صيغة افعل حكاه أبو محمد المقدسي بعد ما صدر المسألة بكلام مطلق وهو يقتضى التسوية عنده. قال أبو البركات: وعندى أن هذا التفصيل هو كل المذهب. قال أبو العباس: وكلام القاضى أبى يعلى وغيره يدل عليه فإنه صرح بأن هذا ليس بأمر صيغته صيغة الأمر وإنما هو إطلاق. قال عبد الحليم وكلام ابن عقيل في الأدلة يعطى أنه إذا جاء خطاب بلفظ الأمر أو الوجوب اقتضى الوجوب وإن جاء بصيغة الأمر فإنه لا يكون أمرا بل مجرد إذن وهذا لا يتأتى في لفظ الأمر. وللقاضى أبى بكر في الأمر بعد الحظر تفصيل حسن ذكره في الإرشاد١ وهو إن كان الحظر السابق على الأمر حظر ابتداء لا لعلة عارضة فالأمر هنا كالأمر المبتدأ الذي لم يسبقه حظر أصلا وإن كان الحظر لعلة عارضة بعد تقدم إطلاقه وإباحته فالأظهر حمل الأمر على الإذن ورفع الحظر وعليه تنزل أوامر القرآن. ومحل الخلاف في الأمر بعد الحظر إذا كان من غير استئذان في الفعل أما إذا استأذن في الفعل بعد الحظر فلا يقتضى الوجوب بغير خلاف ذكره القاضى وسيأتى في القاعدة أمر بعد حظر واستأذن المأمور في فعله وفي وجوبه روايتان. إذا تقرر فمن فروع القاعدة. الأمر بزيارة القبور للرجال. أخذ غير واحد من أصحابنا من كلام الخرقى أنها مباحة لأن الأمر بزيارتها أمر بعد حظر فيقتضى الإباحة بناء على القاعدة. ولكن المذهب المنصوص عن أحمد أنها مستحبة وذكره بعضهم

стр. 216

إجماعا لأنه وإن كان بعد حظر لكنه علله ﵊ بتذكر الموت والآخرة وذلك أمر مطلوب شرعا. قال أبو البركات وغيره وتجوز زيارة قبر الكافر وقيد ذلك أبو العباس بزيارة قبر الكافر للاعتبار ولم أر أحدا صرح باستحباب زيارة قبر الكافر ولو للاعتبار. ومنها: لا يجب على الزوج أن يخرج مع امرأته إلى الحج في أصح الروايتين عن أحمد لأنه وإن كان قد جاء الأمر به لكنه أمر بعد حظر لأن المأمور كان قد اكتتب في غزاة فتعين عليه ثم لما أمره النبى ﷺ بالخروج مع امرأته صار أمرا بعد حظر. والرواية الأخرى يجب عليه الخروج أخذا بظاهر الأمر لكن هذا فيه نظر على ما قرره القاضى وإن قيل باستحبابه فلما فيه من الإعانة على العبادة وهو مطلوب شرعا. ومنها: الأمر بقبول الحوالة على الملىء في قوله ﷺ : "مطل الغنى ظلم وإذا أتبع أحدكم على ملىء فليتبع" ١ متفق عليه من حديث أبى هريرة قال طائفة من العلماء إنه أمر بعد حظر لأن ذلك بيع دين بدين وذلك لا يجوز وهذا فيه نظر فإن الحوالة من جنس إيفاء الحق لا من جنس البيع ولهذا ذكر النبى ﷺ الحوالة في معرض الوفاء فقال في الحديث الصحيح: "مطل الغنى ظلم وإذا أتبع أحدكم على ملىء فليتبع" فأمر المدين بالوفاء ونهاه عن المطل وبين أنه ظلم إذا مطل وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا أحيل على الملىء بالشروط المذكورة في كتب الفروع. وهل تبرأ ذمة المحيل على الملىء قبل أن يجبره الحاكم على قبول الحوالة في المسألة روايتان ذكرهما أبو البركات.

стр. 217

ومنها: الأمر بالكتابة في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النور: ٣٣] قال طائفة من أصحابنا هو أمر بعد حظر لأن الكتابة بيع الرجل ماله بماله فإن العبد ماله وكسبه من ماله فبيع بعضه ببعض أكل مال بالباطل فيدخل في النهى عن أكل المال بالباطل وإذا كانت الكتابة محظورة في الأصل فالأمر بها بعد ذلك أمر بعد حظر فلا يفيد الوجوب بناء على القاعدة لكن يستحب كتابة ذى الكسب والأمانة وإن قلنا الأمر بعد الحظر للإباحة لما في ذلك من تحرير الرقبة وذلك مطلوب شرعا. واختار أبو بكر عبد العزيز في تفسيره١ أن الكتابة في هذه الحال واجبة وذكرها في التنبيه رواية وهو متجه. وما قيل من أنه أمر ورد بعد حظر فلا يصح وإنما غاية ما يقال فيه إنه رخصة لأنه شرع مع قيام السبب المحرم لعذر وهو الحاجة إلى تخليص رقبة من الرق وليست الرخص من قاعدة الأمر بعد الحظر. وقد تقدم في قاعدة الرخصة أن من الرخص ما هو واجب. قال أبو العباس وقياس قولنا بالوجوب ههنا أن تجب الإجابة إذا قال له أعتق عبدك عنى وعلى ثمنه. قال شيخنا أبو الفرج في تعليقه على المحرر ووجهه بأنه بذل العوض فيما يزيل ضرر المضطر فوجب الإجابة إليه كما لو بذل أجنبى عن المضطر قيمة الطعام أو نحوه. وقد يقال إنه ههنا إنما قصد نفع نفسه وثبوت الملك والعتق والولاية فلا تجب إجابته إليه كشراء ذوى رحمه الذين يعتقون عليه. نعم لو قال أعتق عبدك وعلى ثمنه فقد يتوجه وجوب الإجابة لأن المصلحة للعبد ويتوجه أن يعتبر أن لا يكون محتاجا إلى خدمته وقد يقال يمكنه أن يشترى عوضه بما يؤدى إليه والله أعلم.

стр. 218

ومنها: أمره ﷺ بالنظر إلى المخطوبة هو أمر بعد حظر فيقتضى الإباحة بناء على القاعدة وهذا أحد الوجهين لأصحابنا وهو إباحة النظر لا استحبابه. والوجه الثانى وجزم به جماعة من الأصحاب منهم أبو الفتح الحلوانى وابن عقيل وصاحب الترغيب استحباب النظر إلى المخطوبة لأنه وإن كان أمرا بعد حظر لكنه معلل بعلة تدل على أنه أريد بالأمر الندب وهى قوله ﷺ : "فهو أحرى أن يؤدم بينكما" ١. ومنها: الأمر بحمل السلاح في صلاة الخوف في قوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] قال طائفة من الأصحاب منهم القاضى وابن عقيل حمله في الصلاة في غير الخوف محظور فهو أمر بعد حظر وهو للاباحة فهذا يقتضى إباحة حمل السلاح في صلاة الخوف لا استحبابه لكن قالوا: باستحبابه مع قولهم إن هذا يقتضى الإباحة. وذكر صاحب المنتخب من أصحابنا في استحبابه روايتين نقل ابن هاتىء لا بأس واختار طائفة من أصحابنا الوجوب ومحل هذا في الخفيف من السلاح أما ما يثقله أو يمنع إكمال الصلاة أو يضر غيره فإنه يكره صرح به الأصحاب. وقول من قال من أصحابنا إن حمل السلاح الخفيف في غير صلاة الخوف محظور فيه نظر إذ لم يقم دليل على كراهته فضلا عن تحريمه فليس من الأمر بعد الحظر والله أعلم.

