← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8526

القواعد والفوائد الأصولية وما يتبعها من الأحكام الفرعية

ابن اللحام

Полный текст (380 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ذلك أكثر من الربع والله أعلم. ومنها: لو وصى بثلاثة إلا شيئا أو بألف إلا شيئا فعلى المذهب له النصف وأدنى مقول وعلى القول باستثناء الأكثر له أدنى مقول ولو قال إلا قليلا قال الحارثي: فلذلك ذكروه في الأقارير قال لأنه مبهم أشبه قوله إلا شيئا قال والأظهر أن له الثلثين وزيادة لأن الثلث كثير فلا يدخل تحت استثناء القليل والله أعلم. ومنها: حيث قلنا بجواز الاستثناء فلا فرق بين الطلاق وغيره هذا المذهب. وقال أبو بكر عبد العزيز من أصحابنا لا يصح الاستثناء في الطلاق. قال أبو العباس قول أبى بكر رواية منصوصة عن الإمام أحمد وأكثر الأصحاب خصوا قوله بالاستثناء في عدد الطلاق دون عدد المطلقات ومنهم من حكى عنه إبطال الاستثناء في الطلاق مطلقا وهو ظاهر ولا فرق على إطلاق الأكثرين في الطلاق بين تقدير الإيقاع وتأخيره. وقال صاحب الترغيب لو قال الزوج لزوجاته أربعتكن طوالق إلا فلانة لم يصح على الأشبه لأنه صرح بالأربعة وأوقع الطلاق عليهن ولو قال أربعتكن إلا فلانة طوالق صح الاستثناء ومقتضى تعليله في الصورة بطلان الاستثناء من الأعداد في الإقرار إذا قال له علي عشرة إلا ثلاثة ومعلوم أنه ليس كذلك. وعلى إطلاق الأكثرين لا فرق بين كلام الله تعالى وغيره في جواز الاستثناء وحكى بعض المتأخرين قولا أنه إنما يجوز الاستثناء في كلام الله تعالى فقط. ومنها: حيث قلنا بجواز الاستثناء فيشترط له الاتصال لفظا أو حكما كانقطاعه بتنفس ونحوه عند الأئمة الأربعة وغيرهم والمتكلمين وروى سعيد بن منصور قال حدثنا معاوية حدثنا الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس رضي

стр. 317

الله عنهما أنه يرى الاستثناء جائزا ولو بعد سنة الأعمش١ مدلس ومعناه قول طاووس٢ وحكى عنه أيضا جوازه إلى شهر وحكى عنه أبدا وحكى عن مجاهد جوازه إلى سنتين. وقال بعض المالكية يصح اتصاله بالنية وانفصاله لفظا فيدين. قال الآمدي: ولعله مذهب ابن عباس. قال الإمام أحمد قول ابن عباس إذا استثنى بعد سنة فله ثنياه ليس هو في الأيمان إنما تأويله قول الله ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً*إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣, ٢٤] فهذا استثناء من الكذب لأن الكذب ليس فيه كفارة وهو أشد من اليمين لأن اليمين تكفر والكذب لا يكفر. قال ابن الجوزي فائدة الاستثناء خروج الكذب قال موسى ﵇ ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً﴾ [الكهف: ٦٩] ولم يصبر فسلم منه بالاستثناء. قلت مراد أحمد رضي الله والله أعلم أنه إذا نسى أن يقول: أفعل كذا إن شاء الله تعالى فيقول: متى ذكر وعليه يحمل مذهب ابن عباس. وعن أحمد ﵁ رواية أخرى يصح الاستثناء في اليمين منفصلا في زمن يسير ثم هل يشترط اتحاد المجلس أم لا قولان وهل يشترط أن لا يفصل بينهما بكلام قولان. قال أبو العباس: أحمد لم يعتبر مجلس الأبدان المعتبر في الأفعال فإن هذا قد يطول يوما وأكثر وأقل وإنما قال إذا سكت قليلا وقال إذا كان بالقرب ولم يختلط كلامه بغيره قال: والروايتان عن أحمد في اليمين يجب إجراؤهما في جميع صلات الكلام المعتبرة له من التخصيصات والصفات والأبدال والأحوال ونحو ذلك.

стр. 318

قلت ولهذا ذكر ابن الزاغونى في الواضح١ في الإقرار إن سكت المقر عما يمكنه الكلام فيه ثم استثنى فروايتان أصحهما لا يصح استثناؤه والثانية يصح كما لو تقارب ما بينهما ومنع بناءهما مانع. ويشترط نية الاستثناء هذا المذهب وقال القاضي: في موضع من كلامه في الاستثناء في اليمين يتوجه أن يصح من غير نية وإذا قلنا بالمذهب وهو اشتراط نية الاستثناء فما محلها في ذلك ثلاثة أقوال. أحدها: وهو ما قاله صاحب الترغيب من عنده أنه يتوجه أن يكون محله في أول الكلام. والثاني: وهو ما قاله صاحب المغنى وغيره أنه يصح ولو بعده واختاره أبو العباس وقال لا يضر فصل يسير بالنية وبالاستثناء واحتج بالأخبار الواردة في الأيمان. والثالث: وهو ما قاله صاحب المحرر وغيره أن محله قبل تكميل المستثنى منه وعدى صاحب المحرر الحكم في النية إلى الشرط الملحق والعطف المغير والاستثناء بالمشيئة ونية العدد بحيث يؤثران وهو مراد غيره. ومنها: أنه لا يجوز تقديم المستثنى في أول الكلام كقولك إلا زيدا قام القوم كحرف العطف إذ لا معنى لقول إلا زيدا واختاره الكوفيون والزجاج٢ ولو تقدمه حرف نفي فالمنع أيضا باق كقولك ما إلا زيدا في الدار أحد بخلاف ما لو كان النافي فعلا فإنه يجوز كقولك ليس إلا زيدا فيها الدار أحد وكذلك لم يكن إلا زيدا فيها أحد ويتعلق بذلك إذا قال المقر ليس له على عشرة إلا خمسة وفي المسألة قولان. أحدهما لا يلزمه شيء لتخبيط اللفظ. والثاني: وهو الصحيح يلزمه ما أثبته وهي الخمسة لأن التقدير:

стр. 319

ليس له على عشرة لكن خمسة ولأنه استثناء من نفي فيكون إثباتا. وإما إذا توسط المستثنى بين المستثنى منه والمنسوب إليه الحكم فيجوز كقولك قام إلا زيدا القوم والقوم إلا زيدا ذاهبون نعم إذا تقدم على المستثنى منه وعلى العامل ففي ذلك مذاهب. ثالثها وهو مختار أبى حيان إن كان العامل متصرفا كقولك القوم إلا زيدا جاءوا وإن كان غير متصرف نحو الرجال إلا عمرا في الدار فلا يجوز. ومنها: أنه يصح الاستثناء من الاستثناء جزم به الأصحاب وغيرهم لقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ*إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ*إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الحجر: ٥٨, ٦٠] فإذا تعقب الاستثناء وحده استثناء باطل فهل يلغى ذلك الاستثناء الباطل وما بعده أو يلغى وحده ويرجع ما بعده إلى ما قبله أو ينظر ما يؤل إليه جملة الاستثناءات في ذلك ثلاثة أوجه. ولنضرب لذلك مثلا وقس عليه ما يرد عليك من هذا الباب فإذا قال له على عشرة إلا عشرة إلا أربعة إلا واحدا. فعلى الوجه الأول يلزمه عشرة ويلغو قوله إلا أربعة إلا واحدا لأنه فرع على استثناء باطل. وعلى الوجه الثاني: يلغو المستغرق وحده تخصيصا للبطلان به ويلزمه سبعة وهذا مبنى على أن الكلام المتخلل بين المستثنى والمستثنى منه غير قاطع للاستثناء. وعلى الوجه الثالث: ينظر ما تؤل إليه جملة الاستثناءات الباطل منها والصحيح فيلزمه في الصورة المذكورة ثلاثة. والطريق العام في استخراج الباقي عند تكرر الاستثناءات مبنى على أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي. فتقول في الصورة المذكورة أثبت عشرة ثم نفاها ثم أثبت من العشرة المنفية أربعة ثم نفي من هذه الأربعة المثبتة واحدا فبقى ثلاثة.

стр. 320

لكن عند كثرة الاستثناءات يصعب سلوك هذه الطريق ويشق ضبطه فلك فيه طريقان سهلان جدا. أحدهما أن تأخذ شفع الأعداد ووترها وتعرف مقدار كل واحد منهما وتلقى أقلهما من أكثرهما فما بقى فهو الجواب. وضبط هذا بالشفع والوتر إنما يصح إذا لم يكن في الاستثناءات استثناء مستغرق فإن كان فيها استثناء مستغرق كالصورة المذكورة فضبطه أن تأخذ الأعداد المثبتة فتعرف جملتها ثم المنفية كذلك ثم تلقى أقلها من أكثرها فالباقي هو الجواب. فنقول في الصورة المذكورة أن تأخذ العشرة والأربعة فيهما شفعان مثبتان وذلك أربعة عشر وتأخذ العشرة الثانية والواحد وهما منفيان وذلك أحد عشر فتلقيها من الأربعة عشر يبقى ثلاثة كما سبق. ولو اعتبرته ههنا بالشفع والوتر لم يصح إذ ليس معك وتر إلا الواحد والشفع أربعة وعشرون تلقى منها الواحد يبقى ثلاثة وعشرون وليس ذلك بالحق وإنما جاء ذلك من الاستثناء المستغرق لأنه شفع بعد شفع. وكذا لو كان وترا بعد وتر نحو تسعة إلا تسعة إلا أربعة إلا واحدا فطريق النفي والإثبات تأخذ التسعة الأولى والأربعة وذلك ثلاثة عشر والتسعة الثانية والواحد وذلك عشرة تلقيها من ثلاثة عشر تبقى ثلاثة. وبطريق الزوج والفرد تحتاج أن تلقى الأربعة من تسعة عشر يبقى خمسة عشر وليس بالصواب. فبالجملة طريق النفي والإثبات أعم وهي الأصل وطريق الزوج والفرد يصح لمخصوص المادة غالبا بشرط أن لا يكون هناك استثناء مستغرق لأنه يكون مساويا لما قبله في الزوجية والفردية فيختل العمل. والطريق الثاني: أن تلقى آخر الاستثناءات مما قبله ثم الباقي منه فما قبله كذلك إلى أن يصل إلى المستثنى منه أولا فما بقى فهو الجواب.

