← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8526

القواعد والفوائد الأصولية وما يتبعها من الأحكام الفرعية

ابن اللحام

Полный текст (380 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

رضى الله عنه إذا زوج عبده أمة فإنه يجب عليه مهرها يرجع به عليه سيده بعد العتق. وإذا تعلق الضمان برقبة العبد فهل على الواحد بينة بالتقاط العبد ما لم يصدقه السيد في المسألة وجهان ذكرهما ابن أبى موسى وغيره قال أوجههما يلزمه لأن إقرار العبد لا ينفذ فيما يتعلق برقبته. والثانى لا لأن الوصف كالبينة هنا والله أعلم. ومنها: الوصية لعبد غيره صحيحة. ذكره القاضى وأبو الخطاب وغيرهما ونص عليه أحمد في الهبة من رواية حنبل والوصية في معناها. ثم قال الأصحاب أيضا الوصية للسيد ونص عليه أحمد في الهبة وسواء استمر في رق الموجود أو انتقل إلى آخر. قال الحارثي ويتخرج أنها للعبد من نص أحمد فيمن أوصى لعبده بمائة تدفع المائة إليه فإن باعه الورثة بعد فهي لهم إلا أن يشترط المبتاع فأثبت للعبد ملكا. قال إلا أن يكون مبنيا على أنه إنما يملك بتمليك السيد فقط فلا يخرج. وبالجملة فاختصاص العبد أظهر ولهذا يكون له إذا عتق بالاتفاق. وأيضا فلو كانت للسيد لاختصت بالموجود حين الوصية إذ كان معلوما للموصى ولما كانت لسيد آخر لأنه ليس معلوما للموصى ولا مرادا له فتعين كونها للعبد. وأيضا فإنه لا يقبل إلا للعبد ولو قبل السيد لنفسه لم يصح جزم به في الترغيب ولا يفتقر قبول العبد إلى إذن السيد فيه على الصحيح وهو المنصوص من رواية حنبل في الهبة. ولنا وجه بافتقار القبول إلى إذن السيد اختاره أبو الخطاب في الانتصار. ومنها: الميراث لا يورث العبد نص عليه إمامنا ﵁ وعليه

стр. 282

الأصحاب ولو كان له مال وقلنا يملكه ذكره الأصحاب أيضا ولو عند عدم وارث على المذهب وذكر في المذهب وأبو البقاء١ في الناهض٢ رواية يرث عند العدم. ومنها: هل يكون العبد وليا في النكاح على موليته أم لا؟ المذهب المنصوص في رواية ابنيه عبد الله وصالح وإسحاق بن هانيء أنه لا يكون وليا وذكر صاحب الروضة رواية أنه يكون وليا وهي الأظهر. وفي الانتصار في شهادة العبد لما أورد عليه أن الشهادة ولاية فليس العبد من أهلها كالقضاء وولايته على ابنته. أجاب بأن القضاء وولايته على ابنته لا يعرف فيه رواية فيحتمل أن يصح قضاؤه وولايته على ابنته ثم سلم وفرق وأجاز قضاءه وولايته على ابنته بإذن سيده في جواب آخر. ومنها: هل للعبد أن يتزوج أكثر من اثنتين أم لا؟ المذهب المنصوص في رواية الجماعة منهم صالح وابن منصور ويعقوب بن بختان أنه لا يجوز لما روى البهقي بسنده عن الحاكم أن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعوا على أن المملوك لا يجمع من النساء أكثر من اثنتين ولم يتناوله عموم قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] لوجهين. أحدهما أنه أضاف النكاح إلى المخاطبين من غير توقف على إذن أحد والعبد لا ينكح إلا بإذن سيده. الثاني أنه تعالى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] والعبد لا يملك والله أعلم.

стр. 283

ومنها: تسرى العبد هل يجوز أم لا؟ وفيه طريقان. أحدهما بناؤه على الخلاف في ملكه فإن قلنا يملك جاز تسريه وإلا فلا لأن الوطء بغير نكاح ولا ملك يمين محرم بالكتاب والسنة وهي طريقة القاضي والأصحاب بعده. والطريق الثاني أنه يجوز تسريه على كلا الروايتين في الملك وعدمه وهي طريقة الخرقى وأبي بكر وابن أبي موسى ورجحها صاحب المغنى وشيخنا أبو الفرج فإن نصوص أحمد لا تختلف في إباحة التسرى له فتارة علل بأنه يملك وتارة اعترف بأنه خلاف القياس وأنه جاز لإجماع الصحابة عليه وهذا يقتضي أنه أجاز له التسرى وإن قيل أنه لا يملك اتباعا للصحابة في ذلك. ووجه أن العبد وإن قيل إنه لا يملك فلا بد من أن يثبت له ملك ما يحتاج إلى الانتفاع به وكذلك يملك بعقد النكاح منفعة البضع. ولا يجوز تسريه بدون إذن نص عليه في رواية جماعة كنكاحه ولأنه لا يملك التصرف في ماله بما يتلف ماليته ويضر به لتعلق حق السيد والتسري فيه إضرار بالجارية وتنقيص لماليتها بالوطء والحمل وربما أدى إلى تلفها. ونقل عنه أبو طالب وإبراهيم بن هانىء يتسرى العبد في ماله كان ابن عمر ﵄ يتسرى عبيده في ماله فلا يعيب عليهم. قال القاضي فيما علقه على حواشي الجامع للخلال ظاهر هذا يعني رواية أبي طالب وابن هانئ أنه يجوز تسريه بدون إذن لأنه مالك له انتهى. قال شيخنا أبو الفرج ويمكن أن يحمل نصه باشتراط الإذن على التسرى من مال سيده إذا كان مأذونا له ونصه بعدم اشتراطه على تسريه من مال نفسه الذي يملكه وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية جماعة وهو الأظهر.

стр. 284

ولكن نقل عنه١ الأثرم في الرجل يهب لعبده جارية لا يطؤها ولكن يتسرى في ماله إذا أن له سيده وفسر ماله بمال العبد الذي في يديه. وهذا نص باعتبار الإذن في التسرى من مال نفسه فيكون ذلك منه اشتراطا للإذن بكل حال وتفريقه بين ذلك وبين الأمة التي يملكه السيد فيه إشكال. تنبيه: الإمام أحمد ﵁ متردد في تسري العبد لأمة سيده ونكاحه لها هل هما جنس واحد أم لا فقال في رواية حنبل لا يبتاع أمة مزوجة بعبده حتى يطلقها العبد فجعله ملكا لازما ونقل عنه الأكثرون جوازه. واختلف عنه في بيع سرية عبده فنقل عنه الميموني الجواز ونقل عنه جعفر ابن محمد المنع معللا بأن التسرى بمنزلة النكاح يريد أنه لازم لا يجوز الرجوع فيه وكذا نقل عنه ابن ماهان وغيره. واختلف عنه في جواز تسرى العبد بأكثر من اثنتين فنقل عنه الميمونى الجواز ونقل أبو الحرث المنع كالنكاح ولم يختلف عنه في أن العبد وسريته يوجب تحريمها عليه. واختلف عنه في عتق العبد وزوجته هل ينفسخ به النكاح؟ على روايتين بناء على جهة تغليب التمليك فيه أو جهة النكاح. وقد استشكل أكثر هذا النصوص من القاضي وربما تأولها ونزلها أبو العباس ﵁ على ما كرنا. ومنها: إذا خالعت الأمة بإذن سيدها صح وحكم العوض حكم استدانتها بإذن السيد وإن كان بغير إذنه على شيء غير معلوم في ذمتها فالذي جزم به في المغنى والمستوعب والترغيب وغيرهم صحته وتتبع به بعد العتق وهو مشكل إذ المذهب لا يصح تصرف العبد في ذمته بغير إذن

стр. 285

سيده ولهذا قدم صاحب المحرر عدم الصحة. وأما إذا خالع العبد فإنه لا يصح بإذن وبغير إذن لأنه يملك أن يطلق مجانا فملك بعوض بطريق الأولى ولكن تعليقه بالعبد أو السيد في المسألة قولان المنصوص عن أحمد أن العبد يقضبه. ومنها: تزوجه ولذلك صورتان. إحداهما أن يكون بغير إذن سيده وذلك باطل نقله الجماعة ولو أذن سيده بعد ذلك لما روى أبو داود وأحمد والترمذى وحسنه عن جابر قال قال رسول الله ﷺ : "أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر" ١ ولكن هو من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل ورواه ابن ماجة من روايته من حديث ابن عمر وحديثه حسن كان أحمد وإسحاق حنبل عن أحمد أن هذا الحديث منكر. وعن أحمد رواية أخرى أنه إن أجازه السيد جاز وإلا فهو باطل بناء على تصرف الفضولى. فعلى هذه الرواية لو أعتقه السيد عقب النكاح من غيرإجازة قال أبو الخطاب في انتصاره يصح نكاحه وينفذ بخلاف ما لو اشترى شيئا بغير إذن السيد ثم أعتقه عقب الشراء لم ينفذ شراؤه وما قاله فيه نظر. فإذا وطىء في هذا النكاح فإنه يتعلق برقبته وقيل بذمته مهر المثل. وعن أحمد رواية أخرى يتعلق بالمسمى وقيل يجب خمسا مهر المثل. وعن أحمد رواية أخرى يجب الخمسان من المسمى واحتج أحمد رضى الله عنه لرواية خمسى المسمى بقول عثمان رضى الله عنه واختارها الخرقى والقاضى وأصحابه وظاهر كلام طائفة من الأصحاب إنما صار أحمد إلى قول عثمان فى هذه المسألة توقيفا.

