والسابع أنه لأحدهما لا بعينه قال بعضهم فيكون محمولا على هذا القول والقول الذي قبله.
وقد يقال على هذين القولين يرجع إلى القول بالتحريم لأن ترك الحرام واجب وهذا اللفظ مشترك بين الحرام وغيره فيجب الكف لأنه من ناب مالا يتم الواجب إلا به والله أعلم.
فوائد أصولية:
منها: نقل علي بن سعيد عن الإمام أحمد أنه قال ما أمر به النبى ﷺ عندى أسهل مما نهى عنه وكذلك نقل عنه الجوينى الأمر أسهل من النهى.
قال أبو الخطاب هذا يدل على أن إطلاق الأمر يقتضى الندب وهذا احتمال أبداه أبو البركات قال وهو بعيد لمخالفته منصوصاته الكثيرة.
قال أبو البركات ويحتمل وهو الأظهر أنه قصد أنه أسهل بمعنى أن جماعة من الفقهاء فرقوا بأن الأمر للندب والنهى للتحريم والنهى للدوام والأمر لا يقتضى التكرار والله أعلم.
قلت: قال القاضى في المجرد في باب الصلاة بالنجاسة إن صلاة المأموم تبطل بترك الإمام ركنا رواية واحدة وهل تبطل بفعل الإمام منهيا عنه طرأ عليه كالحدث والكلام ونحوه على روايتين إحداهما تبطل كما تبطل بترك ركن والثانية لا تبطل قال لأن فعل المنهى عنه أخف من ترك المأمور به ألا ترى أن ترك القراءة في الصلاة يبطلها رواية واحدة؟
واختلف قوله في الكلام ساهيا هل يبطل صلاة المتكلم وإذا سبقه الحدث هل يستقبل الصلاة أم يبنى وإذا كبر دون الصف جاهلا بذلك عفي عنه وكان المنهى عنه أخف من ترك المأمور به انتهى.
قلت: وهذا عكس نص أحمد في رواية الميمونى وعلى بن سعيد والله أعلم.
ومنها: إذا قيل: الأمر يقتضي تكرار فالنهي أولى وإن قيل لا
стр. 247
يقتضيه الأمر فالمشهور من مذاهب العلماء أن النهي يقتضيه ونسب إلى الإمام فخر الدين أن النهي لا يقتضي التكرار كالأمر والله أعلم.
ومنها: إذا قال لا تفعل هذا مرة قال القاضى أبو يعلى يقتضى الكف مرة فإذا ترك مرة سقط وقال غيره يقتضى تكرار الترك ذكره في المسودة.
ومنها: صيغة النهى بعد سابقة الوجوب إذا قلنا إن صيغة الأمر بعد الحصر للإباحة؟
فيه وجهان:
أحدهما أنه يفيد التنزيه دون التحريم والثانى التحريم ذكرهما القاضى أبو يعلى والثانى اختاره الحلوانى وغيره وقيل الإباحة والله أعلم.
إذا تقرر هذا فإطلاق النهى هل يدل على الفساد أم لا؟
في ذلك مذاهب.
أحدها: أنه يدل على الفساد مطلقا قال أبو البركات نص عليه في مواضع تمسك فيها بالنهى المطلق على الفساد وهذا قول جماعة من الفقهاء حكاه القاضى أبو يعلى.
قال الخطابى ظاهر النهى يوجب فساد المنهى عنه إلا أن تقوم دلالة على خلافه قال وهذا هو مذهب العلماء في قديم الدهر وحديثه ذكره في الأعلام في النهى عن بيع الكلب.
والثانى: لا يدل عليه مطلقا ونقله في المحصول عن أكثر الفقهاء والآمدي عن المحققين.
والثالث: وهو المختار في الحصول والمنتخب١ وغيرهما وقاله
стр. 248
أبو الحسين البصرى يدل عليه في العبادات دون المعاملات.
والرابع أنه يدل مطلقا في العبادات كما ذكرناه وكذلك في المعاملات إلا إذا رجع إلى أمر مقارن للعقد غير لازم له بل ينفك عنه كالنهى عن البيع يوم الجمعة وقت النداء فإن النهى إنما هو لخوف تفويت الصلاة لا لخصوص البيع إذ الأعمال كلها كذلك والتفويت غير لازم لماهية البيع.
وهذا القول قد نقله ابن برهان في الوجيز١ عن الشافعى واختاره الرازى في المعالم في أثناء الاستدلال ونقله الآمدي بالمعنى عن أكثر أصحاب الشافعى.
وحيث قلنا يدل على الفساد فقيل يدل من جهة اللغة والصحيح عند الآمدي وابن الحاجب أنه لا يدل إلا من جهة الشرع.
وفي كلام أبى البركات ما يقتضى أنه قد قيل إنه بالفعل.
وإذا قلنا النهى لا يدل على الفساد فبالغ بعضهم وقال يدل على الصحة واختار الغزالى في موضع من المستصفى هذا القول ثم قال بعد ذلك في هذا إنه فاسد والله أعلم.
فائدة:
إذا قام دليل على أن النهى ليس للفساد لم يكن مجازا لأنه لم ينتقل عن جميع موجبه وإنما انتقل عن بعض موجبه فصار كالعموم الذي خرج بعضه فإنه يبقى حقيقة فيما بقى قاله ابن عقيل.
قال وكذلك إذا قامت الدلالة على نقله عن التحريم فإنه يبقى نهيا حقيقة عن التنزيه كما إذا قامت دلالة الأمر على أنه ليس على الوجوب.
قال أبو البركات الأول مبنى على أن الفساد مدلول عليه بلفظ النهى وإلا فإن كان معلوما بالعقل أو بالشرع لم يكن انتفاؤه مجازا ولا إخراج بعض مدلول اللفظ وهكذا كل دلالة لزومية فإن تخلفها هل يجعل اللفظ مجازا أو يكون
стр. 249
بمنزلة التخصيص والله أعلم انتهى.
إذا تقرر هذا فالتفريع على دلالة النهى عنه كثيرة في المذهب جدا في العبادات والمعاملات وغيرهما وفي المذهب فروع منهى عنها لم يقولوا فيها بالفساد ادعى الأصحاب أنها خرجت بدليل وفيه نظر والله أعلم.
стр. 250
فصل: العموم والخصوص.
جمهور العلماء على أن العرب وضعت للعموم صيغا تخصه فإن استعملت في الخصوص كان مجازا وعكس آخرون وقالوا: تلك الصيغ حقيقة في الخصوص مجاز في العموم.
وقال القاضى أبو بكر اللفظ مشترك بينهما وذهب إليه الأشعرى تارة واختار الآمدي الوقف وذهب إليه الأشعرى تارة أخرى.
وقيل بالتوقف في الأخبار والوعد والوعيد دون الأمر والنهى.
فالتوقف إما على معنى لا ندرى هل وضع له صيغة أم لا؟ وإما على معنى إنا نعلم أنه وضع إلا أنا لا ندرى أهو حقيقة في العموم والخصوص أم مجاز في أحدهما والله أعلم.
стр. 251
القاعدة ٥٢
المفرد المحلى بالألف واللام يقتضى العموم إذا لم تكن هناك قرينة عهد.
وقد نص إمامنا ﵀ على ذلك في مواضع وقاله أبو عبد الله الجرجانى١ وابن برهان وأبو الطيب ونص عليه الشافعى في الرسالة وفي٢ البويطي ونقله الآمدي عن الشافعى والأكثرين ونقله الإمام فخر الدين عن الفقهاء والمبرد.
ثم اختار هو ومختصر كلامه أنه يقتضى العموم وهو قول أبى على الجبائى واختلف عن أبى هاشم.
وإن كان هناك معهود انصرف إليه قاله ابن مالك في التسهيل وغيره من الأصوليين.
قلت: وسواء كان المعهود عرفيا أو شرعيا.
إذا تقرر هذا فيتعلق بالقاعدة مسائل.
منها: دعوى أن الأصل جواز البيع في كل ما ينتفع به ولم ينه عنه عملا بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] حتى يستدل به مثلا على جواز بيع لبن الآدميات ونحوه مما وقع فيه الخلاف إن قلنا إنه للعموم وإلا فلا وجمهور العلماء على أنه للعموم وقال بعضهم إنه مجمل.