стр. 321

ولنضرب لذلك مثالا إذا قال المقر له على عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدا. فبطريق النفي والإثبات أو الزوج أو الفرد نأخذ العشرة والثمانية والستة والأربعة والاثنين وهي الأعداد الشفع المثبتة وجملتها ثلاثون ونأخذ ٢التسعة والسبعة والخمسة والثلاثة والواحد وهي الأعداد الوتر المنفية وجملتها خمسة وعشرون نلقيها من الثلاثين يبقى خمسة وهو الجواب. وبطريق الترقي من آخر الاستثناءات إلى أولها نلقى الواحد من الاثنين يبقى واحد نلقيه من الثلاثة يبقى اثنان نلقيهما من الأربعة قبلها يبقى اثنان نلقيهما من الخمسة يبقى ثلاثة نلقيها من السبعة يبقى أربعة نلقيها من الثمانية يبقى أربعة نلقيها من التسعة يبقى خمسة نلقيها من العشرة يبقى خمسة كالجواب بالطريقين. ومنها: هل يرجع الاستثناء إلى ما يملكه المكلف كما ذكره القاضي أو إلى ما تلفظ به؟ في المسألة وجهان ذكرهما غير واحد. فيظهر أثرها إذا قال الزوج لزوجته أنت طالق خمسا إلا واحدة فإن قلنا يرجع إلى ما تلفظ به فيقع الثلاث كأنه قال أنت طالق أربعا وإن قلنا يرجع إلى ما يملكه فيقع اثنان كأنه استثناء واحدة من ثلاث وإن قال أنت طالق أربعة إلا اثنتين فعلى الوجه الأول يصح الاستثناء ويقع اثنتان إذا قلنا بصحة استثناء النصف وعلى قول القاضي لا يصح الاستثناء ويقع ثلاث لأن الاستثناء يرجع إلى ثلاث فيكون استثناء للأكثر وعندنا لا يصح على الصحيح. ومنها: الاستثناء من غير الجنس لا يصح عند أحمد وأصحابه وزفر ومحمد١ وذكره الآمدي عن الأكثر وذكر التميمي أن أصحاب أحمد اختلفوا فيه وعن أحمد يصح استثناء نقد من آخر.

стр. 322

قال صاحب الروضة روضة الفقه من أصحابنا بناء على أنهما جنس واحد أو أو جنسان. وما قاله غلط إلا أن يريد ما قاله القاضي في العدة وابن عقيل في الواضح أنهما كالجنس الواحد في أشياء وفي المغنى يمكن حمل الصحة على ما إذا كان أحدهما يعبر به عن الآخر أو يعلم قدره منه ورواية البطلان على ما إذا انتفي ذلك. فعلى قول صاحب الروضة والعدة والواضح يختص الخلاف بالتقدير. وعلى ما حمله صاحب المغنى ينبغي الخلاف. وقال بعض أصحابنا يلزم من هذه الرواية صحة استثناء نوع من نوع آخر وقال أبو الخطاب يلزم من هذه الرواية صحة الاستثناء من غير الجنس وقالت المالكية وابن الباقلانى وجماعة من المتكلمين والنحاة بالصحة وللشافعية كالقولين. وقال ابن برهان عدم صحته قول عامة أصحابنا والفقهاء قاطبة وحكاه جماعة عن أبى حنيفة والأشهر عنه صحته في مكيل أو موزون من أحدهما فقط. ومنها: الاستثناء إذا تعقب جملا عطف بعضها على بعض الواو ويصلح عوده إلى كل واحد منها فإنه يعود إلى جميعها إلى أن يرد دليل بخلافه عند أصحابنا والشافعية والمالكية. قال أحمد في رواية ابن منصور قول النبي ﷺ : "لا يؤمن الرجل الرجل في أهله ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه" ١ قال أرجو أن يكون الاستثناء عائدا

стр. 323

على كله. وقالت الحنفية يعود إلى الأخيرة وقال جماعة من المعتزلة منهم عبد الجبار وأبو الحسين ومعناه قول القاضي في الكفاية إن تبين إضراب عن الأولى فللأخيرة وإلا فللجميع. والإضراب أن يختلفا نوعا كالأمر والخبر نحو أكرم بني تميم وجاء القوم إلا الطوال أو يتحدا نوعا أو يتحد نوعا وحكما ويختلفا اسما وحكما بني تميم وسلم على ربيعة إلا الطوال أو يختلفا نوعا واسما لا حكما لكن لا يشتركان في عوض واحد نحو سلم على بني تميم واستأجر بني تميم إلا الطوال. وتوقف ابن الباقلاى والغزالى وجماعة من الشافعية وحكاه القاضي عن الأشعرية لتعارض الأدلة. قال أبو البركات وعندى أن حاصل قول الأشاعرة يرجع إلى قول الحنفية قال ابن عقيل وغيره قول الأشعرية محدث بعد الإجماع. وقال المرتضى١ الشيعي بالاشتراك كالقرء والعين لأنه ورد للأخيرة وللكل ولبعض الجمل المتقدمة. قلت فحاصل قول المرتضى يرجع إلى أن يكون ذاك مجملا. وقيل إن كان بينهما تعلق كأكرم العلماء والزهاد وأنفق عليهم إلا المبتدعة وإلا فللأخيرة قال أبو البركات ولفظ الجمل يراد به لما فيه شمول لا يراد به الجمل النحوية ولهذا ذكر القاضي وغيره الأعداد من صورها وسوى

стр. 324

بين قوله رجل ورجل وبين قوله: رجلان. وقد ذكر أصحابنا في الاستثناء في الإقرار إذا تعقب جملتين هل يعود إليهما أو إلى الثانية على وجهين كما لو عطف المستثنى فهل يصير المعطوف والمعطوف عليه جملة واحدة أو هما جملتان على وجهين. وقال أبو العباس وكثير من الناس يدخلون في هذه المسألة الاستثناء المتعقب أسماء فيريدون بقولهم جملا الجملة التي تقبل الاستثناء لا يريدون بها الجملة من الكلام قال وهذا موضع يحتاج إلى الفرق لأنه فرق بين أن يقال أكرم هؤلاء وهؤلاء إلا الفساق والله أعلم. وقولنا في فرض المسألة الاستثناء إذا تعقب جملا وعطف بعضها على بعض بالواو وكذا ذكره القاضي في العدة وأبو الخطاب في التمهيد وغيرهما في بحث المسألة أن واو العطف تجعل الجملة كجملة واحدة وكذا بحثوا في الواو وأنها للجمع المطلق لا ترتيب فيها وأنه هو المعنى الموجب لجعل الجمل كجملة واحدة وبنوا على ذلك أنت طالق وطالق وطالق إلا واحدة هل يصح الاستثناء وأنه لو أتى بالفاء أو بثم لم يصح لأن الترتيب إفراد الأخيرة عما قبلها فاختص بها الاستثناء فلم يصح وكذا فرض المسألة الآمدي وابن الحاجب واستدلال الإمام فخر الدين وأتباعه يقتضيه. وقال أبو العباس موجب ما ذكره أصحابنا وغيرهم أنه لا فرق بين العطف بالواو أو بالفاء أو بثم على عموم كلامهم وقد ذكروا في قوله أنت طالق ثم طالق إن دخلت الدار وجهين وفي هذا التنظير بحث. قال وذكره أبو المعالي فرقا بين الحرف المرتب وغيره في الاستثناء والصفة في شروط الوقف وهو بعيد جدا. قلت ما ذكره أبو العباس عن أبى المعالي الشرطين اللذين اشترطهما لعود الاستثناء إلى الجميع. والشرط الثاني: الذي اشترطه أبو المعالي في عود الاستثناء إلى الجميع هو أن لا يتخلل بين الجملتين كلام طويل فإن تخلل كقول الواقف على قوم على

стр. 325

أن من مات منهم وأعقب فنصيبه بين أولاده للذكر مثل حظ الأنثيين وإن لم يعقب فنصيبه للذين في درجته فإذا انقرضوا فهو مصروف إلى إخوتي إلا أن يفسق أحدهم فالاستثناء يختص بإخوته. قلت قريب من هذا الذي قاله أبو المعالي ما قاله بعض أصحابنا إذا وقف الواقف على أولاده وأولاد فلان ثم المساكين على أن لا يعطى منهم إلا صاحب عيال أنه يختص الشرط بالجملة الأخيرة قال لأنها أجنبية من الأولى. تنبيه مثل قول القائل بني تميم وربيعة أكرمهم إلا الطوال للجميع وجعله في التمهيد أصلا لمسألة الخلاف. ومما يتعلق بعود الاستثناء إلى الجميع أو الجملة الأخيرة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] تضمنت الآية الكريمة أن القذف يتعلق به ثلاثة أحكام وجوب الجلد ورد الشهادة وثبوت الفسق. فمن رأى أن الاستثناء يعود إلى الأخيرة فقط وهو أبو حنيفة قال إذا تاب القاذف زال فسقه ولم تقبل شهادته إذا جلد لأن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] لم يتعلق بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ [النور: ٤] فيبقى على عمومه في الزمان. وقد يقال في الآية الكريمة إنها تضمنت حكمين وجوب الحد وثبوت الفسق أما رد الشهادة فهو من آثار الفسق ومن لوازمه ومترتب عليه فإذا زال الفسق الذي هو المؤثر بالتوبة زال أثره الذي هو رد الشهادة. وأما من رأى عوده إلى الجميع فقال جماعة منهم مقتضى هذا الأصل أن يعود إلى الفسق ورد الشهادة والحد لكن منع من عوده إلى الجلد الإجماع فإن حد القذف لا يسقط بالتوبة بالإجماع فيبقى الباقي على مقتضى الأصل. قلت ودعوى الإجماع لا تصح فإن ابن الجوزى جزم بعوده إلى الجلد