стр. 286

ووجهها أبو العباس بأن المهر في نكاح العبد يجب بخمسة أشياء عقد النكاح وعقد الصداق وإذن السيد في النكاح وإذنه في الصداق والدخول فإذا نكح بلا إذنه فالنكاح باطل فلم يوجد إلا التسمية من العبد والدخول منه فيجب الخمسان ونقل المروذي يعطى شيئا قلت تذهب إلى قول عثمان قال: أذهب إلى أن يعطى شيئا قال أبو بكر هو القياس. وعن أحمد ﵀ رواية ذكرها في المحرر لا مهر لها إن علما التحريم ولعلها مأخوذة مما نقله حنبل لا مهر لأنه بمنزلة العاهر ويروى ذلك عن ابن عمر ﵄. وظاهر كلام جماعة أو علمته هي والأخلال بهذه الزيادة سهو وأولت هذه الرواية بتأويلات فيها نظر والله أعلم. الصورة الثانية: أن يتزوج بإذن سيده فإنه يصح بلا خلاف ويتعلق المهر بذمة السيد في إحدى الروايات عن أحمد والثانية برقبة العبد والثالثة بهما والرابعة بذمتهما ذمة العبد أصالة وذمة السيد ضمانا والخامسة يتعلق بكسبه. فإن قلت الكسب يملكه السيد فإذا تعلق بكسبه على الرواية الخامسة ففي الرواية الأولى وهي كونه يتعلق بذمة السيد. قلت لا نسلم اتحاد الروايتين بل فائدة الخلاف فيهما أنا إن قلنا يتعلق بذمة السيد فإنه يجب عليه وإن لم يكن للعبد كسب وليس للمرأة الفسخ لعدم فسخ كسب العبد وللسيد استخدامه ومنعه من التكسب. وإن قلنا بتعلق كسبه فللمرأة الفسخ إذا لم يكن له كسب وليس لسيده. منعه من التكسب أشار إلى ذلك أبو محمد المقدسي وغيره والنفقة مثل المهر ذكره الأصحاب. تنبيه: إذا قلنا يتعلق المهر بذمة السيد ضمانا فقضاه عن عبده فهل يرجع عليه إذا عتق قال أبو العباس: ينبغي أن يتخرج هذا على الخلاف في مهر زوجته إذا

стр. 287

كانت أمة للسيد فحيث رجع هناك فكذا هنا وحيث لا رجوع هناك فكذا هنا والله أعلم. ومنها: طلاقه لا يختلف المذهب أن العبد الذي تحته أمة لا يملك عليها سوى طلقتين. ومنها: في القسم بين الزوجات يقسم لزوجته الأمة ليلة وللحرة ليلتين ويبيت عند الحرة ليلة من أربع وعند الأمة ليلة من سبع عند الأصحاب لأن أكثر ما يمكن أن يجمع معها ثلاث حرائر ولها السابعة وعند أبى محمد المقدسي وجزم به في التبصرة من كل ثمان تكون على النصف. ومنها: إذا صح الإيلاء فإنه يضرب للزوج أربعة أشهر من حين اليمين ولا فرق على المذهب بين الحر والعبد. وعن أحمد رواية أن العبد على النصف من الحر نقل أبو طالب أن أحمد رجع إلى هذه الرواية وأنها قول التابعين إلا الزهري١ وحده. ومنها: هل للعبد حضانة أم لا المذهب لا حضانة له وفي الفنون لم يتعرضوا لأم الولد ولها حضانة ولدها من سيدها وعليه نفقتها لعدم المانع وهو الاشتغال بزوج وعبد. وقال أبو عبد الله ابن القيم في كتابه الهدى: لا دليل على اشتراط الحرية وأن الصحيح منع التفريق للأحاديث قال: وتقدم لحق حضانتها وقت حاجة الولد على حق السيد كما في البيع سواء والله أعلم. ومنها: الأمة في العدة على النصف من الحرة في الأشهر والحيض لكن يكمل لها نصف حيضة فتكمل بحيضتين. ومنها: إذا قتل عبد حرا يكافئه في الدين وجب عليه القصاص أخذا بعموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ولو قتل حر عبدا فإنه لا يقتل به.

стр. 288

قال أبو العباس: ليس في العبد نصوص صحيحة صريحة تمنع قتل الحر به بل من أجود ما روى "من قتل عبده قتلناه" ١ وهذا لأنه إذا قتله ظالما كان الإمام ولى دمه. وأيضا فقد ثبت بالسنة والآثار إذا مثل بعبده عتق عليه وهو مذهب أحمد وغيره وقتله أعظم أنواع المثلة فلا يموت إلا حرا لكن حريته لم تثبت في حال الحياة حتى ترثه عصبته بل حريته تثبت حكما وهو إذا عتق كان ولاؤه للمسلمين فيكون الإمام هو وليه فله قتل قاتل عبده. وقد يحتج بهذا من يقول: إن قاتل عبد غيره لسيده قتله. وإذا دل الحديث على هذا كان هذا القول هو المرجح وهذا قوى على قول أحمد فإنه تجوز شهادة العبد كالحر بخلاف الذمى فلماذا لا يقتل الحر بالعبد وقد قال النبى ﷺ : "المؤمنون تتكافأ دماؤهم" ٢ ومن قال: لا يقتل حر بعبد يقول: إنه لا يقتل الذمى الحر بالعبد المسلم والله ﵎ يقول: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] فالعبد المؤمن خير من الذمى المشرك فكيف لا يقتل به. ومنها: هل يجرى القصاص بين العبيد أم لا؟ المذهب أنه يجرى بينهم ويقتل العبد بالعبد اختلفت قيمتهما أو تساوت هذا المذهب.

стр. 289

وعن أحمد رواية أخرى إن زادت قيمة القاتل على قيمة المقتول لا يقتل به وسواء كان السيد واحدا أم لا وهذا المذهب. وذكر في المذهب وجها آخر أنه إن كان السيد واحدا فلا قود. وإذا قلنا يجرى القصاص بينهما في النفس فهل يجرى في الأطراف في المسألة روايتان المذهب أنه يجرى. ومنها: إذا وجب لعبد قود أو تعزير أو قذف فله طلبه وإسقاطه وإن مات فلسيده. وقال ابن عقيل في حد القذف: إنه ليس للسيد المطالبة به ولا العفو عنه لأن السيد إنما يملك ما كان مالا أو طلبه بدل مال فلا يملك المطالبة بالقسم وخيار العيب وخيار العنة. وقال ابن عبد القوى:١ إذا قلنا الواجب أحد شيئين القصاص أو الدية يحتمل أن للسيد المطالبة بالدية فيه إسقاط حق العبد مما جعله الشارع مخيرا فيه فيكون منفيا. قلت ويتخرج لنا في عفو العبد مطلقا في جناية العمد وجهان من مسألة المفلس وهنا أولى بعدم السقوط إذ ذوات العبد ملك للسيد بخلاف المفلس والله أعلم. ومنها: الحدود فإنه على النصف من حد الحر في الزنا وشرب الخمر والقذف ولا يغرب في حد الزنا جزم به الأصحاب وأبدى بعض المتأخرين احتمالا بنفيه لأن عمر ﵁ نفاه رواه البخاري وأوله ابن الجوزي على إبعاده ويقطع بالسرقة لكن يقطع بالسرقة من مال سيده نص عليه إمامنا وعليه الأصحاب ويقطع بالسرقة من بيت المال وإن كان مسلما.

стр. 290

وعزاه في المحرر إلى نص أحمد. وقال ابن عقيل في الفنون عبد مسلم سرق من بيت المال ينبغى أن لا يجب عليه القطع لأن عبد المسلم له شبهة وهو أن سيده لو افتقر عن نفقته ولم يكن للعبد كسب في نفسه كانت نفقته في بيت المال. ووجه ابن عقيل الأول بأنه لا يملك شيئا ولا يستحق بنفسه شيئا. قلت وفرض صاحب المحرر المسألة في العبد المسلم والتعليل يقتضى أن لا فرق بين المسلم والكافر والله أعلم. وجعل في المحرر سرقة عبد الوالد والولد ونحوهما مثل سرقة العبد من بيت المال في وجوب القطع وكلام غيره يخالفه والله أعلم. ومنها: هل ينفي العبد في المحاربة أم لا؟ قال القاضي في التعليق في مسألة: نفي العبد في الزنا: فما تقولون في نفيه في المحاربة قيل لا نعرف الرواية عن أصحابنا في ذلك وإن سلمناه فالقصد من ذلك كفه عن الفساد وهذا يشترك فيه العبد والحر والله أعلم. ومنها: هل يجب الحد على قاذفه أم لا؟ المذهب أنه لا يجب ولكن يعزر. وقال أبن عقيل في عمد الأدلة: عندي يحد بقذف العبد وأنه أشبه بالمذهب لعدالته فهو أحسن حالا من الفاسق بغير الزنا. ومنها: إذا حلف يمينا فإنه ينعقد بلا ريب وإن كانت اليمين مكفرة فكفارته بالصوم لأن ذلك فرض الحر المعسر وهو أحسن حالا من العبد وإن أذن له سيده في التكفير بالمال لا يلزمه. وقد قدمنا لزوم التكفير بالمال الذي في ملكه في مسألة الحج وأن كلام صاحب المغنى محمول على اختلاف حالين وإذا انتفي اللزوم فهل يجزئه التكفير بالمال أم لا في المسألة طرق للأصحاب. أحدها لا يجزئه التكفير بغير الصيام بحال سواء قلنا يملك أم لا.