стр. 219

القاعدة ٤٥ إذا فرعنا على أن الأمر المجرد للوجوب فوجد أمر بعد استئذان فإنه لا يقتضى الوجوب بل الإباحة ذكره القاضى محل وفاق. قلت: وكذلك ابن عقيل. وإطلاق جماعة ظاهرة يقتضى الوجوب والأمر بماهية مخصوصة بعد سؤال تعليمه شبيه في المعنى بالأمر بعد الاستئذان والله أعلم. إذا تقرر هذا فلا يستقيم قول القاضى وابن عقيل في استدلالهما على نقض الوضوء بلحم الإبل بقوله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم لما سئل عن التوضى من لحوم الإبل فقال: "نعم فتوضأ من لحوم الإبل" ١. ومما يقوى الإشكال أن في الحديث الأمر بالصلاة في مرابض الغنم٢ وهو بعد سؤال ولا يجب بلا خلاف بل يستحب. فإن قلت: إذا كان كذلك فلم يستحبون الوضوء منه والاستحباب حكم شرعى يفتقر إلى دليل وعندكم هذا الأمر يقتضى الإباحة.

стр. 220

قلت: إذا قيل باستحبابه فلدليل غير هذا الأمر وهو أن الأكل من لحوم الإبل يورث قوة نارية فناسب أن تطفأ بالماء كالوضوء عند الغضب ولو كان الوضوء من لحوم الإبل واجبا على الإمة وكلهم كانوا يأكلون لحم الإبل لم يوقف بيان وجوبه حتى يسأله سائل فيجيبه. فعلم أن مقصوده أن الوضوء من لحومها مشروع وهو حق والله أعلم. وقد يقال الحدث إنما ذكر فيه بيان وجوب ما يتوضأ منه بدليل أنه لما سئل عن الوضوء من لحوم الغنم قال: "إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ" ١ مع أن التوضى من لحوم الغنم مباح فلما خير في لحم الغنم وأمر بالوضوء من لحوم الإبل دل على أن الأمر ليس هو لمجرد الإذن بل للطلب الجازم والله أعلم. وأما الأمر بماهية مخصوصة بعد سؤال التعليم فإنه لا يقتضى الوجوب على ما سبق في إلحاقه الأمر بعد الاستئذان وحينئذ فلا يستقيم استدلال أصحابنا على وجوب الصلاة على النبى ﷺ في التشهد الأخير بما ثبت عن النبى ﷺ أنه قيل له يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلى عليك فقال: "قولوا اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد" ٢ الحديث نعم إنه ثبت الوجوب من خارج فكيف يكون هذا الأمر للوجوب لأنه بيان لكيفية واجبة والله أعلم.

стр. 221

القاعدة ٤٦ الأمر إذا ورد مقيدا بالمدة أو التكرار حمل عليه. ولم أر فيه خلافا وإن ورد مقيدا بشرط فسيأتى. وإن كان مطلقا لم يقيد بشيء فما يقتضى. في ذلك مذاهب. أحدها: وهو الذي ذكره ابن عقيل مذهب أحمد وأصحابه وحكاه القاضى في كتاب الروايتين والوجهين عن شيخنا عبد الله بن حامد أنه يقتضى التكرار وهذا أشهر قولى القاضى وقول أكثر أتباعه وحكاه في المسودة عن أكثر أصحابنا وهو رأى الأستاذ أبى إسحاق الاسفرائينى لكن بحسب الطاقة والإمكان كما ذكره. قال أبو البركات والآمدي وبالغ القاضى في ذلك حتى منع حسن الاستفهام عن التكرار ثم سلمه. قلت: وفي منعه نظر إذ قد ثبت في السنة الصحيحة والآية قد يستفهم عما في الظاهر دخوله كأفراد العام. والمذهب الثانى: لا يقتضى التكرار ولا يدل على المرة ولا على التكرار بل يفيد طلب الماهية من غير إشعار بتكرار أو مرة إلا أنه لا يمكن إدخال تلك الماهية في الوجود بأقل من المرة الواحدة فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به واختاره أبو محمد المقدسي. وذكر أبو محمد التميمى أن مذهب أحمد أن الأمر لا يقتضى التكرار إلا

стр. 222

بقرينة ولم بفرق بين مطلق ومعلق بشرط لكن قد يكون التعليق عنده قرينة واختاره الإمام فخر الدين والآمدي وابن الحاجب والبيضاوى وغيرهم. والمذهب الثالث: أنه يدل على المرة واختاره أبو الخطاب ثم أكثر كلامه يحتمل التكرار وهو قول أكثر أصحاب الشافعى كما حكاه الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع ونقل القيروانى في المستوعب عن الشيخ أبى حامد١ أنه مقتضى قول الشافعى. والمذهب الرابع: التوقف وعلى هذا قولان. أحدهما التوقف لكونه مشتركا بين المرة والتكرار. والثانى أنه لأحدهما ولا نعرفه. وقال أبو البركات في المسودة إن إمام الحرمين فسر التوقف فيما زاد على المرة الواحدة وقال لست أنفيه ولا أثبته قال أبو البركات وحقيقة ذلك عندى ترجع إلى قول من قال لا يقتضى التكرار. قلت: ذكر بعضهم أن على قول التوقف يمتنع إعماله وليس بصحيح على ما ذكره أبو البركات وعلى قول من قال إنه لأحدهما ولا نعرفه فلا يمنع إعماله أيضا لأنه يفيد طلب الماهية لكن هل هى ماهية متكررة أو ماهية واحدة والله أعلم. وإن ورد معلقا على شرط فإن قلنا المطلق يقتضى التكرار فالمعلق على شرط عنده تكرار شرطه يقتضى التكرار بطريق الأولى. وإن قلنا المطلق لا يقتضى التكرار ولا يدفعه فهل يقتضيه هنا أم لا؟ في ذلك مذهبان. أحدهما لا يقتضيه واختاره ابن أبى موسى وابن الحاجب تبعا للآمدى. والمذهب الثانى يقتضى التكرر بتكرار شرطه وحكاه في المسودة عن