стр. 326

وأنه قول أحمد وجزم به صاحب المغنى أيضا في أول مسألة شهادة القاذف لما بحث مع الحنفية المسألة وأنهم قالوا الاستثناء لا يعود إلى الجلد ومنعهم وقال بل يعود إليه أيضا انتهى. يؤيد أن حد القذف يسقط بالتوبة لو قذف شخص شخصا لا يجب عليه إعلامه والتحلل منه وهو أصح الروايتين عن الإمام أحمد حتى إنه يحرم عليه إعلامه بذلك ذكره القاضي أبو يعلى والشيخ عبد القادر١ يقبل ههنا لا ينبغي أن يعلمه. وأما الشرط إذا قيد به أحد المتعاطفين فقد ذكر الإمام في الحصول أن الحنفية قد وافقونا على عوده إلى الجميع وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى وأبو العباس وذكره في التمهيد إجماعا وذكر أبو محمد المقدسي في الروضة أن أكثر المخالفين سلموا أن الشرط يعود إلى الجميع ونقض عليهم بذلك وذكر في المغنى في الظهار وإذا قال أنت حرام والله لا أكلمك إن شاء الله تعالى أن الاستثناء يعود إليهما في أحد الوجهين لأن الاستثناء إذا تعقب جملا عاد إلى جميعها ولم يوجه الثاني ولعل وجهه والله أعلم اختلاف اليمين. ونقل الإمام في المحصول في الكلام على التخصيص بالشرط عن بعض الأدباء أن الشرط يختص بالجملة التي تليه فإن تقدم اختص بالأولى وإن تأخر اختص بالثانية وإن قلنا بعوده إلى الجميع فأطلق الجميع العطف لكن أحالوه على الاستثناء وصرح بعضهم بالواو. وفي كلام بعض أصحابنا لو حلف لأضر بن زيدا ثم عمرا ثم بكرا إن شاء الله أنه للجميع وإن قال لمدخول بها إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق فدخلت وقع ثلاثا إجماعا وإن أتى بثم فكذلك عند جماعة من أصحابنا. وذكر القاضي وجماعة من أصحابنا تقع الثانية والثالثة في الحال وتتعلق الأولى بالدخول لأن ثم للتراخى فكأنه سكت ثم قال أنت طالق.

стр. 327

وغير المدخول بها إن دخلت وقع بالفاء واحدة فقط للترتيب وكذا يقع بغير المدخول بها بثم واحدة عند جماعة من أصحابنا وعند القاضي وجماعة إن أخر الشرط فواحدة في الحال وبطل ما بعدها وإن قدمه تعلقت الأولى بالدخول ووقعت الثانية في بالحال وبطلت الثالثة بناء على أن ثم كسكتته. وأما التخصيص بالصفة نحو أكرم بنى تميم الداخلين فيقصر عليهم قال بعض أصحابنا والآمدي وغيرهم وهي كالاستثناء في العود إلى الجملتين وفي الروضة لأبى محمد سلم الأكثر أن التخصيص بالصفة يعود إلى الجميع ويقصر على المخالفين في الاستثناء بذلك والأظهر في عود الصفة لا فرق بين أن تكون متقدمة أو متأخرة. قال بعض المتأخرين والمتوسطة المختار اختصاصها بما وليته. واشترط إمام الحرمين في عود الصفة إلى الجميع الشرطين اللذين ذكرهما في الاستثناء والأكثرون أطلقوا ذلك. وأما قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فأنه يعود إلى الأخيرة فقط لأن الأولى مجرورة بالإضافة والثانية مجرورة بمن فتمتنع الصفة لاختلاف الخبر باختلاف العامل كذا ذكره بعضهم وفيه بحث. قال أبو العباس عطف البيان والتوكيد والبدل ونحو ذلك من الأسماء المخصصة ينبغي أن تكون بمنزلة الاستثناء قال وأما الجار والمجرور مثل أن يقول: على أنه أو بشرط أنه ونحو ذلك فإنه ينبغي أن يتعلق بالجميع قولا واحدا لأن هذه الأشياء متعلقة بالكلام لا بالاسم فهي بمنزلة الشرط اللفظي فإذا قال أكرم بني تميم أو بني أسد أو بني غطفان المجاهدين أمكن أن يكون المجاهدون غطفان فقط وإذا قال بشرط أن يكونوا مؤمنين أو على أن يكونوا مؤمنين فإن هذا متعلق بالأكثر أحرى وهو متناول للجميع تناولا واحدا بمنزلة قوله إن كانوا مؤمنين فيجب أن يفرق بين أن يكون متعلقا بالاسم وبين أن يكون متعلقا بالكلام وهذا فرق محقق يجب اعتباره.

стр. 328

وأما التخصيص بالغاية كأكرم بني تميم حتى يدخلوا فيقضى على غيرهم لأن ما بعد الغاية يخالف ما قبلها قال بعض أصحابنا والآمدي وغيرهم وهي كالاستثناء بعد جمل في العود. وأما الإشارة بلفظ ذلك بعد الجمل فإنه يعود إلى الجميع ذكره القاضي وابن عقيل وأبو يعلى الصغير وأبو البقاء. وأما التقييد بعد العطف فمقتضى كلام النحاة وجماعة من الأصوليين عوده إلى الجميع. واختلف أصحابنا في الفروع على وجهين أصحهما أن الأمر كذلك فإذا قال له على مثلا ألف وخمسون درهما فالجميع دراهم على الصحيح وقال أبو الحسن التميمي يرجع في تفسير الألف إليه. وأما الضمير فذكر طائفة من أصحابنا أنه يعود إلى جميع ما تقدم كقولك أدخل بنى هاشم ثم بنى المطلب ثم سائر قريش وأكرمهم. ومن مسائل الاستثناء: الاستثناء من الإثبات كقولك قام القوم إلا زيدا فإنه يكون نفيا للقيام عن زيد بالاتفاق كما قاله الإمام في المعالم وصاحب الحاصل وغيرهما وإن اختلف الناس في مدرك ذلك. وأما الاستثناء من النفي نحو ما قام أحد إلا زيدا فعندنا وعند الجمهور يكون إثباتا لقيام زيد. وقال أبو حنيفة لا يكون إثباتا بلا دليل على إخراجه عن المحكوم عليهم وحينئذ فلا يلزم منه الحكم بالقيام أما من جهة اللفظ فلأنه ليس فيه على هذا التقدير ما يدل على الثانية كما قلنا وأما من جهة المعنى فلأن الأصل عدمه قالوا بخلاف الاستثناء من الإثبات فإنه يكون نفيا لأنه لما كان مسكوتا عنه وكان الأصل هو النفي حكمنا به فحكموا من جهة أن الأصل عدمه لا من جهة اللفظ.

стр. 329

فعلى هذا لا فرق عندهم في دلالة اللفظ بين الاستثناء من النفي والاستثناء من الإثبات وأن اللفظ لا دلالة له على إثبات المستثنى ولا نفيه. وعليه يحمل القول الذي حكاه في المسودة وغيره عنهم أن الاستثناء من الإثبات لا يكون نفيا ومن النفي لا يكون إثباتا. ومن فروع هذه المسألة: إذا قال المقر ماله عندي عشرة إلا واحدا فإنه يكون مقرا بواحد في أحد الوجهين لنا لأن الاستثناء من النفي إثبات. قال أبو العباس وعندي هذا ليس بجيد وإنما مقصوده أنه ليس له عندي تسعة ولك لأنه لو قصد الإثبات لقال ما له عندي إلا واحد ككلام العرب فيفرق بين العدد والعموم. قلت وقد يوجه أحد الوجهين أنه لا يلزمه شيء في مسألتنا هذه ليس له عندي عشرة إلا واحد أن العشرة إلا واحد مدلولها تسعة. ومن فروع هذه المسألة أيضا: إذا حلف الحالف لا يلبس إلا الكتان فهل الكتان محلوف على لبسه فإذا جلس عريانا حنث بناء على قاعدة الاستثناء من النفي إثبات أو لا يحنث لأن المقصود أنه يمتنع من لبس كل شيء إلا الكتان فإنه لا يمتنع من لبسه فلا يكون محلوفا عليه في المسألة قولان للعلماء اختيار ابن عقيل الثاني. ومن فروعها أيضا: إذا قال الزوج لزوجته أنت طالق واحدة إلا أن تشائي ثلاثا أو قال أنت طالق ثلاثا إلا أن تشائي واحدة فشاءت الثلاث أو الواحدة لم تطلق في أحد الوجهين بناء على أن الاستثناء من الإثبات نفي. والوجه الثاني: واختاره أبو بكر تطلق في الصورة الأولى ثلاثا وفي الثانية

стр. 330

واحدة لأن المتبادر إلى الفهم أن ذلك تخيير بين الواحدة والثلاث والله أعلم. ومنها: ما ذكره صاحب المغنى لو قال: امرأتي طالق إن كنت أملك إلا مائة ولم ينو شيئا وكان يملك أكثر أو أقل حنث. تنبيه قد تقدم الاستثناء إلا في صور: منها: الطلاق والعتاق وذلك واحد في صورها والكلام عليها إلا في الاستثناء بالمشيئة وذلك نوعان: أحدهما أن يكون بصيغة التخيير كقوله لامرأته أنت طالق إن شاء الله ولعبده أنت حر إن شاء الله فالمذهب عندنا المنصوص عن أحمد في رواية الجماعة منهم ابن منصور وحنبل والحسن بن ثواب وأبو النضر والأثرم وأبو طالب وقد توقف أحمد أيضا عن الجواب فيها في رواية جماعة منهم عبد الله وصالح وإسحاق بن هانيء وأبو الحارث والفضل بن زياد وإسماعيل بن إسحاق فمن الأصحاب من حكى ههنا رواية أخرى بعدم الوقوع كالقاضي أبى الحسين وصاحب المغنى وغيرهما. واختار أبو العباس في هذه المسألة تحقيقا حسنا وتفصيلا بينا وهو أن الزوج إن أراد بقوله أنت طالق إن شاء الله وقوع الطلاق عليها بهذا التطليق طلقت لأن هذا كقوله أنت طالق بمشيئة الله وهذا مريد للطلاق قاصد لإيقاعه فعلمنا أن الله قد شاء وقوع طلاقه بذلك وليس قوله إن شاء الله تعليقا بل هو توكيد للوقوع وتحقيق له وإن أراد بقوله إن شاء الله حقيقة التعليق على مشيئة مستقبلة لم يقع به الطلاق حتى تطلق بعد ذلك لأنه لم يرد إيقاع هذا الطلاق عليها الآن وإنما قصد تأخير وقوع الطلاق عليها إلى أن يشاء الله وقوع طلاق عليها في المستقبل فلا تطلق حتى يطلقها الزوج لأن الله لا يشاء وقوع طلاقها حتى يطلقها الزوج فإذا طلقها الزوج بعد ذلك فقد شاء الله وقوع طلاقها حينئذ. وكذلك إن قصد بقوله إن شاء الله أن يقع هذا الطلاق الآن فإنه يكون معلقا أيضا على المشيئة فإذا شاء الله وقوعه فقد وجد شرط وقوعه فيقع حينئذ ولا يشاء الله وقوعه حتى يوقعه هو ثانيا ومتى كان مقصوده تعليق وقوع هذا