стр. 291

وهي ظاهر كلام أبى الخطاب في كتاب الظهار وصاحب التلخيص وغيرهما لأن العبد وإن قلنا يملك فملكه ضعيف لا يحتمل المواساة فلا يكون مخاطبا بالتكفير بالمال بالكلية بخلاف الحر العاجز فإنه قابل للتمليك التام. الطريق الثاني: البناء على الملك وعدمه فإن قلنا يملك فله التكفير بالمال في الجملة وإلا فلا وهي طريقة القاضي وابن عقيل وأبى الخطاب وأكثر المتأخرين. الطريق الثالث: أن في تكفيره بالمال بإذن السيد روايتين مطلقتين سواء قلنا يملك أو لا يملك حكاها القاضي في المجرد عن شيخه ابن حامد وغيره من الأصحاب وهي طريقة أبى بكر فوجه عدم تكفيره بالمال مع القول بالملك أن ملكه ضعيف لا يحتمل المواساة ولذلك لم تجب فيه الزكاة ولا نفقة الأقارب فكذلك الكفارات. ولوجه تكفيره بالمال مع القول بانتفاء ملكه مأخذان. أحدهما أن تكفيره بالمال إنما هو تبرع له من السيد وإباحة له أن يكفر من ماله والتكفير عن الغير لا يشترط دخوله في ملك المكفر عنه كما نقول في رواية في كفارة المجامع في نهار رمضان إذا عجز عنها وإن قلنا لا تسقط فكفر غيره عنه بإذنه جاز أن يدفعها إليه وكذلك في سائر الكفارات على الروايتين ولو كانت قد دخلت في ملكه لم يخز أن يأخذها هو لأنه لا يكون حينئذ إخراجا للكفارات. والمأخذ الثاني:: أن العبد ثبت له الملك المطلق التام فيجوز أن يثبت له في المال المكفر به ملك يبيح له التكفير بالمال دون بيعه وهبته كما أثبتنا له في الأمة ملكا قاصرا يبيح له التسرى بها دون بيعها وهبتها وهذا اختيار أبى العباس. وإذا قلنا له التكفير بالمال فهل يكفر بالعتق على روايتين. إحداهما له ذلك كالإطعام والولاية والإرث والعبد ليس من اهلها وفرق ابن أبى موسى بينهما أيضا بأن التكفير بالعتق يحتاج الى ملك بخلاف الإطعام ولهذا لو أمر من عليه كفارة رجلا أن يطعم عنه أجزأه ولو أمر أن يعتق

стр. 292

عنه ففي إجزائه عنه روايتان ولو تبرع الوارث بالطعام الواجب عن مورثه صح ولو تبرع عنه بالعتق لم يجزئه ولو أعتق الأجنبى عن كفارة الميت لم يصح ولو أطعم عنه فوجهان. وإذا قلنا يجوز تكفيره بالعتق فأذن له سيده في إعتاق رقبة عن كفارته هل يجوز أم لا؟ حكى أبو محمد المقدسي في ذلك وجهين. ومنها: هل يصح توليته القضاء أم لا؟ المشهور في المذهب أنه لا يصح توليته القضاء وقد تقدم قول أبى الخطاب في الانتصار في كونه وليا في النكاح وأنه قال: يحتمل أن يصح قضاؤه ثم سلم أنه لا يصح قضاؤه وأجازه بإذن السيد في جواب آخر. وحكى عن ابن عقيل صحة توليته القضاء والله أعلم. وتصح ولايته إمارة السرايا وقسم الصدقات والفيء وإمامة الصلاة ذكره القاضي محل وفاق. ومنها: لو أقر شخص لعبد غيره بمال صح وكان لمالكه. قال أبو العباس: إذا قلنا يصح قبوله الهبة والوصية بدون إذن السيد لم يفتقر الإقرار إلى تصديق السيد. قال: وقد يقال: بل وإن لم نقل بذلك لجواز أن يكون قد تملك مباحا فأقر بعينه أو أتلفه وضمن قيمته. وإن أقر لعبد غيره بنكاح أو قصاص أو تعزير قذف صح الإقرار وإن كذبه المولى قال أبو محمد: لأن الحق للعبد دون المولى. قال أبو العباس: وهذا في النكاح فيه نظر فإن النكاح لا يصح بدون إذن سيده وفي ثبوت النكاح للعبد على السيد ضرر فلا يقبل إلا بتصديقه. وأما إذا أقر السيد لعبده بمال فقال أبو العباس: ينبني على أن العبد هل يثبت له دين على سيده أم لا؟ قلت المشهور لا يثبت.

стр. 293

وإن أقر السيد أنه باع عبده من نفسه بألف وأنكر العبد عتق عليه ولم يلزمه بشيء. ومنها: شهادته والمذهب المنصوص أنها لا تقبل شهادته في الجملة وفاء للقاعدة وهو الحق وهو الذي نصره أصحاب الكتب الخلافية من أصحابنا. وذكر الخلال في مسألة أن الحر لا يقتل بالعبد وأن أبا طالب نقل أن العبد لا تقبل شهادته وإذا قبلنا شهادته فمحل هذا إذا شهد لغير سيده أما إذا شهد لسيده فلا تقبل هكذا المذهب عند الأصحاب وفي المنع نظر. وبالغ ابن عقيل حتى قال: لا تقبل شهادته لمكاتب سيده قال: ويحمل على قياس ما ذكرناه أنه لا تصح شهادته لزوج مولاته. وإذا قبلنا شهادته فاستثنى الخرقي وأبو الفرج وصاحب الروضة من ذلك الحدود خاصة وذكر جماعة منهم الشريف١ وأبو الخطاب وصاحب المحرر والمستوعب وغيرهم روايتين في الحدود والقصاص. إحداهما لا تقبل قال في المغنى: وهي ظاهر المذهب. قلت والأظهر القبول مطلقا والله أعلم. وإذا تحمل الشهادة هل يؤديها بغير إذن سيده وظاهر رواية الميموني أنه لا قال القاضي أبو يعلى: متى تحمل العبد الشهادة ثم سأله صاحب الحق إقامتها فإنه يؤديها بغير إذن سيده نص عليه أحمد في رواية المروذى وسأله هل يجوز للمولى أن يمنع عبده من الشهادة قال: من أجاز شهادته لم يجز للمولى منعه أن يقيم الشهادة. قال أبو العباس: لم يقل أحمد إنه يؤديها بلا إذنه ولكن قال: يجب عليه أن يأذن فقد يكون الأداء موقوفا على الأذن. قلت والأظهر إن أذن له في التحمل لا يحتاج في الأداء إلى إذن والله أعلم.

стр. 294

فائدة: لو أعتق بمجلس الحكم فشهد في الحال حرم رده ذكره أصحاب الخلافيات محل وفاق قال في الانتصار والمفردات: فلو رده مع ثبوت عدالته فسق والله أعلم. ومنها: إقراره هل صحيح أم لا ولذلك صورتان. إحداهما اقراره لسيده المذهب المعروف أنه لا يصح. وقال أبو العباس: ينبني على ثبوت مال السيد في ذمة العبد ابتداء أو دواما. وفيها ثلاثة أوجه في الصداق. الصورة الثانية: إقراره لغير سيده ولذلك صور. منها: إذا أقر بمال فإن كان مأذونا له صح إقراره في قدر ما أذن له فيه وإن كان غير مأذون له صح وأتبع به بعد العتق في أصح الروايتين والأخرى يتعلق برقبته ذكرها القاضي. قال صاحب التلخيص: ولا وجه لها عندي إلا أن يكون فيما لا تهمة فيه كالمال الذي أقر بسرقته فإنه يقبل في القطع ولا يقبل في المال لكن يتبع به بعد العتق ويخرج فيه إن حملنا الرواية عليه أنه يتعلق برقبته لكونه من لوازم ما لا يتهم فيه من العقوبة. ومنها: إذا أقر بجناية توجب مالا من غير عقوبة فلا يقبل قطعا قاله صاحب التلخيص. قلت وهذا مبنى على تأويل الرواية التى ذكرها القاضي وإلا إذا قلنا بإثباتها فلا فرق بين إقراره بالجناية الموجبة للمال وبين إقراره بالمال وهذا ظاهر بكلام جماعة والله أعلم. ومنها: إذا أقر بالعقوبات فإنه يصح إذ الرق لا يمنع من ذلك لأنه مكلف قادر على التزامها ولا نظر إلى إبطال حق السيد لأنه غير متهم فيه.