стр. 223

بعض الحنفية وبعض الشافعية واختاره هو وحفيده١. وعلى هذا المذهب مذهبان. أحدهما أن إفادة التكرار من جهة اللفظ أى إن هذا اللفظ وضع للتكرار. والثانى أن إفادة التكرار من جهة القياس لا اللفظ قال في المحصول هذا هو المختار وجزم به البيضاوى. وإن علق على علة ثانية وجب تكراره بتكرارها اتفاقا قاله ابن الحاجب تبعا للآمدى وكلام أصحابنا يقتضيه. وإذا تكرر لفظ الأمر وقلنا الأمر المطلق لا يقتضى التكرار فهل يقتضى التأكيد أم التأسيس؟ فيه مذهبان: أحدهما وهو الذي اختاره أبو الخطاب وأبو محمد المقدسي وأبو بكر الصيرفي والبصرى أنه لا يقتضيه قال ابن عقيل وهو قول الأشعرية فيما حكاه بعض الفقهاء عنهم. والثانى أنه يقتضى التأسيس وقاله القاضى في كتاب الروايتين مع اختياره فيه أن الواحد لا يقتضى التكرار واختاره في المحصول والآمدي في الأحكام قال أبو البركات وهو الأشبه بمذهبنا ونقله القيروانى عن عامة أصحاب الشافعى. وفي المسألة قول ثالث بالوقف. ومحل الخلاف إذا كان الثانى غير معطوف على الأول فأما إن كان الثانى معطوفا على الأول بغير تعريف كقوله صل ركعتين وصل ركعتين فإنه يفيد التكرار وإن كان المعطوف عليه معرفا مثل صل ركعتين وصل الصلاة فإنه يحمل على الصلاة الأولى قاله القاضى وغيره. وقال أبو الحسين في المعطوف المعرف الأشبه الوقف لأن العطف

стр. 224

يعارضه لام العهد حكاه عنه الإمام فخر الدين وخالفه وقال الأشبه حمله على التغاير لأن لام الجنس كما تستعمل للعهد تستعمل لبيان حقيقة الجنس كقول السيد لعبده اشتر لنا الخبز واللحم فما تعينت معارضتهما للعطف. قلت: والمثال الذي ذكره الرازى في قول السيد لعبده ليس مطابقا لمحل النزاع لأن قول السيد لعبده اشتر لنا الخبز واللحم فالألف في اللحم ليس لمعهود حتى نصرفها إليه فتعينت للجنس وأما صل ركعتين وصل الصلاة فثم معهود يصرفها فتعين. ولم ينازع الرازى أحد في صحة استعمال الألف واللام للجنس بل نقول إذا احتمل كون ال للعهد وكونها لغيره كالجنس أو العموم فإنا نحملها على العهد لأن تقدمه قرينة مرشدة إليه كقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً*فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥,١٦] هكذا ذكره جماعة من الأصوليين. وقال ابن مالك في التسهيل فإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا نحو صم كل يوم صم يوم الجمعة. وقال في المحصول فإن كان الثانى غير معطوف عليه كان تأكيدا وإن كان معطوفا فقال بعضهم لا يكون داخلا تحت الكلام الأول وإلا لم يصح العطف قال والأشبه الوقف للتعارض بين ظاهر العموم وظاهر العطف. قلت: لا نسلم التعارض بين ظاهر العموم وظاهر العطف لأن ذكر الخاص مع العام هل يكون إفراده بالذكر يقتضى عدم دخوله في العام أو أنه دخل وأفرد بالذكر اعتناء به وتفخيما. في المسألة مذهبان كما سيأتى في العموم إن شاء الله تعالى. فإن قلنا بالأول فعدم التعارض واضح وإن قلنا بالثانى فلا يمتنع أن ينص على بعض أفراده اعتناء به وتفخيما ومنعا لإخراجه من الحكم والله أعلم. وحكى القرافي عن القاضى عبد الوهاب في مسألة العطف أن الصحيح بقاء

стр. 225

العام على عمومه وحمل الخاص على الاعتناء به قال وسواء تقدم أو تأخر والله أعلم. قلت: فعلى قول القاضى عبد الوهاب يرجح الدليل الذي فيه لفظان عام وخاص معطوف عليه عند معارضة دليل واحد لأن الفروع يرجح فيها بكثرة الأدلة وعلى قول الرازى ينبغى أن لا يرجح بذلك. قال في المسودة وهل الأمر يقتضى وجوب تكرار اعتقادية الوجوب وعدم الإمساك قال القاضى ملزما لمخالفيه إنه يجب. وحكى عن الجوزجانى١ الحنفي أنه لا يجب وإنما يجب البقاء على حكم الأعتقاد من غير فسخ له كالنية في العبادات وكاعتقاد ما يجب اعتقاده قال أبو البركات وهذا أصح. قلت: محل هذا حيث قلنا بأن الأمر يقتضى التكرار وإلا فلا وإذا قلنا الأمر المعلق على شرط يقتضى التكرار فقد يقال إن الزوج إذا قال لزوجته إن دخلت الدار فأنت طالق وقلنا يقتضى لفظه أن يتكرر الطلاق بتكرر دخولها كما لو قال كذا. فإن قلت: مسألة الطلاق من باب تعليق الإنشاء على الشرط وكلامنا في إطلاق الأمر على الشرط. قلت: إذا ثبت في الأمر ثبت في الإنشاء بالقياس ولكن كلام الآمدي في الأحكام يقتضى أن الإنشاء لا يتكرر اتفاقا وصرح به في الخبر كقولنا إن جاء زيد جاء عمرو فحينئذ يمثل قوله بقوله لوكيله طلق زوجتى إن دخلت الدار وقلنا لوكيل المطلق لا يملك الثلاث وإن قلنا يقتضى التكرار قياسا فينبغى أن يخرج ذلك على الخلاف بين أصحابنا فيما إذا قال السيد لعبده أعتقت سالما لسواده وفي ذلك وجهان.

стр. 226

أحدهما يعتق كل أسود من عبيده قاله أبو الفتح الحلوانى وأبو الخطاب وحكى ذلك عن أبى بكر الصيرفي١ من الشافعية فإذا عدينا العتق إلى غير المعتق بالعلة فكذلك يتكرر الوقوع على المطلقة بالنص على العلة كما لو قال أنت طالق لدخولك الدار. والثانى وهو صحيح لا يتعدى العتق إلى غير المعتق فلا يتكرر الطلاق لأن قوله أعتقت سالما لسواده ليس إنشاء للعتق على كل أسود بل هو إنشاء للعتق على سالم وحده ونص على أن علة إعتاقه هى السواد فالسواد علة لإنشاء عتقه عليه ليس علة لوقوع العتق المعتقد إنشاؤه على كل أسود فمن أين يعتق غيره من السود من غير إنشاء لصيغة العتق إذا لم ينشىء عتق غيره من السود فغايته أنه تناقض ولا يلزم من فعل العبد شيئا لعلة أن يحكم عليه بفعله كلما وجدت فيه تلك العلة. وإما الشارع فإنه حكيم لا يجوز عليه التناقض فإذا شرع حكما وعلله بعلة علمنا أنه شرع ذلك في الحكم كلما وجدت فيه تلك العلة والله أعلم. ومما يتعلق بالأمر المعلق بشرط إذا سمع مؤذنا بعد آخر فهل تستحب إجابة الجميع لقوله ﷺ "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول" ٢ ظاهر كلام الأصحاب يستحب وبناؤه على ذلك متجه لكن محل هذا إذا كان الثانى مشروعا قاله أبو العباس. وإذا قلنا الأمر المكرر يحمل على التأسيس أو التأكيد فيشبه من الفروع