стр. 331

الطلاق على وقوع طلاق آخر بها فهو كقوله إن طلقت فأنت طالق يقصد التعليق وإن كان مقصوده إخبارها أنها لا تطلق حتى يشاء الله طلاقها بعد ذلك ومتى طلقها بعد ذلك فهي طلقة واحدة. وقد حكى طائفة من الشافعية كأبي حامد الاسفرائينى١ عن الإمام أحمد ﵁ أن العتاق المستثنى فيه بالمشيئة دون الطلاق وهذا لا يثبت عن الإمام أحمد ذكره المحققون من الأصحاب منهم القاضي في خلافه وصاحب المحرر وغيرهما فإن مأخذ هذا من كلام أحمد ما روى عنه الميموني أنه إذا قال لامرأة أنت طالق يوم أتزوجك إن شاء الله ثم تزوجها لم يلزمه شيء ولو قال لأمة أنت حرة يوم أشتريك إن شاء الله تعالى ثم اشتراها صارت حرة. فظن من لا خبرة له بأصول الإمام أحمد أنه فرق لأجل الاستثناء وإنما فرق بين الطلاق والعتاق لأجل التعليق قبل الملك فإن نصوصه بالتفريق بينهما فيصح تعليق العتق على الملك دون تعليق الطلاق على النكاح وهذا النص من جملتها. قال أبو العباس وإنما هذا قول القدرية لأن المشيئة عندهم بمعنى الأمر والله تعالى يأمر بالعتق ولا يأمر بالطلاق قال وقد وضعوا في ذلك حديثا مسندا من رواية أهل الشام عن معاذ وأشار إلى حديث رواه ابن عدى وغيره من حديث حميد بن مالك عن مكحول عن معاذ عن النبي ﷺ فيمن قال لمملوكه أنت حر فهو حر ولا استثناء له وإذا قال لامرأته أنت طالق فله استثناؤه ولا طلاق عليه وهذا باطل فإن حميد بن مالك ضعيف ومكحول٢ لم يلق معاذا وقد حكى الغزالى عن مالك مثل ما حكاه الاسفرائينى عن أحمد وغلطه في ذلك أبو البركات في تعليقه على الهداية. النوع الثاني: صيغة التعليق والقسم كقوله أنت طالق إن دخلت الدار

стр. 332

إن شاء الله تعالى أو أنت طالق لتدخلن الدار إن شاء الله أو أنت طالق لا تدخلين الدار إن شاء الله ونحو ذلك فهذا فيه نزاع معروف في مذهب الإمام أحمد. وصور شيحنا أبو الفرج في ذلك سبع طرق للأصحاب. الطريقة الأولى أن في المسألة روايتين مطلقا سواء كان الحلف بصيغة الجزاء أو القسم وهذه الطريقة مقتضى كلام أكثر المتقدمين من الأصحاب كأبي بكر عبد العزيز والقاضي وابن عقيل وغيرهم. ومأخذ هذا الخلاف عند المحققين من الأصحاب وغيرهم أن الطلاق المعلق بشرط ونحوه قد تضمن شيئين إطلاقا ملتزما عند وجود شرطه وفعلا ملتزما بالطلاق بقصد الحض عليه أو المنع منه فإن غلبنا عليه جهة الطلاق قلنا هو طلاق ملتزم بشرطه وجد شرطه صار كالطلاق المنجز في حينه فلا ينفع فيه الاستثناء لاسيما ومن الناس من يمنع كونه يمينا وإنما يقول: هو طلاق معلق. ويؤيده أنه لا تدخله الكفارة فلا ينفع فيه الاستثناء بطريق الأولى. وإن غلبنا عليه جهة اليمين قلنا هو يمين من الأيمان فإن المقصود به الحض على فعل أو المنع منه دون وقوع الطلاق. وإذا كان بينا دخل في قوله ﷺ : "من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى أو فلا حنث عليه" ١. وقد ذكر مضمون هذا المأخذ القاضي وأبو الخطاب في خلافيهما وصاحب المغنى وغيرهم. وأما أبو بكر عبد العزيز ففرق بين الاستثناء في الطلاق والاستثناء في تعليقه لأن الطلاق المنجز ماض فلا ينفع فيه الاستثناء وإن لم يكن معلقا على

стр. 333

شرط كقوله أنت طالق غدا أو إلى سنة إن شاء الله وهو ضعيف. الطريقة الثانية أن الروايتين في الحلف بالطلاق بصيغة القسم وفي التعليق على شرط يقصد به الحض والمنع دون التعليق على شرط يقصد به وقوع الطلاق بنية. وهذه الطريقة اختيار أبى العباس وهي مقتضى كلام جماعة من الأصحاب لأنهم عللوا رواية صحة الاستثناء في التعليق بأن التعليق يمين والطلاق إنما يكون يمينا وحلفا إذا علق على شرط يقصد منه الحض أو المنع لدخول الدار وكلام زيد دون ما يقصد منه الوقوع كطلوع الشمس وقدوم الحاج في أصح الوجهين للأصحاب وهو اختيار القاضي في المجرد وابن عقيل وصاحبي التلخيص والمحرر وغيرهم. فعلى هذا لو كان الطلاق معلقا بشرط يقصد به الوقوع لم ينفع فيه الاستثناء قولا واحدا كقوله أنت طالق إذا طلعت الشمس إن شاء الله تعالى فإن هذا ليس بيمين وإنما هو توقيت للطلاق بوقت معين فهو كقوله أنت طالق غدا إن شاء الله فإذا جاء وقته فقد شاء الله وقوعه فيه. وأيضا فالاستثناء ههنا عائد إلى الإيقاع بلا ريب لا إلى وجود الوقت وعدمه ومتى كان الاستثناء عائدا إلى الطلاق لا إلى الفعل فإنه كالاستثناء في الطلاق المنجز بلا نزاع على طريقة المحققين. والطريقة الثالثة: أن الروايتين في صيغة التعليق إذا قصد رد المشيئة إلى الطلاق أو طلق فأما إن رد المشيئة إلى الفعل فإنه ينفعه قولا واحدا وكذلك إن حلف بصيغة القسم فإنه ينفعه الإستثناء قولا واحدا وهذه طريقة صاحب المحرر. وتوجيه هذه الطريقة أنه إذا أطلق المشيئة أوردها إلى الطلاق فإنه يخرج على الخلاف في تغليب جهة اليمين أو جهة الطلاق المعلق فحيث غلبه على جهة الحلف نفع فيه لأنه يمين ولا يخرج برد الاستثناء إلى الطلاق عن كون الصيغة يمينا فأما صيغة القسم فهي يمين محضرة لأن المشيئة فيها راجعة إلى الفعل لا تحتمل غير ذلك فينفع فيها الاستثناء.

стр. 334

وكذلك إذا رد المشيئة إلى الفعل في صيغة الشرط نحو أن يقول: أنت طالق لا تدخلين الدار إن شاء الله ونوى إن شاء الله دخولها فإن هذا كقوله أنت طالق لا تدخلين الدار إن شاء الله فإن صيغة القسم كصيغة الشرط غير أن المثبت في الشرط يكون منفيا في القسم وبالعكس. وبيان أن الاستثناء ههنا ينفع أنه إذا قال أنت طالق لا تدخلين الدار إن شاء الله فقد أقسم والتزم بطلاقها أنها لا تدخل الدار إن شاء الله ذلك أي إن شاء الله لا تدخل فإن لم يشأ الله ذلك بل شاء أنها تدخل فلم يلتزم الطلاق حينئذ فإذا لم تدخل فلم يوجد المحلوف عليه فلا يحنث وإن دخلت تبينا أن الله شاء دخولها وهو لم يلتزم الطلاق إذا شاء الله دخولها بل التزم طلاقها بدخولها إلا أن يشاء الله أن لا تدخل فإن لم تدخل فلم يلتزم طلاقها حينئذ. يوضع هذا أن قوله لا تدخلين الدار إن شاء الله معناه إن شاء الله أن لا تدخلي١ لا أن معناه أنا ألتزم بطلاقك أن لا تدخل هذه الدار إن شاء الله فإن دخلت تبينا أن الله لم يشأ ذلك وهو لم يلتزم بطلاقها حينئذ فلا تطلق. وأما في صيغة الشرط إذا قال أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله أي أن شاء الله دخولك فهو في معنى القسم لأنه التزم بطلاقها أن لا تدخل الدار إن شاء الله أن لا تدخل فالمشيئة في المعنى عائدة إلى عدم الدخول وإن كانت في صورة اللفظ عائدة إلى الدخول فإن مقصود هذه اليمين هو عدم الدخول الذي التزمه بالطلاق فالمقصود عدمه وعدم الطلاق ليس المقصود وجوده ووجود الطلاق بخلاف ما إذا كان الشرط يقصد وجوده ووجود الطلاق عنده فإن الاستثناء ثم يعود في عادة الناس إلى وقوع الطلاق عند وجود شرطه المقصود فصار كالاستثناء في نفس الطلاق المنجز. فتبين بذلك أن لا فرق بين صورة القسم وصورة التعليق إذا قصد رد المشيئة فيها إلى الفعل وهذا هو التحقيق والله أعلم. والطريقة الرابعة: طريقة صاحب المغنى وهي أن الروايتين في صورة