стр. 295

ولا فرق بين ما يوجب القصاص في النفس أو ما دونها على ما اختاره أبو الخطاب وأبو الوفاء بن عقيل في تصحيحه في الجميع وعلى ما اختاره القاضي أبو يعلى وابن حازم١ في إبطاله في الجميع. والمنصوص فيما يوجبه في النفس لا يقتل في الحال ويتبع به العتق ودون النفس يقتل وهو اختيار القاضي الكبير وجماعة. قال صاحب التلخيص: وقد تكلف بعضهم فرقا لا حاصل له من حيث إن القتل أعظم فإنه يوجب الكفارة ويشرع في القسامة. قال والصحيح عندى أن لا فرق فيخرج من نصه بالنقل والتخريج في إقراره بالعقوبات روايتان. إحداهما يقبل لانتفاء التهمة. والأخرى لا يقبل لأنه إقرار على مال السيد كالإقرار بالديون والله أعلم. فوائد أصولية: منها: دلالة العام على أفراده هل هي بطريق الظهور؟ في ذلك مذهبان: أحدهما أنها بطريق التنصيص وهو الذي ذكره الفخر إسماعيل٢ من أصحابنا وكلام ابن عقيل في الواضح يدل عليه فإنه ذكر إذا تعارضت ولاية العام والخاص في شيء أنهما يتساويان وحكاه الأنبارى شارح البرهان عن الشافعي والمعتزلة وممن نقله عنه الأصفهانى شارح المحصول وهو محكى عن الحنفية ويحكى رواية عن أحمد.

стр. 296

والثاني: أنه بطريق الظهور وهو المشهور عند أصحابنا وغيرهم وقد ذكره القاضي وأصحابه واستدلوا لذلك بأن التخصيص بالتراخى لا يكون نسخا ولو كان العام نصا على أفراده لكان نسخا. وظاهر كلام الأكثر من أصحابنا لا فرق في صيغ العموم بين صيغة وصيغة وأن الخلاف جار في الجميع. وقد تقدم كلام صاحب الترغيب في التأكيد من الأوامر وأن لفظة كل دلالتها على الأفراد نص صريح. وذكر غير واحد من العلماء أن اسم لا إذا كان مبنيا على الفتح كان نصا بخلاف المرفوع فإنه ظاهر. وذكر في المسودة أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم ظاهرا إذا لم يكن فيها حرف من فإن كان فيها حرف من أفادته قطعا ولم يحتمل التأويل كقولك ما رأيت من رجل وما أشبهه. ومنها: العام هل يقصر على مقصوده أم لا؟ الجمهور أنه لا يقصر. وقال القاضي عبد الوهاب وغيره من المالكية وغيرهم: يقصر ومال إليه أبو البركات فإنه قال المتبادر إلى الفهم من لمس النساء ما يقصد منهن غالبا من الشهوة ثم لو عمت خصت به وخصه حفيده١ أيضا بالمقصود لأنه قال في آية المواريث مقصودها بيان مقدار أنصبة المذكورين إذا كانوا ورثة وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] قصده الفرق بينه وبين الربا وكذا قوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر" ٢ قصده فيما يجب فيه العشر ونصفه وكذا ذكره بعض أصحابنا فلا يحتج بعموم ذلك.

стр. 297

ومنها: قول الشافعي ﵁ حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط منها الاستدلال ونقل عنه أيضا ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال ويحسن بها الاستدلال. واختلفت أجوبة الفضلاء عن ذلك فمنهم من يقول: هذا مشكل ومنهم من يقول: هما قولان للشافعي. وجمع القرافي في كتبه بينهما فقال الاحتمالات تارة تكون في كلام صاحب الشرع فتقدح وتارة تكون في محل مدلول اللفظ فلا تقدح فحيث قال الشافعي ﵁ إن حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط منها: الاستدلال مراده إذا استوت الاحتمالات في كلام صاحب الشرع ومراده أن حكاية الحال إذا نزل فيها الاستفضال تنزل منزلة العموم في المقال إذا كانت الاحتمالات في محل المدلول دون الدليل والله أعلم. ومنها: الأمر بالمطلق هل يكون أمرا بمفرداته ويكون عاما؟ فيه قولان: أحدهما العموم وهو قول الأكثرين قال القاضي محتجا على جواز القضاء في المسجد: دليلنا قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ولم يفرق بين أن يحكم في المسجد وبين أن يحكم في غيره. فإن قيل أمر بالحكم وليس فيه ما يدل على المكان. قيل هو أمر بالحكم في عموم الأمكنة والأزمنة إلا ما خصه الدليل. وقال في التمهيد١ المطلق مشتمل على جميع صفات الشيء وأحواله. والقول الثاني: أن المفردات ليس مأمورا بها لكن متى أتى بالمأمور أجزأه ولا يأتي به إلا مقرونا ببعض المفردات. وأجاب به في المغنى لمن احتج بآية القصاص والسرقة والزنا في

стр. 298

الملتجئ إلى الحرم الأمر بذلك مطلق في الأمكنة والأزمنة يتناول مكان ضرورة إقامته فيمكن في غير الحرم وهذا اختيار أبى العباس. ومنها: إذا ذكر العام وذكر بعده أو قبله اسم لو لم يصرح به لدخل في العام فهل إفراده يقتضى عدم دخوله في العام أم لا؟ في ذلك مذهبان للأصوليين وقاعدة المذهب تقتضى عدم الدخول. وفي ذلك أيضا مذهبان للنحاة وذهب أبو على الفارسي وابن جني إلى عدم الدخول وجزم ابن مالك بالدخول. ومنها: العام في الأشخاص عام في الأحوال. هذا هو المعروف عند العلماء قال الإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] ظاهرها على العموم أن من وقع عليه اسم ولد فله ما فرض الله وكان رسول الله ﷺ هو المعبر عن الكتاب إن الآية إنما قصدت المسلم لا الكافر. وفي المسألة قول آخر اختاره بعض أصحابنا أنه يكون مطلقا في الأحوال. وأجاب عن تسمية أحمد له عاما في الأشخاص بأنه عموم بدل لا شمول وقال أيضا في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] عامة فيهم مطلقة في أحوالهم لا يدل عاما بنفي ولا إثبات فإذا جاءت السنة بحكم لم يكن مخالفا لظاهر القرآن بل لما يتعرض له. وهذا القول اختيار القرافي والأصفهانى في شرحي المحصول وأبى العباس. ولأحمد ﵁ نص آخر في آية الوصية يدل على أن العام في الأشخاص عام في الأحوال. قال ابن دقيق العيد١ في شرح العمدة أولع بعض أهل العصر وما

стр. 299

قرب منه بأن قالوا صيغة العموم إذا وردت على الذوات مثلا أو على الأفعال كانت عامة في ذلك مطلقة في الزمان والمكان والأحوال والمتعلقات ثم يقال المطلق يكفي في العمل به صورة واحدة فلا يكون حجة فيما عداها وأكثروا من هذا السؤال فيما لا يحصى كثرة من ألفاظ الكتاب والسنة وصار ذلك ديدنا لهم في الجدال. قال هذا عندنا باطل بل الواجب أن ما دل على العموم في الذوات مثلا يكون دالا على ثبوت الحكم في كل ذات تناولها اللفظ ولا يخرج عنها ذات إلا بدليل يختصها فمن أخرج شيئا من تلك الذوات فقد خالف مقتضى العموم. مثال ذلك إذا قال من دخل دارى فأعطه درهما فمقتضى الصيغة العموم في كل ذات صدق عليها أنها الداخلة. فإذا قال قائل هو مطلق في الأزمان فأعمل به في الذوات الداخلة الدار في أول النهار مثلا ولا أعمل به في غير ذلك الوقت لأنه مطلق في الزمان وقد عملت به مرة فلا يلزم أن أعمل به أخرى لعدم عموم المطلق. قلنا لما دلت الصيغة على العموم في كل ذات دخلت الدار ومن جملتها الداخلة في آخر النهار فإذا أخرجت تلك الذوات فقد أخرجت ما دلت الصيغة على دخوله وقول أبى أيوب الأنصاري فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض بنيت نحو القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله عز وجل١ يدل على أن العام في الأشخاص عام في المكان والله أعلم. ومنها: قول الصاحب كان رسول الله ﷺ يفعل كهذا هل يفيد التكرار أم لا؟ فيه قولان ذكرهما القاضي أبو يعلى في الكفاية.