стр. 252
وعلى الأول فهل هو من العام المخصوص؟ أو من العام الذي أريد به الخصوص في ذلك قولان.
والفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص من وجهين.
أحدهما أن العام المطلق الذي يجرى على عمومه وإن دخله التخصيص ما يكون المراد باللفظ أكثر وما ليس بمراد باللفظ يكون أقل والعام الذي أريد به الخصوص ما يكون المراد باللفظ أقل وما ليس بمراد باللفظ أكثر.
والفرق الثانى أن البيان فيما أريد به الخصوص متقدم على اللفظ وفيما أريد به العموم متأخر عن اللفظ ومقترن به وعلى كلا القولين يجوز الاستدلال به على إباحة البيوع.
والمختلف فيها ما لم يقم دليل على التخصيص على إخراجها من العموم وكذلك الاستدلال على بطلان ما فيه غرر بقوله نهى عن بيع الغرر١ وكذلك الاستدلال على بطلان بيع اللحم بالحيوان مأكولا أو غير مأكول بقوله نهى عن بيع اللحم بالحيوان٢.
وأما تحرير مذهبنا في ذلك فإن كان الحيوان مأكولا فيحرم بيعه بلحم من جنسه وكذا بغير جنسه إن قيل اللحم جنس واحد فإن قيل أجناس فيجوز أشار إلى ذلك صاحب المغنى.
ولنا قول بالمنع مطلقا مأكولا أو عير مأكول.
واختار أبو العباس المنع فيما إذا كان من جنسه وكان الحيوان مقصود اللحم.
стр. 253
فعلى قول جمهور أصحابنا يكون من العام المخصوص أو الذي أريد به الخصوص والله أعلم.
ومنها: إذا قال الزوج الطلاق يلزمنى أو أنت الطلاق فهل يلزمه ثلاث أو واحدة إذا لم ينوه في المسألة روايتان لزوم الثلاث بناء على المحلى ولزوم الواحدة بناء على تقديم المعهود على العموم إذ معنى المعهود سنى وهو أن السنة أن يطلقها واحدة.
ولعل هاتين الروايتين مبنيتان على أن الطلاق الثلاث هل هو سنى أو بدعى وفي المسألة روايتان فإن قلنا هو سنى لزمت الثلاث بناء على عموم المحلى وإن قلنا ليس سنيا وإنما السنة الواحدة فينصرف المحلى إلى المعهود السنى وهو الواحدة.
وقد يقال تطلق واحدة وإن قلنا الثلاث سنة والمحلى بالالف واللام يقتضى الاستغراق بناء على العرف اذا العرف يقتضى أن ذلك واحدة.
أما إن قال أنت على حرام أعنى به الطلاق ولم يجعل ذلك ظهارا على الصحيح من الروايتين فذكر أبو محمد المقدسي وأبو البركات وغيرهما في المسألة الروايتين اللتين في المسألة قبلها.
وقد يفرق بين هذه المسألة والتى قبلها بأن هذه المسألة ذكر فيها أولا أنت على حرام وفسر التحريم بالطلاق والطلاق لا يكون محرما إلا إذا كان ثلاثا بحذف التى قبلها فإنه لم يصرح فيها بالتحريم فيبقى لزوم الطلاق فيها مبنيا على عموم المحلى بالألف واللام أو الرجوع إلى المعهود السنى أو العرفي.
وهذا الفرق إنما يتأتى إذا قلنا الرجعية مباحة أما إذا قلنا الرجعية محرمة فلا.
وعلى رواية وقوع الثلاث فلو نوى به ما دونها فهل يقع به ما نواه خاصة أو يقع به الثلاث ويكون ذلك صريحا في الثلاث فيه طريقان للأصحاب.
هذا الكلام بالنسبة إلى عدد الطلاق. وأما بالنسبة إلى عدد الزوجات فلو قال الطلاق يلزمنى لا أفعل كذا وفعله وله أكثر من زوجة فإن كان هناك نية
стр. 254
أو سبب يقتضى التعميم أو التخصيص عمل به وإن فقد السبب والنية خرجها بعض الأصحاب على الروايتين في وقوع الثلاث بذلك على الزوجة الواحدة لأن الاستغراق في الطلاق يكون تارة في نفسه وتارة في محله.
وفرق بعضهم بينهما بأن عمومه للطلاق الثلاث من باب عموم المصدر لأفراده وعموم الزوجات يشبه عموم المصدر لمفعولاته وعمومه لأفراده أقوى من عمومه لمفعولاته لأنه يدل على أفراده بذاته عقلا ولفظا وإنما يدل على مفعولاته بواسطة مثال الأكل والشرب مثلا فإنه يعم أنواع الأكل والشرب أبلغ من عمومه المأكول والمشروب إذا كان عاما فلا يلزم من عمومه لأفراده وأنواعه عمومه لمفعولاته ذكر مضمون ذلك أبو العباس.
وقوى في موضع آخر وقوع الطلاق بجميع الزوجات دون وقوع الثلاث بالزوجة الواحدة وفرق فيها بأن وقوع الطلاق بالزوجات المتعددات.
وفي الروضة إن قال إن فعلت كذا فامرأته طالق وفعل وقع بالكل أو بمن بقى قال وإن قال علي الطلاق لأفعلن ولم يذكر المرأة فالحكم على ما تقدم فإن لم يبق تحته زوجة ثم تزوج أخرى وفعل المحلوف عليه وقع أيضا ولو قال فلانة طالق لأفعلن كذا فمات أو طلقها ثم تزوج أخرى لم تطلق لأنه عينه لامرأة انتهى.
ومنها: دعوى أن الأصل في الأبوال كلها النجاسة استدلالا بقوله ﵇: "تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" ١ ولكن أصحابنا حملوا الألف واللام هنا على العهد وهو بول الآدمى بقرينة.
ومنها: دعوى جواز التكبير في الصلاة بقول المصلى الله الاكبر أو الكبير أو إذا نكس على خلاف في ذلك استدلالا بقوله ﵊: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" ٢ والمذهب لمنصوص الصحيح عندنا لا
стр. 255
يجزئه إلا قول الله أكبر فتكون الألف واللام للعهد لأنه لم ينقل عن النبى ﷺ أنه كبر بغيرها وقد جاء الخبر في نفي قبول الصلاة بغير الله أكبر والمعنى الموجود فيها لا يوجد في غيرها.
ومنها: دعوى جواز السلام للخروج من الصلاة بقوله عليكم السلام و"سلام عليكم" بغير تعريف والسلام عليكم من غير ذكر الرحمة.
ولنا في المسألة الأولى وجهان ذكرهما القاضى أبو يعلى في الجامع الكبير مدركهما هل المراد بالألف واللام العموم أو العهد؟
ولنا في المسألة الثانية ثلاثة أوجه.
أحدها: الإجزاء إذا نواه وهو احتمال للقاضى أبداه في الجامع الكبير قال وقد أومأ إليه أحمد في رواية مهنا وقد سأله ما قوله حذف السلام سنة؟ قال: أن لا يطولها سلام عليكم ولأن التنوين يقوم مقام الألف واللام.
والثانى: عدم الإجزاء بناء على أن الألف واللام للعهد لا للعموم.
والثالث: عدم الإجزاء مطلقا سواء نواه أو لم ينوه ذكره الآمدي.
ولنا في المسألة الثالثة قولان هما احتمالان للقاضى في الجامع الكبير.
أحدها: الإجزاء لقول أحمد في رواية ابن أصرم المزنى١ وقد سئل عن قوله حذف السلام سنة قال لا يطيله السلام عليكم بناء على أن الألف واللام لجنس السلام لا للعهد.
وعدم الإجزاء واختاره أبو الخطاب وغيره بناء على أن المراد بالألف
стр. 256
واللام العهد لأن من وصف سلام النبى ﷺ وصفه مع ذكر الرحمة والأخبار متطابقة بذلك.
وأما صلاة الجنازة فذكر بعض أصحابنا وجها أنه لا يجزىء السلام منها بدون ذكر الرحمة والمنصوص عن أحمد في رواية علي بن سعيد وقد سئل عن التسليم عن الجنازة فقال واحدة فقيل له كيف تسلم فقال السلام عليكم ورحمة الله فقيل له تقول ورحمة الله فتوقف ساعة ثم قال إن شاء قال وإن شاء لم يقل ورحمة الله.