стр. 335

التعليق بالشرط إذا لم يرد المشيئة إلى الطلاق فإن ردها إلى الطلاق فهو كما لو نجز الطلاق واستثنى فيه وإن أطلق النية فالظاهر رجوعه إلى الفعل دون الطلاق لأنه المعهود في مقاصد الحالفين بالطلاق ويحتمل عوده إلى الطلاق ولو رد المشيئة إلى الفعل نفعه قولا واحدا كما ينفعه في صيغة القسم. وهذه توافق طريقة صاحب المحرر إلا أنها مخالفة لها في أنه إذا أعاد الاستثناء إلى الطلاق لم ينفع كما لا ينفع في المنجز وهو الذي ذكره ابن عقيل وغيره أيضا وهو أصح لأنه منع من ذلك مطلقا من غير استثناء فالتزم الامتناع منه بالطلاق إن شاء الله ذلك الالتزام ولا تنفعه المشيئة شيئا لأن حكم الالتزام أمر شرعي قد شاءه الله كما شاء وقوع الطلاق المنجز عند إيقاعه. والطريقة الخامسة: طريقة صاحب التلخيص وهي حمل الروايتين على اختلاف حالين فإن كان الشرط نفيا لم تطلق نحو إن قال أنت طالق إن لم أفعل كذا إن شاء الله فلم يفعله فلا يحنث وإن كان إثباتا حنث نحو إن فعلت كذا فأنت طالق إن شاء الله ففعلته فإنه يحنث. وهذه الطريقة مخالفة للمذهب المنصوص لأن نص أحمد إنما هو في صورة الشرط الثبوتي وقد اختلف قوله فيه على روايتين فكيف يصح تنزيل الروايتين على اختلاف حالين ولكن شبهة صاحب هذه الطريقة أنه إذا كان الشرط نفيا وقد استثنى فيه بالمشيئة فلم يلتزم الطلاق عند انتفائه بخلاف ما إذا كان الشرط ثبوتيا فإنه التزم الطلاق عند وجوده. والطريقة السادسة: طريقة القاضي أبي يعلى في الجامع الكبير أنه قال عندي في هذه المسألة تفصيل ثم ذكر ما مضمونه أنه إذا لم توجد الصفة التي هي الشرط المعلق عليه الطلاق انبنى الحكم على علة وقوع الطلاق المنجز المستثنى منه فإن قلنا العلة أنه علقه بمشيئة لا يتوصل إليها لم يقع الطلاق رواية واحدة لأنه علقه بصفتين إحداهما دخول الدار مثلا والأخرى المشيئة وقد وجدتاه فلا يحنث. وإن قلنا العلة علمنا بوجود مشيئة الله لوجود لفظ الطلاق انبنى على أصل آخر وهو ما إذا علق الطلاق بصفتين فوجدت إحداهما مثل أن يقول: أنت

стр. 336

طالق إن دخلت الدار وشاء زيد فدخلت الدار ولم يشأ زيد فهل يقع الطلاق على روايتين كذلك ههنا يخرج على روايتين. وأما إن وجدت الصفة وهي دخول الدار فإنه ينبني التعليلين أيضا فإن قلنا قد علمنا مشيئة الطلاق وقع رواية واحدة لوجود الصفتين جميعا. وإن قلنا لم نعلم مشيئته انبنى على ما إذا علقه على صفتين فوجدت إحداهما ويخرج على روايتين. والطريقة السابعة: طريقة ابن عقيل في المفردات فإنه جعل الروايتين في وقوع الطلاق بدون وجود الصفة فأما مع وجودها فيقع الطلاق قولا واحدا. وجعل مأخذ الروايتين في وقوعه قبل الصفة أن المشيئة إن عادت إلى الطلاق كما شاء وقع المنجز وإن عادت إلى الفعل لم يقع الطلاق حتى توجد. قال لأن المعنى في قوله: أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله أنت طالق إن شاء الله دخولك الدار فمتى دخلت وقع بغير خلاف. وهذه أضعف الطرق وفسادها من وجهين: أحدهما قوله: إن عادت المشيئة إلى الطلاق فقد شاءه الله فيقع فيقال هذا طلاق معلق بشرط فكيف يقال إن الله شاءه قبل وجود شرطه وهذا بخلاف المنجز فإن الله شاء وقوعه عند تنجيزه؟ والثاني: قوله: وإن عادت إلى الفعل وقع الطلاق لأن المعنى أنت طالق إن شاء الله ذلك الفعل فإذا شاءه الله وقع طلاقها فهذا إنما يسلم له لو قصد المعلق هذا المعنى وهو أن يعلق طلاقها بمشيئة الله وهذا في الشرط المختص الذي لا يقصد به الحض والمنع قد يتوجه فأما في الشرط الذي يقصد به الحض والمنع فإن الحالف في العرف إنما يقصد بالحلف المنع من ذلك الفعل إن شاء الله المنع منه أو الحض على ذلك الفعل إن شاء الله وجوده فمتى وقع الأمر بخلاف ما وقع حلفه عليه علم أن الله لم يشأ ما حلف عليه وهو إنما التزم المحلوف عليه بشرط أن يشاءه الله وقد تبين أن الله لم يشأه فلم تتناول يمينه هذه

стр. 337

الصورة بخلاف ما إذا كانت يمينه مطلقة غير متعلقة بمشيئة فإنها كانت تتناول هذه الصورة فيحنث بها. تنبيه: حيث قلنا يفيد الاستثناء بالمشيئة فسواء كان متقدما على الجزاء أو متأخرا عنه ومقتضى كلام القاضي في الجامع ولو تقدم على الشرط والجزاء لأنه قال إذا قال لزوجته إن شاء زيد فأنت طالق فالاستثناء صحيح لأنه عطف عليه بالفاء فصار كأنه قدم الطلاق قال: وكذلك إذا قال: إن شاء زيد أنت طالق انتهى. ولا بد في الاستثناء من نطقه إلا أن يكون مظلوما خائفا فيصح استثناؤه في نفسه وعزى إلى نص أحمد وكذلك قال في المستوعب إلا أنه لم يقل خائفا وذكره عن ابن أبي موسى. وحيث قلنا يجب نطقه فهل يجب إسماع نفسه ومع عذر بحيث يحصل السماع مع عدمه أو يكفي الإتيان بالحروف وإن لم يسمعها ولا يعتبر سماع المتكلم. وتعتبر نية الاستثناء على الصحيح وقال القاضي أبو يعلى يتوجه أن يصح من غير نية. وتظهر فائدة الخلاف فيمن سبق الاستثناء على لسانه عادة أو أتى به تبركا. وقد تقدم إذا قلنا باشتراط نية الاستثناء أين يكون محلها؟ وإذا شك الحالف في الاستثناء فالأصل عدمه. وقال ابو العباس: إلا من عادته الاستثناء واحتج بالمستحاضة تعمل بالعادة والتمييز ولا تجلس أقل الحيض والأصل وجوب العادة.

стр. 338

القاعدة ٦٣ إذا بطل الخصوص هل يبطل العموم؟ في ذلك خلاف بين العلماء وينبني على ذلك مسائل: منها: إذا نسخ الوجوب فيبقى الجواز قال صاحب التلخيص: هذا هو الأصح عند أصحابنا وحكى عن الحنفية وقاله الإمام فخر الدين والجمهور. ومرادهم ببقاء الجواز والتخيير بين فعله وتركه. وقال ابن برهان وأبو المطلب والغزالي وجزم به التميمي عن أحمد لا يبقى دليلا على الجواز بل يرجع الأمر إلى ما كان قبل الوجوب من البراءة الأصلية أو الإباحة أو التحريم وصار الوجوب بالنسخ كأن لم يكن وحينئذ فيكون الخلاف بين الطائفتين معنويا خلافا لما ادعاه التلمساني. وصورة المسألة أن يقول: الشارع نسخت الوجوب أو نسخت تحريم الترك أو رفعت ذلك فأما إذا نسخ الوجوب بالتحريم أو قال رفعت جميع ما دل عليه الأمر السابق من جواز الفعل أو امتناع الترك فيثبت التحريم قطعا. ومنها: القراءة الشاذة هل تنزل منزلة الخبر في الاحتجاج أم لا؟ وفي ذلك مذهبان تقدما. ومنها: إذا ظن دخول وقت صلاة فريضة فأحرم بفرض فبان قبل وقته لا يجزئه عن الفرض جزما وهل ينعقد نقلا أم لا؟ في المسألة روايتان:

стр. 339

المذهب أنها لا تنعقد نقلا وكذلك لو ظن أن عليه فريضة فائتة فأحرم بها فلم يكن في المسألة الروايتان والمذهب الانعقاد أيضا. وأما إذا كان عالما فلا تنعقد فرضا جزما وفي انعقادها نقلا وجهان المذهب لا تنعقد. ومنها: إذا قلنا التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبيح الصلاة فإنه يبطل بخروج وقت الصلاة فلو نوى بتيممه إقامة فرضين قال أبو المعالي بن منجا ففي صحة تيممه وجهان: احدهما لا يصح أصلا ولا يصلح لفريضة واحدة. والثاني: يصلح لفريضة واحدة وهذا يقرب من الخلاف في المتوضئ إذا بوضوئه إقامة صلاة واحدة دون غيرها ففي صحة الوضوء وجهان. ومنها: إذا نوى المتيمم رفع الحدث وقلنا على المذهب التيمم ففي صحة تيممه وجهان لأن نية الرفع تستلزم الإباحة وصحح طائفة الصحة. ولو تيمم بفريضة قبل وقتها قال أصحابنا لا يصح تيممه بناء على أن التيمم يبيح لا يرفع ويتخرج لنا وجه بصحة تيممه للنقل كما قلنا إذا أحرم فرض فبان قبل وقته أنه يصير نقلا على رواية. ومنها: لو أحرم بفرض ثم نقله تطوعا هل يبطل أم لا؟ قال القاضي في الجامع الكبير: تخرج المسألة على روايتين. إحداهما: يبطل وهو ظاهر كلام أحمد في رواية اسحق بن هانئ في الرجل قوم في الصلاة فإذا أراد أن يركع ينوي التطوع فقال إذا فرض صلاة لم يحولها إلى غيرها فقد منعه من الخروج منها فاقتضى ذلك بطلانها. والثانية: لا يبطل وأصل ذلك ما نص عليه أحمد في رواية الجماعة إذا ذكر أن عليه صلاة وهو في الصلاة والوقت واسع لها يتمها وتكون نافلة