стр. 300

ومنها: أن مفهوم المخالفة هل هو عام فيما سوى المنطوق أم لا؟ في ذلك مذهبان. أحدهما أنه عام فيما سوى المنطوق يجوز تخصيصه بما يجوز به تخصيص العام ورفع كله تخصيص أيضا لأفادة اللفظ في منطوقه ومفهومه فهو كبعض العام وهذا قول جمهور أصحابنا. والقول الثاني: أنه لا يعم واختاره أبو محمد المقدسي في المغنى في مسألة القلتين وأنه يكفي المخالفة بصورة ما. وممن اختار أنه لا يعم أيضا أبو الوفاء ابن عقيل وحكى ذلك أبو الخطاب في التمهيد وجها وأبو العباس والغزالى وابن دقيق العيد. وقال الآمدي: ومن تبعه إن الخلاف في أن المفهوم له عموم لا يتحقق لأن مفهوم المخالفة عام فيما سوى المنطوق به لا يختلفون فيه ومن نفى العموم – كالغزالي – أراد أن العموم لم نثبت بالمنطوق, ولا يختلفون فيه أيضا. وقال صاحب المحصول إن عنى أنه لا يسمى عاما لفظيا فقريب وإن عنى أنه لا يفيد انتفاء عموم الحكم فدليل كون المفهوم حجة ينفيه.

стр. 301

القاعدة ٦٠ ألفاظ الجموع المنكرة كمسلمين ومشركين لا تفيد العموم في إحدى الروايتين عم الإمام أحمد والأخرى تحمل على العموم. ذكرها ابن عقيل والحلواني وبه قال أكثر الشافعية. ووقع للقاضي في هذه المسألة وهم وهو أنه لما ذكر المسألة قال وقد أشار أحمد إلى أنها للعموم في رواية صالح وقد سأله عن لبس الحرير للصغار والذهب "هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها" ١ قال القاضي: فقد حمل قوله ﷺ "ذكور أمتي" على العموم في الصغار والكبار وإن كان ليس فيه ألف ولام انتهى. وهذا إن لم يكن معرفا بالألف واللام فهو معرف بالإضافة ومسألة الخلاف في المنكر وإذا قلنا بعدم العموم فيحمل على أقل الجمع وأقل الجمع ثلاثة حقيقة عند أحمد وأصحابه ومالك وأكثر المتكلمين وذكره ابن برهان قول الفقهاء قاطبة وعند عبد الملك بن الماجشون٢ وابن داود٣ وعلى بن عيسى النحوي٤ وابن الباقلاني وأبى إسحاق الاسفراينى والغزالي:

стр. 302

اثنان حقيقة وفي مذهب الحنفية ما يدل عليه. ومحل النزاع في أبنية الجمع نحو الزيدين ورجال لا في لفظ جيم ميم عين فإنه يطلق على الاثنين بلا خلاف كما قاله الآمدي وابن الحاجب في المختصر الكبير لأن مدلوله ضم شيء إلى شيء ولا خلاف أيضا في نحن فعلنا ولا في باب ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] . وأما في لفظ الجماعة فقال في البلغة١ وابن الجوزي في كشف المشكل٢ إن أقلها اثنان وقال غيرهما من الأصحاب أن أقلها ثلاثة. وينبغى أن يكون محل هذا القول في غير الصلاة فإنه قد روى ابن ماجة عن أبى موسى الأشعري والدارقطني عن عمرو بن شعيب أن النبي ﷺ قال: "الاثنان فما فوقهما جماعة" ٣. وذكر بعض المتأخرين أن لفظ جمع كلفظ جماعة واستشكل القرافي محل النزاع في هذه المسألة. إذا تقرر هذا فمن فروع هذه القاعدة. إذا نذر الصدقة بدراهم أو نذر عتق عبد أو صوم أيام أو أن يتوضأ مرات أو يتمضمض بغرفات أو حلف بالطلاق ليتزوجن زوجات أو علق طلاقا على إعطاء عبد أو دراهم أو ثياب فإنه يحمل على ثلاثة على قول الأكثرين بناء على القاعدة ويحمل على اثنين على قول غيرهم. واستبعده أبو المعالي من الشافعية وقال ما أرى الفقهاء يسمحون بهذا. قال أبو البركات وأنا لا أدرى معنى قوله فإنه إن استبعده في الثلاثة فهو

стр. 303

مذهب الجمهور ووجدنا الاثنين في مذهب أبى حنيفة وأصحابه في مواضع واحتج به وحكى عن ابن حزم أنه احتج بأن من أقر بدراهم لزمه ثلاثة إجماعا. ومنها: لو أوصى لجماعة من أقرب أقارب زيد فعند القاضي وابن عقيل تصح الوصية وتصرف إلى ثلاثة فإن وجدوا في الدرجة الأولى صرف إليهم وإن وجد أكثر فقال أبو محمد المقدسي في المغنى والكافي يعم الكل لأن بعضهم ليس أولى من بعض ولفظ الجماعة يشملهم وإن وجدوا أقل كملوا من الدرجة الثانية فن لم يكن فمن الثالثة إعمالا للفظ ويوزع بينهم أثلاثا هذا ما قيل. قال الحارثي: وفي الصحة نظر فإنه بتقدير أن يوجد ثلاثة فأقل فالوصية لا تطابقه لاقتضاء اللفظ جمعا أكثر من ثلاث لدخول أداة التبعيض. قلت لا نسلم أن من هنا للتبعيض بل هي لكمال الجنس والله أعلم. وإلا كمال من الطبقة الأخرى فيه محالفة فإن الثانية لا تكون أقرب مع وجود الأولى فلا تدخل تحت اللفظ وبتقدير أكثر من ثلاثة في درجة واحدة فوصية المجهول لتنكير لفظ الجماعة فيكون كما لو وصى لثلاثة مبهمين من عشرة معينين والمذهب المنصوص عندنا لا تصح الوصية لمجهول. وعن أحمد رواية أخرى بالصحة كما لو قال أعطوا ثلثى أحدهما في الأصح. وإذا قلنا بالصحة فهل يعين الورثة بالقرعة فيه وجهان

стр. 304

القاعدة ٦١ إذا ورد دليل بلفظ عام مستقبل ولكن على سبب خاص فهل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب؟ في ذلك مذهبان. أحدهما العبرة بعموم اللفظ وهو قول أحمد وأصحابه والحنفية ونص عليه الشافعي في الأم في باب ما يقع به الطلاق وهو بعد باب طلاق المريض واختاره الإمام فخر الدين والآمدي وأتباعهما. والمذهب الثاني: العبرة بخصوص السبب وذكره أبو العباس رواية عن أحمد أخذا مما ذكره الخلال في عمدته إن محتجا احتج عند أحمد على مسألة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فأجاب أحمد بأن هذا إنما ورد في زمانين يعنى وليس هذا مما دخل تحت الآية. وحكاه القاضي في الكفاية عن بعض أصحابنا واختاره المزنى والقفال١ والدقاق٢ وقاله أبو الفرج وابن نصر٣ وغيرهما من المالكية

стр. 305

وحكاه أبو الطيب١ وابن برهان عن مالك. قال الجوينى وهو الذي صح عندنا من مذهب الشافعي. قال الإمام فخر الدين في مناقب الشافعي٢ عن قول إمام الحرمين ومن نقل هذا عن الشافعي فقد التبس على ناقله وذلك لأن الشافعي يقول: إن الأمة تصير فراشا بالوطء حتى إذا أتت بولد يمكن أن يكون من الوطء لحقه سواء اعترف به أم لا لقصة عبد بن زمعة٣. وذهب أبو حنيفة إلى أن الأمة لا تصير فراشا بالوطء ولا يلحقه الولد إلا إذا اعترف به وحمل قوله ﵇: "الولد للفراش"٤ على الزوجة وأخرج الأمة من عمومه فقال الشافعي إن هذا قد ورد على سبب خاص وهي الأمة لا الزوجة. قال الإمام فخر الدين فتوهم الواقف على هذا الكلام أن الشافعي يقول: ان العبرة بخصوص السبب وإنما أراد الشافعي أن خصوص السبب لا يجوز إخراجه عن العموم والأمة هي السبب في ورود العموم فلا يجوز إخراجها. هذا الكلام في الدليل الوارد من الشارع أما كلام غير الشارع فهل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ككلام الشارع على الصحيح أو العبرة

стр. 306

بخصوص السبب لا بعموم اللفظ بخلاف كلام الشارع؟ في المسألة وجهان. أحدهما العبرة بعموم اللفظ وهو اختيار القاضي في المجرد والآمدي وأبى الخطاب وأبى الفتح الحلوانى وغيرهم وأخذوه من نص أحمد فيمن قال لله على أن لا أصيد من هذا النهر لظلم رآه فيه ثم زال الظلم فقال أحمد النذر يوفي به. والوجه الثاني: الأخذ بخصوص السبب لا بعموم اللفظ وهو اختيار أبى البركات وأبى محمد المقدسي وفرق صاحب المغنى بين كلام الشارع وغيره بأن الشارع يريد بيان الأحكام فلا يختص بمحل السبب لكونه الحاجة داعية إلى معرفة الحكم في غير السبب. واستثنى صاحب المحرر صور النهي وما أشبهها كمن حلف لا يدخل بلدا لظلم رآه فيه ثم زال الظلم وجعل العبرة فيها بعموم اللفظ وعدى صاحب المغنى الخلاف إليها. واختار أبو العباس ما قاله جده١ وفرق بين مسألة النهي المنصوصة بأن نص أحمد إنما هو في النذر والناذر إذا قصد التقرب بنذره لزمه الوفاء مطلقا كما منع المهاجرون من العود إلى ديارهم التي تركوها لله وإن زال المعنى الذي تركوها لأجله فإن ترك شيء لله يمنع العود فيه مطلقا وإن كان لسبب قد يتغير كما نهى المتصدق أن يشترى صدقته. وقد يكون جده٢ لحظ هذا المعنى حيث خص صورة النهي بالحنث مع الإطلاق بخلاف غيرها من الصور. وأما محل السبب فلا يجوز إخراجه بالاجتهاد إجماعا قاله غير واحد لأن دخوله مقطوع به لكون الحكم أورد بيانا له بخلاف غيره فإنه يجوز إخراجه لأن دخوله مظنون لكن نقل ناقلون عن أبى حنيفة أنه يجوز إخراج