стр. 227

في المعنى إذا قال الرجل لزوجته المدخول بها أنت طالق أنت طالق فإن أراد التأسيس أو التأكيد أو الإفهام حمل عليه وإن أطلق فالمعروف في المذهب عند الأصحاب حمله على التأسيس. ولكن نقل أبو داود إذا قال الرجل لزوجته اعتدى اعتدى فأراد الطلاق هى واحدة. وظاهر هذا النص أنه لا يتكرر بالطلاق إذا طلق الزوج ولم ينو التكرار. يؤيده ما قاله غير واحد من الأصحاب أنه لو قال المقر له على درهم له على درهم ولم يوجد ما يقتضى التعدد لا يلزمه سوى درهم واحد. ولكن الفرق بين الإقرار والطلاق أن الإقرار خبر عما في الذمة فيجوز أن يكون الثانى خبرا عما أخبر به في الأول والأصل براءة الذمة وليس كذلك الطلاق لأنه إيقاع طلاق فإذا أوقع الأولى لا تكون الثانية إبقاعا للأولى مرة أخرى فوقعت كما وقعت الأولى ألا ترى أنه لو قال له على درهم وسكت ساعة ثم قال له على درهم لم يلزمه غير الأول ولو قال أنت طالق وسكت ساعة ثم قال أنت طالق كان الثانى إيقاعا بلا خلاف قاله القاضى في الجامع الكبير. وإن كان اللفظ الثانى لا يصلح للتأسيس كقوله أنت طالق طالق لم يتكرر الطلاق به إلا أن ينوى به التكرار فيلزمه ويقدر ما يتم به الكلام قاله أبو محمد المقدسي في الكافي وعبارة الترغيب لو قال أنت طالق طالق طالق قبل أيضا قصد التأكيد. قلت: وظاهره إن أطلق ولم يقصد التأكيد أنه يتكرر والله أعلم. وإن كان الثانى صالحا للتأسيس كقوله أنت طالق وطالق وطالق فإنه يتكرر الطلاق مع الإطلاق قاله غير واحد من الأصحاب. فإن أراد بالثانية تأكيد الأولى لم يقبل منه قاله القاضى وأبو محمد وغيرهما للمغايرة بينهما بحرف وقالوا: إن أراد بالثالثة تأكيد الثانية قبل منه لمطابقتها لها في لفظها وإذا عطف بالفاء أو بثم كالواو قاله غير واحد من

стр. 228

الأصحاب وأنه غاير بين الحروف فقال أنت طالق وطالق ثم طالق أو طالق ثم طالق وطالق أو طالق فطالق فكذلك لم يقبل منه في شئ منها إرادة التأكيد لأن كل كلمة مغايرة لما قبلها مخالفة لها قاله القاضى وأبو محمد وغيرهما. وإذا قال في نظير ذلك في الإقرار له على درهم درهم لزمه درهم جزم به في التلخيص وغيره ولو قال له على درهم ودرهم ودرهم وأراد بالثالث أم لا؟ في المسألة وجهان. أحدهما: قاله القاضى في الجامع الكبير أنه لا يقبل. وفرق بينه وبين الطلاق بأن الطلاق يدخله التأكيد بدليل أنه يصح أن على التأكيد وليس كذلك الإقرار لأنه لا يدخله التأكيد ألا ترى أنه لو قال له على درهم درهما لم يصح. والثانى: قاله في التلخيص أنه يقبل واتفقا على أنه لا يقبل تأكيد الأول بالثاني. ومع الإطلاق فعلى قول القاضي لزوم الثلاثة له واضح. وحكى صاحب التلخيص على قوله وجهين أحدهما لزوم الثلاث كالطلاق والثاني يلزمه درهمان لأنه اليقين والثالث: محتمل والأصل براءة الذمة وفرق بينه وبين الطلاق لأن حظر الطلاق أعظم والله أعلم. وإن كان اللفظ الثاني مثل الأول في المعنى مخالفا له في اللفظ كقوله أنت مطلقة أنت مسرحة أنت مفارقة قبل منه إرادة التأكيد بالثانية والثالثة جزم به أبو محمد المقدسي في المغنى والكافي ولو قال أنت مطلقة ومسرحة ومفارقة وقال أردت التأكيد أبدى في المغنى احتمالين:

стр. 229

أحدهما: القبول وعلله بأن اللفظ المختلف يعطف بعضه على بعض تأكيدا كقوله: فألفت قولها كذبا ومينا١. والثاني: عدم القبول وعلله بأن الواو تقتضي المغايرة فأشبه ما لو كان بلفظ واحد. قلت: وينبغي إذا قبلنا منه إرادة التأكيد مع العطف في هذه الصورة أن يكون محل هذا في إرادة تأكيد الثانية بالثالثة لا في إرادة تأكيد الأولى بالثانية كما قلنا في قوله أنت طالق وطالق وطالق والله أعلم. فائدة: جزم النحويون ومنهم أبو حيان في كتبه بأن فائدة التأكيد كل ونحوها هو واقع احتمال التخصيص. إذا تقرر هذا فيتفرع على ذلك ما قاله الأصحاب. إذا قال: كل عبد لي أو ملكي حر فإنه يعتق عليه جميع عبيده قال صاحب الترغيب نوى العموم أو لم ينو نوى بعضهم دون بعض أو لا نص عليه قال لأن النية لا أثر لها في الصريح على الصحيح والله أعلم.

стр. 230

القاعدة ٤٧ إذا قلنا الأمر المطلق يقتضي التكرار فيقتضي الفور اتفاقا. وإن قلنا لا يقتضي التكرار فهل يقتضي الفور أم لا؟ في ذلك مذاهب. أحدها: أنه يقتضي الفور وهذا قول أصحابنا قال أبو البركات وهو ظاهر كلام أحمد ويعزى إلى أبي حنيفة ومتبعيه وحكاه الحلواني من أصحابنا عن المالكية. قلت: وقال القوضي عبد الوهاب المالكي الذي ينصره أصحابنا أنه على الفور وحكاه القرافي عن مالك ثم قال خلافا لأصحابه المغاربة وحكاه في المسودة عن أبي بكر الصيرفي والقاضي وأبي حامد وطائفة من الشافعية. والمذهب الثاني: أنه لا يقتضي الفور ولا التراخي بل يدل على طلب الفعل قاله في البرهان وهذا ينسب إلى الشافعي وأصحابه وقال في المحصول إنه الحق. قلت: اختاره الآمدي وابن الحاجب والبيضاوي قال القاضي أبو يعلى وقد أومأ إليه أحمد في رواية الأثرم وقد سأله عن قضاء رمضان يفرق قال نعم إنما قال الله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] . وقال السرخسي١ من الحنفية: الذي يصح عندى من مذهب علمائنا أنه