ومنها: لو حلف الحالف لا أرى منكرا إلا رفعته إلى الوالى من غير تعيين فهل يتعين المنصوب في الحال أم يبرأ بالرفع إلى كل من ينصب بعده.
في المسألة وجهان قال في الترغيب لتردد الألف واللام بين تعريف الجنس والعهد.
ومنها: إذا قال الزوج امرأة القاضى طالق١ ولم يكن معنا سبب ولا عهد ولا بينة هل تطلق زوجته أم لا هذه المسألة لم أرها منقولة فيما وقفت عليه من كتب أصحابنا فيتجه أن يقال فيها يخرج على قاعدة المحلى بالألف واللام هل يقتضى العموم أم لا ويتجه بناؤها على قاعدة أخرى وهى أن المخاطب بكسر الطاء هل هو داخل في عموم خطابه أم لا كما سيأتى تقريرها إن شاء الله تعالى.
ومنها: إذا نوى المتيمم بتيممه الصلاة وأطلق ولم ينو فرضا ولا نافلة وقلنا بالمذهب المشهور إن التيمم يبيح الصلاة لا يرفع الحدث فهل يتناول تيممه الفرض والنفل بالقاعدة أم النفل خاصة تنزيلا له على الأدنى في المسألة قولان أشهرهما عند الأصحاب الثانى.
ومنها: إذا قال السيد لعبده إذا قرأت القرآن فأنت مدبر فقرأ بعضه لا يصير مدبرا حملا لها على الاستغراق إلا بدليل.
стр. 257
وقد ذكر بعض أصحابنا حنث من حلف لا يقرأ القرآن بقراءة بعضه وما قصد الحنث.
فخرج على الروايتين إذا حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه.
стр. 258
القاعدة ٥٣
المفرد المضاف يعم
هذا مذهبنا ونص عليه إمامنا تبعا لابن عباس وعلى رضى الله عنهما قاله صاحب المحصول ومختصر كلامه.
وقال القرافي في شرح التنقيح ينبغى أن يفصل بين أسم الجنس إذا أضيف فإن كان جمعا عم وإن كان مفردا فلا قال لكن لم أره منقولا والاستعمالات العربية تقتضيه.
قلت: وحكى عن الشافعية والحنفية أن المفرد المضاف لا يعم.
إذا تقرر هذا فمن الفروع المتعلقة بالقاعدة.
إذا قال زوجتى طالق وعبدى حر ولم ينو معينا فالمنصوص عن أحمد أنه تطلق جميع زوجاته ويعتق جميع عبيده.
واختار أبو محمد المقدسي في المغنى أنه تطلق إحداهن ويعتق أحدهم ويخرج بالقرعة.
ومنها: إذا نذر ذبح ولده وقلنا يلزمه ذبح كبش فكان له أولاد فإنه يلزمه أن يذبح عن كل واحدا كبشا ذكر ذلك أبو محمد المقدسي وعزاه إلى نص أحمد ولم يخالفه وبناه على القاعدة وهو مخالف لما اختاره في كتاب الطلاق.
ومنها: إذا أوصى لحمل امرأة فولدت ذكرا أو أنثى فهما سواء ذكره أبو محمد وغيره.
стр. 259
ومنها: إذا أوصى السيد لمكاتبه بأوسط نجومه وكانت النجوم١ شفعا متساوية القدر تعلق الوضع بالشفع المتوسط كالأربعة المتوسط منها الثانى والثالث وكالستة المتوسط منها والثالث والرابع ذكره أبو محمد المقدسي وغيره وهو مبنى على القاعدة.
ومنها: إذا قال إن كان حملك ذكرا فأنت طالق طلقة وإن كان أنثى فطلقتين فولدت ذكرا وأنثى قال الأصحاب لا تطلق وعللوه بأن حملها ليس بذكر ولا أنثى بل بعضه هكذا وبعضه هكذا وهو موافق لكون المضاف للعموم.
ومنها: إذا وقف على ولده فإنه يتناول جميع أولاده الذكور والإناث ذكره الأصحاب وللإمام أحمد رضى الله عنه نص يدل على ذلك.
وهل يتناول ولد البنين أيضا على روايتين ولا يتناول ولد البنات جزم به أبو محمد المقدسي وغيره.
قال الحارثى والصواب التسوية بين الصورتين وكذلك إذا قال وقفت على ابنى وقرابتى فإنه يتناول الجميع.
ومنها: وهو مخالف للقاعدة إذا قال الموصى أوصيت لجارى محمد بكذا وله جاران بهذا الاسم هل تصح الوصية أم لا؟
في المسألة روايتان أصحهما قول الأصحاب لا تصح للابهام والرواية الأخرى تصح ويعطى هو الورثة واحدا وهل هو بقرعتهم أو بتعيينهم في المسألة وجهان.
ومقتضى القاعدة أنه يصرف إليهما جميعا على السواء ولم يقل بواحد.
стр. 260
القاعدة ٥٤
النكرة في سياق النفي تعم سواء باشرها النافي نحو ما أحد قائم أو باشرها عاملها نحو ما قام أحد وسواء كان النافي نحو ما أو لم أو لن أو ليس أو غيرها.
ثم إن كانت النكرة صادقة على القليل والكثير كشىء أو ملازمة للنفي نحو أحد وكذا صيغة بد نحو مالى عنه بد كما نقله القرافي في شرح التنقيح عن الكافي والمنتخب أو داخلا عليها من نحو ما جاءنى من رجل أو واقعة بعد لا العاملة عمل إن وهى لا التى لنفي الجنس فواضح كونها للعموم وقد صرح به مع وضوحه النحاة والأصوليون.
وما عدا ذلك نحو ما في الدار رجل بدون من ولا رجل قائما أى تنصب الخبر فمقتضى إطلاق الأصوليين أنها للعموم أيضا وهو مذهب سيبويه وممن نقله عنه أبو حيان في الكلام على حروف الجر ونقله من الأصوليين إمام الحرمين في البرهان في الكلام على معانى الحروف ولكنها ظاهرة في العموم لا نص فيه.
قال إمام الحرمين وهذا نص سيبويه على جواز مخالفته فتقول ما فيها رجل بل رجلان كما تعدل عن الظاهر فتقول جاء الرجال إلا زيدا.
وقال الجرجانى١ في أول شرح الإيضاح على أن الحرف قد يكون
стр. 261
زائدا من حيث العمل دون المعنى كقولك قال الزمخشرى وغيره في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] لو قال ما لكم إله غيره بحذف من لم يحصل العموم وكذلك قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [يّس: ٤٦] لو قال ما تأتيهم آية بحذف من لم يحصل العموم.
قال القرافي بعد حكايته عنهما هذا وهذا يقتضى أن هذه الصيغ الخاصة كلها إذا كانت في سياق النفي لا تفيد العموم وإنما تفيد النكرات العامة نحو أحد وشىء فإذا قلت: ما جاءنى أحد حصل العموم وإذا قلت: ما جاءنى من أحد كانت مؤكدة للعموم لا منشئة للعموم هذا نقل النحاة والمفسرين.
وإذا عمت النكرة فهل تعم متعلقات الفعل المنفي.
قال القرافي الذي يظهر لى أنها تعم في الفاعل والمفعول إذا كانا متعلقا الفعل أما ما زاد على ذلك فلا نحو قولنا ليس في الدار أحد ولم يأتنى اليوم أحد فإن ذلك ليس نفيا للطرفين المذكورين وكذلك ما جاءنى أحد ضاحكا ليس نفيا للأحوال قال القرافي ويستثنى من أن النكرة في سياق النفي تعم صورتان.
إحداهما إذا قلت: لا رجل في الدار بالرفع فإنها لا تعم بل هى نفي للرجل بوصف الوحدة فتقول العرب لا رجل في الدار بل اثنان ونقله عن سيبويه فهذه نكرة في سياق النفي وهى لا تعم إجماعا.
قلت: قد تقدم النقل عن سيبويه بأنه إذا قال ما في الدار رجل أنه يعم عموما ظاهرا وكذلك إذا قال لا رجل في الدار بالرفع يعم عموما ظاهرا.
الصورة الثانية تسلب الحكم عن العموم حيث وقع كقولك ما كل عدد زوجا فإن هذا ليس حكما بالسلب على كل فرد من أفراد العدد وإلا لم يكن فيه زوج وذلك باطل بل مقصودك إبطال قول من يقول إن كل عدد زوج
стр. 262
فقلت: أنت ما كل عدد زوجا أى ليست الكلية صادقة بل بعضها ليس كذلك فهو سلب للحكم عن العموم لا حكم بالسلب على العموم فتأمل الفرق بينهما.