стр. 307

السبب وقد منع ابن أبى موسى في الإرشاد والشيرازى في الممتع وابن عقيل في الفصول في المعتمر المحصر من التحلل مع أن سبب الآية في حصر الحديبية وكانوا معتمرين وحكى هذا عن مالك وأنه لا هدى أيضا وروى الإمام أحمد ﵁ أنه حمل ما في الصحيحين من حديث أبى هريرة ﵁: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" ١ على أمر الآخرة مع أن سببه أمر الدنيا لكن يحتمل أنه لم يصح عنده سببه وقد روى المروذى وابن القاسم وأبو طالب عن أحمد أنه لا يجوز الرهن في السلم وهو اختيار الخرقى وأبى طالب عن أحمد أنه لا يجوز الرهن في السلم وهو اختيار الخرقى وأبى بكر عبد العزيز مع أنه روى ابن عباس وابن عمر ﵃ أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] السلم وفيه ذكر الرهن. ولو سألته امرأة الطلاق فقال نسائي طوالق طلقت ذكره ابن عقيل إجماعا ولو ادعى استثناءها دين وهل يقبل في الحكم المشهور أنه لا يقبل لأن محل السبب لا يجوز إخراجه. قال القاضي: ويحتمل قبوله بجواز تخصيص العام والله أعلم. والأصح عن أحمد لا يصح اللعان على حمل وقاله أبو حنيفة وهو سبب آية اللعان واللعان عليه في الصحيح لكن ضعفه أحمد ولهذا في الصحيحين أنه لا شيء بعد الوضع ثم يحتمل أنه علم وجوده بوحى فلا يكون اللعان معلقا بشرط في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن عتبة بن أبى وقاص عهد إلى أخيه سعد أن ابن وليد زمعة ابني فاقبضه إليك فلما كان يوم الفتح أخذه سعد فقال سعد هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه وقال عبد بن زمعة هذا أخي ولد على فراش أبى من وليدته فنظر إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة" ٢.

стр. 308

وعند أبى حنيفة لا تصير الأمة فراشا حتى يقر بولدها فإذا أقر به صارت فراشا ولحقه أولاده بعد ذلك فأخرج السبب. قال أبو المعالي الجوينى وإنما ادعى النقلة عن أبى حنيفة أنه أخرج السبب من هذين الخبرين أعنى حديث اللعان على الحمل وحديث عبد بن زمعة ثم قال لا يجوز أن ينسب إلى متعاقل تجويز إخراج السبب تخصيصا وحمل ما نقل عنه على أن الحديثين لم يبلغاه بكمالها قال فقد كان ضعيف القيام بالأحاديث قال أبو العباس ولهذا قطع أحمد بدخول النبيذ في آية الخمر والاستماع إلى الأمام في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وقطع بأن إما يقضى وإما أن يربى من الربا وهذا كثير في كلامه. وإذا تقرر هذا فيتعلق بالقاعدة فروع. منها: أن الأفضل عندنا في السفر الفطر مطلقا سواء وجد مشقة أو لم يجد أخذا بعموم قوله ﷺ : "ليس من البر الصيام في السفر" ١ رواه أحمد والنسائي وابن ماجة عن كعب ابن عاصم قال بعضهم: إسناده جيد وقال النسائي هذا الحديث خطأ لا نعلم أحدا تابع محمد بن كثير عليه والصواب قوله ﷺ : "ليس من البرأن تصوموا في السفر" ٢ أخرجاه في الصحيحين وهو عام أيضا لأن تصوموا جملة فعلية والجمل الفعلية نكرات وهي في سياق النفي فيكون عاما.

стр. 309

ومنها: أن متروك التسمية لا يحل عندنا على الصحيح من المذهب أخذا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وتحقيق المذهب في التسمية والترجيح والترجيح في بعض الصور دون بعض قد كتبه في الكلام على البسملة. ومنها: جواز بيع العرايا بشروطها المذكورة في كتب الفقه ومن شروطها أنه لا بد من حاجة المشترى وهي أن لا يكون للرجل مما يشترى به الرطب غير التمر وهو مخالف لقاعدة المحلى بالألف واللام فإن اللفظ الوارد في جوازه ما ثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة وزيد بن ثابت أن النبى ﷺ رخص في بيع العرايا١. فإن قلت إنما ورد بيع العرايا رخصة عند الحاجة بدليل ما قاله الشيخ أبو محمد في كتابه الكافي إن محمود بن لبيد قال قلت لزيد بن ثابت ما عراياكم هذه فسمى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يتبايعون به رطبا يأكلونه وعندهم فضول من التمر فرخص لهم أن يتبايعوا العرية بخرصها من التمر يأكلونه رطبا وعزاه الشيخ أبو محمد في الكافي إلى الصحيحين. قلت وقد قال الإمام أبو عبد الله بن عبد الهادي في كتابه التنقيح عن عزو الشيخ في الكافي الحديث إلى الصحيحين هذا وهم فإن الحديث لم يخرج في الصحيحين بل ولا في السنن وليس لمحمود بن لبيد رواية في شيء من الكتب الستة بل وليس هذا الحديث في مسند الإمام أحمد ولا السنن الكبير للبيهقي قال وقد فتشت عليه في كتب كثيرة فلم أر له سندا وقد ذكره الشافعي في كتاب البيوع في باب بيع العرايا٢ بلا إسناد وأنكر عليه ابن داود الظاهري

стр. 310

ذلك ورد عليه ابن سريج في إنكاره والله أعلم. وادعى بعض المتأخرين من الشافعية أن أصحابهم اختلفوا هل يشترط حاجة المشترى أم لا وأن الخلاف بينهم يبنى على الخلاف في الأخذ بعموم اللفظ أو بخصوص السبب وفيما قاله نظر لأن السبب الحديث الذي ذكره الشيخ في الكافي وقد تقدم كلام ابن عبد الهادى فيه ولو ثبت لم يلزم منه التعدى إلى المعنى لأن الرخصة إنما كانت لقوم موصوفين بصفة الفقر وكان الأصل المنع ثبت معنا في هذه الصورة الخاصة لمعنى لا يوجد في غيرها من الصور قلنا به والباقى على مقتضى الأصل. ثم قول أبى هريرة وزيد رخص رسول الله ﷺ في بيع العرايا ينصرف الألف واللام إلى المعهود الذي قد أبيح لمن اتصف بصفة الفقر والله أعلم.

стр. 311

القاعدة ٦٢ الاستثناء إخراج بعض الجملة بإلا وهي أم الباب وما قام مقامها وهي غير وليس ولا يكون وحاشا وخلا وعدا وسوى وما عدا وما خلا. وأما سيّما إذا انتصب بعدها المعرفة فمنع الجمهور النصب وقال ابن برهان لا اعرف له وجها ووجهه بعضهم بأن ما كافة وأن لا سيّما بمنزلة إلا في الاستثناء فعلى هذا تكون من أدوات الاستثناء. ورد بأن الاستثناء مخرج وما بعدها داخل من باب الأولى. وأجيب بأنه مخرج مما أفهمه الكلام السابق من مساواته لما قبلها وعلى هذا يكون استثناء منقطعا. وقد عرف الاستثناء بالإخراج غير واحد من أئمة العربية كابن جني وغيره. وعند أصحابنا والأكثرين وإخراج ما لولاه لوجب دخوله لغة قاله أبو العباس. وقال بعض العلماء إخراج ما لولاه لجاز دخوله. وهذا الإخراج قبل الحكم أو بعده فإذا قال له على عشرة إلا ثلاثة فالأكثرون على أن المراد بالعشرة سبعة وإلا قرينة مبينة لذلك وقال القاضي: عشرة إلا ثلاثة بإزاء اسمين مفرد ومركب. وقيل المراد بالعشرة مدلولها ثم أخرجت منها ثلاثة وأسندتا إليها بعد الإخراج وصححه ابن الحاجب.