стр. 340

ويقضي الفائتة ثم يصلى صلاة الوقت فلم يحكم ببطلانها من أصلها بل جعلها نافلة في حقه. وبيان تخريج هذه المسألة على القاعدة أن نية الفرض تشتمل على نية الصلاة من حيث الجملة وخصوص الفرض فإذا بطل خصوص الفرض بقى أصل نية الصلاة كما لو أحرم فظن أن الوقت قد دخل فبان لم يدخل كما تقدم. ومن نص الرواية الأولى هنا أجاب عن قياس هذه المسألة على المسألة التي قبلها لأنه إنما صح في الأولى لأنه أحرم بالفريضة قبل وقتها فانعقدت من أصلها نافذة فلهذا صح أن يتمها بتلك النية وههنا انعقدت فريضة فلم يصح أن يكملها نافذة. ومحل هذا الكلام إذا نقل الفرض إلى النفل لغير غرض صحيح أما إذا كان لغرض صحيح مثل أن يحرم منفردا فيريد الصلاة في جماعة فإن المذهب الصحيح أنه يصح لأنه إكمال في المعنى. قال صاحب المحرر وغيره كنقض المسجد للإصلاح ما شبه بما إذا أحرم بفرض في غير وقته هل ينقلب نفلا أم لا؟ مسائل في الصلاة فتعطى حكمها: منها: إذا قلنا لا تصح الفريضة في الكعبة فصلى الفرض فيها. ومنها: لو ائتم بصبي في الفرض وقلنا لا تصح إمامته في الفرض. ومنها: إذا كبر لإحرام الفريضة قاعدة أو راكعا وكان قادرا على القيام. وفي المسألة ثلاثة أوجه: أحدها تنعقد نفلا في الصورتين واختاره جماعة. والثاني: لا تنعقد فيهما. والثالث: تنعقد إذا كبر قاعدا ولا تنعقد إذا كبر راكعا لأن الصلاة لها حالتان إما قيام وإما قعود وليس لنا صلاة في حالة الركوع.

стр. 341

ومنها: إذا قلنا لا تصح صلاة الفذ فأحرم بفرض فذا ففي انعقاده نفلا وجهان. ومنها: حيث قلنا تبطل الجمعة بخروج الوقت أو نقصان العدد ونحو ذلك فهل تنقلب ظهرا أو يستأنفونها ظهرا لنا في ذلك وجهان. وعلى قولنا يستأنفون ظهرا فإنها تنقلب ظهرا ذكره صاحب التلخيص في المزحوم وذكره صاحب المغنى أيضا فيما إذا صلى الإمام قبل الزوال فأدرك المأموم معه أقل من ركعة وتتوجه التعدية إلى جميع الصور إذ لا فرق. وقد يخرج لنا قول إذا قلنا بالاستئناف أنها لا تنعقد نافلة أيضا بناء على قولنا بعدم الصحة إذا أحرم بالصلاة على صفة ولم يصح الإحرام على تلك الصفة. وعلى قولنا تنقلب ظهرا أبطلنا خصوص الجمعة إلى فرض آخر وهو الظهر ولم نبطله إلى العموم مطلقا وهي النافلة وهي درجة متوسطة والله أعلم. ومن مسائل إذا بطل الخصوص هل يبقى العموم أم لا؟ إذا ظن رب المال أن عليه زكاة فأخرجها ثم بان أن لا شيء عليه لم يرجع بها على المسكين لوقوعها نفلا قال القاضي١: وذكره أبو البركات محل وفاق. قلت ويتخرج لنا قول بالرجوع من مسألة ما إذا عجل الزكاة فدفعها إلى الفقير ثم بان المعجل غير زكاة بأن هلك المال فإنه هل يرجع على الفقير أم لا حكى طائفة من الأصحاب وجهين وحكى القاضي أبو الحسين وغيره روايتين والمذهب عن القاضي أبي يعلى وأبي البركات وغيرهما عدم الرجوع وعلى عدم الرجوع فلا فرق بين أن يكون الدافع رب المال أو وليه

стр. 342

وسواء كان الدفع إلى الإمام أو إلى الفقير. هذا إذا قبضها الفقير أما إذا دفعها إلى الساعي ولم يدفعها الساعي إلى الفقير فإن المالك يرجع إلى الساعي بالاتفاق قاله أبو الوفاء ابن عقيل في الفصول وأبو البركات في منتهى الغاية. قال ابن تميم وقطع به بعض أصحابنا لأن قبض الساعي للفقراء إنما هو في الصدقة الواجبة فأما النافذة فلرب المال ويكون وكيله في إخراجها لأنه ليس له ولاية أخذها وقبضه للمعجلة موقوف بأن الوجوب قيده للفقراء وإلا قيده للمالك وعلى عدم الرجوع سواء أعلمه أنها زكاة معجلة أم لا وسواء كان الدفع إلى الإمام أو الفقراء وسواء كان الدافع لها رب المال أو وليه هذا المذهب. وقال ابن حامد إن دفعها رب المال إلى الفقير رجع عليه إن أعلمه أنها زكاة معجلة وإن دفعها إلى الإمام أو دفعها وليه رجع مطلقا. قال ابن تميم ومن أخرج زكاة على وجه لا يجزئ أو بان الآخذ غنيا فالحكم في الرجوع كالمعجلة وذكره غيره أيضا. وذكر ابن تميم أيضا في موقع آخر ما ذكره غيره أنه يرجع على الغني بها أو بقيمتها إذا أعلمه أنها زكاة رواية واحدة. قلت وجزم غير واحد بالرجوع إذا دفع الزكاة على وجه لا تجزئ والله أعلم. ومنها: الإحرام بالحج قبل اشره مكروه نقله ابن منصور وقال القاضي: أراد كراهة التنزيه ويصح ونقل أبو طالب وسندي١ يلزمه الحج إلا أن يريد فسخه بعمرة فلذلك قال القاضي: بناء على أصله في فسخ الحج إلى العمرة. وعن أحمد رواية أخرى يبطل خصوص إحرامه بالحج ويبقى عموم

стр. 343

الإحرام للعمرة واختارها الآجري وابن حامد ولعل هذه الرواية مبنية على الرواية التي ذكرها ابن شهاب العكبري١ أن الإحرام بالحج قبل أشهره لا يجوز. ومنها: لو أشار إلى حيوان معيب عيبا مانعا من الأضحية فقال جعلت هذا أضحية أو نذرا لتضحية به ابتداء فإن ذلك لا يكون أضحية ويكون شاة لحم منذورة إلغاء لخصوص الأضحية وبقاء لعموم النذر ذكره صاحب المغنى والتلخيص وغيرهما واقتضى كلامهم أنها شاة لحم منذورة فإنها تذبح أي وقت كان. وقد يقال أنه يختص ذبحها بيوم النحر وتجري مجرى الضحايا في المصرف لأنه أوجبها باسم الأضحية وقد بطل البعض لمعنى فيثبت باقي الأحكام فإنه لا محل لكلامه غيره. ومنها: إذا أحال المشتري البائع بثمن المبيع فلم يقبض حتى فسخ البيع بعيب أو خيار أو غيره بطلت الحوالة في أحد الوجهين. فلو تبين البائع الثمن فهل يقع عن المشتري أم لا؟ في المسألة احتمالات ذكرها صاحب التلخيص. ومنها: إذا كان لرجل سلم وعليه سلم من جنسه فقال لغريمه اقبض سلمى لنفسك ففعل لم يصح قبضه لنفسه وهل يقبضه للآمر في المسألة وجهان. ومنها: إذا وكله في بيع فاسد أو شراء فاسد لم يصر وكيلا في صحيح هكذا جزم من وقفت على كلامه فإن أراد بهذا إذا قال بع أو اشتر وقت النداء أو بع السلاح لأهل الحرب أو في الفتنة ونحو ذلك من الصور فقد يقال يملك الصحيح ويلغو الفاسد وله نظائر في النظر والصلاة وإن أرادوا بيع الخمر وشراءه فلا والله أعلم. ومنها: إذا نذر صوم يوم العيد صح نذره ولزمه يوم آخر في الروايتين

стр. 344

كما لو قال لله على صوم بناء على بقاء العموم وإلغاء الخصوص ونصر هذه الرواية القاضي وأصحابه في كتب الخلاف. والرواية الثانية: عن الإمام أحمد لا يلزمه صوم إلغاء للعموم أيضا وعلى الروايتين هل يلزمه كفارة على روايتين. ونذر صوم أيام التشريق إن لم يجز صومها عن الفرض فهو كنذر صوم يوم العيد وإن جاز فهو كنذر سائر الأيام ذكره غير واحد وقال أبو البركات ويتخرج أن يكون كنذر العيد أيضا. ولو نذر صلاة في وقت نهى إن قلنا يفعل المنذورة وقت النهي انعقد نذره وفعلها فيه. وقال أبو العباس: لا يجوز هذا النذر ولم يذكرها بفعلها غير وقت نهي كنذر صوم يوم العيد أولا ولكن ذكر ابن عقيلل في الفصول أنه يفعلها غير وقت نهي كنذر صوم العيد. ومنها: لا يجوز للمريض الخائف من الصوم التلف الصوم ذكره في الانتصار وعيون الم والرعاية وغيرها فإذا نذره حال مرضه انعقد نذره موجبا للصوم إذا برأ ذكروه في كتب الخلاف محل وفاق. ومنها: إذا نذر صوم يوم الليل لا ينعقد نذره ذكره طائفة في كتب الخلاف محل وفاق وفرقوا بينه وبين العيد بأن الليل ليس من جنس الزمان القابل للصوم. ومنها: لو نذرت المرأة صوم يوم الحيض بمفرده أو نذر المكلف صوم يوم أكل فيه فإنه لا ينعقد نذره ذكره طائفة من الأصحاب في كتب الخلاف محل وفاق وفرقوا بينه وبين العيد أن الحيض والأكل منافيا للصوم لمعنى فيهما والعيد ليس منافيا للصوم لمعنى فيه وإنما المعنى في غيره وهو كونه في ضيافة الله تعالى. ومنها: لو نذر صوم نصف يوم لزمه يوم كامل ذكره أبو البركات قياس المذهب. ومنها: لو نذر الطواف على أربع لغا خصوص الطواف على الهيئة