إذا تقرر هذا فمما يتعلق بالقاعدة مسائل.
منها: صحة الاستدلال على منع الحائض والجنب من قراءة القرآن ولو دون آية بقوله ﷺ : "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن"١ إذا صححنا الحديث.
ومنها: إا قال المدعى لا بينة لى ثم أتى ببينة فالمذهب المنصوص أنها لا تسمع بينته ولنا قول آخر أنها تسمع واختاره ابن عقيل وغيره واستشكل على المنصوص إذا قال الشاهد لست متحملا عليك شهادة ثم أداها بعد ذلك فإن المنصوص عن أحمد أنها تسمع.
والفرق بين النصين أن الشهادة حق عليه فتسمع بعد النفي كما لو أقر بالحق بعد جحوده والبينة حق له فلا تسمع كما لو ادعى الخق بعد أن نفاه والله أعلم.
стр. 263
القاعدة ٥٥
النكرة في سياق الإثبات إن كانت للامتنان عمت.
أخذا من استدلال أصحابنا إذا حلف لا يأكل فاكهة أنه يحنث بأكل التمر والرمان بقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨] وذكر ذلك أيضا جماعة من العلماء منهم القاضى أبو الطيب في أوائل تعليقه.
إذا تقرر هذا فمن فروع القاعدة.
الاستدلال على طهورية كل ما نزل من السماء أو نبع من الأرض بقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] فإن لم تكن النكرة المثبتة للامتنان فإنها لا تعم.
وذكر في المحصول كلاما يوهم خلاف هذا فقال إنها إن وقعت في الخبر نحو جاء رجل فإنها لا تعم وإن وقعت في الأمر نحو أعتق رقبة عمت عند الأكثرين بدليل الخروج عن العهدة بإعتاق ما شاء هذا كلامه.
وقد علم منه أنه ليس المراد هنا عموم الشمول حينئذ فيكون الخلاف إنما هو في إطلاق اللفظ ووجه كونها في الخبر أن الواقع شخص ولكن التبس علينا بخلاف الأمر.
стр. 264
القاعدة ٥٦
"النكرة في سياق الشرط تعم".
ذكره أبو البركات في المسودة وذكره إمام الحرمين في البرهان وتابعه عليه الأنبارى في شرحه واقتضاه كلام الآمدي وابن الحاجب في مسألة لا أكلت وإن أكلت ونوى تخصيصه وكلامه في المغنى في مسألة الرشد ما هو يقتضى أنها لا تعم.
وإذا ثبت أنها تعم فهل تفيد العموم لفظا أو بطريق التعليل قال أبو العباس فيه نظر.
إذا تقرر هذا فمن فروع القاعدة.
إذا قلت: من يأتينى بأسير فله دينار فإنها تعم كل أسير وكذلك ما أشبهه قاله أبو البركات في المسودة.
ومنها: إذا قال الموصى إن ولدت أنثى فله مائة وإن ولدت ذكر افله ألف فولدت ذكرين وأنثيين فإنه يشترك بين الذكرين في الألف وبين الأنثين في المائة قال في الكافي لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر فيكون عاما وفيه بحث.
ومنها: وهو مخالف للقاعدة إذا قال السيد لأمته إذا ولدت ولدا فهو حر فولدت ميتا ثم حيا ففي عتق الحى روايتان وعلل رواية عدم الإعتاق بأن الميت ولد في الجملة فينصرف التعليق إليه ولا يتناول الحى ورواية الإعتاق بأن الميت وجوده كعدمه فينصرف الإعتاق إلى الحى.
стр. 265
فعلى كل من التعليلين إذا ولدت ولدين حيين فإنه يعتق الأول فيهما فقط وهذا مشكل على القاعدة إذ ذلك نكرة في سياق الشرط فتعم كل ولد تلدينه أو من تلدينه فهو حر فهذا لفظ عام فما الفرق بين العمومين.
فإن قيل العموم هنا في نفس أداة الشرط فإن من وأى هى نفس المفعول الذي هو متعلق الفعل ولهذا يحكم على محل من بالنصب على المفعولية ويظهر في أى فالعموم الذي في الأداة لنفس المفعول المولود وهو بعينه في قوله إذا ولدت ولدا اللهم إلا أن يريد التخصيص بواحد فيبقى من باب تخصيص العام والله أعلم.
ومنها: وهو مخالف للقاعدة إذا قال الزوج لأمرأته إذا ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين فولدت أنثى ثم أنثى طلقت طلقتين بالأنثى الأولى ولم تطلق بالأنثى الثانية ذكره القاضى في الجامع الكبير قال لأن الصفة إذا ولدت أنثى فأنت طالق وقد طلقت بأن ولدت أنثى ولا تعود الصفة بأنثى أخرى ويأتى في هذه المسألة من البحث مثل ما في التى قبلها والله أعلم.
стр. 266
القاعدة ٥٧
المتكلم من الخلق يدخل في عموم متعلق خطابه عند الأكثرين سواء كان أمرا أو نهيا أو خبرا أو إنشاء.
وقيل لا يدخل مطلقا.
واختار أبو الخطاب يدخل إلا في الأمر وهو أكثر كلام القاضى وحكاه التميمى عن أحمد.
قال في المحصول ويشبه كونه أمرا قرينة مخصصة وقال في الحاصل وهو الظاهر.
إذا تقرر هذا فمن فروع القاعدة.
هل كان للنبى ﷺ أن يتزوج بلا ولى ولا شهود وزمن الإحرام؟
في المسألة وجهان ذكرهما القاضى أبو الحسين ووالده١ وغيرهما.
قال القاضى في الجامع الكبير ظاهر كلام أحمد في رواية الميمونى جواز النكاح للنبى ﷺ بلا ولى ولا شهود وزمن الإحرام واختار أبو عبد الله بن حامد أنه لم يكن ذلك مباحا له والله أعلم.
ومنها: هل الواقف٢ مصرفا لوقفه كما إذا وقف على الفقراء ثم افتقر فإنه يدخل على الأصح في المذهب ونص عليه أحمد في رواية المروذى وأبدى صاحب التلخيص احتمالا بعدم الدخول ولا خلاف في جواز
стр. 267
انتفاعه بالمسجد الذي وقفه قاله الحارثى.
والفرق بين هذا وبين انتفاعه بالمسجد عسر ومراده على الاحتمال الذي أبداه صاحب التلخيص والله أعلم.
والظاهر أن محل الخلاف في دخوله إذا أفتقر على قولنا بأن الوقف على النفس يصح كما نص عليه أحمد في رواية يوسف بن موسى والفضل بن زياد وإسحاق بن أبراهيم.
وأما إذا قلنا بأن الوقف على نفسه لا يصح كما نص عليه أحمد في رواية أبى طالب وحنبل فلا يدخل في العموم إذا افتقر جزما لأنه لا يتناول بالخصوص فلا يتناول بالعموم بطريق الأولى والله أعلم.
وكذلك لو انقطع مصرف الوقف وقلنا يرجع إلى أقاربه وقفا فكان الواقف حيا هل يرجع إليه على روايتين حكاهما ابن الزاغونى في الإقناع١ وجزم ابن عقيل في المفردات بدخوله.
وكذلك لو وقف على أولاده وأمثالهم أبدا على أن من توفي منهم عن غير ولد رجع نصيبه إلى أقرب الناس إليه فتوفي أحد أولاده عن غير ولد والأب الواقف حى فهل يعود نصيبه إليه لكونه أقرب الناس إليه أم لا فإنها تخرج على ما قبلها والله أعلم.
ومنها: إذا قال الرجل إن دخل أهله الدار فامرأتى طالق ودخل هو لم تطلق امرأته ذكره القاضى وغيره وهو مخالف للقاعدة لدليل وهو أن قرينة حال المتكلم تدل على أنه إنما يحلف على غيره ويمنع من سواه فيخرج هو من العموم.
وأبدى في المغنى احتمالا آخر بالحنث بناء على القاعدة.
стр. 268
القاعدة ٥٨
المخاطب بفتح الطاء هل يدخل في العمومات الواقعة معه.