стр. 231

يعنى الأمر المطلق على التراخي وذكر عن أبي حنيفة ما يدل على ذلك قال وأشار الكرخي إلى أن موجب الأمر الفور قال ومن أصحابنا من جعل هذا الفعل على الخلاف بين أصحابنا في الحج هل هو على الفور أو التراخي قال وعندي أن هذا غلط لأن الحج مؤقت بأشهره فأبو يوسف١ يقول تتعين السنة الأولى ومحمد٢ يقول لا تتعين وعن أبي حنيفة روايتان. والمذهب الثالث: أنه يفيد التراخي أي جوازا قال الشيخ أبو إسحاق والتعبير بكونه يفيد التراخي غلط. وقال في البرهان إنه لفظ مدخول فإن مقتضى إفادة التراخى أنه لو فرض الامتثال على الفور لم يعتد به وليس هذا معتقد أحد. وقد حكى ابن برهان عن غلاة الواقفية أنا لا نقطع بامتثاله بل نتوقف عليه فيه إلى ظهور الدليل لاحتمال إرادة التأخير. قلت: وهذا على قول الوقف بكونه لأحدهما ولا نعرفه. وذهب المقتصدون منهم إلى القطع بامتثاله وحكى في البرهان أيضا كونه مشتركا بين الفور والتراخى وأشار أبو البركات إلى أن عنده أن مذهب الوقف والتراخى شىء واحد على قول المقتصدين من الواقفية أما على قول غلاتهم فيتحقق الوقف مذهبا والله أعلم. إذا تقرر هذا فقال القرافي في شرح التنقيح واختلف القائلون بالفور فقيل لا يتصور ذلك إلا إذا تعلق الأمر بفعل واحد. وقيل يتصور إذا تعلق بجملة أفعال. ثم اختلف القائلون بأنه يقتضى فعلا واحدا فتركه فمذهبنا ومذهب

стр. 232

الجمهور أنه يجب عليه الإتيان ببدله بنفس الأمر الأول وقال الكرخى وغيره من الحنفية وأبو الفرج المالكى١ لا يجب قضاؤه إلا بأمر جديد كالوقت عندهم. واختلف القائلون بالتراخى هل يجوز تأخيره إلى غاية بشرط السلامة فإن مات قبل الفعل أثم وقيل لا إثم عليه إلا أن يغلب فواته ولم يفعله. وفصل آخرون وقالوا: إن غلب على ظنه أنه لا يموت فمات لم يأثم. واختلف القائلون بالتراخى فمنهم من قال لا يجوز التأخير إلا ألى بدل هو العزم على أدائه في المستقبل ليفارق المندوب. وقيل العزم ليس بدلا بل شرط في جواز التأخير. والقائلون بأنه بدل اختلفوا فمنهم من قال هو بدل من نفس الفعل وقيل بدل من تقديمه. والقائلون بالتراخى اختلفوا هل هو في الواجب خاصة أو يعم الواجب والمندوب قال القاضى أبو بكر والصحيح أنه يعمها. ووجه الفرق أن التراخى معناه أنه لا يأثم بالتأخير وذلك متعذر في المندوب لتعذر الإثم في نفسه في المندوب. ويرد هذا الفرق أنه قد يندب على التراخى كما في صدقة التطوع وقد يكون على الفور كتحية المسجد انتهى ما قاله القرافي ملخصا. وإذا أريد بالأمر الندب فإنه يقتضى الفور إلى فعل المندوب كالأمر الواجب ذكره القاضى أبو يعلى ملتزما له على قوله أمر حقيقة بما يقتضى أن الحنفية لا يقولون بالفور فيه. ومما يتعلق بالقاعدة من الفروع مسائل. منها: قضاء الصلوات المفروضات فإنه يجب على الفور لإطلاق الأمر

стр. 233

به هذا هو المذهب المنصوص عن أحمد لكن محل ذلك إن لم يتضرر في بدنه أو معيشة يحتاجها نص عليه الإمام أحمد أيضا. ولنا وجه لا يجب القضاء على الفور فأوجب القاضى في موضع من كلامه الفور فيما زاد على خمس صلوات. ومنها: أداء الزكاة مع القدرة فإنه يجب على الفور نص عليه الإمام أحمد قال الشيخ أبو محمد وغيره لو لم يكن الأمر بالفور قلنا به هنا ولنا قول لا تجب على الفور وعلى المنصوص يجوز للمالك التأخير إذا خشى ضررا من عود ساع أو خاف على نفسه أو ماله أو نحوه. وللإمام والساعى التأخير لعذر قحط ونحوه. وكذا يجوز للمالك تأخير الإخراج لحاجته إلى زكاته نص عليه. وهل يجوز للمالك التأخير لانتظار قريب ذى حاجة في المسألة وجهان وقيد بعضهم ذلك بالزمن اليسير وأطلق القاضى وابن عقيل روايتين في القريب ونقل يعقوب بن بختان١ عن الإمام أحمد أنه قال لا أحب أن تؤخر الزكاة إلا لقوم لا يجد مثلهم في الحاجة. ومنها: أداء النذر والكفارة. وفي لزوم الفورية وجهان المذهب المنصوص عن الإمام أحمد اللزوم. وقد ذكر غير واحد من أصحابنا من الصور المسقطة لنفقة الزوجة فعل النذر الذي في الذمة والصوم للكفارة قبل ضيق وقته ولم يكن ذلك بإذن الزوج وهذا مشكل إذ قد تقرر أن المذهب المنصوص لزوم الفورية فهو كالعين أشار إلى ذلك أبو العباس رضى الله عنه. ومنها: أداء الحج والعمرة والمنصوص عن الإمام أحمد رضى الله عنه لزوم الفورية لإطلاق الأمر وهو المذهب عند الأصحاب وذكر ابن أبى موسى وجها أنه على التراخى وذكره ابن حامد رواية زاد أبو البركات مع

стр. 234

العزم على فعله في الجملة وقد تقدم الكلام على العزم في قاعدة الواجب الموسع. ومنها: أداء ديون الآدميين عند المطالبة فإنه واجب على الفور جزم به الأصحاب وبدون المطالبة هل يجب على الفور أم لا؟ في المسألة وجهان. أحدهما: ما قاله أبو المعالى والسامرى وغيرهما وهو المذهب أنه لا يجب قال شيخنا أبو الفرج محل هذا إذا لم يكن عين له وقت للوفاء فأما إن عين له وقتا للوفاء كيوم كذا فلا ينبغى أن يجوز تأخيره لأنه لا فائدة للتوقيت إلا وجوب الوفاء فيه أولا كالمطالبة به والله أعلم. قلت: وينبغي أن يكون محل جواز التأخير إذا كان صاحب المال عالما بأنه يستحق في ذمة المدين الدين أما إذا لم يكن عالما فيجب اعلامه والله أعلم. والثاني: ما قاله القاضي في الجامع والشيخ أبو محمد في المغنى في قسم الزوجات أنه يجب على الفور ذكراه محل وفاق. ومنها: إذا أودع شخص شخصا وديعة في السوق إلى وقت المصير إلى منزله فاستعملها فتلفت فإنه يضمن قاله الأصحاب بناء على القاعدة وأبدى في المغنى احتمالا ومال إليه وصححه الحارثي أنه لا ضمان إذ عادة الإيداع في السوق إمساكها في حانوته إلى وقت المصير إلى منزله فصار كالمأذون فيه نطقا. ومنها: الأمر بتعريف اللقطة حولا فإنه يجب على الفور جزم به غير واحد من الأصحاب قال القاضي لا خلاف أن التعريف معتبر عقب التقاطها. قلت: فلو أخر مع الإمكان فلا إشكال في الإثم واستقرار الضمان ذكره في التلخيص وغيره وهل يسقط التعريف ذكر القاضي أبو يعلى وأبو محمد أنه يسقط في ظاهر كلام أحمد ولنا وجه بانتفاء السقوط. قال الحارثي هو الصحيح قال في المغنى وعلى كلا القولين لا

стр. 235

يملكها بالتعريف لأن شرط الملك التعريف في الحول الأول ولم يوجد وكذا لو قطع التعريف في الأول وأكمله في الثاني لايملك بذلك. وهل يحبسها المالك أم يتصدق بها على روايتين ذكرهما القاضي وأبو محمد وإن أخر التعريف لحبس أو مرض أو نسيان ونحو ذلك فوجهان ذكرهما أبو محمد.