стр. 312

وقد تبين بما ذكرناه أن الاستثناء على قول القاضي: ليس بتخصيص وعلى قول الأكثرين تخصيص لأن اللفظ قد أطلق لبعضه إرادة وإسنادا وعلى الأخير يحتمل لكونه أريد الكل وأسند إلى البعض ويحتمل أنه ليس بتخصيص لأنه أريد تمام مساواته. وقال القاضي: أبو يعلى الاستثناء كلام ذو صيغ محصورة تدل على أن المذكور فيه لم يرد بالقول الأول. ولا يلزم عليه القول المتصل بلفظ العموم نحو قولهم رأيت المؤمنين وما رأيت زيدا ولم أرى عمرا وخالدا لقولنا كلام ذو صيغ محصورة وحروف الاستثناء محصورة وليس الواو منها. قال أبو العباس هذا الاستثناء في اصطلاح النحاة وأما الاستثناء في عرف الفقهاء فهذا منه قال ولهذا لو قال له هذه الدار ولى منها هذا البيت كان هذا استثناء عندهم فالاستثناء قد يكون بما هو أعم من ذلك كالجملة كما أن الاستثناء بالمشيئة هو استثناء في كلام النبي ﷺ والصحابة والفقهاء وليس استثناء في العرف النحوي. قلت إن أراد أبو العباس أن قول المقر له هذه الدار ولى منها هذا البيت أنه من الاستثناء العام باعتبار الإخراج من حيث الجملة فظاهر وإن أراد أنه مساو للفظة إلا أو ما قام مقامها ففيه إشكال إذ قد فرق الأصحاب بين قول المقر له هذه الدار وهذا البيت لي فإنه يصح ولو كان البيت معظمها وبين قوله له هذه الدار إلا ثلاثة أرباعها أو إلا ثلثيها فإنه استثناء للأكثر ولا يصح عندنا. إذا تقرر هذا فههنا مسائل تتعلق بالاستثناء بإلا أو إحدى أخواتها وبالاستثناء بالمشيئة. منها: أنه لا يجوز أن يستثنى الأكثر من عدد مسمى عند أصحابنا ذكره الخرقى وأبو بكر ونص عليه أحمد في الطلاق وقال به أكثر النحاة من البصريين وغيرهم ونصره ابن الباقلانى في كتاب التقريب من أصول الفقه.

стр. 313

قال أبو البركات وذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين إلى جواز استثناء الأكثر. قلت وهو وجه لأصحابنا اختاره أبو بكر الخلال. ولنا في النصف وجهان وذكرهما أبو الفرج وصاحب الروضة روايتين وذكر ابن هبيرة الصحة ظاهر المذهب. قال أبو البركات ولا خلاف في جواز استثنائه إذا كانت الكثرة مفهومة من دليل خارجي لا من اللفظ. وحيث قلنا بجواز الاستثناء فلا فرق بين استثناء عقد من العقود أو بعض عقد. وقال بعض الأدباء لا يستثنى عقد من العقود بل بعض عقد فلا يصح استثناء واحد من عشرة ولا عشر من مائة ولا مائة من ألف بل بعض واحد وبعض عشرة وبعض مائة. وأما الاستثناء المستغرق فباطل إجماعا ذكره غير واحد ولكن قال ابن طلحة في كتاب المدخل له في الفقه إذا قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا هل يقع الطلاق على قولين. قال بعض المالكية ومقتضى هذا النقل جواز استثناء الكل من الكل. قال أبو العباس وليس كذلك وإنما هذا على قول مالك يتمشى وبيض لذلك. قلت ولقائل أن يقول: إذا قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا أنه يقع واحدة إذا قلنا يصح استثناء الأكثر واثنتان على المذهب لأن استثناء الأقل عندنا صحيح ولنا في الأكثر وجه فالمستثنى للثلاث جامع بين ما يجوز وما لا يجوز فيخرج على قاعدة تفريق الصفقة والله أعلم. ومحل امتناع الاستثناء في غير الصفة أما في الصفة فإنه يجوز استثناء الأكثر والكل. قال أبو يعلى الصغير وأبو الخطاب وغيرهما من أصحابنا في قوله تعالى:

стр. 314

﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] أنه استثناء بالصفة وهو في الحقيقة تخصيص وأنه يجوز فيه الكل نحو اقتل من في الدار إلا بني تميم وإلا البيض فيكونون بيضا أو من بني تميم فيحرم قتلهم. ونقل أبو حيان عن الفراء أن الاستثناء يجوز أن يكون أكثر ومثل بقول المقر له على ألف إلا ألفين قال إلا أنه يكون منقطعا. وقد تقدم وتقرر أن المذهب لا يصح استثناء الأكثر فكيف صحح الأصحاب في الوصايا استثناء الربع من الثلث والخمس من الربع ونحو ذلك وقد بينه أبو الخطاب لذلك الإشكال في التهذيب١. وأجاب عنه بأن هذا ليس من باب استثناء الأكثر وإنما هو كأنه أوصى بشيء ثم رجع في بعضه وترك البعض. وفي هذا الجواب نظر إذ هو تحويل للفظ الاستثناء إلى غير معنى الرجوع. وأيضا فإن الرجوع لا يكون إلا بعد استقرار الحكم والاستثناء مانع من استقرار الحكم وحقيقته إخراج ما لولاه لدخل في اللفظ فهو مانع من دخول ما يقتضى اللفظ دخوله لا أنه يستقر دخوله ثم يخرج. اللهم إلا أن يقال في تحريره إنا إنما منعنا استثناء الأكثر لأنه إبطال للفظ الأول لا تخصيص له وهو لا يملك إبطالهما بالرجوع فنزل استثناء الأكثر فيها منزلة الرجوع. واستشكل الحارثي في مسألة من له ثلاث بنين وأوصى بمثل نصيب أحدهم إلا ربع المال فأورد هنا أن الاستثناء مستغرق لأن المثل مع الثلاثة ربع فكيف يستثنى منه الربع؟ وأجاب عنه بأن الاستثناء يتبع به النصيب فيتبع الوصية لأن الحاصل للوارث مع عدم الاستثناء ربع فقط ومع الاستثناء ربع وشيء فالمثل الموصى به كذلك فإذا استثنى منه الربع لم يكن الاستثناء مستغرقا. ثم قال ولقائل أن يقول: الزيادة على الربع إنما تثبت بالاستثناء والقدر

стр. 315

الثابت بالاستثناء ولا يثبت قبله فلا يحصل بذلك تخليص عن الإيراد والله أعلم. وأجاب بعض المتأخرين عن الأول بما ذكره أبو محمد المقدسي وغيره من أن استثناء الأكثر إنما يمنع من العدد خاصة أما من الجموع المستغرقة فلا يمتنع استثناء الأكثر وكذلك اختار ابن عصفور١. ولقائل أن يقول: الأجزاء تنزل منزلة الأعداد لأنها نصوص فيما دلت عليه فهي كالعدد. ويجاب عنه بأن الأجزاء هنا غير مصرح بها فإنه لم يقل أوصيت له بالربع إلا الخمس وإنما ذكر ما يقتضى ذلك واستثناء الأكثر إنما يمتنع إذا كانت الكثرة مستفادة من اللفظ نحو له علي عشرة إلا تسعة أما إذا كان الاستثناء مخصصا بوصف واتفق أن الموصوف به أكثر من الباقي لم يكن ذلك من القسم الممنوع وقد تقدم ذلك في استثناء الكل بالصفة ففي الأكثر أولى. وذكر أبو العباس في مسائل التعداديات الاتفاق على جواز ذلك. وفي هذه المسائل ليس في اللفظ ما يدل على أن المستثنى أكثر من المستثنى منه وإنما يعلم ذلك بالنظر والفكر. وأما الثاني: فتحرر الجواب عنها أنها مغلطة فإن قوله أوصى له بالربع٢ غير صحيح بل إنما أوصى له بمثل نصيب ابن ونصيب الابن هو ما يستقر له واستثنى من هذا النصيب المستقر ربع المال ولا شك أن النصيب المستقر أزيد من ربع المال كما يظهر ذلك عمل المسألة. وحينئذ فقوله ولقائل أن يقول: الزيادة على الربع إلى آخره٣ غير مستقيم لأن الوصية لم تحصل بالربع وإنما حصلت بنصيب الابن وقد تقرر أن

стр. 316

ذلك أكثر من الربع والله أعلم. ومنها: لو وصى بثلاثة إلا شيئا أو بألف إلا شيئا فعلى المذهب له النصف وأدنى مقول وعلى القول باستثناء الأكثر له أدنى مقول ولو قال إلا قليلا قال الحارثي: فلذلك ذكروه في الأقارير قال لأنه مبهم أشبه قوله إلا شيئا قال والأظهر أن له الثلثين وزيادة لأن الثلث كثير فلا يدخل تحت استثناء القليل والله أعلم. ومنها: حيث قلنا بجواز الاستثناء فلا فرق بين الطلاق وغيره هذا المذهب. وقال أبو بكر عبد العزيز من أصحابنا لا يصح الاستثناء في الطلاق. قال أبو العباس قول أبى بكر رواية منصوصة عن الإمام أحمد وأكثر الأصحاب خصوا قوله بالاستثناء في عدد الطلاق دون عدد المطلقات ومنهم من حكى عنه إبطال الاستثناء في الطلاق مطلقا وهو ظاهر ولا فرق على إطلاق الأكثرين في الطلاق بين تقدير الإيقاع وتأخيره. وقال صاحب الترغيب لو قال الزوج لزوجاته أربعتكن طوالق إلا فلانة لم يصح على الأشبه لأنه صرح بالأربعة وأوقع الطلاق عليهن ولو قال أربعتكن إلا فلانة طوالق صح الاستثناء ومقتضى تعليله في الصورة بطلان الاستثناء من الأعداد في الإقرار إذا قال له علي عشرة إلا ثلاثة ومعلوم أنه ليس كذلك. وعلى إطلاق الأكثرين لا فرق بين كلام الله تعالى وغيره في جواز الاستثناء وحكى بعض المتأخرين قولا أنه إنما يجوز الاستثناء في كلام الله تعالى فقط. ومنها: حيث قلنا بجواز الاستثناء فيشترط له الاتصال لفظا أو حكما كانقطاعه بتنفس ونحوه عند الأئمة الأربعة وغيرهم والمتكلمين وروى سعيد بن منصور قال حدثنا معاوية حدثنا الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس رضي