قاعدة المذهب تقتضى عدم الدخول ولكن المرجح عند أكثر الأصوليين أن الحطاب العام مثل يا أيها الناس يتناول الرسول.
وقال طائفة من الفقهاء والمتكلمين لا يتناوله.
قال الحليمى١ يتناوله إلا أن يكون معه قال وقاله أبو بكر الصيرفي.
وقد يقال إنما كانت قاعدة المذهب مخالفة لقاعدة الأصول هنا لدليل وهو أن خطاب الشارع المراد به التعبد وهو عام إذ قد تقرر في أصلنا أن الخطاب الثابت للصحابة ثابت للنبى ﷺ .
وأما قاعدة المذهب فهى في أقوال عن الشارع.
وقد تقرر في غير هذا الموضع أن المكلف لا يلزم إذا قال شيئا أو حكم بشىء لعلة أنه يتعدى بخلاف الشارع والله أعلم.
إذا تقرر فيتعلق بالقاعدة فروع.
منها: إجابة المؤذن نفسه المنصوص عن أحمد أنه يجيب وهذا مخالف لقاعدة المذهب لدليل وهو الحث على جمع الأجرين له الدعاء والإجابة.
стр. 269
ومنها: إذا وكل عبده أو غريمه بإعتاق عبيده أو إبراء غرمائه هل يملك عتق نفسه وإبراءها في المسألة قولان.
المذهب أنه لا يملك عتق نفسه ولا إبراءها وجزم الآجرى بأنه يملك ذلك وفرق بين ذلك وبين من تصدق بكذا أنه ليس له أجره لأن إطلاقه ينصرف إلى استحقاق إعطاء الغير لأنه من التفعل وكذلك إذا قال لزوجته طلقى نسائى هل تطلق نفسها أم لا؟
ومنها: الوكيل في البيع هل له الشراء من نفسه؟
في المسألة روايتان معروفتان المذهب ليس له ذلك.
ومنها: المأذون له أن يتصدق بمال هل له أن يأخذ منه لنفسه إذا كان من أهل الصدقة المذهب أنه لا يجوز نص عليه أحمد في رواية ابن بختان وأبدى في المغنى احتمالين آخرين أحدهما الجواز مطلقا والثانى إن دلت قرينة على إرادة أخذه منه مثل أن يكون ممن يستحق صرف ذلك إليه أو عادته الأخذ من مثله فله الأخذ وإلا فلا.
ومنها: الأموال التى تجب الصدقة بها شرعا كالمغصوب والودائع هى لمن هى في يده الأخذ منها أم لا؟
المنصوص عن أحمد أنه لا يجوز وخرج القاضى جواز الأكل منها إذا كان فقيرا على الروايتين في شراء الوصى من نفسه كذا نقله عنه ابن عقيل في فنونه وأفتى به أبو العباس في الغاصب إذا تاب.
ومنها: الوكيل في نكاح امرأة ليس له أن يزوجها لنفسه على المذهب فأما من ولايته بالشرع كالولى والحاكم وأمته فله أن يزوج نفسه وإن قلنا ليس لهم أن يشتروا من المال ذكره القاضى في خلافه وفرق بأن المال القصد منه الربح وهذا يقع فيه التهمة بخلاف النكاح فإن القصد فيه الكفاءة وحسن العشرة.
стр. 270
وألحق القاضى أيضا الوصى بذلك وهذا فيه نظر فإن الوصى يشبه الوكيل لتصرفه بالإذن وسواء في ذلك القيمة وغيرها صرح به القاضى في ذلك وذلك حيث لهما إذن معتبر والله أعلم.
ومنها: إذا قال الرجل لآخر إن دخل دارك أحد فعبدى حر فدخلها صاحبها فقال القاضى وغيره لا يعتق وأبدى في المغنى احتمالا بالعتق أخذا بعموم اللفظ.
ومنها: إذا أوصى لعبده بثلث ماله دخل في الوصية ثلث العبد نفسه ويكمل عتقه من باقى الوصية وهذا مخالف للقاعدة لكن لدليل وهو أن ملكه للوصية مشروط بعتقه فلذلك دخل في عموم المال الموصى به ضرورة صحة الوصية له والله أعلم.
وحكى الحارثى عن أهل الظاهر أنه لا يعتق ويعطى ما جعل له بناء على ملك العبد قال ويخرج من نص أحمد فيمن وصى لعبده بمائة يدفع المائة إليه فإن باعه للورثة فهى لهم إلا أن يشترط المبتاع.
وجه التخريج جعل الملك له والموصى به يغاير الموصى له فلا يدخل في الثلث والله أعلم.
ومنها: الوصى في إخراج حجة ليس له صرفها إلى نفسه بدون إذن نص عليه أحمد في رواية أبى داود وأبى الحارث وجعفر النسائى١ وحرب قال الحارثى ويطرد ههنا الخلاف في شراء الوكيل من نفسه إلا في صورتين.
إحداهما: الوصية إليه بالانتفاع به أو أن يعطى رجلا يحج عنه فهذا ونحوه نص أو كالنص في إخراج الفعل عنه.
والثانية: اقتران ما يقتضى انتفاء المباشرة مثل أن يسند إليه أمورا لا يمكن الحج معها وهى أظهر من الأولى في الخلاف والله أعلم.
стр. 271
القاعدة ٥٩
"العبيد يدخلون في مطلق الخطاب"
نص عليه الإمام أحمد رضى الله عنه وبه قال جماعة من السلف واختاره أبو بكر بن الباقلانى وأبو عبد الله الجرجانى الحنفي وجماعة من المالكية إلا أن يدل دليل على إخراجهم.
وادعى الأصحاب في صور كثيرة أنها خرجت عن القاعدة بدليل وفي كون ذلك دليلا تخرجا نظر والأظهر جعله كالحر في جميع أحكامه إلا ما أجمع على خلافة أو صح الحديث بخلافه.
وقال بعض المالكية والشافعية لا يدخلون حكاه القاضى أبو الطيب وحكاه الحلوانى أيضا.
وقال الرازى إن ما تعلق بحقوق الآدميين لا يدخلون فيه وإلا دخلوا قال ولهذا لم يجوز أصحابنا شهادة العبيد وحكى المارودى في الحاوى والرويانى١ في البحر٢ كلاهما في كتاب القضاء أن الخطاب إن تضمن تعبدا دخلوا وإن تضمن ملكا أو عقدا أو ولاية فلا.
إذا تقرر هذا فيتعلق بالقاعدة فروع.
стр. 272
منها: عورة الأمة هل هى كالحرة أم لا؟
في المسألة روايتان.
إحداهما: عورتها ما لا يظهر غالبا.
والثانية: أنها ما بين السرة والركبة.
وعن أحمد رواية. ثالثة أن عورتها الفرجان فقط كالرجل.
واختلف الأصحاب في هذه الرواية هل هى ثابتة أم لا أثبتها الحلوانى في التبصرة والظاهر أنه أخذها من ظاهر عبارة شيخه أبى الخطاب في الهداية١ وتبعه ابن تميم.
قال أبو البركات ما بين السرة والركبة من الأمة فعورة إجماعا.
وقال أبو العباس قد حكى جماعة من أصحابنا أن السوأتين عورة فقط كالرواية في عورة الرجل قال وهو غلط فاحش قبيح على المذهب خصوصا. وعلى الشريعة عموما فإن هذا لم نعلمه عن أحد من أهل العلم وكلام أحمد أبعد شىء من هذا القول.
ومنها: إذا قلنا بوجوب الصلاة جماعة على المذهب أو باشتراطها على رواية ذكرها في الواضح والإقناع واختارها ابن إبى موسى وأبو العباس فإنه لا فرق بين الحر والعبد على إطلاق الأكثرين من أصحابنا وذكر جماعة روايتين في العبد هل هو كالحر في ذلك أم لا؟
ومنها: صلاة الجمعة هل تجب على العبد أم لا؟
وفي ذلك عن الإمام أحمد ثلاث روايات.
إحداهن: وهى ظاهر المذهب أنها لا تجب عليه لقول النبى ﷺ في حديث طارق بن شهاب "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا
стр. 273
أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبى أو مريض"١ رواه أبو داود وقال طارق قيل رأى النبى ﷺ ولم يسمع منه شيئا ورواته ثقات وذكر البيهقى أنه مرسل جيد وله شواهد وأن بعضهم وصله بذكر أبى موسى الأشعرى فيه وليس بمحفوظ.