стр. 236

القاعدة ٤٨ الأمر بالشيء نهى عن أضداده والنهي عنه أمر بأحد أضداده من طريق المعنى دون اللفظ في قول أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك. وقال الأشعرية من طريق اللفظ قال أبو البركات بناء على أصلهم أن الأمر والنهي لا صيغة لهما. وزيف الجويني قول أصحابه١ بأن المعنى القائم في النفس المعبر عنه ب "أفعل" مغاير المعنى القائم في النفس المعبر عنه ب لا تفعل قال ومن أنكر هذا فقد باهت وسقطت مكالمته. وقال طوائف من المعتزلة وبعض الشافعية منهم الجويني لا يكون منهيا عن أضداده لا لفظا ولا معنى بناء على أصل المعتزلة في اعتبار إرادة الناهي والآمر قاله القاضي. وقول بعض الشافعية مبني على أن ما لا يتم الواجب إلا به غير واجب. ويشترط في كون الأمر بالشيء نهيا عن أضداده أن يكون الواجب مقررا كما نقله شارح المحصول٢ عن القاضي عبد الوهاب٣ وقاله القاضي أبو يعلى من أصحابنا في مسألة الوجوب.

стр. 237

وإذا قلنا الأمر بالشيء نهى عن ضده فهل يعم الواجب والندب أم يختص الواجب؟ في المسألة قولان حكاهما الآمدي وابن الحاجب وغيرهما وأصحهما أنه لا فرق والله أعلم. إذا تقرر هذا فمن فروع القاعدة. إذا قال لزوجته إن خالفت أمري فأنت طالق ولا نية ثم نهاها فخالفته. لأصحابنا في ذلك ثلاثة أوجه. أحدها: تطلق لأن النهي عن الشيء أمر بضده فإذا خالفته وفعلت المنهي عنه فقد تركت مشروع المأمور به. والثاني: لا تطلق تمسكا بصريح لفظه فإنه إنما علق طلاقها على مخالفتها أمره وهي إنما خالفت نهيه ولعل القائل بهذا يرى أن النهي عن الشيء ليس أمرا بضده. والثالث: إن كان الحالف عارفا بحقيقة الأمر والنهي لم يحنث وإلا حنث ولعل هذا أقرب الى الفقه والتحقيق. وأما عكسها فلم أرها مسطورة فيما وقفت عليه من كتب أصحابنا ويتوجه تخريجها عليها إلا أن يفرق بينهما بفرق مؤثر فيمتنع التخريج والله أعلم. ومنها: ما ذكره بعض الفقهاء أن النزاع في وجوب النكاح مبني على هذه القاعدة وهي أن النهي عن الشيء أمر بضده ٤اف لأنا إذا قلنا بذلك فالمكلف منهى عن ترك الزنا فيكون مأمورا بضده وهو النكاح والأمر يقتضي الوجوب فيكون النكاح واجبا. ونازعه الطوفي وقال هذا ترجيح ضعيف لأن التحقيق أن الشيء إذا كان له أضداد فالنهي عنه أمر بأحد أضداده والزنا لم ينحصر ضده في النكاح بل ليس ضدا له أصلا إنما ضد الزنا تركه لكن تركه قد يكون بالنكاح وقد يكون بالتسري وقد يكون بالاستعفاف مع العزوبة فلا يتعين بالنكاح للتلبس بل يلزم

стр. 238

مقابل ذلك أن يكون المكلف المنهي عن الزنا مأمورا بالنكاح أو التسري على التخيير لأن ترك الزنا يحصل بكل منهما فيصير من باب الواجب المخير فإن قال بذلك صح له التخريج المذكور لكن التسري لم نعلم أحدا قال بوجوبه تعيينا ولا تخييرا والله أعلم. قلت: هذا الذي قال الطوفي متجه فيما إذا كان المكلف لا شهوة له أوله شهوة ويأمن على نفسه مواقعة الزنا أما إذا كان له شهوة وخاف على نفسه الوقوع في الزنا فإن الوطء المباح يتعين دون بقية الأضداد إذ ليس غيره يقوم مقامه في كسر الشهوة. وأما قوله إنا لا نعلم أحدا قال بوجوب التسري تعيينا ولا تخييرا فلم يطلع على ما قاله الأصحاب في ذلك وقد ذكر غير واحد إذا قلنا بوجوب النكاح ففي الاكتفاء بالتسري وجهان لنا والذي يظهر الاكتفاء به والله اعلم. ومنها: ما ذكره الطوفي وهو أن إرسال الطلقات الثلاث عندنا بدعة في رواية لتضمنه قطع مصلحة مأمور بإقامتها والاستمرار عليها وهي استدامة النكاح وقطع المأمور باستدامته منهى عنه وظاهر المذهب أنه ليس ببدعة انتهى. وفيما ذكره نظر من حيث النقل ومن حيث المعنى. أما من حيث النقل فالمذهب الذي نص عليه أحمد في رواية إسحاق وابن هانىء وأبي داود والمروذي وأبي بكر بن صدقة١ وأبي الحارث واختاره أكثر أصحابنا أن الثلاث بدعة وفي كون الثنتين بدعة قولان. وأما من حيث المعنى فالمعنى الذي ذكره ليس مختصا بإرسال الطلقات بل يعم الطلاق المانع من استدامة النكاح فلو قال إن الطلاق من غير حاجة ينبني على ذلك لربما توجه ذلك ولنا في تخريجه من غير حاجة روايتان. وقد يحسن بناء روايتي تحريم الطلاق من غير حاجة على أصل قاله أبو يعلى في تعليقه الصغير وأبو الفتح ابن المنى وهو أن النكاح لا يقع إلا فرض كفاية وإن كان ابتداء الدخول فيه سنة والله أعلم.

стр. 239

القاعدة ٤٩ إذا طلب الفعل الواجب في كل واحد بخصوصه أو من واحد معين كخصائص النبي ﷺ فهو فرض العين وإن كان المقصود من الوجوب إنما هو إيقاع الفعل مع قطع النظر عن الفاعل فيسمى فرضا على الكفاية وسمى بذلك لأن فعل البعض فيه يكفي في سقوط الإثم عن الباقين. وتحرير الفرق بين فرض العين والكفاية أشار إليه القرافي وهو أن فرض العين ما تكررت مصلحته بتكريره كالصلوات الخمس فإن مصلحتها الخضوع لله وتعظيمه ومناجاته والتذلل له والمثول بين يديه وهذه الآداب تكثر كلما كررت الصلاة. وفرض الكفاية مالا تتكرر مصلحته بتكريره كإنقاذ الغريق إذا سأله إنسان فالنازل بعد ذلك إلى البحر لا يحصل شيئا فجعله صاحب الشرع على الكفاية نفيا للعبث في الأفعال. وأشار القرافي أيضا إلى أن فرض الكفاية والأعيان كما يتصور في الواجبات يتصور في المندوبات كالأذان والإقامة والتشميت والتسليم وما يفعل بالأموات من المندوبات فهذه على الكفاية والذي على الأعيان كالوتر وصيام الأيام الفاضلة وصلاة العيدين والطواف في غير النسك والصدقات والله أعلم. وكلام القرافي يقتضي أن فرض الكفاية لا يشرع تكرار فعله مرة بعد أخرى وهذا على عمومه فيه نظر ظاهر والله أعلم.