стр. 317

الله عنهما أنه يرى الاستثناء جائزا ولو بعد سنة الأعمش١ مدلس ومعناه قول طاووس٢ وحكى عنه أيضا جوازه إلى شهر وحكى عنه أبدا وحكى عن مجاهد جوازه إلى سنتين. وقال بعض المالكية يصح اتصاله بالنية وانفصاله لفظا فيدين. قال الآمدي: ولعله مذهب ابن عباس. قال الإمام أحمد قول ابن عباس إذا استثنى بعد سنة فله ثنياه ليس هو في الأيمان إنما تأويله قول الله ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً*إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣, ٢٤] فهذا استثناء من الكذب لأن الكذب ليس فيه كفارة وهو أشد من اليمين لأن اليمين تكفر والكذب لا يكفر. قال ابن الجوزي فائدة الاستثناء خروج الكذب قال موسى ﵇ ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً﴾ [الكهف: ٦٩] ولم يصبر فسلم منه بالاستثناء. قلت مراد أحمد رضي الله والله أعلم أنه إذا نسى أن يقول: أفعل كذا إن شاء الله تعالى فيقول: متى ذكر وعليه يحمل مذهب ابن عباس. وعن أحمد ﵁ رواية أخرى يصح الاستثناء في اليمين منفصلا في زمن يسير ثم هل يشترط اتحاد المجلس أم لا قولان وهل يشترط أن لا يفصل بينهما بكلام قولان. قال أبو العباس: أحمد لم يعتبر مجلس الأبدان المعتبر في الأفعال فإن هذا قد يطول يوما وأكثر وأقل وإنما قال إذا سكت قليلا وقال إذا كان بالقرب ولم يختلط كلامه بغيره قال: والروايتان عن أحمد في اليمين يجب إجراؤهما في جميع صلات الكلام المعتبرة له من التخصيصات والصفات والأبدال والأحوال ونحو ذلك.

стр. 318

قلت ولهذا ذكر ابن الزاغونى في الواضح١ في الإقرار إن سكت المقر عما يمكنه الكلام فيه ثم استثنى فروايتان أصحهما لا يصح استثناؤه والثانية يصح كما لو تقارب ما بينهما ومنع بناءهما مانع. ويشترط نية الاستثناء هذا المذهب وقال القاضي: في موضع من كلامه في الاستثناء في اليمين يتوجه أن يصح من غير نية وإذا قلنا بالمذهب وهو اشتراط نية الاستثناء فما محلها في ذلك ثلاثة أقوال. أحدها: وهو ما قاله صاحب الترغيب من عنده أنه يتوجه أن يكون محله في أول الكلام. والثاني: وهو ما قاله صاحب المغنى وغيره أنه يصح ولو بعده واختاره أبو العباس وقال لا يضر فصل يسير بالنية وبالاستثناء واحتج بالأخبار الواردة في الأيمان. والثالث: وهو ما قاله صاحب المحرر وغيره أن محله قبل تكميل المستثنى منه وعدى صاحب المحرر الحكم في النية إلى الشرط الملحق والعطف المغير والاستثناء بالمشيئة ونية العدد بحيث يؤثران وهو مراد غيره. ومنها: أنه لا يجوز تقديم المستثنى في أول الكلام كقولك إلا زيدا قام القوم كحرف العطف إذ لا معنى لقول إلا زيدا واختاره الكوفيون والزجاج٢ ولو تقدمه حرف نفي فالمنع أيضا باق كقولك ما إلا زيدا في الدار أحد بخلاف ما لو كان النافي فعلا فإنه يجوز كقولك ليس إلا زيدا فيها الدار أحد وكذلك لم يكن إلا زيدا فيها أحد ويتعلق بذلك إذا قال المقر ليس له على عشرة إلا خمسة وفي المسألة قولان. أحدهما لا يلزمه شيء لتخبيط اللفظ. والثاني: وهو الصحيح يلزمه ما أثبته وهي الخمسة لأن التقدير:

стр. 319

ليس له على عشرة لكن خمسة ولأنه استثناء من نفي فيكون إثباتا. وإما إذا توسط المستثنى بين المستثنى منه والمنسوب إليه الحكم فيجوز كقولك قام إلا زيدا القوم والقوم إلا زيدا ذاهبون نعم إذا تقدم على المستثنى منه وعلى العامل ففي ذلك مذاهب. ثالثها وهو مختار أبى حيان إن كان العامل متصرفا كقولك القوم إلا زيدا جاءوا وإن كان غير متصرف نحو الرجال إلا عمرا في الدار فلا يجوز. ومنها: أنه يصح الاستثناء من الاستثناء جزم به الأصحاب وغيرهم لقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ*إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ*إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الحجر: ٥٨, ٦٠] فإذا تعقب الاستثناء وحده استثناء باطل فهل يلغى ذلك الاستثناء الباطل وما بعده أو يلغى وحده ويرجع ما بعده إلى ما قبله أو ينظر ما يؤل إليه جملة الاستثناءات في ذلك ثلاثة أوجه. ولنضرب لذلك مثلا وقس عليه ما يرد عليك من هذا الباب فإذا قال له على عشرة إلا عشرة إلا أربعة إلا واحدا. فعلى الوجه الأول يلزمه عشرة ويلغو قوله إلا أربعة إلا واحدا لأنه فرع على استثناء باطل. وعلى الوجه الثاني: يلغو المستغرق وحده تخصيصا للبطلان به ويلزمه سبعة وهذا مبنى على أن الكلام المتخلل بين المستثنى والمستثنى منه غير قاطع للاستثناء. وعلى الوجه الثالث: ينظر ما تؤل إليه جملة الاستثناءات الباطل منها والصحيح فيلزمه في الصورة المذكورة ثلاثة. والطريق العام في استخراج الباقي عند تكرر الاستثناءات مبنى على أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي. فتقول في الصورة المذكورة أثبت عشرة ثم نفاها ثم أثبت من العشرة المنفية أربعة ثم نفي من هذه الأربعة المثبتة واحدا فبقى ثلاثة.

стр. 320

لكن عند كثرة الاستثناءات يصعب سلوك هذه الطريق ويشق ضبطه فلك فيه طريقان سهلان جدا. أحدهما أن تأخذ شفع الأعداد ووترها وتعرف مقدار كل واحد منهما وتلقى أقلهما من أكثرهما فما بقى فهو الجواب. وضبط هذا بالشفع والوتر إنما يصح إذا لم يكن في الاستثناءات استثناء مستغرق فإن كان فيها استثناء مستغرق كالصورة المذكورة فضبطه أن تأخذ الأعداد المثبتة فتعرف جملتها ثم المنفية كذلك ثم تلقى أقلها من أكثرها فالباقي هو الجواب. فنقول في الصورة المذكورة أن تأخذ العشرة والأربعة فيهما شفعان مثبتان وذلك أربعة عشر وتأخذ العشرة الثانية والواحد وهما منفيان وذلك أحد عشر فتلقيها من الأربعة عشر يبقى ثلاثة كما سبق. ولو اعتبرته ههنا بالشفع والوتر لم يصح إذ ليس معك وتر إلا الواحد والشفع أربعة وعشرون تلقى منها الواحد يبقى ثلاثة وعشرون وليس ذلك بالحق وإنما جاء ذلك من الاستثناء المستغرق لأنه شفع بعد شفع. وكذا لو كان وترا بعد وتر نحو تسعة إلا تسعة إلا أربعة إلا واحدا فطريق النفي والإثبات تأخذ التسعة الأولى والأربعة وذلك ثلاثة عشر والتسعة الثانية والواحد وذلك عشرة تلقيها من ثلاثة عشر تبقى ثلاثة. وبطريق الزوج والفرد تحتاج أن تلقى الأربعة من تسعة عشر يبقى خمسة عشر وليس بالصواب. فبالجملة طريق النفي والإثبات أعم وهي الأصل وطريق الزوج والفرد يصح لمخصوص المادة غالبا بشرط أن لا يكون هناك استثناء مستغرق لأنه يكون مساويا لما قبله في الزوجية والفردية فيختل العمل. والطريق الثاني: أن تلقى آخر الاستثناءات مما قبله ثم الباقي منه فما قبله كذلك إلى أن يصل إلى المستثنى منه أولا فما بقى فهو الجواب.
следующие страницы →