والرواية الثانية: تجب عليه مطلقا.
والرواية الثالثة: إذا أن له سيده في فعلها وجبت عليه وإلا فلا.
ومنها: إذا ملك السيد عبده مالا وقلنا يملكه فهل تجب زكاته على العبد أم لا؟
قال أكثر الأصحاب منهم أبو بكر والقاضى وفي كلام أحمد إيماء إليه لا زكاة على السيد لانتفاء ملكه له ولا على العبد لأن ملكه مزلزل ولهذا لم تلزم فيه نفقة الأقارب ولا يعتق عليه رحمه بالشراء به وحكى بعض الأصحاب رواية بوجوب زكاته على العبد على القول بأنه ملكه.
ومنهم من اشترط مع ذلك إذن السيد لقول أحمد يزكيه بإذن السيد ومراد أحمد والله أعلم أن المال للسيد وزكاته عليه والعبد كالوكيل والمودع فلا يزكى بدون إذنه.
وحكى بعضهم عن ابن حامد أنه ذكر احتمالا بوجوب زكاته على السيد على كلا القولين لأنه إما ملكه أو في حكم ملكه لتمكنه من التصرف فيه كسائر أمواله.
ومنها: اعتكافه لا يجوز بغير إذن سيده لتفويت المنافع التى للسيد وإن نذره بغير إذن سيده فلسيده تحليله ومنعه من إتمامه هذا المذهب.
وخرج أبو البركات في منتهى الغاية لا يمنع من الاعتكاف المنذور كرواية في المرأة في صوم وحج منذور.
стр. 274
قال ويتخرج وجه ثالث منعه وتحليله من نذر مطلق لأنه على التراخى كوجه لأصحابنا في سقوط نفقة الزوجة بذلك.
ومنها: الحج لا يجب عليه جزم به الأصحاب لأمره بالإعادة في حديث ابن عباس رضى الله عنهما "أيما صبى حج ولم يبلغ الحنث فعليه حجة أخرى وأيما أعرابى حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى" ١ والأكثرون على وقفة على ابن عباس وانفرد محمد بن المنهال برفعه وهو محتج به في الصحيحين وغيرهما وكان آية في الحفظ ولهذا صححه جماعة منهم ابن حزم وأجاب بنسخه لكونه فيه الأعرابى.
وقال الأصحاب عدم الوجوب على الجهاد والفرق بينهما ظاهر إذ الجهاد المقصود منه الشهادة فيفضى إلى ذهاب مالية السيد بخلاف الحج.
وقال طائفة لا يجب عليه الحج لأنه لا يملك.
قلت: فمفهوم هذا القول إذا قلنا يملك وفي يده مال يمكنه أن يحج فيه وجب عليه وإلا فلا يؤيده أن أبا محمد المقدسي في كتابه المغنى في كتاب الحج قال إذا ملك السيد عبده هديا وقلنا يملكه فهو كالواجد للهدى لا يتحلل إلا به انتهى.
وإنما فرضنا المسألة فيما كان في يده مال يمكنه أن يحج به أما إذا لم يكن في يده مال وأراد السيد تمليكه مالا ليحج به فلا يلزمه هنا جزما.
وعلى هذا ينزل ما ذكره صاحب المغنى من لزوم التكفير بالمال في الحج أو نفي اللزوم في الظهار وأما إذا لم يحتج العبد في حجه إلى راحلة لكونه دون مسافة القصر ويمكنه المشى بلا ضرر يلحقه فظاهر كلام الأصحاب لا يجب عليه الحج ولو أذن له سيده وقد يقال بوجوب الحج عليه في هذه الصورة إذا أذن له سيده إن لحظ في إسقاط الوجوب عنه فيما فوق مسافة القصر حق السيد وإن لحظ أنه لا يملك ما يحج به فيصير كالمعسر فههنا لا يحتاج
стр. 275
إلى مال فيجب عليه كالمعسر إذا لم يجد راحلة وكانت مسافة سفره دون مسافة القصر.
فإن قلت: أيلزم من هذا القول في هذه الصورة والتى قبلها إسقاط حق السيد من منافع العبد؟
قلت: لا نسلم حق السيد في منافع العبد ثابتة في أوقات العبادات بدليل الصلاة والصوم يؤيد ذلك أنه لو نذر الحج لزمه قال صاحب المحرر لا نعلم فيه خلافا.
وهل لسيده منعه إذا لم يكن نذره بإذنه فيه روايتان وقيل إن كان النذر على الفور لم يمنعه وإلا منعه.
سلمنا لكن ينبغى إذا أذن له سيده في ذلك أنه يجب عليه كرواية سبقت في صلاة الجمعة والله أعلم.
ومنها: الجهاد لا يجب على العبد جزم به الأصحاب ولو أذن سيده وسواء كانت المسافة بعيدة أو قريبة.
واستدل أبو محمد المقدسي لعدم الوجوب على العبد بقوله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١] حرج والعبد لا يجد.
في هذا الدليل بحث. فإن قلت:: هلا قلت في الجهاد نظير ما قلته في الحج؟
قلت: قد يقال يخرج هنا مثله فيما إذا كان دون مسافة القصر وأذن له سيده وفيما إذا كان دون مسافة القصر ومعه مال يمكنه أن يتجهز به للجهاد وقلنا يملك وأذن سيده في الجهاد أنه يجب عليه في هاتين الصورتين لأنا إن لحظنا حق السيد فقد أذن وإن لحظنا ملكه لما يتجهز به فهو مالك لذلك فيجب عليه لوجود المقتضى وعدم المانع ولا بد من إذن السيد في الجهاد لما ذكرنا في مسألة الحج أن الجهاد المقصود منه الشهادة فيفضى إلى ذهاب مالية السسيد والله أعلم.
ومنها: أمان العبد لآحاد المشركين.
стр. 276
المنصوص عن أحمد يصح وظاهر كلامه أذن له سيده في القتال أم لم يأذن له.
ومنها: هل يجرى الربا بين العبد وبين سيده؟
المذهب المنصوص أنه لا يجرى لأنا إن قلنا لا يملك فواضح وإن قلنا يملك فهو ملك ضعيف في حكم ملك السيد والتزم أبو البركات في موضع جريان الربا بينه وبين سيده إذا قلنا يملك.
ومنها: تصرف العبد بالشراء في الذمة هل هو نافذ صحيح أم لا؟
ذكر أبو البركات في المسألة روايتين وصحح عدم النفوذ وذكر غيره وجهين ووجه البطلان إلحاقه بالسفيه وفيه نظر.
وفائدة الروايتين تظهر في مسألتين.
إحداهما هل يملك البائع الرجوع في عين ماله إن كان باقيا أم لا إن قلنا بعدم الصحة فله الرجوع به سواء كان في يد السيد أو يد العبد.
وإن كان قد تلف في يد العبد فهل يتعلق برقبته أو بذمته فيه روايتان الصحيح أنه يتعلق برقبته.
وإن كان قد أخذه السيد وتلف في يد البائع بالخيار إن شاء رجع على السيد في الحال وإن شاء رجع على ذمة العبد بعد عتقه وإن قلنا بالصحة فللبائع الفسخ للاعتبار بالثمن ويشترى المبيع إن كان في يد العبد.
وإن كان قد أخذه منه السيد صح اخذه كالسيد.
وإذا ملكه السيد صار كما لو تلف في يد العبد هل يتعلق برقبته أو بذمته على الروايتين ولا يملك البائع انتزاعه من السيد سواء قلنا يتعلق برقبة العبد أو بذمته.
قال صاحب التلخيص وعندى أن للبائع الرجوع مع بقائه ولو أخذه السيد على الوجهين لأن الملك واقع للسيد ابتداء فبناه على قاعدة أن العبد إذا
стр. 277
ملكه غير سيده لا يملك به رواية واحدة.
وكلام الأكثرين من الأصحاب يخالفه وقول صاحب التلخيص ﵀ لأن الملك وقع للسيد ابتداء فيه بحث والله أعلم.
المسألة الثانية: بم يضمن المبيع إن قلنا بالصحة ضمن بالمسمى وإن قلنا بالبطلان ضمن بمثله إن كان مثليا وإلا بقيمته إن لم يكن مثليا أشار إلى هاتين المسألتين أبو محمد المقدسي وصاحب التلخيص والمستوعب وغيرهم.