стр. 345

المنهي عنها ولزمه الطواف على الوجه المشروع وهل هو طواف أو طوافان في المسألة روايتان المذهب أنه طوافان وفي الكفارة وجهان وذكر طائفة من الأصحاب أن نذر السعي على أربع مثله. وقياس المذهب في المسألة المذكورة لو أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد نذره بحجتين أو عمرتين يفعل إحداهما بعد الأخرى ولكن الذي جزم به الأصحاب أنه ينعقد إحرامه بإحداهما. ومنها: لو نذر العبادة على وجه فهي عنه كنذره الصلاة عريانا أو في مكان منهي عنه والحج حافيا حاسرا والمرأة تحج حاسرة فقياس المذهب الوفاء بالطاعة على الوجه المشروع إلغاء لتلك الصفة ويخرج في الكفارة وجهان ولكن نقل المرودي عن الإمام أحمد فيمن نذر أن يقرأ عند قبر ابنه يكفر يمينه ولا يقرأ. ومنها: لو وقف على مسجد قنديل ذهب أو فضة لم يجز وبطل خصوص الوقف. وهل يبطل عموم الصدقة به على المسجد في المسألة قولان: أحدهما واختاره جماعة بطلان الوقف وبقاء الموقوف على ملك مالكه. والثاني: واختاره أبو محمد المقدسي أنه يزول ملك الواقف عنه ويكسر ويصرف في مصالح المسجد وعمارته. وذكر أبو العباس إذا وقف قنديل نقد للنبي ﷺ يصرف لجيرانه ﷺ قيمته. وقال في موضع آخر النذر للقبور هو للمصالح ما لم يعلم ربه وفي الكفارة خلاف وأن من الحسن صرفه في نظيره من المشروع. ومنها: لو أعتق عن كفارته عبدا لا يجزئ في الكفارة فإنه ينفذ أعتاقه ولا يجزئه عن الكفارة ذكره صاحب المغنى. ومنها: إذا نظر المشي إلى بيت الله الحرام لزمه إتيانه حاجا أو معتمرا ذكره الأصحاب فإن نذر إتيانه لا حاجا ولا معتمرا لزمه إتيانه حاجا أو معتمرا ذكره القاضي أبو الحسين.

стр. 346

القاعدة ٦٤ المطلق ما يتأول واحدا غير معين باعتبار حقيقة شاملة لجنسه نحو تحرير رقبة والمقيد ما يتأول معينا أو موصوفا بزائد على حقيقة جنسه نحو تحرير رقبة مؤمنة. إذا تقرر هذا فإن ورد مطلق ومقيد فإن اختلف حكمهما لم يحمل أحدهما على الآخر قاله أصحابنا القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب والمقدسي وغيرهم ولم يحكوا فيه خلافا وصرح بنفي الخلاف الآمدي وتبعه ابن الحاجب قالا إلا في صورة مثل إن ظاهرت فأعتق رقبة كافرة أو لا يعتقها فإنه يقيد المطلق بنفي الكفر لامتناع الجمع بينهما وإذا ثبت عدم الحمل فسواء اتفق السبب كالتقييد بالتتابع في الصيام في كفارة الظهار وإطلاق الإطعام فيها أو اختلف كتقييد الصيام بالتتابع في كفارة الظهار. ويشكل على اختلاف الحكم واتفاق السبب في عدم الحمل إحدى الروايتين عن أحمد وهي المشهورة المنصورة في المذهب أنه يحرم وطء المظاهر منها قبل التكفير بالإطعام واحتج القاضي في تعليقه لهذه الرواية بحمل المطلق على المقيد. وهذا مخالف لما قرروه من أن اختلاف الحكم مانع من الحمل وقياسا لواحد الإطعام على العتق والصوم وفي هذا القياس نظر لأن شرط القياس اتفاق الحكم. وادعى بعض المتأخرين من أصحابنا اتفاق الحكم هنا لأن أنواع الواجب لا فرق بينهما إلا في الأسماء وإن لم يختلف حكمهما فإن اتحد سببهما وكانا مثبتين نحو أعتق في الظهار رقبة ثم قال أعتق في الظهار رقبة مؤمنة حمل المطلق على المقيد عند الأئمة الأربعة وذكره أبو البركات إجماعا وقال الآمدي لا أعرف فيه خلافا.

стр. 347

قلت لكن قيل للقاضي في التعليق في خبر ابن عمر ﵄ أمر النبي ﷺ المحرم بقطع الخف١ وأطلق في خبر ابن عباس ﵄ فيحمل عليه فقال إنما يحمل إذا لم يكن تأويله وتأولنا التقييد على الجواز قال وعلى أن المروذي قال احتججت على أبي عبد الله بخبر ابن عمر هذا وقلت فيه زيادة فقال هذا حديث وذاك حديث وظاهر هذا أنه لم يحمل المطلق على المقيد. وأجاب القاضي أبو الخطاب في الانتصار لا يحمل المطلق على المقيد نص عليه أحمد في رواية المروذي قال: وإن سلمنا على رواية فإذا لم يمكن التأويل. وقيل لأبي الخطاب في الانتصار أيضا في التخالف لاختلاف المتبايعين المراد في التخالف والسلعة قائمة. لقول النبي ﷺ :"والسلعة قائمة"؟ فقال لا يحمل المطلق على المقيد على وجه لنا. قال أبو البركات إن كان المقيد آحادا والمطلق متواترا فينبني على مسألة الزيادة هل هي نسخ وعلى نسخ المتواتر بالآحاد والمنع قول الحنفية. قلت والأشهر بين الأصوليين أن المقيد بيان لأن المراد من المطلق كان هو المقيد لا نسخا له وسواء تقدم المطلق على المقيد أو تأخر عنه. وذهب قوم إلى أنه لو تأخر المقيد على المطلق كان نسخا له وإن تقدم عليه كان بيانا. قال أبو البركات وجميع ما ذكرناه في المقيد نطقا فأما إن كانت دلالة المقيد من حيث المفهوم دون اللفظ فكذلك أيضا على أصلنا وأصل من يرى دليل الخطاب وتقديم خاصه على العموم فأما من لا يرى دليل الخطاب أو لا يخصص العموم به فيعمل بمقتضى الإطلاق فتدبر ما ذكرناه فإنه يغلط فيه كثير

стр. 348

من الناس وقد حرره أبو الخطاب تحريرا جيدا بنحو ما ذكرنا إلا أن ما ذكرنا أتم. واختار القاضي في صور الأمر التقييد بالمفهوم دون النهي كما سيأتي. وإن اتحد سببهما أيضا وكانا نهيين نحو لا تعتق مكاتبا ولا تعتق كافرا أو لا تكفر بعتق لا يعتق مكاتبا كافرا فالقيد دل بالمفهوم قال أبو الخطاب فمن لا يراه حجه قال صاحب المحرر أولا يخص العموم به فإنه يعمل بمقتضى الإطلاق ومن يراه حجة ويخص العموم به فإنه يعمل بالمقيد. واختار القاضي في الكفاية يعمل بالمطلق لأنه لا يخص الشيء بذكر بعض ما دخل تحته. وذكر الآمدي في الأحكام أنه لا خلاف في العمل بمدلولهما والجمع بينهما إذ لا يعذر فيه هذا لفظه. ومعناه أنه يلزم من نفي المطلق نفي المقيد فيمكن العمل بهما فلا يعتق في مثالنا رقبة لا مؤمنة ولا كافرة بناء على أن ذكر بعض أفراد العموم لا يكون مخصصا وصرح بذلك أبو الحسين البصري في المعتمد وحينئذ فلا فرق بين هذا القول وبين قول من قال يعمل بالمطلق كما هو قول القاضي. وأما قول أبى الحسين البصري إن ذكر بعض أفراد العموم لا يكون مخصصا ففيه نظر لأنه إذا كان ذلك الفرد له مفهوم معتبر فهي مسألة تخصيص العموم بالمفهوم والمذهب عندنا تخصيص العموم بالمفهوم كما إذا كان المطلق والمقيد إثباتا وكان المقيد مفهوما فإنه يفيد المطلق وقد وافق عليه القاضي. تنبيه: ذكر غير واحد من الأصوليين أنه إذا اتحد الحكم والسبب وكانا نهيين من صور المطلق والمقيد فالذي يظهر أن ذلك ليس هو من صور المطلق والمقيد بل هو من صور العام والخاص لأنه نكرة في سياق نفي والنكرة في سياق النفي عامة لا مطلقة والله أعلم.

стр. 349

ثم وجدت القرافي قد أشار إلى نحو ما ذكرناه. وإن اتحدا حكما واختلفا سببا كالرقبة المؤمنة في القتل والرقبة المطلقة في الظهار ذكر القاضي أبو يعلى في ذلك روايتين. إحداهما: يحمل المطلق على المقيد من طريق اللغة وقاله بعض الشافعية. والثانية: لا يحمل وبها قالت الحنفية وأكثر الشافعية واختارها أبو إسحاق بن شاقلا وأبو الخطاب وأبو البركات والحلوانى وحكى ابن نصر المالكي١ في الملخص أن مذهبهم لا يحمل عليه لغة أيضا. فأما حمل المطلق على المقيد بعلة جامعة بينهما فجائز عندنا وعند الشافعية والمالكية وذكر أبو الخطاب فيه الرواية الأخرى التي قبلها قال أبو البركات وليس في كلام أحمد دليل عليها نعم هي تتخرج على تخصيص العموم بالقياس. ولنا رواية بمنعه لأن المطلق هنا كالعام وقال الماوردى من الشافعية عندي أنه يعتبر أغلظ الحكمين فإن كان حكم المطلق أغلظ حمل على إطلاقه ولم يقيد إلا بدليل وإن كان العكس فالعكس لئلا يؤدى إلى إسقاط ما تيقنا وجوبه بالاحتمال. تنبيه: حمل المطلق على المقيد بالنسبة إلى الوصف فكما تقدم من وصف الرقبة بالإيمان في القتل وأما بالنسبة إلى الأصل أي المحذوف بالكلية فكالإطعام المذكور في كفارة الظهار دون كفارة القتل. فظاهر كلام أصحابنا يحمل المطلق على المقيد في الأصل كما حمل عليه في الوصف لأنهم حكوا في كفارة القتل في وجوب الإطعام روايتين الوجوب إلحاقا لكفارة القتل بكفارة الظهار كما حكوا روايتين في اشتراط وصف الإيمان