стр. 240

إذا تقرر هذا فهنا مسائل تتعلق بفرض الكفاية. منها: أنه هل هو واجب على الجميع ويسقط بفعل البعض أم على بعض غير معين؟ في المسألة قولان. أحدهما وهو الذي نص عليه أحمد أنه واجب على الجميع ويسقط بفعل البعض قال في رواية حنبل الغزو واجب على الناس فإذا غزا بعضهم أجزأ عنهم. قال القاضي أبو يعلى في الكفاية فقد نص أحمد على أن المخاطبة بالغزو واجبة على الناس وإنما تسقط عن بقيتهم في الثاني وذكر صاحب المغنى قريبا من هذا وهذا هو الصحيح عن الآمدي وابن الحاجب وغيرهما. والثاني وهو منسوب الى المعتزلة وهو مقتضى كلام المحصول أنه واجب على بعض غير معين. وإذا قلنا بالأول فلا فرق بين فرض الكفاية وفرض العين في الابتداء وإنما يفترقان في ثاني الحال قاله أبو محمد المقدسي وهو فرق حكمى وفرض الكفاية إذا فعله الكل كان كله فرضا ذكره ابن عقيل محل وفاق. وقال أبو العباس لعله إذا فعلوه جميعا فإنه لا خلاف فيه. قلت: هذا ظاهر إذا قلنا فرض الكفاية واجب على الجميع وإن قلنا على بعض غير معين فيتجه خلاف وقد حكى ابن الرفعة١ من متأخرى الشافعية عن الذخائر للقاضي٢ تحكى حكاية وجه أن الزائد على ما سقط به فرض

стр. 241

صلاة الجنازة في الصلاة الواحدة يقع نفلا وهو احتمال أبداه الإمام من الشافعية وهو يوافق القائل بأن الفرض يتعلق بالبعض. وأما إذا فعل البعض بعد البعض ففي كون الثاني فرضا وجهان وينبني عليها جواز فعل صلاة الجنازة بعد الفجر والعصر مرة ثانية. ومنها: أيما أفضل فاعل فرض العين أو فاعل فرض الكفاية؟ نقل الطوفي في شرحه قولين. أحدهما: ولم يسم قائله أن فاعل فرض العين أفضل لأن فرضه أهم ولذلك وجب على الأعيان. والثاني: فاعل فرض الكفاية أفضل لأن نفعه أعم إذ هو يسقط الفرض عن نفسه وعن غيره قال وهذا منسوب إلى إمام الحرمين. واقتصار الطوفي على النقل عن إمام الحرمين يوهم أن ذلك لا يعرف لغيره وليس كذلك فقد سبقه إلى هذه المقالة والده١ في المحيط وكذا الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائينى نقله عنهما ابن الصلاح٢ في فوائد رحلته٣ والله أعلم. ومنها: أن فرض الكفاية هل يلزم بالشروع أم لا قال بعض شيوخنا في المسألة قولان أخذا من احتمالين قالهما صاحب التلخيص في اللقيط إذا أراد الملتقط رده إلى الحاكم مع قدرته لكن قاس احتمال الجواز على اللقطة واحتمال المنع علله بأنه فرض كفاية وقد شرع فيه وقدر عليه فصار متعينا. ويظهر لي أخذ القولين من مسألة أخرى وهي أن حفظ القرآن فرض كفاية

стр. 242

إجماعا فإذا حفظه وأخر تلاوته بحيث ينساه ولا عذر حرم على الصحيح قال الإمام أحمد ما أشد ما جاء فيمن حفظه ثم نسيه وفيه وجه يكره وقدمه بعضهم والله أعلم. ومنها: أنه يكفي في سقوط فرض الكفاية غلبة الظن فإذا غلب على ظن طائفة أن غيرها قام به سقط عنها قاله القاضى وأبو العباس وغيرهما والله أعلم. ومنها: أن فاعل فرض الكفاية أفضل من غير فاعله ضرورة أنه حصل مصلحته دون غيره نعم هما شيئان في الخروج عن العهدة لكن هذا خرج بفعله وذاك خرج لانتفاء القابل لفعله والله أعلم.

стр. 243

القاعدة ٥٠ يجوز ان يأمر الله تعالى المكلف بما يعلم الله منه أنه لا يفعله نص عليه أحمد في أمره ونهيه خلافا للمعتزلة واستدل عليهم ابن عقيل بالإجماع على علمه بامتناع إبليس قبل أمره وذكر أن المسلمين أجمعوا على ذلك وهؤلاء يخالفون في هذه المسألة وقد أنكر ابن عقيل وغيره المسألة على هذا الوجه. قال أبو العباس والتحقيق أن الخلاف فيها مع غلاة القدرية من المعتزلة وغيرهم وهم الذين يقولون لم يعلم الله أفعال العباد حتى عملوها مثل معبد الجهني١ وعمرو بن عبيد٢ وهم كفار. وفائدة جواز التكليف إظهار المطيع من العاصى. إذا تقرر هذا فمن فروع القاعدة. من أفسد صوم يوم من رمضان بما يوجب الكفارة ثم مات لم تسقط عنه الكفارة لأنه قد بان عصيانه بإقدامه على الإفساد فجعلت فائدة التكليف فلا يقدح فيه انتفاء شرط صحة صوم اليوم بموته والله أعلم.

стр. 244

فائدة: الأمر بالشىء ليس أمرا به مع عدم الدليل عليه ذكره أبو محمد المقدسي والرازى. وحينئذ فلا يستقيم استدلال من استدل من الأصحاب على مراجعة الحائض إذا طلقت في الحيض بأمر النبى ﷺ عمر أن يأمر ابنه رضى الله عنهما بمراجعة زوجته لما طلقها وهى حائض١.

стр. 245

القاعدة ٥١ النهى صيغة لا تفعل من الأعلى للأدنى إذا تجردت عن قرينة فهى نهى. وقد تقدم في الأمر هل يشترط العلو والاستعلاء أو لا يشترطان فالنهى مثله. وإطلاق النهى ماذا يقتضى؟ في المسألة مذاهب. أحدها: الأصل في إطلاقه التحريم ثم هذا مذهبنا ونص عليه الشافعى في الرسالة في باب العلل في الأحاديث واختاره أصحابه وهو الحق. والثانى: كراهة التنزيه وبالغ الشافعى في إنكار ذلك ذكره الجوينى في مسألة مفردة في التأويلات. والثالث: الإباحة. والرابع: الوقف. والخامس: أنه للقدر المشترك بين التحريم والكراهة وهو مطلق الترك. والفرق بين هذا وبين القول بأنه للكراهة أن جواز الفعل هنا مستفاد من الأصل وفيما إذا جعل للكراهة يكون جواز الفعل مستفادا من اللفظ أيضا. والسادس: بين التحريم والكراهة.