ومنها: ضمانه بغير اذن سيده هل يصح أم لا؟
المنصوص أنه لا يصح الحاقا له بالسفيه وفيه نظر.
ولنا وجه بالصحة ذكره بعضهم رواية ويتبع بعد العتق وهى الأظهر.
ومنها: هل يملك العبد بالتمليك أم لا؟
في المسألة روايتان عن الإمام أحمد رضى الله عنه. أشهرهما عند الأصحاب أنه لا يملك وهى اختيار الخرقى وأبى بكر والقاضى والأكثرين.
والثانية يملك اختارها أبو اسحاق بن شاقلا وصححها ابن عقيل وصاحب المغنى وهى الأظهر.
ومنها: توكله هل يصح أم لا إن لم يأذن له سيده لم يصح سواء في النكاح وغيره ولنا وجه بالصحة في النكاح وغيره ولنا وجه بالصحة في النكاح خاصة وإن أذن له سيده صح.
وهل يصح أن يتوكل في شراء نفسه من سيده؟
فيه وجهان الصحيح الصحة وقيل روايتان.
وهل يفتقر إلى إذن السيد في ذلك قيل عقد الشراء مع السيد أو دخول السيد معه في العقد إذن في المسألة قولان.
стр. 278
ومنها: الوصية إليه هل تصح أم لا؟
مذهبنا تصح الوصية إليه سواء كان عبده أو عبد غيره ذكره أبو عبد الله بن حامد قال القاضى وقياس المذهب يقتضى صحتها قال لأنه تجوز شهادته.
إذا ثبت هذا فتصرف عبد الغير يقف على إذن السيد ذكره القاضى في التعليق لأن المنافع له فلا بد من إذنه فيها.
ومنها: هبته هل تصح أم لا؟
المنصوص عن أحمد في رواية حنبل أنها تصح بإذن سيده لا بدونها قال الحارثى وهذا على كلتا الروايتين الملك وعدمه.
ومنها: الوقف على العبد والمذهب أنه لا يصح إن قلنا لا يملك فواضح وإن قلنا يملك فملكه غير مستقر والوقف من شأنه الاستقرار على الدوام وهذا تفريع على أن الموقوف عليه يملك الرقبة أما على أنه لا يملكه فلا يعتبر لأن أكثر ما فيه انتقال ما يتجدد من ملك المنفعة إلى السيد وذلك لا يقدح في دوام الوقف.
قال الحارثى وعندى أن ما قالوا: من الاعتبار لا يحتاج إليه أيضا مع القول بملك الموقوف عليه أيضا للرقبة لأن إزالة السيد للملك نقل للملك فلأن يكون الشىء المتملك قابلا للنقل والوقف غير قابل فالوقف مستمر الدوام.
ومنها: إذا التقط العبد شيئا فإنه يصح في الجملة نص عليه في رواية حنبل وعليه الأصحاب ولا يفتقر إلى إذن السيد في الالتقاط على المذهب وعن أبى بكر خلافه ذكره السامرى أخذا من قوله في التنبيه١ "إذا التقط العبد فضاعت منه أو أتلفها ضمنها" قال فسوى بين الإتلاف والضياع ولم يفرق بين الحول وبعده فدل على عدم الصحة بدون إذن.
قال الحارثى وفي استنباط السامرى نظر ومتى انقضى التعريف الواجب
стр. 279
كيف كان ملك السيد عن المذهب لوجود التسبب.
وإن عرف العبد فهل يملك بتعريفه قال جمهور الأصحاب يخرج على الروايتين في ملكه بالتمليك وفي التلخيص الروايتان فيما ملكه السيد وهنا لم يملكه فلا ملك بحال وجزم في الهداية والمغنى والكافي بأنها ملك السيد من غير تعرض إلى البناء على الملك وعدمه.
وظاهر كلام ابن أبى موسى أنه يملك اللقطة وإن لم يملك بتمليك سيده لأنه تمليك شرعى ثبت قهرا فثبت له حكما وفارق الميراث لأن العبد ليس من أهله.
تنبيه:
إذا أتلف العبد اللقطة أو فرط فيها لذلك صورتان.
إحداهما أن يوجد ذلك قبل الحول ولا إشكال في تعلق الضمان برقبته ونص عليه إمامنا رضى الله عنه في رواية حنبل لوجود الجناية على مال الغير.
والثانية أن يوجد ذلك بعد الحول فمشهور المذهب الوجوب في ذمة العبد يتبع به بعد العتق لانتفاء العدوان وبه علل أحمد رحمه الله تعالى في نصه من رواية حنبل وهذا مبنى على القول بملك السيد لها قاله أبو البركات وأبو الفرج بن أبى عمر١ قالا: وإن قلنا لا يملكها ففي رقبته.
قال الحارثى وهذا إنما يتجه على تقدير أن السيد لم يتملك لكونه لم يتملك استنادا على توقف الملك على التمليك فتكون الجناية واقعة على مال المالك لاستمرار ملكه لكن فيه بعد حيث لم نقل بمثله في مقابله وهو ملك العبد.
стр. 280
قال ابن أبى عمر أيضا ويصلح أن ينبنى على استدانة العبد هل تتعلق برقبته أو ذمته على روايتين.
قال أبو بكر في ضمانه بالإتلاف قولان أى روايتان إحداهما أنه على السيد كالجناية على الأنفس. والأخرى على العبد يتبع به بعد العتق قال السامرى لم يفرق قبل الحول وبعده.
وقال ابن عقيل لا يتجه الفرق في التعليق بالرقبة بين ما قبل الحلول وبعده لأن الضمان إنما وجب لإتلاف مال الغير وفيما بعده عند الظهور تبين أنه أتلف مال الغير فهو كما قبله.
وهذا ضعيف جدا فإنها باقية قبل الحول على ملك المالك وفيما بعده تعلق بها حق الغير فامتنع التساوى في الضمان.
وعلل صاحب التلخيص وجوب الضمان في ذمة العبد بعد الحول بأنها بعد الحول للسيد والعبد مضمونة في الذمة.
وهذا تصريح بثبوت الحكم على كلا التقديرين من ملك السيد وملك العبد. وليس كذلك فإن الإتلاف إذا حصل في ملك السيد فلا ضمان على العبد والذي تقتضيه أصول المذهب انتفاء الضمان عن العبد وثبوته على السيد لكونها ملكا له.
أما إنها ملكه فلما تقدم من أن تعريف العبد موجب له.
وأما انتفاء الضمان فلأن عدوانه إنما وقع في ملك السيد ولا شىء للسيد على عبده.
وأما ثبوته على السيد فلأن التلف حصل على ملكه وتحت يده فلزمه البدل كمباشرة تلفه وبيان كونه تحت يده من أن يد العبد الملتقط كيد سيده.
وقد يقال إذا أتلفها العبد بعد حول التعريف وثبت ملك السيد لها أنه يثبت غرما للسيد في ذمة عبده يرجع عليه به بعد العتق أخذا من نص الإمام أحمد
стр. 281
رضى الله عنه إذا زوج عبده أمة فإنه يجب عليه مهرها يرجع به عليه سيده بعد العتق.
وإذا تعلق الضمان برقبة العبد فهل على الواحد بينة بالتقاط العبد ما لم يصدقه السيد في المسألة وجهان ذكرهما ابن أبى موسى وغيره قال أوجههما يلزمه لأن إقرار العبد لا ينفذ فيما يتعلق برقبته.
والثانى لا لأن الوصف كالبينة هنا والله أعلم.
ومنها: الوصية لعبد غيره صحيحة.
ذكره القاضى وأبو الخطاب وغيرهما ونص عليه أحمد في الهبة من رواية حنبل والوصية في معناها.
ثم قال الأصحاب أيضا الوصية للسيد ونص عليه أحمد في الهبة وسواء استمر في رق الموجود أو انتقل إلى آخر.
قال الحارثي ويتخرج أنها للعبد من نص أحمد فيمن أوصى لعبده بمائة تدفع المائة إليه فإن باعه الورثة بعد فهي لهم إلا أن يشترط المبتاع فأثبت للعبد ملكا.
قال إلا أن يكون مبنيا على أنه إنما يملك بتمليك السيد فقط فلا يخرج.