стр. 350

في كفارة الظهار والاشتراط وإلحاقا لكفارة الظهار بكفارة القتل. فدل هذا من كلامهم على أنه لا فرق في الحمل بين الأصل والوصف فممن قال بأن لا فرق في الحمل بين الأصل والوصف ابن خيران من الشافعية ولكن قال الرويانى من الشافعية في البحر المراد بحمل المطلق على المقيد إنما هو المطلق بالنسبة إلى الوصف دون الأصل. فائدة: معنا نصان مقيدان في جنس واجب والسبب مختلف وهناك نص ثالث مطلق من الجنس فلا خلاف أنه لا يلحق بواحد منهما لغة. وأما إلحاقه بأحدهما قياسا إذا وجدت علة تقتضى الإلحاق فإنه على الخلاف المذكور في حمل المطلق على المقيد من جهة القياس أشار إلى ذلك أبو البركات. وذكر القرافي المسألة في شرح التنقيح وقال حمل على الأقيس عند الإمام ويبقى على إطلاقه عند الحنفية ومتقدمي الشافعية قال وما أظن بين الفريقين خلافا لأن القياس إذا وجد قال به الحنفية والشافعية فيحمل قولهم: يبقى على إطلاقه على ما إذا لو يوجد قياس أو استوى القياسان. وفيما قاله القرافي نظر فإن الحنفية إنما قالوا يبقى المطلق على إطلاقه ولا يحمل على القياس لأن في القياس زيادة على النص وهو نسخ والنسخ لا يجوز بالقياس والله أعلم. مثال المقيدين والمتضادين والمطلق وجنس الجميع واحد قضاء رمضان ورد مطلقا وصرح في صوم الظهار بالتتابع وفي المتعة بالتفريق. وأما إذا أطلقت الصورة الواحدة ثم قيدت تلك الصورة بعينها بقيدين متنافيين كقوله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات" ١ فإنه قد ورد في رواية إحداهن بالتراب رواها الدارقطنى ولم يضعفها وذكر النووي

стр. 351

في المسائل المنثورة١ أنه حديث ثابت ولكن ذكر في الخلاصة٢ [أن] رواية إحداهن لم تثبت وفي رواية أولاهن بالتراب رواها مسلم وفي الأخرى السابعة بالتراب رواها أبو داود وهو معنى ما رواه مسلم وعفروه الثامنة بالتراب قيل إنما سميت ثامنة لأجل استعمال التراب معها. فلما كان القيدان متنافيان تساقطا ورجعتا إلى الإطلاق في إحداهن ففي أى غسلة جعله جاز إذا أتى عليه من الماء ما يزيله ليحصل المقصود منه لكن اختلف في الأولية فقيل الأولى جعله في الأولى اختاره صاحب المغنى وهو رواية عن الإمام أحمد. وقيل الأولى جعله في الأخيرة وحكاه في الرعاية رواية وعنه في الآخرة أن غسله ثمانيا ولا مدخل للقياس هنا. والصواب في مثل هذا سقوط التقييد بالنسبة إلى تعيين الأولى والسابعة لأنهما لما تعارضتا ولم يكن أحد القيدين أولى من الآخر تساقطا وبقى التخيير فيما حصل فيه التعارض لا في غيره وحينئذ فلا يوجد التعفير فيما عداهما لاتفاق القيدين على نفيه. ويدل على ما قلناه ما رواه الدارقطنى بإسناد صحيح أولاهن أو أخراهن أعنى بصيغة أو وقد نص الشافعي على ما ذكرناه من تعيين الأولى والأخرى فقال في البويطي ما نصه قال الشافعي وإذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبعا أولاهن أو أخراهن بالتراب ولا يظهر غير ذلك وكذلك روى عن رسول الله ﷺ هذا لفظه بحروفه وقال الشافعي في الأم أيضا نحو هذا وقاله من أئمة الشافعية الزبيري٣ في الكافي وصاحب ترتيب الأقسام وابن جابر كما نقله عن الدارمي.

стр. 352

فائدة: قال طائفة من محققى أصحابنا وغيرهم إن المطلق من الأسماء يتناول الكامل من المستثنيات في الإثبات لا النفي والله أعلم. فائدة: إذا قلنا يحمل المطلق على المقيد فإنما محله إذا لم يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة فإن استلزمه حمل على إطلاقه قاله طائفة من محققي أصحابنا. مثال ذلك إطلاق النبى ﷺ لبس الخفين بعرفات وكان معه الخلق العظيم من أهل مكة والبوادي واليمن لم يشهدوا خطبته بالمدينة فإنه لا يقيد بما قاله في المدينة وهو قطع الخفين. ونظير هذا في حمل اللفظ على إطلاقه قول النبي ﷺ لعائشة لما سألته عن دم الحيض "حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء" ١ ولم يشترط عددا مع أنه وقت حاجة فلو كان العدد شرطا لبينه ولم يحلها على ولوغ الكلب فإنها ربما لم تسمعه ولعله لم يكن شرع الأمر بغسل ولوغه والله أعلم.

стр. 353

القاعدة ٦٥ المفهوم على قسمين مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة. فأما مفهوم الموافقة فهو أن يكون المسكوت عنه موافقا في الحكم للمنطوق وأولى منه. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧﴾ وكفاية ما دون القنطار من قوله: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] وهذا تنبيه بالأعلى على الأدنى وما قبله بالأدنى على الأعلى وهو حجة ذكره بعضهم إجماعا لتبادر فهم العقلاء إليه واختلف النقل عن داود١. واختلف في دلالته فقال القاضي والحنفية والمالكية وبعض الشافعية وجماعة من المتكلمين والظاهرية واختاره ابن عقيل وذكره عن أصحابنا وقال بعض أصحابنا ونص عليه أحمد في مواضع دلالته لفظية. وقال ابن أبى موسى وأبو الحسين الجزري وأبو الخطاب والحلواني وغيرهم من أصحابنا والشافعي وأكثر أصحابه هو قياس جلي. وأما مفهوم المخالفة فهو على أقسام: منها: مفهوم الصفة وهو أن يقترن بعام صفة حاضرا كقوله ﷺ : "في الغنم في سائمتها الزكاة" قال به أحمد ومالك والشافعي وأكثر أصحابهم وذكره في الروضة عن أكثر المتكلمين ثم مفهوم عند الجميع لا زكاة في

стр. 354

معلوفة الغنم لتعلق الحكم بالسوم والغنم فيها العلة. ولنا وجه اختاره ابن عقيل وقاله بعض الشافعية وذكره القاضي ظاهر كلام أحمد لا زكاة في معلوفة كل حيوان أعنى من الأزواج الثمانية بناء على أن السوم العلة. وهل يعتبر البحث عما يعارضه قال في التمهيد وغيره هو كالعموم وزعم الآمدي أنه لا يعتبر عند من قال به. ولم يقل بمفهوم الصفة أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من المالكية وابن داود وابن سريج والقفال وابن الباقلانى وأبو المعالي الجوينى والغزالي والشاشى١ وأكثر المعتزلة والإمام فخر الدين في المحصول والمنتخب وأبو الحسن التميمي من أصحابنا والآمدي وقال في الانتصار في مسألة الولي هو إحدى الروايتين عن أحمد وذكره في التمهيد عن أكثر المتكلمين. واختلف النقل عن الأشعري وأثبته أبو عبد الله البصري٢ إن كان للبيان كالسائمة أو للتعليم كتحالف المتبايعين إذا اختلفا أو دخل ما عدا الصفة فحقها كالحكم بالشاهدين يدخل فيهما الشاهد الواحد. وإذا قلنا بأن مفهوم الصفة حجة قال أبو الفرج المقدسي من أصحابنا ثبت بالعقل وأنه إجماع أهل اللغة. وقال أبو الخطاب في التمهيد ثبت ذلك باستقراء كلامهم ومعرفة مرادهم وفهمته الصحابة وهم أهل اللسان. وذكر الرويانى من الشافعية في كتاب القضاء من البحر إذا قلنا مفهوم الصفة حجة فهل دلت اللغة عليه أم أستفدناه من صاحب الشرع؟ على وجهين.

стр. 355

وقال الإمام فخر الدين في المعالم: يدل عرفا لا لغة وقد تقدم عنه في المحصول والمنتخب أنه قال فيهما لا يدل مطلقا. ومفهوم الصفة له صورتان: أحداهما: أن يقترن بعام صفة خاصة أو يقسم اللفظ إلى قسمين ويذكر صفة مع كل قسم من القسمين نحو "الثيب أحق بنفسها والبكر تستأذن" ١. والثانية: أن تفرد الصفة بالذكر كقوله: "الثيب أحق بنفسها من وليها" ٢ وهذه الصورة دون التي قبلها في القوة. والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها أن ذكر الثيب يظهر معه أنه ذاكر للبكر ويحتمل الغفلة عن الذكر فصار المفهوم ظاهرا وعند ذكر الوصف الخاص مع العام انقطع احتمال عدم الحضور فصار المفهوم هنا أظهر أشار إلى ذلك أبو محمد المقدسي. وظاهر كلام جماعة من أصحابنا وغيرهم التسوية قال أبو المعالي الجوينى بمفهوم الصفة مع مناسبة الصفة للحكم وإلا فليس بحجة وذكره بعض أصحابنا ظاهر اختيار القاضي في موضع من كلامه. ومنها: مفهوم الشرط نحو ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: ٦] وهو أقوى من الصفة فلهذا قال به جماعة ممن لم يقل بمفهوم الشرط منهم ابن سريج وغيره من الشافعية والكرخى وغيره من الحنفية والإمام فخر الدين. ويتفرع على مفهوم الصفة والشرط فروع كثيرة في الوقف والوصايا والتعاليق والنذور والأيمان. منها: مفهوم الغاية نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] أقوى من الشرط فلهذا قال به جماعة ممن لم يقل بمفهوم الشرط كقوم من الحنفية وغيرهم وبالغ ابن عقيل حتى قال: لا
следующие страницы →