стр. 246

والسابع أنه لأحدهما لا بعينه قال بعضهم فيكون محمولا على هذا القول والقول الذي قبله. وقد يقال على هذين القولين يرجع إلى القول بالتحريم لأن ترك الحرام واجب وهذا اللفظ مشترك بين الحرام وغيره فيجب الكف لأنه من ناب مالا يتم الواجب إلا به والله أعلم. فوائد أصولية: منها: نقل علي بن سعيد عن الإمام أحمد أنه قال ما أمر به النبى ﷺ عندى أسهل مما نهى عنه وكذلك نقل عنه الجوينى الأمر أسهل من النهى. قال أبو الخطاب هذا يدل على أن إطلاق الأمر يقتضى الندب وهذا احتمال أبداه أبو البركات قال وهو بعيد لمخالفته منصوصاته الكثيرة. قال أبو البركات ويحتمل وهو الأظهر أنه قصد أنه أسهل بمعنى أن جماعة من الفقهاء فرقوا بأن الأمر للندب والنهى للتحريم والنهى للدوام والأمر لا يقتضى التكرار والله أعلم. قلت: قال القاضى في المجرد في باب الصلاة بالنجاسة إن صلاة المأموم تبطل بترك الإمام ركنا رواية واحدة وهل تبطل بفعل الإمام منهيا عنه طرأ عليه كالحدث والكلام ونحوه على روايتين إحداهما تبطل كما تبطل بترك ركن والثانية لا تبطل قال لأن فعل المنهى عنه أخف من ترك المأمور به ألا ترى أن ترك القراءة في الصلاة يبطلها رواية واحدة؟ واختلف قوله في الكلام ساهيا هل يبطل صلاة المتكلم وإذا سبقه الحدث هل يستقبل الصلاة أم يبنى وإذا كبر دون الصف جاهلا بذلك عفي عنه وكان المنهى عنه أخف من ترك المأمور به انتهى. قلت: وهذا عكس نص أحمد في رواية الميمونى وعلى بن سعيد والله أعلم. ومنها: إذا قيل: الأمر يقتضي تكرار فالنهي أولى وإن قيل لا

стр. 247

يقتضيه الأمر فالمشهور من مذاهب العلماء أن النهي يقتضيه ونسب إلى الإمام فخر الدين أن النهي لا يقتضي التكرار كالأمر والله أعلم. ومنها: إذا قال لا تفعل هذا مرة قال القاضى أبو يعلى يقتضى الكف مرة فإذا ترك مرة سقط وقال غيره يقتضى تكرار الترك ذكره في المسودة. ومنها: صيغة النهى بعد سابقة الوجوب إذا قلنا إن صيغة الأمر بعد الحصر للإباحة؟ فيه وجهان: أحدهما أنه يفيد التنزيه دون التحريم والثانى التحريم ذكرهما القاضى أبو يعلى والثانى اختاره الحلوانى وغيره وقيل الإباحة والله أعلم. إذا تقرر هذا فإطلاق النهى هل يدل على الفساد أم لا؟ في ذلك مذاهب. أحدها: أنه يدل على الفساد مطلقا قال أبو البركات نص عليه في مواضع تمسك فيها بالنهى المطلق على الفساد وهذا قول جماعة من الفقهاء حكاه القاضى أبو يعلى. قال الخطابى ظاهر النهى يوجب فساد المنهى عنه إلا أن تقوم دلالة على خلافه قال وهذا هو مذهب العلماء في قديم الدهر وحديثه ذكره في الأعلام في النهى عن بيع الكلب. والثانى: لا يدل عليه مطلقا ونقله في المحصول عن أكثر الفقهاء والآمدي عن المحققين. والثالث: وهو المختار في الحصول والمنتخب١ وغيرهما وقاله

стр. 248

أبو الحسين البصرى يدل عليه في العبادات دون المعاملات. والرابع أنه يدل مطلقا في العبادات كما ذكرناه وكذلك في المعاملات إلا إذا رجع إلى أمر مقارن للعقد غير لازم له بل ينفك عنه كالنهى عن البيع يوم الجمعة وقت النداء فإن النهى إنما هو لخوف تفويت الصلاة لا لخصوص البيع إذ الأعمال كلها كذلك والتفويت غير لازم لماهية البيع. وهذا القول قد نقله ابن برهان في الوجيز١ عن الشافعى واختاره الرازى في المعالم في أثناء الاستدلال ونقله الآمدي بالمعنى عن أكثر أصحاب الشافعى. وحيث قلنا يدل على الفساد فقيل يدل من جهة اللغة والصحيح عند الآمدي وابن الحاجب أنه لا يدل إلا من جهة الشرع. وفي كلام أبى البركات ما يقتضى أنه قد قيل إنه بالفعل. وإذا قلنا النهى لا يدل على الفساد فبالغ بعضهم وقال يدل على الصحة واختار الغزالى في موضع من المستصفى هذا القول ثم قال بعد ذلك في هذا إنه فاسد والله أعلم. فائدة: إذا قام دليل على أن النهى ليس للفساد لم يكن مجازا لأنه لم ينتقل عن جميع موجبه وإنما انتقل عن بعض موجبه فصار كالعموم الذي خرج بعضه فإنه يبقى حقيقة فيما بقى قاله ابن عقيل. قال وكذلك إذا قامت الدلالة على نقله عن التحريم فإنه يبقى نهيا حقيقة عن التنزيه كما إذا قامت دلالة الأمر على أنه ليس على الوجوب. قال أبو البركات الأول مبنى على أن الفساد مدلول عليه بلفظ النهى وإلا فإن كان معلوما بالعقل أو بالشرع لم يكن انتفاؤه مجازا ولا إخراج بعض مدلول اللفظ وهكذا كل دلالة لزومية فإن تخلفها هل يجعل اللفظ مجازا أو يكون

стр. 249

بمنزلة التخصيص والله أعلم انتهى. إذا تقرر هذا فالتفريع على دلالة النهى عنه كثيرة في المذهب جدا في العبادات والمعاملات وغيرهما وفي المذهب فروع منهى عنها لم يقولوا فيها بالفساد ادعى الأصحاب أنها خرجت بدليل وفيه نظر والله أعلم.

стр. 250

فصل: العموم والخصوص. جمهور العلماء على أن العرب وضعت للعموم صيغا تخصه فإن استعملت في الخصوص كان مجازا وعكس آخرون وقالوا: تلك الصيغ حقيقة في الخصوص مجاز في العموم. وقال القاضى أبو بكر اللفظ مشترك بينهما وذهب إليه الأشعرى تارة واختار الآمدي الوقف وذهب إليه الأشعرى تارة أخرى. وقيل بالتوقف في الأخبار والوعد والوعيد دون الأمر والنهى. فالتوقف إما على معنى لا ندرى هل وضع له صيغة أم لا؟ وإما على معنى إنا نعلم أنه وضع إلا أنا لا ندرى أهو حقيقة في العموم والخصوص أم مجاز في أحدهما والله أعلم.
следующие страницы →