وبالجملة فاختصاص العبد أظهر ولهذا يكون له إذا عتق بالاتفاق.
وأيضا فلو كانت للسيد لاختصت بالموجود حين الوصية إذ كان معلوما للموصى ولما كانت لسيد آخر لأنه ليس معلوما للموصى ولا مرادا له فتعين كونها للعبد.
وأيضا فإنه لا يقبل إلا للعبد ولو قبل السيد لنفسه لم يصح جزم به في الترغيب ولا يفتقر قبول العبد إلى إذن السيد فيه على الصحيح وهو المنصوص من رواية حنبل في الهبة.
ولنا وجه بافتقار القبول إلى إذن السيد اختاره أبو الخطاب في الانتصار.
ومنها: الميراث لا يورث العبد نص عليه إمامنا ﵁ وعليه
стр. 282
الأصحاب ولو كان له مال وقلنا يملكه ذكره الأصحاب أيضا ولو عند عدم وارث على المذهب وذكر في المذهب وأبو البقاء١ في الناهض٢ رواية يرث عند العدم.
ومنها: هل يكون العبد وليا في النكاح على موليته أم لا؟
المذهب المنصوص في رواية ابنيه عبد الله وصالح وإسحاق بن هانيء أنه لا يكون وليا وذكر صاحب الروضة رواية أنه يكون وليا وهي الأظهر.
وفي الانتصار في شهادة العبد لما أورد عليه أن الشهادة ولاية فليس العبد من أهلها كالقضاء وولايته على ابنته.
أجاب بأن القضاء وولايته على ابنته لا يعرف فيه رواية فيحتمل أن يصح قضاؤه وولايته على ابنته ثم سلم وفرق وأجاز قضاءه وولايته على ابنته بإذن سيده في جواب آخر.
ومنها: هل للعبد أن يتزوج أكثر من اثنتين أم لا؟
المذهب المنصوص في رواية الجماعة منهم صالح وابن منصور ويعقوب بن بختان أنه لا يجوز لما روى البهقي بسنده عن الحاكم أن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعوا على أن المملوك لا يجمع من النساء أكثر من اثنتين ولم يتناوله عموم قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] لوجهين.
أحدهما أنه أضاف النكاح إلى المخاطبين من غير توقف على إذن أحد والعبد لا ينكح إلا بإذن سيده.
الثاني أنه تعالى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] والعبد لا يملك والله أعلم.
стр. 283
ومنها: تسرى العبد هل يجوز أم لا؟
وفيه طريقان.
أحدهما بناؤه على الخلاف في ملكه فإن قلنا يملك جاز تسريه وإلا فلا لأن الوطء بغير نكاح ولا ملك يمين محرم بالكتاب والسنة وهي طريقة القاضي والأصحاب بعده.
والطريق الثاني أنه يجوز تسريه على كلا الروايتين في الملك وعدمه وهي طريقة الخرقى وأبي بكر وابن أبي موسى ورجحها صاحب المغنى وشيخنا أبو الفرج فإن نصوص أحمد لا تختلف في إباحة التسرى له فتارة علل بأنه يملك وتارة اعترف بأنه خلاف القياس وأنه جاز لإجماع الصحابة عليه وهذا يقتضي أنه أجاز له التسرى وإن قيل أنه لا يملك اتباعا للصحابة في ذلك.
ووجه أن العبد وإن قيل إنه لا يملك فلا بد من أن يثبت له ملك ما يحتاج إلى الانتفاع به وكذلك يملك بعقد النكاح منفعة البضع.
ولا يجوز تسريه بدون إذن نص عليه في رواية جماعة كنكاحه ولأنه لا يملك التصرف في ماله بما يتلف ماليته ويضر به لتعلق حق السيد والتسري فيه إضرار بالجارية وتنقيص لماليتها بالوطء والحمل وربما أدى إلى تلفها.
ونقل عنه أبو طالب وإبراهيم بن هانىء يتسرى العبد في ماله كان ابن عمر ﵄ يتسرى عبيده في ماله فلا يعيب عليهم.
قال القاضي فيما علقه على حواشي الجامع للخلال ظاهر هذا يعني رواية أبي طالب وابن هانئ أنه يجوز تسريه بدون إذن لأنه مالك له انتهى.
قال شيخنا أبو الفرج ويمكن أن يحمل نصه باشتراط الإذن على التسرى من مال سيده إذا كان مأذونا له ونصه بعدم اشتراطه على تسريه من مال نفسه الذي يملكه وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية جماعة وهو الأظهر.
стр. 284
ولكن نقل عنه١ الأثرم في الرجل يهب لعبده جارية لا يطؤها ولكن يتسرى في ماله إذا أن له سيده وفسر ماله بمال العبد الذي في يديه.
وهذا نص باعتبار الإذن في التسرى من مال نفسه فيكون ذلك منه اشتراطا للإذن بكل حال وتفريقه بين ذلك وبين الأمة التي يملكه السيد فيه إشكال.
تنبيه:
الإمام أحمد ﵁ متردد في تسري العبد لأمة سيده ونكاحه لها هل هما جنس واحد أم لا فقال في رواية حنبل لا يبتاع أمة مزوجة بعبده حتى يطلقها العبد فجعله ملكا لازما ونقل عنه الأكثرون جوازه.
واختلف عنه في بيع سرية عبده فنقل عنه الميموني الجواز ونقل عنه جعفر ابن محمد المنع معللا بأن التسرى بمنزلة النكاح يريد أنه لازم لا يجوز الرجوع فيه وكذا نقل عنه ابن ماهان وغيره.
واختلف عنه في جواز تسرى العبد بأكثر من اثنتين فنقل عنه الميمونى الجواز ونقل أبو الحرث المنع كالنكاح ولم يختلف عنه في أن العبد وسريته يوجب تحريمها عليه.
واختلف عنه في عتق العبد وزوجته هل ينفسخ به النكاح؟
على روايتين بناء على جهة تغليب التمليك فيه أو جهة النكاح.
وقد استشكل أكثر هذا النصوص من القاضي وربما تأولها ونزلها أبو العباس ﵁ على ما كرنا.
ومنها: إذا خالعت الأمة بإذن سيدها صح وحكم العوض حكم استدانتها بإذن السيد وإن كان بغير إذنه على شيء غير معلوم في ذمتها فالذي جزم به في المغنى والمستوعب والترغيب وغيرهم صحته وتتبع به بعد العتق وهو مشكل إذ المذهب لا يصح تصرف العبد في ذمته بغير إذن
стр. 285
سيده ولهذا قدم صاحب المحرر عدم الصحة.
وأما إذا خالع العبد فإنه لا يصح بإذن وبغير إذن لأنه يملك أن يطلق مجانا فملك بعوض بطريق الأولى ولكن تعليقه بالعبد أو السيد في المسألة قولان المنصوص عن أحمد أن العبد يقضبه.
ومنها: تزوجه ولذلك صورتان.
إحداهما أن يكون بغير إذن سيده وذلك باطل نقله الجماعة ولو أذن سيده بعد ذلك لما روى أبو داود وأحمد والترمذى وحسنه عن جابر قال قال رسول الله ﷺ : "أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر" ١ ولكن هو من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل ورواه ابن ماجة من روايته من حديث ابن عمر وحديثه حسن كان أحمد وإسحاق حنبل عن أحمد أن هذا الحديث منكر.
وعن أحمد رواية أخرى أنه إن أجازه السيد جاز وإلا فهو باطل بناء على تصرف الفضولى.
فعلى هذه الرواية لو أعتقه السيد عقب النكاح من غيرإجازة قال أبو الخطاب في انتصاره يصح نكاحه وينفذ بخلاف ما لو اشترى شيئا بغير إذن السيد ثم أعتقه عقب الشراء لم ينفذ شراؤه وما قاله فيه نظر.
فإذا وطىء في هذا النكاح فإنه يتعلق برقبته وقيل بذمته مهر المثل.
وعن أحمد رواية أخرى يتعلق بالمسمى وقيل يجب خمسا مهر المثل.
وعن أحمد رواية أخرى يجب الخمسان من المسمى واحتج أحمد رضى الله عنه لرواية خمسى المسمى بقول عثمان رضى الله عنه واختارها الخرقى والقاضى وأصحابه وظاهر كلام طائفة من الأصحاب إنما صار أحمد إلى قول عثمان فى هذه المسألة توقيفا.